نحو إطار نظري في صناعة القوة الناعمة

Ali Bakir علي باكير |

الملخّص

لا يزال مفهوم القوّة الناعمة يحظى باهتمام كبير من الباحثين والفاعلين المعنيّين في المجتمع الدولي والقوى الصغيرة والصاعدة على حد سواء. تناقش هذه الدراسة طبيعة القوّة الناعمة، وطريقة عملها، وكيفية توظيفها، ومدى فعاليتها، وحدود تأثيرها، وتشتبك نقديّا مع بعض الأدبيات المتعل قة بالموضوع، فتجادل بأنّ القوّة الناعمة ليست موجودة بذاتها وإنما تُصنع، ولذلك فهي ليست مجرّد استراتيجية كما هو الحال بالنسبة إلى القوّة الذكية، ولا يمكن شراؤها بشكلها الخام كمّ يًا كما هو الحال بالنسبة إلى القوّة الصلبة، وليست ذات طابع سلبي أحادي كما هو الحال بالنسبة إلى القوّة النافذة. وتؤك د الدراسة ضرورة التمييز بين مصادر القوة الناعمة وأدواتها، وتؤك د كذلك إمكانية حشد مصادر هذه القوّة الناعمة وتوجيهها في اتجاه الطرف المستهدف باستخدام أدواتها. وتهدف إلى المساهمة في النقاش المتعل ق بماهية القوّة الناعمة وكيفيّة عملها، ولذلك فهي تقدّم تصوّرًا حول آلية عمل القوّة الناعمة يأخذ في الحسبان إشكاليات استخدامها ضد دول غير ديمقراطية؛ أي أوتوقراطية أو شمولية أو ثيوقراطية. كلمات مفتاحية: القوة الناعمة، العلاقات الدولية، جوزيف ناي. The concept of soft power continues to receive significant attention from researchers, relevant actors in the international community, and small and rising powers alike. This paper discusses the nature of soft power, how it works, how it can be employed, its effectiveness, and its limits. It critically engages with the existing literature on soft power and argues that soft power does not exist by itself, but rather is made. Accordingly, soft power is not just a strategy as is the case with smart power, nor it can be purchased in its raw form, as is the case with hard power, and it is not of unilateral negative nature, as is the case with sharp power. The paper asserts the need to distinguish between sources of soft power and its tools. It contends that soft power resources can be mobilized and directed towards the target using soft power tools. The paper aims to contribute to discussion of what soft power is and how it works; thus, it offers a theoretical framework on the working mechanism of soft power that takes into account using soft power against non-democratic systems: autocracy, totalitarian, or theocracy. Keywords: Soft Power, International Relations, Joseph Nye.

Soft Power in Action: Towards a Theoretical Framework

مقدمة

يعتبر مصطلح "القوّة الناعمة" من المصطلحات الحديثة في حقل العلاقات الدولية، وكان جوزيف ناي1 أوّل من استخدمه حين تطرّق إليه على نحو عابر في تسعينيات القرن العشرين، ثم أصبح شائعًا بعد عام 2004، وهو العام الذي ألّف فيه ناي كتابه القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية2؛ إذ أصبح المصطلح، بعد ذلك، جزءًا من الأدبيات الغربية المرتبطة بالقوّة، وتمّ تداوله تداولً واسعًا في الفضاءات الإعلاميّة والسياسيّة والأكاديميّة على حدٍّ سواء. وبالرغم من أنّ غالبية النقاشات التي تدور اليوم حول مفهوم القوّة الناعمة تستند أساسًا إلى كتابات ناي انطلاقًا مما ذُكرَ آنفًا، فإنّ مفهوم القوّة الناعمة لم يولد مع ناي، وهو الأمر الذي أقرّ به مؤخرًا في دراسة له نشُرت في شباط/ فبراير 2021 بعنوان "القوة الناعمة: تطوّر المفهوم." يقول ناي في هذه الدراسة "لم أدّعِ مُطلقًا اختراع القوّة الناعمة. هذا الأمر سيكون سخيفًا بما أنّ سلوك القوّة قديم قِدم التاريخ الإنساني"3. ومع أنّ ناي يشير إلى أنّه طوّر المفهوم لمحاولة حل إشكاليات تتعلّق بالمنهج والسياسات، فإنّ كتاباته حول المفهوم، لا سيما الأولى منها، تعرّضت لانتقادات جمّة من ناحيتين: الأولى أنّ طرح المفهوم أتى ليخدم أغراضًا سياسيّة تتعلّق بتراجع قوّة الولايات المتحدة الأميركية على المستوى العالمي بعد غزو أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003، وضرورة أن تجد الولايات المتحدة بدائل تساعدها على استدامة نفوذها وتحقيق أغراضها السياسية، من دون اللجوء إلى القوّة القاهرة أو العنف. أمّا الثانية، فهي أنّه لم يؤصّل الموضوع نظريًّا على نحو كافٍ قبل تسويقه، ولذلك فقد جاءت كتاباته الأولى مجرّد أمثلة عامّة عن حالات منتقاة يرى أنّها تُناسب طرحه من دون أن يضطر إلى وضع إطار نظري يكون بمنزلة دليل لطبيعة عمل القوة الناعمة وتأثيرها، ولذلك فقد تُرك المصطلح مائعًا إلى حدّ بعيد، ولعلّ هذا ما أدّى إلى الكثير من التشويش على مضمون المفهوم. في العالم العربي، بقي التعامل مع مفهوم القوة الناعمة يلامس القشور بالرغم من زيادة الاهتمام به، ومحاولة إجراء إسقاطات عليه من دون مناقشة ماهيته بطريقة عميقة. وعندما يتعلّق الأمر بالبعد الأكاديمي، نجد أنّ الفجوة لا تزال كبيرة؛ إذ لم يتم تأصيل الموضوع على نحو كافٍ، لا سيما من الناحية النظرية. وعند رصد الكتابات عن "القوة الناعمة" في العالم العربي، يمكن تصنيفها إلى ثلاث فئات رئيسة: فئة أولى تتضمّن مقالات الرأي والتحليلات في الصحف والمجلات، وفئة ثانية تتضمّن الكتابات الأكاديمية كالأطروحات والمقالات العلميّة المنشورة في دوريات مُحكّمة، وفئة ثالثة تتضمن المؤلفات والكتب.

تضم الفئة الأولى الكتابات الأكثر عددًا والأقل احترافية في الغالب، وعادة ما يُستخدم فيها مصطلح "القوّة الناعمة" لترويج مقالات تعتمد على البُعد العاطفي وتفتقد العمق العلمي، وتكون فيها فجوة كبيرة بين المفهوم بشكله الأساسي وبين طريقة توظيفه التي تعكس شكلً من أشكال البروباغندا. أمّا الفئة الثالثة، فهي لا تركز كذلك على مخرجات ذات طابع علمي أكاديمي في الغالب، علمً أنّ الترجمة العربية لكتاب جوزيف ناي القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية صدرت سنة 2007، أي بعد مرور ثلاث سنوات على صدور الكتاب الأصي، وهو مؤشر دال على أنّه لم يكن يوجد اهتمام كافٍ بالمفهوم في بداياته في العالم العربي. وبخصوص الفئة الثانية التي تُ ثّل مجال بحثنا الحالي، فهي تتضمن عددًا من المخرجات العلميّة لكنّها قليلة جدًّا، وتعاني مشكلة أساسيّة هي تجاهل البناء النظري للقوّة الناعمة وتجاهل الاشتباك مع الأدبيات الأساسيّة للقوّة الناعمة، فضلً عن مشكلات جوهريّة أخرى. على سبيل المثال، عند استخدام "القوة الناعمة" بوصفها كلمة أساسية في البحث4 في قواعد البيانات الإلكترونية لمكتبة قطر الوطنية، واعتماد خيار اللغة العربية حصرًا، تشير النتائج إلى وجود 8195

  1. باحث أميركي، شغل سابقًا عدّة مناصب منها: منصب عميد في جامعة هارفارد، ومنصب رئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي، ومساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي في عهد إدارة كلينتون. من المساهمين الرئيسين في إيجاد مدرسة الليبرالية الجديدة في نظرية العلاقات الدولية، وله العديد من المؤلّفات، أبرزها كتاب حتمية القيادة: الطبيعة المتغيّ ة للقوّة الأميركية، و تناقض القوّة الأميركية، و القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية.
  2. Joseph S. Nye Jr., Soft Power: The Means to Success in World Politics (New York: Public Affairs, 2004).
  3. Joseph S. Nye, "Soft power: The Evolution of a Concept," Journal of
  4. Political Power , vol. 14, no. 1 (February 2021), pp. 196-208. 4 أُجريَ البحث في بداية آب/ أغسطس.2021

موضوعًا ذا صلة بالبحث عن الفترة 2021-2000، ويتضمن ذلك ورود المصطلح في داخل النص و/ أو في العنوان و/ أو في الموضوعات المماثلة في مقالات الرأي والتحليلات والأوراق العلميّة والكتب... إلخ. لكن ما إن يتم تحديد البحث عن "القوة الناعمة" في العنوان الأساسي للمراجع المتوافرة حتى ينخفض العدد إلى 144 منشورًا باللغة العربية بين عام 2005 وعام 2021، وتتوزع في غالبيتها على 117 منشورًا في مجلّ ت؛ 17 منها في مجلّ ت أكاديمية، و 3 أخرى في كتب إلكترونية، علمً أنّ هذا العدد شمل المنشورات التي تطرقت إلى "القوّة الناعمة" في أكثر من اختصاص؛ كالسياسة والعلاقات الدولية والإعلام والتربية والقانون والإدارة والتكنولوجيا وغيرها من العلوم. وعند تحديد البحث في الموضوع ليقتصر على "القوة الناعمة"، فإنّ الرقم الكلّ ينخفض إلى 63 فقط، وعندما يتم تحديد المنشور منها في مجلات أكاديمية فإنّ العدد ينخفض إلى 3 فقط. ومع إدراكنا أنّ الرقمنة والأرشفة الإلكترونية في العالم العربي لا تزال متأخرة، وأنّ المنشور فعليًّا عن الموضوع باللغة العربية قد يكون أكبر من الأرقام التي تمّت الإشارة إليها، فإنّ هذا الاختبار يعطينا بالفعل تصورًا عن محدودية مناقشة القوّة الناعمة في الفضاء العربي العام، فضلً عن الدوائر العلمية والإنتلجنسيا. وإذا ما قُورن هذا الإنتاج بما هو منشور باللغة الإنكليزية عن الفترة ذاتها حول العالم، فإنّ نسبته ستكون شبه معدومة. علاوةً على ذلك، من الممكن ملاحظة أنّ الغالبية الساحقة من الأوراق البحثيّة و/ أو المنشورات ذات الطابع العلمي التي تناولت "القوة الناعمة" في العالم العربي، تجاوزت مسألة نقاش المفهوم ذاته إلى مجرّد تعريف القوّة الناعمة؛ ومن ثمّ البحث عن تطبيقات لها أو إجراء إسقاطات على دولة معيّنة5. وفي بعض الأحيان يتم حتى تجاوز مسألة التعريف وما يرتبط به من مداخل نظريّة لاستيعاب المفهوم وطريقة عمله، ويتم عوضًا عن ذلك الولوج مباشرة في الموضوع، بحيث يقتصر ذكر القوة الناعمة على العنوان الأساسي للدراسة ويتُرَك للقارئ الاستنتاج بخصوص الحالة التي تمّ تطبيقها. تصبُّ هذه المؤشرات كلها في دعم الاستنتاج القائل إنّه يوجد شحٌّ في الإنتاج العلمي متعلق بمفهوم القوّة الناعمة في العالم العربي. ويمكن الوصول إلى النتيجة نفسها من خلال أخذ نماذج فردية لمجلّ ت علميّة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعتبر دوريّة سياسات عربية من الدوريات المحكّمة الرصينة والرائدة في مجالها في العالم العربي. وقد صدرت هذه الدوريّة في عام 2013، ونشرت حتى وقت كتابة هذه الدراسة 52 عددًا. وتشير نتائج البحث عن "القوة الناعمة" في محرّك البحث الخاص بالمجلة إلى وجود 9 نتائج؛ منها 8 نتائج تتعلق بالأبحاث والدراسات، ونتيجة واحدة تتعلّق بمراجعات وعروض الكتب. لكن عند تمحيص هذه النتائج، نصل إلى خلاصة مفادها أنّ دراستين فقط من أصل 8 دراسات ترتبطان مباشرة بموضوع البحث أي ب "القوّة الناعمة"، ودراستين أخرييَن لا تمتّان بصلة إلى الموضوع، لكنّهما ظهرتا في النتائج بسبب ورود مصطلح "القوة الناعمة" فيهما مجتمعتين ثلاث مرّات فقط. ويُ كن تصنيف سائر الدراسات على أنّها مرتبطة بالموضوع على نحو غير مباشر، علمً أنّ جلّها له علاقة بتنزيل المصطلح على حالات معيّنة. وهذا يعني أنّه خلال 7 سنوات ونيّف، تمّ نشر دراستين فقط حول القوّة الناعمة، علمً أنّ هاتين الدراستين لا تناقشان المفهوم ذاته بل توظّفانه في دراسة حالتي الصين ومصر. ولا تعدّ هذه النتيجة استثناءً، فهي كما أشرنا دليل إضافي على ما ذهبنا إليه سابقًا. وعطفًا على ما تقدّم، تكمن أهمية مساهمتنا في هذه الدراسة في أنّها تأتي لتلبية حاجة علميّة، ولذلك فهي في هذا المقام بمنزلة محاولة متواضعة لسد ثغرة في المنشورات العربية في هذا الباب؛ ليس لناحية تقديم إطار نظري متعلق بماهية مفهوم القوّة الناعمة فحسب، بل من ناحية كيفية عملها أيضًا، وهذا لا يقلّ أهمية عمّ تمّت الإشارة إليه سابقًا. ومن هذا المنطلق، تهدف هذه الدراسة أساسًا إلى تسكين إطار نظري لمفهوم القوّة الناعمة، ولذلك فهي لا تكتفي بالاشتباك مع ما كُتب عن المفهوم غربيًا، بل تُقدّم كذلك نقدًا وإيضاحًا وشرحًا، حيثما اقتضى الأمر ذلك، مع التركيز على آلية عمل هذا النمط من أنماط القوّة وأهمّيته في العلاقات الدوليّة. وتناقش الدراسة مصادر القوة الناعمة، وكيفية تحديدها، والخط الفاصل بين مصادر القوة الناعمة وأدوات القوة الناعمة، والكيفية التي يمكن من خلالها توظيف القوة الناعمة للوصول إلى النتائج التي يريدها الطرف الذي يمتلكها. وتطرح الدراسة إشكالية استخدام القوّة الناعمة وآلية عملها ونتائج توظيفها إذا كانت الدولة المستهدفة بالقوة الناعمة دولة غير ديمقراطية؛ أي أوتوقراطية أو شمولية. كما تجادل بأنّ القوّة الناعمة ليست موجودة بذاتها6، وأنّه يوجد فرقٌ جوهريّ بين مصادر القوّة الناعمة وأدواتها، وأنّه في الإمكان كذلك حشد مصادر القوّة الناعمة، وتوجيهها في اتجاه الطرف المستهدف من خلال استخدام أدوات

  1. مع بعض الاستثناءات القليلة جدًّا والجديرة بالأخذ في الحسبان. على سبيل المثال، يُنظر: عي جلال معوض، مفهوم القوة الناعمة وتحليل السياسية الخارجية (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية؛ مركز الدراسات الاستراتيجية،.)2019
  2. أجادل في هذه الدراسة بأنّ القوّة الناعمة ليست موجودة بذاتها وإنما تُصنع، وذلك على خلاف القوّة الذكيّة، مثلً، التي تعتبر مجرّد استراتيجية لتوظيف القوّتين الناعمة والصلبة. علاوةً على ذلك، فإنّ القوّة الناعمة لا يمكن شراؤها على سبيل المثال، وذلك بخلاف القوّة الصلبة التي من الممكن شراؤها أو مراكمتها كمّيًا من دون صناعتها محليًّا أو ذاتيًا.

القوّة الناعمة، وهو عادةً ما يتم إغفاله أو الخلط بين خصائصه لدى الباحثين الذين يتناولون هذا المفهوم وأدبياته في العلاقات الدولية. ولا تعتمد الدراسة على كتابات ناي الأساسية فقط، بل على الاجتهادات التي تلت هذه الكتابات أيضًا، وتقدّم في بعض ثناياها قراءة نقديّة لما طرحه ناي في ما يتعلق بدوافع طرحه مفهوم القوّة الناعمة - المفهوم نفسه - ومصادر وأدوات القوّة الناعمة، وآلية عملها، كما تسلّط الضوء على بعض الأفكار المهملة، أو التي يتم تجاهلها أو إسقاطها، أو التي يرى الباحث أنّها جديرة بالبحث والنقاش. وتقسّم الدراسة إلى سبعة محاور رئيسة. ويناقش المحور الأوّل منها القوّة في العلاقات الدوليّة، ويتناول المحور الثاني القوّة الناعمة باعتبارها مظهرًا من مظاهر القوّة وليست دخيلً عليها، في حين يناقش القسم الثالث والرابع والخامس ماهية القوّة الناعمة، ومصادرها، وأدواتها، ويقدّم القسم السادس تصوّرًا لآلية عمل القوّة الناعمة، ويتطرق القسم الأخير من الدراسة على نحو مقتضب إلى حدود القوّة الناعمة.

أولا: القوة في العلاقات الدولية

تُعرّف القوّة لغة7 بأنها مقابل الضعف، وهي القدرة التي تخوّل صاحبها القيام بأعمال شاقة. أمّا اصطلاحًا، فيركّزُ معظم الباحثين على تعريف القوة Power بنوع من القدرة التي تتيح التأثير في سلوك الفاعلين الآخرين وفقًا للأهداف الخاصة بالجهة التي تمتلكها8، أو التي تتيح التحكم في سلوك الآخرين وفقًا لما تريده الجهة التي تمتلك هذه القوة9، أو التي تتيح لصاحبها التأثير في مجريات الأحداث الدولية بما يرضيه10. وتوجد تعريفات أخرى للقوّة لا حصر لها؛ كأنْ يتم تعريف القوّة بأنها القدرة على إجبار الآخرين، أو إنشاء علاقة تبعيّة بين صاحبها وبين الجهات الأخرى... إلخ. ويعود هذا الاختلاف في التعريف إلى الاجتهاد الشخصي للمفكّرين، أو إلى العلوم المختلفة التي يسعى كل منها إلى دراسة ظاهرة القوّة وتحليلها من منظوره الخاص. فالعلوم الطبيعية تتناول القوّة من منظور مختلف عن العلوم الاجتماعية والإنسانية. وحتى داخل كل علم من هذه العلوم، يوجد تمايز في ما يتعلق بالمفهوم نفسه أو زاوية تناوله وتحليله. وتركّز العلوم الاجتماعية مثلً على القوة من الجانب النفسي، بالنظر إلى أنّها القدرة على التأثير في سلوك الآخرين. ويُعتبر ماكس فيبر، على سبيل المثال، من أبرز من تحدّثوا عن القوّة في هذا المجال؛ إذ عرّفها بأنّها "احتمال أن يقوم فاعل واحد في إطار علاقة اجتماعية في موقع فرض إرادته بالرغم من المقاومة"11. وكما هو واضح من التعريف، يتبيّ أنّ فيبر حصر المفهوم في الفرد أو مجموعة من الأفراد في إطار العلاقات الاجتماعية12؛ ما يجعله محدودًا جدًّا بالتعريفات التي طرحها مفكّرون آخرون لاحقًا في علوم أخرى. أمّا الجيوبوليتيكا فتدرس القوة من باب أنّها ضرورة لنمو الدولة والحفاظ عليها. وقد ذهب بعضهم إلى سيادة القوة البريّة وتفوقها، وأيّد آخرون سيادة القوّة البحرية وتفوقها، ثم جاءت المدرسة الروسية عبر ألكسندر دي سيفيرسكي Alexander de Seversky لتعتبر أنّ التفوق والسيادة هما للقوة الجوية13. وبالنسبة إلى العلوم السياسية والعلاقات الدولية، فإنّ مفهوم القوّة ظل يحتل مكانة مركزية، وعلى الرغم من استمرار النقاش حول تعريف القوّة وماهيتها وموقعها في المدارس النظريّة المتنوّعة للعلاقات الدوليّة، فإنّ علم العلاقات الدولية ظل يتعامل مع مفهوم القوّة، إلى حدّ بعيد، على أنّه مرتبط ارتباطًا مركزيًّا بالمدرسة الواقعية أكثر من غيرها من المدارس التي تمتلك موقفًا كذلك من مفهوم القوّة14. ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى إجماع الواقعيين على أنّ السياسة الدولية إنما تدور حول القوّة أساسًا. ويرى الواقعيون أنّ النظام الدولي نظام فوضوي، وأنّ الدولة هي الوحدة الأساسية فيه، وأنّها لاعب عقلاني يتحرّك دومًا بدافع البحث عن مصالحه وبهدف أساسي هو البقاء. ولذلك، تعمل الدولة وفق المدرسة الواقعية على تعظيم قدراتها العسكرية لحماية نفسها، لكنّها ليست قادرة على التعرّف على نحو مؤكَّد إلى نيات الدول الأخرى.

  1. ينظر: المعجم الوسيط، ط 4 (القاهرة: مجمع اللغة العربية، 2008)، ص.769-768 (النسخة الإلكترونية)
  2. John Spanier & Robert L. Wendzel, Games Nations Play , 9 th ed. (Washington, DC: CQ Press, 1996), p. 128; J. Boone Bartholomees, Jr. (ed.), U.S. Army War College Guide to National Security Issues, vol. 1: Theory of War and Strategy , 3 rd ed. (June 2008), p. 154.
  3. A.F.K. Organski, World Politics , 2 nd ed. (New York: Knopf, 1968), p. 104; Bartholomees, Jr., p. 158.
  4. Walter S. Jones, The Logic of International Relations (Boston: Little Brown, 1985), p. 254; Bartholomees, Jr., p. 159.
  5. Max Weber, The Theory of Social and Economic Organization , A.M. Henderson & Talcott Parsons (trans.) (Illinois: The Free Press, 1947), p. 152.
  6. Isidor Wallimann, Nicholas Ch. Tatsis & George V. Zito, "On Max Weber's Definition of Power," The Australian and New Zealand Journal of Sociology , vol. 13, no. 3 (October 1977) p. 234.
  7. بشأن هذه النظريات، ينظر: خليل حسين، 13 الجغرافيا السياسية: دراسة الأقاليم البرية والبحرية والدول وأثر النظام العالمي في متغيراتها (بيروت: دار المنهل اللبناني، 2009)، ص
  8. Aigerim Raimzhanova, "Power in IR: Hard, Soft, and Smart," PhD Candidate, Institute for Cultural Diplomacy and the University of Bucharest, Bucharest, December 2015, p. 2.

وتستند المدرسة الواقعية في أصولها الفكرية إلى حجج كلاسيكية وجدت في أعمال الفلاسفة اليونان والمفكّرين المؤثرين في العصور الوسطى؛ من أمثال نيكولو ميكيافيي Machiavelli Niccolò 1527-1469()، رر وتوماس هوبز في القرن السادس ع Thomas Hobbes) في القرن السابع عشر. ويعتبر هانز 1679-1588(مورغانثو 1980-1904() رائد المدرسة الواقعية في السياسة الدولية، وقد أصبح مُؤلَّفه السياسة بين الأمم: الصراع على القوّة والسلام الصادر في عام 1948 بمنزلة ناموس بالنسبة إلى منظّري المدرسة الواقعيّة في الولايات المتحدة، وظلّ يحدّد مفهوم العلاقات الدولية على امتداد وقت طويل هناك، تاركًا أثرًا عميقًا وبصمة مميزة لأجيال عديدة بعد الحرب العالمية الثانية. لكن قبل هذا الكتاب، كان لمورغانثو كتاب آخر صدر، هو: الرجل العلمي في مواجهة سياسة القوّة في عام 1946. وقد كان جزء من هذا الكتاب عبارة عن محاضرات عامة ألقاها في عام 1944 برعاية قسم العلوم الاجتماعية التابع لجامعة شيكاغو الأميركية تحت عنوان الوهم العلمي ومشكلة النظام الدولي15. في كتابه هذا، انتقد مورغانثو الليبرالية والماركسيّة لمحاولتهما تأطير السياسة الدولية في علم، ورفض النظريات الليبرالية والعلمية للسياسات الدولية، معتبرًا أنّ هذه النظريات لم تنتج نظرية حقيقيّة للعلاقات الدولية بقدر ما أدرجتها في فلسفة علمية ومنهجيّة حجبت الحقائق المرّة للوجود الدولي أكثر ممّ كشفتها. وبالنسبة إليه، فإنّ الحقيقة المتعلّقة بالسياسة الدولية مرتبطة جوهريًا بالقوة. ولذلك، فإنّ تصدّر القوة المشهد الدولي هو الحقيقة المطلقة وحقيقة السياسة الدولية، لأنها تتخلل النسيج الاجتماعي والسياسي للوجود البشري16. أمّا في السياسة بين الأمم، فيعتبر مورغانثو أنّه "مهما كانت الأهداف النهائية للسياسة الدولية، فإن القوة دائمًا هي الهدف المباشر"17، مشيرًا إلى أنّ رجال الدولة والشعوب قد يسعون في نهاية المطاف إلى الحرية أو الأمن أو الازدهار أو السلطة. قد يحددون أهدافهم من منظور ديني أو فلسفي أو اقتصادي أو مثالي اجتماعي. قد يأملون أن يتجسد هذا النموذج المثالي من خلال قوته الداخلية، أو من خلال التدخل الإلهي، أو من خلال التطور الطبيعي لشؤون البشر. قد يحاولون أيضًا الدفع قُدمًا في اتجاه تحقيقه من خلال وسائل غير سياسية، مثل التعاون التقني مع الدول الأخرى أو المنظمات الدولية. لكن عندما يسعون جاهدين إلى تحقيق هدفهم من خلال السياسة الدولية، فإنهم يفعلون ذلك من خلال السعي إلى القوّة18. من ناحية أخرى، يعتبر بعضهم أنّ ربط مفهوم القوّة بالمدرسة الواقعيّة أكثر من غيرها ليس ناتجًا من محوريّة المفهوم فقط بالنسبة إلى المدرسة الواقعيّة، وإنما من تقاعس المدارس الأخرى المنافسة كالمدرسة الليبرالية والنيوليبرالية والبنائية في تطوير تصوّر بديل لتصوّر المدرسة الواقعية عن مفهوم القوّة أيضًا، وذلك إمّا لابتعادها عن المفهوم أو لتجنّبها الخوض في اعتباراته. ففي دراسة لهما حول "القوّة في السياسة الدولية"، أشار مايكل بارنت ورايموند دوفال إلى أنّ فشل هذه المدارس في تطوير تصوّر بديل للقوّة أدّى إلى ترسيخ التحيّز في التعامل مع القوّة كما يتم تعريفها في المدرسة الواقعية19. على كل حال، لا نسعى هنا إلى دراسة موقع القوّة في المدارس المختلفة، والنظر في أيهما أكثر ملاءمة أو أهميّة، بقدر ما نحاول أن نفسر سبب ارتباط مفهوم القوّة، على نحو أساسي، بالمدرسة الواقعية أكثر من غيرها. لئن تعددت تعريفات القوّة، فإنه في الإمكان إيجاز مضمونها رمزيًّا من خلال القول إنّ القوة هي: قدرة الفاعل (أ) على دفع الفاعل (ب) إلى أنْ يقوم بالعمل (ج) أو يمتنع عن القيام بالعمل (د) بما يحقق النتيجة (ه) التي يسعى الفاعل (أ) إلى الحصول عليها أو الاستفادة منها، والتي ما كان للفاعل (ب) أن يقوم بها لو لم يقم الفاعل (أ) بممارسة هذه القدرة

  1. 19  Michael Barnett & Raymond Duvall, "Power in International Politics," International Organizations , vol. 59, no. 1 (Winter 2005), p. 41.
  2. Sean Molloy, "Truth, Power, Theory: Hans Morgenthau's Formulation of Realism," Diplomacy and Statecraft , vol. 15, no. 1 (March 2004), pp. 1-2.
  3. Hans J. Morgenthau, Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace , Kenneth W. Thompson & W. David Clinton (revi.) (Beijing: Peking University Press, 2004), p. 24. (e-copy)
  4. Ibid.
  5. 15  Hans J. Morgenthau, Scientific Man vs. Power Politics (London: Latimer House Limited, 1947 [1946]), p. 6.

عليه. وفي هذا المقام، من المهم جدًّا التمييز بين القوّة ومصادر القوّة، وهو فصل ستترتب عليه مسائل كثيرة عند التطرّق إلى القوّة الناعمة لاحقًا؛ إذ يخلط كثيرون بين القوة نفسها وبين مصادر القوّة20، أو بين القوّة نفسها وبين القدرة، أو كما يسميه بعض الباحثين القوّة الكامنة، ولعلّ ذلك يعود في جزء Potential والقوّة الفعّالة Effective منه أيضًا إلى معطيات مختلفة حول المفهوم نفسه، وإلى التداخل الحاصل في التعبير المستخدم في اللغة الإنكليزية للدلالة على القوّة بوجهٍ عامّ عند الحديث عنها بوصفها مفردات Force Strength, Power,... إلخ. وترتبط القوّة في ذهن بعضهم بالقدرة على القيام بالعمل، ولدى بعضهم الآخر بالممارسة الفعليّة لهذه القدرة على الصعيد العمي. وعلى الرغم من ذلك، فإن قدرة الدولة على تحويل مصادر القوّة إلى قوّة فعلية أو عملية إنما تعتمد على العديد من الاعتبارات المترابطة والمتداخلة؛ ليس أقلها الاعتبارات السياسية والسيكولوجية لمثل هذه العناصر التي قد تتمثل بالفعالية الحكومية أو الوحدة الوطنية21. بمعنى آخر، تؤدّي الإرادة دورًا في تحويل مصادر القوّة إلى قوّة حقيقية، ولا يكفي للقوّة أن تستند إلى عنصر واحد أو مصدر واحد من مصادر القوّة المتعدّدة كما كان يُعتقد سابقًا. ولئن كانت القوّة بشكلها العامّ قد ارتبطت تاريخيًّا بالقدرة العسكرية، بالنظر إلى أنّ الحرب في الساحة الدولية هي الاختبار الأقصى لقوّة الدولة، فإنّ ذلك لم يعد دقيقًا في الوقت الراهن. فالقوة الشاملة يتم تقييمها من خلال أخذ كل مصادر القوة وعناصرها في الحسبان. وعندما تقاس مقارنة بما يمتلكه طرف آخر، وفي الوضع الذي تمارس أو تُستخدم فيه هذه القوة22، فقد تُعتبر دولة ما دولةً قوية لأنها تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، لكن هذه القدرات قد لا تكون مناسبة أو ملائمة لمواجهة العدو المحتمل، أو بسبب طبيعة النزاع الذي من المفترض أن تخوضه، ومن هذا المنطلق فإنّ السؤال الذي يجب أن يُطرح دومًا في هذا السياق، هو: الدولة أقوى من أي دولة؟ وبالنسبة إلى أي معيار؟23

ثانيًا: القوّة الناعمة مظهرًا من مظاهر القوّة

استنادًا إلى ما تمّت الإشارة إليه سابقًا، ارتبط تعريف القوة تاريخيًا ب "القدرة على خوض الحرب"، أي بالقوة العسكرية - القهرية؛ إذ كان اختبار الدولة كقوّة عظمى يرتكز على نحو شبه حصري على "قدرتها على خوض حرب"، فاعتبرت عناصر مثل السكان والأرض والموارد الطبيعية والقوة الاقتصادية والاستقرار السياسي، مكونات رئيسة لمفهوم القوة التقليدي الذي يصب في هذا الإطار. فإذا كان لدى الدولة أسطول قوي وجيش مدرّب وقوة اقتصادية، من المحتمل حينئذٍ أن تكون قادرة على إجبار جيرانها، أو إكراههم، أو حتى رشوتهم؛ ومن ثم دفعهم إلى الامتثال لمطالبها أو أوامرها أو رغباتها وتحقيق أهدافها. إلّ أنّ تحولاتٍ عديدة طرأت في ما بعد على طبيعة العلاقات الدولية والعناصر المحركة لها والمتفاعلة معها، وقد انعكست بدورها على "مفهوم القوة"، طارحةً معها تحدياتٍ كبيرة، ومثيرةً تساؤلاتٍ عمّ إذا كان امتلاك عناصر القوة المذكورة آنفًا سيؤدي بالضرورة وحتمً إلى الحصول على النتائج المرجوة. من هذه التحولات، على سبيل المثال لا الحصر24، الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول، وهو ما يصعّب عملية استخدام القوّة في صورتها القهرية على نطاق واسع لما يُ ثّله ذلك من خطر على النمو الاقتصادي والمصالح المالية المتبادلة. علاوةً على ذلك، يُشكّل التغيّ الذي حصل على مستوى قدرة الفواعل "العابرة للحدود والدول"؛ كالشركات المتعددة الجنسيّات، والمنظمّات الدوليّة سواء شبه الحكومية أو غير الحكومية، وحتى جماعات الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية، بشأن ممارسة شكل من أشكال القوة كانت مقصورة في السابق على الدول، علامةً فارقة. فضلً عن هذا، تخلّل استخدام القوّة العسكرية تعقيدات لم تكن موجودة على النحو الذي هي عليه اليوم. فعلى سبيل المثال، كانت بعض التشكيلات العسكرية الصغيرة قادرة على إدارة إمبراطورية مثل الإمبراطورية البريطانية. لكنْ مقارنةً بما عليه الوضع الآن، فإن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تواجه مشكلات في السيطرة على مساحات صغيرة، أو محاولة فرض الاستقرار عليها بالرغم من أنها تحظى بقدرات عسكرية كبيرة جدًّا. ولا يجب أن نهمل أيضًا مساهمة انتشار التكنولوجيا، خاصة في مجال تطوير الأسلحة النووية، وأساليب الحرب اللاتماثلية Asymmetric، في تحقيق توازنٍ إلى حدّ ما في قوة الأطراف على أرض المعركة، بغض النظر عن الاختلافات الحقيقية في ميزان القوّة بينهما. طبيعة القضايا المعاصرة المتغيّة والمعقّدة جعلت من القوة العسكرية أقل قدرة على حل المشكلات المعاصرة، فامتلاك جيشٍ قويٍّ لن يحل على سبيل

  1. عي حسين باكير، "اكتشاف القوّة الناعمة الإيرانية.. القدرات وحدود التأثير"، مركز
  2. Bartholomees, Jr. (ed.), pp. 145-146.
  3. Ibid.
  4. Ibid., p. 145. 24 للاستزادة، يُنظر: Joseph S. Nye, Jr., The Paradox of American Power: Why the World's Only Superpower Can't Go It Alone (New York: Oxford University Press, 2002), pp. 5-6; James R. "Hack" Hackbarth, "Soft Power and Smart Power in Africa," Strategic Insights , vol. 8, no. 1 (January 2009).
  5. الجزيرة للدراسات، 2013/4/11، شوهد في 2021/1/3، في: https://bit.ly/3DkGu8d

المثال قضايا الفقر والتلوث أو انتشار الأوبئة، كما أن استخدام القوة العسكرية أصبح أمرًا مُكلفًا جدًّا، مقارنةً بما كان عليه الأمر في القرون الماضية. فضلً عن أنّ الرفاهية في البلدان المتقدمة غالبًا ما تدفع المجتمعات إلى عدم تقبّل وقوع عدد كبير من الخسائر البشرية في صفوفها إلّ إذا كان حقّها في الحياة أو البقاء في خطر، وهو أمرٌ من شأنه أن يشكّل عاملً منفّرًا من الحروب. لقد دفعت هذه التحولات وغيرها العديد من المفكرين الاستراتيجيين إلى التساؤل عن حقيقة جدوى النوع التقليدي من القوّة (القوّة العسكرية على وجه الخصوص)، وعمّ إذا كانت هذه القوّة القاهرة قادرة وحدها على خدمة أجندة الدولة على النحو الذي تريده. وفي هذا السياق، يشير الجنرال روبرت سميث بالأحرف اللاتينية والمتممات إلى هذا الموضوع بالتحديد قائلً: "في جميع هذه الحالات – أي الحروب التي خيضت منذ بداية التسعينيات - ربما استطاعت القوّة العسكرية تحقيق نجاح عسكري محلّ، لكنها فشلت مرارًا في تحقيق النتيجة السياسية المرجوّة، فلم تأتِ بنصرٍ عسكري حاسم. بعبارة أخرى، في العقود القليلة الماضية، واجه رجال الدولة والسياسيون والدبلوماسيون وأدميرالات البحر وجنرالات البر وماريشالات الجو، صعوباتٍ جمّة في الإفادة من استخدام القوة العسكرية"25. هذه الحقيقة تطرح إشكالية مدى قدرة الدولة على تحقيق مصالحها خلال التدافع في البيئة الدولية بالاعتماد حصرًا على القوّة القهرية دون سواها من الوسائل والأدوات. في جميع الأحوال، من الواضح أنّ مصادر القوّة تتبدّل وتتحوّل من زمن إلى آخر تبعًا للمعطيات التي تكون سائدة. صحيح أنّ تعريف العناصر المؤسسة للقوى الشاملة في أي حقبة يعدّ من المهمّ ت الصعبة، لكنّ وضع "القوّة الشاملة" عادة ما يتضمّن مجموعة من العناصر والقدرات المندمجة مع بعضها؛ كالثروة، والقدرة على التأثير في قرارات الآخرين وأفعالهم. وعلى الرغم من أنّ كثيرين يرون تعريف القوّة من خلال المنظار العسكري فقط، فإنّ البعد العسكري يشكّل بُعدًا واحدًا فقط من أبعاد القوّة ولا يمكن اختزالها فيه26. فضلً عن ذلك، مع تنوّع مصادر القوّة وأشكالها وأدوارها، أصبح من الصعب قياسها وتقييمها كمّيًّا كما هو الحال بالنسبة إلى القوّة العسكرية. ويرى كينيث والتز Kenneth Waltz أنّه توجد خمسة معايير مختلفة لقياس قوّة الدولة وتقييمها: عدد السكان والامتداد الجغرافي، والموارد الطبيعية، ووضعها الاقتصادي، واستقرار النظام السياسي، وقوّتها العسكريّة27، في حين يرى المؤرّخ البريطاني بول كينيدي Paul Kennedy أن عوامل القوّة في القرن العشرين تكمن في عدد السكّان، ومستوى التمدّن، والمستوى الصناعي، واستهلاك الطاقة، وحجم الناتج الصناعي، والقوّة العسكرية28. ويوافق مايكل شيفر على التشخيص القائل إنّ عناصر القوة تختلف تبعًا للزمن، وهو يضيف إلى ما تمّ ذكره آنفًا ثلاثة عناصر هي: امتلاك السلاح النووي، وقوّة البترول، وشرعيّة القوّة. ويقول شيفر: "إذا ما نظرنا وراء العناصر الأساسية التقليدية التي تعرّف القوّة، والتي تتضمّن الثروة والقوّة العسكرية والديموغرافيا، فسنجد أنّه لا بد لهذه العناصر من أن تواكب أيضًا وقائع العصر الحديث. وبالرغم من أنّ عددًا من عناصر القوّة التقليدية تبقى ذات أهميّة كبرى دومًا، فإنّ واقع العالم الرقمي للقرن ال 21 أدخل معه بُعدًا جديدًا للقوّة، ومن العناصر المعرّفة لهذا البعد الجديد: القوّة الناعمة ومستوى العولمة والابتكار"29. بناءً على ذلك، أصبح في إمكاننا القول إنّنا نعيش اليوم في عالم مختلف، وإنّ ذلك ينسحب أيضًا على مفهوم القوّة التقليدي؛ إذ إنّ تصنيفات القوّة اختلفت، وأنواعها تعددت، واستخداماتها تداخلت، والمعايير التي يتم الاستناد إليها لقياسها تنوّعت، فظهرت الحاجة إلى ضرورة التمييز بين تصنيفات جديدة كقوة تقليدية وقوة غير تقليدية، أو قوة

  1. ينظر: روبرت سميث، جدوى القوة: فن الحرب في العالم المعاصر، ترجمة مازن جندلي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008)، ص.24-23
  2. مايكل شيفر، "الولايات المتحدة والقوى الصاعدة"، عرض عي حسين باكير، مركز
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه. 29 المرجع نفسه.
  5. الجزيرة للدراسات، 2009/6/22، شوهد في 2021/2/1، في: https://bit.ly/3EIORvA

صلبة وقوة ناعمة، وقوّة ذكيّة وقوّة نافذة، وقوّة سيبرانية... إلخ. على سبيل المثال، تحدّث ناي في عام 2003 عن مفهوم آخر للقوّة مستخدمًا مصطلح "القوّة الذكيّة" Power Smart. استخدم ناي هذا المصطلح كما يقول بوصفه ردّ فعل على الاستخدام الخاطئ لمفهوم "القوة الناعمة" الذي يفترض أنّ استخدام "القوة الناعمة" وحدها يمكن أن يحل مشكلة الفعالية في السياسة الخارجية. وبناءً على ذلك، عرّف ناي القوة الذكيّة بأنّها "مجموعة من الاستراتيجيات التي تنجح في دمج موارد القوة الصلبة والناعمة في سياقات مختلفة"، وعلى عكس "القوة الناعمة"، يعتبر ناي أنّ "القوة الذكية" مفهوم تقييمي Evaluative، إضافةً إلى أنها مفهوم وصفي30. ةرر الأخ ةرر، برز مفهوم جديد ذو صلة بالقوّة، هو في الف: Power" Sharp"، أو ما يمكن أن نسمّيه "القوّة النافذة"31. أصبح المفهوم متداولً بعد أن تمّ استخدامه في تقرير صدر في عام 2017 عن "الوقف الوطني للديمقراطية"، وهو وكالة أميركية تعنى بالترويج للديمقراطية خارج الولايات المتحدة32. ظهر المفهوم على غلاف مجلة ذي إيكونوميست أواخر عام 2017 بعنوان القوّة النافذة: المظهر الجديد للنفوذ الصيني33، ووظّفه ناي لاحقًا في مقالٍ له في مجلة فورين أفيرز؛ إذ عرّف القوّة النافذة بأنّها الاستعمال المخادع للمعلومات لمآرب عدوانية34. وفقًا لكريستوفر والكر Walker Christopher، فقد سُمّيت القوّة النافذة ل "أنّها تخترق البيئة المعلوماتيّة أو السياسية للبلدان المستهدفة" من خلال الرقابة و/ أو الخداع و/ أو التلاعب و/ أو الإلهاء، وهي ترتبط عادة بالأنظمة التسلّطيّة، مثل روسيا والصين، وتؤمّن لها أفضليّة في مواجهة الأنظمة الديمقراطية لأنّها تتيح لها التأثير في الخصم في حين تحصّن هذه الأنظمة نفسها تجاه الخارج. وعلى الرغم من هذا التعدد في المفاهيم الجديدة حول القوّة، فإنّ الاهتمام الأكبر للباحثين ظل موجّهًا إلى القوّة الناعمة، وبقي هذا المفهوم تحديدًا مثار اهتمام كبير لدى العديد من القوى الموجودة على الساحة الدولية، بما في ذلك الدول الصاعدة حديثًا. ولعلّ ما أبقى مفهوم القوّة الناعمة حيويًّا بالنسبة إلى كثير من الباحثين والدول إلى اليوم، بالرغم من كثرة المفاهيم الجديدة المرتبطة بالقوة، هو أنّ القوّة الناعمة في إمكانها أن تتوافر لدى دول قد لا تكون بالضرورة قوّة عسكرية35؛ ومن ثمّ يبقى محل اهتمام ودراسة بالنسبة إلى العديد من الفاعلين.

ثًالث ا: ماهية القوة الناعمة

يُعتبر جوزيف ناي أوّل من استخدم مصطلح القوّة الناعمة، علمً أنّه كان قد صاغ لَبِنات هذا المصطلح في كتابه ملزمة بالقيادة الذي أصدره بداية التسعينيات من القرن الماضي، ثم أعاد استخدامه في كتابه مفارقة القوة الأميركية عام 2002؛ إذ وضعه كعنوان فرعي صغير في جزء محدودٍ من الكتاب شمل عددًا صغيرًا من الصفحات (بلغ عددها أربع صفحات)، وإن كان استخدم المصطلح في أكثر من مكان في كتابه هذا36. توسّ ع ناي في ما بعد في مفهوم القوة الناعمة، فوضع كتابًا عام بعنوان القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية 2004. بدا أنّ الهمّ الأساسي لناي في كتابه هذا، كما في الكتابات الكثيرة اللاحقة في حينه، هو البحث عن طريقة، أو وسيلة، لمساعدة الولايات المتحدة على مواجهة المحنة التي تمرّ بها، المتمثلة بانحدار قوّتها وتضرر صورتها على المسرح الدولي، لا سيما بعد حربي أفغانستان والعراق، وذلك من خلال إيجاد بدائل تتضمن استثمار واشنطن عناصر القوة الأخرى التي تمتلكها بعيدًا عن القوّة الصلبة أو الخشنة التي أضرّت بها، ولم تحقق النتائج المرجوّة منها في الميادين التي تمّ استخدامها فيها. ويعرّف ناي القوّة، بصفة عامّة، بأنّها "القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج المرجوّة"37، ويشير إلى وجود عدّة طرائق رئيسة مؤثِّرة في سلوك الآخرين، هي: إمّا إجبارهم من خلال التهديدات، وإمّا إغراؤهم من خلال الحوافز، وإمّا إغواؤهم38، وإمّا جعلهم يريدون طوعًا ما تريد39. ويرى ناي أنّه في بعض الأحيان

  1. Joseph S. Nye, Jr., "Hard, Soft, and Smart Power," in: Andrew F. Cooper, Jorge Heine & Ramesh Thakur (eds.), The Oxford Handbook of Modern Diplomacy (Oxford: Oxford University Press, 2013), pp. 430-442.
  2. يمكن تسميتها القوة الحادّة، لكن مصطلح القوّة النافذة أكثر تعبيرًا عنها، بالنظر إلى أنّها تتيح لصاحبها النفاذ إلى عمق الدولة الخصم معلوماتيًّا وإعلاميًّا ودعائيًّا.
  3. Christopher Walker & Jessica Ludwig, "The Meaning of Sharp Power: How Authoritarian States Project Influence," Foreign Affairs (16/11/2017); National
  4. Various, "Sharp Power: The New Shape of Chinese Influence," The
  5. 39  Joseph Nye et al., "Hard Decisions on Soft Power: Opportunities and Difficulties for Chinese Soft Power," Harvard International Review , vol. 31, no. 2 (Summer 2009), pp. 18-22.
  6. مروان قبلان، "سياسة قطر الخارجية: النخبة في مواجهة الجغرافيا"، 35 سياسات عربية، العدد 28 (أيلول/ سبتمبر 2017)، ص.26-7
  7. Nye, The Paradox of American Power , pp. 8-12. 37  Joseph Nye, "The Benefits of Soft Power," Compass: A Journal of Leadership (Spring 2004), Harvard University, 8/2/2004, accessed on 30/11/2021, at: https://hbs.me/31Q8PX0 38  Ibid.
  8. Endowment for Democracy, International Forum for Democratic Studies, Sharp Power: Rising Authoritarian Influence (Washington, DC: 5/12/ 2017).
  9. Economist , vol. 425, no. 9071 (December 2017).
  10. 34  Joseph Nye, "How Sharp Power Threatens Soft Power: The Right and Wrong Ways to Respond to Authoritarian Influence," Foreign Affairs

نستطيع أن نحصل على النتائج التي نريدها من دون اللجوء إلى الإكراه أو الإغراء. هذه القدرة في الحصول على ما نريد بطريقة غير مباشرة يطلق عليها البعض اسم "الوجه الثاني للقوّة"، وهي قوّة ناعمة تجعل الآخرين يريدون ما نريد، من دون قهرهم أو إكراههم على ذلك40. ومن هذا المنطلق، يعرّف ناي القوّة الناعمة بأنها "القدرة على صياغة خيارات الآخرين، والحصول على ما تريد عبر الجاذبيّة أو السحر Attractiveness or Charm، بدلً من القهر أو الإكراه أو الدفع القسري."

أأنماط السلوكالأدوات الرئيسةالسياسات
الحكومية
القوة العسكريةالإرغام
الردع
الحماية
القوة العسكرية
املقوة
الدبلوماسية
القسرية
الحرب
املتحالف
القوة الاقتصاديةالإغواء
الإرغام
الرشّى
املعقوبات
المساعدات
الرشّى
العقوبات
القوة الناعمةالجاذبية
ومضع جدول أعمال
القيم
الثقافة
السياسات
املمؤسسات
الدبلوماسية
العامة
الدبلوماسية
الثنائية
والمتعددة الأطراف

بمعنى أبسط، فإنّ "القوة الناعمة" هي القدرة على الحصول على ما تريد من خلال الإقناع والاستمالة وليس الإكراه. وتنبع "القوّة الناعمة" من خلال الجاذبية التي تولّدها ثقافة الدولة أو أفكارها السياسية أو حتى سياساتها العامة. وعندما يرى الآخرون في السياسات التي تتّبعها دولة ما شرعيّة في أعينهم، فإنّ القوّة الناعمة لهذه الدولة ستزيد بلا شك41. والقوّة الناعمة وفقًا لناي ليست عبارة عن تأثير فقط؛ إذ إنّ التأثير قد يرتبط بالقوة الصلبة أيضًا عبر التهديدات والرشّى، أي عبر الإرغام أو الإغراء. كما أنّ القوة الناعمة أكثر من مجرد الإقناع أو القدرة على استمالة الناس بالحجة، ولو أنّ ذلك جزء منها. بل هي أيضًا القدرة على الجذب، والجذب كثيرًا ما يؤدي إلى الإذعان. وعند تعريف القوى الناعمة من خلال السلوك فإنها ببساطة "القوة الجذابة"42. فالقوة الناعمة تستخدم أسلوبًا مختلفًا عن القوة الصلبة أو الخشنة، ومثلما لاحظ آدم سميث Adam Smith أنّ الناس تقودهم يدٌ خفيةٌ عندما يتّخذون قراراتهم في سوق حرّة، فإن قراراتنا في سوق الأفكار كثيرًا ما تشكّلها القوّة الناعمة، فهي انجذاب غير ملموس يقنعنا بمسايرة أغراض الآخرين، من دون تهديدهم أو إغرائهم43. ويقسّم ناي القوة إلى ثلاثة أنماط، هي: القوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والقوة الناعمة. ويعتبر أنّ القوّة الاقتصادية تدخل في إطار القوة الصلبة لأنها تدفع الآخر (ب) إلى أن يحقق ما يريد الأول (أ) عبر الإرغام أو الإغواء (الجدول.)1 الجدول)1(أنماط القوة الثلاثة

لكنّ تصنيف ناي هذا شابته ضبابية في حينه بسبب الأسلوب العامّ والانسيابي الذي اتّبعه في حديثه عن مفهوم القوّة الناعمة؛ إذ ليس من الضرورة الحصرية أن تدخل القوة الاقتصادية في إطار القوة الصلبة، كما لا يعني في حال أنّها لم تكن كذلك أن تكون في إطار منفصل. فما الذي يمنع أن تكون القوة الاقتصادية في إطار القوّة الناعمة أيضًا؟ القوّة الاقتصادية اليوم تمثّل مصدرًا مهمًّ من مصادر القوّة الناعمة في العالم؛ إذ لا يمكن أن تشكّل دولة ما نموذجًا اقتصاديًّا وإصلاحيًّا يغري الآخرين ما لم تكن قوة اقتصادية، وعندها يصبح الاقتصاد مصدرًا من مصادر توليد القوة الناعمة للدولة، ما لم يتم استخدامه لابتزاز الآخرين أو إجبارهم على ما لا يريدون فيتحول حينها إلى مصدر من مصادر القوة الصلبة، بالنظر إلى أنه يعتمد الإرغام.

  1. Nye, "The Benefits."
  2. Kerry Dumbaugh, China's Foreign Policy: What Does It Mean for U.S. Global Interests? (CRS Report for Congress, 18/7/2008), p. 5.
  3. جوزيف س. ناي، القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة محمد توفيق
  4. البجيرمي، تقديم عبد العزيز عبد الرحمن الثنيان (الرياض: مكتبة العبيكان، 2007)، ص.26 المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى أنماط القوة الثلاثة كما يراها ناي. 43 المرجع نفسه، ص.27 المصدر: المرجع نفسه.

الجدول)2(أنماط القوة بعد تعديل تصوّر ناي الأساسي

أنماط السلوكالأدوات الرئيسةالسياسات الحكومية
القوة الصلبةالقوة العسكريةالإرغام
الردع
الحماية
القوة العسكرية
القوة
الدبلوماسية القسرية
الحرب
التحالف
القوة الاقتصاديةالإغواء
الإرغام
الرشّى
العقوبات
الرشّى
العقوبات
القوة الناعمةالقوة الاقتصاديةالجاذبية
املتحفيز
التنمية
المساعدات غير المشروطة
الدبلوماسية الاقتصادية
تعزيز التجارة
القوة السياسية
القوة الثقافية
القوة العسكرية
الجاذبية
وضع جدول أعمال
القيم
الثقافة
السياسات
المؤسسات
الدبلوماسية العامة
الدبلوماسية الثنائية
والمتعددة الأطراف

كذلك الأمر بالنسبة إلى القوّة العسكرية، فهي قد تصبح مصدرًا من مصادر توليد القوّة الناعمة اعتمادًا على الكيفية التي يتم بها استخدامها، كأنْ تُستخدم في عمليات المساعدة في حوادث الزلازل والبراكين والكوارث الطبيعية والمساعدات الإنسانية والإعمار وحماية الدولة بشقّها الدفاعي لتحقيق الأمن والسلام، وهو ما لا يتضمّن الاعتداء على الآخرين (الجدول)244. وبهذا المعنى، يمكننا الذهاب في إطار أوسع من مناقشة القوّة الاقتصاديّة والعسكريّة للقول إنّ الطريقة، أو الآلية، أو النمط الذي يتم من خلاله استخدام وتوظيف مصادر القوّة هو الذي يحدد في ما بعد شكل هذه القوّة إذا ما كانت صلبة أو ناعمة؛ إذ يصبح التصنيف بناءً على هذا المعيار (الشكل.)1 للقوّة الناعمة أهمية كبرى في مجال العلاقات الدولية، لا سيما في وقت أصبحت فيه القوّة الصلبة التي تعتمد على القوة العسكرية أساسًا موضع جدلٍ كبير في ما يتعلّق بجدوى استخدامها، خاصة في حالات يصعب فيها الاستفادة منها، كما يصعب تحقيق الهدف الذي من أجله تمّ اللجوء إليها في المقام الأول. وبوصف القوة الناعمة مظهرًا من مظاهر القوّة، وشأنها في ذلك شأن القوّة التقليدية، يُعتبر امتلاك الدولة لهذا النوع من القوة مصدرًا مُهمًّ ومُفيدًا بالنسبة إليها على أكثر من صعيد. وبعيدًا عن البُعد الثقافي والسياسي، تكتسب "القوّة الناعمة" أهمية كبرى على الصعيد الاقتصادي؛ ذلك أنّها تسعى في المقام الأول إلى خلق بيئة آمنة ومستقرة من شأنها أن تحفّز على تطوير العلاقات السياسية والثقافية. ولمّا كان الاقتصاد العنصر الأكثر حاجة، بوجهٍ عامّ، إلى الاستقرار والبيئة الآمنة حتى ينمو ويزدهر، جاءت "القوّة الناعمة" لتخلق بُعدًا جديدًا، خاصة في الدول التي تعتمد على تثبيت دعائم اقتصادها قبل الانطلاق والتوسع إلى الخارج على الصعيد الإقليمي أو الدولي45. و"للقوة الناعمة" أهمية للدول التي تسعى إلى مد نفوذها أو توسيع إطار هذا النفوذ أو تحسين موقعها الإقليمي والدولي بطريقة سلمية تفاعليّة46 بعيدًا عن الإكراه والقوة العسكرية، علمً أنّ بعض الدول تختار المزج بين النموذجين. والقوة الناعمة أقل تكلفة، بطبيعة الحال، من القوة الصلبة أو الخشنة، وإن كانت تتضمن بدورها استخدام الموارد المتاحة، لكن من البديهي أن يكون إقناع جهة ما أقلّ تكلفةً من إكراهها على الذهاب في الاتجاه نفسه. ولا شك أيضًا في أنّ الإقناع الناجح يزيد فرص تكرار استخدامه في المستقبل مرّات أخرى. فالأهداف المشتركة، والقيم المشتركة، والاحترام المتبادل،

  1. Mingjiang Li (ed.), Soft Power: China's Emerging Strategy in International Politics (Plymouth: Lexington Books, 2009), p. 5.
  2. يمكن أن نعُدّ كلًّ من الصين وتركيا نموذجًا في هذا الشأن.
  3. بشأن الفرق بين الصعود الإقليمي التركي التفاعي والصعود الإيراني الصدامي، ينظر على سبيل المثال: عي حسين باكير، "التنافس التركي-الإيراني على النفوذ في المنطقة العربية"، مجلة آراء حول الخليج، العدد 55 (نيسان/ أبريل 2009)، ص 52-47؛ عي حسين باكير، الغد "الارتقاء الإقليمي التفاعي: تركيا نموذجًا"، صحيفة،.2008/6/19 المصدر: من إعداد الباحث.

اﻟﻘﻮة اﻟﺼﻠﺒﺔ

اﻟﻘﻮة اﻟﺸﺎﻣﻠﺔ

اﻟﻘﻮة اﻟﻨﺎﻋﻤﺔ

تساعد كلّها على أن ترى الأطراف الموقف من الزاوية نفسها؛ ومن ثم تدفعها إلى السعي إلى الحلول أو الأهداف نفسها. وتكمن أهمية "القوة الناعمة" - على سبيل المثال لا الحصر - في ما يي:. 1 على الصعيد الخارجي تعمل القوّة الناعمة للدولة (أ) على إيجاد بيئة مؤيدة ومساندة لسياساتها وتوجهاتها في الدولة (ب)؛ ما من شأنه أن يصبّ في النهاية في تحقيق مصلحة الدولة (أ.) تعمل القوّة الناعمة للدولة (أ) على خلق بيئة في الدولة (ب) تروّج المنتجات الثقافية وكل ما يرتبط بها في الدولة (ب) وجعلها جذّابة وشعبية على نحو يخدم مصلحة الدولة (أ.) تعمل القوّة الناعمة للدولة (أ) على زيادة تسويق منتجاتها في دولة أخرى (ب) من خلال الصورة الحسنة التي تظهر بها سمعة الدولة (أ) وكل ما يرتبط بها، ما من شأنه أن يُعزّز وضعها الاقتصادي ويزيد صادراتها أو يحد من مقاطعة بضائعها المصدّرة إلى الخارج.. 2 على الصعيد الداخلي من الممكن أن تساعد القوّة الناعمة الدولة على تسهيل تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة إليها. الشكل)1(طريقة استخدام وتوظيف مصادر القوّة هي التي تحدّد نوعها لاحقًا

أدوات اﻟﺘﺼﻮّر اﻟﺼﻠﺐ أﺎط اﻟﺘﺼﻮّر اﻟﺼﻠﺐ

ﻣﺼﺎدر

اﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑ اﻟﻘﻮة اﻟﻨﺎﻋﻤﺔ واﻟﻘﻮة اﻟﺼﻠﺒﺔ ﻋﱪ اﻟﻮﻇﻴﻔﺔ اﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻴﺔ

اﻟﻘﻮة

أدوات اﻟﺘﺼﻮّر اﻟﻨﺎﻋﻢ أ ﺎط اﻟﺘﺼﻮّر اﻟﻨﺎﻋﻢ

من الممكن أن تساعد القوّة الناعمة على جذب المزيد من السياح ورجال الأعمال والارتقاء بقطاعَي السياحة والأعمال. من الممكن أن تساعد القوّة الناعمة على جذب المزيد من الباحثين والطلاب والمهتمين بشأن الدولة المعنيّة، والاستفادة منهم لكي يكونوا بمنزلة سفراء لها ولثقافتها في بلدانهم الأصليّة.

رابعًا: مصادر القوة الناعمة

ذكر جوزيف ناي في مؤلّفه ثلاثة مصادر للقوّة الناعمة، هي: الثقافة (في الأماكن التي تكون فيها جذابة للآخرين)، والقيم السياسية (عندما يتم تطبيقها بإخلاص في الداخل والخارج)، والسياسة الخارجية (عندما يرى الآخرون أنها شرعية وأن لها سلطة معنوية أخلاقية.) وهو يضيف أنّه في السياسة الدولية تنشأ، إلى حدّ بعيد، الموارد المنتجة للقوة الناعمة من القيم التي تعبّ عنها منظمةٌ أو بلدٌ ما؛ في ثقافته، وفي الأمثلة التي تضربها ممارساته الداخلية والسياسية، وفي الطريقة التي يعالج بها علاقته مع الآخرين47. فالثقافة هي مجموعة القيم والممارسات التي تخلق معنى للمجتمع، ولها عدّة مظاهر، وتتضمن جانبين أساسًا: الثقافة العليا كالأدب والفن والتعليم (وهي تؤثّر في النخب عادة)، والثقافة الشعبية التي

  1. ناي، القوة الناعمة، ص.28

تركز على الجمهور بوجه عام48. ولكل مظهر من مظاهر الثقافة جاذبية معيّنة لدى الآخرين، وفي إمكانها أن تنتج قوّة ناعمة بدرجات مختلفة، فما قد يكون جذّابًا في دولة معيّنة قد لا يكون كذلك في دولة أخرى. أمّا القيم السياسية، فهي التوجهات التي تدافع عنها حكومة ما فتنتصر لها بسلوكها في الداخل (كالديمقراطية مثلً) وفي المؤسسات الدولية (بالعمل مع الآخرين)، وفي السياسة الخارجية (بتشجيع السلام وحقوق الإنسان)، والتي تؤثّر تأثيرًا قويًّا في خيارات الآخرين. فالحكومات في هذا الإطار يمكن أن تجذب الآخرين أو تنفّرهم من خلال تأثير المَثَل الذي تضربه لهم بوصفه قدوة49.

وبناء على ذلك، قد تعزز السياسات الحكومية لبلد ما قوته الناعمة أو تبددها؛ ذلك أنّ السياسات المحليّة والخارجية التي تبدو منافقة، أو متغطرسة، أو غير مبالية في رأي الآخرين، أو قائمة على معالجة ضيقة الأفق للمصالح الوطنية، قد تقوض القوة الناعمة50. وتعتبر السياسة الخارجية أيضًا مصدرًا من المصادر الأساسية في توليد القوة الناعمة وتطويرها، خاصة إذا كانت تأخذ في الحسبان مصالح الآخرين. فعادة ما تسعى الدول إلى تحقيق مصالحها القومية والوطنية عبر السياسية الخارجية، لكن خياراتها هي التي تسمح لها بتحديد مدى اتساع أو ضيق المنظور الذي يجري من خلاله تعريف نطاق مصالحها والوسائل التي يمكن من خلالها أن تحقق هذه المصالح.

ويشير ناي إلى أنّ بعض الباحثين يخطئون عندما يظنون أنّ القوة الناعمة قاصرة على الثقافة51، وإلى أنّ سلوك القوة الناعمة يعادل الموارد الثقافية التي تساعد على إنتاجها في بعض الأحيان53. إلّ أنّ ناي نفسه ساهم في إيجاد هذا الخلط عندما ركّز في مصادر القوة الناعمة من خلال كتاباته الأولى على العنصر الثقافي في معظم الأمثلة التي ضربها خلال محاولته شرح مفهوم القوة الناعمة متجاهلًالتركيز على الموارد الأخرى، وهو أمرٌ جعل كثيرًا من الباحثين يربطون القوة الناعمة بالعنصر الثقافي فقط. لكن من الملاحظ أيضًا أنّ ناي، بعد أن كان قد أكّد في تعريفه القوّة الناعمة، لا سيما في كتاباته الأولى، عنصر "الجاذبية الثقافية" على نحو أساسي، عدّل من هذا التوجه بإشراكه عناصر أخرى في ما بعد54. وفي حين سلّم كثير من الباحثين بهذه العناصر الثلاثة - التي سبق ذكرها - بوصفها مصادر، أو موارد للقوة الناعمة، حاول بعضهم الآخر تعديل ذلك من خلال تناول مضمون القوة الناعمة بطريقة أوسع وأكثر تفصيلً. فعلى سبيل المثال، اعتبر الباحث الصيني هونغ هوا مين Hong Hua Min أنّ مصادر القوّة الناعمة إنما تتركز في خمسة موارد، هي: الجاذبية الثقافية، والقيم السياسية، والنموذج التنموي الاقتصادي، والمؤسسات الدولية، والصورة الدولية55. ونستطيع أن نلاحظ أنّ هذا الباحث دمج القيم السياسية والسياسة الخارجية في عنصر واحد وأضاف ثلاثة عناصر أخرى إلى ما ذكره ناي سابقًا. فالنموذج التنموي الاقتصادي قد يكون مصدرًا من مصادر توليد القوة الناعمة، خاصة إذا ما كان ناجحًا على الصعيد الداخي في الدرجة الأولى، على نحو يسمح برصد تطور ملحوظ في الوضع الاقتصادي للدولة المعنيّة، وارتفاعٍ لدخل الفرد فيها ولمستوى المعيشة وللقدرة الاقتصادية للدولة عمومًا. وتستطيع الدولة، في هذه الحالة، أن تستخدم أدوات اقتصادية في سعيها إلى توسيع نطاق قوّتها الناعمة على الصعيد الخارجي. أمّا المؤسسات الدولية، فالمقصود بها قدرة الدولة على صياغة الأجندة الدولية من خلالها ووضع قواعد اللعبة بما يناسبها. ففي هذه الحالة، تكون المؤسسات الدولية مصدرًا من مصادر القوة الناعمة للدولة نفسها56. وفي ما يتعلق بالصورة الدولية للدولة، تتم صياغتها من خلال تصرفات الحكومة، ومن خلال أدائها وقراراتها ذات الصلة بالبعد الدولي والتعاون الدولي عمومًا، مثلما هو الشأن من خلال العديد من العناصر التي قد تتداخل مع مصادر أخرى ذكرناها آنفًا؛ كالثقافة، أو الصناعة، والاقتصاد، أو حتى الأفراد، وهي في هذه الحالة قد تكون أيضًا مصدرًا مُهمًّ من مصادر القوة الناعمة. ومن الملاحظ أنّ ناي أقرّ في كتابات لاحقة له أنّ الاقتصاد الناجح هو مصدر مهم من مصادر توليد القوة الناعمة، وأنّ الصورة الدولية أيضًا تعتبر عنصرًا مهمًّ في الإطار نفسه؛ وهذا ما يعني أنّ قائمة المصادر قد توسّعت بالفعل. ويضيف الباحثان زن لي وفرنر وورم، في مركز آسيا للأبحاث بكليّة كوبنهاغن للأعمال، مصدرًا سادسًا يعتقدان أنّ المجتهدين أهملوه، وهو ما يسمّيانه "الإغراء الاقتصادي" Economic Temptation57، الذي يشرحانه بقولهما: إذا قامت

  1. المرجع نفسه، ص.32
  2. المرجع نفسه، ص.37
  3. المرجع نفسه، ص.36
  4. يشير ناي إلى المؤرخ نيل فيرغسون بوصفه نموذجًا دالًّ على هؤلاء الباحثين، خاصة
  5. Joseph S. Nye, "Think Again: Soft Power," Foreign Policy (February 2006); Joseph Nye, "Restoring America's Reputation in the World and Why It Matters," Testimony before the Committee on Foreign Relations, U.S. House of
  6. أنّ فيرغسون يعتبر، على سبيل المثال، أنّ القوة الناعمة قوة غير تقليدية "كالسلع الثقافية والتجارية"، مقلّلً من قيمتها وأهميتها، عادًّا إيّاها "رخوة وضعيفة." 52 ناي، القوة الناعمة، ص.33
  7. Hongying Wang & Yeh-Chung Lu, "The Conception of Soft Power and its Policy Implications: A Comparative Study of China and Taiwan," Journal of Contemporary China , vol. 17, no 56 (August 2008), pp. 425-426. 56  Li & Worm, pp. 8-9.
  8. Representatives (March 2010), accessed on 16/2/2021, at: https://bit.ly/34i2y7x 54  Xin Li & Verner Worm, Building China's Soft Power for a Peaceful Rise , Series Copenhagen Discussion Papers 28 (Frederiksberg: Asia Research Centre, Copenhagen Business School, July 2007), p. 8.

دولة (أ) بتقديم فرص اقتصادية مفيدة للدولة (ب)، فإن الدولة (ب) ستتجاوب مع الدولة (أ) في مواضيع وقضايا عديدة، أو لن تتعارض معها على الأقل58. ويبدو واضحًا، من خلال المثال المذكور آنفًا، أنّ الباحثين قد أخطآ الخطأَ نفسه على غرار باحثين آخرين أخطؤوا من قبلُ عندما خلطوا بين مصادر القوة وأدوات القوة. أمّا سبب ذلك فيرجع إلى أنّه من المفترض لعنصر الإغراء الاقتصادي أن يكون ضمن أدوات القوة الناعمة، وليس ضمن قائمة المصادر أو الموارد، وهو ما سيجري شرحه لاحقًا. ويبدو هذا الخلط أكبر عادةً عند الحديث عن القوة الناعمة؛ وذلك لأنّ المفهوم لم يتم تطويره أكاديميًّا ونظريًّا على النحو المطلوب عند طرحه من جهة، ولأنه مفهوم جديد نسبيًّا في العلاقات الدولية وما زال خاضعًا للكثير من النقاشات، أي إنّه منفتح على المراجعة والنقد والتعديل والتطوير. ومن خلال العودة إلى مصادر القوة الناعمة، نستطيع أن نقول إنّ جميع ما تمّ ذكره يُعدّ فعلً مصادر للقوة الناعمة، ولكن ليس من الضروريّ أن تنتهي لائحة العناصر عند ما تمّ ذكره، وليس من الضروريّ أيضًا أن تتمتّع دولة ما بكل هذه العناصر دفعة واحدة، فقد تتمتع بها جميعًا وقد تتمتع ببعضها، أو قد تمتلك ما يزيد عليها أيضًا. لا شيء يمنع كذلك أن تكون بعض مصادر القوة على المستوى التقليدي هي نفسها مصادر للقوّة الناعمة، بالنظر إلى أنّ ما يحدد ذلك هو طريقة استخدامها أو توظيفها لاحقًا. على سبيل المثال، تعتبر الأصول العسكرية Assets Military الوجه الأسمى للقوة الخشنة أو الصلبة تقليديًا، وبالرغم من ذلك، فإنّ استخدامها في سياقات مختلفة يجعلها قادرة على توليد قوة ناعمة؛ كأن يجري استخدام الأصول العسكرية في وقت السلم للقيام بعمليات حفظ سلام، أو للمشاركة في عمليات إنقاذ واسعة أو مواجهة كوارث، أو في الفصل بين أطراف متنازعة، أو في عمليات مساعدة بناء الدول بعد الحروب. وما ينطبق على هذا المثال ينطبق كذلك على غيره من مصادر القوة التقليدية. وبالرغم من أنّ افتراض أن تقوم القوّة العسكرية بتوليد قوّة ناعمة لا يزال غير قابل للتصوّر لدى البعض، فإنّ عدّة دول كانت قد أدركت بالفعل أهمّية استخدام القوّة العسكرية لتوليد قوّة ناعمة؛ إمّا من خلال توظيف القدرات العسكرية في أعمال ذات طابع غير قتالي كالقيام بالمساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار، والأعمال الإغاثية إبّان الكوارث، وإمّا من خلال استخدام الدبلوماسية العسكرية لخلق صورة إيجابية عن الدولة، أو من خلال برامج تبادل ثقافة عسكرية أو برامج مساعدات عسكرية تولّد قوّة ناعمة للدولة المعنيّة59.

خامسًا: أدوات القوة الناعمة

يتطلب استخدام القوّة الناعمة براعة فائقة، واستثمارًا كبيرًا وصبرًا؛ ذلك أنّ الحصول على نتائج لا يكون فوريًّا، وقد يستغرق وقتًا طويلً. وفي هذا الإطار يقول ناي: "البراعة في استخدام القوة الناعمة أصعب - من القوة الصلبة أو الخشنة - لأنّ الكثير من المصادر المتعلقة بها [...]لا تكون كلّها تحت سيطرة الحكومة، ولأنّ تأثيرها يعتمد كثيرًا على قبول الجمهور المتلقي لها. وعلاوة على ذلك، فإن مصادر القوة الناعمة كثيرًا ما تعمل بصورة غير مباشرة عن طريق تشكيل البيئة السياسية، وتستغرق في بعض الأحيان أعوامًا كي تؤديَ إلى النتائج المرغوب فيها"60. وعلى الرغم من أنّ ناي قد تحدّث عن الدبلوماسية العامة بوصفها وسيلة لتحسين صورة الدولة، بطريقة تُظهر القوة الناعمة الخاصة بها، فإنّه لم يقدّم من خلال كتاباته عن القوة الناعمة الطريقة التي تستطيع من خلالها الدولة التي تمتلك هذه القوة استخدامها وتوجيهها أو السيطرة عليها على نحو أكبر للحصول على نتائج أفضل. كما أنّه لم يفصّل تفصيلً بيّنًا بينَ مصادر القوة الناعمة وبين عملها، ويحصر مسألة استخدام الدبلوماسية العامة في إطار تحسين صورة الدولة من دون أن يتطرق إلى العناصر الأخرى. يقول ناي: "للدبلوماسية العامة ثلاثة أبعاد، وهي كلها أبعاد مهمة [...]فالبعد الأول والأكثر مباشرة هو البعد التواصل اليومي، وهو ينطوي على توضيح سياق قرارات السياسة المحليّة والخارجية.[...] أمّا البعد الثاني، فهو التواصل الاستراتيجي، الذي تُطوّر فيه مجموعة من المواضيع البسيطة، وهو كثير الشبه بما يحدث في حملة سياسية وإعلانية[...]، وقد يكون التخطيط في هذا المجال أسهل من التنفيذ

  1. 59 ناي، القوة الناعمة، ص.149
  2. نستطيع أن نشير إلى بعض النماذج على سبيل المثال لا الحصر: - اعتمدت الصين هذا الأسلوب مصدرًا من مصادر القوة الناعمة ولترويج صورة إيجابية وبنّاءة لها. ينظر: China Power Team, "How is China Bolstering its Military Diplomatic Relations?" China Power, 27/10/2017, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3lTqjZF - استخدمت تركيا برامج الشراكة والتدريب العسكري – لا سيما في الصومال وأذربيجان - إضافةً إلى تكليف القوات المسلحة القيام بأعمال إغاثية خارجية (كأفغانستان)، وروّجت المنتجات الوطنية لقطاع الصناعات الدفاعية (كالطائرات الهجومية بدون طيّار والمعدات العسكرية الأخرى) كأداة للدبلوماسية العامة وتوليد قوّة ناعمة لها. - لبريطانيا باع طويل في استخدام القوات المسلحة لتوليد قوة ناعمة، كما أنّ الدور الذي قامت به قواتها في مكافحة كوفيد 19- لقيَ ثناءً لدى الجاليات المحليّة.
  3. 57  Ibid.

.[...]أمّا البعد الثالث من أبعاد الدبلوماسية العامة، فهو تطوير علاقات دائمة مع أشخاص أساسيين على مدى سنوات كثيرة عن طريق منح الزمالات الدراسية والمبادلات والتدريب والندوات والمؤتمرات والوصول إلى قنوات أجهزة الإعلام"61. لكنّ الاعتقاد السائد المتمثّل بأنّ القوّة الناعمة تعمل أساسًا بطريقة غير مباشرة Indirect هو اعتقاد غير دقيق، وغالبًا ما يكون ناجمً عن عدم التمييز بين مصادر القوّة الناعمة وأدواتها، بل إنّ الأرجح هو أنّ القوة الناعمة تعمل في قليل من الأحيان فقط بطريقة غير مباشرة، في حين يمكنها أن تعمل في كثير من الأحيان بطريقة مباشرة عبر ما نسميه أدوات القوة الناعمة، وهي التي تزوّد الحكومة بالقدرة على توجيه القوة الناعمة وحشدها في اتجاه معيّ أو لاستهداف دولة معيّنة أو شريحة معيّنة. وفي هذا الجانب، نعتقد أنّ صناعة هذه القوّة تنطوي على مستويين، على نحو مُطْلق، هما مستوى الموارد أو المصادر ومستوى الأدوات أو العناصر. فإذا افترضنا أنّ الدولة (أ) منخرطة في صناعة القوة الناعمة، فمن المفترض أن يتم ذلك في المستويين. المستوى الأوّل: تعمل الدولة في المستوى الأوّل على صناعة القوة الناعمة لنفسها وذاتها على الصعيد الثقافي أو الاقتصادي أو السياسي... إلخ (كأن تقوم بتنفيذ خطة تنمية اقتصادية أو طرح مبادرة سياسية أو نموذج جديد للدبلوماسية... إلخ.) وبينما هي تقوم بذلك، وإذا ما نجحت وحققت نتائج باهرة في عملها، فإن عملها هذا (غير الموجه إلى الخارج أصلً في هذه المرحلة، أو الذي لا يستهدف الآخر في هذه المرحلة) قد يترك تأثيرًا إيجابيًّا لدى الآخرين الذين يراقبون، أو قد يسبّب انجذابًا لدى هذه الأطراف فيستميلها عندما يلفت النجاح انتباهها إليه. ويمكننا أن نصف هذا المستوى بأنه مستوى التأثير غير المباشر، أو غير المقصود، لأنّ الدولة (ب) لا تتعرض خلاله لأدوات القوة الناعمة للدولة (أ.) وعادة ما يحصل هذا في المرحلة الأولى من بناء الدولة (أ) لقوّتها الناعمة. المستوى الثاني: في هذا المستوى، نعتقد أنّ في استطاعة الدولة (أ) استخدام ما نسميه أدوات القوة الناعمة التي تتيح لها توجيه قوّتها الناعمة في اتجاه الدولة (ب) المستهدفة، أو في اتجاه شرائح معيّنة فيها، أو في اتجاه من تريد من دول ومجتمعات. ويكون ذلك عملً واعيًا ومقصودًا ومباشرًا، ويجري تحقيقه عبر توظيف هذه الأدوات في إطار خطة تتناسب مع قدراتها والجهة المستهدفة، ويأتي بفعالية قصوى وتأثير كبير مقارنةً بالعمل على المستوى الأول المذكور سابقًا. وغالبًا ما يتضمن هذا المستوى استخدام ثلاثة أنواع من الدبلوماسية (يمكن استخدامها كلها أو بعضها، بحسب المصادر المتوافرة للدولة على كل صعيد)، وهي: الدبلوماسية الرسمية، والدبلوماسية الاقتصادية، والدبلوماسية العامة. أمّا أدوات القوة الناعمة التي يمكن أن تستخدمها الدولة (أ) في هذ المقام، فهي تتنوع وتتعدّد تبعًا لمصادر القوّة الناعمة أو مواردها الموجودة لديها. ويمكن في هذا المجال أن نقترح بعض أدوات القوّة الناعمة في خمسة مجالات، هي: أدوات الثقافة: تتضمن زيادة برامج التبادل الثقافي مع دول العالم، وإطلاق برامج تعليم اللغة في البلدان الأخرى، استنادًا إلى أنّ اللغة عامل أساسي في نقل الثقافة. وتتضمن، أيضًا، زيادة نسبة المنح المقدّمة للطلاب الأجانب للدراسة في البلد المعني والتبادل التعليمي، واستحداث المعاهد الثقافية في الخارج، إضافة إلى تعزيز التواصل مع دول العالم عبر إنشاء محطات إذاعية وتلفزيونية، وتوفير المواقع الإلكترونية الحكومية وغير الحكومية الإخبارية والثقافية بعدة لغات لضمان إمكانية التفاعل مع "الآخر" المهتم بالبلد المعني بطريقة أسهل. وتشمل هذه الأدوات الثقافة، كذلك، إرسالَ المزيد من بعثات المعلّمين والأطباء والمهندسين، وكل ما من شأنه أن يعبّ عن ثقافة البلد أفضل تعبير، وذلك للانخراط في الخارج؛ سواء كان ذلك لتقديم دورات، أو لتلقي دورات، أو حتى للعمل، والإنتاج الإعلامي الاح اررفي كالأفلام والمسلسلات أو حتى الكتب والمؤلفات والروايات. ويمكن أن تتداخل العديد من الأدوات الأخرى في المعطى الثقافي لتصبح معبّة عنها كالصناعة في بعض الأحيان، أو بعض العادات والتقاليد التي يختص بها بلد معين، أو ربما المأكولات والمشروبات، وهو ما يختصر نمط الحياة إجمالً في ذلك البلد... إلخ. أدوات القيم السياسية: تتمثّل هذه الأدوات في تعزيز مبادئ الحرية والعدالة والقانون، وتعزيز مفاهيم الديمقراطية والتعددية والحوار، وتشجيع ثقافة السلام ودعم حقوق الإنسان والقيم الإنسانية العليا، وتغليب لغة المصالح والعمل المشترك... إلخ. أدوات السياسة الخارجية: تتضمن تقوية المؤسسات الدبلوماسية وتوسيع رقعة التمثيل الدبلوماسي، وتخصيص المزيد من الموارد التي تتيح للبلد المعني تمثيل مصالح البلاد والدفاع عنها والتواصل مع الدول الأخرى على نحو أكثر فعالية وعلى أكمل وجه. يضاف إلى ذلك تبنّي، أو طرح، مبادرات دبلوماسية تجاه الدول الأخرى؛ بهدف تحسين أو تطوير

  1. المرجع نفسه، ص.163-161

العلاقات الثنائية المتعددة الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتبنّي أو طرح مبادرات تستهدف إحلال السلام أو الوساطة أو حل النزاع بين أي طرف من الأطراف المختلفة. ويدخل في إطار أدوات السياسة الخارجية أيضًا تفعيل الدبلوماسية العامة والشعبية وكل ما يرتبط بها، والدفاع عن القضايا العادلة والمحقّة والقضايا ذات الطابع الإنساني وإنشاء ما أمكن من المؤسسات والتجمعات الإقليمية والدولية التي تهتم بتعزيز العمل المشترك والتعاون المتعدد الأطراف بين الدول أو الانضمام إليها... إلخ. الأدوات الاقتصادية: يدخل في هذا الباب الانفتاح على التبادل التجاري وتقوية المصالح المشتركة، وتقديم المساعدات الاقتصادية والتنموية غير المشروطة بشروط غير موضوعية في المجمل، فضلً عن تقديم القروض الميسّة والطويلة الأمد والهبات والإعفاءات والامتيازات، والعمل على تمكين التدفقات الاستثمارية والممارسات التجارية الدولية، وتقديم نموذج اقتصادي وتنموي ناجح، ومحاربة الفساد والهدر وغسل الأموال وشبكات الجريمة المنظمة اقتصاديًا... إلخ. الأدوات العسكرية: يمكن استخدام هذه الأدوات، أو توظيفها، في إنتاج قوّة ناعمة؛ فهي تتعدّد ومن الممكن أن تكون في شكل مشاركات غير قتالية؛ كالمشاركة بفعالية في قوات حفظ السلام، وتنفيذ عمليات حفظ السلام، أو فضّ النزاع، أو خفض تصعيد، أو تحقيق استقرار. وقد تكون متمثّلة في عمليات إغاثة وإنقاذ، ومساعدات إنسانية، وطبابة، وإعادة إعمار في أوقات الأزمات والكوارث. ومن الممكن أن تكون أيضًا من خلال برامج تدريب عسكري لزيادة الثقة والتعاون، أو برامج ثقافة وتعليم عسكرية، أو تقديم مساعدات عسكرية للدول الأضعف لمساعدتها على حماية نفسها، أو قد تكون من خلال تفعيل الدبلوماسية العسكرية أو الدفاع عن قضية عادلة ومحقّة... إلخ.

سادسًا: آلية عمل القوّة الناعمة

أحد المآخذ المتعلقة بتناول ناي مفهوم القوة الناعمة أنّه فشل في صياغة آلية عمل القوة الناعمة، وكيفية تحويل الدولة مواردها إلى قوة ناعمة واستخدام هذه القوة في التأثير في خيارات الآخرين؛ ومن ثمّ الحصول على النتيجة المرجوة أو المنتظرة. وكما يقول جون إلستر Elster Jon، فإنّ الفرضية وآلية العمل أمران مهمّ ن في التنظير و"صياغة النظريات" في العلوم الاجتماعية؛ ليس لأنه سيصبح من الممكن تطبيق الفرضية على نحو شامل لتوقع الأحداث الاجتماعية والسيطرة عليها، بل لأنها تتضمن مفهومًا عامًّا ودقيقًا بما فيه الكفاية يصح أن يستخدم كنموذج لفهم حالات أخرى لم تُواجه بعدُ، أو لم يُتطرَّق إليها62. ولأنّ ناي لم ينجح في هذا الجانب، فإنه لم يكن لديه مجال ليحكم في ما إذا كانت مصادر القوّة الناعمة تؤدي إلى النتائج المرجوّة إلّ من خلال تناول حالات خاصة حدّدها بنفسه، كذلك الأمر بالنسبة إلى أدوات القوة الناعمة، فهو لم يشرح الآلية التي تسمح بتركيز القوة الناعمة أو توجيهها إلى الطرف المستهدف، ولذلك أخذ يضرب أمثلة كثيرةً عن تأثير القوة الناعمة من دون أن يكون ثمّة أساس نظري واضح يستند إليه. وقد حاول كل من الباحثين يانزهونغ هوانغ وشينغ دينغ Yanzhong Huang and Sheng Ding في بحث مشترك لهما تطوير نموذج مبسّط لآلية عمل القوة الناعمة يصل مصادر القوة الناعمة بالمخرجات التي يحققها (الشكل 2) الهدف من التصور النظري لهذه الآلية هو شرح الكيفية التي تقوم بها الدول من خلال تحويل القدرات الكامنة للقوة الناعمة إلى قوة حقيقية تؤثّر في خيارات الآخرين أو سلوكهم أو تغيّ ها63. مثلما يظهر في الشكل 2()، فإن الدولة (أ) قد تمتلك موارد متعددة أو مصادر متعددة للقوة الناعمة، وهي ليست محصورة، بطبيعة الحال، في الجاذبية الثقافية، أو العظمة الاقتصادية، أو إغراء المؤسسات السياسية، أو البراعة والدهاء الدبلوماسي. وهذه الموارد قد تترك تأثيرًا في النخبة السياسية، ومجموعات المصالح، ولدى العامّة أيضًا في الدولة (ب.) وإذا ما افترضنا أنّ السياق الدولي يخوّل الدولة (أ) استخدام قوتها الناعمة في سياق معيّ، فإن صورة الدولة (أ) وسمعتها وتأثيرها وشهرتها سيُنظر إليها كلّها على نحو إيجابي في الدولة (ب)، وهذا الأمر سيسمح للفاعلين السياسيين في الدولة (ب) بالوقوف إلى جانب توجهات الدولة (أ) ورؤاها وقيمها، وسيتم تظهير ذلك من خلال عملية صنع القرار64. في هذه الحالة، نستطيع القول إنّ الدولة (أ) استطاعت أن تُحقّق المخرجات التي تريدها أو تناسبها إذا ما دفعت سياستها الدولة (ب) إلى تقديم الدعم المباشر لها؛ في السياسة الخارجية مثلً، أو في السياسات الأخرى التي تصبُّ في مصلحتها، أو إذا دفعت هذه السياسات الدولة (ب) إلى النظر إلى الدولة (أ) على أنّها الملهم أو القائد، وفي الحالات القصوى يتحول ذلك إلى مصدر إضافي من مصادر

  1. Yanzhong Huang & Sheng Ding, "Dragon's Underbelly: An Analysis of China's Soft Power," East Asia , vol. 23, no. 4 (Winter 2006), p. 25.
  2. Ibid.
  3. Ibid. المصدر: المرجع نفسه.

الشكل)2(مخطط لشرح آلية عمل "القوة الناعمة"

اﻟﺴﻴﺎق اﻟﺪوﱄ

اﻟﻔﺎﻋﻠﻮن اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﻮن ﻣﺼﺎدر اﻟﻘﻮة ﰲ اﻟﺪوﻟﺔ)ب(اﻟﻨﺎﻋﻤﺔ ﻟﻠﺪوﻟﺔ)أ(

القوة الناعمة للدولة (أ) يمكن استخدامه مستقبلً65. وفي المقابل، إذا كانت مخرجات الدولة (ب) ليست في صالح الدولة (أ)، فإن على الدولة (أ) بذل المزيد من الجهود لتحسين عناصر قوتها الناعمة وعلاقتها الدبلوماسية مع الدولة (ب.) طوّر الباحثان زن لي وفرنر وورم هذا النموذج المبسّط وأدخلا عليه تعديلات أخرى، واعتبرا، استنادًا إلى الاجتهادات التي بذلت في هذا الإطار، أنّ في إمكان القوة الناعمة للدولة (أ) استهداف ثلاثة مستويات، عمومًا، في الدولة الأخرى (ب.) فقد تستهدف القوة الناعمة النخبة السياسية في المستوى العالي، وقد تستهدف مجموعات المصالح في المستوى المتوسط، أو قد تستهدف الطبقة العامة أو عامة الشعب في المستوى الأدنى66. لكن لا شيء يمنع، بحسب رأينا، استهدافَ كلّ مستوى من هذه المستويات على حدة أو المستويات جميعها في الوقت نفسه. وعلى الرغم من أنّ نموذجهما حوى بعض التحديثات القيّمة، فإنّهما أخطآ في المزج بين العناصر والأدوات بإدخالهما "الإغراء الاقتصادي" إلى قائمة مصادر القوة الناعمة (كما سبق أن ذكرنا)، ثمّ إنهما لم يحددا الحالات التي يكون فيها التأثير مباشرًا، والحالات

ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺻﻨﻊ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻣﺨﺮﺟﺎت ﺳﻴﺎﺳﺔ ﰲ اﻟﺪوﻟﺔ)ب(اﻟﺪوﻟﺔ)ب(ﻟﺼﺎﻟﺢ)أ(

التي يكون فيها غير مباشر في الدولة (ب)، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مخرجاتها، وهو ما قمنا بإضافته (الشكل.)3 من النقاط المهمّة التي تجدر الإشارة إليها في هذا المقام أنّ معظم أدبيات القوّة الناعمة وآلية عملها ودائرة تأثيرها إنما تركّز أساسًا على الأنظمة الديمقراطية. لذلك، يُطرح السؤال: كيف يكون الأمر في حال وجود انفصال بين النخب السياسية وبين جماعات المصالح وبين العامّة في الدولة المستهدفة؟ كيف للقوة الناعمة أن تعمل في هذه الحالة؟ وما آلية عملها؟ وما المخرجات التي ستترتّب عليها؟ وكيف ذلك؟ تفترض الكتابات السابقة المتعلّقة بالمفهوم وآليات العمل انسجامًا بين مختلف المستويات في الدولة (ب) بحيث يرتبط كل مستوى بالآخر وصولً في النهاية إلى عملية صنع القرار. لكن الأمر لا يتم على هذا النحو إذا كانت الدولة المستهدفة بالقوة الناعمة أي الدولة (ب) دولة غير ديمقراطية؛ أي أوتوقراطية أو شمولية أو تابعة لأي نموذج آخر. وفي مثل هذه الحالة، نعتقد أنّه توجد ثلاثة سيناريوهات على الأقل67:

  1. Ibid.
  2. Li & Worm, pp. 11-12.
  3. جرى تطوير هذا السيناريو بعد النقاش المتعلق بأطروحة الدكتوراه. ينظر: عي باكير، "مستقبل الصين في النظام العالمي: دراسة في الصعود السلمي والقوة الناعمة"، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة بيروت العربية، بيروت،.2016 المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه.

ﻣﺼﺎدر اﻟﻘﻮة اﻟﻨﺎﻋﻤﺔ ﰲ اﻟﺪوﻟﺔ)أ(اﻟﺪﺑﻠﻮﻣﺎﺳﻴﺔ اﻟﺮﺳﻤﻴﺔ

• اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ • اﻟﻘﻴﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ

اﻟﺪﺑﻠﻮﻣﺎﺳﻴﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ

• ­ ﻮذج اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ • اﳌﺆﺳﺴﺎت اﻟﺪوﻟﻴﺔ

اﻟﺪﺑﻠﻮﻣﺎﺳﻴﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ

• اﻟﺼﻮرة اﻟﺪوﻟﻴﺔ • ﻣﺼﺎدر أﺧﺮى

ﻣﺼﺎدر اﻟﻘﻮة اﻟﻨﺎﻋﻤﺔ ﰲ اﻟﺪوﻟﺔ)أ(

• اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ • اﻟﻘﻴﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ •   ﻮذج اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ • اﳌﺆﺳﺴﺎت اﻟﺪوﻟﻴﺔ • اﻟﺼﻮرة اﻟﺪوﻟﻴﺔ • ﻣﺼﺎدر أﺧﺮى

الشكل)3(مخطط لشرح آلية عمل "القوة الناعمة"

اﻟﻔﺎﻋﻠﻮن اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﻮن ﻟﻠﺪوﻟﺔ)ب(

• ﻣﺴﺘﻮى ﻋﺎلٍ: اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺻﻨﻊ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﰲ اﻟﺪوﻟﺔ)ب(• ﻣﺴﺘﻮى ﻣﺘﻮﺳﻂ: ﻣﺠﻤﻮﻋﺎت اﳌﺼﺎﻟﺢ • ﻣﺴﺘﻮى ﻣﻨﺨﻔﺾ: ﻣﺨﺮﺟﺎت ﺳﻴﺎﺳﺔ اﻟﺠﻤﻬﻮر اﻟﻌﺎم اﻟﺪوﻟﺔ)ب(ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻟﺪوﻟﺔ)أ(

الشكل)4(مخطط لشرح آلية عمل "القوة الناعمة" في السيناريو الثاني

اﳌﺴﺘﻬﺪﻓﻮن ﰲ اﻟﺪوﻟﺔ)ب(

ﻣﺨﺮﺟﺎت اﻟﺪوﻟﺔ)ب(ﻟﺼﺎﻟﺢ)أ(اﻟﻨﺨﺒﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ

أدوات اﻟﻘﻮة اﻟﻨﺎﻋﻤﺔ

اﻟﺠﻤﻬﻮر اﻟﻌﺎم

السيناريو الأول: أن تكون النخبة الحاكمة وعامّة الناس في الدولة (ب) على الموقف نفسه من التأثير الذي تتركه فيهم القوة الناعمة للدولة (أ.) وحينئذ، لا توجد مشكلة؛ فقد ينطبق ما قيل سابقًا حول طريقة عمل القوّة الناعمة بطريقة أو أخرى على هذا النموذج. السيناريو الثاني: أن تكون النخبة الحاكمة في الدولة (ب)، على عكس موقف العامّة متأثرة بالقوة الناعمة للدولة (أ.) وفي هذه الحالة، ستظل الدولة (أ) تستفيد من تأثيرات القوة الناعمة الخاصة بها عبر المخرجات التي ستقوم النخبة الحاكمة في الدولة (ب) بتظهيرها لصالحها، كما قد تقوم النخبة الحاكمة في الدولة (ب) بمحاولة تسويق تأثيرات القوة الناعمة في العامّة لديها، أو حتى إجبار العامّة على تقبّل ذلك (الشكل.)4 السيناريو الثالث: أن تكون العامّة في الدولة (ب)، على عكس موقف النخبة الحاكمة، متأثرة بالقوة الناعمة للدولة (أ.) وفي هذه الحالة فإن مخرجات تأثيرات القوّة الناعمة ستكون داخلية؛ بحيث قد تضغط العامّة (بحسب مدى درجة التأثر بالقوة الناعمة) على النخبة الحاكمة في محاولة لتعديل موقفها لصالح الدولة (أ) أو قد تطيح بها. وهنا تكون مفاعيل القوة الناعمة داخلية، وقد تؤدي إلى إطاحة النظام (الشكل.)5

الشكل)5(مخطط لشرح آلية عمل "القوة الناعمة" في السيناريو الثالث

ﻣﺼﺎدر اﻟﻘﻮة اﻟﻨﺎﻋﻤﺔ ﰲ اﻟﺪوﻟﺔ)أ(

• اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ أدوات اﻟﻘﻮة اﻟﻨﺎﻋﻤﺔ • اﻟﻘﻴﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ •  ﻮذج اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ • اﳌﺆﺳﺴﺎت اﻟﺪوﻟﻴﺔ • اﻟﺼﻮرة اﻟﺪوﻟﻴﺔ • ﻣﺼﺎدر أﺧﺮى

سابعًا: حدود القوّة الناعمة

إنّ القوة الناعمة لا تمتلك قدرة تأثير مطلقة، على الرغم من المزايا التي تتمتّع بها، شأنها في ذلك شأن سائر أنواع القوّة. علاوةً على ذلك، يجب أن نأخذ في الحسبان أنّه ليس من الضروريّ أن تنجح القوة في تحقيق أهدافها على الدوام حتى لو كان طرفٌ ما يمتلك ما يعتقد أنّها قوّة كافية لإنجاز أهدافه أو الحصول على النتائج التي يريدها؛ إذ توجد العديد من العناصر والعوامل التي يمكنها أن تحدّ من قدرات القوة، وهذا ينطبق على القوة الناعمة أيضًا. وبالرغم من المحاولات التي بذلت لقياس القوّة الناعمة أو تقييم فعاليتها أو تصنيف الدول التي تمتلكها، فإنّ مسألة قيام القوّة بقيت تشكّل إشكالية كبرى في المطلق، ولعل هذا ما جعل الواقعيين الذي يعتمدون على القيام بالقياس الكمّي غالبًا لتقييم حجم القوّة ومدى فعاليتها يقلّلون من شأن القوّة الناعمة ودورها وتأثيرها وفعاليتها. وعلى كل حال، تظلّ القوّة الناعمة قوّةً غيرَ مطلقة وصعبة القياس، وتظلّ حدود لها ولما يمكن أن تحقّقه، ومن المهم معرفتها وفهمها لأنّ ذلك يساهم، في نهاية المطاف، في إتقان كيفية استخدامها وتوظيفها الأمثل، ولعل أهمّها ما يي:

اﳌﺴﺘﻬﺪﻓﻮن ﰲ اﻟﺪوﻟﺔ)ب(

اﻟﻨﺨﺒﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ

اﻟﺠﻤﻬﻮر اﻟﻌﺎم

1. طبيعة القوة الناعمة التفاعلية وصدقية الطرف الذي يمتلكها

يقول أرسطو إنّ فنّ الخطابة يتضمن ثلاثة عناصر، هي: شخصية المتحدّث، والحالة الذهنية للجمهور المستمع، ونوعية الخطاب الموجّه إليهم68. ومن بين هذه العناصر، تحتل شخصية المتحدث الموقع الأهم. وليس رأي المتحدث الشخصي في نوعيّة كلامه، بل إنّ الشأن في تصوّر الجمهور لصدقية كلامه69. فإذا قام الجمهور بتعريف المتحدث بوصفه شخصًا ذا صدقية، فإن قدرته على جذب الانتباه والإعجاب والإقناع ستكون أسهل. وهذه الطبيعة التفاعلية للخطاب التي تحدّث عنها أرسطو بين الخطيب والجمهور تنطبق أيضًا على القوة الناعمة. فالقوة الناعمة علاقة تفاعلية بين المُصنّع أو المُوجّه من جهة، وبين المتلقي أو المُستهدَف من جهة أخرى؛ إذ إنّ الإقناع هو جوهر القوة الناعمة70، وصدقية الجهة الممتلكة للقوّة الناعمة بالنسبة إلى الطرف المُتَلقي أو المُستهدَف تعدّ أمرًا أساسيًّا، وهي التي ستُحدّد بدورها مدى الفعالية والتأثير الذي ستتركه القوة الناعمة. فالقوة الناعمة ترتكز على مدى قدرة الدولة على استمالة الطرف المُستهدَف بدلً من إجباره بالقهر أو الإكراه71. فإذا كان يوجد تناقض بين أقوال الدولة وأفعالها، أو بين سلوكها في الداخل وسلوكها في الخارج، فإنّ ذلك قد يؤثّر سلبيًّا في صدقيتها؛ ومن ثمّ يحدّ من قوّتها الناعمة ومن قدرتها على تحقيق أهدافها على النحو المطلوب.

2. رأي الآخر وموقفه من القوّة الناعمة

تمتلك القوّة الناعمة طبيعة تفاعلية، كما سبق أن ذكرنا، ولذلك فإن موقف الآخر ونظرته إلى الطرف الذي يمتلكها يؤديان دورًا مهمًّ. فبعيدًا عن مسألة الصدقية، فإنّ ما يَعتقده الطرف الآخر مهمٌّ. وإذا أردنا استخدام القوة الخشنة أو الصلبة لانتزاع شيء من الطرف الآخر، فحينئذ لا تهمُّ صورتُه عن الطرف الأول أو ما يعتقده عنه، لكن المسألة بالنسبة إلى القوة الناعمة مختلفة، وهي أشبه ب "رقصة" تحتاج إلى شريك72.

3. المستوى الذي تستهدفه القوّة الناعمة

توجد، عادةً، ثلاثة مستويات رئيسة يمكن أن تستهدفها الدولة (أ) بالقوّة الناعمة في الدولة (ب)، كما سبق أن شرحنا. ومن الطبيعي ضمن هذه المستويات أن يكون المستوى الأول الذي يتضمن النخب السياسية هو الأكثر تأثيرًا وفاعلية في تظهير مُخرجات سياسية سريعة أو مباشرة لصالح الدولة (أ)، مقارنةً بمجموعات المصالح أو بعامة الشعب. لكنّ ذلك لا يلغي أهمية المستويات الأخرى، وإن كانت تعمل بوتيرة أقل أو أبطأ أو أخف. فالمصالح، التي تضم مجموعات الأعمال والمجموعات الإثنية والاتحادات التجارية والمنظمات غير الحكومية، وغيرها، قد تتمتع بقدرة جيدة على التأثير في النخبة السياسية أو في مفاتيح صنع القرار في الدولة، على نحو يتيح تظهير مخرجات لصالح الدولة (أ.) كما تستطيع العامّة ترك تأثير معيّ في عملية صنع القرار من خلال الرأي العام، والمظاهرات، والاستفتاءات، وغيرها من الطرق، بطريقة تصبّ، في النهاية، في السياق نفسه المذكور من قبل.

4. البيئة التي تعمل فيها القوّة الناعمة

تؤدّي البيئة التي يجري فيها استخدام القوة الناعمة دورًا أيضًا في الحد من قدرتها أو زيادتها. وعلى سبيل المثال، فإن استخدام الدبابات في الوحل أو في أرض وعرة ليس كاستخدامها في سهل أو أرض مستوية، على الرغم من أنّ الدبابة عنصر ثابت في كل المعطيات في المواضع المذكورة. ثمّ إنه لا يمكن استخدام الدبابة في السماء أو

  1. ينظر: أرسطوطاليس، الخطابة: الترجمة العربية القديمة، حققه وعلق عليه عبد الرحمن بدوي (الكويت: وكالة المطبوعات؛ بيروت: دار القلم، 9197)، ص.12
  2. Brantly Womack, "Dancing Alone: A Hard Look at Soft Power," The Asia Pacific Journal: Japan Focus , vol. 3, no. 11 (November 2005), accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3DDMmte
  3. رغم ذلك نعتقد أنّ المستهدف قد لا يكون في كل الحالات مقتنعًا، ولكن قد يكون مُعجبًا أو مشدودًا.
  4. Edward F. Hwang, "China's Soft Power and Growing Influence in
  5. Southeast Asia," Master of Arts in Security Studies, Naval Postgraduate School, Monterey, California, March 2008, p. 22. 71  Joseph S. Nye, Soft Power and Public Diplomacy , Lecture at the British Council, London, 20/1/2010, p. 4.

الفضاء، بل على الأرض فقط. وهذه المعايير تنطبق أيضًا، وإن بفارق ملحوظ، على استخدامات القوة الناعمة؛ إذ يجب أن تكون البيئة والظروف المحيطة بها مناسبة لاستخدام هذا النوع من القوّة، مثلما يجب أن تكون الأهداف المرجوّ تحقيقها واقعية ومعقولة. فعلى سبيل المثال، لا يمكن احتلال بلد ما عبر القوة الناعمة.

5. استراتيجية استخدام القوّة الناعمة

يُفترض ألّ يقتصر الأمر على المستوى الأول (أي مستوى الموارد والمصادر الذي شرحناه سابقًا)، حتى تجري الاستفادة من القوة الناعمة؛ إذ يجب الاستفادة من توظيف الأدوات والعناصر الخاصة بالقوة الناعمة من خلال سياسة عامة - أو استراتيجية حكومية - تلاحظ هذا الأمر وتوليه أهمية وعناية. وفي كثير من الأحيان قد لا تكون الاستراتيجية ملائمة، أو قد تفشل في توظيف الأدوات والموارد الخاصة بالقوة الناعمة.

6. البراعة في استخدام القوّة الناعمة

للقوة، سواء كانت صلبة أو ناعمة، إيجابيات وسلبيات. فاستخدام قدر كبير من أي نوع من أنواع القوة يخلق الأعداء ويولّد المقاومة والصد. ومثلما قد يولّد استخدام قدر كبير من القوة الصلبة على سبيل المثال المقاومة بدلً من الخضوع، فإن استخدام قدر كبير من القوة الناعمة قد يولّد، من خلال المنطق نفسه، الاستياء والامتعاض والغضب بدلً من الانجذاب والاستمالة73.

خاتمة

مع أنّ مفهوم القوّة يُعتبر من المفاهيم المركزية في حقل العلاقات الدولية، فإنّ الجدل حول تعريف القوّة وماهيتها وخصائصها لا يزال قائمًا. وفي هذا المجال، لا يوجد تعريف موحّد يجمع عليه الباحثون؛ وهذا في حدّ ذاته مؤشر إضافي دالّ على أنّ مفهوم القوّة سيبقى موضوعًا للنقاش، لا سيما في حقل العلاقات الدولية ومفهوم القوّة الناعمة أيضًا على نحو أخصّ. فعلى الرغم من مرور حوالى أربعة عقود على طرح مصطلح "القوّة الناعمة"، وحوالى 17 عامًا على كتاب ناي القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية، لا يزال المفهوم محلّ اهتمام كبير من الباحثين والفاعلين المعنييّن في المجتمع الدولي. وعلى المستوى البحثي، يُعدّ مقال ناي العلمي المنشور في بعنوان القوة الناعمة: تطوّر المفهوم شباط/ فبراير 2021 دليلً آخر على ديناميكية مفهوم القوّة عمومًا، ومفهوم القوّة الناعمة خصوصًا، وهذا يعني أنّه لا يزال ثمّة ما سيقال عن المفهوم وما سيُناقش على مستوى الإنتلجنسيا والأكاديميا على حد سواء. أمّا على المستوى العمي، فإنّ تراجع الاهتمام بالقوّة العسكرية الصلبة، أو الاعتماد عليها، كوسيلة وحيدة وشبه حصرية لتحقيق أهداف الدولة المعنيّة في السياق الدولي، مقابل صعود الاهتمام بالقوّة الناعمة لدى الفاعلين الدوليين، خاصّة لدى الدول الصغيرة، نسبيًّا، التي تمتلك قدرات ما دون عسكرية فعّالة - سياسية أو دبلوماسية أو اقتصادية - والقوى الصاعدة التي تريد أن تعطي وزنًا و/ أو دورًا أكبر للقوّة الناعمة في ميزان قوّتها الشاملة، يبقى مفهوم القوّة الناعمة حيويًّا وفي صلب التفاعلات الدولية. لكن في المقابل، وبسبب طبيعة القوّة الناعمة الرخوة وغير القابلة للقياس الكميّ، قد يعني المفهوم نفسه أشياء مختلفة لعدّة فاعلين، أو قد يتغيّ أو يتكيّف مع توجهات الدولة المعنيّة أو الجمهور المستهدف. فعلى سبيل المثال، أوضح ناي للطلبة، في إحدى محاضراته، في جامعة صينية، أنّ التضييق على المجتمع المدني قد يؤدي إلى نتائج سلبية، مشيرًا إلى حالة الفنان الصيني آي ويوي Weiwei Ai. وما إن انتهى من محاضرته، حتى اعتلى عميد الكليّة المنصة وقال: "نحن سعداء بوجود البروفيسور ناي هنا، لكن يجب أن تدركوا أيها الطلاب أن استخدامه مفهوم القوّة الناعمة سياسي على نحو مفرط، ونحن نفضل قصره على القضايا الثقافية". لكن الضبط النظري لمفهوم القوّة الناعمة يساهم، من دون شك، في وضع أُطرٍ أكثر وضوحًا وصرامة في ما يتعلق بتعريف المضمون وطريقة عمله. إنّ القوّة الناعمة تحتاج إلى وعيٍ عميق بطريقة تشكّلها، وضرورة التفريق - كما تمّ إيضاحه سابقًا - بين القوّة ومصادر القوّة وأدوات القوّة. وتتطلب هذه القوّة أيضًا إدراكًا جيّدًا لطبيعة عملها، وكيفيّة توظيفها، ومدى فعاليتها، وحدود تأثيرها. إنّ القوّة الناعمة تحتاج إلى استثمارٍ كبير ونفسٍ طويل، فمراكمتها تتطلّب صبرًا، وتوظيفها يفرض وجود استراتيجية، والملاحظة الأهم التي يجب إدراكها هي أنّ هذه القوّة تأخذ وقتًا طويلً. فعلاوةً على ما ناقشناه في هذه الدراسة، في ما يرتبط بهذا السياق تحديدًا، يكمن الإسهام الأساسي لهذه الدراسة في إضافة بُعد جديد لآلية عمل القوّة الناعمة، خاصّة إذا كانت الدولة المستهدفة بالقوة الناعمة دولة غير ديمقراطية؛ أي أوتوقراطية أو شمولية، أو تابعة لأي نموذج آخر، وهو بُعد لا يزال قابلً لاستيعاب المزيد من الأفكار والنقاشات، وربما كان ما لم يُقَل فيه أكثر ممّ قيل فيه حتى الآن.

  1. Hwang, p. 24.
  2. Nye, "Soft Power: The Evolution."

المراجع

العربية

أرسطوطاليس. الخطابة: الترجمة العربية القديمة. حققه وعلق عليه عبد الرحمن بدوي. الكويت: وكالة المطبوعات؛ بيروت: دار القلم،.9197 باكير، عي حسين. "التنافس التركي-الإيراني على النفوذ في المنطقة العربية." مجلة آراء حول الخليج. العدد 55 (نيسان/ أبريل.)2009 ____._ "اكتشاف القوّة الناعمة الإيرانية.. القدرات وحدود التأثير." مركز الجزيرة للدراسات. 2013/4/11. في: https://bit.ly/3DkGu8d ____._ "مستقبل الصين في النظام العالمي: دراسة في الصعود السلمي والقوة الناعمة." أطروحة دكتوراه. كلية الحقوق والعلوم السياسية. جامعة بيروت العربية. بيروت،.2016 حسين، خليل. الجغرافيا السياسية: دراسة الأقاليم البرية والبحرية والدول وأثر النظام العالمي في متغيراتها. بيروت: دار المنهل اللبناني،.2009 سميث، روبرت. جدوى القوة: فن الحرب في العالم المعاصر. ترجمة مازن جندلي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2008 شيفر، مايكل. "الولايات المتحدة والقوى الصاعدة." عرض عي حسين باكير. مركز الجزيرة للدراسات. 2009/6/22. في: https://bit.ly/3EIORvA قبلان، مروان. "سياسة قطر الخارجية: النخبة في مواجهة الجغرافيا." سياسات عربية. العدد 28 (أيلول/ سبتمبر.)2017 معوض، عي ج لاا. مفهوم القوة الناعمة وتحليل السياسية الخارجية. الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية؛ مركز الدراسات الاستراتيجية،.2019 ناي، جوزيف. القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية. ترجمة محمد توفيق البجيرمي. تقديم عبد العزيز عبد الرحمن الثنيان. الرياض: مكتبة العبيكان،.2007

الأجنبية

Barnett, Michael & Raymond Duvall. "Power in International Politics." International Organizations. vol. 59, no. 1 (Winter 2005). Boone Bartholomees, Jr. (ed.). U.S. Army War College Guide to National Security Issues, vol. 1: Theory of War and Strategy. 3 rd ed. (June 2008). Cooper, Andrew F. Jorge Heine & Ramesh Thakur (eds.). The Oxford Handbook of Modern Diplomacy. Oxford: Oxford University Press, 2013. Dumbaugh, Kerry. China's Foreign Policy: What Does It Mean for U.S. Global Interests? CRS Report for Congress. 18/7/2008. "Hack" Hackbarth, James R. "Soft Power and Smart Power in Africa." Strategic Insights. vol. 8, no. 1 (January 2009). Huang, Yanzhong & Sheng Ding. "Dragon's Underbelly: An Analysis of China's Soft Power." East Asia. vol. 23, no. 4 (Winter 2006). Hwang, Edward F. "China's Soft Power and Growing Influence in Southeast Asia." Master of Arts in Security Studies. Naval Postgraduate School. Monterey. California, March 2008. Jones, Walter S. The Logic of International Relations. Boston: Little Brown, 1985. Li, Mingjiang (ed.). Soft Power: China's Emerging Strategy in International Politics. Plymouth: Lexington Books, 2009. Li, Xin & Verner Worm. Building China's Soft Power for a Peaceful Rise. Series Copenhagen Discussion Papers 28. Frederiksberg: Asia Research Centre, Copenhagen Business School, 2007. Molloy, Sean. "Truth, Power, Theory: Hans Morgenthau's Formulation of Realism." Diplomacy and Statecraft. vol. 15, no. 1 (March 2004). Morgenthau, Hans J. Scientific Man vs. Power Politics. London: Latimer House Limited, 1947 [1946]. ________. Hans J. Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace. Kenneth W. Thompson & W.

David Clinton (revi.). Beijing: Peking University Press, 2004. (e-copy) National Endowment for Democracy. International Forum for Democratic Studies. Sharp Power: Rising Authoritarian Influence. Washington, DC:

Nye Jr., Joseph S. The Paradox of American Power: Why the World's Only Superpower Can't Go It Alone. New York: Oxford University Press, 2002. _______. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: Public Affairs, 2004. _______. "The Benefits of Soft Power." Compass: A Journal of Leadership (Spring 2004). Harvard University. 8/2/2004. at: https://hbs.me/31Q8PX0 _______. "Think Again: Soft Power." Foreign Policy (February 2006). _______. "Restoring America's Reputation in the World and Why It Matters." Testimony before the Committee on Foreign Relations. U.S. House of Representatives (March 2010). at: https://bit.ly/34i2y7x _______. Soft Power and Public Diplomacy. Lecture at the British Council Parliamentary Lecture. London,

_______. "How Sharp Power Threatens Soft Power: The Right and Wrong Ways to Respond to Authoritarian Influence." Foreign Affairs (24/1/2018). _______. "Soft power: The Evolution of a Concept." Journal of Political Power. vol. 14, no. 1 (February 2021). Nye, Joseph et al. "Hard Decisions on Soft Power: Opportunities and Difficulties for Chinese Soft Power." Harvard International Review. vol. 31, no. 2 (Summer 2009). Organski, A.F.K. World Politics. 2 nd ed. New York: Knopf, 1968. Raimzhanova, Aigerim. "Power in IR: Hard, Soft, and Smart." PhD Candidate. Institute for Cultural Diplomacy and the University of Bucharest. Bucharest, December 2015. Spanier, John & Robert L. Wendzel. Games Nations Play. 9 th ed. Washington, DC: CQ Press, 1996. Various. "Sharp Power: The New Shape of Chinese Influence." The Economist. vol. 425, no. 9071 (December 2017). Walker, Christopher & Jessica Ludwig. "The Meaning of Sharp Power: How Authoritarian States Project Influence." Foreign Affairs (16/11/2017). Wallimann, Isidor, Nicholas Ch. Tatsis & George V. Zito. "On Max Weber's Definition of Power." The Australian and New Zealand Journal of Sociology. vol. 13, no. 3 (October 1977). Wang, Hongying & Yeh-Chung Lu. "The Conception of Soft Power and its Policy Implications: A Comparative study of China and Taiwan." Journal of Contemporary China. vol. 17, no. 56 (August 2008). Weber, Max. The Theory of Social and Economic Organization. A.M. Henderson & Talcott Parsons (trans.). Illinois: The Free Press, 1947. Womack, Brantly. "Dancing Alone: A Hard Look at Soft Power." The Asia Pacific Journal: Japan Focus. vol. 3, no. 11 (November 2005). at: https://bit.ly/3DDMmte