فكرة المجتمع المدني في الجنوب الكبير ***
الملخّص
يمكن اقتفاء أصل أكثر فهوم مصطلح "المجتمع المدني" تأثيرًا في ما وُصِ ف ب "أمركة" المفهوم خلال العقدين الماضيين. فمن خلال توظيف هذا المفهوم التوكيفيلي الجديد عن "المجتمع المدني"، يجري تصميم فضاء اجتماعي جديد في الجنوب الكبير. ومع التدفق المتزايد بين النظريات والمعرفة الأكاديمية من جهة، وعالم وكالات المساعدات والسياسات والسياسة العملية من جهة أخرى، صار المجتمع المدني وسيلة لتحقيق غاية - الدمقرطة، أو النمو الاقتصادي، أو التنمية المستدامة - لا غاية في حد ذاته. كلمات مفتاحية: المجتمع المدني، الجنوب الكبير، المساعدات. The genealogy of the most influential understanding of the term "civil society" can be traced to what has been described as the "Americanization" of the concept in the last two decades. Through the instrumentalization of this neo-Tocquevillian conception of "civil society," a new social space is being designed in the global South. With the growing flow between academic theories and knowledge and the world of aid agencies, policies and practical politics, civil society is becoming a means to an end — democratization, economic growth or sustainable development — rather than an end in itself. Keywords: Civil Society, Global South, Aids.
The Idea of Civil Society in the South: Imaginings, Transplants, Designs
إنّ المجتمع المدني لَهُو تجربة أو سلسلة طويلة من التجارب، حيث إن كلّ ما يتعلق به إنما هو نابع من المحاولة وخاضع للمراجعة، لكن لا أحد يتحمّل مسؤولية التجارب.
حتى الآن، لا يوجد أي دليل على وجود مجتمع مدني يعمل وظيفيًّا في أفريقيا.
يرى جان وجون كوماروف، في مقدمتهما لكتاب رأسمالية الألفية وثقافة النيوليبرالية، أن المجتمع المدني، وأكثر من أي معلَم آخر، عاد ظهوره بوصفه الفكرة الكبرى التي ميّزت اللحظة الألفية. وهما، في هذا الكتاب، يُلقيان الضوء على أوجه تشابه كبرى ما بين الظهور الأول لفكرة "المجتمع المدني"، في أواخر القرن الثامن عشر، وظهورها مجددًا في أواخر القرن العشرين1. سأقترح في هذه الدراسة أن ثمة تناقضات جوهرية بين المجيء الأول والثاني ل "المجتمع المدني"، وأقترح أن توظيفًا لمفهوم محدد جدًا عن هذا المصطلح يجري استخدامه، حيث يؤدي إلى تصميم مساحة اجتماعية جديدة في العديد من دول الجنوب الكبير. فمن سريلانكا إلى كينيا، تعرض هذه "المجتمعات المدنية" المصنّعة ميزات تتجاوز محض الثقافة، أو الاقتصاد، أو الجغرافيا، أو التمايز في الموارد. يؤدي الرواج الذي تشهده عبارة "المجتمع المدني"، في كل مكان، إلى سهولة الاعتقاد أنها كانت، وعلى الدوام، كيانًا قائمًا وموجودًا على منوال الدولة أو السوق، وربما يكون قد ظهر بسرعة، لكنه وطّن نفسه وترسّخ؛ وذلك كلّه بفعل الحديث المستمر عنه وتسميته ومنحه شكلً، وإحاطته بهالة من اليقين، ما يشبه مثال حنة أرندت عن الكلب الضالّ الذي تزداد فرصه في الحياة كلما مُنح اسمً؛ فيصير وجود الكلمة يعني وجود الشيء ذاته! ومع ذلك، ما مِن إجماع بشأن ما يمثّله المجتمع المدني، وتاريخ بدئه، ومكوّناته. لا تقدم هذه الدراسة أيّ إجابات في هذا الصدد، لكنها تحاول، على نحو أشد إلحاحًا، أن تنأى عن المجتمع المدني بوصفه فكرة كان لها، ولا يزال، تأثيرٌ دائم ومستمر في حياة الناس في بعض البلدان في الجنوب الكبير. فالغرض، إذًا، لن يكون تعريف المجتمعات المدنية وتقديم وصف لها، بقدر ما هو استكشاف الطرائق التي تُستخدم بها الفكرة في هذه المناطق. بادئ ذي بدء، لا يُنظر إلى المجتمع المدني بوصفه مجموعةً مهيكَلة من المؤسسات، بقدر ما يُعتبر مساحة اجتماعية، سواء أكانت واسعة أم مقيدة، شكّلتها قوى تاريخية2. سأجادل هنا في أنّ فضاءًاجتماعيًا جديدًا نشأ عبر استزراع فكرة محددة جدًا عن المجتمع المدني، على الرغم من تجاورها المؤقت مع أفكار أخرى عنه، أضحت هي المهيمنة عبر عدد من الممارسات التي سنّتها مجموعة واسعة من الفاعلين على الصعيدين المحلي والعالمي، في بلدان شديدة الاختلاف عبر الجنوب. إن إنشاء هذه المساحة الجديدة ليس مصادفة غير مقصودة؛ بل هو نتاج اتحاد قوى ومصالح تواطأت في بعض الأحيان بطريقة غير محايدة لتشكل مجتمعًا مدنيًا تستثمر فيه المؤسسات العالمية مبادرات وتشكيلات محلية. لإيضاح هذه الفكرة، سننظر في المجتمع المدني بوصفه فكرة معيارية أُنشئت وجرى استزراعها في الجنوب بفعل ما يبدو نوعًا من الأعمال الخيرية العالمية التي انبرى العالم يقوم بها. ولجعل هذه الفكرة تبدو أوضح، ستقوم هذه الدراسة بجولة سريعة في ماضي بريطانيا الإمبراطوري. حين احتفلت إمبراطورة الهند، الملكة فيكتوريا، باليوبيل الذهبي، أُفي عام 1875 قيمت الاحتفالات في أنحاء إمبراطوريتها الشاسعة كلها. وقد سرد الموظف المدني جون فرغسون Ferguson John، بإعجاب، الاحتفال في مستعمرة سيلان Ceylon الملكية، فقدّم وصفًا للعرض العسكري الذي أقيم في ممشى/ متنزه غايل فايس غرين. وكان اللافت هو ذكره كيف 3 Galle Face Green Esplanade جرى إطعام عدد كبير من الفقراء في المدن والقرى، حيث حصل كل منهم على قدر من الأرز وخمسة سنتات، أو قطعة من الكاليكو4. ما عادت بريطانيا اليوم مملكة تحكم الأمواج بأمر من السماء. لكن، هل كانت مصادفةً أم محاكاة مقصودة لتراث كولونيالي قديم يقوم على رعاية المحتاجين في الأجزاء "الأقل تحضًّا" من العالم، حين أطلق المستشار براون رسميًا في 12 آذار/ مارس 2001، صندوق الكومنولث للتعليم CEF، خلال مناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لصاحبة الجلالة، الملكة إليزابيث الثانية؟
ها هنا، يمكن اعتبار الأمر أكثر من مجرد إشارة إلى استمرار العلاقات بين الممارسات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية والتحول من "الهيمنة من دون سيطرة"5، إلى علاقة قوة يتفوّق فيها الإقناع والإغراء على الإكراه، حيث يلخّص الصندوق اليوم مكانة البراديغم التي بلغتها فكرة المجتمع المدني في ممارسات كل من المانحين ووكلائهم المحلّيين. وتبيّ نظرة خاطفة على وثيقة السياسة الخاصة بالصندوق المصمم لمجموعة مختارة من البلدان – عددها 14 دولة – في الجنوب الكبير، كيف أنه يضع المجتمع المدني في قلب برنامج عمله. يقال إن الهدف من هذا الصندوق هو مساعدة بلدان الكومنولث النامية في تحقيق أهداف الألفية الإنمائية في مجال التعليم، حيث يحصل كل طفل على التعليم الابتدائي بحلول عام 2015. ومثلما يجري إخبارنا، فإن 75 مليون طفل ممن هم في سن الدراسة الابتدائية في دول الكومنولث لا يرتادون المدرسة. ويصف الصندوق الذي ستديره جمعيات خيرية رائدة، مثل أكشن إيد Aid Action، وأوكسفام Oxfam، ومؤسسة أنقذوا الأطفال Children the Save، نشاطاته على النحو التالي: تعزيز مشاركة المجتمع المدني في تصميم خطط وأطر التعليم الوطنية والمحلية وتنفيذها. وستُمنح أولوية خاصة لدعم المبادرات التي تسرّع التقدم نحو المساواة بين الجنسين في التعليم؛ تمكين المجتمعات المحلّية من مراقبة الإنفاق الحكومي على التعليم، على المستويين الوطني والمحلي؛ دعم الطرائق المبتكرة من المجتمع المدني لضمان حصول جميع الأطفال، خصوصًا الفتيات والأكثر هشاشة وحرمانًا (بمن فيهم أطفال الشوارع، والأطفال المجندون سابقًا، والأطفال الرُّحَّل) على تعليم جيد6. تُقدّم قراءةٌ أولية ل "الحقل المنظم للبيانات" field Orderly statements of الصادر عن الصندوق، وبوضوح، وصفةً جيدة التصميم، وقابلةً للتطبيق عالميًا لتحقيق الهدف النبيل المتمثل في التعليم الكامل للأطفال بحلول عام 2015. ويفترض التقرير وجود مجتمع مدني في كل بلد من البلدان الأربعة عشر التي من شأنها أن تكون داعمةً لأهداف المركز. ما يبدو غريبًا هو أن الهدف الحقيقي للمشروع، كأنما هو دعم قالب معيّ من المجتمع المدني وتقويته، أكثر منه تحسين التعليم فعليًا. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال المشاركة المستمرة لفواعل مختارة من المجتمع المدني في عملية التنفيذ، عبر رقابة الدولة. من الواضح أن تحسين المعايير التعليمية – وهي ضرورة بالتأكيد في معظم هذه البلدان – ليس الغرض من البرنامج. ينص الهدف الثالث على أن الغرض من مبادرة صندوق الكومنولث للتعليم هو "الحصول على تعليم جيد"، وها هنا افتراض خاطئ يقول بوجود تعليم جيد في عالم الجنوب لا يحتاج إلى المزيد من التعزيز أو التحسين7. وهكذا، تُقدَّم في البداية معايير العمل المشتركة إلى جميع البلدان المتلقية من جانب المانحين، ما يعني، إلى حدٍ ما، تجاهل حاجات الأطفال المُلحّة إلى الغذاء والمأوى ومرافق النقل، فضلً عن الوضع المختلف جدًا الذي يميز المجال العام في كل بلد معني على حدة. تكشف الأوراق المفهومية التي قدّمها الأطراف المحليون الأربعة عشر إلى كل بلد مستفيد من هذه المبادرة أيضًا، الطريقة التي تم بها تذويت Internalize فكرة المجتمع المدني وتوظيفها من المثقفين وعمّ ل الخدمة الاجتماعية والأكاديميين وموظفي المنظمات غير الحكومية والموظفين العموميين الذين اختيروا شركاء جديرين في البرنامج، حيث لم يفكر أي منهم في التساؤل عن الكيفية التي قد تتُرجم الأشكالَ والممارسات، والفهوم الخاصة والمنوّعة للحياة، بما يقابل المقولات السياسية المحدودة ذات الأصل الأوروبي في عمقها، التي طُرحت أمامهم. بل لقد تم قبول فكرة المجتمع المدني، المصمَّم والمستزرَع والمصنَّع، من كينيا إلى الهند، باعتباره مقولةً غير إشكالية.
أولا. المجتمع المدني في الجنوب: الأفكار والمتخيلات
يستند معظم العلوم الاجتماعية، اليوم، إلى افتراض يقول بوجود مواقف بديلة في كل شيء تقريبًا؛ ولا تشذّ دراسات المجتمع المدني عن ذلك. وبينما تقوم هذه المقاربات على هيمنة التحليلات الغربية للماضي، تكمن إحدى نقاط الضعف ضمن مناهج ما بعد الحداثة في فشلها في إدراك أن "المتخيَلّات" Imaginaries ليست كلها متساوية. والواقع أنه لا يوجد "مخيال" Imaginaire من دون سمة مادية: يقول بايار، مثلً، إن "المنتصر، شئنا أم أبينا، هو من يبني الواقع، حتى لو ظل واقع المهزومين يعتمل داخل فجوات المجتمع"8. حين
اقتحمت دراسات ما بعد الحداثة/ ما بعد الكولونيالية المجتمع المدني، بميلها الفكري نحو الكشف عن علاقة السلطة التي تسميها "الاختلاف"، الغامضة جزئيًا؛ انحرفت بعيدًا عن "الحاضر"، في حين تحضر اليوم مظاهر الهيمنة بصورة بالغة في نظام المساعدات العالمي. ونادرًا ما يُذكر فيها بناء أوجه التقارب والتصاميم والنماذج القابلة للتكرار، ما خلا الأعمال ذات الطابع الجدلي. يعمد العديد من الدراسات المخصصة لبلدان الجنوب إلى الإجماع على القول بوجود مجتمعات مدنية خارج الغرب، سواء نتاج الاستعمار أم سابقة له – حيث يحمل المجتمع المدني اسمً آخر. لقد جرى التأكيد، بقوة، أن اللغة الأوروبية عن المجتمع المدني قد سافرت إلى الجنوب مع بدء الحداثة، وأن ذلك أدى إلى تأسيس مجال مدني في الدولة المستعمَرة؛ وعلى الرغم من عدم تسميته على هذا النحو بطبيعة الحال، فإنه اتخذ شكل المساحات التي لم تتلاعب بها الدولة الكولونيالية، أو تلك التي شكلت مناطق مقاومة ضد القوة الكولونيالية. كان لهذه اللغة الأجنبية الخاصة بالمجتمع المدني صدى في السياق المحلي، وأعيد تشكيلها نتيجة لذلك. وهكذا، يجري اعتبار لغة المجتمع المدني تعددية ومعولَمة. يرى خيلناني أن فرض الدولة – مع مجيء الاستعمار الأوروبي – بوصفها جزءًا لا مفرّ منه من الحياة الاجتماعية، أدى إلى ظهور مفهوم يعطي تعريفًا جماعيًا للمجالات التي هي خارج سيطرتها، أو يجب أن تكون كذلك9. ويُزعم أيضًا أن الأعراف الاجتماعية التقليدية، في معظم دول ما بعد الاستعمار، إنما تتعايش مع المؤسسات الديمقراطية الليبرالية في علاقة غامضة وملتبسة، وغالبًا ما تكون متناقضة. في هذا الصدد، يجري الحديث عن ظهور نوع معيّ من الحداثة لا يزال في طور التكوين، أطلق عليه بعض علماء الاجتماع – الذين ظلوا أسرى فكرة الحداثة الفريدة – اسم الحداثات البديلة10. وقد استعصت المظاهر الحديثة لعولمة لغة المجتمع المدني وفكرته حتى على مثل هذا العرض الدقيق الذي يقدمه خيلناني للمسألة. ها هنا، تبرز أسئلة من قبيل ما إذا كان ثمة شيء في الجنوب يمكن مقارنته بمفهوم غربي معيّ للمجتمع المدني؛ وإذا كان ثمة دلائل على أن مجموعة صغرى من السكان الأصليين قد تأثرت بالأفكار الحديثة لخلق مجال يقع خارج سيطرة الدولة، فكيف يمكن مفهمة باقي السكان الذين هم خارج مجال المجتمع المدني البرجوازي الحديث؟ هل المجتمع المدني في ظهوره الثاني "ملائم للتفكير والتعريف والفعل؟"11. يجيب بارثا تشاترجي عن هذا السؤال ببراعة، متجاهلًالاتجاهات المتعددة القائمة في الفلسفة الأوروبية، فيقول ب "إعادة مفهوم المجتمع المدني إلى حيث ينتمي[...]– باعتباره فلسفة اجتماعية للمقاطعات الريفية الأوروبية"12. وفي حالة الهند، يشير إلى أن المؤسسات "المدنية-الاجتماعية" مفتقَدة، لأنها تقتصر في الغالب على الأثرياء، وأن الافتقار إلى جمعيات مدنية حديثة في مجتمع تهيمن عليه الروابط الطبقية (الكاست Cast) والدينية، هو مؤشر رئيس على الحالة ما بعد الكولونيالية13. ويقترح أن مصطلح "المجتمع المدني" يجب أن يُطلَق على "تلك المؤسسات المميزة للحياة الجمعوية الحديثة الناشئة في المجتمعات الغربية التي تستند إلى المساواة والاستقلالية وحرية الالتحاق بها ومغادرتها والتعاقد والإجراءات التداولية لاتخاذ القرار وحقوق الأعضاء وواجباتهم المعترف بها، وغيرها من المبادئ" فحسب. إن أفضل وصف للمؤسسات الاجتماعية القائمة على مبادئ أخرى هو مفهوم "المجتمع السياسي"، حيث يمكن "الرعايا"، لا "المواطنون" فحسب، التعبير عن المطالب باستخدام لغة الحقوق، حتى لو كانت الحقوق تنطبق على الجماعات، لا على الأفراد14. يشار في السياق الأفريقي أيضًا إلى أن الكثير من التحول يحدث خارج الحياة التنظيمية، أو على هامشها، في صورة الجماعات العرقية والقرابية التي غالبًا ما يتجاهلها المدافعون الجدد عن "المجتمع المدني" باعتبارها نشاطات غير مدنية. تقول آبيا أسانتي Appiah Asante إن هذه المجتمعات طوّرت منظمات اجتماعية جديدة في أنحاء أفريقيا كلها في الفترة الكولونيالية، على خطى نماذج أوروبية مستوردة أحيانًا، وعبر البناء على مجتمعات تقليدية سرّية أحيانًا أخرى، ونقابات وطوائف دينية، وقد خلقت أحيانًا تجمعات محلية جدًا Hometown، وفي أغلبية الأحيان، منظمات تتمحور حول الكنائس والمساجد15. ما دفع بعض الباحثين إلى النظر إلى الإثنية بوصفها نقطة انطلاق مناسبة لدراسة الحركات الاجتماعية
والمجتمع المدني في أفريقيا، بدلً من اعتبارها قوة تمزّق السياسة الأفريقية، وكذا الابتعاد عن الانشغال بالحقوق والمطالبة بها بصفتها سمات رئيسة في الفعل المدني16. ثمة حجة أخرى قدّمها الباحثون ما بعد الكولونياليين مفادها أن المجتمع المدني يُستخدم للحفاظ على الأساليب القسرية للحكم. يشير محمود ممداني، على سبيل المثال، إلى أن المجتمع المدني (المواطنة والحقوق والعلاقات التعاقدية) كان خلال الفترة الكولونيالية مخصصًا للبيض فحسب. وفي ما بين الأفارقة، اكتشف الأوروبيون القوانين العرفية والقبَلية التي خضعت للتقنين وجرى تعزيزها؛ وعلى عكس القانون المدني، طُبّقت القوانين العرفية على التجمعات لا على الأفراد، واستندت إلى القوة إلى حدٍ بعيد. في المرحلة ما بعد الكولونيالية، نُزع الطابع العرقي عن الدولة وأُبقي على طابعها القبلي بسبب استمرار التمايز بين "المواطنين" وسط النخب القومية الجديدة في المدن وبين "الرعايا" في المناطق الريفية. من جهة أخرى، يؤكد ممداني ببلاغة أن "المنطق القبلي طغى على المنطق الديمقراطي للمجتمع المدني[...] وهو السبب في أن سياسات المجتمع المدني، حيث يُحكم الريف من خلال القانون العرفي، هي بالضرورة سياسات باتريمونيالية، حيث يستغل السياسيون الحضريون القواعد الريفية–الحضرية من خلال علاقات وكيل-زبون"17. يدفع تشاترجي وممداني بمعنى "المجتمع المدني" المستخدم لدى هيغل وماركس بوصفه مجتمعًا برجوازيًا؛ فاعتبارُ المجتمع المدني "ظاهرة ليبرالية"، والافتراضُ أن المجتمع المدني هو ظاهرة لاتاريخية ومفهوم نظري يرتبط بصعود الليبرالية، إنما يسمح بمنظور مشابه، يُطرح فيه إمكان وجود مجتمع مدني غير ليبرالي، أو حتى غير تعددي18. وها هنا، يصحَّح "القصور" في المفهوم الكلاسيكي إلى حدٍّ ما عبر مراجعة تعريف المجتمع المدني، حيث تُضمَّن فيه المؤسسات الاجتماعية القائمة على مبادئ أخرى. ويدحض بعض الباحثين الادّعاء الذي قدمه غيلنر وهال، القائل إن المجتمع المدني هو إنجاز غربي فريد، بأمثلةٍ من الشرق الأوسط وأفريقيا، وينظرون إلى أشكال الحضارة والمساحات العامة التي كانت موجودة في مجتمعات ما قبل كولونيالية. يتحدث كين، على سبيل المثال، عن مؤسسات ما قبل كولونيالية، مثل نظام الكولتا Kgolta في بوتسوانا في أفريقيا، ونظام البانتشايت Panchayat في الهند، أو نظام الغامسابهافا Gamsabhava في سريلانكا القديمة. كما انتُقدت المزاعم الاستشراقية التي تقول إن أوجه القصور في المجتمع الإسلامي، وفي سياسته واقتصاده وثقافته، هي نتيجة غياب المجتمع المدني، وضعف الثقافة البرجوازية19. لكن، أمَا مِن علاقة توجد اليوم بين هذه المؤسسات والمساحات، والفكرة الحديثة/ المهيمنة للمجتمع المدني السائدة اليوم في معظم بلدان الجنوب؟ لقد حلّت الكتابة الأكاديمية مشكلة المجتمع المدني في المجتمعات غير الغربية، إما عن طريق قصر استخدام العبارة على المؤسسات الناشئة من الحداثة الغربية فحسب، وإما من خلال اقتراح مقاربة أكثر شمولً، تشمل أشكالً من الجمعيات التي تقوم على مجموعة من المبادئ المختلفة. وفي أنماط أخرى من الكتابة الخاصة، يصوَّر "المجتمع المدني" باعتباره أداةً للقمع، بدلً من كونه فضاءً تحرريًا. وينبع النقد من الأشكال الاجتماعية التي ظهرت مقاوِمة للعصر الجديد الذي يعرفه تاريخ رأس المال والمسمى "العولمة." لقد وجّه الناشطون المقيمون في الجنوب نقدهم بالأساس إلى المجتمع المدني، مثلما عرّفه وفهمه المانحون ووسائل الإعلام الرئيسة: "يقدَّم المجتمع المدني بحماسة ليس على أنه ترياق للفقر أو الفساد، أو بوصفه وسيلة للدمقرطة بالضرورة، بل لتوجيه المنظمات الجماهيرية بعيدًا عن التأثير الراديكالي الذي تمارسه المنظمات السياسية المطالِبة بإصلاحات جذرية ثورية وشاملة"20. إن الحجة المعبَّ عنها في العديد من المنشورات هي أن فكرة المجتمع المدني مثلما جرى استيرادها من الغرب، إنما تحجب التقسيم الطبقي العميق والاستغلال الطبقي والصراعات الطبقية الموجودة في الجنوب. لقد صاغ علماء الاجتماع العولمة نظريًا من "أسفل"، حيث تشمل المفكرين التقدميين والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الشعبية، بينما يراها الناشطون والمفكرون الراديكاليون انقسامًا واستقطابًا
واضحًا بين قادة الفلاحين والناشطين في المدن والنقابيين من جهة، وممثلي المنظمات غير الحكومية والأكاديميين والقادة السياسيين الإصلاحيين من جهة أخرى21. في المنتدى الاجتماعي الذي عُقد في بورتو أليغري Alegre Porto، على سبيل المثال، شدّد الراديكاليون على أن "العديد من المنظمات غير الحكومية الأوروبية والأميركية هي منظمات مثقفين متخصصين، في حين أن أغلبية المنظمات غير الحكومية في العالم الثالث، تتكوّن من أعضاء مجموعات صغيرة من المهنيين، ونادرًا ما تضم منظمات متخصصة، لها ما يكفي من القدرة على جذب الأتباع"22. في هذه الانتقادات، يسود التوجس من أن ثمة بالفعل بعض المسوّغات للشك في ما يُنظر إليه على أنه أوجه تقارب انتقائية قوية بين المجتمع المدني في الغرب ودوره بوصفه فاعلً في يد القوى الغربية. ويظهر هذا على وجه خاص في تبنّي قوى رأس المال تعبير المجتمع المدني. فعلى سبيل المثال، يرحب البنك الدولي في وثائقه بفرص التعاون مع المجتمع المدني، ويتحدث بنك التنمية الآسيوي عن الحاجة إلى "تعزيز التعاون" مع المجتمع المدني. بل حتى منظمة التجارة العالمية أعلنت عن دعمها مؤسسات المجتمع المدني العالمية23. وقد تعرضت حجة بيتراس للتجاهل بوصفها راديكالية، لكنها تحظى بميزة تتمثل في قدرتها على إظهار الصعوبات التي تنطوي عليها مفاهيم مثل "المجتمع المدني" و"العولمة من أسفل"، بسبب الطابع المتنازع بشأنه لهذه المصطلحات وعدم التجانس في التشكيلات الاجتماعية التي تشملها. لقد أبان عما يتردد باحثو ما بعد الكولونيالية في الاعتراف به: وهو أن الحديث الأوروبي عن المجتمع المدني إنما يفترض ويطالب في الأصل بإضعافٍ أو سحقٍ كلي للسكان في أماكن أخرى من العالم. أما ما يحتاج إلى الإيضاح اليوم فهو الطريقة غير الإشكالية التي تشرّبت بها الطبقات المثقفة في الجنوب الاستخدامَ الحديثَ للمجتمع المدني، وكذلك توظيف المؤسسات الليبرالية الجديدة العابرة الحدود المصطلح، وتكيّف الفواعل المحلية في الجنوب مع التغير في أجندة المساعدات الدولية، من دون أي تطوير لمسؤولياتها الخاصة أمام القواعد الاجتماعية المطالبة بردة الفعل. فعلى عكس قادة الأحزاب السياسية أو النقابات العمالية أو البرلمانيين، لا يملك هؤلاء الفاعلون الجدد التمثيل ولا الشرعية. ولأن شرعيتهم تنبع من القبول العالمي، فلا حاجة لهم إلى قاعدة اجتماعية للعمل؛ إنهم يتحركون في صورة دور بيداغوجي موجِّه، يستهدف مستقبِلين لا حول لهم ولا قوة. كان من بين الدارسين الذين تطرقوا إلى هذه القضايا عدد من الأفارقة24. على سبيل المثال، كتب شابال، في إشارة إلى أفريقيا جنوب الصحراء، عن "وهم" المجتمع المدني، وانتقد دورَه المفترضَ بوصفه مضادًا للهيمنة، الذي غالبًا ما يُنظر إليه على أنه مستودع للمقاومة السياسية ضد النزعات المركزية والشمولية في الدولة الأفريقية؛ مثلما يشكك في الطبيعة المهيمنة للدولة ما بعد الكولونيالية في أفريقيا، فيقول إنه لم يكن لدى الدولة جهاز قسري فعال، ولا كانت قادرة على إدارة شبكة متطورة من الاتصالات في أفريقيا جنوب الصحراء. ويشير إلى أن الانقسام بين الدولة والمجتمع المدني، وهو أمر مفروغ منه إلى حدٍ بعيد في معظم التفسيرات الحالية للسياسة الأفريقية، لا يعكس الواقع في القارة؛ حيث يوجد "تداخل مستمر ما بين المجتمع المدني والدولة." إن المجتمع المدني في أفريقيا هو أيديولوجيا تنبع من دعوة المانحين الغربيين، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى تقليص دور الدولة في سياق برامج التكييف الهيكلي. وحدث نتيجةً لذلك "تركيزٌ جديد على الأهمية المفترضة للمجتمع المدني"، وتحولٌ في الموارد نحو المنظمات غير الحكومية المحلية التي تصوَّرها الغرب باعتبارها "الهيئات التمثيلية" لذلك المجتمع المدني. الحقيقةُ المهمة التي أبرزها شابال هي أن انتشار المنظمات غير الحكومية إنما هو انعكاس ل "تكيّف ناجح مع الشروط التي وضعها المانحون الأجانب من الفواعل المحلية التي تسعى للوصول إلى موارد جديدة." ومن ثم، فإن الانفجار في عدد المنظمات غير الحكومية ليس انعكاسًا لازدهار المجتمع المدني بالمعنى الذي يُفهم به عادة في الغرب. ويحذّر شابال من خطر اختطاف المساعدات التنموية المطلوبة بالفعل على أيدي النخب السياسية القديمة والراسخة نفسها. وهو لا يعتبر المنظمات غير الحكومية في الكثير من الأحيان أكثر من هياكل جديدة، تمكّن الأفارقة من السعي للحصول على موقع مربح وفعال داخل النظام النيوباتريمونيالي الحالي25. اقترح المبحث الأول من هذه الدراسة أنّ المجتمع المدني، على الرغم من ثناء الباحثين في العالم النامي والمتطور، والمانحين والمنظمات غير الحكومية، وتأييدهم له، فإننا نراه قد ولّد أيضًا خطابًا مضادًّا يتعارض
بشدة مع "استخدام طقوسي ورائج" للمصطلح ولمستخدميه. والواقع أن ثمة حنقًا متصاعدًا ضد هذا المصطلح وما يمثله بين المجموعات الاجتماعية التي يُشعرها بالتهديد. لقد غفل العلماء الذين انصبّ اهتمامهم على فضيلة "الاختلاف" عن عمق هذه الظاهرة وخطورتها، متشدّقين بحديث "العولمة الجماهيرية" فحسب. والواقع أن ليس كل ما يشغل مساحة بين الأسرة والدولة ينتمي إلى فكرة المجتمع المدني. بالنسبة إلى كثيرين ممن أُسكِت صوتهم، يجب رفض المجتمع المدني فكرةً ومشروعًا، لأنه يشكل جزءًا لا يتجزأ من البرنامج النيوليبرالي لإعادة تشكيل دول الجنوب. وإذا أمكن لمن لا حول لهم ولا قوة الاحتجاج من حين إلى آخر، فإن الاهتمام في وسائل الإعلام المحلية والعالمية، يبقى موجهًا إلى منتجي المعرفة (المثقفين) في بلدان الجنوب الذين قد يقترحون مفاهيم بديلة من المصطلح ويبثون حياة جديدة ومعقدة في هذه المقولة. لكن الفجوة لا تكمن بين عالمَي الخطاب النخبوي والعامي فحسب، بل أيضًا بين علماء السياسة الغارقين في النظرية وانتقادات علماء اجتماع حيال "التنمية." وهكذا، تظهر دائمًا خرائط مفاهيمية متمايزة؛ فيتطور كل نقدٍ بطريقة متوازية، ونادرًا ما يكون ثمة التقاء أو اندماج بينها. سيوثق المبحث التالي كيف – وعبر أي من العمليات التاريخية – ترسخت فكرة المجتمع المدني، بما هي خلاصة التفكير في الثقافات البرجوازية الأوروبية، بعيدًا عن نقطة البداية التي انطلقت منها. ذلك أن جينالوجيا الفكرة أحدث بكثير مما يرغب العديد من علماء السياسة في القبول به.
ثانيًا: جينالوجيا واستزراع
على الرغم من أن ثمة العديد من الاختلافات في الطريقة التي جرى بها تصور "المجتمع المدني" في الجنوب من فواعل عبر وطنية مختلفة، ومن الدولة والمؤسسات غير الحكومية ومنتجي المعرفة أيضًا، فإن جينالوجيا الفهم الأشد تأثيرًا الذي يحظى به المصطلح، إنما تنطبق على ما وُصِ ف على أنه "أمركة" المفهوم Americanization خلال العقدين الماضيين – وإن كان القول بذلك ينطوي على إجحاف بحق وجود منظور راديكالي للمجتمع المدني في الولايات المتحدة، نعثر عليه في تراث النزعة المساواتية الليبرالية، أو ضمن النظرية النقدية26. سيبحث المبحث الثاني من هذه الدراسة في جينالوجيا هذه الفكرة الخاصة عن "المجتمع المدني." لقد آمن ألكسيس دي توكفيل Alexis de Tocqueville بأنّ قوة الديمقراطية الليبرالية واستقرارها يعتمدان على وجود مجال حيوي وصحي من المشاركة الجمعوية؛ وهي الفكرة التي أحياها روبرت بوتنام Putnam Robert وآخرون، حيث اكتسب "المجتمع المدني" على أيديهم معنى وأهمية من جديد. وأحد العناصر الحاسمة لديهم هو فكرة أن الديمقراطية هي شرط مسبق للتنمية، وليست نتيجة لها. لقد قدّم دي توكفيل هذه الحجة في أميركا المبكرة قبل أن يعتبرها كثيرون منظورًا لتحليل قوة الديمقراطية الليبرالية في الغرب، ولعمليات التحول الديمقراطي في أنحاء العالم كلها، بدءًا من سقوط الشيوعية في شرق أوروبا ووسطها، مرورًا بالجهود الهادفة إلى إقامة نظم ديمقراطية في أميركا الجنوبية، ووصولً إلى مواجهة التحديات التي تواجه تأسيس الديمقراطيات الليبرالية في أفريقيا. لقد نقلت الجهود الفردية لمفكرين كثر، تأملاتٍ دقيقةً ومتميزة عن الاستخدام النظري للمفهوم27؛ ولذلك لن أُسهب هنا في سرد تاريخه لأن آخرين فعلوا ذلك بإسهاب أكبر. إنما سأهتم ها هنا بفكرة أن مفهوم المجتمع المدني قد أعيد اكتشافه من ثنايا أرشيف النظرية السياسية، بوصفه أساسًا لبناء المجتمع الديمقراطي في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته. لقد كان جزءًا من ردة الفعل على الدور الذي أدّته الفاعلية الجماعية في إسقاط الأنظمة الدكتاتورية عبر الشعار الذي اشتعل في أوروبا الشرقية حين اعتبُر المجتمع المدني "العصا التي ضربت بها الدولة الشمولية"28. ويمكن القول إن هذا الأمر يعكس، في جزء منه، تراجعًا عن الطبقة أو الثورة في لغة اليسار. ونعثر ها هنا على مفهوم لاقط عن المجتمع المدني، يُستحضر في مجموعة واسعة ومنوعة من السياقات. حدد هاول أربعة مؤثرات رئيسة في النقاش بشأن المجتمع المدني والديمقراطية والتنمية: الأول هو مجموعة الأفكار التي وضعها دي توكفيل في مجلديْه عن الديمقراطية في أميركا Democracy in America، وبنى فيهما على ملاحظاته عن الديمقراطية في إنكلترا. وقد أشار إلى أن حرية تكوين الجمعيات يمكن أن تحُول دون العمل الثوري، بدلً من التشجيع عليه. وشدد أيضًا على أنه يمكن أن تضمن المواطنة
التشاركية النشطة في تعددية من الجمعيات، الدفاع عن المواطن ضد الحكومة الاستبدادية، وتعزز المشاركة النشطة أيضًا، بدلً من العزوف عن السياسة. ظهر التأثير الثاني في خمسينيات القرن العشرين وستينياته في الدراسات التي تركز على دور مجموعات المصالح في المجتمع الأميركي، والمستمدة على نحو انتقائي من دي توكفيل. وركز هذا المنظور على كيفية تجنّب مخاطر التعبئة والمشاركة السياسية الجماهيرية في "المجتمعات التقليدية" التي جرى تحديثها للتوّ. أما التأثير الثالث، فكان كتاب روبرت بوتنام، أن تجعل الديمقراطية تعمل Making Democracy Work الصادر في عام 1993، والمستمد من الأدبيات المتعلقة بالثقافة المدنية؛ وفيه يجادل في أن الثقافة المدنية تعزّز التنمية، بدلً من أن تكون نتيجة لها، ويهتم هذا المنظور بشروط "إنشاء مؤسسات قوية وتمثيلية وفعالة." كما استكشف من خلاله بوتنام المؤسسات غير الرسمية ومدوّنات السلوك غير المكتوبة، إضافة إلى نماذج الثقة التي تتجسّد من خلالها المجموعات الرسمية. ومن هذه المؤسسات غير الرسمية للحياة اليومية الجمعوية، يولَّد رأس المال الاجتماعي؛ ما يفسر في نهاية المطاف الأداء النسبي للأنظمة السياسية الديمقراطية. أخيرًا، التأثير الرابع في النقاش المتعلق بالمجتمع المدني، هو الحجم المتزايد للعمل الذي يقوم به مركز جونز هوبكنز لدراسات المجتمع المدني وجهود هذا المركز للدفع بما يسمى "القطاع الثالث" بوصفه اليوم قوةً سياسية واقتصادية رئيسة في العالم. وفي مجال السياسات، يسهم عمل المركز في جمع القرائن الإمبريقية على الدور المنوط بالقطاع الثالث ونموّه في الاقتصادات والنظم السياسية المتقدمة، وكذلك الأقل نموًا. وهنا يُزعم أن المجتمع المدني، من خلال رأس المال الاجتماعي أو معايير الثقة والمعاملة بالمثل التي تولِّدها الشبكات الاجتماعية والجمعيات التي تتكوّن منها، يُحدث تأثيرًا في الأداء السياسي والاقتصادي في الجنوب. تتحد أمركة النقاش مثلما يظهر في هذه المنظورات الأربعة المختلفة في خطاب تنظيمي ونظام مؤسسي، وتُحدث تأثيرًا معياريًا ومحافظًا في الطريقة التي يُفهم بها المجتمع المدني. ويجري تعزيزُ تحيّز الأجندة النيوليبرالية المناهض للدولة في هذه المقاربة، مثلما يتضح من تعريف المجتمع المدني على أنه يؤسس لمجموعة واسعة من المؤسسات التي تعمل خارج حدود السوق والدولة. وهي تساوي المجتمع المدني بالقطاع "غير الربحي" أو "الطوعي" أو "الثالث" أو "المستقل"، الذي يتضمن مجموعة من الكيانات التي تمثل المجتمع المدني، مثل المستشفيات والجامعات والنوادي الاجتماعية والمنظمات المهنية ومراكز الرعاية والمجموعات البيئية ووكالات الإرشاد العائلي والنوادي الرياضية ومراكز التدريب الوظيفي ومنظمات حقوق الإنسان، وغيرها كثير29. لهذه الكيانات المختلفة سماتٌ مشتركة محددة؛ فكلها منظمات لها وجود وبنية مؤسسية. كما تتميز بأنها خاصة، وليست ربحية، وتتمتع بالاستقلالية الذاتية. وهي، أخيرًا، تقوم على الطوعية؛ إذ العضوية فيها ليست ملزِمةً قانونًا، ولا تتطلب إلّ مستوى معينًا من المساهمة الطوعية من حيث الوقت والمال30. كما يمكن أيضًا تعدادها ومراقبة نموّها؛ وثمة عدد من الدراسات الإمبريقية للمجتمع المدني التي تشير إلى أن العالم شهد خلال القرن العشرين نموًّا في عدد منظمات المجتمع المدني وأنواعها، بلغ مئتي ضعف31. هذه التأثيرات الأربعة (دي توكفيل، والتعددية-النخبوية، وأعمال بوتنام، ومركز جونز هوبكنز) مستمدة من التجارب والدراسات والتأملات الأميركية في معظمها، لكنها قادرة مع ذلك على تشكيل الكثير من أوجه النقاش والافتراضات عن المجتمع المدني والديمقراطية حتى داخل الجنوب الكبير. في هذه الرؤية، لا يُنظر إلى المجتمع المدني على أنه يُعرّف بمجموعة من المهارات الأخلاقية والسياسية للإنسان، بل بوصفه مقولةً موضوعية تجسّد مجموعة من المؤسسات المحددة التي توجد منفصلة عن الدولة أو تتعارض معها. ثمة نظرية نقدية للمجتمع المدني تقع في مواجهة المقاربة التوكفيلية الجديدة، ولها بعض التأثير في المانحين. وفيها يجري الدفع بهدف معياري يقول بمجتمع مدني قائم على المساواة والديمقراطية، يمكنه أن يكون موقعًا للسياسة التقدمية. وقد أحدث، في الواقع، بعض الباحثين النسويين والمتأثرين بفوكو Foucault تحولً راديكاليًا في فكرة الديمقراطية، من خلال إعادة استحضار مفاهيم المجتمع المدني. ويرفض النقاش الأوروبي الراديكالي عن المجتمع المدني الافتراضَ القائل إن الارتباط المفهومي أو الإمبريقي ما بين المجتمع المدني النابض بالحياة والديمقراطية القوية والتقدم الاقتصادي والتنمية، لا يثير أي مشكلة. ويرى هويل وبيرس أن ثمة ثلاثة موضوعات تميز هذا الاتجاه من النقاش الخاضع للأمركة، هي: الاهتمام بالسعي الحثيث نحو "الخير العام"، والسعي لتحقيق الانعتاق الإنساني، والبحث في الشروط الضرورية لنقاش عمومي عقلاني-نقدي وشامل32. تنبثق هذه الرؤية من مجموعة من المفكرين، تمتد من روسو، وصولً إلى ماركس. وقد عرّفت إعادة القراءة التي أحدثها غرامشي لماركس
المجتمعَ المدني بوصفه ساحة يمكن فيها الجمعيات من مختلف الأنواع أن تنشر الأفكار التي تعزّز الرأسمالية ومعارضتَها أيضًا. كان العديد من الحركات الاجتماعية والمنظمات الشعبية التي انتشرت في أنحاء العالم كلها، في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، يتوق إلى شيء مشابه للانعتاق الإنساني الذي افترضه ماركس، من حيث إنها تطمح إلى تفعيل دور الناس، لا الحد من مشاركتهم السياسية في الفضاءات المؤسساتية للديمقراطية الرسمية. موقف مهم آخر يبتعد عن فهم دي توكفيل للمجتمع المدني، هو فكرة هابرماس عن المجال العام، حيث يمكن للمواطنين الولوج والتأثير في شؤون الدولة والمجتمع إجمالً. يشير هابرماس إلى استعمار "عالم الحياة" – عالم العلاقات الشخصية والفعل التواصلي – بوساطة المال والسلطة اللذَين رافقا صعود الرأسمالية المنظمة. والمجتمع المدني هو عالم الحياة المعبَّ عنها في المؤسسات. نعثر في هذه المقاربة على إيمان بقدرة المجتمع المدني الانعتاقية التي يفتقر إليها الفهمُ الليبرالي. ولربما كانت الفكرة التي تقول إن التداول الديمقراطي هو الوسيلة غير القسرية لخلق التضامن الاجتماعي الضروري للتغلّب على ثقافة اللامساواة هي أكثر ملاءمة للجنوب من الأفكار التوكفيلية الجديدة. ومع ذلك، هل يكون مثل هذا الاستزراع أكثر شرعية من الأفكار التوكفيلية الجديدة؟ إن الخطاب الأقوى بشأن المجتمع المدني اليوم، الذي يطلق عليه أحيانًا الخطاب الأميركي، ومثلما رأينا سابقًا، ليس مقاربة محايدة وخالية من القيم. إنه ينظر، في نهاية المطاف، إلى مهمة المجتمع المدني باعتبارها صيانة للنظام – وبعبارة أخرى، إنشاء أو تعزيز المؤسسات الديمقراطية التي تحمي سيادة القانون، والمعارضة السلمية المشروعة، والتعبير عن الاختلاف والاع اررض بطرائق مقبولة. في هذه الرؤية، لا يقل الاستقرار السياسي أهمية عن الحرية السياسية. وتكون الحماية من الدولة أهمَّ من التصورات الإيجابية، والنقاش، والعمل على أفضل السبل لتطوير مصالح المجتمع المشتركة. في التقليد الأوروبي الآخر، أي التأملية الراديكالية، يدرس المنظرون الطريقة التي تؤثر بها المساواة الاجتماعية والاقتصادية في ممارسة المواطنة الهادفة. فيُنظر إلى المجتمع المدني باعتباره الأساس الاجتماعي لمجالٍ عام ديمقراطي، يمكن من خلاله تفكيك ثقافة اللامساواة33. ويضم أنصار النزعة المساواتية الليبراليون، من أمثال مايكل والزر، في مكونات المجتمع المدني المجموعات القائمة على أساس العرق والدين والجنس. وها هنا، تطرح الأسئلة التالية: كيف يشارك المهمشون والمستبعدون وضحايا الاستغلال في عملية التنمية ذاتها، في مثل هذه المساحات العامة؟ وما الذي سيحدث لو أنهم شاركوا فيها؟ ومتى يشاركون فيها؟ وهكذا، ليس ثمة مفهوم غربي واحد أو بسيط لدراسته ومحاكاته بالنسبة إلى أهل الجنوب. يميل المرء أيضًا إلى الاختلاف مع خيلناني في القول إن "فكرة المجتمع المدني انتقلت إلى الأدبيات السياسية للمستعمرات الأوروبية في القرن التاسع عشر"، وكذلك فكرة أنه "من الخطأ التفكير في أن هذا الاهتمام بالفكرة هو وليد وقت متأخر نسبيًا"34. والواقع أن مفهوم المجتمع المدني في الجنوب لم يكن موجودًا في أعمال المثقفين، ولا في لغة الفواعل غير الدول ومفرداتها، بل لقد كان يحتضر في الغرب حتى تاريخ انهيار نماذج الحداثة التي تقودها الدولة المهيمنة على المفاهيم الليبرالية والماركسية للتنمية، ربما باستثناء الصين وشرق آسيا. يتطرق المبحث الثالث من هذه الدراسة إلى الزخم الذي يربط المعارف والنظريات الأكاديمية بعوالم الوكالات والسياسات والسياسة العملية. في الواقع، ليس من قبيل الغرور الأكاديمي القول إن الأفكار الرئيسة إنما تتطور وتُختبر على أيدي المنظرين في الأوساط الأكاديمية قبل نشرها تدريجًا في الخارج عبر مختلف تطبيقات العالم الحقيقي. ثمة الكثير من البراهين التي تدعم فكرة أن للنظرية الأكاديمية تأثيرًا واضحًا خارج قاعات الدراسة35.
ثًالث ا: تصميم مجتمعات مدنية للجنوب
في بلدان الجنوب الكبير، تسكن فكرة المجتمع المدني في بيئة اجتماعية مشتركة رفقة مفاهيم معيارية أخرى، مثل الحكم والشراكة، وتشكل نوعًا من المصفوفة المكوّنة من المؤسسات والمؤيدين الفرديين والجماعيين داخل بنية تحتية مادية.
1. الحكم الراشد والمشاركة والشراكة
يمكن فهم التركيز الذي أولاه مفكرو المجتمع المدني وممارسوه في مجال التنمية خلال الخمسة عشر عامًا الماضية في سياق التحول عما يعرف بإجماع واشنطن Consensus Washington. ظهر هذا الإجماع سريعًا في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، في تناقض صارخ مع المقاربة السابقة للتنمية خلال ما يُعرف بحقبة ماكنمارا
، قبل أن يفسح المجال لإج McNamara عاا ما بعد واشنطن Consensus Post-Washington الذي عنى الابتعاد عن الليبرالية الجديدة نحو سياسات متصالحة مع الدولة وتدخّلِها. بعبارات أبسط، يمكن قراءة إجماع ما بعد واشنطن بوصفه ردة فعل على مواقف واشنطن المتراخية نتيجة الفشل الواضح (والنتائج الاجتماعية القاتلة) لسياسات التكييف الهيكلي التي أوصى بها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي البلدان الأكثر فقرًا في الجنوب. وسترتبط الموضة الحالية عن المجتمع المدني وسط السياسيين والمانحين والأكاديميين الأميركيين بظهور الاقتصاد الكينزي "الجديد" خلال العقود الماضية36. جرى إعداد الموقع البراديغمي لفكرة المجتمع المدني حين أُقحمت فكرة الحكم في الخطاب العام والأكاديمي التي غالبًا ما ترتبط بصفة "الراشد"، كما لو كانت تذكّرنا بفكرة "المجتمع الصالح." واشتق مصطلح "الحكم" Governance 37 من الفعل اليوناني kybernan والاسم هو kybernetas، الذي يعني التوجيه والقيادة على التوالي. على عكس "الديمقراطية" التي تحمل دلالة المشاركة الشعبية، فإن للحكم معنى تقنيًا لا سياسيًا، يأتي من أسلوب ولوجه مصطلحات العلوم الاجتماعية. فيعود أول ظهور عام معاصر لمفهوم "الحكم الراشد" في تقرير البنك الدولي عن أفريقيا جنوب الصحراء، حيث جادل في أن "الكامن وراء سلسلة مشكلات التنمية في أفريقيا هو أزمة في الحكم"38. في عام 1992، جرى توضيح هذه الآراء بمزيد من التفصيل في تقرير خُصص لموضوع الحكم، حيث قيل إن مشكلة الحكم تشمل أربع قضايا متميزة: سوء إدارة الخدمة العامة، والافتقار إلى القدرة على المحاسبة، وغياب إطار قانوني للتنمية، والمشكلات الناشئة عن الافتقار إلى المعلومات والشفافية. كان الافتراض الأساسي لوجهة نظر البنك الدولي بشأن الإدارة أنه يمكن أن يكون ثمة حل تقني لمشكلات الحكم بصورة مستقلة عن نمط التمثيل السياسي. وعلى الرغم من عدم الإتيان على ذكر المجتمع المدني، فإن الحكم ينطوي على المزيد من نزع الطابع السياسي الذي يتماشى مع التأكيد اللاحق على إعادة تصميم المجتمع المدني والسوق بوصفهما فاعليْ رئيسيْ في تنفيذ الحكم الراشد. مع عودة الدولة إلى مجال التنمية، اعتبر دعاة التنمية أن أفضل تنفيذ للحكم يكون من خلال "شراكة" تضم الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في شبكة من العلاقات. تنبثق الشراكة بوصفها خطابًا مستمدًّا من فكرة المشاركة والتنمية التشاركية، وهي الكلمات الطنانة لنظرية التنمية في التسعينيات. فقد جرى الاعتراف حينها بالمعرفة المحلية، والتخطيط من القاعدة إلى القمة، والتنوع الثقافي للمجتمعات، والآثار الضارّة للتحديث من داخل مصطلح التنمية التشاركية. وعلى عكس الشراكة، يُعدّ عدم الثقة بالدولة من أهم ميزات المشاركة بوصفها أيديولوجيا، حيث اعتُبِ ت المنظمات غير الحكومية أو المنظمات التطوعية الخاصة أكثرَ كفاءة من هيئات الدولة، مثلما اعتُبِ أنها تجسّد بالفعل فضائل المشاركة39. ويمكن العودة بإحدى جينالوجيات المشاركة إلى القرن الثامن عشر، حين زُعِم أن المشاركة هي مبدأ عالمي وحق مدني؛ وثمة جينالوجيا أخرى هي أن الكنيسة البروتستانتية، اقتضت من الفرد المسيحي المشاركة في إدارة الكنيسة وقراءة الكتاب المقدس. فكانت المقاربات التشاركية للتنمية وسيلةً، الهدف منها تدريب الناس وتجهيزهم ليصيروا جزءًا من العالم الحديث. لقد جرى الدفع بالناس ليشاركوا في "الانخراط في مثل هذا العالم"40. جاء مصطلح الشراكة مع إعادة تأهيل الدولة في فترة ما بعد إجماع واشنطن. وهو ينتمي إلى لغة الأعمال والرياضة والترفيه، حيث النزاع غير عنيف ويتم استيعابه عادةً من خلال وجود قواعد (أو مدوّنات) وروابط محددة بوضوح. يمكن إرجاع مفهوم "الشراكة في التنمية" إلى عام 1975 من خلال سلسلة من الاتفاقيات المعروفة باسم اتفاقية لومي Lomé Convention التي جرى التفاوض عليها بصورة جماعية في المدة 1989-1975، وبموجبها حصلت المنتوجات كلها، من 69 دولة من دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ، عمليًا، على إعفاء من الرسوم الجمركية للولوج إلى سوق الاتحاد الأوروبي. لقد كانت الفكرة هي تعزيز علاقة تعاونية جديدة بين الاتحاد الأوروبي والعالم النامي. تدّعي الهيئة السويدية للتنمية الدولية SIDA التي
تخطط برامج التعاون الإنمائي السويدية وتنفّذها، أنها أول من استخدم مفهوم الشراكة في مجال المساعدات، في إشارة إلى ورقة السياسة الخاصة بها التي حملت عنوان الشراكة مع أفريقيا؛ وترى الهيئة أن التنمية هي "مسؤولية مشتركة"41. جرى في البداية تصوّر الشراكة باعتبارها شكلً جديدًا من أشكال التعاون بين المانح والمتلقي، وتؤسَّس على المسؤولية المتبادلة. وحدث انزلاق أساسي حين بدأ المانحون في تقديم المشورة لبناء شراكات في المجتمع، بدلً من مجرد إقامة علاقات شراكة بينهم وبين المجتمعات المتلقية المساعدات. من حينها، طالب المانحون بالجودة المثلى، واستخدموا نفوذهم، وصنعوا عالمًا مثاليًا بنوه وفق قيمهم الخاصة؛ واكتسب مفهوم الشراكة معنى أدق حين تجاوز بكثير الاهتمام بإضفاء الطابع الإنساني على التعاون الإنمائي، وزاد استحضارها على يد الوكالات المانحة المتعددة الأطراف التي كانت تحمل تصورات شاملة للمجتمع، جرى تشجيع متلقي المساعدة على محاكاتها لاحقًا. في هذه الرؤية المثالية، ثمة علاقات متناغمة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتنخرط كلها في "تنمية" مجتمعها في اتجاه مجتمع ديمقراطي ليبرالي تحت إشراف المانح نفسه. على نحو ما، صنعت هذه الوكالات مجتمعات مدنية في الجنوب بوصفها انعكاسًا لها. ثمة سمات ثلاث لافتة في إعادة تصدير فكرة المجتمع المدني: نزع الطابع السياسي، والتقديس، وإضفاء الطابع البيروقراطي42. يتم نزع الطابع السياسي عبر تعريف للمجتمع المدني لا يشمل إلّ المنظمات غير الحكومية، أو يعمل على تسوية الاختلافات بين الجمعيات من خلال التعامل مع مجتمع مدني أحادي البعد ومتخيّل. وبذلك تطمس المعالم الحاسمة في المجتمع المدني. ويقوم التقديس على رفع المجتمع المدني أخلاقيًا ليصير فوق الدولة وفوق السوق باعتباره الشريك المميز على طريق خلق "مجتمع صالح"، قائم على القيم الديمقراطية. أما إضفاء الطابع البيروقراطي، فيتم من خلال إنشاء مؤسسات/ جمعيات، حيث لا وجود للمجتمع المدني الذي يتطابق مع التصميمات العالمية للمانحين، وحيث يُنظر إلى المنظمات غير الحكومية عمومًا باعتبارها عنصرًا أساسيًا، بل طبيعيًا في أي مجتمع مدني، إلى درجة أنها تُخلَق خلقًا إذا ما كانت غائبة. بدأت عملية إعادة تصميم المجتمع المدني بإعادة تصميم المؤسسات التي كان من المفترض أن تنفذ هذه الفكرة الجديدة وتنشرها. وبدأ المانحون في إنشاء إدارات ووحدات متخصصة في معظم المؤسسات الإنمائية، وتغيير أسماء الأقسام التي عفا عليها الزمن، وتعيين أشخاص ذوي خبرة واضحة في هذا المجال، ووضع استراتيجيات وبرامج لإنشاء المجتمع المدني ودعمه وتقويته. تعكس هذه المحاولات كلها التوظيف الكامن للمجتمع المدني، حيث يصير وسيلة لتحقيق غاية – هي الدمقرطة أو النمو الاقتصادي أو التنمية المستدامة – لا غاية في حد ذاته. ويكون الغرض ليس تمكين المجتمع المدني، بل استخدامه وسيلة. ثمة العديد من وحدات المجتمع المدني الموجودة داخل أقسام الحكم والمجتمع المدني في أجزاء مختلفة من المنظمات المانحة، تسعى لتعزيز العمل على المجتمع المدني43. ونعثر في هذا الصدد على مثالين كاشفين، هما الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والبنك الدولي. ففي عام 1994، أنشأت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية مركزًا جديدًا للديمقراطية والحكم، يُعَدُّ تطوير "مجتمع مدني ناشط سياسيًا" أحد أهدافه الاستراتيجية الأربعة. وأسندت الوكالة مسؤولية تطوير المجتمع المدني إلى مسؤول متخصص في كل بعثة من بعثاتها الخارجية الكبرى المقيمة. فقد أدّت نهاية الحرب الباردة وخفض ميزانيات المعونة إلى إعادة التفكير في الأهداف، لذلك جرى استخدام المنظمات غير الحكومية ومنظمات القطاع الخاص بدائل لتنفيذ سياسات المعونة. وفي عام 1995، أنشأت الوكالة مبادرة شراكة جديدة تهدف إلى تمكين المنظمات غير الحكومية، وإنشاء شراكات تجارية صغيرة، وتعزيز الحكم المحلي الديمقراطي44. وأنشأ البنك الدولي وحدة للمنظمات غير الحكومية منذ عام 1989، بهدفٍ ظاهر هو تقديم الدعم إلى المنظمات غير الحكومية، لكن، أيضًا، بوصفها ممارسة تقوم على العلاقات العامة قصد كبح الانتقادات الموجّهة إلى سياساته، لا سيما في ضوء برامج التكييف الهيكلي الكارثية. وبحلول منتصف التسعينيات، بدأ الخطاب بالتحول من المنظمات غير الحكومية إلى المجتمع المدني، وانعكس في إعادة تسمية موظفي الاتصال في المنظمات غير الحكومية بوصفهم اختصاصيين في المجتمع المدني، بدءًا من عام.1995 تُعرِّف الأمم المتحدة، أيضًا، المجتمعَ المدني بأنه "المنظمات غير الحكومية ومجتمع الأعمال وغير ذلك"، وتشدّد على أهمية العمل في شراكة مع هذه القطاعات بشأن القضايا ذات الاهتمام العالمي45.
وبحلول عام 1998، كان ما يقرب من نصف المشروعات التي وافق عليها مجلس محافظي البنك الدولي يضم منظمات غير حكومية، معظمها منظمات غير حكومية محلية46. ووجد سعد الدين إبراهيم، في استطلاعه مواقف 523 موظفًا متخصصًا في البنك الدولي تجاه المجتمع المدني، أنه بينما كان الالتزام تجاه المجتمع المدني قويًا في أعلى التسلسل الهرمي، فإن المفهوم عانى "تفككًا وفتورًا وتقلّبًا على المستويات المتوسطة والدنيا"47. في الجامعات ومراكز البحوث، من مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، إلى جامعة جونز هوبكنز، صممت دورات تعليمية جديدة تتناول أفكارًا مثل المجتمع المدني والمجتمع المدني العالمي، وجرى دمجها في المناهج الدراسية، وصارت تحتل الصدارة، عادة. ومع تزايد إنتاج المعرفة، سعى الناشرون للحصول على أعمال تشرح هذه المفاهيم الجديدة/ القديمة، وانتشرت أدبيات عن المجتمع المدني المحلّ والعالمي، غالبًا ما كان يحاكي بعضها بعضًا، لتشهد على رواجٍ وموضة عرفهما المصطلح في الأوساط الفكرية، وفي غيرها من الأوساط بطبيعة الحال48. إن الدعم المقدم إلى المجتمع المدني ليس خطابيًا فحسب؛ بل يترجم إلى تحويلات لمبالغ كبيرة من المال، من خلال صناديق ومِنح يصعب تقديرها. تتمثل إحدى المشكلات في ذلك بأن البرامج التي تهدف إلى تعزيز المجتمع المدني صراحة لم تظهر إلّ في تسعينيات القرن العشرين. والسبب الآخر هو أن المجتمع المدني لا يُستخدَم في الكثير من الأحيان، بوصفه فئة، في إحصاءات وكالات المساعدات. والأهم من ذلك هو أن الدعم الموجّه إلى منظمات المجتمع المدني لا يقدّم إلى مشروعات تعزيز المجتمع المدني المحددة فحسب، التي تشكل جزءًا من مشروعات أكبر خاصة بالديمقراطية والحكم، بل أيضًا في اتجاه قطاعات أخرى، مثل الصحة والبيئة والمياه والجندر والتعليم. من الناحية الرسمية، يبقى التبرع بالمساعدات المخصصة للمجتمع المدني ضئيلً. تكشف بيانات لجنة المساعدات الإنمائية لعام 1995، على سبيل المثال، أن الدعم الموجّه إلى مشروعات المجتمع المدني، بلغ 391 مليون دولار أميركي، أي ما يمثل 0.84 في المئة فقط من المساعدات، و 9 في المئة فقط من الإنفاق على المشروعات المتعلقة بالحكم49. ومن حيث الميزانية العامة، تبقى الأرقام ضئيلةً، وسبب ذلك جزئيًا هو أن مشروعات المجتمع المدني لا تتطلّب مدفوعات ضخمة من رأس المال، على عكس الأعمال الهندسية الواسعة النطاق. تُعدّ الولايات المتحدة، وإلى حدٍ بعيد، أكبر مزوّد مساعدات في مجال المجتمع المدني، فقد شكلت 85 في المئة من إجمالي مساعدات المجتمع المدني في عام 1995، حيث رعت 335 مشروعًا من أصل 440 مشروعًا خاصًا بالمجتمع المدني50. توجّه هذه المساعدات من خلال مجموعة من المنظمات الحكومية الأميركية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ووكالة المعلومات USAID الأميركية Agency Information U.S.، والصندوق الوطني شبه الحكومي، National Endowment for Democracy للديمقراطية والمنظ تاا غ ررالربحية مثل المعهد الجمهوري الدولي International Republican Institute، ومركز كارتر Carter Center، إلى جانب مؤسسات، مثل مؤسسة آسيا Foundation Asia. ويوجّه الدعم بصورة أساسية إلى مجموعات الدفاع والمرافعة في مجالات حقوق الإنسان وحقوق المرأة والبيئة والإصلاحات الانتخابية أو التنمية. ومع ذلك، لا يقتصر دعم المجتمع المدني على الولايات المتحدة فحسب. فالوكالات المتعددة الأطراف، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي، والجهات المانحة ثنائية الأطراف، مثل حكومات المملكة المتحدة ودول شمال أوروبا وهولندا، والمؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي، والمؤسسات الألمانية أيضًا، مثل مؤسسة فريدريخ إيبرت Stiftung Friedrich-Ebert، كلها تشرّبت لغة المجتمع المدني51.
2. التصميم من خلال الممارسات
أدت سلسلة من السياسات والاختيارات الهادفة إلى دعم أنواع معيّنة من أعمال البحث والتطوير التي تقوم بها المنظمات، إلى ظهور مجال جديد يسمى "المجتمع المدني" في بلدان الجنوب. شهدت الأعوام العشرون الماضية نموًا سريعًا للمنظمات غير الحكومية المحلية وانفجارًا في اهتمام المانحين بهذا القطاع. وفي الوقت الذي توجد فيه النماذج الأرثوذكسية في حالة يُرثى لها، يُنظر إلى المنظمات غير الحكومية باعتبارها بدائل دينامية ومخصخصة لبيروقراطيات الدولة المتضخمة، وأدواتٍ للتنمية والديمقراطية والتمكين. ففي سريلانكا،
كما هي الحال في العديد من بلدان الجنوب الأخرى، لم يقتصر الأمر على الجهات المانحة الثنائية والمتعددة الأطراف فحسب، بل شمل أيضًا المنظمات غير الحكومية في الشمال التي اجتذبها العمل على المنظمات غير الحكومية في الجنوب. ومن ثم، تدعم المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في مجال التنمية في البلاد، وغيرها من المنظمات غير الحكومية التي لا تعمل داخلها، نشاطات المنظمات غير الحكومية المحلية. وبينما تساوي مشروعات البنك الدولي الإنمائية ضمنًا بين المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، يتبنى المانحون الآخرون منظورًا أدق: فوزارة التنمية الدولية DFID، على سبيل المثال، هي أكثر استعدادًا لاستيعاب المنظمات التي تُعرف تقليديًا بأنها أصوات راديكالية، في حين يقدم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تعريفًا واسعًا للمجتمع المدني، يشمل منظمات مثل النقابات العمالية، أو المجموعات الاجتماعية، وحتى المؤسسات الأكاديمية. ومع ذلك، تميل هذه الوكالات المانحة كلها إلى تعريف المجتمع المدني من خلال قائمة من المنظمات، تطول أو تقصر. وهو ما أدى إلى عملية "تقننة" و"تطهير"، شملت مجال الجمعيات. علاوة على ذلك، تُحجب علاقات القوة المتفاوتة بين منظمات المجتمع المدني، وكذلك الأصوات والمصالح المنوعة بفعل المصطلح الموحد المسمى مجتمعًا مدنيًّا. في بلد مثل غواتيمالا، كان ثمة طريقان جرى من خلالهما تفعيل الاهتمام بالمجتمع المدني عالميًا. أولً، كان المجتمع المدني تعبيرًا عن الهوية الشعبية والمدنية للجماعات الناشطة التي تسعى لفتح مساحات عامة للنقاش السياسي بعد عقود من الصراع؛ و ثانيًا، كان دافعًا لدى المؤسسات الدولية والتنموية التي أقحمت "برامج تقوية المجتمع المدني" قصد المساهمة في عملية سلام مستدامة. ولم يصل هذا المفهوم إلى غواتيمالا عبر أدبيات نظرية، بل جرت صياغته على يد مجموعة منوعة من مجموعات المعارضة الغواتيمالية. كان بعض هذه المجموعات قريبًا من الحركات المشاركة في حرب العصابات، بينما قَدِم بعض آخر من القيادات اليسارية، ولم يزل آخرون يشتركون في الهوية الثقافية للمايا. لقد قدم المجتمع المدني أداة مفهومية للأصوات الراديكالية التي نأت بنفسها عن الأحزاب التقليدية. وفي عام 1994، تشكلت جمعية المجتمع المدني تحت رعاية الاتفاقية الإطارية لمحادثات السلام، بدعم من وكالات المساعدات الأوروبية. شكّلت هذه الجمعية جبهة ضمت القطاعات المنظمة والراديكالية في غواتيمالا، لكنها فشلت في صوغ الاتفاقات. تبقى الجمعية مع ذلك مثيرةً للاهتمام بوصفها مثالً على منظمة مجتمع مدنيٍ جامعة، أُنشِئت عبر التدخل الخارجي في صورة مساعدات خاصة52. في البلدان الأخرى، كان المفهوم جديدًا تمامًا، على عكس غواتيمالا، حيث منح الناشطون السياسيون المجتمع المدني معنى راديكاليًا يتوافق وظروفهم الخاصة؛ وساهم انتشار لغة تقنية جديدة في إنشاء "مجال لمجتمع مدني"، يتوافق مع الفكرة المعيارية عن المجتمع المدني التي يروّج لها المانحون الدوليون. يشير واتشيرا مانينا إلى أن المجتمع المدني في أفريقيا ليست له لغة خاصة به، ذلك أن لغة الإصلاح السياسي في أفريقيا أنتجها المانحون. فتنتشر مصطلحات مثل "إعادة هندسة مساعدات التمكين"، بقدر ما يتزايد استخدامها بين المجموعات والمجتمعات التي تستهدفها المساعدات، كما في المناطق الريفية في كينيا، على سبيل المثال53. غالبًا ما يجري تقليص مجال "المجتمع المدني" عن طريق تعزيز قسم معيّ ومختار من الناس. أظهرت دراسة أُجرِيت في كينيا على ثلاثة مانحين رئيسين – الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، والوكالة الدنماركية الدولية للمساعدات DANIDA، وهيئة التنمية الدولية السويدية SIDA – على مدى ثلاث سنوات، أن أكبر المتلقين، عند تمويل المجتمع المدني، هم أولئك الذين يدافعون عن المساواة بين الجنسين أو قضايا الجندر. وتصل نسبة "بناء قدرات" المنظمات المدنية إلى 16.3 في المئة، كما يتلقى الناشطون في مجالات القانون وحقوق الإنسان بدورهم موارد مهمة معتبرة54. في كينيا، يبدو جليًّا أن الجهات المانحة يقتصر دعمها على الناطقين باللغة الإنكليزية وسكان الحضر من مجموعات الطبقة الوسطى، ومن ثم يجري تهميش القطاعات الشعبية في المجتمع المدني، خصوصًا مجموعات الاقتصاد الريفي والمنظمات المجتمعية. ويبدو هنا كما لو أن ثمة تفضيلً للجوانب الفكرية على المهنية منها. يميل المانحون إلى تفضيل الجماعات المحافظة المؤيدة الوضع الراهن والمنظمات غير الحكومية النخبوية التي يسهل إغواؤها بزخرف الروابط العالمية. وفي الأدبيات والممارسة العملية، يقسم المجتمع المدني إلى مجتمع مدني "جيد" من جهة، مكوّن من مجموعات مهنية والكنيسة، واللوبيات العاملة في مجال حقوق الإنسان، والمجتمع المدني "السيئ" من جهة أخرى، مكوّن من أشخاص يعلنون هويتهم الإثنية ويستلهمونها. ويذهب جزء كبير من التمويل الذي يقدّمه أكبر خمسة مانحين في مجال الديمقراطية والحكم في كينيا على سبيل المثال (الهيئة
السويدية للتنمية الدولية، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، والوكالة الدنماركية الدولية للمساعدات، ومؤسسة فورد، والوكالة النرويجية للمساعدات الإنمائية) إلى عدد ضئيل من المنظمات، مثل لجنة حقوق الإنسان الكينية KHRC، ومركز الحكم والتنمية CGD، وبرنامج البحوث والتوعية المدنية RECAP، والاتحاد الدولي للمحاميات. ويأتي تمويل مجموعات الدفاع المؤيدة الديمقراطية في صميم اهتمام المانحين بالمجتمع المدني. وتكون ثمة عواقب غير مرغوب فيها أحيانًا. لننظر، على سبيل المثال، في حالة الرائد بيار بويويا Buyoya Pierre، الذي تلقى 145000 دولار على مدى ثلاث سنوات من ميزانية "الديمقراطية والحكم" التابعة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وقد توجّهت الأموال إلى مؤسسة بويويا للوحدة والسلام والديمقراطية Buyoya's Foundation for Unity, Peace and Democracy، ليتم إنفاقها بصورة معلنة على تنظيم الندوات والمشاورات بين المنظمات غير الحكومية لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان. ثم أطاح بويويا بالنظام المدني وأقام طغمة عسكرية55. ولمّا يزل العلماء منقسمين حول ما تحتاج إليه أفريقيا – أهي السياسات الليبرالية التي تقتصر على المجتمع المدني، أم السياسة القائمة على المجتمعات الأفريقية القديمة – وهو ما خلق "مأزقًا نظريًا ما بين الحداثيين والجماعاتيين، وما بين أنصار المركزية الأوروبية ودعاة الأفرقة"56. ثمة اختلافات واسعة بين البلدان التي تعتمد على المساعدات، مثل بنغلاديش أو موزمبيق، ودولة مثل الصين، حيث تؤدي الوكالات المتعددة الأطراف والثنائية والمنظمات غير الحكومية الأجنبية دورًا محدودًا. يؤكد معظم المانحين أن ليس لدى الصين مجتمع مدني؛ لكن، منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، انخرطت مؤسسة فورد، ومؤسسة فريدريك ناومان Naumann Friedrich، والمعهد الجمهوري الدولي، في تعزيز البحث وتنظيم برامج التدريب في مجالات، مثل حوكمة الإصلاح القانوني والمجتمع المدني في الصين. وبطريقة غير مباشرة، يجري التركيز على المجتمع المدني، كما في حالة الدعم المقدم لتطوير المنظمات النسائية غير الحكومية للمشاركة في المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة على سبيل المثال. لكن أكبر داعم للمجتمع المدني، أي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ليس لها أي نشاط في الصين57. إن إنشاء مؤسسات المجتمع المدني هو آلية يجري من خلالها تشكيل مجتمع مدني معياري في بلدان الجنوب. ويبدو أن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، على سبيل المثال، قد حاولت ترشيد المجال الجمعوي المشتت في سريلانكا من خلال إنشاء مؤسسات "تمثيلية"، يمكنها التعاون مع الحكومة المحلية والمركزية، واختيار "قيادات من المجتمع." في ريكاوا Rekawa، حيث المجتمع الريفي على شاطئ البحر في هامبانتونا Hambantota [جنوب سريلانكا – المترجم]، وفي غياب منظمة غير حكومية واحدة تمثل المجتمع، شجعت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية جمعية صيادي ريكاوا Rekawa Fishermen's Cooperative Society التعاونية على الدمج بين مجموعة واسعة من المنظمات المجتمعية معًا في منظمة غير حكومية مسجلة واحدة. وهكذا جرى إنشاء مؤسسة ريكاوا للتنمية Rekawa Development Foundation لتكون مسؤولة عن تمثيل المجتمع في إدارة الموارد الطبيعية وعمليات صنع القرار الأخرى. وحدث الشيء نفسه في ريتيغالا Ritigala في المقاطعة الشمالية الوسطى، حيث عُرفت مؤسسة Tanthirimala Gramodaya Mandalaya بوصفها أكثر مؤسسات السكان الأصليين قدرة على تشكيل منظمة غير حكومية "تمثيلية" بسهولة، وقد تولّت تسيير مشروع "جمعية ريتيغالا لإدارة الموارد المحلية". Ritigala Community Based Resources Management نشِئت، في عام وهكذا، أ 1995، مؤسسة ريتيغالا للتنمية المحلية للمجتمع والبيئة Ritigala Community Base Development and Environment Foundation؛ وحتى عام 1997 ترأستها شابتان باعتبارهما "قيادات من المجتمع"58. اللافت في هذين المشروعين هو عملية بناء المؤسسات؛ وفي الواقع، ظهرت في كلتا الحالتين مؤسسات جديدة بمساعدة الوكالة المانحة. لكن إنشاء منظمات غير حكومية من الخارج لا يضمن أن يكون لهذه المجموعات محتوى ديمقراطي، أو أنها ستطمح إلى أن تكون أدوات للتغيير الاجتماعي والسياسي، أو أن تكتسب الشرعية حتى في السياقات المحلية59. علاوة على ذلك، فإن المنظمات غير الحكومية التي ليست لديها قدرات التواصل، تتفكك لا محالة. في غواتيمالا، أدرجت المؤسسات المالية والإنمائية الدولية "تقوية المجتمع المدني" في أعمالها بطريقة منهجية عقب عملية إعادة البناء التي عرفتها في التسعينيات. وقد أدى بناء المجتمع المدني من الخارج والخطابات من أعلى إلى تهميش التطلّعات من أسفل. فمعظم المنظمات غير الحكومية في سريلانكا منظمات شعبية صغيرة جدًا، تنخرط في خطط التخفيف من حدّة الفقر، والتنمية الريفية، والقروض الريفية. ويبدو أن العديد من
برامجها يعمل بمعزل عن باقي الاقتصاد، وعن الوكالات والبرامج الأخرى العاملة في المجال، وعن سياسة الحكومة، وشبكات الإنتاج والتخصص القائمة، وعن البيئة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الذي توجد فيه أحيانًا. في هذه الشبكة الواسعة من المنظمات والاستشاريين الذين يكرسون أنفسهم لقضية التنمية، غالبًا ما تجري مقايضة الشراكة بالمحسوبية، والتواطؤ السياسي، وعلاقات القوة. فعلى المستوى المحلي، يعمد الأفراد ذوو التطلعات السياسية في الكثير من الأحيان إلى إنشاء منظمات غير حكومية خاصة بهم، ويستخدمون الموارد التي يمكنهم الوصول إليها والاتصالات التي يقيمونها وسيلة لتعزيز مصالحهم. وتكمن المفارقة في أن منظمات المجتمع المدني التي من المفترض أن تتميز بسمات "الاستقلالية"، ينتهي بها الأمر إلى التضحية بهذا الاستقلال الذاتي بدرجات متفاوتة، بسبب اعتمادها على تمويل المانحين. ختامًا، يبدو أن ثمة مساحة اجتماعية مصممة حديثًا تسمى "المجتمع المدني"، ظهرت في العديد من بلدان الجنوب عبر شراكة مع فاعلين عالميين ومحليين، وهي مساحة لا تمتّ بصلة إلى المجتمع المدني لدى مفكري التنوير. يمكن تمييز عدد من السمات المشتركة في هذه البلدان المختلفة جدًا: عملية مستمرة من التهميش أو حتى التدمير، تطاول قطاعات معينة – النقابات العمالية وجمعيات المزارعين والصيادين والجمعيات ذات الطابع العامي، أو العرقي، أو الديني، أو الطبقي – التي لا تتطابق مع هذا التصميم؛ بيروقراطية فكرية جديدة غير قائمة على الجدارة – تتولى دور الناقد المنوط بالمثقف العضوي، وتتبنى موقفًا غير تصادمي تجاه القوى العالمية التي تشكل المجتمع؛ ابتعاد عن قضايا التفاوت الاجتماعي والتركيز على قضايا الحقوق والمرافعات الدفاعية التي تستبق التغيرات الاجتماعية الجارية وذات الطابع الحاسم. في بعض البلدان تحدث ردات أفعال حيال كتم أصوات معينة ومنح امتيازات معينة لأخرى، تتخذ صورة مناهضة للأجانب، ومناهضة للعالمية (من الأمم المتحدة إلى المانحين المتعددي الأطراف)، ومناهضة المشروطية، وحتى التعبيرات المعادية للمسيحية، وقد تجلّت في أعمال عنف متفرقة تكون في الأغلب غير مترابطة. لهذه المجتمعات المدنية المصممة حديثًا في الجنوب تأثير إيجابي في بعض الحالات؛ يتمثل في ظهور فضاء سياسي عمومي يعمل حارسًا للدولة. ومع ذلك، يقتصر مخيالها السياسي على نوع معيّ من العمل ونمط معيّ من الدور النقدي. فبعض القضايا لا يستطيع المجال العام المعاد تشكيله مواجهته؛ مثل الإصلاحات البنيوية وتفكيك دولة الرفاه وانهيار التفكير النقدي في الجنوب الذي ليس له غير دور محدود في عملية الإنتاج العالمية. إن المجتمع المدني – إذا ما وافقنا على استخدام هذا المصطلح لوصف المساحات الاجتماعية والسياسية التي تعبّ عن الرغبة في انعتاق المجتمعات وتحسين وضعها إلى الأفضل – لا يصلح للتصنيع الآتي من الخارج. فلا يمكن إنشاؤه انطلاقًا من مخططات خاصة تُرسَم في المكاتب في واشنطن أو لندن. لقد جرّد المانحون فكرة المجتمع المدني تمامًا من أي معنى جوهري في محاولتهم المزج بين النظرية والممارسة. ويبرز ها هنا السؤال عن الكيفية التي يمكن بها تلبية الحاجة المشروعة إلى فضاء يُعتَ ف فيه بحق جميع الأفراد، من خلال جمعياتهم ومنظماتهم المنوعة، في المساهمة في المناقشات بشأن كيفية تنظيم مجتمعهم، والتعامل مع مشكلاته، وفي نهاية المطاف، تحديد نوع المستقبل الذي يرغبون فيه.
المراجع
Appadurai, Arjun (ed.). Globalization. Durham/ London: Duke University Press, 2001. Appiah, Kwame Anthony. In My Father's House: Africa in the Philosophy of Culture. New York: Oxford University Press, 1992. Bastian, Sunil & Nicola Bastian (eds.). Assessing Participation: A Debate from South Asia. New Delhi: Konark, 1994. Bayart, Jean-Francois. L'Illusion Identitaire. Paris: Fayard, 1996. Chabal, Patrick & Jean-Pascal Daloz. Africa Works: Disorder as Political Instrument. London: International African Institute; Oxford: J. Currey; Bloomington/IN: Indiana University Press, 1999. Chabal, Patrick (ed.). Political Domination in Africa: Reflections on the Limits of Power. Cambridge: Cambridge University Press, 1986. Chambers, Simone & Will Kymlicka (eds.). Alternative Conceptions of Civil Society. Princeton: Princeton University Press, 2001. Chandhoke, Neera. State and Civil Society: Explorations in Political Theory. New Delhi/ Thousand Oaks, CA/ London: Sage, 1995 Chatterjee, Partha. "A Response to Taylor's 'Modes of Civil Society'." Public Culture. vol. 3, no. 1 (Fall 1990). _______. "Beyond the Nation or Within." Social Text. vol. 16. no. 3 (Fall 1998). Cohen, Jean & Andrew Arato. Civil Society and Political Theory. London: Verso, 1992. Comaroff, Jean & John Comaroff (eds.). Millennial Capitalism and the Culture of Neoliberalism. Durham/ London: Duke University Press, 2001. Cooper, Fred & Randall Packard (eds.). International Development and the Social Sciences: Essays on the History and Politics of Knowledge. Berkeley, CA: University of California Press, 1997. Cooper, Frederick. "Decolonizing Situations: The Rise, Fall and Rise of Colonial Studies 1951-2001." French Politics, Culture and Society. no. 20 (Summer 2002). Fine, Ben. "The Developmental State Is Dead - Long Live Social Capital." Development and Change. vol. 30, no. 1
Gaonkar, Dilip Parameshwar (ed.). Alternative Modernities. Durham/ London: Duke University Press, 2001. Gellner, Ernst. Conditions of Liberty: Civil Society and Its Rivals. London: Hamish Hamilton, 1994. Guha, Ranajit. Dominance Without Hegemony. History and Power in Colonial India. Cambridge, MA/ London: Harvard University Press, 1997. Hall, John A. (ed.). Civil Society: Theory, History and Comparison. Cambridge: Polity Press, 1995. Halperin, Sandra & Gordon Laxer (eds.). Global Civil Society and Its Limits. London: Palgrave Macmillan, 2003. Howell, Jude & Jenny Pearce. Civil Society and Development: A Critical Exploration. Boulder, CO: Lynne Rienner, 2001. Kaldor, Mary. Global Civil Society: An Answer to War. Cambridge: Polity Press, 2003. Kaviraj, Sudipta & Sunil Khilnani (eds.). Civil Society: History and Possibilities. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. Keane, John. Civil Society: Old Images, New Visions. Cambridge: Polity Press, 1998. ________. Global Civil Society? Cambridge: Cambridge University Press, 2003.
Kumar, Krishnan. "Civil Society: An Inquiry into the Usefulness of an Historical Term." British Journal of Sociology. vol. 44, no. 3 (September 1993). Leftwich, Adrian. "Governance, Democracy and Development in the Third World." Third World Quarterly. vol. 14, no. 3 (1993). Mamdani, Mahmood. Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton: Princeton University Press, 1996. Rooy, Alison Van (ed.). Civil Society and the Aid Industry: The Politics and Promise. London: Earthscan, 1998. Said Eddin, Ibrahim. "Nurturing Civil Society at the World Bank: An Assessment of Staff Attitudes Towards Civil Society." Social Development Papers no. 24. World Bank (September 1998). Salamon, Lester M. et al. Global Civil Society: Dimensions of the Nonprofit Sector. Baltimore: The Johns Hopkins Center for Civil Society Studies, 1999. Stirrat, R. L. & H. Henkel. "Participation as Spiritual Duty: The Religious Roots of the New Development Orthodoxy." paper presented in "Boundaries and Identities Conference." Edinburgh. United Kingdom. (1996). (Unpublished) Swedish International Development Agency (SIDA). Partnership Africa. Stockholm: 1996. Turner, Bryan S. Orientalism, Postmodernism and Globalism. London/ New York: Routledge, 1994. Wickramasinghe, Nira (ed.). Civil Society in Sri Lanka. New Circles of Power. New Delhi/ Thousand Oaks, CA/ London: Sage, 2001. ________. Dressing the Colonised Body: Politics, Clothing and Identity in Colonial Sri Lanka. New Delhi, India: Orient Longman, 2003. Williams, David & Tom Young. "Governance, the World Bank and Liberal Theory." Political Studies. no. 42 (1994).