لماذا انهارت "دولة البعث" في سورية؟

Marwan Kabalan مروان قبلان |

الملخّص

تناقش هذه الدراسة الأسباب والعوامل التي أدت إلى دخول الدولة السورية في أسوأ أزمة وجودية منذ تأسيسها عام 1920ّ، وكيف أن تخل ي الدولة التي حكمها حزب البعث عن وظيفتها الاقتصادية (الريعية - التوزيعية) تجاه قواعد دعمها الاجتماعية التقليدية (العمال والفلاحون والأرياف)، وتبن يها سياسات اقتصادية ليبرالية، وتراجع هيمنتها الأيديولوجية، وتعويض ذلك بزيادة الاعتماد على ذراعها الأمنية، قد أفقدها آليات السيطرة التقليدية التي اعتمدتها في العلاقة مع المجتمع نحو نصف قرن. وقد أدى انسحاب الدولة من المجال الاقتصادي - الخدمي لصالح طبقة جديدة من رجال الأعمال، والضعف الذي اعترى أدوات الهيمنة الفكرية - الثقافية التقليدية نتيجة التطور التكنولوجي وتراجع دور التنشئة السياسية (في المدارس والجامعات)، وفقدان السيطرة على تدفق المعلومات، إلى تبن ي مقاربة أمنية في التعامل مع الأزمات. وفي الحصيلة، فقدَ النظام السيطرة على الوضع، وتلاشت شرعيته بوصفه سلطة حاكمة نتيجة العنف الذي مارسه في قمع الاحتجاج، ما أسهم في تحويل المعارضة السلمية إلى ثورة مسلحة، ثم إلى حرب وكالة إقليمية ودولية، مع تنامي دور العامل الخارجي في الأزمة.

This paper investigates the factors that have led to the collapse of Baath-ruled Syria. It argues that the abandonment of the rentier – distributive economic system that had traditionally propped up the social base of the Baath party (labourers, farmers, and rural populations) and the adoption of liberal economic policies was key to the crisis. The end of the Cold War, the passing of resistance discourse, with the start of the Middle East peace process, and the information revolution have contributed to weakening the cultural and ideological hegemony of the Syrian Baath-ruled state. This led to increasing reliance on the security apparatus to control an increasingly young and educated society. The loosening economic grip of the state resulting from the abandonment of the public sector, and the rise of crony capitalism accompanied by the declining role of political socialisation (in schools and universities), and the loss of control over the flow of information, left the regime with no other option but resorting to violence to deal with the crisis. The peaceful opposition movement hitherto was transformed into an armed revolution, and then into a regional and international proxy war, with the rising role foreign interference in the crisis.

Why Did the “Baath State” in Syria Collapse?

كلمات مفتاحية: دولة البعث، سياسات اللبرلة الاقتصادية، الشرعية، الدولة الأمنية، الانقسام المديني - الريفي، السيطرة الأيديولوجية.

Keywords: Baath State, Economic Liberalization Policies, Legitimacy, Security State, Urban-Rural Division, Ideological Control.

مقدمة

تواجه الدولة السورية مرحلة تعدّ الأخطر في تاريخها المعاصر، وتحديدًا منذ أن أعلن قيامَها المؤتمر السوري العام في 8 آذار/ مارس 1920 باسم "المملكة السورية." وقد أدت الأزمة التي بدأت في آذار/ مارس 2011 وفشل النظام في إدارتها إلى انفجار صراع داخي، تحوّل بسبب التدخلات الخارجية، واستنجاد أطراف الصراع المحي بحلفاء من الخارج، إلى حرب وكالة إقليمية ودولية، أسفرت عن نتائج باتت تهدد كيان الدولة السورية، وتقوض وجودها السياسي والقانوني، ونسيجها الاجتماعي وهويتها الوطنية. ويشمل ذلك سقوط نحو نصف مليون قتيل، وتشريد أكثر من نصف السكان 5.6(ملايين لاجئ، و 6.4 ملايين نازح داخليًا)، وخسائر اقتصادية تقدر بنحو 442 مليار دولار1، تتضمن تدمير 28 في المئة من إجمالي عدد المساكن في البلاد، جزئيًا أو كليًا2، فضلً عن ضرر كبير لحق بالبنى التحتية، وخروج مساحات واسعة في الأطراف عن سيطرة المركز؛ في الشرق والشمال والجنوب الشرقي خصوصًا، وانتهاك سيادة البلاد نتيجة تدخّل، أو وجود، خمسة جيوش أجنبية في الأرض السورية، هي: روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران وإسرائيل، فضلً عن آلاف المقاتلين الأجانب المنتظمين في صفوف ميليشيات تقاتل إلى جانب النظام، والأكراد، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وغيرها من الفصائل والجماعات. إضافة إلى ذلك، باتت الدولة السورية، نتيجة هذه الأزمة، مهددة بنزعات انفصالية صعدت خلال سنوات الأزمة3، في حين فقدت أجهزتها القدرة على التحكم والسيطرة، حتى في المناطق التي يبسط النظام سيطرته عليها، مع حلول تنظيمات وميليشيات موازية أخذت تمارس وظائفها، ابتداء من الأمن وإدارة الشؤون البلدية والمحلية، وصولً إلى جباية الضرائب وفرض الإتاوات ورسوم العبور4، وذلك بالتوازي مع ترهل مؤسسات الدولة التي غدت، بسبب الاستنزاف المالي والبشري، عاجزة عن القيام بوظائفها الأساسية في توفير الأمن والخدمات وإدارة الاقتصاد وشؤون المجتمع، خاصة مع دخول العقوبات المفروضة بموجب "قانون قيصر" الذي أقرته الولايات المتحدة في كانون الأول/ ديسمبر 2019، حيز التنفيذ في حزيران/ يونيو 2020، تزامنًا مع تفشي جائحة كورونا، في وقت أخذت تثور فيه تساؤلات حول شرعية الدولة نفسها، وليس السلطة التي تحكمها فحسب، وعن مدى استعداد فئات واسعة من المجتمع العودة إلى كنفها، أو القبول بها بشكلها الذي كان سائدًا قبل اندلاع الأزمة. تحاول هذه الدراسة تتبّع أسباب وصول الدولة السورية إلى المرحلة التي بات فيها وجودها مهددًا، ترابيًا وسياسيًا وقانونيًا، والسياقات التي وضعتها بعد مئة عام منذ نشأتها على شفا الانهيار، وما احتمالات بقائها؟ وهل هناك فرصة أمام سورية لإعادة بناء دولة قادرة على أداء مهماتها ووظائفها، واستعادة سيادتها على كامل أراضيها، وما شكل هذه الدولة، في حال تمكنت من ذلك؟

أولا: أطوار عمر الدولة السورية

ظهرت الدولة السورية بشكلها المعروف اليوم مع انهيار الإمبراطورية العثمانية نتيجة الحرب العالمية الأولى 1918-1914(.) ويمكن نظريًا تقسيم عمر الدولة السورية المعاصرة إلى ثلاثة أطوار أو مراحل رئيسة5، معيارها الأساسي نوعية النخبة التي تقبض على الدولة، وخلفيتها الحضرية والاقتصادية والاجتماعية، وهي على النحو التالي:

  1. الأمم المتحدة، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسیا (الإسكوا)، 1 سوريا: بعد ثماني سنوات من الحرب (بيروت: مطبوعات الإسكوا، 2020)، ص 11، شوهد في 2021/11/30، فh يttps://bit.ly/3giR467:
  2. بحسب البنك الدولي، وقع دمار كامل ل 7 في المئة من كل مساكن سورية، في حين لحق دمار جزئي ب 21 في المئة منها، ينظر: World Bank Group, Syria Damage Assessment of selected cities Aleppo, Hama, Idlib , Phase III (Washington, DC: The World Bank, 2017), accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3kdxU4U
  3. تأتي خصوصًا من بعض القوى والتيارات الكردية التي تسيطر على مناطق واسعة من شمال شرق البلاد.
  4. يشمل ذلك قطعات عسكرية من داخل النظام نفسه، إذ تفرض الفرقة الرابعة، على سبيل المثال، التي يقودها شقيق الرئيس، إتاوات ورسوم مرور لقاء تقديم خدمات حماية للقوافل، تسمى "الترفيق والترسيم"، ينظر: أيمن الدسوقي، "شبكة اقتصاد الفرقة الرابعة خلال الصراع السوري"، تقرير مشروع بحثي، برنامج مسارات الشرق الأوسط، مركز روبرت شومان للدراسات العليا بالجامعة الأوروبية، 2020/1/13، شوهد في 2021/11/30، في:
  5. https://bit.ly/2WfgcSw 5 تعبر عنها بدقة الصيغة الخلدونية في أطوار صعود الدول وانهيارها.

1. المرحلة الليبرالية (حكم النخب المدينية) مدة هذه المرحلة 43 عامًا؛ من آذار/ مارس 1920 حينما أعلن المؤتمر السوري العام إنشاء المملكة السورية، بحدودها الطبيعية التي تضم سورية ولبنان وفلسطين والأردن، وتنصيب فيصل بن الحسين ملكًا عليها، وتنتهي في آذار/ مارس 1963. وتعرف في تاريخ سورية عمومًا بالمرحلة الليبرالية، سيطرت خلالها نخب حكم برجوازية مدينية في مرحلتي الانتداب الفرنسي 1946-1920() ومرحلة ما بعد الاستقلال والجلاء 1963-1943()، تناوب خلالها على السلطة عوائل وأعيان المدن الكبرى، وكبار الملاك على خط العمران الغربي للبلاد (دمشق وحلب وحمص وحماة)، بمن فيهم أغلب قادة الانقلابات العسكرية التي وقعت في الفترة 1962-1949. وعلى الرغم من الحالة التعددية التي سادت سورية خلال هذه المرحلة، وتنظيم انتخابات عديدة شارك السوريون فيها باختيار ممثليهم، فإن السياسة ظلت عملً نخبويًا إلى حد بعيد؛ إذ بقيت طبقة كبار الملاك وأرباب الصناعة مسيطرة. لكن أخذت تبرز في الخمسينيات من هذه المرحلة القوة السياسية لحركة الفلاحين وتحالفها مع المثقفين القوميين، وتمكّنها، عبر اندماج حزبيها السياسيين الرئيسين المتمثلين بالحزب العربي الاشتراكي وحزب البعث العربي في حزب البعث العربي الاشتراكي، من إيصال عدد من ممثليها إلى مجلس النواب السوري في انتخابات عام.1954

2. المرحلة الاشتراكية (حكم الفلاحين وأبناء الريف)6

يمكن أن نطلق عليها أيضًا "حقبة" أو "دولة البعث"، بمرحلتيها: الحزبية 1985-1963() والعائلية 2011-1985()، حينما أخذت السلطة تنتقل من حالتها التوتاليتارية إلى حكم الفرد، ومن الحزب إلى العائلة، وبلغت ذروتها بتوريث السلطة عام 2000، من الرئيس حافظ الأسد 2000–1971() إلى ابنه بشار. وامتدت هذه المرحلة 48 عامًا، بدأت في آذار/ مارس 1963 حينما وصل حزب البعث إلى السلطة، سيطرت خلالها على الدولة نخب حكم (عسكرية ومدنية) بخلفيات اجتماعية فلاحية، وقامت بعملية تجريف كامل قانوني وسياسي واجتماعي واقتصادي (اجتثاث) للنخب البرجوازية والمدينية، وحوّلت السياسة إلى فعل جماهيري، ساد خلالها خطاب شعبوي، مع تنامي الحاجة إلى التعبئة والحشد لمواجهة خصوم الداخل والخارج. وقد تخمّرت هذه المرحلة في الخمسينيات، وتنامت مع تطبيق قانون الإصلاح الزراعي في فترة الوحدة بين مصر وسورية (الجمهورية العربية المتحدة 1961-1958)، وكان من أبرز خطوات حركة 8 آذار/ مارس 1963 الانقلابية استئناف تطبيقه، بعد تقليصه في مرحلة الانفصال السوري عن الجمهورية العربية المتحدة 1963-1961()؛ الأمر الذي أدخل الفلاحين، ويمثلون أكبر كتلة سكانية اجتماعية في الهيكل السكاني الاجتماعي السوري، في الحياة الاجتماعية - السياسية العامة الجديدة. في هذه المرحلة، أُدخلت تغييرات اقتصادية واجتماعية عميقة، بما في ذلك تأميم القطاع الخاص الصناعي والمصارف، وتجذير قانون الإصلاح الزراعي؛ إذ وُزّعت الأراضي على الفلاحين، وثُبّتوا في الأراضي التي يعملون فيها، واضطر عدد غير قليل من البرجوازيين والتجار وكبار الملاك وأصحاب المصانع إلى الهروب إلى الخارج، ولا سيما إلى لبنان الذي صار ملاذًا آمنًا لرساميلهم. وتمثَّل التغير البنيوي الأكبر والأبعد أثرًا في تولّ القطاع العام تعبئة الموارد وقيادة عملية التنمية، عبر منهج التخطيط المركزي الشامل الذي تصاحب مع مركزية حزبية سياسية على غرار ما كان قائمًا في دول ما سمي بالديمقراطيات الشعبية في أوروبا الشرقية وبعض بلدان العالم الثالث. وخلال الفترة 1970-1963، احتكر حزب البعث قيادة الدولة والمجتمع. لكنه أجرى، بعد انقلاب 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 الذي قاده وزير الدفاع حافظ الأسد، تعديلً في بنيته لتوسيع قاعدته الاجتماعية - السياسية، قضى بضم عدة أحزاب قومية واشتراكية في جبهة حملت اسم "الجبهة الوطنية التقدمية." غير أن هذه الجبهة سلَّمت بقيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، وكرس دستور عام.1973 ذلك في السنوات المتأخرة من هذه المرحلة، ولأسباب مرتبطة بتغيرات داخل بنية النظام نفسه، مع صعود جيل جديد من النخب (أبناء المسؤولين)، واختلاف خبراتهم ورؤاهم لدور سورية والعالم من حولهم Worldviews عن الجيل السابق، وزيادة مستوى التحديات الاقتصادية والسياسية، والتغيرات العميقة في البيئة الإقليمية والدولية التي واجهتها سورية، خصوصًا بعد هجمات سبتمبر 2001، وما رافقها من ضغوط، وما ترتب عليها من نتائج، بما في ذلك غزو العراق عام 2003، وخروج القوات السورية من لبنان عام 2005، بدأ النظام في تبنّي سياسات اقتصادية - اجتماعية تستوحي البرامج النيوليبرالية للإصلاح الاقتصادي والتنمية، وأحدثت هذه السياسة قطيعة كبيرةً مع السنوات المبكرة من عمر هذه المرحلة التي امتدت حتى آذار/ مارس 2011، وقد بذرت هذه السياسات بذور انهيار دولة البعث، وقاعدتها الاجتماعية المؤلّفة من الفلاحين وعمال القطاع العام، والجهاز البيروقراطي المتضخم للدولة، وأدت في نهاية المطاف إلى تحللها وانهيارها.

  1. يعدّ كتاب حنا بطاطو مرجعًا أساسيًا في تناولها، ينظر: حنا بطاطو، 6 فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم، ترجمة عبد الله فاضل ورائد النقشبندي (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2014

3. مرحلة التفسخ والانهيار (حكم الفوضى) في هذه المرحلة ثارت قواعد النظام الأولى (في المناطق الطرفية والحدودية والأرياف خصوصًا، وشرائح من الطبقات الوسطى المدينية التي توسّعت بفعل عملية التحديث وانتشار التعليم) نتيجة الأضرار التي لحقت بها؛ بسبب السياسات الليبرالية التي تبنّاها النظام الذي كان ما زال يدّعي تمثيلها، وعجز تلك السياسات عن امتصاص العقابيل الاجتماعية - السياسية لعملية الانتقال السريع من الاقتصاد المركزي إلى اقتصاد السوق، وأسفرت في المقابل عن صعود طبقة برجوازية جديدة انبثقت من رحم النظام نفسه، هي طبقة رجال الأعمال الجدد التي أعيد تشكيلها وبناؤها7. وقد نشأت في هذه المرحلة شبكات فساد واحتكار منظم، رافقها خلل كبير في توزيع الثروة8، ازدادت معها التوترات الطبقية التي شكلت العامل الرئيس في تصدّع دولة البعث، وانهيارها (بعكس ما كانت عليه الحال في انتفاضتي حلب وحماة المدينيتين في الفترة 1982-1979؛ إذ كان التنافر السياسي والأيديولوجي عاملً أكثر أهمية من الطبقي، وإن كان التمايز الطبقي أيضًا حاضرًا بصيغة ريف/ مدينة أو فلاحين/ طبقة وسطى مدينية.) بدأت هذه المرحلة في آذار/ مارس 2011 في شكل احتجاجات مطلبية سرعان ما تطورت إلى أزمة سياسية، ثم مواجهات عسكرية، سادت معها الفوضى، وتعددت السلطات، وتشظّت الهوية الوطنية، وفقدت البلاد جزءًا كبيرًا من مواردها البشرية (مئات آلاف القتلى والجرحى، وملايين النازحين واللاجئين)، وهُجرت الآلاف من كفاءاتها، ووقع دمار كبير في بنيتها التحتية، ولم تعد السلطة المركزية قادرة على الوصول إلى مواردها الاقتصادية الرئيسة، من غاز ونفط وقمح ومياه، وتلاشت سيادتها بوجود خمسة جيوش أجنبية على أراضيها. كذلك خسرت وحدتها الترابية بخروج مساحات كبيرة عن سيطرتها، وكذلك معابرها وحدودها9. وانهارت قدرة الدولة على ممارسة وظائفها الأمنية والاقتصادية والخدمية والسياسية بحلول سلطات بديلة محلها، من ميليشيات وجماعات مسلحة وفصائل، والأهم أن الدولة فقدت شرعية الحكم والسيطرة واحتكار استخدام القوة بثورة المجتمع عليها، ورفعه السلاح في وجهها، ورفضه الخضوع لسلطتها.

ثانيًا: مصادر "شرعية" نظام البعث

حينما بدأت ثورات "الربيع العربي" تمتد من تونس إلى مصر، ثم ليبيا واليمن والبحرين وعمُان، كانت مصادر شرعية النظام السوري قد شارفت على النضوب. مع ذلك، كان التصور السائد لدى النظام، وفي دوائر غربية أيضًا، أن سورية مختلفة عن بقية دول الربيع العربي التي جمعها كلها تقريبًا قاسم مشترك، وهي أن أنظمتها حليفة للغرب (تونس ومصر واليمن والبحرين وعمُان)، أو تحولت إلى التحالف معه في سنوات عمرها الأخيرة (ليبيا)، وقد أدى هذا دورًا في تقويض شرعيتها المحلية؛ إذ كان يُنظر إلى حكوماتها باعتبارها سلطات "فاسدة" تابعة للغرب، أو "متخاذلة" عن نصرة القضايا العربية والإسلامية. وقد أشار بشار الأسد إلى هذا العامل بوضوح حينما أخبر صحيفة وول ستريت جورنال، في 13 كانون الثاني/ يناير 2011، بأنه يستبعد تكرار ما حصل في مصر وتونس في بلاده؛ لأن السياسات الخارجية لنظامه، وتقوم في جوهرها على القومية العربية ومقاومة إسرائيل والسياسات الغربية، "تحظى بتأييد كبير بين مختلف فئات الشعب السوري"10. أما التقديرات الغربية بشأن استبعاد حصول ثورة في سورية، فقد استندت إلى القبضة الأمنية الشديدة للنظام وتمرّسه في السيطرة من خلالها على المجتمع ما يقرب من نصف قرن11. لكن

  1. يطلق عليها عزمي بشارة اسم "الذئاب الشابة"، ينظر: عزمي بشارة، 7 سورية: درب الآلام نحو الحرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.305
  2. Joseph Daher, "The Political Economic Context of Syria's Reconstruction: A Prospective in Light of a Legacy of Unequal Development," Research Project Report , Robert Schuman Centre for Advanced Studies, European University Institute, 5/12/2018, pp. 8-10, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/2JG7EQN
  3. Fabrice Balanche, "The Assad Regime has Failed to Restore Full Sovereignty over Syria," Policy Analysis , Washington Institute for Near East Policy, 10/2/2021, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3otCs9n
  4. Interview with Syrian President Bashar Al-Assad," The Wall Street Journal , 31/1/2011, accessed on 30/11/2021, at: https://on.wsj.com/38t9q1g
  5. كانت هناك توقعات أميركية بحدوث اضطرابات في مناطق مختلفة من العالم العربي. لكن سورية لم تكن من بينها، ينظر: Mark Landler, "Secret Report Ordered by Obama Identified Potential Uprisings," The New York Times , 16/2/2011, accessed on 30/11/2021, at: https://nyti.ms/3bWT2rN

اﻟﻮﻇﻴﻔﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ-اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ EDUCATOR

العامل الأيديولوجي الذي أشار إليه بشار الأسد، باعتباره أحد عوامل قوة نظامه داخليًا، ومصدرًا رئيسًا من مصادر شرعيته، وكذلك القبضة الأمنية الشديدة للنظام، وأكّدها الباحثون الغربيون، كانت في الواقع أهم عوامل ضعفه، وسببًا رئيسًا في انهيار سيطرته، كيف؟ بنى نظام البعث حكمه على ثلاثية ماكس فيبر الشهيرة التي تقوم عليها شرعية الدولة و"مقبولية" نظامها السياسي مجتمعيًا12. وبحسب فيبر، تتمثل وظائف الدولة الأساسية التي تقوم عليها شرعيتها بوظيفتها الاقتصادية، حيث توفر Provider الدولة الخدمات الرئيسة للمجتمع (عمل، وصحة، وتعليم... إلخ) وتحقيق حد أدنى من الأمان الاجتماعي لأشد الطبقات هشاشة13، ووظيفتها الأمنية Protector؛ حيث تتولى الدولة حفظ الأمن والنظام العام داخليًا، وتحتكر في ذلك مشروعية استخدام القوة في فرضهما، وتصد خارجيًا العدوان، وتحمي مواطنيها من أي تهديد وخطر يأتي من وراء الحدود. ووظيفتها السياسية أو الأيديولوجية Educator، شكل يوضح وظائف الدولة الأساسية ومصادر شرعيتها

اﻟﻮﻇﻴﻔﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ PROVIDER

وﻇﺎﺋﻒ اﻟﺪوﻟﺔ وﻣﺼﺎدر ﴍﻋﻴﺘﻬﺎ

اﻟﻮﻇﻴﻔﺔ اﻷﻣﻨﻴﺔ PROTECTOR

وتعني تكريس رؤيتها ونهجها الفكري والسياسي في المجتمع (ينظر الشكل)14. وفقًا لذلك بنت دولة البعث شرعية حكمها التي دامت نحو خمسة عقود، قبل أن تبدأ في التآكل15.

1. الوظيفة الاقتصادية

حينما وصل حزب البعث إلى الحكم باستخدام ثنائية الجيش والحزب، لم يكن نظامه يتمتع بقاعدة دعم اجتماعية واسعة، بدليل أنه لم يتمكن في آخر انتخابات حرة شهدتها سورية عام 1954، من إيصال أكثر من 16 نائبًا إلى البرلمان المكون من 140 مقعدًا. لكن دوره السياسي والاجتماعي برز أكبر من ذلك بكثير في سياق احتدام استقطابات الحرب الباردة في سورية16، وكان لا بد له، من ثم، إذا أراد الاستمرار في الحكم في وجه خصومه (الناصريون والإسلاميون والليبراليون)، خاصة بعد إقصاء الناصريين وتفرده بالحكم بدءًا

  1. ينظر: Max Weber, "Politics as a Vocation," in: Hans Heinrich Greth & Charles Wright Mills (eds.), From Max Weber Essays in Sociology (London: Routledge, 2001); Max Weber, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology , Guenhner Roth Cluse Wittich (ed.) (Berkeley: University of California Press,
  2. كمال ديب، 16 تاريخ سورية المعاصر: من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011   (بيروت: دار النهار، 2011)، ص.143
  3. هي الهيمنة الفكرية والثقافية، كما يقدمها غرامشي. ويحل محل هذه الوظيفة في النظم الديمقراطية وظيفة حماية الحقوق المدنية الرئيسة، ينظر: Stuart E. Eizenstat, John Edward Porter & Jeremy M. Weinstein, "Rebuilding Weak States," International Affairs , vol. 84, no. 1 (2005), p. 136; Robert I. Rotberg, State Failure and State Weakness in a Time of Terror (Washington, DC: World Peace Foundation; Brookings Institution Press, 2003), pp. 5-10. 15 ينظر: مروان قبلان، "الدولة السورية بين حدّي القوة والضعف وإنتاج العنف "، في: طارق متري وساري حنفي (محرران)، الدولة العربية القوية والضعيفة: المآلات بعد الانتفاضات العربية (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2019)، ص.220-180
  4. 1978); Charles Tilly, "War Making and State Making as Organized Crime," in: Peter B. Evans, Dietrich Rueschemeyer & Theda Skocpol (eds.), Bringing the State Back In (Cambridge: Cambridge University Press, 1985).
  5. 13 يتجسد هذا الجانب في ما يسمى بدولة الرفاه Welfare State القائم في عدد من الدول الأوروبية. المصدر: من إعداد الباحث.

من 18 تموز/ يوليو 1963 17، من توسيع قاعدة دعمه الاجتماعية، وحشد تأييد الفئات التي يدّعي تمثيلها. وكان نظام البعث يعاني أصلً انشقاقاتٍ في داخله؛ لأسباب أيديولوجية (يمين - يسار)، أو طموحات شخصية، أو صراعات لا تهدأ على السلطة18. ومع تمكّن الضباط العلويين من السيطرة على السلطة سيطرة كلية بعد عام 1966، مستفيدين من إمساكهم بمفاصل الجيش19، ومن الانقسامات العميقة في صفوف نظرائهم السنة على أساس طبقي، ومناطقي، وأيديولوجي (إسلامي - علماني)، فضلً عن الانقسام الأبرز بينهم وهو الانقسام الريفي - المديني، أصبحت قاعدة نظام البعث الضيقة بالأصل أشد ضيقًا. لذلك، برزت حاجته إلى إطلاق ثورة من الأعلى، تهدف إلى إعادة هندسة النظام الاجتماعي - الاقتصادي، بطريقة تضمن له توسيع قاعدة دعمه إلى أقصى حد ممكن للاستمرار في الحكم، إضافة إلى أن نظام البعث نفسه كان تعبيرًا عن طموحات الفئات الاجتماعية التي ينتمي إليها. بدأت، بناء على ذلك، عملية اجتثاث واسع للطبقة البرجوازية التقليدية الممثلة بعوائل المدن وأعيانها التي استمرت في السيطرة منذ أيام العثمانيين، وإنشاء تحالف عريض يكفل للنظام الجديد الذي سيطر عليه أبناء الأرياف القبض على الدولة20. استند النظام الذي جاء إلى الحكم عام 1963، والذي تكوّن أساسًا من مجموعة من ضباط الجيش والمهنيين21، إلى تحالف مجموعة فئات اجتماعية أهمها الفلاحون والعمال وجمهور الأرياف، وبيروقراطية الدولة والجهاز الحزبي التي تنحدر كوادرها من الطبقات الوسطى (والوسطى الدنيا) المدينية. بدأ النظام الجديد يتبنى سياسات تلبّي تطلعات قواعده الشعبية، فتمت تلبية مصالح الفلاحين من خلال توسيع قوانين الإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الملكية الزراعية، وتجذير قوانين التأميم التي صدرت في عهد الوحدة مع مصر 1961-1958()، فنشأ قطاع عام استوعب مئات الألوف من العمال، من الطبقة العاملة والطبقات الوسطى، وتضخمت بيروقراطية الدولة وأجهزتها المدنية والعسكرية تضخمً كبيرًا؛ نتيجة استيعاب عدد كبير من مناصري حزب البعث فيها من أبناء الأرياف والفلاحين، يكشف عن ذلك تدفق المهاجرين الريفيين إلى المدن الكبرى، خاصة العاصمة دمشق التي وصل معدل النمو السكاني فيها في الفترة 1970-1960 إلى أكثر من 46 في المئة، ونحو 26 في المئة في الفترة 1981-1970 22. وبالتوازي مع ذلك، تمكّن النظام من تحقيق نسب نمو اقتصادي مرتفعة طوال النصف الثاني من السبعينيات، وصلت حتى 10.5 في المئة سنويًا23، مستفيدًا من المعونات المالية الكبيرة التي تلقتها سورية من دول الخليج العربية بعد حرب أكتوبر 1973، وكانت هي الأخرى قد شهدت طفرة النفط بعد الحظر العربي الذي أدى إلى رفع أسعاره إلى ثلاثة أضعاف. تبنّى نظام البعث في تلك المرحلة سياسات عامة، جعلت الصحة والتعليم بكل مراحله مجانيًا، وجرى دعم أسعار السلع الأساسية، خاصة المواد التموينية والطاقة. وقد أدت هذه السياسات إلى انتشال فئات واسعة من الفلاحين وأبناء الريف من حال التهميش والفقر، وخلق قاعدة شعبية واسعة للنظام، خاصة بين سكان المحافظات النائية أو المهمشة، ممن وجدوا في نظام البعث تعبيرًا واضحًا عن مصالحهم الاقتصادية ومكانتهم الاجتماعية الجديدة؛ ولهذا السبب، أُطلق مثلً على محافظات كدرعا ودير الزور وإدلب وريف حماة اسم "خزان البعث"؛ لانتساب جزء كبير من كوادر حزب البعث إلى هذه المناطق المهمشة تاريخيًا24. واستفادت أيضًا من سياسات حزب البعث الاقتصادية والاجتماعية الطبقاتُ الوسطى المدينية التي انخرط جزء منها في بيروقراطية الدولة ومؤسسات القطاع العام. واستمرت هذه السياسات، على الرغم من التحديات، حتى عام 1991، حين اضطر النظام، بسبب انكشاف الاختلالات البنيوية في الاقتصاد الكي التي واجهت القطاع العام خلال أزمة الثمانينيات الاقتصادية، وأدت إلى شلل بعض أهم شركاته، وإفلاس المصرف التجاري السوري الذي يتولى تمويل المستوردات، وصعوبة الاستمرار في تحمّل الأعباء المترتبة على تبنّي سياسات دعم اجتماعية واسعة، وانعدام القدرة على المضي في سياسات التشغيل التي كانت في حقيقتها سياسات تشغيل اجتماعية، إلى فتح الباب أمام نشاط القطاع الخاص، فأخذ

  1. جاء انقلاب آذار/ مارس 1963 بالتحالف بين الضباط البعثيين والناصريين للإطاحة بنظام الانفصال. لكن حزب البعث انفرد بالسلطة بعد القضاء على حركة جاسم علوان ورفاقه الناصريين الذين حاولوا إقصاء البعثيين، بدعم من جمال عبد الناصر، واستعادة الوحدة مع مصر. ينظر: المرجع نفسه، ص.246-244
  2. نوقشت هذه الانقسامات بالتفصيل في: محمد جمال باروت، 18 حركة القوميين العرب: النشأة – التطور - المصائر (دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، 1997)، ص 235-223؛ منير الحمش، "حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية 2005-1953(")، في: محمد الأحزاب والحركات والتنظيمات القومية في الوطن العربي (بيروت جمال باروت (محرر)،: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012)، ص.137-125
  3. بطاطو، ص 3.07
  4. عن سيطرة العسكريين على الدولة، واستعمالها لتدمير الطبقة القائمة المهيمنة، أو طبقة ملاك الأراضي، وإعادة هندسة موازين القوى الاقتصادية والاجتماعية، ينظر: Ellen Kay Trimberger, Revolution from Above: Military Bureaucrats and
  5. بطاطو، ص.644-603
  6. المرجع نفسه، ص.309-308 محمد جمال باروت، 23 العقد الأخير في تاريخ سورية: جدليّة الجمود والإصلاح (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.31
  7. Development in Japan, Turkey, Egypt, and Peru (New Brunswick: Transaction Books, 1978), pp. viii, 196.
  8. بشارة، ص 3.04

النظام يسعى لاستقطاب بقايا البرجوازية المدينية ورجال الأعمال، خاصة في دمشق، ولاحقًا في حلب، من خلال التخفيف من جرعة السياسات الاشتراكية، وإقناع رؤوس الأموال السورية المهاجرة بالعودة والاستثمار25. وتم إصدار قوانين تشجع على ذلك، فصدر قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991، الذي فتح الباب واسعًا أمام تدفق الاستثمارات وعودة القطاع الخاص والمغترب الذي أخذ يستعيد تدريجيًا نفوذه ودوره الاقتصادي – الاجتماعي المؤثر، ويتحول إلى المشغل الأكبر في البلاد، ونتيجة ذلك، ارتفع معدل النمو في الفترة 1996-1991 إلى نحو 7.33 في المئة، متضافرًا مع المواسم الزراعية الجيدة، وبدء تصدير النفط السوري الخفيف بكميات تجارية. وحدث خلال تلك الفترة نمو كبير للقوى العاملة، وتراجع كبير في معدل البطالة، وحصلت هجرة كبيرة من القطاع العام إلى القطاع الخاص الناهض بفضل فورة النمو الجديدة. غير أن النمو عاد وانحدر في الفترة 2003-1997 إلى نحو 2.15 في المئة، ليشهد عام 2003، وكان قد مضى على انتقال السلطة إلى بشار الأسد نحو ثلاث سنوات، انحدارًا مروعًا فيه إلى نحو 1.1 في المئة26. وبدأ النظام يفقد سطوته الاقتصادية التي بناها خلال العقدين السابقين، وتتفكك قواعده الاجتماعية، وتتآكل مصادر شرعيته الإنجازية، ويتراجع معها دور القطاع العام، وتتُرك الصناعة التحويلية في القطاع العام في حالة موت سريري لصالح السوق التي سيطر عليها القطاع الخاص27، وصولً إلى تقويض القطاع الزراعي بعد سحب دعم مدخلات الإنتاج، ولا سيما مدخل الطاقة الرخيصة، وارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي.

2. الوظيفة السياسية - الأيديولوجية

استنادًا إلى الأدبيات التي طوّرها قبل وصوله إلى السلطة، ممثلة بشعار الوحدة العربية والاشتراكية والتحرر من الاستعمار، بلور نظام البعث خطابًا قوميًا عروبيًا مقاومًا، أدى دورًا مركزيًا في التأسيس لشرعيته في الحكم والسيطرة، وقد زادها قوة تماهيه مع الشارع الذي طغت عليه مشاعر الانتصار للقضية الفلسطينية، والعداء لإسرائيل والاستعمار الغربي. وقد ارتبط هذا الخطاب أيضًا بظروف نشأة الدولة الوطنية السورية بعد الحرب العالمية الأولى، بما هي نتيجة لصعود أفكار القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها بالثورة على العثمانيين عام.1916 بدأت الصحوة القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر، وتعاظم شأنها بوصفها رد فعل على الانبعاث القومي التركي28. لكن في حين نجح الأتراك في مقاومة الاحتلال الغربي وتقسيم بلادهم إلى مناطق نفوذ، وقع العرب في المشرق تحت الاحتلال الأوروبي، وقُسّمت بلادهم بين القوى الاستعمارية29. وعانت سورية تحديدًا معاناة مضاعفة من هذه المسألة؛ لأنها لم تجد نفسها ضمن حدودها السياسية التي أنشأتها اتفاقية سايكس - بيكو المعدلة30 معزولةً عن محيطها العربي فحسب، بل قُسّمت سورية الطبيعية نفسها التي نص عليها إعلان الاستقلال في 8 آذار/ مارس 1920 من المؤتمر السوري العام إلى أربع دول، هي: سورية والأردن وفلسطين ولبنان، ثم خسرت سورية أجزاء أخرى من كيانها الوطني الصغير بضم تركيا لواء إسكندرون عام 1938، ليبقى لها ساحل قصير على البحر المتوسط، وقيام إسرائيل باحتلال مرتفعات الجولان عام 1967، وضمها إليها عام.1980

  1. سمير سعيفان، "سياسات توزيع الدخل ودورها في الانفجار الاجتماعي في سورية"، في: آزاد أحمد عي [وآخرون]، خلفيات الثورة: دراسات سورية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.104-103
  2. 28 علمً أن الطرفين استمدا أفكارهما من الأدبيات الألمانية في تحقيق الحلم القومي. لكن بسبب نزوع الفريقين إلى إقامة مشروع أمة، أساسه الثقافة واللغة والعرق (الإثنية) وقع الافتراق. 29 وقد نتج من ذلك تطابق كبير، وإن لم يكن كليًا، بين السكان والأرض، في حالة تركيا ساهم في تحولها إلى دولة - أمة مكتملة الملامح والصفات، وقد ساعد ذلك الأتراك في الانتقال من الترجمة الألمانية للفكرة القومية، حيث تعد الثقافة واللغة أساس الانتماء القومي وبناء الأمة إلى التفسير الفرنسي، حيث تعدّ الدولة، أي الكيان السياسي، الحاضنة التي تقيم بين جنباتها الأمة، وتنتهي بإقامتها نزعات التطلع إلى ما وراء الحدود، حيث يوجد سكان آخرون يشتركون في اللغة والثقافة. لكنهم ينتمون إلى كيانات سياسية أخرى يقيمون فيها، وهي الحال التي وجد عليها عرب المشرق أنفسهم، بعد اتفاقية سايكس - بيكو ووقوعهم تحت الاحتلال الأوروبي. 30 عُدّلت الاتفاقية في اجتماع بين لويد جورج، رئيس الحكومة البريطانية، وجورج كليمنصو رئيس الوزراء الفرنسي، في أوائل كانون الأول/ ديسمبر 1918، بحيث تنازلت فرنسا لبريطانيا عن فلسطين والموصل، بعد أن كانت فلسطين منطقة دولية، والموصل في نطاق منطقة النفوذ الفرنسي في اتفاقية سايكس - بيكو الأصلية، في مقابل تنازل بريطانيا لفرنسا عن سورية (ضمنًا لبنان اللاحق.) لكن هذه التسوية كانت هشة، واستمرت المشاحنات حولها إلى أن كُرّست باتفاق 15-13 أيلول/ سبتمبر 1920 الذي حلت بموجبه القوات الفرنسية مكان القوات البريطانية، بما يمكن تسميته باتفاقية سايكس - بيكو المعدلة.
  3. بدأ حافظ الأسد بعد قيامه بانقلاب 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، وتخلصه من القيادة اليسارية الراديكالية البعثية المعادية للمدينة السورية، انفتاحًا جزئيًا في أوائل السبعينيات على القطاع الخاص، في سياق مصالحة النظام مع المدينة، وجذبها إلى المشاركة في الحياة السياسية للنظام. وشهد القطاع الخاص، على الرغم من بقاء القطاع العام ممسكًا بالمفاصل الأساسية الاقتصادية، تطورًا لافتًا من خلال العهدة إليه بوصفه مقاولً ثانويًا في مشاريع الإعمار والتنمية التوسعية الكبيرة في السبعينيات، بفضل تدفق المساعدات العربية، ولا سيما في مجال المقاولات والمهن الحرفية المرتبطة بقطاع التشييد والبناء، ثم حدث انفتاح
  4. محمد جمال باروت [وآخرون]، 26 التقرير الوطني الاستشرافي الأساسي الأول لمشروع، محور الاقتصاد والإنتاجية: سورية 2025 مسح المسارات الاقتصادية الكلية وتحليل اتجاهاتها الأساسية في سورية (:) المسارات المستقبلية 2005-1970 (دمشق: برنامج الأمم
  5. المتحدة الإنمائي؛ هيئة التخطيط والتعاون الدولي، 2007)، ص.211
  6. أكبر بعد عام 1985 الذي شهد إفلاس المصرف التجاري السوري، إذ شجع النظام نمو القطاع الخاص في إطار مبادلة الديون العسكرية السوفياتية بالسلع السورية، فصار هذا البرنامج دعمً كبيرًا لصادرات القطاع الخاص. وتمكّن النظام، في النصف الثاني من الثمانينيات حتى منتصف التسعينيات، من إحراز نجاح في التثبيت النقدي. لكنه لم يمضِ إلى حد إعادة الهيكلة، لتبدأ في مرحلة بشار الأسد عملية لبرلة واسعة، لم تقم بإعادة هيكلة القطاع العام، بل تركه يموت سريريًا لمصلحة القطاع الخاص ونمو شريحة رجال الأعمال الجدد. لمزيد من التفاصيل حول ذلك، ينظر: المرجع نفسه، ص.184-168

لذلك منذ إعلان قيام المملكة السورية عام 1920، واجهت سورية حالة من "التشويش" المتعلق بهويتها الوطنية، وضغوطًا على هذه الهوية من مستويين: المستوى فوق الوطني، وقد نشأ منه رفض جزء معتبر من النخب السورية الاعتراف بالتقسيمات الاستعمارية، وإصرارهم على فكرة سورية الطبيعية (القوميون السوريون)، أو باعتبارها جزءًا من أمة عربية أكبر، تبلورت أيديولوجيًا من خلال أفكار القومية العربية، وسياسيًا من خلال حكم حزب البعث الذي سيطر على السلطة فيها أكثر من نصف تاريخها السياسي المعاصر 2011-1963(.) أما المستوى الثاني، فهو المستوى تحت الوطني، مرتبط بوجود انقسامات مجتمعية عميقة على صُعد مختلفة (طبقية، ومناطقية، وجهوية، وطائفية)، وإن ظل أبرزها هو الانقسام الريفي – المديني، وبرز أكثر حدة بين المدن الكبرى (دمشق وحلب وحماة وحمص) وأريافها31. وفي حين ركّز النظام على الهوية العربية؛ لتجاوز الانقسامات الطائفية والدينية، خصوصًا، دفعه ذلك إلى تبنّي نسخة "متشددة" من القومية العربية، ساعد في تبلورها أيضًا احتلال فلسطين والصراع مع إسرائيل. كانت سورية تعاني أيضًا انقسامات على أساس طبقي، بين النخب التجارية والإقطاعية التي ورثت الحكم من العثمانيين، وتحكمت في السلطة بعد خروج المستعمر الفرنسي، وطبقة متوسطة كان التعليم محور صعودها، إلى جانب طبقة الفلاحين التي سلك أبناؤها طريق الجيش والحزب للسيطرة على الدولة، فتعمق الانقسام على أساس مديني - ريفي32. مثّل الخطاب القومي العروبي، المقاوم للغرب وإسرائيل، حلً لبعض هذه التناقضات التي عاشتها سورية، وصار أيضًا أحد أبرز مصادر شرعية نظام البعث فيها، ومثّل أيضًا سلاحًا فعالً في مواجهة الخصوم؛ إذ سعى النظام إلى إضعاف خصومه وتقويض صدقيتهم، من خلال نعتهم بالتبعية للغرب والتآمر عليه بسبب مواقفه من قضية فلسطين وعدائه للسياسات الاستعمارية الغربية، وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد، وظل يُنظر إليه باعتباره أحد مراكز المواجهة مع الغرب وإسرائيل حتى نهاية الحرب الباردة. صحيح أن شرعية النظام اهتزت بشدة بسبب حرب حزيران/ يونيو 1967، والهزيمة أمام إسرائيل وخسارة الجولان، لكنه تمكّن من تجاوز ذلك من خلال الاستثمار في "النصر" الجزئي الذي تحقّق ضد إسرائيل في حرب عام 1973، واستمراره في إبراز هويته المقاومة من خلال معارضته لاتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978، واتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية 1979، ودوره الفاعل في تشكيل ما يسمى "جبهة الصمود والتصدي" 1978() التي حاولت ملء الفراغ الذي تسبب فيه خروج مصر من الصف العربي33، ومشاركته في صد الغزو الإسرائيي للبنان عام 1982، والمواجهة التي وقعت مع الأسطول السادس الأميركي فوق لبنان خلال عامي 1983 و 1984، ثم العزلة والحصار التي واجهها في الفترة 1990-1986 من الدول الغربية، بعد اتهامه بمحاولة تفجير طائرة "العال" الإسرائيلية في مطار هيثرو بلندن عام 1986، ورفعه شعار التوازن الاستراتيجي بين سورية وإسرائيل 1989-1982()، بعد أن كان يطرح التوازن الاستراتيجي بين العرب وإسرائيل. برع نظام البعث في استخدام الخطاب القومي المعادي للغرب وإسرائيل في كل مناحي الحياة تقريبًا، وعمل على ترسيخه عبر التعليم والإعلام والتنشئة الاجتماعية التي تبدأ من سنوات التعليم المبكر، وصولً إلى الجامعة، عبر هياكل تنظيمية صارمة، تماثل ما كان سائدًا في دول المعسكر الاشتراكي، وتبدأ مع منظمة طلائع البعث في الصفوف المدرسية الابتدائية، ثم اتحاد شبيبة الثورة في المرحلة الإعدادية، والاتحاد الوطني لطلبة سورية في المرحلة الجامعية، فضلً عن الجهاز الحزبي الذي يسيطر على عمليات التوجيه المعنوي في الجيش وأجهزة الأمن والمدارس والقطاع العام وبيروقراطية الدولة ومؤسساتها، والاتحادات المهنية (أطباء، ومهندسون، ومعلمون... إلخ) والتنظيمات الحرفية والنقابية، العمالية والفلاحية والنسائية، وكانت تعنى بالوصول إلى كل عامل وعاملة وفلاح وفلاحة في أبعد نقطة نائية من سورية، في إطار سياسة "تبعيث" الدولة والمجتمع34. وبغضّ النظر عما إذا كان نظام البعث مؤمنًا بالخطاب القومي العربي، وقضية فلسطين باعتبارها قضية العرب المركزية الأولى، أم أنه استخدمها لتعزيز شرعيته وتكريسها فحسب، فقد كان لهذا الخطاب صدى واسع في الشارع السوري الذي كانت ميوله القومية والتزامه بالقضية الفلسطينية سابقة على نظام البعث، وحتى على نشأة حزب البعث نفسه، وراسخة أيضًا، بدليل تطوع عدد مهم من السوريين للمشاركة في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 35، وفي حرب فلسطين عام 1948، والتظاهرات التي خرجت في شوارع المدن السورية دعمً لمصر

  1. ينظر: خلود الزغير، 31 سورية الدولة والهوية: قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري () 1963-1946 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي
  2. توقع عالم الاجتماع الفرنسي جاك ويلرس، في أربعينيات القرن العشرين، أن "العامل
  3. شُكلت جبهة الصمود والتصدي، ردًا على زيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات للقدس، من سورية وليبيا واليمن الجنوبي والجزائر والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية. 34 جاد الكريم الجباعي، "البنية التسلطية للنظام السوري: النشأة والتطور والمآل"، في: عي [وآخرون]، ص 229-224؛ ديب، ص.343-334 35 يعد السوري عز الدين القسام، مفجر ثورة 1936 في فلسطين؛ إذ أدى استشهاده في مواجهات مع قوات الاحتلال البريطاني قرب جنين دورًا مهمً في إطلاقها، ومن الشخصيات السورية التي برزت في الثورة أيضًا فوزي القاوقجي وسعيد العاص ومحمد الأشمر، وغيرهم.
  4. للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.35-32
  5. الأعمق والأكثر أهمية الذي سيقرر مستقبل سورية هو: ماذا سيحدث للفلاح السوري. وأن مشكلة الفلاحين ستضغط عامًا بعد عام وكيفية حلها سيقرر ليس شكل الدولة وهيكليتها فحسب، بل مستقبل المشرق وحضارته"، ينظر: ديب، ص.128

في قرارها تأميم قناة السويس وصد العدوان الثلاثي عام 1956، ثم الضغط الشعبي لإقامة وحدة معها عام 1958، والدعم الكبير الذي قدّمه السوريون لثورة الجزائر وحربها التحريرية الوطنية في الفترة 1962-1954. ومن هذا الباب مثّل خطاب البعث صدى لمواقف شرائح كبيرة من السوريين، ومن ثم مصدرًا رئيسًا من مصادر شرعيته. تعرّض هذا الخطاب والهياكل التنظيمية التي تتولى الترويج له لهزّة كبيرة بانتهاء الحرب الباردة، وقد واجه النظام (علماني الوجه، قومي التوجه) أصلً صعوبة في تفسير تحالفه مع نظام ديني غير عربي (إيران) ضد دولة عربية يحكمها الجناح الآخر لحزب البعث (العراق) خلال الحرب العراقية - الإيرانية)1988-1980(36. لكن خطابه القومي المعادي للغرب وإسرائيل دخل في مرحلة أزمة شاملة بعد أن قررت سورية الانضمام إلى التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لإخراج العراق من الكويت عام 1991، ثم موافقتها على الانضمام إلى عملية السلام مع إسرائيل في العام نفسه. وهذه هي المرحلة نفسها التي أخذت تشهد أيضًا صعود أيديولوجيات منافسة: ليبرالية استمدت زخمها من انتصار الغرب في الصراع الكبير مع الشيوعية37، وانهيار الأطر الأيديولوجية والنظرية الماركسية والشيوعية لصالح فضاء من الأيديولوجيات الليبرالية. لكن التحدي الأكبر جاء من التيارات الإسلامية التي صعدت في عموم المنطقة، لتملأ الفراغ الذي خلّفه انحسار الخطاب القومي العربي بعد هزيمة عام 1967، ثم تصدّع النظام الإقليمي العربي نتيجة الغزو العراقي للكويت، ولإسهامها أيضًا في هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، ومن ثم، في إنهاء الحرب الباردة. لم يواجه الخطاب القومي العربي الذي تبنّاه النظام أزمة عميقة على المستوى النظري والفكري (بمعنى الرسالة) فحسب، بل برز التحدي أيضًا في تخلّف أدواته وقنوات إيصاله إلى الجمهور، مع انتهاء احتكار الدولة لأدوات الدعاية والإعلام بسبب ثورة الاتصالات والفضاء المفتوح، وتراجع دور الجهاز الحزبي والنقابات والاتحادات المهنية التي أدت دورًا مهمً في عملية تسييس المجتمع وأدلجته، بما يتوافق ورؤية النظام، وصولً إلى تفكيكها لاحقًا باعتبارها عقبة في وجه مشروع اللبرلة الاقتصادية الذي بدأه النظام في عهد بشار الأسد. وقد أدت التطورات التكنولوجية الكبيرة إلى انتشار البث الفضائي الذي دخل البلاد على نطاق واسع في النصف الثاني من التسعينيات، إلى درجة عجزت الدولة عن تنظيمه أو التحكم فيه، وظهر الإنترنت الذي أدى بشار الأسد دورًا مهمً في إدخاله حينما كان رئيسًا للجمعية السورية للمعلوماتية، بدءًا من عام 1997. وأدت هذه التطورات إلى فقدان الدولة سيطرتها على وسائل الإعلام وتدفق المعلومات، وتلاشي دورها بوصفها حارس بوابة Gatekeeper، وهي السيطرة التي مكنت النظام من بلورة مشروعه المقاوم فكريًا ونشره وفرض هيمنته الثقافية على المجتمع من خلاله نحو أربعة عقود. أمام هذه التطورات ومنافسة الأيديولوجيات الأخرى، سواء أكانت إسلامية أم ليبرالية، وصعود نمط حياة استهلاكي، بدأ يتضح بانتهاء عهد حافظ وبداية عهد بشار مقدار "الإفلاس" الأيديولوجي والفكري الذي وصل إليه النظام، وتراجع قدرته على الاستمرار في الهيمنة الفكرية والثقافية. وبدأت تبرز محدودية السيطرة في هذا المجال مع اتساع نشاط الجماعات الدعوية الإسلامية التي اضطر النظام إلى مسايرتها نتيجة ظروف داخلية وخارجية متشابكة، سنأتي على تفصيلها لاحقًا، من جهة، وتنامي الوعي لدى الشباب، خاصة بحقوقهم المدنية والسياسية مع تبلور معارضة مدنية، وإن ظلت محدودة، بسبب تضييق النظام عليها، من جهة أخرى.

3. الوظيفة الأمنية

يعد توفير الأمن في قمة هرم الخدمات السياسية للدولة الحديثة وأحد أبرز مصادر شرعيتها38، ويشمل ذلك صد العدوان الخارجي والحفاظ على الإقليم الوطني، وعدم السماح بأي تنازل عن جزء منه، وحفظ الأمن والنظام العام وتطبيق القانون، والقضاء على أيّ تهديد في البيئة الداخلية، بما في ذلك محاربة الجريمة، وتنظيم العلاقة بين المواطنين، وحل مشكلاتهم وخلافاتهم بوسائل قانونية. وتحظى الخدمة الأمنية بالأهمية القصوى نظرًا إلى كونها الشرط اللازم لتوفير باقي الخدمات الأساسية. ويعدّ احتكار الدولة لوسائل العنف وقدرتها على فرض الأمن والنظام العام من جهة، وحفظ بقاء الدولة من أي تهديد خارجي من جهة أخرى، مصدرًا رئيسًا من مصادر شرعيتها. لكن يمكن أن يتحول مصدر الشرعية هذا إلى مصدر تهديد للمجتمع، إذا اختلّت الصيغة التي يقوم عليها، وهي: أن يتنازل المجتمع عن جزء من حقوقه وحرياته في مقابل الخدمات الأمنية التي تقدمها الدولة له. وقد يقبل المجتمع، في إطار نظام ريعي، غياب الحريات العامة، وحتى حدوث شكل من أشكال التغول الأمني للدولة عليه، في حال عُوّض ذلك بتوفير الخدمات الأساسية من صحة وعمل وتعليم، إلى جانب تحقيق الأمن والاستقرار، بما يحفظ حياة الناس ويحمي ممتلكاتهم الخاصة39.

  1. وقد أدى ذلك إلى انهيار جبهة الصمود والتصدي.
  2. 39  Eizenstat, Porter & Weinstein, p. 136.
  3. Robert I. Rotberg, "Failed States, Collapsed States, Weak States: Causes and Indicators," in: Rotberg, pp. 1-26.
  4. 37 تمثلت في أطروحة "نهاية التاريخ"، وانتصار الفكر الرأسمالي لفرانسيس فوكوياما.

من هذا المنظور، يمكن القول إن دولة البعث كانت دولة أمنية بامتياز شكّل الهاجس الأمني تفكيرها، وكان نمط حكمها مركزيًا40، فأنشأت، من جهة، عددًا كبيرًا من الأجهزة الأمنية لضبط الجيش ومنع انقلابه عليها، وضبط المجتمع ومنع خروجه عليها. ومن جهة أخرى، تعزيز قدراتها في فرض الأمن المجتمعي، باعتباره أحد مظاهر هيبتها. واهتمت دولة البعث أيضًا بتعزيز قدراتها العسكرية لمواجهة محاولات إطاحتها من الخارج أيضًا. وعلى الرغم من أن الدولة السورية تحوّلت، منذ استلام حزب البعث السلطة، إلى كائن شمولي مستبد سياسيًا ومتسلط أمنيًا، فإنها تمكنت في المقابل من تحقيق حالة من الاستقرار خاصة في سنوات عهد حافظ الأسد، افتقرت إليها سورية خلال السنوات التي سبقت ذلك. فقد شهدت سورية ما لا يقل عن 15 انقلابًا أو محاولة انقلابية خلال الفترة بين أول انقلاب عسكري (آذار/ مارس 1949) ووصول حافظ الأسد إلى الحكم (تشرين الثاني/ نوفمبر 1970)، وقد انعكست خلال تلك الفترة حالة عدم الاستقرار السياسي على الوضع الأمني والاقتصادي للبلاد؛ لذلك شكّل نجاح حزب البعث في تحقيق الاستقرار الداخي، والتأسيس لحكم مركزي قوي، مصدرًا رئيسًا من مصادر شرعيته، على الرغم من أن أداءه في مواجهة التحديات الأمنية الآتية من الخارج لم يكن ناجحًا بالمثل، لأن همّ النظام الأول ظل على الدوام متمحورًا حول فكرة بقائه، ولو كان ذلك على حساب الدولة التي يحكمها. وكان لافتًا أن اعتبر النظام هزيمة 1967 نكسة فحسب؛ لأنها فشلت في إسقاطه على الرغم من أنها تسببت في خسارة أجزاء مهمة من البلاد وتدمير القدرات العسكرية للجيش. وقد دفع فشل دولة البعث في مواجهة العدوان عليها من الخارج، خاصة في مواجهة إسرائيل، إلى التعويض عن ذلك بإظهار قدرتها على تحقيق الأمن الداخي، وتقديم الخدمات الأساسية للجمهور والاعتماد على خطاب قومي متشدد، بوصف ذلك أدوات أساسية لترميم شرعيتها وضمان استمراريتها. وقد مكّن النصر الجزئي الذي تحقق عام 1973 من تركيز سلطات واسعة بيد الرئيس، فأنشأ ما أصبح يعرف، بحسب ريموند هينبوش، نظام رئاسة ملكي  Presidential Monarchy 41 عماده الجيش والأمن، ويتصل بالمجتمع بجهاز واسع من بيروقراطية الدولة والحزب، في إطار تحالف واسع يشمل الطبقة الوسطى وطبقة العمال والفلاحين. هذا التحالف القائم على روابط مصلحية وزبائنية، في نظام شبه ريعي توزيعي، عماده الاستقرار الداخي وخطاب مقاوم للغرب وإسرائيل، أعطى النظام الشرعية التي يحتاجها للحكم أكثر من عقدين. وقد تمكّن بسبب هذا التحالف من مواجهة أكثر التحديات الداخلية والخارجية التي واجهته؛ حتى انتهاء الحرب الباردة، بما في ذلك انتفاضتا الإخوان المسلمين 1964(و 1982-1979) والهزيمة أمام إسرائيل عام 1967، والضغوط الغربية، بما فيها الحصار الذي فرض على سورية في الفترة 1990-1986. والواقع أن نظام البعث بلغ ذروة شرعيته في الفترة 1979-1974، حيث تمكّن بفضل حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، من استعادة جزء من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وفرض حالة غير مسبوقة من الاستقرار الداخي، وتحقيق نسب نمو مرتفعة وصلت إلى نحو 11 في المئة، بسبب المساعدات التي جاءت من دول الخليج، ومكنت النظام من تنفيذ جزء كبير من أهداف سياساته العامة في الصحة والتعليم والبنية التحتية، وتوسعة القطاع العام الصناعي.

ثًالث ا: تآكل مصادر الشرعية: أزمة الثمانينيات

لم تمنع قدرة النظام على الاستمرارية من بروز تحديات كبرى أخذ يواجهها بدءًا من مطلع الثمانينيات، وخلال تلك المرحلة بدأت موارد النظام المالية في النضوب بسبب سياساته الداخلية والخارجية. فخارجيًا أدى وقوف سورية إلى جانب إيران في الحرب مع العراق إلى خسارة جزء كبير من المساعدات الخليجية التي كانت أقرتها قمة بغداد عام 1978 لدول الطوق العربية، بعد تعليق عضوية مصر في

  1. وسرى الأمر نفسه على مستوى المحافظات؛ إذ كانت اللجنة الأمنية في كل محافظة هي صاحبة القرارات في كل شيء، وفي تعيين المديرين على مستوى المحافظة، وكان الحزب عضوًا في اللجنة الأمنية للمحافظة. غير أنه منح شرفيًا مهمة رئاسة عبر ترؤس أمين فرع الحزب لها، في حين امتلك كل عضو في اللجنة حق الفيتو على أي قرار، بحيث لا تصدر قراراتها إلا بالإجماع. ينظر: باروت، العقد الأخير.
  2. Raymond Hinnebusch, "Syria: From 'Authoritarian Upgrading' to Revolution?" International Affairs , vol. 88, no. 1 (January 2012), p. 96.

جامعة الدول العربية42، ولم تتمكن المساعدات الإيرانية من تعويض المال الخليجي، على الرغم من شحنات النفط التي كانت ترسلها إيران لتعويض سورية عن خسائر إغلاق أنبوب النفط العراقي المار بالأراضي السورية بدءًا من عام 1982 43. أما داخليًا فقد بدأ القطاع العام يئن تحت ضغط التوسع الكبير الذي شهده في السبعينيات، بوصفه جزءًا من سياسات النظام الاجتماعية تجاه قواعده، وأخذ يعاني ضعف الإنتاجية والفساد والمحسوبية ومحدودية التشغيل، بسبب أزمة الكهرباء الخانقة. ومع تضخم أجهزة الأمن التي أوكل إليها حماية النظام، ولا سيما بعد أحداث حماة 1982()، وحتى تبقى مضمونة الولاء، تم التغاضي عن تجاوزاتها وفسادها. وقد أدت هذه الممارسات إلى استنزاف القطاع العام وعرقلة نشوء بيئة استثمارية شفافة، تشجع نشوء قطاع خاص قوي يسهم في بناء الاقتصاد الوطني، في ظل غياب سيادة القانون وعدم استقلالية القضاء. وساهم الصراع مع إسرائيل أيضًا في استنزاف الميزانية العامة للدولة، وتحويل أجزاء كبيرة من الأموال المخصصة للخدمات والاستثمار والتوظيف إلى المجهود الحربي، خاصة بعد أن رفع النظام شعار التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل 1989-1982()؛ لتعويض غياب مصر عن موازين القوى بين العرب وإسرائيل44، وتجلت آثاره في اجتياح إسرائيل لبنان، في ما سمي بعملية الليطاني عام 1978، ثم في غزو لبنان عام 1982 واحتلال بيروت. حاول حافظ الأسد خلال تلك المرحلة تحويل سياساته الخارجية إلى سلعة استراتيجية ومصدر ريعي جيوستراتيجي للدخل الوطني، يساعده في مواجهة الصعوبات الاقتصادية التي أخذ نظامه يواجهها باطّراد، سواء من خلال استخدام الصراع مع إسرائيل والمواجهة مع الولايات المتحدة، للحصول على مساعدات عسكرية من موسكو، خاصة بعد أن وقّع معها معاهدة صداقة وتعاون عام 1980، أو من خلال سعيه لتحويل نفسه إلى قناة تواصل بين دول الخليج العربية وإيران بعد الثورة، ومن خلال ذلك الحصول على مساعدات مالية من الخليج، لكن هذه الاستراتيجيات بدت محدودة الأثر في الثمانينيات45. وقد اتضح مدى هشاشة النظام اقتصاديًا خلال تلك المرحلة، حينما دخل القطاع العام في حالة شلل تام نتيجة العجز عن توفير المواد الأولية اللازمة للصناعة، بسبب ندرة العملة الصعبة أولً، ثم بسبب العقوبات الأوروبية التي فُرضت على خلفية اتهام سورية بالتخطيط لتفجير طائرة "العال" الإسرائيلية في مطار هيثرو بلندن عام 1986، فتوقف الإنتاج في بعض الشركات كليًا، وما تبقى منها أوقفته أزمة الكهرباء، وعدم القدرة على تحديث وسائل الإنتاج المتقادمة. وتم بسبب ذلك تجميد جزء كبير من المزايا والتعويضات الاجتماعية، كما جرى تقليص عمليات التوظيف في أجهزة الدولة تقليصًا كبيرًا، وتثبيت سلّم الرواتب التي بات توفيرها يمثل همَّ الحكومة الأول، وتأخر دفع الرواتب في بعض مؤسسات القطاع العام الخاسرة شهورًا عديدة، وتبنّت الحكومة سياسة ربط الرواتب بالإنتاج، حيث طلب من كل شركة أن تمول نفسها بنفسها، ومن خلال إنتاجها، وهذا أدى إلى اقتصار دفع الرواتب على الشركات المنتجة. وبحلول عام 1990، انخفض الإنفاق الحكومي من 50 في المئة إلى 25 في المئة من الناتج المحي، وفرغت الخزينة تقريبًا من أي عملة صعبة لازمة لاستيراد الحاجات الأساسية46. وتكوّن إجماع داخل النظام على أن الحل للخروج من هذا المأزق هو توفير بيئة جاذبة للاستثمارات الخارجية، وإحياء القطاع الخاص، وتشجيعه على المشاركة في تحمّل الأعباء والحلول محل الدولة ربة العمل الرئيس. لكن لم يحصل إجماع حول المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإصلاحات وعملية اللبرلة الاقتصادية. وهكذا، مع نضوب مصادر الشرعية من خلال تناقص موارد الريع الخارجية، وتوقف عجلة التنمية، ومن ثم تآكل شرعية الإنجاز، وتقلص قدرة الدولة على توفير السلع والخدمات لجمهورها، وتراجع صدقية الخطاب الأيديولوجي، والعزلة في العالم العربي بسبب

  1. استمرت السعودية في تقديم 750 مليون دولار إلى سورية، بموجب مقررات قمة بغداد حتى عام 1984 ظنًا منها أن هذا يعطيها نفوذًا على دمشق ويمنع دفعها كليًا إلى الحضن الإيراني. ينظر: Jubin M. Goodarzi, Syria and Iran: Diplomatic Alliance and Power Politics in the Middle East (London: I. B. Tauris, 2008), p. 111.
  2. 45  Goodarzi, p. 114.
  3. 46  Hinnebusch, p. 97.
  4. 43  Ibid., pp. 54-55, 111-112.
  5. 44 ديب،.492-489

الموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، والمواجهات مع منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان؛ فقد تضخّم دور الأمن، وازداد اعتماد النظام عليه أداةً للقهر، به يضبط حركة المجتمع. وقد استفادت الأجهزة الأمنية من هذه الظروف والتهديد الذي واجهه النظام بعد المواجهة مع الإخوان المسلمين، لتوسع صلاحياتها إلى أبعد مدى ممكن، ما حوّل سورية إلى دولة بوليسية، يعتمد بقاء النظام فيها على القوة العارية، بعد تآكل مصادر الشرعية الأخرى.

رابعًا: الهروب من تبعات انتهاء الحرب الباردة47

مع انتهاء الحرب الباردة، وفي ضوء التحديات الجسيمة التي واجهتها، كان يفترض بالدول العربية الحليفة لموسكو أن تسلك مسلك دول أوروبا الشرقية التي انهارت نُظم الحكم فيها مع تصدع الاتحاد السوفياتي، وفقدت إما المظلة الدفاعية التي كانت تتمتع بها بموجب "معاهدات صداقة" تم توقيعها معه (العراق 1972، سورية 1980، اليمن الجنوبي 1979) أو فقدت المساعدات العسكرية التي كانت تتلقاها منه، بالتزامن مع انهيار أسعار النفط العالمية (الجزائر وليبيا)، حيث تعاونت السعودية مع واشنطن في تخفيض الأسعار التي أدت دورًا مهمً في انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان اقتصاده يعتمد هو الآخر على نحو كي تقريبًا على تصدير النفط48. وكانت الجزائر أول دولة حليفة للسوفيات تظهر عليها أعراض انتهاء الحرب الباردة، وقد تمثّل ذلك في احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 1988، والتي اضطرت النظام إلى القيام بإصلاحات سياسية لم يستطع تحمّل تبعاتها لاحقًا، لتدخل البلاد في أتون حرب أهلية بدءًا من عام 1992 واستمرت حتى مطلع الألفية الجديدة. أما العراق فقد غزا الكويت بحثًا عن حل لمشاكله الاقتصادية، بعد انتهاء الحرب مع إيران. في حين وجد النظام الماركسي في اليمن الجنوبي الحل في الوحدة مع الشمال المدعوم من دول الخليج العربية الغنية. أما معمر القذافي 2011-1969() فقد قام بتسليم سلاحه النووي والتوصل إلى تسوية مع واشنطن أمّنت له البقاء في الحكم حتى عام 2011 49. غير أن سورية الدولة الوحيدة من بين حلفاء الاتحاد السوفياتي التي بدت كأنها نجت في تلك الفترة من تداعيات كبيرة بسبب انهياره. حاولت سورية أن توائم نفسها مع المتغيرات الكبيرة التي أخذت تفعل فعلها في النظام الدولي كما في البيئات الداخلية للدول، واتبع النظام فيها مزيجًا من استراتيجيات البقاء الخارجية والداخلية. فخارجيًا، غيّ النظام تحالفاته فانتقل إلى المعسكر الأميركي مستغلًالغزو العراقي للكويت، فشارك في إفشاله، ثم انخرط في عملية السلام تحت رعاية أميركية، مبتعدًا عن إيران، وشكّل بذلك ركنًا أساسيًا من أركان محور الاعتدال الذي سيطر على السياسة العربية، بمظلة أميركية، إلى جانب مصر والسعودية طوال عقد التسعينيات50. وقد حصلت سورية، لقاء مواءمة سياساتها الخارجية مع المتغيرات الإقليمية والدولية بما في ذلك مشاركتها في حرب تحرير الكويت، على مساعدات خليجية كبيرة، إذ قدّمت الكويت والسعودية منحًا وقروضًا وهبات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 4 مليارات دولار51، من ضمنها تزويد الكويت مؤسسة الطيران السورية بعدد من الطائرات التجارية من طراز بوينغ 727 52، بعد موافقة واشنطن، تعبيرًا عن رضاها عن دور دمشق في إرسال فرقة عسكرية حاربت إلى جانب التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لإخراج العراق من الكويت. وجرى أيضًا تمويل مد وتوسيع شبكة الهاتف، وإصلاح واستكمال بناء بعض الطرق الحيوية والجسور ومشاريع البنية التحتية، خصوصًا حول العاصمة دمشق، بموجب اتفاقات تمويل مع الصندوق الكويتي للتنمية، وأعيد تشغيل بعض مؤسسات القطاع العام المتعثرة53. وساعد اكتشاف كميات تجارية من النفط في شرق البلاد وشمالها الشرقي، بجهود واستثمارات غربية، في الحصول على عائدات مالية مهمة من إنتاج نحو 600 ألف برميل يوميًا، صدّرت سورية منها

  1. يرى روس هاريسون بوجود علاقة وثيقة بين انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد
  2. Georgy Manaev, "How Saudi Arabia's Oil Policy Triggered the
  3. السوفياتي عام 1991، من جهة، وانهيار الدولة في بعض أرجاء العالم العربي بعد نحو عقدين من ذلك 2011()، من جهة أخرى. ولاحظ أن الدول العربية التي شهدت الدولة فيها انهيارًا في سياق ثورات الربيع العربي (سورية وليبيا واليمن)، تشترك جميعًا في أنها حليفة للاتحاد السوفياتي، وكانت معتمدة على دعمه ومساندته، في حين أن دولً عربية أخرى شهدت ثورات (مصر وتونس)، أو عرفت احتجاجات اجتماعية، مثل الأردن والبحرين والمغرب وعمُان والكويت؛ تجنبت مصير الدول الحليفة للسوفيات. ينظر: Ross Harrison, "Shifts in the Middle East Balance of Power: An Historical Perspective," Reports , Al Jazeera Center for Studies, 2/9/2018, pp. 6-7, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3m8JbE6; Hinnebusch, pp. 95-113.
  4. ينظر مروان قبلان، "صعود تنظيم الدولة وتحولّات النظام الإقليمي في المشرق العربي "، سياسات عربية، العدد 12 (كانون الثاني/ يناير 2015) ص.10-9
  5. Villanger Espen, "Arab Foreign Aid: Disbursement Patterns, Aid Policies and Motives," in: CMI Report (Bergen: Chr. Michelsen Institute, 2007), p. 10.
  6. مؤسسة الطيران العربية السورية، شوهد في 2021/11/30، في: https://bit.ly/3GKTy9e 53 الصندوق الكويتي للتنمية، "بيانات مشاريع الصندوق، سوريا"، شوهد في 2021/11/30، في https://bit.ly/3Ae9azg:
  7. Collapse of the USSR," Russia Beyond , 13/3/2020, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/2KmFzeh 49  Malfrid Braut-Hegghammer, "Giving Up on the Bomb: Revisiting Libya's Decision to Dismantle its Nuclear Program," Wilson Center, 23/10/2017, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3gYGBhx

نحو 400 ألف برميل يوميًا، في ما وُصف يومئذ ب "استنضاب النفط" للحصول على العملة الصعبة، بدءًا من منتصف التسعينيات54. وساعد الانفتاح على العراق، منذ عام 1997، في الحصول على نحو 200 ألف برميل يوميًا من النفط العراقي بأسعار مخفضة، وإعادة بيعه بسعر السوق، في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء الذي أقرته الأمم المتحدة لتلافي وقوع كارثة إنسانية نتيجة العقوبات التي فُرضت على العراق بعد غزوه الكويت عام 1991 55. وقد سمحت هذه الكمية من النفط لسورية بأن تزيد حصتها في سوق النفط العالمية، وأن تحصل على إيرادات تبلغ مليار دولار سنويًا من العملة الصعبة التي كانت في أمسّ الحاجة إليها56. وتحوّل العراق إلى سوق رئيسة لتصدير المنتجات السورية، فساعد هذا في إعادة دوران عجلة الاقتصاد، وازدهار عمل القطاع الخاص الصناعي. وقد بدأ الانفتاح على العراق بعد أن تعقدت إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل بعد فوز اليمين في انتخابات عام 1996 57، وهي الاستراتيجية التي انخرط النظام فيها بدءًا من عام 1991 لتأمين شرعية بديلة من شرعية المقاومة، على أمل أن تؤدي إلى تدفق استثمارات غربية تنهض بالاقتصاد المتعثر. وقد سمحت عملية السلام بخفض الإنفاق العسكري السوري، من 18 في المئة في الفترة 1988-1976، إلى 7 في المئة في التسعينيات، بعد أن تخلى النظام عن سياسة "التوازن الاستراتيجي" مع إسرائيل، ما خفف العبء عن كاهل إيرادات الحكومة المحدودة58. لكن كل هذه الاستراتيجيات التي سمحت بتوفير موارد اقتصادية مهمة لم تكن كافية للاستمرار في تحمّل أعباء الريع التوزيعي القديمة. لذلك بدأت الدولة في التخي عن احتكار عدد من القطاعات، والسماح للقطاع الخاص بدخول مجال الاستثمار فيها، بما في ذلك النقل والاتصالات والصناعات النسيجية. وقد ساهمت هذه الإجراءات التي بدأت بقانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 في إرضاء البرجوازية المدينية التي كان النظام يحاول دمجها في السنوات السابقة ضمن التحالف الذي أنشأه، لكن جرى في هذه المرحلة توسيع هوامش حركتها على حساب القطاع العام وبيروقراطية الدولة، مع انكماش حجم الحكومة59. وعلى الرغم من هذا الانفتاح، ظل النظام في عهد حافظ الأسد متحفظًا في توجهاته الليبرالية، حفاظًا على قاعدة دعمه الاجتماعي التقليدية، وبسبب المقاومة التي أبداها، خصوصا الجهاز الحزبي الذي ظل متأثرًا بالتوجهات الاشتراكية التي طغت في سنوات حكمه المبكرة، وانطلاقًا من موقفه التقليدي، ونظرته المتشككة إلى القطاع الخاص الذي كان يُنظر إلى عودته على أنها تمثل تهديدًا لمنجزات الطبقة الكادحة ومكتسباتها. كذلك جاءت المقاومة للتحول نحو اقتصاد السوق أيضًا من بيروقراطية الدولة والمنتفعين من رجال الأعمال الجدد الذي كانوا يعتمدون كليًا على العقود التي تهبها لهم الدولة، في إطار علاقة زبائنية ومن دون منافسة حقيقية. وبلغة صندوق النقد الدولي، اقتصرت سياسة التحرير الانتقائية، في مرحلة حافظ الأسد في التسعينيات، على التثبيت النقدي، من دون المضي إلى إعادة الهيكلة، بما يضمن استمرار القطاع العام ماكينةًاقتصادية اجتماعية للنظام. وبهذا حاول النظام الحفاظ على نوع من التوازن بين مصالح أطراف تحالفه القديم، وقاعدة دعمه الاجتماعي التقليدية، وبين البرجوازية الجديدة والتقليدية التي كانت حاجته إليها تتزايد بتنامي مصاعبه الاقتصادية وظروفه السياسية، الإقليمية والدولية. لكن سياسات البقاء التي انتهجها النظام للهروب من تبعات انتهاء الحرب الباردة لم تكن بلا ثمن، إذ إن انخراطه في عملية السلام واقترابه من المعسكر الأميركي بدآ ينزعان عنه شرعيته المقاومة لإسرائيل والغرب، التي طالما استند إليها في خطاباته السياسية. أما داخليًا، فقد شكّلت مساعي الانتقال نحو اقتصاد أكثر تحررًا، وتطبيق كثير من توصيات البعثات التشاورية التحريرية لصندوق النقد الدولي انتقائيًا، من دون توقيع اتفاقية معه، بديلً من مطالبات بإصلاحات سياسية، ما بدأ النظام يخسر معها قاعدة الدعم الاجتماعي، الممثلة بأبناء الأرياف والطبقة الوسطى التي أخذت تفقد امتيازاتها بتصاعد هذه التحولات وتعمقها.

خامسًا: الحل في الصين

أخذت مصادر شرعية النظام في النضوب، مع تبنّيه حرفيًا "استراتيجية بقاء" Strategy Survival، تمثلت في تبنّي جملة من التغييرات الداخلية والخارجية العميقة، لتلافي تداعيات انتهاء حقبة الحرب

  1. Syria: International Energy Data and Analysis," U.S. Energy Information Administration, Oil & gas Journal , 24/6/2015, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3688Wf8
  2. Report: Syria, Iraq Crude Arrangement," United Press International (UPI) , 23/1/2001, accessed on 30/11/2021, at: http://bit.ly/1R0G8si
  3. Syria under Bashar (I): Foreign Policy Challenges," ICG Middle East Report , no. 23, International Crisis Group, 11/2/2004, p. 16, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3oX4pXf
  4. إبراهيم حميدي، "الرسائل السرية بين صدام حسين وحافظ الأسد، الحلقة:)2(صدام عرض على الأسد 'قمة سرية' في 1996... ومواجهة 'عدوان إسرائيل' على لبنان"، الشرق الأوسط، 2021/6/28، شوهد في 2021/11/30، في: https://bit.ly/3dzQQqz
  5. أدى خفض الإنفاق العسكري، بحسب هينيبوش، إلى إضعاف علاقة النظام بالجيش،
  6. وزيادة اعتماده في المقابل على الأمن. ينظر: 97-98 pp..Hinnebusch, 59 باروت، العقد الأخير، ص.115

الباردة، وتجاوبًا مع التحديات الاقتصادية المتنامية التي أخذ يواجهها بالتوازي مع ارتفاع الالتزامات الناجمة عن تزايد عدد السكان، ومتطلبات التنمية المرافقة لذلك، ولتلبية توقعات جيل جديد من الشباب المتعلم، والباحث عن فرص عمل، في مقابل تناقص موارد الريع الداخلية والخارجية. وقد تسارعت هذه التحولات وتعمقت آثارها بعد وفاة حافظ الأسد، ووصول ابنه بشار إلى الحكم. وبوصوله إلى السلطة، وجد بشار أن استمرار نظامه يعتمد كليًا على تحسين الوضع المالي للدولة الذي بات يتطلب إصلاحًا لا يمكن تجنبه. لكن الإصلاح كان يعني تنامي نفوذ وقوة التيار الليبرالي داخل النظام، وفي المجتمع أيضًا، خاصة بين أبناء المسؤولين الباحثين عن طرق إثراء سريعة في السوق، وتكييف سياسة سورية الخارجية وشعاراتها وأيديولوجيتها القومية، وعقدها الاجتماعي المحابي للطبقات الكادحة والفقيرة، مع متطلبات التحول الرأسمالي والاندماج في نظام الاقتصاد العالمي. وكان على بشار أن يدفع في هذا الاتجاه، من دون أن يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار النظام. بناء عليه، بدأ التوجه نحو فتح سورية على الاقتصاد العالمي، واحتضان مظاهر العولمة واقتناء أدواتها، فجرى التوسع في إدخال الإنترنت، وشبكة الهاتف النقال، وفتح الباب أمام الاستيراد، بما في ذلك السيارات والسلع الاستهلاكية الأخرى، وبدأ التخي عن أيديولوجية البعث الاشتراكية، وعن دور الدولة الأبوي في قيادة الاقتصاد، ودعم أسعار السلع والخدمات لأشد الفئات هشاشة. ولهذه الغاية، عُدلت البنية التشريعية والقانونية، فأصدر نحو 1200 قرار ومرسوم، في إطار سياسة تحرير الاقتصاد خلال الفترة 2010-2000 60. كانت الفكرة أن الانتقال نحو اقتصاد أكثر ليبرالية تتوافر فيه هوامش حرية أكبر في مجال الاستثمار والعمل والمبادرة الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة، يمكن أن يكون بديلً من الانفتاح السياسي، ويحدّ من المطالبات به، بدل أن يواكبه بوصفه مسارًا متكاملً نحو التغيير الآمن61. وفق هذه الرؤية، تبنّى النظام مقاربة تقوم على أن الاقتصاد والإصلاح الإداري يجب أن يحظيا بالأولوية، وأن الانفتاح السياسي يأتي عقب تحقيق الانفتاح الاقتصادي لأهدافه، وأن "الشعب مهتم بالخبز أكثر من اهتمامه بالديمقراطية"62. وقد ازدادت مقاومة النظام لأي انفتاح سياسي، بدعم من طبقة التكنوقراط ورجال الأعمال الجدد الذين كانوا يرون في الديمقراطية تهديدًا لمصالحهم القائمة على علاقة زبائنية مع الدولة واعتمادهم الكي على العقود والمناقصات التي يحصلون عليها منها63. وكان لهؤلاء مصلحة في ضبط الطبقة العاملة واحتواء النزعات "الشعبوية"، وطيّ صفحة السياسات الاشتراكية، وتطويق دعوات محاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، التي أخذت تطفو مع الانفتاح السياسي الانتقائي المحدود الذي حصل في بداية عهد بشار الأسد، واصطلح على تسميته ب "ربيع دمشق"، لاا وكان من ثم لدى هؤلاء (طبقة رجال الأع)64 اعتقاد بأن أي نهج ديمقراطي سوف يكون بالضرورة متعارضًا مع مصالحهم، وسوف يؤدي إلى تجميد أو إبطاء عملية اللبرلة الاقتصادية التي كانت تجري على قدم وساق، ولا تحظى بقبول جماهيري65. وافقت مواقف النخب الاقتصادية الصاعدة أهواء النظام في تعميق إجراءات اللبرلة الاقتصادية، وتجاهل دعوات الإصلاح السياسي التي حمل لواءها بعض المثقفين. بعبارة أخرى، تخلى النظام عن النموذج السوفياتي المنهار، رافضًا السير في مسار "بريسترويكا" قد يؤدي إلى انهياره، وتحوّل إلى تمثل النموذج الصيني الصاعد، مع ترطيبه باسم" اقتصاد السوق الاجتماعي."

كانت الصين قد بدأت تلفت الانتباه إليها في التسعينيات، حينما بدأت الإصلاحات التي أدخلها دينغ شياو بينغ في أواخر السبعينيات

  1. باروت [وآخرون]، ص.265
  2. Dr. Marwan Al Kabalan, Bashar's Reform Project: Real or Cosmetic," Gulf News , 12/12/2003, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3A8fLLJ
  3. يُنظر: مقابلة بشار الأسد بهذا الخصوص مع صحيفة نيويورك تايمز، في: " Key Passages from Interview with Syria's President," The New York Times , 1/12/2003, , accessed on 30/11/2021, at: https://nyti.ms/34VquOf
  4. باروت، العقد الأخير، ص.77-73
  5. انتظم هؤلاء في اثنين من الكارتيلات الكبرى، هما "شام القابضة" التي جمعت 71 رجل أعمال، و"سورية القابضة"، وقد بلغ حجم شام القابضة وحدها نحو 60 في المئة من الاقتصاد السوري، ينظر: بشارة، ص.310-309
  6. يُنظر دراسة آدم شيفورسكي عن علاقة البرجوازية بالنظم الاستبدادية ومقاومتها للديمقراطية حينما تجد أن مكاسبها في العمل مع الاستبداد أعلى من مكاسب الانتقال إلى الديمقراطية: Adam Przeworski, "Capitalism, Development, and Democracy," Brazilian Journal of Political Economy , vol. 24, no. 4 (December 2004), pp. 487-500.

تؤتي ثمارها. وقد قرر شياو بينغ، الذي ترأس الحزب الشيوعي الصيني ليصلح ما أفسدته ثلاثة عقود من سياسات ماو تسي تونغ الطوباوية، أن يبدأ انفتاحًا اقتصاديًا كبيرًا منذ عام 1978، هدفه نقل الصين من دولة زراعية فقيرة إلى دولة صناعية غنية عبر إصلاحات عميقة، حوّلت الصين عمليًا إلى اقتصاد رأسمالي. لكنها أبقت السلطة في يد الحزب الشيوعي في عملية تزاوج فريدة بين التعددية الاقتصادية وحماية الملكية الفردية من جهة، والمركزية السياسية وحكم الحزب الواحد من جهة أخرى. أثارت هذه التجربة اهتمامًا كبيرًا في المنطقة العربية، وبدأت محاولات تَ ثُّلها بوضوح شديد، في سورية تحديدًا. وقد حرصت حكومة بشار الأسد منذ بداية عهدها على محاكاة التجربة الصينية للإصلاح، والابتعاد ما أمكن عن التجربة السوفياتية التي أسفرت عن انهيار النظام. وبناء عليه، بدأت محاولة فصل المسار السياسي عن الاقتصادي في عملية الإصلاح، في العمل على تجميد الأول والتركيز على دفع الثاني. وتطلّب السير في هذا الاتجاه تغييرًا في تحالفات النظام وقواعد دعمه الاجتماعية، واستتباعًا مصادر شرعيته. لكن إدارة عملية التحول كانت أصعب مما توقع بشار الأسد، وانتهى الأمر بفقدانه السيطرة عليها كليًا بحلول عام.2011

سادسًا: إعادة هيكلة النظام

في بداية حكمه، ظل بشار لظروف بنيوية مهتمً بسلوك طريق ثالث يسمح لنظامه بتحقيق درجة من التوازن بين الحاجة إلى الحفاظ على قاعدة دعمه التقليدية من جهة، والابتعاد تدريجيًا عن شعاراته الأيديولوجية التي فقدت بريقها وواقعية الالتزام بها، من جهة أخرى. فظهر شعار "اقتصاد السوق الاجتماعي" الذي تبنّاه المؤتمر القُطري العاشر لحزب البعث في حزيران/ يونيو 2005. لكن النظام أخذ يذهب بعد ذلك بعيدًا في خطوات الانفتاح الاقتصادي، وكلما خطا خطوة في هذا الاتجاه، ابتعد عن قواعده، وتخلى عن حوامل سلطته سياسيًا واجتماعيًا. ولتنفيذ برنامجه "الإصلاحي" بسلاسة، كان لا بد لبشار من إزاحة العقبات التي تقف في الطريق، فأُحيل أغلب رجالات الحرس القديم في المؤتمر القُطري العاشر لحزب البعث إلى التقاعد66، ثم انتقل التركيز بعدها إلى إضعاف دور النقابات والاتحادات المهنية (اتحادات العمال والفلاحين خصوصًا)، فخفضت الحكومة ميزانياتها بشدة إلى الحد الذي أثّر في حجم ونوعية الخدمات التي تقدّمها لمنتسبيها، خاصة الفلاحين الذين كانوا يعتمدون على الأسمدة والبذار المدعومين المقدمين من الدولة، إضافة إلى دعم الطاقة، وغيرها من الخدمات. أما الحزب الذي كان يومًا أداة الحكم الرئيسة وقناة الوصول إلى قواعد النظام، فقد جرى تجويفه من الداخل، فلم يعد الانتساب إليه طريقًا للارتقاء الوظيفي كما كان عقودًا، ولم تعد أفكاره ونهجه مرشدًا أو إطارًا لصنع السياسات العامة للدولة. في عقود حكمه الأولى، كان الحزب يقف فوق الحكومة ويشرف على عملها، وكان لكل وزارة مكتب حزبي يقابلها في القيادة القُطرية، يراقب عملها ويتأكد من تطبيقها توجيهات الحزب67. لم يهمَّش جهاز الحزب وتُقتَطع موازناته فحسب، بل فُكك أيضًا على المستوى التنظيمي. ففي عام 2010 استغل بشار وقوع تجاوزات، وورود شكاوى بخصوص انتخاباته الداخلية، فحل قيادات فروع الحزب في المحافظات والشعب الحزبية68؛ لذلك حينما قامت الثورة في آذار/ مارس 2011، لم يكن لدى النظام أي وسيلة للتواصل مع القاعدة التي كان ما زال يدّعي تمثيلها في البلدات والقرى الثائرة خصوصًا. وفي حين كان المواطنون يلجؤون عادة إلى فروع الحزب وقيادات النقابات للحصول على واسطة أو دعم لحل مشاكلهم أو الحصول على وظيفة، لم يعد لهؤلاء تأثير فعي مع بداية عام 2011، إذ حل مكانهم رجال الأعمال في المدن، وفي الأرياف زعماء العشائر وكبار الملاك ووجهاء العائلات ورجال الدين. فوق ذلك، أدى قرار التشدد في مكافحة التهريب وزيادة القيود على نشاطاته، مع انطلاق حملة كبيرة للحد من تأثيراته السلبية في الاقتصاد عام 2010، إلى إضعاف قدرة الأمن في الحصول على تعاون الوجهاء المحليين، وزعماء العشائر في الأرياف، الذين كان جزء منهم يعتمد على التهريب باعتباره مصدرًا رئيسًا للدخل. وكانت الاشتباكات التي حصلت بين البدو والدروز في السويداء عام 2002، وبين العلويين والإسماعيليين في مصياف عام 2004، والانتفاضة الكردية في القامشي عام 2004، دليلً واضحًا على تراخي قبضة النظام وتضاؤل قدرة أجهزته الأمنية على الضبط الاجتماعي عن طريق أدوات الحكم المحلية. إضافة إلى ذلك، بدأت منذ عام 2001 تظهر مؤشرات على اختلال النظام العام، وضعف قدرة الدولة على فرض القانون في بعض

  1. قاد نائب الرئيس في ذلك الوقت، عبد الحليم خدام، تيارًا في النظام عارض بشدة كل مظاهر الإصلاح الاقتصادي، محذرًا من عواقبها على السلم الأهي والاستقرار. ينظر: "قيادة
  2. كان مكتب الفلاحين القُطري مثلً يشرف على عمل وزارة الزراعة، ويتأكد من تطبيقها السياسات التي تحابي الفلاحين وتحقق مصالحهم، وكذلك مكتب العمال، والرياضة والتعليم، وغيرها. 68  " سوريا: حزب البعث الحاكم يقرر حل قيادات فروعه بالمدن"، دنيا الوطن، 2010/11/3، شوهد في 2021/11/30، في https://bit.ly/3zoGgMr:
  3. الجزيرة نت جديدة للبعث السوري خلت من أغلب الحرس القديم"،، 2005/6/9، شوهد في 2021/11/30، في https://bit.ly/2TwIhWA:

المناطق الطرفية. وبدأت تظهر أيضًا علامات على ضعف سيطرة الدولة على بعض العشوائيات وضواحي المدن ومناطق في الأرياف. وغدا السفر غير آمن على بعض الطرق الداخلية السريعة، مثل الطريق بين الرقة ودمشق، حيث يحتمل أن يتعرض المسافر للسلب والنهب، وانسحب ذلك على بعض الطرق الفرعية التي تصل مراكز المدن بالنواحي والقرى، ولا سيما البعيدة منها. وبحلول عام 2010، كان هناك ما لا يقل عن 64 ألف مطلوب للعدالة، بحسب بشار الأسد نفسه69، وفي السنوات الأخيرة، قبل الثورة، انهارت الثقة كليًا بسلطة القانون وكفاية جهاز الشرطة في مكافحة الجريمة. وفي الفترة 2006-2001، مثلً، ارتفعت الجنايات والجنح بنسبة 52 في المئة، وارتفعت الجرائم المتعلقة بالأموال بنسبة 100 في المئة، وقضايا المخدرات بنسبة 003 في المئة تقريبًا، وفي عام 2007 وحده ارتفعت الجنايات بنسبة 20 في المئة70. وبناء عليه، بدأت تبرز مظاهر تسلح المدنيين لحماية أنفسهم من الجريمة وقطاع الطرق، وبذلك تناقص الاعتماد على الدولة في توفير الخدمات الأمنية، خاصة في الأرياف والمناطق الطرفية. وبالتوازي مع ضعف قدرة النظام على تحقيق الأمن المجتمعي، أخذت تتلاشى قدرته على الحشد والتعبئة والتأثير، وبدأت الأيديولوجيات الليبرالية والإسلامية تملأ الفراغ الذي تركته أيديولوجية البعث اليسارية. ومع انتقال السلطة على نحو أكبر من الحزب، ومن ثم تلاشي شبكة المصالح التي ترتبط به، وتركّز السلطة ضمن عائلتي الأسد ومخلوف، أخذت تضيق قاعدة دعم النظام أكثر بين شرائح وفئات دعمه التقليدية. ومن جهة أخرى، زاد الفراغ الناشئ من إضعاف قدرة الحزب أيديولوجيًا، وتهميش دور النقابات سياسيًا واقتصاديًا، من الاعتماد على الأمن الذي حاول أن يملأ الفراغ. لكن هذا أيضًا بدأ يعاني الترهل والضعف والفساد. وبناء عليه، لم يكن اعتقاد بشار بأن في إمكانه الاعتماد على الأمن في مواجهة أي تمرد اجتماعي في محله، وهذا ما دفعه إلى توريط الجيش حينما اندلعت الاحتجاجات، وكان لذلك تداعيات كبرى عليه. في بداية صعوده إلى الحكم، مثّل الجيش لبشار معضلة كبرى، ينبغي التعامل معها. فبخلاف والده، لم يكن بشار ابن المؤسسة العسكرية، إذ جاء انتسابه إليها متأخرًا بعد أن أبعد الموت شقيقه باسل عام 1994، وفي إطار تحضيره لخلافة والده. وقد شق بشار طريقه سريعًا في المؤسسة العسكرية، ووجد نفسه خلال ست سنوات فقط في قيادة الجيش، متجاوزًا عددًا كبيرًا من الضباط الأعلى رتبة والأكبر سنًا، وبعضهم خاض حروبًا عديدة. ومُنح بشار الرتبة الأعلى في الجيش بطريقة استثنائية بعد وفاة والده، فرُفّع من رتبة عقيد إلى رتبة فريق بمرسوم تشريعي، وتولّ منصب القائد العام للجيش والقوات المسلحة، إلى جانب منصبه رئيسًا للجمهورية. وقد ظل شعور القادم من خارج المؤسسة العسكرية ملازمًا لبشار حتى اندلاع الثورة، وقد جعل ذلك الجيش أقل موثوقية عنده مما كان عليه الأمر عند والده الذي كان يتمتع بسلطة مطلقة عليه. وبناء عليه، أخذ تحالف العائلة مع الجيش يتأثر، وقد برز ذلك بوضوح من خلال تقليص ميزانياته وإلغاء بعض امتيازاته الضعيفة أصلً. وكان ضباط الجيش قد خسروا مورد إثراء كبير لهم بانقطاع سبل التهريب، نتيجة انتهاء الوجود العسكري السوري في لبنان عام 2005، وتحمّل بشار وحده مسؤوليته بسبب إصراره على التمديد للرئيس إميل لحود، ثم عقابيل اغتيال الحريري71. كذلك تعرض ضباط الجيش لمزيد من التضييق ماديًا، نتيجة التدقيق على سياسات "التفييش" داخل القطعات العسكرية، وخفض مدة الخدمة الإلزامية72. وفي حين كان الإحباط داخل الجيش يتعاظم بسبب تناقص الامتيازات وتقادم المعدات وضعف الإمكانات، تفاقم التمييز داخل المؤسسة العسكرية، كحصول بعض أكثر قطعات الجيش موثوقية عند النظام، مثل الفرقة الرابعة، والحرس الجمهوري (وكذلك الأجهزة الأمنية)، على مزايا مالية وتسليح أفضل مقارنة بالآخرين. وإضافة إلى دور العامل الطائفي73، تفسر هذه العوامل حركة الانشقاقات الكبيرة التي وقعت داخل الجيش حينما قامت الثورة عام 2011، إذ تسرب ما لا يقل عن 100 ألف عنصر، بينهم نحو 5 آلاف ضابط من مختلف الرتب العسكرية74. وقد دفع هذا الأمر بالنظام إلى الاعتماد على ميليشيات محلية أو خارجية، قبل أن يضطر إلى طلب مساعدة روسيا من أجل الحيلولة دون انهياره. وعمليًا، أدت محاولات الأسد تعزيز قبضته على النظام بحثًا عن شرعية جديدة، وإقامة نموذج تنموي يقوم على أسس مختلفة عبر

  1. قتلى باشتباك أنصار الأسد ومعارضيه"، 69 الجزيرة نت  "، 2011/6/21، شوهد في 2021/11/30، في https://bit.ly/3xla6jp:
  2. بشارة، ص.370-369
  3. خدام: الأسد غيّ رأيه ومدد للحود، فاصطدمت سورية بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية")، الشرق الأوسط، 2021/4/27، شوهد في 2021/11/30، في: https://bit.ly/3dmdimR
  4. تطلق هذه التسمية على عملية إعفاء المجندين من الخدمة الفعلية مقابل مبلغ مالي محدد، يُدفع للضابط شهريًا في أغلب الأحوال، بمعنى أن الخدمة تكون على الورق فحسب.
  5. ينظر: محسن المصطفى، "مراكز القوة في جيش النظام 2020: "نهج الصفاء العلوّي"، ورقة تحليلية، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 2020/3/13، شوهد في 2021/11/30، في: https://bit.ly/3pQIQ9t
  6. لا توجد إحصائية دقيقة لعدد العسكريين المنشقين عن الجيش السوري، فيقدر البعض نسبة الانشقاق بنحو 40 في المئة من العنصر البشري، ويضع آخرون الرقم عند 170 ألفًا. ينظر: عبد الله النجار، "ظاهرة الانشقاق: تصورات حول الأدوار والمآلات"، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 2021/6/2، شوهد في 2021/11/30، في: https://bit.ly/3gibHAC

تحييد أو إضعاف دور الحزب وبيروقراطية الدولة والجيش، إلى نتائج معاكسة (أي إضعاف آليات الهيمنة والتحكم والسيطرة.) ومع تلاشي قدرة الدولة على توفير الخدمات، والاستمرار في دعم السلع الأساسية، وإفلاسها أيديولوجيًا، واختراق الفساد مؤسساتها الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون، وتنامي مظاهر تحدي المجتمع لسطوتها؛ خسر النظام أبرز مقومات القوة والشرعية التي بناها على مدى خمسة عقود. ففي أواخر عام 2010، ومع انطلاق ثورات الربيع العربي، كان واضحًا أن النظام بات معلّقًا في الفراغ؛ إذ تخلى عن تحالفاته القديمة ولمّا يستكمل بناء الجديدة، وبات واضحًا لشريحة واسعة من المجتمع أن ثمن عدم الثورة، خاصة في الأرياف والمناطق الطرفية، بات أكبر من ثمن الثورة.

سابعًا: تكامل عناصر الانفجار

في حين كان بشار يحاول إعادة هيكلة نظامه بما يسمح له تعزيز سيطرته عليه وبما يتوافق مع رؤيته الاقتصادية، كانت التحديات تتزايد أمامه. فمنذ عام 2004، بدأ قطاع النفط السوري، وهو مصدر دخل رئيس للموازنة العامة، يشهد تراجعًا كبيرًا، خاصة بعد أن أغلق الأميركيون أنبوب النفط العراقي في اتجاه سورية بعد احتلالهم العراق، وفي المقابل ازداد الاستهلاك المحي بشدة، نتيجة تنامي عدد السكان والانتقال إلى نمط حياة استهلاكي مرافق لعملية تحرير الاقتصاد. وفي عام 2008، تحولت سورية إلى مستورد صافٍ للنفط بعد أن كانت مصدّرًا له، بمعنى أنها استوردت منه أكثر مما صدّرته75، وبدأت الضغوط تزداد على الحكومة لإدخال مزيد من "الإصلاحات" لتعويض نقص الموارد. ومثلت الخطة الخمسية العاشرة 2010-2005() التي جرى تبنّيها عقب المؤتمر القُطري العاشر لحزب البعث في حزيران/ يونيو 2005 ذروة عملية تحرير الاقتصاد السوري ولبرلته. فانطلقت عملية رفع الدعم عن أغلب السلع الأساسية، وتحرير أسعار الطاقة، وسن قوانين تراعي مصالح النخب الاقتصادية الجديدة على حساب أشد الفئات الاجتماعية هشاشة76. وقد مثّل رفع الدعم عن الوقود، بحجة تهريبه وعدم وصوله إلى مستحقيه، ضربة كبيرة لفئات واسعة من المجتمع، خاصة الفلاحين والسائقين ومتعهدي النقل العام. وانخفض أيضًا دعم قطاعات الصحة والتعليم77، في مقابل تنامي عدد المشافي والمدارس والجامعات الخاصة التي لا يستطيع كثيرون تحمّل تكاليفها. وأدى كل ذلك إلى ارتفاع نسبة الفقر في المجتمع، إلى درجة اضطرت النظام فيها إلى الاعتماد على الجمعيات الخيرية لتأمين شبكة دعم اجتماعي لأشد الطبقات هشاشة، ولمنع انحدار غيرهم إلى حافة الفقر المدقع78. وقد تزامن إهمال الزراعة ورفع الدعم عن مدخلاتها مع أسوأ مواسم جفاف شهدتها سورية منذ عقود، خلال الفترة 2010-2007 79؛ إذ أدت مواسم الجفاف إلى انهيار القطاع الزراعي تقريبًا80. وباعتباره ركنًا أساسًا من أركان الاقتصاد، ومصدرًا رئيسًا للعمل والدخل لمئات الآلاف من السوريين الذين يعملون فيه، أو في نشاطات مرتبطة به، كان لانهيار القطاع الزراعي تداعيات اقتصادية واجتماعية كبرى81؛ إذ اضطر مئات الآلاف من ملّ ك الأراضي الزراعية وعائلاتهم إلى هجر أراضيهم، والانتقال للعيش على أطراف المدن الكبرى82. وفي

  1. انخفض الإنتاج من 527 ألف برميل يوميًا عام 2003، إلى 793 ألف برميل عام 2010، في حين بلغ الاستهلاك نحو 400 ألف برميل يوميًا. ينظر: 6 p..Daher,
  2. ينظر: سمير سعيفان، "بين الدردري والرداوي... وصياغة السياسات الاقتصادية في سورية"، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 2020/6/17، شوهد في 2021/11/30، في: https://bit.ly/3jycfBD
  3. ينظر: ربيع نصر وزكي محشي وخالد أبو إسماعيل، "الأزمة السورية: الجذور والآثار تقرير، المركز السوري لبحوث السياسات (كانون الثاني/ يناير الاقتصادية والاجتماعية"،)2013، ص 27، شوهد في 2021/11/30، في https://bit.ly/2Tpvy8f:
  4. المرجع نفسه، ص.25-23
  5. Francesco Femia & Caitlin Werrell, "Syria: Climate Change, Drought and Social Unrest," The Center for Climate & Security, 29/2/2012, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/31iFkZW
  6. Francesca de Châtel, "The Role of Drought and Climate Change in the Syrian Uprising: Untangling the Triggers of the Revolution," Middle Eastern Studies , vol. 50, no. 4 (January 2014), pp. 521-535.
  7. Peter H. Gleick, "Water, Drought, Climate Change, and Conflict in Syria," Weather, Climate, and Society , vol. 6, no. 3 (July 2014), pp. 331-340.
  8. نصر ومحشي وأبو إسماعيل، ص.25

عام 2009، قدرت الأمم المتحدة والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن نحو 800 ألف سوري فقدوا مصدر رزقهم كليًا بسبب القحط83. وقد خسرت المناطق التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الزراعة في الجنوب والشمال الشرقي نحو 75 في المئة من الإنتاج الزراعي84، وفقد مربّو المواشي نحو 85 في المئة من قطعانهم بسبب الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف. وإجمالً، بلغ عدد من لحقت بهم أضرار نحو 1.3 مليون شخص85. وبحلول عام 2011، قدّر تقرير دولي عدد السوريين الذين يفتقرون إلى الأمن الغذائي بمليون شخص، في حين قدّر عدد من يعيشون تحت خط الفقر ب 2.3 مليون شخص، أكثرهم في المناطق الريفية التي تأثرت بالجفاف ورفع الدعم عن السلع الأساسية ومشتقات الطاقة86. وقد تزامن كل ذلك مع اتجاه الحكومة إلى تشديد القوانين الخاصة بالحفاظ على مخزون المياه الجوفية الذي تضرر كثيرًا بسبب الاستجرار الجائر87. وحينما كانت سورية تستضيف نحو 1.5 مليون لاجئ عراقي هربوا إليها بعد الغزو الأميركي عام 2003، كان معدل نمو السكان يصل إلى 2.4 في المئة سنويًا88، وهو رقم يقترب من نسب نمو الاقتصاد الفعي في الفترة 2009-1997 89. وإضافة إلى ذلك كله، اندفع النظام عام 2007، ولأهداف سياسية بحتة، إلى توقيع اتفاقية تجارة حرة مع تركيا، كان لها تداعيات مدمرة على حياة الحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين عجزوا عن منافسة السلع المصنعة التركية الأرخص ثمنًا والأفضل جودة90. وفي حين امتلأت ضواحي المدن بالمهاجرين من القرى والأرياف، ساهم تدفق رأس المال الخليجي على سوق العقارات برفع أسعارها كثيرًا، لتصبح خارج متناول الطبقة الوسطى. وكانت الحكومة قد أنهت العمل بقانون الإيجار، وجعلت "العقد شريعة المتعاقدين"، وهو نوع من التنازل للملّ ك وأصحاب العقارات. وقد دفع ذلك كثيرًا من العوائل التي كانت تعيش في منازل منخفضة الإيجار إلى إخلائها. ودفع ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات جزءًا من سكان دمشق إلى بيع بيوتهم المتهالكة والضيقة داخل أسوار المدينة القديمة مع اتساع الأسر وامتدادها، والانتقال إلى الأرياف الأرخص ثمنًا والأقل تخديمًا، وقد شكل هؤلاء جزءًا مهمً من الشرائح التي ثارت على النظام في مدن غوطتي دمشق الشرقية والغربية، خاصة دوما وداريا. أما الأراضي المملوكة للدولة، فقد بيعت بأسعار رخيصة للقطاع الخاص، لتصبح مشكلة الإسكان قنبلة موقوتة في قلب النظام، خاصة مع تنامي الفجوة بين الحياة الاستهلاكية للأثرياء الجدد وسكان الضواحي من الطبقات الوسطى والفقيرة. وفوق ذلك، ومع نهاية العقد الأول من حكم بشار، بدا واضحًا مدى الإنهاك التنموي الذي أصاب الدولة بسبب الزيادة الكبيرة في عدد السكان وصعوبة تلبية حاجاتهم، إضافة إلى تقلص الموارد المالية والطبيعية وازدياد التنافس عليها، وقد زاد الأمر سوءًا الاهتلاك البيئي الناجم عن تدمير الغابات، وانتشار العشوائيات، والحركة العمرانية غير المنضبطة، وتفاقم مشكلة التلوث، والاستجرار الكبير للمياه الجوفية وتسرب مياه الصرف الصحي إلى مصادرها، وعودة بعض الأمراض "المنقرضة" في بعض المناطق91. والواقع أن السياسات الليبرالية التي أدخلها بشار الأسد دفعت التحول الاجتماعي في اتجاهين متناقضين، لكنهما قادا في النهاية إلى النتيجة نفسها؛ فمن جهة أدت هذه السياسات إلى إنعاش الطبقات الوسطى المدينية اقتصاديًا وارتفاع مستوى التعليم لديها، خاصة مع فتح قنوات جديدة للتعليم لم تكن قائمة من قبل، مثل نظام التعليم المفتوح والتعليم الموازي والخاص الذي استقطب مئات الآلاف من طلاب عجزت الجامعات الحكومية عن استيعابهم بسبب محدودية المقاعد فيها. وقد أدى ارتفاع المستوى الاقتصادي والتعليمي إلى توسع الطبقة الوسطى المدينية خلال العقد الأول من حكم بشار، ما رفع منسوب التوقعات لديها بشأن مستقبلها، وأدى إلى زيادة الميول الليبرالية في أوساطها، بالتوازي مع ازدياد الوعي بالعالم الخارجي، الناجم عن انتشار الإنترنت والقنوات الفضائية ووسائل التواصل

  1. Drought Driving Farmers to the Cities," The Humanitarian , 2/9/2009, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/39Zh3vN
  2. Daher.
  3. Robert F. Worth, "Earth Is Parched Where Syrian Farms Thrived," The New York Times , 13/10/2010, accessed on 30/11/2021, at: https://nyti.ms/2Dxclt0
  4. Wadid Erian, Bassem Katlan & Ouldbdey Babah, "Drought Vulnerability in the Arab Region, Special Case Study: Syria," International Strategy for Disaster Reduction (ISDR), Global Assessment Report on Disaster Risk Reduction (2010), accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/39ZULd6
  5. أدت هذه الأوضاع إلى هجر ما لا يقل عن 200 ألف نسمة أراضيهم، من أرياف حلب وحدها، إلى ضواحي المدن الكبرى. ينظر: Gary Nabhan, "Drought Drives Middle Eastern Pepper Farmers Out of Business, Threatens Prized Heirloom Chiles," Grist , 16/1/2010, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/31gykN0
  6. Alistair Lyon, "Syria Grapples with Surging Population," Reuters , 3/6/2010, accessed on 30/11/2021, at: https://reut.rs/31LrC2g
  7. نبيل مرزوق، "التنمية المفقودة في سورية"، في: عي [وآخرون]، ص.39
  8. بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وسورية عام 2010 نحو 2.5 مليار دولار، منها 1.84 مليار صادرات تركيا إلى سورية، ينظر:
  9. Turkey Shrugs off Syria Free Trade Suspension," Reuters , 5/11/2011, accessed on 30/11/2021, at: https://reut.rs/3wJ2sPH 91 ينظر: حسني العظمة، "جدلية الانحطاط البيئي وتدهور أحوال العيش (غوطة دمشق نموذجًا")، في: عي [وآخرون]، ص.185-147

الاجتماعي، فتنامت المطالبة بمزيد من الحريات العامة التي لم يكن النظام مستعدًا لتقديمها. وفي المقابل، أدت السياسات الاقتصادية للنظام إلى إفقار الأرياف، خاصة بعد التخي عن سياسات الدعم، ورفع أسعار المواد الأساسية ومشتقات الطاقة، وتسرب أعداد كبيرة من الطلاب فيها من المدارس، بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وقد لوحظ، مثلً، ارتفاع مستوى الأمية إلى نحو 17 في المئة عام 200992. وقد ساهم الفقر وسوء توزيع الثروات وانخفاض مستوى التعليم في ارتفاع مستوى التدين في الأوساط الريفية. وأدت الظروف الاقتصادية الصعبة إلى تنامي الهجرة من أجل العمل، خاصة تجاه دول الخليج العربية، نجم عنه نمو النزعات السلفية التي عادت مع العمالة المهاجرة من الخليج. لذلك، حينما اندلعت الثورة بدت انعكاسات هذه التحولات واضحة، إذ نحت المدن إلى الاحتجاجات السلمية التي طغت عليها مطالبات بالحرية والديمقراطية، وحافظت عليها، في حين اتجهت الأرياف إلى حمل السلاح، وفي مرحلة لاحقة إلى تشكيل فصائل إسلامية بتوجهات سلفية، اعتمدت في تمويلها أيضًا على مصادر سلفية خليجية93. وبحلول عام 2011، كانت سياسات اللبرلة الاقتصادية الدافعة إلى انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي، ورفع الدعم عن السلع الأساسية، وسوء توزيع الثروة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والجفاف، واتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، والزيادة المطّردة في عدد السكان، تمضي بالتزامن مع تغيير تحالفات النظام الداخلية، وتتكامل معها في اتجاه حصول انفجار كبير.

ثًامن ا: العامل الخارجي وتغير قاعدة الدعم الاجتماعي

في حين اعتمد حافظ الأسد في بناء شرعية نظامه على الريع الاقتصادي المقدّم لقاعدة دعمه الاجتماعي، انطلاقًا من اشتراكيةٍ منقحة هدفها تحقيق حد أدنى من العدالة الاجتماعية، ومزيجٍ من أيديولوجيا قومية تناوئ سياسات الغرب وإسرائيل، وجد بشار صعوبة في تحقيق انسجام وتوافق بين دمج سورية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي من جهة، والتمسك بالهوية القومية العربية لسورية، تقوم على مواجهة إسرائيل ورفض سياسات دول الغرب التي تدعمها، من جهة أخرى. لذلك، برز التناقض واضحًا بين خطاب المقاومة الذي تبناه بشار لتعزيز شرعيته الداخلية، وسعيه للاندماج في النظام الرأسمالي العالمي. وسرعان ما اصطدم مشروع بشار الانفتاحي المتلبرل اقتصاديًا بتدهور علاقات سورية مع الغرب والولايات المتحدة، وانهيار عملية السلام. ولتعويض النقص في الاستثمارات الأجنبية المتوقعة بسبب تدهور العلاقات مع الغرب، اتجه بشار إلى تعميق الانفتاح الذي كان بدأ نحو العراق في سنوات حكم والده الأخيرة، فأعيد فتح أنبوب النفط العراقي مع سورية بعد أن ظل مغلقًا منذ عام 1982. ونتج من ذلك توتر في العلاقات مع واشنطن، حاول بشار امتصاصه عن طريق التوصل إلى تفاهم مضمر معها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001؛ إذ فتحت دمشق "كنوزها الاستخباراتية" التي تمتلكها حول الحركات والتيارات الجهادية أمام الوكالات الاستخباراتية الأميركية، وفي المقابل غضّ ت واشنطن الطرف عن تدفق النفط العراقي عبر سورية94. لكنّ هذا التفاهم الضمني السوري - الأميركي لم يدم طويلً، إذ تهاوى نظام طالبان بسرعة في أفغانستان، وأصبح العراق محور التركيز الأميركي، وبناء عليه عادت الولايات المتحدة إلى انتقاد التعاملات النفطية بين سورية والعراق.

مع الغزو الأميركي للعراق، اضطر بشار إلى استرجاع الخطاب القومي المعادي للولايات المتحدة، لتعزيز جبهته الداخلية في مواجهة احتمالات استهداف واشنطن لنظامه، بعد أن صار لها وجود عسكري كبير على حدوده الشرقية مع العراق. وإضافة إلى ذلك، أخذ بشار يدعم المقاومة العراقية للاحتلال الأميركي، كي يشغل أميركا في العراق

  1. مرزوق، ص.48
  2. 94 " Syria Stops Cooperating with U.S. Forces and C.I.A.," The New York Times , 24/5/2005, accessed on 30/11/2021, at: https://nyti.ms/3ErDpVe
  3. 93 ينظر مروان قبلان، "المعارضة المسلحة السورية: وضوح الهدف وغياب الرؤية "، سياسات عربية، العدد 2 (أيار/ مايو 2013)، ص.59-41

ويصرفها عن أي محاولة لاستهداف نظامه. لكن ثمن هذه السياسة كان فادحًا من الناحية الاقتصادية، إذ فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على دمشق، بلغت ذروتها بسن قانون محاسبة سورية في كانون الأول/ ديسمبر 2003 Accountability Syria The and Lebanese Sovereignty Restoration Act، ساهم في عزل سورية اقتصاديًا، وثبّط الاستمارات الأجنبية، وألحق أضرارًا بالغة بقطاع البنوك والاتصالات التي كانت أدوات بشار لدمج سورية في الاقتصاد العالمي. سعت واشنطن أيضًا إلى استغلال متاعب سورية في لبنان، خاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، فهيّأت الظروف لطردها من هناك. وقد أدى الخروج السوري من لبنان إلى خسائر اقتصادية كبيرة، إذ خسر بارونات النظام وضباط الجيش موردًا كبيرًا للإثراء، وخسر العمال السوريون أيضًا فرص عمل كثيرة فيه. وكانت تقارير تفيد بوجود نحو نصف مليون عامل سوري في لبنان، يمثلون ما نسبته 8 في المئة من قوة العمل السورية عشية الخروج السوري في نيسان/ أبريل 2005 95. وبالمثل، تضررت علاقات سورية بشدة مع الاتحاد الأوروبي الذي غدا، بعد انتهاء الحرب الباردة، شريك سورية التجاري الرئيس، وكان يتجه إلى توقيع اتفاقية شراكة معها حينما وقع اغتيال الحريري مطلع عام 2005 96. وهكذا، كان لانهيار العلاقة مع الغرب (أوروبا والولايات المتحدة) تداعيات سياسية واقتصادية كبرى، إذ دفع الحصار المفروض على النظام إلى تسريع خطوات اللبرلة بسبب تفاقم عجز الدولة عن القيام بأعبائها التقليدية، وتنامي حاجتها إلى إيجاد بدائل تخفف عجز الموازنة بتخفيف تكلفة الدعم؛ فتم تحرير سعر الصرف، وخفض الضرائب لتشجيع الاستثمار، وفتح معظم النشاطات الاقتصادية أمام القطاع الخاص، وتعديل القوانين لإرضائه، بما في ذلك القوانين التي تحمي حقوق العمال، بحيث صار في الإمكان تسريحهم من دون عوائق. لقد استهدفت هذه القوانين التي جاءت في جزء منها مدفوعة بضغوط اقتصادية خارجية، لجذب المستثمرين من المغتربين السوريين والعرب، وتحفيز الاقتصاد. وقد نجحت هذه السياسات بالفعل في زيادة حجم الاستثمارات الأجنبية وتنشيط ميزان التجارة الخارجية مع الصين وإيران وتركيا والدول العربية التي جرى توقيع اتفاقات للتجارة الحرة معها، بديلً من العلاقة مع الغرب. وفي عام 2005، أصبحت سورية رابع أكبر متلقٍ للاستثمارات العربية، إذ ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر من 111 مليون دولار عام 2001 إلى 1.6 مليار دولار عام 2006، وكان أكثرها تدفقات استثمارية من الخليج97. وقد أدى ذلك إلى إنعاش قطاع الأعمال والتجارة والبنوك والإسكان والعقارات والبناء. وقد استفادت سورية أيضًا خلال الفترة 2003-1998 من ارتفاع أسعار النفط، ومن تجارة النفط مع العراق، وفتح السوق العراقية أمام البضائع المصنعة والمنتجات السورية، ما مكّن النظام من بناء احتياطي عملة صعبة بلغ نحو 18 مليار دولار (ما يعادل 68 في المئة من الناتج الإجمالي القومي بأرقام عام

لكن هذه النجاحات الظاهرية المدفوعة بمحاولات النظام تفادي العزلة الدولية، والسعي إلى استقطاب الاستثمارات أدت بالنتيجة إلى إضعاف وتهميش توجهات "اقتصاد السوق الاجتماعي" والتوجه نحو لبرلة فاقعة بالمعايير السورية، تمثلت في انسحاب الدولة انسحابًا شبه كي من النشاط الاقتصادي، والتعويل على القطاع الخاص في الاضطلاع بوظائفها، ما أدى إلى تحقيق نسب نمو عالية على حساب التنمية، وتراكم الثروة، وسقوطها في سلال رجال الأعمال والفئات الأكثر ثراءً في المجتمع على حساب المساواة وعدالة التوزيع. وألقيت مسؤولية تأمين الاستثمار في البنية التحتية وقطاعات الصحة والتعليم وتأمين فرص العمل على عاتق القطاع الخاص الذي لم يستطع أن يردم الفجوة التي تركها القطاع العام، وخروج الدولة كليًا تقريبًا وتخليها عن الخدمات التي كانت توفرها للمواطنين. وقد تزامن هذا التوجه مع تهميش دور النقابات والاتحادات العمالية كليًا لصالح طبقة رجال الأعمال وأصحاب الثروات الذين شكّلوا لوبيات مالية وكارتيلات اقتصادية كبرى، سيطرت على جزء كبير من الاقتصاد الوطني (شام القابضة وسورية القابضة)، في ما وصف ب "المئة الكبار"98. وعلى الرغم من أن سورية لم تشهد عملية خصخصة كبرى ومباشرة وعلنية للقطاع العام، أي لم تشهد بمصطلحات برامج الإصلاح الاقتصادية عملية إعادة هيكلة، كما حصل في دول أخرى، انتقلت من اقتصاد مركزي موجّه إلى اقتصاد السوق (مصر مثلً)، فإنها سارت فعليًا في عملية إعادة هيكلة تلقائية وليست رسمية. فقد أحجمت

  1. Immigration and Refugee Board of Canada, Lebanon and Syria: Situation of Syrians in Lebanon; Violence against Syrians; Political Affiliation of Syrians; Naturalization of Syrians in 1994 (1994-2009) (Ottawa 17/11/2009),
  2. Raymond Hinnebusch, "Globalization and Generational Change: Syrian Foreign Policy between Regional Conflict and European Partnership,"
  3. United Nations Conference on Trade and Development , World Investment Reports 2004-2006 (New York/ Geneva: United Nations Publication, 2004-2006). 98  Samer Abboud, "The Transition Paradigm and the Case of Syria," in: Samer Abboud & Ferdinand Arslanian, Syria and The Transition Paradigm (St Andrews: Centre for Syrian Studies, 2009). 99 باروت، العقد الأخير، ص 73-70
  4. accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3h9uUVC
  5. The Review of International Affairs , vol. 3, no. 2 (December 2003), pp. 190-208.

الحكومة عن تخصيص أي مخصصات مالية لدعم القطاع العام أو تحديثه، وتركته يتلاشى في حالة خسارة دائمة وباهظة كانت تغطيها من الموازنة العامة للدولة، أو نقلت إدارة أجزاء منه إلى القطاع الخاص عبر أطروحة الفصل بين الإدارة والملكية، تولاها عمليًا رجال أعمال مرتبطون بالنظام، هرّبوا في نهاية المطاف ثرواتهم إلى الخارج بدلً من أن يعيدوا استثمارها في الصناعة الوطنية. وبدلً من إنشاء اقتصاد حقيقي، ركّز رجال الأعمال على تحويل البلد إلى مركز مال وسياحة وتجارة إقليمي، شبيه بلبنان، واتجهت بناء على ذلك أغلب الاستثمارات إلى هذه القطاعات، ولم يكن المال الخليجي الذي أخذ يتدفق خلال هذه الفترة على سورية معنيًا بأي قطاعات إنتاجية طويلة المدى، بل كان يبحث عن مردود استثماري سريع، فتجنّب قطاعات الصناعة والإنتاج، في حين جرى استثمار ما يقرب من 20 مليار دولار في قطاع الفنادق والإسكان الفاخر. وتركزت 13 في المئة فقط من الاستثمارات بعد عام 2000 في الصناعة99. وقد حال انعدام الثقة باستقلالية القضاء وغياب سيادة القانون دون استقطاب استثمارات إنتاجية بعيدة المدى في الصناعة والزراعة، حيث ظل ترتيب سورية متدنيًا في هذه القطاعات الإنتاجية على سلم الوجهات الاستثمارية الجذابة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا100. وأسهم تدفق البضائع الرخيصة من الصين وتركيا نتيجة تحرير التجارة، الذي كان كما ذكرنا في جزء منه مدفوعًا بأهداف غير تجارية من قبيل تعزيز التحالفات السياسية ومقاومة الضغوط الأميركية والغربية بدلً من أن يكون غرضه تحقيق منافع اقتصادية متبادلة، في خروج عدد كبير من أصحاب المشاريع والمصانع الصغيرة من السوق. وساهم تخفيض الرسوم الجمركية وتقليص سياسات حماية الصناعة الوطنية في تدميرها، وتحويل الاستثمار من الصناعة إلى التجارة. وقد سمحت هذه السياسات بإثراء رجال الأعمال المحيطين بالنظام الذين تحوّل العديد منهم إلى وكلاء لشركات ومؤسسات عالمية، في حين أنها فشلت في تعويض فرص العمل التي ضاعت بسبب تقليص حجم القطاع العام والتحول عن الصناعة. وقد بلغت البطالة بحلول عام 2010 بحسب الإحصاءات الرسمية نحو 11.4 في المئة، في حين رفعتها تقارير أخرى إلى أكثر من ذلك بكثير101. وكانت النتيجة إعادة هيكلة قاعدة الدعم الاجتماعي للنظام التي صارت طبقة رجال الأعمال والأثرياء الجدد والبرجوازية المدينية تقع في قلبها. وكان هذا التحالف هو الذي موّل حملة الأسد الإعلانية لإعادة انتخابه عام 2007. وفي حين تلاشى رأس مال المنتج المتوسط والصغير، ضعفت أيضًا سياسات الرفاه الاجتماعي، ولجأت الحكومة إلى تخفيض الدعم عن السلع الأساسية؛ لتعويض النقص الحاصل من تخفيض الضرائب، وازداد الفساد الذي تحوّل إلى منظومة تورطت فيها قيادات الأجهزة الأمنية، فدخلت في شراكات مع الطبقة البرجوازية الجديدة التي نشأت من رحم عملية التحول إلى اقتصاد السوق، لينشأ ما يسميه عزمي بشارة "الإقطاع الأمني - البيروقراطي" المتحالف مع طبقة رجال الأعمال الجدد102. وعلى الرغم من أن بشار حاول أن يتدارك شرعية نظامه المتآكلة بسبب هذه السياسات من خلال "تسليع" سياسته الخارجية، والعودة إلى الشعارات المتصلة بمواجهة إسرائيل، ودعم انتفاضة الأقصى التي انطلقت في أيلول/ سبتمبر 2000، وتحفّظه على مبادرة السلام العربية التي طرحها ولي العهد السعودي آنذاك في مؤتمر قمة بيروت العربية عام 2002، ورفع شعار المقاومة للفوضى الأميركية في المنطقة ولاحتلال العراق، وإنشاء نوع من التحالف مع القوى الإسلامية التي دعمت المقاومة العراقية، بما في ذلك إصدار فتوى من المفتي العام، الشيخ أحمد كفتارو، بإعلان الجهاد ضد الأميركيين103، وهو أمر غير مألوف لنظام علماني، ودعم حزب الله في الحرب مع إسرائيل عام 2006، فإن تأثير هذه الاستراتيجية ظل ضعيفًا ومحدودًا بين الفئات الشابة التي لم تعاصر الصراع مع إسرائيل، وفقدت السلطةُ القدرةَ على الوصول إليها نتيجة انتشار الفضائيات والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي باتت مصدرًا للمعلومة والثقافة بدلً من وسائل الإعلام الرسمية، وحيث وُلد أكثر هؤلاء خلال عقد التسعينيات وفترة المفاوضات، وليس الحرب مع إسرائيل. ومن جهة أخرى، بدا الخطاب الذي حاول النظام استخدامه للحفاظ على حد أدنى من شرعية المقاومة فاقدًا للصدقية، على الرغم من أنه كان حقيقيًا أكثر من الخطاب الذي ساد في حقبة حافظ الأسد الذي لم يكن يؤمن بالعمل المقاوم خارج إطار مصالح نظامه، بل عمل لمنعه حيث استطاع. ويعود السبب في ذلك إلى أن خطاب المقاومة الذي ساد في عهد بشار لم يكن يؤيده في الواقع تعاظم مظاهر الحياة الاستهلاكية والبذخ غير المسبوق، وأخذ يظهر على نخب الحكم وحلقات رجال الأعمال المرتبطة به. لقد أفسد اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء صدقية خطاب المقاومة الذي تبنّاه النظام، وبدا كأن هناك اقتسامًا للعمل؛ إذ يوجه خطاب المقاومة والصمود إلى الفئات الفقيرة، في

  1. Hinnebusch, "Syria," p. 1001.
  2. منذر حلوم، "الأساس الاقتصادي للأزمة السورية"، في عي [وآخرون]، ص 87-83؛ العقد الأخير، ص باروت،.57
  3. مرزوق، ص العقد الأخير 53، ص؛ باروت،.108-107
  4. بشارة، ص.307
  5. مفتي سورية يدعو لتنفيذ عمليات استشهادية ضد الغزاة"، 104 الجزيرة نت، 2003/3/27، شوهد في 2021/11/30، في https://bit.ly/2U258Jx:

حين تتمتع نخب النظام والرأسمالية الطفيلية التي نمت حوله بعوائد السياسات الليبرالية التي جرى تبنّيها. وبناء عليه، لم يكن هناك أي انسجام بين خطاب المقاومة والنهج الاستهلاكي والسياسات الليبرالية التي اتّبعها النظام وأدت إلى إفقار الفقراء الذين بدا خطاب المقاومة كأنه مخصص لهم. ومع ذلك، كان المشهد خادعًا على نحو بعيد أواخر عام 2010؛ فقد بدا النظام في وضع مستقر، إذ نجا من الغزو الأميركي للعراق، ومن تأييده المقاومة ضده، ومن الضغوط التي رافقت اغتيال الحريري وتلته، وبدا عائد استثماره مرتفعًا من دعم المقاومة ضد إسرائيل في حربي 2006 في لبنان و 2009 في غزة، حيث استفاد منها في وقف تآكل شرعيته، وإعادة تعويم نفسه دوليًا، فجرى استقبال بشار الأسد في باريس خلال الاحتفالات بيوم الباستيل في تموز/ يوليو 2008، واستؤنفت مفاوضات السلام غير المباشرة مع إسرائيل بوساطة تركية في العام نفسه، في حين تقاطر إلى دمشق خصوم النظام من الملك السعودي إلى الرئيس الفرنسي. أما داخليًا، فقد تمكّن بشار الأسد من تهميش الحرس القديم والمعارضة المنقسمة، وتعزيز قبضته الأمنية، وبدأ يستعد لقطف بعض ثمار الانفتاح الاقتصادي الهادف إلى استجلاب الاستثمارات الخارجية، لتعويض النقص في عائدات النفط المتراجعة. لكن ذلك كله كان يُخفي وراءه إخفاقًا داخليًا شديدًا.

تاسعًا: فشل سياسات الاحتواء والانزلاق نحو الفوضى

في حين كان النظام يفكك قواعده القديمة ويحاول إنشاء أخرى مكانها، كانت تجري بالتوازي محاولات استيعاب النخب الفكرية والثقافية وإدماجها في النظام عبر عدة مؤسسات، كان من أبرزها "الأمانة العامة السورية للتنمية" التي كانت ترأسها عقيلة الرئيس، أسماء الأسد، وشملت نشاطاتها قطاعات مختلفة بفضل تلقيها أموالً كبيرة من المانحين. وكانت الطفرة في مجال التعليم (الخاص والموازي والمفتوح) قد سمحت باستقطاب عدد كبير من أساتذة الجامعات الذين تحسنت حياتهم المعيشية على نحو ملحوظ، وكذلك حصل تحسن ملموس في رواتب القضاة. وشهد الإعلام الخاص توسعًا كبيرًا أيضًا، فمُنحت تراخيص لأكثر من 192 مطبوعة و 13 إذاعة تجارية ومحطتي تلفاز، اختص بأكثرها رجال الأعمال، واستوعبت هذه الوسائل عددًا كبيرًا من الإعلاميين والمثقفين الذين تحسّنت أحوالهم المعيشية على نحو واضح كذلك104. وباعتبارها أدوات أساسية في عملية اللبرلة الاقتصادية، وأحد موارد الدخل الكبرى للنظام، ووسيلة للحشد والتعبئة وإنتاج الشرعية أيضًا، فقد شجّع النظام انتشار الإنترنت والهواتف النقالة. لكن سياسات التضييق على تشكيل الجمعيات الأهلية، أو ما يطلق عليه اسم المنظمات غير الحكومية أو جمعيات المجتمع المدني، استمرت في التشدد، ولم يطرأ أي تعديل على قوانين تحديثها. إلا أن هذه الأدوات، وفي مقدمتها أدوات الولوج إلى الفضاء المفتوح، سمحت، في المقابل، برفع مستوى الوعي بالحقوق والحريات العامة، وكشف مواطن الفساد، وإبراز التوتر الطبقي، والحشد الاجتماعي المعارض، والتغلب على الرقابة التقليدية، كما اتضح في بدايات الثورة. وفي محاولة منه لتهميش تيارات الإسلام السياسي والمعارضة العلمانية، أخذ النظام، منذ أيام حافظ الأسد والصراع مع الإخوان المسلمين 1982-1979()، يدعم نسخة صوفية من الإسلام؛ فبرز الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام للجمهورية 2004-1964()، وشجعه النظام على نشر طريقته الصوفية النقشبندية، وسمح له بتوسيع دور مجمع "أبي النور الإسلامي" الذي كان يديره في دمشق، ليتحول إلى أحد المراكز الإقليمية للتعليم الإسلامي. ومُنح الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أيضًا منبرًا في وسائل الإعلام المحلية، حاول جسر الهوة بين النظام والمجتمع السني المحافظ، خاصة في المدن الكبرى. واستمر بشار في تبنّي الاستراتيجية نفسها لمواجهة تيارات الإسلام السياسي والمعارضة العلمانية، فعزز نفوذ بعض المعاهد الإسلامية، مثل "معهد الفتح الإسلامي"، بإدارة الشيخ حسام الدين فرفور، وكذا بعض الجمعيات الخيرية، والجماعات الدينية، مثل جماعة زيد105. وسمح للقبيسيات، وهي جماعة دعوية تختص بالعمل في الوسط النسوي، بممارسة نشاطهن، فزاد نفوذهن على نحو بعيد بين نساء الطبقات الميسورة، في المجتمع الدمشقي خصوصًا106، وسمح النظام بالعمل لهذا التيار الذي يركز على الدعوة وحشد الناس حول قضايا غير سياسية، مثل معارضة إصلاح قانون الأسرة والأحوال الشخصية، وانتقاد بعض المسلسلات التي لم ير النظام فيها تهديدًا لسطوته107. استفاد النظام أيضًا من واقع أن معظم العلماء المتحدرين من طبقات مرتبطة بالسوق والتجارة يعارضون التوجهات الاشتراكية وتدخّل الدولة في الاقتصاد، ويميلون إلى دعم القطاع الخاص لإضفاء الشرعية

  1. باروت، العقد الأخير، ص.146-145
  2. ينظر: ليلى الرفاعي، "النظام السوري حبى مجمع الفتح الإسلامي بالنفوذ، لكن بأي ثمن"، مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط، 2019/12/2، شوهد في 2021/11/30، في: https://bit.ly/3wXhZuI
  3. جماعة القبيسيات: النشأة والتكوين"، دراسة، وحدة الدراسات الدينية، جسور للدراسات، 2017/12/19، شوهد في 2021/11/30، في: https://bit.ly/3z7NT9X
  4. في عام 2010، دار جدل كبير بين البوطي ونجدت أنزور، مخرج مسلسل "ما ملكت أيمانكم"؛ إذ قدم فيه رجال الدين تقديمًا غير إيجابي.

على التوجهات الليبرالية الجديدة. وإضافة إلى ذلك، وجد نظام بشار في طبقة رجال الدين مصدر دخلٍ مالي مهم، وبابًا للمساعدة في جسر فجوة الفقر في المجتمع، إذ سمح لهم بإدارة المؤسسات المالية الإسلامية والجمعيات الخيرية التي كانت تستجر الأموال والتبرعات من دول الخليج، وتوسع كثيرًا في إنشاء المدارس الشرعية الداخلية في مراكز المناطق الإدارية، وكانت تعد طفرة قياسًا إلى اكتفاء والده بإنشاء معاهد لتحفيظ القرآن. وبحلول نهاية عام 2010، كان واضحًا مدى عمق التحالف الذي أنشأه بشار الأسد مع النخب التجارية والدينية الحلبية خصوصًا، وهي التي سبق أن عارضت نظام والده، وتجلّت في تعيين مفتي حلب، أحمد بدر الدين حسون، مفتيًا عامًا للجمهورية، خلفًا لأحمد كفتارو الذي توفي عام 2004، وكانت هذه المرة الأولى التي يخرج فيها منصب الإفتاء من شيوخ دمشق. وقد دعم شيوخ حلب سياسة الانفتاح الذي بدأه النظام على تركيا منذ عام 2004، واستفادوا منها أيضًا. لكن النظام رفض أن يذهب أبعد من ذلك في احتواء القوى الإسلامية، فتجاهل مقترحًا تركيًا بالسماح للإخوان المسلمين بتأسيس حزب يسمح لهم بالعمل السياسي. وحاول بدلً من ذلك الاستفادة من الانقسامات والخصومات الشخصية داخل الفضاء الإسلامي، بين دمشق وحلب مثلً، واستثمر في التنافس بين القوى الإسلامية، وفي وضع بعضها في مواجهة بعض: الصوفيون في مواجهة السلفيين، والمحافظون في مواجهة الإصلاحيين، وقرب بعضهم وأبعد آخرين. وفي ظل تآكل صدقية رجال الدين المعروفين بارتباطاتهم الأمنية مثلً، حاول النظام استقطاب أكثر رجال الدين استقلالية، وتقريبهم للحصول على دعمهم في بعض سياساته، كما حصل مثلً مع الشيخ أسامة الرفاعي، رئيس جماعة زيد، الذي خصه بشار الأسد بلقاءات شخصية عدة108. ومع انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي، واتساع التعليم الديني، ازداد نفوذ الجمعيات الخيرية الإسلامية التي أخذت تحل محل الدولة في توفير شبكة أمان اجتماعي للفقراء والمحتاجين. وفي حين جفت موارد الشبكات الزبائنية التابعة للنظام، ازدادت موارد شبكات الدعم الإسلامية وتعاظمت. إضافة إلى ذلك، لم تجد كل محاولات احتواء النزعات السلفية التي أخذت تنتشر بقوة، خصوصًا بين العمالة السورية العائدة من دول الخليج. وحينما أدرك النظام خطورة الوضع، وحاول أن يستعيد السيطرة كان الوقت قد تأخر. حاول النظام أيضًا الاستفادة من الانقسام الريفي - المديني الذي أدى دورًا بارزًا في تاريخ سورية المعاصر، في احتواء الوضع الذي نضج في اتجاه الانفجار. فخلال الشهور الأولى للاحتجاجات، برز الانقسام واضحًا بين المدن الكبرى التي استفادت، إلى حد ما، من سياسات النظام، وغلبت عليها نزعات التصوف والليبرالية، وتحكم في سلوكها الخوف من الفوضى والتشدد الديني، من جهة، والأرياف التي تضررت بشدة من سياسات النظام، وسيطرت عليها نزعات سلفية والانحياز إلى السياسات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، من جهة أخرى109. وكانت مشاعر الخوف من الثورة منتشرة، خصوصًا بين التجار والطبقة البرجوازية في دمشق وحلب التي استفادت من السياسات الاقتصادية والتشريعات التي أدخلها النظام، وكانت تتوجس من انتفاضة أشد الفئات الريفية فقرًا. أما طبقة العلماء المدينيين الذين غلبت عليهم النزعة الصوفية، فقد كان يقابلهم على الطرف الآخر رجال دين غلبت عليهم النزعة الثورية والميول السلفية في المناطق الريفية. عمد النظام إلى استخدام كل وسيلة ممكنة؛ لاحتواء الحركة الاحتجاجية عند انطلاقتها، فحاول تغذية مخاوف النخب الدينية والتجارية المدينية من الفوضى والانزلاق إلى صراع أهي، كما حصل في العراق بعد الغزو الأم كيرر، ولعب على وتر التدخّل الأجنبي والمؤامرات الخارجية. لكن كل هذه المحاولات لم تُجدِ نفعًا ولا سيمّا مع تصاعد وتيرة العنف الذي استخدمه النظام. فانقسم علماء المدن الذين كان معظمهم يعي قيمة الاستقرار في مواقفهم من النظام، فوقف بعضهم، مثل الشيخ البوطي، مؤيدًا للنظام، محذّرًا من "الفتنة"، وكذا فعل المفتي حسون، في حين حاول آخرون، مثل محمد حبش، التوسط بين النظام والمعارضة، قبل أن يحزم أمره وينتقل إلى المعارضة، والشيخ أسامة الرفاعي الذي انتقد في بداية الاحتجاجات سلوك رجال الأمن، لكنه عارض في المقابل المقاومة المسلحة، واضطر

  1. ينظر: الرفاعي.
  2. ففي درعا، التي تضررت كثيرًا بسبب فقدان عشرات الآلاف من فرص العمل في إثر خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005، وموجة العداء للسوريين بعد اغتيال الحريري، وبسبب الفساد وموجات الجفاف ومنع الفلاحين من حفر الآبار لري محاصيلهم التي أنهكها الجفاف، سارع النظام إلى استخدام العنف، وهذا أدى إلى الانتفاضة. وحينما اندلعت الثورة، لم يكن قد تبقى لدى النظام أي أداة ليستخدمها لتأكيد سيطرته على المجتمع إلا العنف، وساد شعار "إذا لم ينجح العنف فاستخدم مزيدًا منه." أما في بانياس، فقد بدأت التظاهرات ضد حظر النقاب في المدارس، وفي اللاذقية ضد المافيات العلوية (الشبيحة) التي عاثت فسادًا، وكان القاسم المشترك بين هذه الانتفاضات هو الإهمال والتهميش اللذين استهدفا المواطنين ممن يقطنون خارج عواصم المحافظات والمدن الكبيرة، ثم انتقلت الاحتجاجات إلى حماة ودير الزور، وكانت أعنف الاحتجاجات وأشدها في حمص المختلطة، حيث أدى العامل الطائفي دورًا مهمً. وأدت وسائل الاعلام الجديدة والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمً، فقد أخذ أبناء الجيل الجديد من الهاربين والمنفيين من السوريين في الخارج دورًا مهمً في تأجيج الاحتجاج، ولا سيما في أيام الجُمع، وقاد الأئمة في بعض الأحيان الاحتجاجات. وكانت الغالبية العظمى من المحتجين من اليافعين العاطلين عن العمل، المهمشين الذين لم يكن لديهم ما يخسرونه، ولم يكن أغلبهم معروفًا لدى الأجهزة الأمنية؛ لذلك كانت تجري عملية تعويض سريعة لقادة الاحتجاج من جيل الشباب الذي كان يُقتل أو يُعتقل من قوات الأمن (في تطابق مع الانتفاضة الفلسطينية.)

أخيرًا إلى مغادرة البلاد بعد أن تعرّض للضرب على أيدي "شبيحة" النظام، وتحوّل موقفه إلى المعارضة110. حاول النظام استبقاء من وقف من هؤلاء إلى جانبه من خلال تقديم بعض التنازلات، مثل إنشاء محطة تلفزة دينية (النور)، وافتتاح كلية جديدة للدراسات الإسلامية، وإلغاء قرار منع النقاب في المدارس، لكنه فشل في الحصول على نتائج مماثلة في الضواحي والأرياف، حيث كان العلماء أكثر راديكالية، فحضّ وا الناس على الخروج والاحتجاج في مناطق كإدلب وحمص، وقادوا التظاهرات في درعا وبانياس. أما في التعامل مع الجمهور، فقد راوحت استراتيجيات النظام بين استخدام أقصى درجات العنف، وتقديم بعض الإغراءات مثل زيادة الرواتب. وقُدمت امتيازات لزعماء العشائر وأعيان الأحياء لاستقطابهم. وسعى النظام إلى استمالة الأكراد، مستفيدًا من الروابط التاريخية التي تربطه بأكراد العراق، وحزب العمال الكردستاني، على الرغم من أن هذا الأمر تسبب في تغيير موقف تركيا نحو معاداة النظام. لكن في كل الأحوال، رفض النظام تقديم أي تنازل سياسي جدّي، وأي توجه جدّي نحو الديمقراطية، فعلى الرغم من إلغاء قانون الطوارئ، استمرت قوات الأمن في استخدام العنف من دون محاسبة. ورفض النظام الاعتراف بالمعارضة قوةً سياسية، بل استمر في إصلاحات أحادية مفروضة من الأعلى، مثل تعديل الدستور عام.2012 وبعد أسابيع من النقاش حول أفضل السبل للتعامل مع الاحتجاجات، انتصر الجناح المتشدد في النظام الذي طالب باستخدام مزيد من القوة إذا لم تنفع القوة، مستلهمً تجربة حماة 1982 مثالً، وكان الهدف الرئيس منع سقوط مناطق حدودية بيد المعارضة، بحيث تعدّ منطلقًا لتدخّل خارجي، كما حصل في ليبيا. لكن المقارنة بحماة لم تكن في مكانها، ذلك أن انتشار الهواتف النقالة وكاميرات الديجيتال والإنترنت والبث الفضائي جعل إخفاء استخدام العنف المفرط ضد المدنيين العزّل أمرًا غير ممكن، وهذا ما أفقد النظام بقايا شرعية احتفظ بها، ودفع كثيرين إلى الانفضاض من حوله، وتعالت دعوات إطاحته. ومع اتضاح عجز النظام عن السيطرة على الوضع، وتنامي التوقعات بقرب انهياره، بدأ القفز من سفينة النظام يتزايد، بما في ذلك أوساط المستفيدين الذين لم يستطيعوا تبرير عنفه ضد المدنيين. ومع تنامي الانشقاقات الفردية في صفوف الجيش، ازداد اعتماد النظام على طائفته التي انتظم الجزء الأكبر منها في ميليشيات للدفاع عنه (الشبيحة.) واضطر النظام إلى استدعاء المتقاعدين والضباط السابقين لتعويض النقص في العنصر البشري الذي تنامى مع تفاقم ظاهرة الانشقاق في أوساط الضباط والمجندين السنّة. وبحلول تموز/ يوليو 2011، أخذ النظام يزج الجيش في المواجهة، وبدأ يلجأ إلى السلاح الثقيل، فنشر دباباته في حماة وحمص ودير الزور، في حين ركّزت قوات الأمن على تصفية الناشطين، وهو ما أدى إلى خفض حجم الاحتجاجات وانتشارها. لكن النظام لم يكن قادرًا على الاحتفاظ بالمناطق التي كان يدخلها لقمع الاحتجاجات بعد الانسحاب منها؛ بسبب انهيار شرعيته وتغيّ النظرة إليه باعتباره قوة غاشمة. وقد أدى توريط الجيش في قمع الاحتجاجات إلى ربط مصيره بمصير النظام، وتغيّ نظرة المجتمع إليه، فقبل الثورة كانت النظرة إلى الجيش تخلو من السلبية إلى حد ما، بخلاف الأجهزة الأمنية التي كانت ترمز إلى العنف والقسوة والقهر. وقد بدأت خلال هذه المرحلة عمليات استهداف الجيش وقوى الأمن، بعد أن بدأ بعض الضباط المنشقين في تنظيم أنفسهم للرد على عنف النظام. ومع تدفق السلاح والمال من الخارج، بدأت تظهر ملامح حرب داخلية، مع ميل قاعدة المعارضة إلى التشدد بسبب بطش النظام، وتغذيته للنزعات الطائفية. ومع تلاشي حظوظ إسقاط النظام أو دفعه إلى تقديم تنازلات، بدأت ترتفع أصوات في المعارضة تطالب بتدخّل خارجي، في حين أخذ النظام يستعين بحلفائه الذين أمدّوه بالمال والسلاح والعنصر البشري. وبدأ الصراع يتحول إلى حرب وكالة إقليمية ودولية، أبرز الفاعلين فيها إيران وتركيا ودول الخليج العربية (السعودية وقطر والإمارات) وإسرائيل، وعلى المستوى الدولي روسيا والولايات المتحدة. وقد انخرط أيضًا في الصراع فواعل من غير الدولة، أبرزهم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي استقطب مقاتلين من مختلف أنحاء العالم. وقد قدّر وجود نحو 80 جنسية تقاتل في سورية عام 2014، موزعة بين النظام والمعارضة وتنظيم الدولة ووحدات حماية الشعب الكردية111. وقد أذنت هذه التطورات بنهاية حقبة الدولة التي بناها حزب البعث، وفقدانها السيطرة على أجزاء واسعة من الأرض والسكان. وعلى الرغم من كل المحاولات التي بذلها النظام بدعم من حلفائه لاستعادتها، فإنه لم يتمكن قط من ذلك، أو إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل آذار/ مارس 2011، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ سورية عنوانها العام هو الفوضى والانهيار.

خاتمة

تناولت هذه الدراسة المراحل الأخيرة من عمر الدولة السورية، وحاولت الوقوف على العوامل التي أدت إلى وصولها إلى حافة

  1. Thomas Pierret, "The Syrian Baath Party and Sunni Islam: Conflicts and Connivance," Middle East Brief , no. 77 (February 2014), pp. 5-6.
  2. النسور 80: عمون جنسية تقاتل في سوريا"،، 2014/10/27، شوهد في 2021/11/30، فh يttps://bit.ly/3Eua7oW:

الفشل والانهيار بعد مئة عام من نشأتها. وخلصت إلى أن نظام البعث استمد شرعيته الداخلية عقودًا عدة أساسًا من مفهوم العدالة الاجتماعية وشرعية الإنجاز، حيث كانت الدولة تضطلع بمسؤولية توفير الخدمات الأساسية (صحة، وتعليم، وسلع غذائية، وطاقة) مجانًا أو لقاء رسوم رمزية للفئات المحدودة الدخل التي كانت قاعدة دعمه الاجتماعي الرئيسة، ومن نجاحه في تحقيق حالة من الاستقرار الداخي بعد عقود من فوضى الانقلابات الممولة من الخارج، واستناده إلى القومية العربية ومقاومة السياسات الغربية بوصفها أيديولوجيا ونهجًا في سياسته الخارجية. لكن هذه الشرعية أخذت تتآكل بعد انتهاء الحرب الباردة، وخصوصًا مع وصول بشار الأسد إلى السلطة مطلع الألفية الجديدة؛ وذلك نتيجة تراجع دور الدولة وتخلّيها عن أداء وظائفها الاقتصادية - الخدمية نحو الفئات التي ادّعت تمثيلها، وتلاشي أهمية وظيفتها (السياسية - التثقيفية) نتيجة إفلاسها أيديولوجيًا، مع بروز منافسة لها من التيارات الإسلامية التي استفادت بشدة من تراجع المشروع القومي العربي والأيديولوجيا القومية بعد حرب 1967، وازدياد قدرتها على التحدي مع خروج النظام من خانة المقاومة، واختياره نهج التفاوض مع إسرائيل خلال التسعينيات تحديدًا، على أمل أن تؤدي عملية السلام إلى تعويض النقص في الحيز الأيديولوجي بنتائج اقتصادية. وجاء التحدي للنظام أيضًا من النزعات الليبرالية التي تعاظم تأثيرها بانتشار نمط حياة استهلاكي أدخله النظام بسياسات الانفتاح التي تبناها (السماح باستيراد السيارات الحديثة وإدخال الإنترنت والهواتف النقالة وإنشاء البنوك الخاصة والمجمعات التجارية... إلخ.) لقد أدت هذه السياسات إلى تضاؤل هيمنة الدولة الاقتصادية باعتبارها المشغل الأكبر للمجتمع، وضعف دورها الأبوي للفئات الفقيرة وتلاشي هيمنتها الفكرية والثقافية بفقدانها السيطرة على تدفق المعلومات، وبروز نوع جديد من التفاعل الشبكي الأفقي داخل المجتمع بدلً من التفاعل الرأسي Top-down بين السلطة والمجتمع. وأسهم كل ذلك في إضعاف دور الدولة الاقتصادي – الاجتماعي - التثقيفي وزيادة اعتمادها على ذراعها الأمنية، وعانت بدورها الفساد، في القمع والسيطرة على مجتمع قايض الحرية بالخبز، ثم صار يفتقد كليهما112. لقد فشل النظام أيضًا في مواكبة هذه التغيرات الاقتصادية وما نجم عنها من تحولات اجتماعية بخطوات سياسية. ففي مقابل إضعاف سيطرة حزب البعث والحد من تغلغله في المجتمع، فشل النظام في إنشاء تنظيم سياسي بديل، يعكس سياساته الاقتصادية الجديدة، ما ترك الساحة فارغة أمام أيديولوجيات منافسة. لقد كان تلقائيًا أن تؤدي السياسات التحريرية الاقتصادية السريعة الجديدة للنظام المدفوعة بتناقص موارده المالية وتزايد أعباء الدعم، ومحاولات جذب الاستثمارات الخارجية، ودفع القطاع الخاص إلى تحمّل مزيد من المسؤوليات، إضافة إلى الضغوط الخارجية، وابتعاده عن قاعدة دعمه الأساسية، وإعادة بناء تحالفاته الاجتماعية، أخذًا في الاعتبار التحولات التي طرأت في بنية النظام نفسه أيضًا؛ إذ تحوّل الجيلان الثاني والثالث من أبناء النخبة الريفية الفلاحية التي حكمت سورية منذ عام 1963 إلى طبقة مدينية برجوازية، نشأت في المدن الكبرى (خصوصًا دمشق)، واعتادت نمط حياة مدينية ينتمي إلى بيئة الشرائح الاجتماعية العليا، وورثت السلطة بدلً من أن تقاتل من أجلها، ما أفقدها صلاتها بالطبقة الاجتماعية التي انحدرت منها، والتي انتقلت بدورها لتصبح القاعدة الاجتماعية للثورة نتيجة تهميشها خلال العقد الأول من حكم بشار والضرر البالغ الذي ألحقته بها سياسات اللبرلة التي اعتمدها. وعلى الرغم من أن المثقفين المنحدرين من الطبقات الوسطى المدينية أدوا دورًا مهمً في إشعال الاحتجاجات، فإن العبء الأكبر وقع على أبناء المناطق الطرفية في إبقاء جذوتها مشتعلة، قبل أن يتحولوا إلى مقاتلين حينما انتقلت الاحتجاجات إلى طور الصراع المسلح. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن الجماعات المتضررة من سياسات الدولة لم تمارس معارضتها من داخل النظام السياسي القائم system the within From، بحيث تسمح ضغوطها بإصلاحه على نمط المعارضة الموجودة في النظم الديمقراطية، لأن السلطة لم تكن تسمح أصلً بظهور معارضة ذات صدقية تمارس العمل من داخل النظام القائم بوسائل ديمقراطية سلمية، وقد أدى هذا الأمر إلى ظهور معارضة (حركات اجتماعية وسياسية) لديها تصور مختلف للدولة التي يسيطر عليها النظام الحاكم تسعى إلى تفكيكها، وإنشاء دولة أخرى مختلفة مكانها، وهذا يعني عمليًا نزع شرعية النظام الحاكم، وشرعية الدولة التي يحكمها نتيجة تماهيه معها، ويتطلب ذلك كسر احتكار النظام/ الدولة لوسائل العنف، والموارد الاقتصادية، والإطار الأيديولوجي/ السياسي، والعمل لتقديم نموذج بديل، وهو ما حاولته المعارضة حينما سنحت الفرصة لفعل ذلك. لكن النظام لم ينهر نتيجة دعم حلفائه الخارجيين، والمعارضة لم تتمكن من تقديم بديل قادر على بناء دولة جديدة، فدخلت البلاد في حالة صراع ممتد؛ القديم فيه لا يموت، والجديد لا يولد. وقد أدى هذا الاستعصاء إلى تهديد وحدة البلاد الترابية ونسيجها الاجتماعي وحلل هويتها الوطنية. واضح أن سورية بالشكل القديم الذي حكمها حزب البعث، بمرحلتيه الحزبية والعائلية، أصبحت غير قابلة للاستمرار، وأن مقدار الضرر الذي لحق بالدولة والمجتمع بسبب سياساته يجعل العودة إلى

  1. Alan George, Syria: Neither Bread nor Freedom (London/ New York: Zed Books, 2003).

الوضع الذي كان سائدًا قبل آذار/ مارس 2011 غير ممكنة. وتحتاج سورية، إذا أرادت البقاء كيانًا ترابيًا موحدًا بالشكل الذي ظهرت عليه بعد عام 1920، إلى إعادة بناء على أسس جديدة تمكّن الدولة من استعادة شرعيتها والنهوض بوظائفها الأساسية، بدءًا باحتكار استخدام العنف لفرض الأمن والنظام العام في إقليمها، ومنع قيام أي سلطة موازية لها، وصولً إلى استعادة سيادتها، وإخراج القوى الأجنبية من أراضيها، وإعادة بناء اقتصادها على أسس أكثر عدالة، وتحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وإنتاج عقد اجتماعي جديد ينظم علاقة الدولة بالمجتمع على أسس ديمقراطية، ويسهم في إعادة بناء هويتها الوطنية. وبخلاف ذلك، لن تتمكن سورية من الاستمرار بوصفها دولة موحدة، بل ستتجزأ إلى مناطق نفوذ متنافرة، تعتمد في بقائها واستمرارها على الدعم الخارجي.

المراجع

العربية

الأمم المتحدة، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسیا (الإسكوا.) سوريا: بعد ثماني سنوات من الحرب. بيروت: مطبوعات الإسكوا، 2020:. في https://bit.ly/3giR467 باروت، محمد جمال. حركة القوميين العرب: النشأة – التطور - المصائر. دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية،.1997 ________ (محرر.) الأحزاب والحركات والتنظيمات القومية في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2012 _________. العقد الأخ رر في تاريخ سورية: جدليّة الجمود والإصلاح. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 باروت، محمد جمال [وآخرون.] التقرير الوطني الاستشرافي الأساسي الأول لمشروع سورية 2025، محور الاقتصاد والإنتاجية: مسح المسارات الاقتصادية الكلية وتحليل اتجاهاتها الأساسية في سورية (:) المسارات المستقبلية 2005-1970. دمشق: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ هيئة التخطيط والتعاون الدولي،.2007 بشارة، عزمي. سورية: درب الآلام نحو الحرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 بطاطو، حنا. فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم. ترجمة عبد الله فاضل ورائد النقشبندي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 "جماعة القبيسيات: النشأة والتكوين." دراسة. وحدة الدراسات الدينية. جسور للدراسات. 2017/12/19. في: https://bit.ly/3z7NT9X الدسوقي، أيمن. "شبكة اقتصاد الفرقة الرابعة خلال الصراع السوري." تقرير مشروع بحثي. مسارات الشرق الأوسط. مركز روبرت شومان للدراسات العليا بالجامعة الأوروبية. 2020/1/13. في: https://bit.ly/2WfgcSw ديب، كمال. تاريخ سورية المعاصر: من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011. بيروت: دار النهار،.2011 الرفاعي، ليلى. "النظام السوري حبى مجمع الفتح الإسلامي بالنفوذ، لكن بأي ثمن." مركز مالكوم كير - كارنيغي للشرق الأوسط. 2019/12/2 في https://bit.ly/3wXhZuI:.

الزغير، خلود. سورية الدولة والهوية: قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري 1963-1946(). الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 سعيفان، سمير. "بين الدردري والرداوي... وصياغة السياسات الاقتصادية في سورية." مركز حرمون للدراسات المعاصرة. 2020/6/17 في https://bit.ly/3jycfBD:. خلفيات الثورة: دراسات سورية. الدوحة عي، آزاد أحمد [وآخرون.] / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 قبلان، مروان. " المعارضة المسلحة السورية: وضوح الهدف وغياب سياسات عربية. العدد الرؤية." 2 (أيار/ مايو.)2013 ________. "صعود تنظيم الدولة وتحولّات النظام الإقليمي في سياسات عربية. العدد المشرق العربي." 12 (كانون الثاني/ يناير.)2015 متري، طارق، وساري حنفي (محرران.) الدولة العربية القوية والضعيفة: المآلات بعد الانتفاضات العربية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2019 المصطفى، محسن. "مراكز القوة في جيش النظام 2020: 'نهج الصفاء العلوي."' ورقة تحليلية. مركز عمران للدراسات الاستراتيجية. 2020/3/13 في https://bit.ly/3pQIQ9t:.، عبد الله. "ظاهرة الانشقاق: تصورات حول الأدوار والمآلات النجار." مركز حرمون للدراسات المعاصرة. 2021/6/2. في: https://bit.ly/3gibHAC نصر، ربيع وزكي محشي وخالد أبو إسماعيل. "الأزمة السورية: الجذور والآثار الاقتصادية والاجتماعية." تقرير. المركز السوري لبحوث السياسات (كانون الثاني/ يناير:2013.) في https://bit.ly/2Tpvy8f

الأجنبية

Abboud, Samer & Ferdinand Arslanian. Syria and The Transition Paradigm. St Andrews: Centre for Syrian Studies, 2009. Balanche, Fabrice. "The Assad Regime has Failed to Restore Full Sovereignty over Syria." Policy Analysis. Washington Institute for Near East Policy. 10/2/2021. at: https://bit.ly/3otCs9n Braut-Hegghammer, Malfrid. "Giving Up on the Bomb: Revisiting Libya's Decision to Dismantle its Nuclear Program." Wilson Center. 23/10/2017. at: https://bit.ly/3gYGBhx CMI Report. Bergen: Chr. Michelsen Institute, 2007. Daher, Joseph. "The Political Economic Context of Syria's Reconstruction: A Prospective in Light of a Legacy of Unequal Development." Research Project Report. Robert Schuman Centre for Advanced Studies. European University Institute. 5/12/2018. at: https://bit.ly/2JG7EQN de Châtel, Francesca. "The Role of Drought and Climate Change in the Syrian Uprising: Untangling the Triggers of the Revolution." Middle Eastern Studies. vol. 50, no. 4 (January 2014). Eizenstat, Stuart E., John Edward Porter & Jeremy M. Weinstein. "Rebuilding Weak States." International Affairs. vol. 84, no. 1 (2005). Erian, Wadid, Bassem Katlan & Ouldbdey Babah. "Drought Vulnerability in the Arab Region, Special Case Study: Syria." International Strategy for Disaster Reduction (ISDR). Global Assessment Report on Disaster Risk Reduction (2010). at: https://bit.ly/39ZULd6 Evans, Peter B., Dietrich Rueschemeyer & Theda Skocpol (eds.). Bringing the State Back In. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Femia, Francesco & Caitlin Werrell. "Syria: Climate Change, Drought and Social Unrest." The Center for Climate & Security. 29/2/2012. at: https://bit.ly/31iFkZW George, Alan. Syria: Neither Bread nor Freedom. London/ New York: Zed Books, 2003.

Gleick, Peter H. "Water, Drought, Climate Change, and Conflict in Syria." Weather, Climate, and Society. vol. 6, no. 3 (July 2014). Goodarzi, Jubin M. Syria and Iran: Diplomatic Alliance and Power Politics in the Middle East. London: I. B. Tauris, 2008. Greth, Hans Heinrich & Charles Wright Mills (eds.). From Max Weber Essays in Sociology. London: Routledge, 2001. Harrison, Ross. "Shifts in the Middle East Balance of Power: An Historical Perspective." Reports. Al Jazeera Center for Studies. 2/9/2018. at: https://bit.ly/3m8JbE6 Hinnebusch, Raymond. "Globalization and Generational Change: Syrian Foreign Policy between Regional Conflict and European Partnership." The Review of International Affairs. vol. 3, no. 2 (December 2003). ________. "Syria: From 'Authoritarian Upgrading' to Revolution?" International Affairs. vol. 88, no. 1 (January 2012). Immigration and Refugee Board of Canada. Lebanon and Syria: Situation of Syrians in Lebanon; violence against Syrians; political affiliation of Syrians; naturalization of Syrians in 1994 (1994-2009). (Ottawa 17/11/2009). at: https://bit.ly/3h9uUVC Manaev, Georgy. "How Saudi Arabia's Oil Policy Triggered the Collapse of the USSR." Russia Beyond. 13/3/2020. at: https://bit.ly/2KmFzeh Pierret, Thomas. "The Syrian Baath Party and Sunni Islam: Conflicts and Connivance." Middle East Brief. no. 77 (February 2014). Przeworski, Adam. "Capitalism, Development, and Democracy." Brazilian Journal of Political Economy. vol. 24, no. 4 (December 2004). Rotberg, Robert I. State Failure and State Weakness in a Time of Terror. Washington, DC: World Peace Foundation/Brookings Institution Press, 2003. "Syria: International Energy Data and Analysis," U.S. Energy Information Administration, Oil & gas Journal. 24/6/2015. at: https://bit.ly/3688Wf8 "Syria under Bashar (I): Foreign Policy Challenges." ICG Middle East Report. no. 23. International Crisis Group. 11/2/2004. at: https://bit.ly/3oX4pXf Trimberger, Ellen Kay. Revolution from Above: Military Bureaucrats and Development in Japan, Turkey, Egypt, and Peru. New Brunswick: Transaction Books, 1978. United Nations Conference on Trade and Development. World Investment Reports 2004-2006. New York/ Geneva: United Nations Publication, 2004-2006. Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Guenhner Roth Cluse Wittich (ed.). Berkeley: University of California Press, 1978. World Bank Group. Syria Damage Assessment of selected cities Aleppo, Hama, Idlib. Phase III. Washington, DC: The World Bank, 2017. at: https://bit.ly/3kdxU4U