القانون الدستوري وشرعنة النظام السياسي بالمغرب: قراءة من منظور السوسيولوجيا السياسية

Mohamed Goulferni محمد كولفرني |

الملخّص

نحاول في هذه الدراسة النظر في مساهمة القانون الدستوري في شرعنة النظام السياسي المغربي، من منظور السوسيولوجيا السياسية للعلوم. لأجل ذلك، نتناول القانون الدستوري المُ ش رعِن في علاقته بالصراع الذي عرفه الحقل العلمي للقانون الدستوري حول السلطة المعرفية، وهو صراع بين الباحثين، أفضى إلى تحوّل بنية هذا الحقل العلمي ووجهته. وقد جاء هذا التحوُّل في أعقاب "الثورة المحافظة" التي أحدثها باحثون شباب مغاربة في حقل علمي تابع للحقل السياسي، من خلال تمث لهم لمملكة الدستوريين. إن هذه الثورة التي تشكلت في الثمانينيات حقل ا مضادًا ستتحوّل إلى حقل مهيمن، ساهم في شرعَنة النظام السياسي مساهمةَّ بيّنة، من خلال إنتاج مسلُّمات دستورية جرى بث ها وتكريسها عبر الدرس الدستوري الذي سيحوّلها، بوساطة التأليف في الفقه الدستوري، والتأطير الأكاديمي، إلى أمر مألوف، أصبح بمنزلة "هابيتوس." كلمات مفتاحية:َّ الش رعنة، النظام السياسي المغربي، القانون الدستوري، الدستورانية، هابيتوس. This article is an attempt to study the legitimization of the Moroccan political system by constitutional jurisprudence, considered as a concrete process within the science of constitutional law, and a social field that has witnessed struggles over epistemic authority. The structure and dynamism of this scientific field, and the appropriate political context, led to its transition from profane thought to traditionalism in the wake of the conservative revolution spearheaded by moroccan young researchers. This revolution, which constituted the kingdom of the constitutionalists, will shift from a counter field to a hegemonic one. This enabled the pioneers of traditionalism to participate in the process of legitimizing the political system in Morocco, through the production of constitutional documents broadcast and infused in symbolic violence through the constitutional lesson that will turn them, with the backing of the constitutional document and academic mentoring, into a scientific habitus. Keywords: Legitimization, Political System in Morocco, Constitutional Law, Constitutionalism, Habitus.

Constitutional Law and Legitimization of the Political System in Morocco: A Political Sociology of Science

مقدمة

تركز أغلب الدراسات المهتمة بالأنظمة السياسية1 على شرعية هذه الأنظمة، من دون الاهتمام كثيرًا بطريقة اكتسابها هذه المشروعية2، بحيث اعتمد أغلبها على الأنماط المثالية التي طورها ماكس فيبر 3Weber Max، والتي ظل الباحثون يرددونها حتى بعد أن باتت متجاوَزة4. وبذلك، تسقط هذه الأعمال في نزعة معيارية؛ لأنها تعتبر "الشرعية العقلانية" نموذجًا يُحتذى5. تتجلى هذه النزعة بوضوح أكبر في الأبحاث التي تهتم بالأنظمة السلطوية التي تدرس الشرعية من زاوية الخصاص والعجز والتأخر6. ينطبق هذا الأمر على الدراسات المخصصة للنظام السياسي المغربي التي تركز على مسألة مشروعية. فالأعمال المخصصة لهذا الموضوع تتوزع بين اتجاهين: اتجاه يقوم بتعداد مصادر شرعية النظام السياسي بحِسّ مشرعِن7، واتجاه ينزعها عنه بح سّ نضالي، وهو تَقاطُب جعل الأعمال المخصَّصة لفهم شرعنة النظام السياسي المغربي نادرة8؛ ما يستدعي، من الناحية المنهجية، الاهتمام بدراستها. يحيل مفهوم الشَّعنة، لدى جاك لاكروي، على مجموع العمليات والمبررات التي تجعل وجود السلطة السياسية مقبولً ومرغوبًا فيه9، يحتل فيها العلم مكانة مهمة في المجتمعات الحديثة. وهو ما يفسر اللجوء إليه لشرعنة الأنظمة السياسية10. وقد أفضى هذا الأمر إلى تحويل العلم، بحسب يورغن هابرماس، إلى قوة إنتاج سياسية11. أما بالنسبة إلى المغرب، فرغم أن هذا العلم لم يتحول بعد إلى قوة إنتاج سياسية، فقد جرى اللجوء إليه للمساهمة في شرعنة النظام السياسي، من خلال الفقه الدستوري الذي لم يعد مستقلً عن الحقل السياسي، بسعيه الحثيث لتجاوز التناقض بين الشكل الدستوري للملكية المغربية ومضمونها السلطوي12. نحاول في هذه الدراسة النظر في مساهمة علم القانون الدستوري في مسلسل شرعنة النظام السياسي المغربي، بحيث نتجاوز، في تناولنا الموضوع، عرض متون الفقه الدستوري المشرعِن13، بالتركيز على علم القانون الدستوري، بصفته حقلًاجتماعيًا14، من زاوية مساهمته الملموسة في مسلسل الشرعنة، وذلك بكشف ميكانيزماته وتحليلها، من خلال الإجابة عن الإشكالية التالية: لماذا ساهم علم القانون الدستوري في شرعنة النظام السياسي المغربي؟ وكيف؟

  1. عرَّف دافيد إستون النظام السياسي بصفته مجموعة من التفاعلات التي يجري بواسطتها توزيع أشياء ذات قيمة في المجتمع، باستخدام السلطة. ينظر: David Easton, Analyse du système politique (Paris: Armand Colin, 1974), p. 23.
  2. Jacques Lagroye, "La légitimation," in: Madeleine Grawitz & Jean Leca (eds.), Traité de science politique , vol. 2 (Paris: PUF, 1985), p. 401.
  3. ماكس فيبر، رجل العلم ورجل السياسة، ترجمة نادر ذكرى (بيروت: دار الحقيقة،
  4. Mattei Dogan, "La légitimité politique: Nouveauté des critères, anachronisme des théories classiques," Revue internationale des sciences sociales , vol. 196, no. 2 (2010), p. 21. تنطلق هذه الأعمال في دراستها لظاهرة الشرعية من السؤال التالي: ما المبادئ المؤسِّسة لشرعية نظام سياسي؟ ينظر: 401 p..Lagroye,
  5. Ibid.
  6. Karine Gatelier & Marc Veleri, "Les stratégies de légitimation dans les régimes autoritaires: Perspectives comparées," Revue internationale de politique comparée , vol. 19, no. 4 (2012), p. 8. أكد جون خوان لينز أنه ليس هناك أنظمة سياسية مشروعة جوهريًا، وعلى نحوٍ خالد. في المقابل، ليس هناك إلا احتمال ضعيف لوجود أنظمة غير مشروعة كليًّا ترتكز، كلّيًا، على العنف. ينظر: Juan J. Linz, Régimes totalitaires et autoritaires (Paris: Armand Colin, 2006), p. 66.
  7. يدخل في هذا الإطار تعداد محمد بردوزي لعشرة مصادر لشرعية المَلكية المغربية في: الشرعية التاريخية، والاجتماعية، والتعاقدية، والوطنية، والدستورية المتمثلة، والكاريزماتية، والتنموية، والدينية، والنسب الشريف. ينظر: Mohamed Berdouzi, Destinées démocratiques: Analyse et prospective du Maroc politique (Rabat: Renouveau, 2000), p. 19.
  8. John Waterbury, "La légitimation du pouvoir au Maghreb: Tradition,
  9. 1982)، ص.48-47
  10. Jurgen Habermas, La technique et la science comme idéologie , Jean- René Ladmiral (trad.) (Paris: Gallimard, 1973), p. 120.
  11. Ibid., p. 75.
  12. Michel Camau, Pouvoir et institutions au Maghreb (Tunis: Cérès Productions, 1978), p. 92.
  13. يحيل مفهوم الفقه القانوني، بحسب جيرارد كورنو، على أربع دلالات: الدلالة الأولى: رأي عَبَّ عنه أساتذة القانون، أو حتى الذين يكتبون في المجال القانوني من دون تدريسه؛ الدلالة الثانية: مجموع المؤلفات القانونية؛ الدلالة الثالثة: مجموع مؤلفي الكتب القانونية؛ الدلالة الرابعة، والضيقة، رأي معبّ عنه في مسألة قانونية خاصة. هذه الدلالة تحيل على النقاش والحجاج الذي جرى تطويره بخصوص مؤسسة أو مشكل قانوني. Gérard Cornu, Vocabulaire juridique , 7 ème ed. (Paris: PUF, 2005). أما جاك شوفالييه، فاعتبر أن الفقه القانوني يحيل في الوقت نفسه على نشاط مرتبط بالمعرفة القانونية، وعلى المهنيين المتخصصين في ممارسة هذا النشاط، وعلى الآراء التي صاغوها. ينظر: Jacques Chevallier, "La fin des écoles?" Revue du droit public et de la science politique en France et à l'étranger , no. 3 (1997), p. 680, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3ocgExG أما محمد أتركين فقد أخذ في كتابه بمفهوم واسع للفقه، بتركيزه على مضمونه بدلً من منتجيه أو دعامات بثه، ككتابة تساهم في نقاش الأفكار والحجج القانونية، ينظر: محمد أتركين، مباحث في فقه الدستور المغربي (سلا: مطبعة شمس برينت،.)2020 14 الحقل العلمي، بالنسبة إلى بيير بورديو، هو فضاء للصراع من أجل احتكار السلطة العلمية، من جهة، والسلطة الاجتماعية، المرتبطة بها، من جهة أخرى. ينظر: Pierre Bourdieu, "Le champ scientifique," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 2, no. 2-3 (June 1976), p. 89.
  14. protestation et répression," Annuaire de l'Afrique du Nord , vo1. 3 (1977), accessed on 1/11/2021 at: https://bit.ly/3mZ9FZf خصص محمد الطوزي مبحثًا في كتابه لحقوقيي النظام وشرعنة المَلكية، ينظر: محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي في المغرب (الدار البيضاء: منشورات الفنك، 2001)، ص.88-84 9  Lagroye, p. 402.

للإجابة عن هذه الإشكالية سنوظف مقاربة15 السوسيولوجيا السياسية للعلوم16، خصوصًا السوسيولوجيا البنائية17، التي تقدم مفاتيح لتحليل ظاهرة توظيف العلم، بصفته بناء اجتماعيًا، في شرعنة الأنظمة السياسية18. يسمح هذا الاختيار المنهجي بوضع الظاهرة العلمية في علاقة مع السلطة السياسية والهيمنة، بالانفتاح على السوسيولوجيا السياسية19، وباقتراح الفرضيات التالية: الفرضية الأولى: عرف الحقل العلمي للقانون الدستوري دينامية ناتجة من الصراع على السلطة العلمية من أجل القيام بوظيفة الشرعنة. الفرضية الثانية: يوظّف الحقل الدستوري آلياتِ الحقل العلمي، لإعادة إنتاج المسلَمّات الدستورية لمملكة الدستوريين. سنجيب عن هذه الإشكالية في مبحثين رئيسين، تتفرع عنهما نقاطٌ فرعية.

أولا: الحقل العلمي للقانون الدستوري وش رعنة النظام السياسي: لحظة التشكل ودينامية إعادة التشكل

جرى تأسيس علم القانون الدستوري حقلًاجتماعيًا في المغرب على أيدي أساتذة القانون الدستوري الفرنسيين. وقد كان هذا الحقل، وما زال، في وضعية تبعية للحقل السياسي. وستؤثّر هذه التبعية في بنية هذا الحقل العلمي ونشاطه، وستفضي به إلى القيام بوظيفة الشرعنة. وسيعرف هذا الحقل العلمي، في مساهمته في مسلسل الشرعنة، تحولً بانتقاله من اللَّدُنية في لحظة التشكل إلى التقليدانية في لحظة إعادة التشكل.

1ُّ. تشك ل حقل القانون الدستوري والش رعنة اللَّدُنية للنظام السياسي

بعد دخوله لعالم الدستورانية مع دستور 1962، لجأ النظام السياسي المغربي، في سعيه للشرعية، إلى مجموعة من أساتذة القانون الدستوري الأجانب الذين سخّروا بحوثهم الأكاديمية ومحاضراتهم لإضفاء الشرعية عليه20. وقد اشتهر منهم باحثون أمثال موريس دوفرجي، وبول شامبرجا، وكلود جيرالد بالازولي، وجان غارنيون، وميشال روسي، وجاك آفاي21. وفي سعيه لشرعنة النظام السياسي المغربي، ارتكز الفقه الدستوري الفرنسي، المهيمن على الحقل العلمي، على نوعين من الحجاج: يتعلق الأول بالقطيعة التي أحدثها الدخول لعالم الدستورانية في النظام السياسي المغربي، ويتعلق الثاني بالجمع بين آليات الملكية الأوروبية في القرن التاسع عشر ودستور الجمهورية الخامسة. ويرى أصحاب الحجاج الأول أن اعتماد الدستور في المغرب سيغير من طبيعة النظام السياسي بإحداث قطيعة مع الماضي السياسي. من نماذج هذا الحجاج

  1. حول مقاربة سوسيولوجيا العلوم، ينظر الفصل الأول من كتاب: ميشال دوبوا، 15 مدخل إلى علم اجتماع العلوم، ترجمة سعود المولى (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.110-23
  2. ينظر بهذا الخصوص: Scott Frickel & Kelly Moore, The New Political Sociology of Science: Institutions, Networks, and Power (Madison: University of Wisconsin Press,
  3. Bourdieu, p. 89.
  4. Frédéric Nicolas, "Pour une nouvelle sociologie politique des sciences? A propos de 'The New Political Sociology of Science: Institutions, Networks, and Power,' de Scott Frickel & Kelly Moore," Politix , vol. 111, no. 3 (2015), p. 144.
  5. Yann Bérard & Antoine Roger, "La sociologie politique peut-elle rencontrer la sociologie des sciences?" Politix , vol. 111, no. 3 (2015), p. 12.
  6. عبد اللطيف أكنوش، 20 واقع المؤسسة والشرعية في النظام السياسي المغربي على مشارف القرن 21 (الدار البيضاء: مكتبة بروفانس، 1999)، ص.89 21 من أمثلة تلك الأعمال، ينظر: Maurice Duverger, "La nouvelle constitution marocaine," Confluent , vol. 27 (Janvier 1963); Paul Chambergeat, "Le referendum constitutionnel du 7 décembre 1962," Annuaire de l'Afrique du Nord , vo1. 1 (1962), pp. 167-207; Jacques Aveille, "Le Maroc se donne une monarchie constitutionnelle," Confluent , vol. 27 (Janvier 1963); Jean Garagnon & Michel Rousset, Droit administratif marocain (Rabat: Ed. La Porte, 1970); Claude Gérald Palazzoli, Le Maroc politique: De l'indépendance à 1973 (Paris: Ed. Sindbad, 1974).
  7. 2006), p. 487.

ما عبّ عنه جاك أفاي قائلً: "ها هي الإمبراطورية الشريفة العتيقة وها هو المغرب الأقصى المشحون بالتاريخ قد اجتاز مرحلة جديدة في وجوده لا تقل أهمية عن استرجاعه الاستقلال[...]ذلك أن الدستور الذي تم إقراره باقتراح من الحسن الثاني في كانون الأول/ ديسمبر 1962 يشكّل حدثًا عظيمً وقطيعةً مدوية مع الماضي السياسي والاجتماعي والنفسي للمغرب القديم"22. أما الحجاج الثاني، فيتمثل في ترويج الباحثين الفرنسيين لفكرة أن الدستور المغربي هو تركيب يجمع بين آليات المَلكيات الأوروبية في القرن التاسع عشر ودستور الجمهورية الفرنسية الخامسة، أدى إلى تحوّل طبيعة النظام السياسي المغربي. في هذا الإطار، اعتبر دوفرجي النظام السياسي المغربي "دوغولية وراثية برلمانية و'أورليانية' مبنية على تقليص مجال القانون ومنح رئيس الدولة سلطات واسعة"23. على أن المستجدات السياسية التي عرفها النظام السياسي المغربي لم تُ هل الحقل العلمي كثيرًا. فمع الإعلان عن حالة الاستثناء سنة 1965، عرف الحقل العلمي أزمةً عجز عن التعامل معها؛ لأنه كان غير قادر على شرعنة حالة الاستثناء؛ ما حال دون قيامه بوظيفة الشرعنة، ليضطلع القضاء المغربي بهذا الدور. في هذا الإطار، كانت قضية "مزرعة عبد العزيز" مناسَبة للتأكيد على الشرعية الدينية للنظام السياسي المغربي24. وقد عكست اجتهادات المجلس الأعلى للقضاء بداية التحوّل على مستوى نظام الشرعية؛ إذ اعتمد المجلس على الفصل 19 من الدستور الذي يحيل على نظرية الإمامة الإسلامية25. وما يفسر اللجوء إلى الاجتهاد القضائي لشرعنة النظام السياسي هو أن بنية القوى وموازينها داخل الحقل العلمي للقانون الدستوري، في السبعينيات، لم تسمح بإنتاج خطاب مشرعِن ملائم لمتطلبات الظرفية السياسية. دفع هذا العجز عن الاستجابة مجموعة من الباحثين المغاربة في الثمانينيات إلى القيام "بثورة محافظة"، تمثلت فيما يمكن أن نطلق عليه "التقليدانية"26.

2. مملكة الدستوريين: "الثورة المحافظة" للتقليدانية والشرعنة

عجز الأساتذة الفرنسيون عن شرعنة النظام السياسي المغربي، في الوقت الذي لجأ فيه الملك الحسن الثاني إلى شرعيته الدينية لتدبير الأزمات في الثمانينيات، مُحدِثًا بذلك أزمةً سياسية ستفضي إلى أزمة في الحقل العلمي، انعكست على الطلب الأيديولوجي للمرحلة، ما استدعى توظيف الشرعية الدينية في شكلها التقليداني. فبعد مرحلة قصيرة، لجأ فيها النظام السياسي إلى القضاء والفقه الإداريين، بدأت ملامح التقليدانية في التشكل بصورة واعية مع باحثين شباب مغاربة انتقدوا أعمال أساتذتهم27، من خلال تبنيهم استراتيجية تفكيكية ثورية في هذا المجال  Stratégie de subversion 28 أفضت إلى تشكيل حقل مضاد للحقل الدستوري المهيمن، من خلال نقد الأعمال المهيمنة عليه. من نماذج هذه الانتقادات نقرأ لمحمد معتصم: "ورغم اختلاف المقتربات بين الباحثين[...]فإن النتيجة تظل واحدة وتتمثل في تسجيل غياب المرجعية العربية الإسلامية وطغيان المركزية الغربية. والملاحظ أن هذا الطغيان لا يقتصر على المدرستين الفرنسية والأنجلوسكسونية، بل إن النظرة المركزية الأوروبية قد وجدت لها امتدادًا حتى في كتابات ومحاضرات باحثين مغاربة"29. تبدو هذه العبارة، التي استقيناها من غليوم ساكريست في دراسته لمساهمة أساتذة القانون الدستوري في شرعنة النظام الجمهوري، متناقضةً

  1. Aveille, p. 6.
  2. Duverger, p. 70.
  3. قضت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بتاريخ 20 آذار/ مارس 1970 في الحكم المتعلق بالشركة الفلاحية لمزرعة عبد العزيز بأن القرارات الملكية غير قابلة للطعن؛ لأن الملك يمارس اختصاصاته الدستورية بوصفه أميرًا للمؤمنين، طبقًا للفصل 19 من الدستور، وهو ليس سلطة إدارية يمكن للمجلس الأعلى النظر في طلبات الطعن فيها من أجل الشطط في استعمال السلطة، بناءً على الفصل الأول من ظهير 27 أيلول/ سبتمبر 1957، المُنَظِّم للمجلس الأعلى. ويعود هذا الأمر، بحسب حيثيات القرار، إلى أن القضاء من وظيفة الإمامة وأن الأحكام تصدر باسم الملك وَفقًا للفصل 83 من الدستور، مؤكدًا أن القرارات الصادرة عن الملك لا يمكن إعادة النظر فيها بالإلغاء، بل باستعطاف صاحب الشأن، وهو جلالة الملك. ينظر
  4. أحمد البخاري، القانون الإداري العملي (الرباط: مكتبة دار السلام، 2002)، ص.134
  5. Guillaume Sacriste, La république des constitutionnalistes: Professeurs de droit et légitimation de l'Etat en France (1870-1914) (Paris: Presses de Sciences Po, 2011), p. 426.
  6. بدأت هذه النزعة في الثمانينيات من القرن الماضي في كلية الحقوق بالدار البيضاء مع باحثين شباب مغاربة تتلمذوا على أيدي رواد الأيديولوجيا اللَّدُنية من أمثال: محمد الطوزي وعبد اللطيف أكنوش ومحمد أشركي ومحمد معتصم، من خلال أطروحاتهم: Mohamed Tozy, "Champ et contre- champ politico-religieux au Maroc," Thèse de Doctorat en science politique, Université Aix-Marseille 3, 1984; Abdellatif Agnouche, "Contribution à l'étude des stratégies de légitimation du pouvoir au tour de l'institution califienne au Maroc, des Idrissides à nos jours," Thèse de Doctorat, Faculté des sciences juridiques, économiques et sociales, Université Hassan II, Casablanca, 1985; محمد معتصم، "التطور التقليداني للدستور المغربي"، رسالة دكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء،.1988 28  Bourdieu, p. 94.
  7. نص القرار في: المملكة المغربية، مركز النشر والتوثيق القضائي، مجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 1979(15، ص 71-69)، في https://bit.ly/3grBPZ1:
  8. محمد معتصم، النظام السياسي الدستوري المغربي (الدار البيضاء: مؤسسة إيزيس للنشر، 1992)، ص.16

وتحتاج إلى توضيح30. فهي ثورة من الناحية العلمية31، أي تغيير للبرَدايم السائد، بمفهوم توماس كون Kuhn Tohmas؛ لأنها نقدت أساسيات الفقه الدستوري المهيمن32. أما من الناحية السياسية فهي محافظة؛ لأنها كانت تسعى لشرعنة النظام السياسي. أحدث الشباب المشتغلون بالقانون الدستوري "ثورة" علمية محافِظة في ثمانينيات القرن الماضي، بالخروج عن الإطار العادي واللجوء إلى معايير خارجية تتمثل في الدين؛ ما جعل إنتاجهم يدخل في مجادلات ثورية من الناحية العلمية. أما من الناحية السياسية، فقد كان هدفهم محافظًا، يتمثل في شرعنة النظام السياسي، وهو هدف أساتذتهم نفسه، على الرغم من أن صراعهم مع أساتذتهم على احتكار السلطة العلمية ليس كافيًا لتبرير اختيارهم للتقليدانية؛ فقد يكون ذلك راجعًا إلى عدم استقلال الحقل العلمي عن الحقل السياسي، أو بالأحرى، إلى تبعية الأول للثاني33. إنّ رأينا هذا ليس حُكمَ قيمة، كما قد يبدو، بل هو مرتبط بسوسيولوجيا العلوم التي اعتمدناها خلفيةً نظرية. إن تأثر العلم بالاعتبارات السياسية كان موضوع اهتمام دراسات عديدة؛ فقد ذهب ستيوارت بلوم إلى حد اعتبار استقلالية العلم أسطورة34. وهو رأي اعتمده آخرون، غير أنه اعتبره نسبيًا، في محاولته دراسةَ العلاقة بين العلم والدولة والحركات الاجتماعية. وقد أدى عدم استقلال العلم إلى تسييسه من الداخل والخارج؛ ما أثَّر في صدقية الباحثين35. لهذا، فأغلبية الباحثين في سوسيولوجيا العلوم يعتبرون ادعاءات استقلالية العلم عن السياسة وهم36، بل هو وهمٌ سخيف، بتعبير برونو لاتور. ففي عالم اليوم، أصبحت العلاقة بين العلم والسياسة في تحوّل مثمر بلا انقطاع37. ينطبق هذا على العلوم الاجتماعية وعلى علم القانون الدستوري الذي لا يمكن أن يكون محايدًا38. وقد تعرّض هذا العلم، في المغرب، للتسييس من جانب الدولة والحركة الوطنية، بحكم الصراع الذي دار حول المسألة الدستورية؛ ما جعله، ليس فقط غير مستقل، بل تابعًا للحقل السياسي. إن هذا الأخير سيعرف تحولات أفضت إلى عودة الدين إلى الواجهة لشرعنة المَلكية. لذا، أخذت "الثورة المحافظة" للأساتذة الشباب في الثمانينيات شكلً تقليدانيًا من خلال أعمالهم الأكاديمية. إذا كانت العلاقة مع المقدس حاضرة حتى في الأشكال الأكثر علمانية للسلطة السياسية، فإنها تمثّل في النظام السياسي المغربي حجر الزاوية الأشد أهمية في منحه شرعية دينية39. ولمّا كانت السياسة في المغرب مرتبطة على نحوٍ دائم بالدين، من حيث القيم والرموز والأفكار والمؤسسات، فإن ذلك جعل المغرب جنَّة للأيديولوجيا المحافظة40. على أن التقليدانية ليست هي التقاليد، بل هي تقليد أيديولوجيا تقوم بإعادة إحياء الماضي لإضفاء شرعية على النظام السياسي41. إن عملية الشرعنة هذه، تتمّ بالإحالة على ماضٍ مثالي42 لتبرير الموقع السياسي والدستوري للملك43. وبما أن التقاليد لا تحافظ على ذاتها على نحوٍ تلقائي، فإن المحافظة عليها تستوجب عملية إعادة إنتاجها44. لذا، فالتقليدانية تظهر من داخل التقاليد، حين يجري اختيارها على نحوٍ واع، لتُحدث تحولً جذريًا في التقاليد بالمرور من الطاعة غير الواعية إلى التبرير الواعي45. وقد أصبح هدف هذه الأيديولوجيا، في المغرب، إعادة تأويل تقاليد الحكم بهدف الحفاظ

  1. وظّف غليوم ساكريست هذه العبارة في الفصل السادس والأخير من كتابه عن جمهورية الدستوريين، بعنوان: " La révolution conservatrice des professeurs de droit public provinciaux"
  2. 37  Bruno Latour, Le métier de chercheur: Regard d'un anthropologue (Versailles: Éditions INRA, 2001), p. 66. 38  Sylvie Torcol, "La théorie constitutionnelle face aux mutations contemporaines du droit public: Ce qu(e n)' en disent (pas ?) les manuels en général et la doctrine en particulier," (Septembre 2008), p. 2, accessed on 30/11/2021, at: https://bit.ly/3wz50AD
  3. يُعرِّف توماس كون الثورة العلمية في الفصل العاشر من كتابه "بنية الثورات العلمية " بأنها تتمثل في سلسلة الأحداث التطورية اللاتراكمية التي يحل فيها برَدايم جديد محل برَدايم قديم، ينظر: توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص.179
  4. بالنسبة إلى بيير بورديو، يُعد الحقل القانوني أقلَّ استقلالية من حقول اجتماعية أخرى، كالآداب، بحكم دوره في إعادة الإنتاج الاجتماعي. ينظر: Pierre Bourdieu, "La force du droit: Eléments pour une sociologie du champ juridique," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 64 (1986), p. 18.
  5. Stuart S. Blume, Toward a political sociology of science (New York: Free
  6. Ibid., p. 143. 36  Bérard & Roger, p. 13.
  7. ينظر.Sacriste, pp. 426-535:
  8. 31 يحيل مفهوم الثورة عند صامويل هنتنغتون على "تغيير داخي سريع وأساسي وعنيف في الوقت نفسه، في القيم والأساطير المهيمنة في مجتمع، وفي بنيته الاجتماعية وقيادته، وكذا
  9. في ممارسات حكومته وسياساتها." ينظر: Samuel Huntington, Political Order in Changing Societies (New Heaven: Yale University Press, 1968), p. 264, Cité par: François Chaazel, "Les ruptures révolutionnaires," in: Grawitz & Leca (eds.), p. 641.
  10. Georges Balandier, Anthropologie politique (Paris: PUF, 1967).
  11. Abdallah Laroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (Paris: Maspero, 1977), p. 226.
  12. Abdallah Laroui, "Tradition et traditionalisation: Le cas du Maroc," in: Anouar Abdel Malek, Abdel Aziz Belal & Hassan Hanafi (eds.), Renaissance du monde arabe , Colloque interarabe de Louvain (Gembloux: Duculot, 1972), p. 271.
  13. Lagroye, p. 410.
  14. معتصم، النظام السياسي، ص.33 44  Laroui, "Tradition et traditionalisation," p. 272.
  15. Press, 1974).
  16. Gosselin, p. 217.

على المؤسسات القديمة، مع تغيير وظائفها46، وتبرير الطابع السلطوي للنظام السياسي باللجوء إلى الفقه السياسي الإسلامي سعيًا لطمس التناقض بين الطبيعة السلطوية للحكم وشكله الدستوري47. وذلك مع أن السلطان المغربي كان، تاريخيًا، يسود في كل مكان ولا يحكم إلا بعض الأماكن48. من هنا، تمثَّل المضمون الدستوري للتقليدانية المغربية في شحن المؤسسات الحديثة بحمولات تقليدية49؛ فكانت بذلك للتقليدانيين استراتيجية ثورية في الحقل العلمي بحكم موقعهم فيه50. لقد أفضى هذا الموقع إلى دخولهم في صراع مع الفقهاء الفرنسيين من أجل احتكار السلطة المعرفية علميًا، ومن أجل شرعنة النظام السياسي. إن موقعهم في الحقل العلمي فرضَ عليهم التعامل مع هذه الإشكالية السياسية والعلمية المزدوجة المدى. لذا، فاختيارهم للتقليدانية خلفيةً نظرية هو اختيار علمي وسياسي في الوقت نفسه. ومع حضور المقدس في عملية الشّعنة، وهو يحيل على العلاقة مع الزمان والمكان والمعنى، سيلجأ التقليدانيون للخطب المَلكية في تبرير اجتهاداتهم الدستورية51. فالخُطب المَلكية، التي كانت في عهد الحسن الثاني تعكس نفوذه الشخصي بارتجاله وعمق نظرته52، وتُنتج المعنى في الحقل السياسي53، سيوظّفها التقليدانيون لإنتاج المعنى في الحقل العلمي54، وتبرير السلطات الواسعة للملك، وإقامة ترادف بين مدلولات حقلَ التحديث والتقليد55؛ ما سيفضي، في النهاية، إلى شحن المؤسسات الحديثة بحمولة تقليدية56. إن التطابق بين حقلَ التحديث والتقليد يُعدّ الدعامة الأساسية للتقليدانية الدستورية؛ فقد اعتمد التقليدانيون على خُطَب الملك لبلورة تمثلهم للملكية الدستورية، لا سيما قوله: "يتبادر إلى الذهن أن هذا النظام يعني أن الملك يسود ولا يحكم، ولكن الكلمات يمكن أن تعني حقائق مختلفة حين نتحدث مثلً عن الملكيات الإنجليزية أو السويدية، فلكل شعب أخلاقه ومعتقداته وآراؤه، ولا وجود لطريقة حكم عالمية؛ فإذا التزمنا بالمعنى الدقيق للتعابير فإن 'ملكية دستورية' هي ملكية قائمة على دستور قُدِّم إلى الشعب فقبِله عن طواعية. إن إقامة مؤسسات دستورية لا ينبغي أن تفيد سعيًا لإحداث قطيعة مع الماضي المغربي وتقاليده، بل ينبغي أن تكون إطارًا لخدمة هذه التقاليد والمعتقدات"57. فإذا كان مفهوم الملكية الدستورية من الناحية العلمية يحيل على القبول بفكرة تقييد ممارسة السلطة58؛ فقد اجتهد التقليدانيون لتبرير العمل بالدستور وعدم تقييد سلطات الملك. في هذا الإطار، أكد معتصم أنّ أخذ الملكية بالدستور لا يعني تقييد سلطات الملك59. إن هذا المعطى أضفى على الملكية الدستورية دلالة خاصة تعود، بحسب محمد الطوزي، إلى أن الملك قد سبق الدستور60. إن "خصوصية" الملكية الدستورية التي أكد عليها الملك في خطبه وروّج لها التقليدانيون، تعود إلى خصوصية مفهوم السلطة في المغرب المبنية على الطابع "الشريفي" للشرعية والأصل الديني للحكم61؛ ما أضفى على الملكية الدستورية دلالة خاصة62. مِثلُ هذه التأويلات منحت المَلكية الدستورية دلالةً "ماهوية"، في حين أن العبارة لها دلالات متعددة. ففي سياق الصراع الذي دار بين الملك والحركة الوطنية، كانت الملكية الدستورية مطلبًا وهدفًا63، وهو الذي يفسر الدلالة التي منحها الحسن الثاني للملكية الدستورية في خُطبه64. وعلى الرغم من أن تأويلات التقليدانيين ارتكزت على خُطب الملك لمنح الملكية الدستورية دلالةً "ماهوية"، فإن هذه الخُطب لم تكن تمنع تطور الملكية في إطار سياقاتها المتجددة. إن الدلالة التي منحها التقليدانيون للمَلكية الدستورية فرضت شحن مفهوم الدستور بحمولة تقليدية لكيلا يحدَّ من سلطات

  1. Ibid., p. 224
  2. Camau, p. 92.
  3. Ibid., p. 69.
  4. محمد ضريف، تاريخ الفكر السياسي بالمغرب: مشروع قراءة تأسيسية (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1988)، ص.287
  5. Bourdieu, "Le champ scientifique," p. 94.
  6. Lagroye, p. 419.
  7. فريد خالد، "شخصانية السلطة وأثرها على العمل المؤسساتي للدولة الحديثة: دراسة مقارنة لإشكالية القرار العام (المغرب وتونس نموذجًا")، دكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة القاضي عياض، مراكش، 2005، ص.192
  8. الطوزي، الملكية والإسلام السياسي، ص. 90
  9. Gosselin, p. 124.
  10. ضريف، تاريخ الفكر السياسي بالمغرب، ص.287
  11. محمد ضريف، 56 النسق السياسي المغربي المعاصر: مقاربة سوسيو -  سياسية (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1990)، ص.184
  12. ينظر: ضريف، تاريخ الفكر السياسي بالمغرب، ص.289-287
  13. Philippe Ardant & Bertrand Mathieu, Droit constitutionnel et institutions politiques , 27 ème ed. (Paris: LGDJ, 2015), p. 60.
  14. معتصم، النظام السياسي، ص.64
  15. Mohamed Tozy, "Champ politique et champ religieux au Maroc: Croisement ou hiérarchisation?" Mémoire pour l'obtention du Diplôme d'Etudes Supérieures de Sciences Politiques, Faculté des Sciences Juridiques, Economiques et Sociales, Université Hassan II, Casablanca, 1980, p. 91.
  16. معتصم، النظام السياسي، ص.22
  17. Camau, p. 80.
  18. Bernard Cubertafond, Le système politique marocain (Paris: L'Harmattan, 1997), p. 21.
  19. بالنسبة إلى أنماط الملكيات ينظر: Philippe Lauvaux, "Les monarchies: Inventaire des types," Pouvoirs , no. 78 (Septembre 1996), pp. 35-36.

الملك. لهذا اجتهد رواد التقليدانية لإقامة ترادف بين مفهوم الدستور وتجديد البيعة، ومنح معنى خاص للدستور في النظام السياسي المغربي. وقد اعتمد التقليدانيون مرة أخرى، لبلورة هذه الدلالة، على الخُطب الملكية، خاصة خطاب 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1962 الذي قال فيه الحسن الثاني: "إن الدستور الذي كتبتُ بيدي[...] هو قبل كل شيء تجديد للعهد المقدس الذي جمع دائمًا الشعب والملك"65. هذا الخطاب سيرتكز عليه مصطفى السحيمي في أطروحته ليؤكد أن الدستور في المغرب "هو تجديد للبيعة والعهد المقدس بين العرش والشعب ومجرّد إطار للنظام السياسي ووسيلة لخدمة السياسة الملكية"66. كما أكد الطوزي أن الدستور في المغرب ليس مصدرًا للشرعية ولا يُنشئ السلطة الملكية ولا يعترف بها، بل يقوم فقط بملاحظة وجودها والنتائج العملية لقداستها67. وقد خلصت التقليدانية بهذا إلى نتيجة منسجمة مع منطلقاتها، تتمثل في أن الملكية مرجَّحة على الدستور والدولة. وقد ذهب أحد رواد التقليدانية، إلى أن هذا الترجيح يردّ إلى أن أمير المؤمنين لا يسمو عليه إلا الله وكتابُه وسنة رسوله68. وهذا ما يفسر اهتمام التقليدانيين بمفهوم إمارة المؤمنين؛ فعلى خلاف الرؤية اللَّدُنية، أكدت التقليدانية على استمرارية النظام السياسي من خلال استمرار إمارة المؤمنين. ففي هذا الإطار، أكد محمد أشركي أن "الدستور المغربي لم يكن ابتداءً، بل كان استئنافًا، وهذا يعني أنه يشمل، إلى جانب معطيات الدستور الشكي، كلَّ المبادئ التقليدية والدينية للمملكة"69. إن اعتماد التقليدانية على إمارة المؤمنين لإثبات استمرارية النظام السياسي جعلها تهتمّ بالفصل 19 في الدستور الذي نصّ على أن "الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الملة والدين والساهر على احترام الدستور وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات. وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة." لقد وظف رواد التقليدانية كل طاقاتهم لتفسير هذا الفصل وتأويله بعد لجوء الملك الحسن الثاني إليه لتبرير سلطاته70. في هذا الإطار، اعتبر معتصم الفصل 19 "غنيًّا على المستوى الاصطلاحي مقارنةً مع فصول أخرى من الدستور، وأنه يضم مصطلحات ذات قوة وكثافة رمزية مثل أمير المؤمنين، وحامي، وضامن، وممثل أسمى. كما أنه يتموقع في قلب الهندسة الدستورية وله امتدادات في بنية الدستور ويَ نحُ للملك مهامّ، لا سُلَطًا أو اختصاصات"71. واهتم رواد التقليدانية بشرعنة وظيفة الفصل 19 الذي اعتبره عبد اللطيف المنوني "نصًّا احتياطيًا يسمح لأمير المؤمنين بمواجهة المستجدات السياسية غير المتوقَّعة من طرف الدستور"72. يبدو من خلال ذلك أن الوظيفة الأيديولوجية لهذه التحاليل تكمن في تبرير ممارسات الملك وشرعنتها بإضفاء "الطابع العلمي" على قراراته السياسية. فقد جرى، في هذا السياق، توظيف الفصل 19 لحل إشكالية انسحاب الفريق البرلماني الاتحادي سنة 1981 من البرلمان، وجرى اللجوء إليه لسد الفراغ التشريعي الناجم عن تأجيل انتخاب مجلس النواب، في تشرين الأول/ أكتوبر 1983 73. وما يدل على أهمية توظيف الفصل 19 هو أن اهتمام رواد التقليدانية بهذا الفصل، من أمثال الطوزي ومعتصم والمنوني وأشركي، جاء بعد لجوء الملك إليه لتدبير الأزمات السياسية، ما يعكس تبعيّة الحقل العلمي للحقل السياسي وعدم استقلاله عنه. ومع لجوء الملك إلى الشرعية الدينية لإدارة الأزمات السياسية، عادت مملكة الدستوريين لتبعيّتها للحقل السياسي. دفعت هذه العودة باحثين شبابًا إلى نهج استراتيجيات ثورية من الناحية العلمية، ومحافظة من الناحية السياسية، في إطار صراعهم من أجل احتكار السلطة العلمية74. كانت هذه الأخيرة بُعدًا من أبعاد الرّهان، إن لم نقل وسيلةً لرهان سياسي أكبر، هو الصراع من أجل القيام بوظيفة شرعنة النظام السياسي. إن المسعى المزدوج للباحثين الشباب سينعكس على مساراتهم العلمية، التي هي في الوقت نفسه سياسية؛ فقد جرى استقطاب بعضهم نحو الدوائر العليا كأشركي والمنوني ومعتصم. فمسار معتصم، مثلً، يعكس المسار النموذجي لفقيه دستوري سخّر مسيرته العلمية لخدمة النظام السياسي؛ ما أتاح له تقلُّد منصب وزير العلاقة مع البرلمان، قبل أن يعيّ مستشارًا للملك75. إن هذا المسار النموذجي لا يختزل كل مسارات رواد التقليدانية،

  1. Discours et interviews de S.M le Roi Hassan II, vol. 2 (Rabat: Publications du ministère de l'information, 1999), p. 235.
  2. Mustapha Sehimi, "La notion de constitution au Maroc," Thèse de Doctorat, Université Mohamed V, Rabat, 1984, p. 155.
  3. Mohamed Tozy, "Le Roi commandeur des croyants," in: Driss Basri et
  4. معتصم، النظام السياسي، ص.80
  5. محمد أشركي، الظهير الشريف في القانون العام المغربي (الدار البيضاء: دار الثقافة،
  6. أكنوش، ص.91
  7. معتصم، النظام السياسي، ص.77-76 72  Abdellatif Menouni, "Le recours à l'article 19: Une nouvelle lecture de la constitution," Revue juridique, politique et économique du Maroc , no. 15 (Septembre 1984), p. 42.
  8. al., (eds.), Édification d'un État moderne: Le Maroc de Hassan II (Paris: Albin Michel, 1986).
  9. معتصم، النظام السياسي، ص.78 74  Bourdieu, "Le champ scientifique," p. 90.
  10. 1983)، ص.171
  11. الطوزي، ص.84

فعلى الرغم من انتماءاتهم الاجتماعية المتشابهة، سلك بعضهم مسارات علمية متميزة تحولوا على إثرها إلى الاهتمام بالسوسيولوجيا الدينية، كما الشأن بالنسبة إلى الطوزي76، وتميّز بعضهم الآخر بانتمائهم السياسي77. لم يمنع هذا الاختلاف في المسارات اتفاقَهم على إنتاج مجموعة من المسلَمّات الدستورية التي قاموا ببثّها عبر الدرس الدستوري.

ثانيًا: آليات الحقل العلمي وإعادة إنتاج مسلَّمات مملكة الدستوريين

إن مساهمة الباحثين الشباب في مسلسل شرعنة النظام السياسي تعود لموقعهم في الحقل العلمي. فالتقليدانية لم تكن بالنسبة إليهم أحسن الاختيارات الممكنة، بل كانت الاختيارَ الوحيد لتحقيق أهدافهم العلمية والسياسية78. على أن استمرار التقليدانية ظل رهينًا بتجاهلها بصفتها اختيارًا وبقدرتها على الاجتهاد ومواكبة مبادئ الدستورانية الحديثة. فبعد أن أقام التقليدانيون ترادفًا بين الدستور وتجديد البيعة، حتى لا يتم تقييد سلطات الملك، سيُنتجون مسلَمّات دستورية، ليتمّ بثّها عبر الدرس الدستوري، فتصبح بمنزلة "هابيتوس" علمي، قد يرقى إلى "عنف رمزي."

1. مسلَّمات مملكة الدستوريين وطبيعة النظام السياسي

سعى التقليدانيون إلى شرعنة النظام السياسي من خلال المواءمة بين اعتماد دستور حديث، وعدم تقييد هذا الدستور سلطات الملك. وهو مسعى فَرض عليهم التوفيق بين طبيعة النظام السياسي ومبادئ الدستورانية الحديثة المتمثلة في سمو الدستور وفصل السلط والتمثيل السياسي. فوفقًا للفقيه النمساوي هانس كيلسن Kelsen Hans، يعني سمو الدستور وضعَه في أعلى المنظومة القانونية المرتَّبة ترتيبًا تسلسليًا في بناء هرمي79. وحيث ظهر تعارض بين هذا المبدأ وطبيعة النظام السياسي المغربي، فقد سعى رواد التقليدانية إلى التوفيق بينهما بالتأكيد على سمو المؤسسة الملكية. وهنا أيضًا، انتقد التقليدانيون أساتذتهم الفرنسيين، بحكم موقعهم في الحقل العلمي80، قبل أن يبلوروا نظرية الدستور ذي الطبقتين، دعمً للطبيعة السلطوية للنظام السياسي81. في هذا الإطار أيضًا، اعتبر أشركي أنّ النظام الدستوري المغربي متّصف بالازدواجية بين بنية سطحية وأخرى عميقة. الأولى تحيل على النظام الدستوري المغربي، أما الثانية فتهم الملكية وسلطة الملك والإسلام82. وقد سعى التقليدانيون من خلال تبنّي فكرة الثنائية لتكريس السمو الدستوري والسياسي للملك. ونجد هذا المبدأ حتى في الأعمال "النضالية" التي تبنّت الثنائية لنقد النظام السياسي83.

  1. على الرغم من أنه عبر في أحد استجواباته عن عدم رفضه تقلُّد منصب مستشار ملكي إذا عُرض عليه بقوله: "يمكن التعامل مع هذا الطلب إذا كان الأمر سيكون مفيدًا، ولكن ضمن إطار 'الخبرة' وليس في سياق النصح، لأن 'العلماء' هم من ينصحون،[...]فالنصح والاستشارة عالمان مختلفان، فالاستشارة/ الخبرة تتم على قاعدة دفتر تحملات ولها معنى إجرائي." يُنظر: "حوار مع محمد الطوزي حول المسار العلمي والأكاديمي والعلاقة بالطائفة العلمية بالمغرب
  2. تميز عبد اللطيف المنوني عن أقرانه بانتمائه إلى حزب الاتحاد الاشتراكي، أحد أحزاب المعارضة، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فتحوّل، على المستوى العلمي، من علم السياسة إلى القانون الدستوري، ليتمّ تعيينه عضوًا في المجلس الدستوري ورئيسًا للجنة الملكية لتعديل دستور 2011، ثم مستشارًا ملكيًا.
  3. Gosselin, p. 218.
  4. Ardant & Mathieu, p. 97.
  5. خصوصًا ما ذهب إليه ميشال غيبال الذي اعتبر أن دخول المغرب إلى عالم الدستورانية لا يعني تبنيه مبدأ سمو الدستور؛ لأن الملكية لا تستمدّ كل سلطاتها من الوثيقة الدستورية. وقد ارتكز جيبال في تأكيد رأيه على وجود ثنائية دستورية قائمة على طبقتين من النصوص الدستورية: الأولى، طبقة سامية تخص الملكية والأمة ونظام الحريات؛ والثانية، سُفلى تهم المؤسسات الدستورية. ينظر: Michel Guibal, "La suprématie constitutionnelle au Maroc," Revue juridique et politique: Indépendance et coopération , vol. 32, no. 3 (Juillet- September 1978), p. 886. 81 الطوزي، ص.83
  6. مجلة الربيع، العددان وحول المغرب ووضعه السياسي الراهن"، 3-2 2016()، ص 276-245. ولعل ابتعاد الطوزي عن وظيفة الشرعنة وتحوله إلى السوسيولوجيا الدينية والخبرة وحسه النقدي ونزعته التشكيكية، خصوصًا بعد إصداره كتاب الملكية والإسلام السياسي بالمغرب الذي يدخل في إطار البرَدايم السلطوي، حَالَ دون تعيينه في منصب مستشار وجرى الاكتفاء بتعيينه في لجنة إصلاح الدستور سنة.2011
  7. أشركي، ص.171
  8. في هذا الإطار، أكدت رقية المصدق أن "وجود إرث مزدوج ناتج عن التطور التاريخي بالمغرب عَرَف مواجهتين." حدثت الأولى قبل الاستعمار بين التقاليد الملكية والإسلام والتقاليد الديمقراطية الأمازيغية. أما الثانية، فحدثت بين المطالبين بالملكية الدستورية ودمقرطة النظام وبين المؤمنين بالمبررات التقليدية للنظام الملكي. فكان مآل المواجهة الأولى هو عدم استقرار السلطة السياسية، أما مآل الثانية فتمثّل في استقرار الحكم وتقوية أسسه السلطوية. ينظر: Rkia El Mossadeq, "Les forces politiques face au problème de la démocratisation du régime au Maroc," Thèse de Doctorat en science politique, Université Paris XII, Paris, 1981, p. 15.

إن تأكيد التقليدانية على سمو المؤسسة الملكية على الدستور هو النتيجة المنطقية لحجاجهم على عدم إمكانية سمو الدستور. وقد حاول رواد التقليدانية خلقَ الانسجام بين هذه الفكرة ومبدأ آخر من مبادئ الدستورانية المتمثل في فصل السلط. فقد حاولوا التوفيق بين الملكية وفصل السلط لإنتاج مسلّمة تتعلق بعدم إمكانية الفصل بين السلط في النظام السياسي المغربي، معلِّلين ذلك بأن هذا الأمر يعود إلى عدم قابلية سلطة الملك للتجزيء84. واعتمد التقليدانيون على نصوص الخُطب الملكية حججًا لفهم بناء السلطة وتبريرات عدم أخذ المغرب بفصل السلط، خصوصًا خطاب افتتاح الدورة البرلمانية في تشرين الأول/ أكتوبر 1978 وخطاب 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 1981. وفي هذا الإطار، اعتبر أشركي أن "مبدأ فصل السلط ليس واردًا إلا بخصوص 'السلط الفرعية' التي تتجسد في الجهاز التشريعي والجهاز الحكومي والجهاز القضائي. أما السلطة الملكية فهي موحَّدة وشاملة"85. بهذه الطريقة حاول التقليدانيون التوفيق بين عدم إمكانية الأخذ بمبدأ فصل السلط، من جهة، والأخذ بدستور حديث يرتكز على هذا المبدأ، من جهة أخرى. وقد أفضى بهم هذا المسعى إلى الإقرار بعدم إمكانية فصل السلط، وبأن الأمر يتعلق بتوزيع معيَّ للمهمات86. إن هذا التأكيد يحيلنا إلى بُعد آخر من أبعاد المسلَمّات الدستورية المتمثل في عدم قبول الوساطة بين الملك والشعب. وقد ارتكز التقليدانيون مرة أخرى على الخطب الملكية التي أكد فيها الملك عدم قبول وسائط بينه وبين الشعب المغربي87. ويعود هذا الرفض بحسب الملك الراحل، الحسن الثاني، إلى أن الحوار الدائم والمباشر بين الملك والشعب "يرجع عهده إلى أربعة عشر قرنًا من الحوار الوراثي التاريخي بين الملكية والشعب"88. واعتبر الملك في استجواب مع التلفزة السويدية أن عدم إمكانية ممارسة الوساطة بين الملك والشعب يعود إلى أن انقطاع العلاقة بينهما سيفضي إلى الفوضى89. وقد اجتهد التقليدانيون لشرعنة التصور الملكي بالتنظير لتمثيل سياسي ينسجم مع مسلمّات سمو الدستور وفصل السلط. إن التوفيق بين مبدأ التمثيل السياسي وطبيعة النظام السياسي قادهم للتنظير لتمثيلية تراتبية بين التمثيلية الأسمى والتمثيلية الأدنى، سعيًا من وراء ذلك لتبرير رفض الوساطة بين الملك والشعب. من هذا المنطلق، يقول معتصم: "أكدت الدساتير المغربية سموَّ السيادة الملكية على التمثيل البرلماني[...]وإن هذا الاعتبار يجعله يمثّل أحياءَها وأمواتَها ومَن سيُخلقون من الرعايا، في حين لا يمثل البرلماني إلا دائرة انتخابية محدودة"90. ويرى المنوني أيضًا أن هذا المعطى يعود إلى أصالةٍ تكمن في وجود نمطين من الممثلين: الملك الممثل الأسمى للأمة، والنواب، ممثلو الأمة، ولكن من الدرجة الثانية، مقارنةً بالملك"91. تعود هذه التراتبية، في نظره أيضًا، إلى أن الملكية مؤسسة عريقة مثّلت دائمًا الأمة قبل مجيء البرلمان والاق اررع العام92. وتستمد الملكية، بحسب معتصم، تمثيلَها الأسمى من الدين والبيعة والنسب الشريف93. ويبرِّر هذا التحليل في حصيلته كثافة الحضور الرمزي للملك، الذي تدعمه وسائل الإعلام، وذلك على الرغم من الاختلاف الوارد بين الحسن الثاني ومحمد السادس؛ بحكم اختلاف الأسلوب والسياق، فالأول كانت كثافة حضوره الرمزي تعود إلى قدراته الخطابية، حيث كانت خطبه تذاع وتعاد في وسائل الإعلام، خصوصًا التلفزة، التي لها تأثير بالغ في مختلف الفاعلين94. أما الثاني، فيعتمد على التوظيف المكثف للرموز أسلوبًا للحكم95 عبر خطاب صامت96؛ فالملك محمد السادس يبدو قليل الرغبة في التواصل العام، فهو لا يعقد المؤتمرات الصحفية إلا نادرًا97.

  1. 95 بحكم التحولات التكنولوجية وعجز الإعلام التقليدي عن القيام بدور الشرعنة مما أفضى إلى عجز هذا الإعلام عن الوصول إلى الشباب. فهذه الفئة الاجتماعية لا تحبذ التغطيات الرسمية التي تقوم بها القنوات العمومية ووكالة المغرب العربي للأنباء، للنشاطات الملكية المثقلة بالشكليات والبروتوكولات. لهذا جرت بلورةُ استراتيجية تواصلية للملك في العالم الافتراضي قريبة من الشباب، تجلت في إنشاء سفيان البحري صفحة غير رسمية للملك في فيسبوك، سنة 2012. تسوِّق هذه الصفحة صورةً إنسانية للملك، متأقلمة مع خصوصية الفضاء الافتراضى وطبيعة الفئة الشبابية المستهدَفة، ينظر: Bilal Mousjid, "Communication royale à l'ère du digital," Telquel , no. 675, 29/5/2015; Nadia Lamlili, "Maroc: Soufiane El Bahri, le mystérieux 'photographe' du Roi Mohammed VI," Jeune Afrique , 19/7/2016.
  2. أشركي، ص 167. وقد أكد عبد اللطيف المنوني هذه الفكرة في: Abdellatif Menouni, "Constitution et séparation des pouvoirs," in: Driss Basri, Michel Rousset & Georges Vedel (eds.), Trente années de vie constitutionnelle au Maroc: Edification d'un État moderne (Paris: Librairie générale de droit et de jurisprudence, 1993), p. 198.
  3. Menouni, "Constitution et séparation des pouvoirs," p. 198.
  4. محمد معتصم، الحياة السياسية المغربية (الدار البيضاء: مؤسسة إيزيس للنشر، 1992)، ص.121
  5. نص الخطاب الملكي، 5 ماي [أيار/ مايو] 1977، نقلً عن: المرجع نفسه، ص.121
  6. حوار الملك الحسن الثاني مع التلفزة السويدية"، 89 جريدة العلم، 1987/11/18؛ نقل عن: المرجع نفسه، ص.122
  7. المرجع نفسه، ص.78
  8. Menouni, "Constitution et séparation des pouvoirs," p. 188.
  9. Menouni, "Le recours à l'article 19," p. 34.
  10. معتصم، النظام السياسي، ص.110
  11. Pierre-André Taguieff, L'Illusion populiste: Essai sur les démagogies de l'âge démocratique (Paris: Flammarion, 2007), p. 211.
  12. 84  Alain Claisse, "Le Makhzen aujourd'hui," in: Jean-Claude Santucci (ed), Le Maroc actuel: Une modernisation au miroir de la tradition ? (Paris: Éditions du CNRS, 1992), p. 290.
  13. خالد، شخصانية السلطة، ص.188
  14. Babana El Alaoui, Mohamed VI: Un style de gouvernement (Paris: Ed. Souffles, 2003), p. 251; Abdelouhab Maalmi, "La politique extérieure de Mohammed VI: Dix ans après," in: Abdelouhab Maalmi (ed.), Droit et mutations sociales et politiques au Maroc et au Maghreb (Casablanca: Publisud, 2012), p. 783.

إن حضور المؤسسة الملكية، الذي حاولت التقليدانية تبريره بعدم إمكانية الوساطة بين الملك والشعب، يدخل في إطار التعددية المحدودة في الأنظمة السلطوية98، التي يدين فيها الفاعلون السياسيون بمواقعهم للدعم الذي يتلقونه من المواطنين، وبخاصة، للثقة التي يمنحهم إياها الحاكم99. لهذا، ففي المغرب، ليست الانتخابات الآلية الوحيدة للانتقاء السياسي100. هذا لا يعني أنها بلا وظيفة في النظام السياسي المغربي. فعلى الرغم من أن تعايش الملكية والديمقراطية يستبعد كل تمثيل سياسي يحدّ من سلطة الملك، الممثل الأسمى للأمة101، فإن التحولات السوسيولوجية التي عرفها النظام السياسي أثّرت في الحقل الانتخابي حتى مع استمرار مسلسل اللاتسيُّس102 الذي يُعدّ من خصائص الأنظمة السلطوية103، والذي لم يعد مفروضًا بالعنف كما كان في الماضي، بل هو نتاج التحولات التي أفضت إلى تعطيل الاهتمام بالعمل السياسي Désamorçage politique104. ولا يعود هذا الأمر فقط إلى طبيعة النظام السياسي، بل إلى تحولات سوسيوحزبية تمثلت في طبع المشهد الحزبي بمُسوح من نظام الأعيان  Notabilisation 105 وأدت إلى امتداد العمل السياسي خارج الانتماء الحزبي106. بعد إنتاج المسلمّات الدستورية المشرعِنة لطبيعة النظام السياسي، سيعيد الدستوريون إنتاجَها عنفًا رمزيًا من خلال الدرس الدستوري الذي قام بنشر قيمها، حتى أصبحت بمنزلة هابيتوس علميًا.

2. آليات إنتاج وبث مسلَّمات مملكة الدستوريين: الدرس الدستوري والهابيتوس العلمي

إن متطلبات الشرعنة تفرض، لإعادة إنتاج النظام السياسي، بثَّ قيمه المهيمنة بوساطة التعليم107. فالفعل البيداغوجي يعيد إنتاج الثقافة المهيمنة، ويساهم بذلك في إعادة إنتاج بنية علاقات السلطة التي يسعى فيها النسق التعليمي المهيمن إلى أن يحتكر العنف الرمزي المشروع108. فبعد نجاح "الثورة المحافظة" للتقليدانيين سيتحول موقعهم في الحقل العلمي إلى وضعية المهيمنين. إن هذا التحوّل سيجعلهم قائمين على النظام العلمي scientifique Ordre، بوصفهم حرّاس المعبد، ما مكّنهم من ترسيخ هيمنتهم. وقد تمكنوا بذلك من تحويل أفكارهم إلى هابيتوس علمي ضمِن للتقليدانية استمرارية اعتمدت على مجموعة من الأطروحات الجامعية لباحثين مغاربة في ثمانينيات القرن الماضي109. فكما ساهم الدرس الدستوري في فرنسا في شرعنة النظام الجمهوري، سيساهم نظيره المغربي في شرعنة مملكة الدستوريين110.

  1. 104  Jean-Noel Ferrié, "Dispositifs autoritaires et changements politiques, les cas de l'Egypte et du Maroc," Revue internationale de politique comparée , vol. 19, no. 4 (2012), p. 104. 105  Mounia Bennani-Chraibi, "Hommes d'affaires versus 'profs de fac': La notabilisation parlementaire d'un parti de militants au Maroc," Revue Internationale de Politique Comparée , vol. 15, no. 2 (2008).
  2. Linz, p. 160.
  3. الطوزي، ص.36
  4. Jean-Claude Santucci, Les partis politiques marocains à l'épreuve du pouvoir: Analyse diachronique et socio-politique d'un pluralisme sous contrôle (Rabat: REMALD, 2001), p. 86.
  5. Linz, p. 165.
  6. Mounia Bennani-Chraiibi, "Poursuivre le dialogue sur la politisation,"
  7. 98  Linz, p. 157. يحيل مفهوم النظام السلطوي لدى لينز على نظام ذي تعددية محدودة، وبلا مسؤولية سياسية وبلا تعبئة سياسية، يمارس فيها الحاكم السلطة داخل حدود شكلية محددة على
  8. نحوٍ سيئ، ولكن من الناحية الواقعية، يمكن التنبؤ بها. أما لدى غي هرمي فيتميز النظام السلطوي بخصائص تمركز السلطة والإغلاق المؤسساتي وبعدم الحد من سلطة الحاكم. ينظر: Guy Hermet, "L'autoritarisme," in: Grawitz Madeleine & Jean Leca (eds.), Traité de science politique , vol. 2 (Paris: PUF,1985), p. 290.
  9. Ferrié, p. 105.
  10. Lagroye, p. 561.
  11. Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, La Reproduction: Éléments d'une théorie du système d'enseignement (Paris: Editions de Minuit, 1970), p. 104.
  12. Bourdieu, "Le champ scientifique," p. 96. بالنسبة إلى بورديو، هابيتوس هو نسق الخُطاطات المنتِجة للتمثلات والمواقف والتفضيلات والأفعال الناتجة من أشكال خاصة من الفعل البيداغوجي، أي: النظام التعليمي. 110  Sacriste, p. 271.
  13. Politique Africaine , no. 161-162 (2021), p. 293.

ارتبط تدريس القانون الدستوري بتاريخ كلية الحقوق وبالأنظمة السياسية التي يعمل على شرعنتها111. لذا، فتسخير التقليدانيين للدرس الدستوري، في نسخته الفرنسية، تطلّب منهم ملاءمته مع طبيعة النظام السياسي المغربي. يرتبط تدريس مادة القانون الدستوري، في الأنظمة السياسية الديمقراطية، بأهداف معرفية وقيمية، تتقاطع في سعيها للتربية على المواطنة. وقد شكّل هذا البعد بحق، وما زال، خصوصيةً تميّز مادة القانون الدستوري مقارنةً بالمواد القانونية الأخرى112. هناك أسئلة عن مادة القانون الدستوري تطرح نفسها: ماذا يدرّس في القانون الدستوري؟ ولماذا؟ وما حدود المادة وعلاقتها بالعلوم الأخرى، خصوصًا علم السياسة؟ وما مدى ملاءمتها حاجيات الطلبة وانتظاراتهم لولوج سوق الشغل؟ الواقع أن مضمون المادة يختلف بحسب تقاليد كل دولة ووضعية حقل علم القانون الدستوري فيها. ففي المغرب، سعى التقليدانيون لبثّ أفكارهم الخاصة عن السلطة والحكم التقليدي عبر الدرس الدستوري لشرعنة النظام السياسي، ووظفوا المؤسسات التعليمية لتحويل المعارف، التي أنتجوها في رسائلهم وأطروحاتهم، إلى منتج تربوي، وبثه في حلقات الدرس، خصوصًا، بعد أن تحوّل موقعُهم في الحقل العلمي إلى وضعية المهيمنين113. لقد سمح لهم وضعهم الجديد، بصفتهم أساتذة محاضرين، بتسخير محاضراتهم لبثّ التقليدانية على نطاق واسع. كانت هذه المؤسسة البيداغوجية، في نسختها الفرنسية114، ملائمة لمسعاهم؛ لأنها وإن كانت تركز على المعارف من الناحية العلمية115، فقد كانت مفيدةً للتقليدانيين من الناحية السياسية. وهي راجعة إلى سهولة تحويل تصورهم التقليداني إلى "عنف رمزي"، على حد تعبير بيير بورديو116. ولما كان كلُّ فعلٍ بيداغوجي يصبح بمنزلة عنف رمزي، لأنه يعيد إنتاج الثقافة المهيمنة117، فقد ساهم الدرس الدستوري في إعادة إنتاج النظام السياسي المغربي، وتحويله، من الناحية النظرية، إلى "عنف رمزي." ولِدعم محاضراتهم، لجأ التقليدانيون إلى المطبوعات Manuels دعامةً بيداغوجية لدرسهم الدستوري، الذي سيسمح لهم بتوسيع مجال بثّ أفكارهم فيما وراء أسوار مؤسساتهم في تسعينيات القرن العشرين. إلا أن التقليدانية أصبحت اليومَ تُعاني عدم القدرة على مواكبة تطور علم القانون الدستوري في الغرب، الذي يعاني هو نفسه مشكل عدم مواكبة التطورات الفقهية والواقعية118. فرجال القانون، والجامعيون بالخصوص، يعرفون جيدًا أنهم لن يجدوا في هذه المطبوعات تجديدًا نظريًا، ولا ذِكرًا للتطورات الفقهية المستجدّة. ويعود هذا الأمر إلى كون هذه المطبوعات هي أدوات بيداغوجية للتدريس وليست فضاءات للتنظير. إنها محدَّدة بإكراهات زمنية وبإكراهات الطبع والنشر وبالملف الوصفي، فضلً عن كونها موجَّهة إلى طلبة السنة الأولى. لذا، فهذه الدعامة نمطية، أي تكون على منوالٍ واحد بتصاميم موحدة، من دون مفاجآت، مع غيابٍ شبه كلّ للمقاربة النقدية119. إن هذا الطابع التنميطي لمطبوعات القانون الدستوري وقَطعها جسور التواصل جعل المعرفة التي تُبثّ للطلبة متجاوَزة وغير محيَّنة وعاجزة عن مواكبة التطورات المصاحبة للعولمة120. وإذا كان هذا حال المطبوعات الدستورية في الغرب، فإن حالها في المغرب ما زال

  1. Pauline Turk, "Quel enseignement du droit constitutionnel?" Revue Française de droit constitutionnel , no. 118 (2019), pp. 433-451.
  2. Ibid.
  3. Jean-François Flauss (ed.), L'enseignement du droit constitutionnel: Actes de la table ronde internationale de Lausanne, des 19 et 20 juin 1998
  4. Louis Favoreu, "L'enseignement du droit constitutionnel en France," in: Ibid., pp. 47-62.
  5. Christophe Jamin, La cuisine du droit, l'école de droit de science Po: Une expérimentation française (Paris: Editions Extenso, 2013), p. 65.
  6. Bourdieu & Passeron, p. 102.
  7. Ibid., p. 104.
  8. Torcol, p. 3.
  9. Ibid. هذه الخلاصة النقدية أكدها أيضًا جان فرانسوا فلاوس الذي لاحظ وحدة الطابع النمطي لشكل مطبوعات القانون الدستوري، بوجود التصاميم نفسها، تقريبًا، ومن ثم الوظيفة التوحيدية للمطبوع، على الرغم من أن منهجيتها تتفاوت بين مقاربة قانونية صِفة تُغَلّب الوصف، ومقاربة جدلية تطرح موضوعات القانون للنقاش، ينظر: Flauss, p. 209; Jean-Jacques Gleizal, "L'enseignement du droit, la doctrine et l'idéologie", in: Maurice Bourjol et al., Pour une critique du droit (Paris: Presses universitaires de Grenoble/ François Maspero,1978). 120  Torcol, p. 4.
  10. (Bruxelles: Etablissement Emile Bruylant, 2000), p. 208.

عاكفًا على ترديد مقولات رواد التقليدانية121، إلى درجة أن أغلبية مطبوعات المادة ما هي إلا ترديد لما سبق أن أنتجه رواد التقليدانية في مطبوعاتهم. ومن أسباب ذلك أن هذه الأخيرة ليس لها اتصال مباشر مع ما يُكتَب في هذا الحقل العلمي، فظلت قاصرة عن مواكبة التطورات السياسية والدستورية التي عرفها المغرب، مكتفية بترديد المطبوع التقليداني، شكلً ومضمونًا. لهذا، فأغلبية مطبوعات القانون الدستوري نمطية في بنيتها، وما تزال تعتمد في أغلبها على تصاميم في محوري الدولة والدستور. بخصوص المحور الأول، فهي تقوم بترديد نظريات الدولة عند فلاسفة الأنوار والعقد الاجتماعي، من دون اطلّاع مباشر على هذه المصادر في الغالب. أما عن المحور الخاص بالدستور، فهي تقتصر على تعريفه وتتبّع مساره. إضافةً إلى الدرس والمطبوع الدستوري، تعتمد التقليدانية على الآليات الأخرى للحقل العلمي للقانون الدستوري، التي تقوم بالانتقاء الاجتماعي والعلمي للباحثين وتكوينهم وتأطيرهم ومراقبة ولوجهم للحقل العلمي. وقد ساهمت في عملية الانتقاء مجموعُ المؤسسات المكلَّفة بإنتاج المعرفة الدستورية وتداولها وبثّها، خصوصًا المجلات القانونية والتأطير الجامعي. وقد ساهمت الجمعية المغربية للقانون الدستوري في بثّ هذه النزعة، منذ تأسيسها في كانون الأول/ ديسمبر 1994، من خلال منشوراتها المشرعِنة، باللغتين الفرنسية والعربية. وعلاوة على آليات حقل القانون الدستوري، ساهمت آليات أخرى، خارج الحقل، في بث أفكار التقليدانية في المجال العمومي في تسعينيات القرن الماضي، من خلال وزير الداخلية آنذاك إدريس البصري، بإصدار سلسلة "بناء الدولة الحديثة." إن هيمنة التقليدانية في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته كان لها ما يبررها من الناحية السياسية والتاريخية، إلا أن استمرارها أصبح مثيرًا للاستغراب بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على إنتاجها. تعود هذه الاستمرارية إلى أن توظيف الأدوات البيداغوجية، المتمثّلة في الدرس الدستوري والمطبوعات والتأطير، أفضى إلى إنتاج "هابيتوس" علمي تقليداني. فالتقليدانية، باعتبارها هابيتوس، ليست مجرد معارف ومضامين، إنها نمط وجود d'être Manière جرى ترسيخُه وبثُّه نسقًا من الاستعدادات الموَلِّدة بدورها لتصورات أساتذة القانون الدستوري. وهذا ما يفسر استمرارها أداةً للشّعنة على الرغم من أنها أصبحت متجاوَزة، خصوصًا مع دستور 2011. إنّ توقّف رواد التقليدانية عن الكتابة، بعد وصولهم إلى مناصب سامية تستوجب التحفظ في مواقفهم، خَلَّفَ فراغًا على مستوى وظيفة الشّعنة في الحقل العلمي، يحاول النظام السياسي تلافيه بتسخير أجهزته لمجموعة من أساتذة القانون الدستوري في وسائل الإعلام122. إن سعيهم لشرعنة النظام السياسي سيفضي إلى تحول سجلِّ الشرعنة من شرعنة طبيعة النظام، كما فعل رواد التقليدانية، إلى شرعنة المواقف والأحداث. إن تجاوز هذا السّجل لقدراتهم الذهنية، على الرغم من اختلاف مستواهم، وخضوعهم لإكراهات الرقابة المرئية على التلفزيون، حوّل مسعاهم إلى خطاب دعائي. ومن الأمثلة في هذا المجال نذكر: عبد الرحيم منار السليمي ومحمد الغالي ومحمد العمراني بوخبزة وأحمد مفيد123.

خاتمة

إن مملكة الدستوريين، كما بلورها رواد التقليدانية في أعقاب "الثورة المحافظة"، ستتحول من حقل مضاد إلى حقل مهيمن في الحقل العلمي للقانون الدستوري. وإنّ اختصارنا الحديث عن المشرعنين، بتركيزنا على مساهمة القانون الدستوري في شرعنة النظام السياسي، لا يعني أنهم الفاعلون الوحيدون في الحقل العلمي. فحقل علم القانون الدستوري بعد أن عرف صراعًا بين الفقهاء الفرنسيين والشباب التقليدانيين، في لحظة إعادة تشكُّله حقلً كان رهانُه الأساس هو الشرعنة، عرف بعد ذلك ظهور حقل مضاد. تمثل هذا الأخير في مجموعة من الأساتذة

  1. بخصوص النقاش حول مطبوعات القانون الدستوري، ينظر: أتركين، ص.49-48
  2. Mohamed Cherkaoui, Crise de l'université: Le nouvel esprit académique et la sécularisation de la production intellectuelle (Genève: Librairie Droz, 2011).
  3. إذا كان التلفزيون في الأنظمة الديمقراطية يعاني رقابةً غير مرئية، فإنه في المغرب يعاني رقابةً مرئية؛ لأنه موجّه إلى الدعاية السياسية. بخصوص التلفزيون في فرنسا، ينظر: Pierre Bourdieu, Sur la télévision: Suivi de l'emprise du journalisme (Paris: Liber Editions, 1996).

بعضهم من الجيل الأول، كرقية المصدق124، التي انضم إليها أساتذة آخرون من أمثال محمد المدني125 وعمر بندورو126. على أن الحقل العلمي في هذه المرحلة لم يعرف صراعًا حول السلطة المعرفية، بل عرف تَساكُنًا بين الحقل الرسمي والحقل المضاد، يعكس صراعًا أيديولوجيًا بين روّاد التقليدانية، وخلفائهم من بعدهم، من الذين قاموا بوظيفة الشرعنة، وبين فقهاء وأساتذة القانون الدستوري، من الذين سعوا لنزع الشرعية عن النظام السياسي. لهذا، فالحقل العلمي للقانون الدستوري كان يعيش نوعًا من تقسيم العمل بين مشرعِنين ومناضلين، يعود لعدم استقلالية الحقل العلمي وتبعيته للحقل السياسي، مما جعل رهانه سياسيًا بالأساس، بحكم عدم حياد علم القانون الدستوري الذي تعرض للتسييس من النظام السياسي من أجل الشرعنة ومن الحركات الاجتماعية من أجل نزع الشرعية عن هذا النظام127. وقد أفضى هذا الأمر إلى استمرار الانتشار الدائري للأفكار من دون أي تغيير يذكر128. فالمناضلون ينزعون الشرعية عن النظام السياسي بشعار الدستور الممنوح، معتبِ ين حجاجهم منسجمً مع نفسه؛ لأن الدساتير المغربية في رأيهم دساتير ممنوحة. أما المشرعِنون فيستعملون مقولة تجديد البيعة من خلال الدستور، مسلَّمةً. وقد استمروا في ترديد ح جاج رواد التقليدانية لشرعنة دستور 2011، في حين أنه ينزع الشرعية عنه. أدى الربيع العربي إلى تجاوز الفاعلين السياسيين للأيديولوجيا التقليدانية. فقد شكل الخطاب الملكي في 9 آذار/ مارس النهايةَ الرمزية لبعض المسلَمّات الدستورية المغربية؛ وهو ما سيكرّسه جزئيًا دستور 2011. وعلى الرغم من مرور قرابة عقد من الزمن على إصدار هذا الأخير، لم يُنتِج الفقهُ الدستوري أيديولوجيا مشرعِنة ملائمة لدستور 2011. إن إنتاجَها يستدعي بلورة حجاج جديد لإضفاء الطابع الديمقراطي عليه، وليس فقط ترديد مستجداته كما يفعل أغلب المشرعنين، مع ضرورة الانتقاد المزدوج لحجاج رواد التقليدانية، الذي أصبح ينزع الشرعية عن الدستور129، وحجاج القطب المضاد. إن تحوّل حقل علم القانون الدستوري من مهادنة الحقل الرسمي والحقل المضاد إلى الصراع الذي ظهر في نقد المشرعنين والمناضلين بعضهم بعضًا، بمناسبة سعي فريق منهم للشرعنة وفريق آخر لنزع الشرعية عن دستور 2011 130. لكنّ هذا التحوّل مرَّ من تقسيم العمل بين الطرفين إلى الصراع بينهما حول احتكار السلطة المعرفية من أجل القيام بوظيفة نزع الشرعية بالنسبة إلى البعض والشرعنة بالنسبة إلى البعض الآخر. إن نهاية الأيديولوجيا الدستورية التقليدانية ليست مسألةً أيديولوجية محضة، بل إن التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي، وإن لم تُفض إلى تحوله إلى مجتمع حديث، فإنها بلغت من العمق ما أدى إلى نهاية المجتمع التقليدي، نهايةً تؤسّس لإفلاس الأشكال التقليدية للشرعنة وتجاوز الأيديولوجيا التقليدانية سوسيولوجيًا وسياسيًا131.

  1. ينظر: رقية المصدق، متاهات التناوب (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1996)؛ رقية المصدق، متاهات السلطة التأسيسية: هل تتعايش الملكية الدستورية مع دستور تقديري؟ (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2016)؛ Rkia El Mossadeq, Consensus ou jeu de consensus? Pour le réajustement de la pratique politique au Maroc (Casablanca: Edition Najah El Jadida, 1995); Rkia El Mossadeq, Acteurs politiques dans l'espace constitutionnel (Casablanca: Ed. Najah El Jadida, 2011).
  2. Mohamed Madani, "Le système politique et la problématique de la réforme constitutionnelle au Maroc," Revue Marocaine des Sciences Politiques et Sociales, no. 3 (Juin 2012); Mohamed Madani, "La réforme constitutionnelle sous le règne de Mohammed VI: Le processus et l'aboutissement", in: Amina El Messaoudi & Manuel José Terol Bacerra (eds.), Le pouvoir constituant dans le monde arabe (Sevilla: Universidad Pablo de Olavide & Centre Euro-Arabe des études juridiques avancées, 2012); محمد مدني وإدريس المغراوي وسلوى الزرهوني، دراسة نقدية للدستور المغربي لعام 2011 (ستوكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات،.)2012
  3. Omar Bendourou, Rkia El Mossadeq & Mohamed Madani (eds.), La nouvelle Constitution marocaine à l'épreuve de la pratique , Acte du colloque organisé les 18 et 19 avril 2013, 2 ème ed. (Casablanca: Edition La Croisée des Chemins, 2015).
  4. Torcol, p. 4.
  5. Bourdieu, "Le champ scientifique," p. 103.
  6. بلور محمد مدني، في هذا الإطار، حجاجًا اعتبر فيه أن دستور 2011 داخل في إطار دستورانية من دون ديمقراطية. أما رقية المصدق فاعتبرته دستورًا تقديريًا. ينظر: Mohammed Madani, "Constitutionnalisme sans démocratie: La fabrication et la mise en œuvre de la constitution marocaine de 2011," in: Bendourou, Mossadeq & Madani (eds.), pp. 35-101; متاهات السلطة التأسيسية، ص رقية المصدق، 9،.179
  7. في هذا الإطار، انتقد محمد أتركين رقية المصدق صاحبة مقولة "المتاهات." ينظر: أتركين، ص 120-119. كما أنّ رقية المصدق انتقدت عبد العزيز المغاري، وأدخلته في خانة الفقه المحافظ في تقديمه الكتاب الصادر عن الجمعية المغربية للقانون الدستوري بمناسبة مرور خمسين سنة من أخذ المغرب بالدستور، الذي اعتبر فيه دستور 2011 دستور إعادة متاهات السلطة التأسيسية، ص التأسيس، ينظر: المصدق،.44-43
  8. Habermas, p. 60. السقف الذي يفصل المجتمعات التقليدية عن المجتمعات الحديثة، يتمثل، بحسب هابرماس، في أن تطور قوى الإنتاج أفضى إلى توسع أنساق فرعية للسلوك العقلاني إلى درجة مساءلة الأشكال القديمة للشرعنة، واهتزاز الإطار المؤسساتي المشرعن للعلاقات الاجتماعية.

المراجع

العربية

أتركين، محمد. مباحث في فقه الدستور المغربي. سلا: مطبعة شمس برينت،.2020 أشركي، محمد. الظهير الشريف في القانون العام المغربي. الدار البيضاء: دار الثقافة، 1983. أكنوش، عبد اللطيف. واقع المؤسسة والشرعية في النظام السياسي المغربي على مشارف القرن 21. الدار البيضاء: مكتبة بروفانس،.1999 البخاري، أحمد. القانون الإداري العملي. الرباط: مكتبة دار السلام،.2002 خالد، فريد. "شخصانية السلطة وأثرها على العمل المؤسساتي للدولة الحديثة: دراسة مقارنة لإشكالية القرار العام (المغرب وتونس نموذجًا.") دكتوراه في القانون العام. كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية. جامعة القاضي عياض. مراكش،.2005 دوبوا، ميشال. مدخل إلى علم اجتماع العلوم. ترجمة سعود المولى. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008 ضريف، محمد. النسق السياسي المغربي المعاصر: مقاربة سوسيو- سياسية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1990. ________. تاريخ الفكر السياسي بالمغرب: مشروع قراءة تأسيسية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.1988 الطوزي، محمد. الملكية والإسلام السياسي في المغرب. الدار البيضاء: منشورات الفنك،.2001 فيبر، ماكس. رجل العلم ورجل السياسة. ترجمة نادر ذكرى. بيروت: دار الحقيقة، 1982. كون، توماس. بنية الثورات العلمية. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2007 مدني، محمد وإدريس المغراوي وسلوى الزرهوني. دراسة نقدية للدستور المغربي لعام 2011. ستوكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات،.2012 المصدق، رقية. متاهات التناوب. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1996 _______. متاهات السلطة التأسيسية: هل تتعايش الملكية الدستورية مع دستور تقديري؟ الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2016 معتصم، محمد. "التطور التقليداني للدستور المغربي." رسالة دكتوراه. كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية. جامعة الحسن الثاني. الدار البيضاء،.1988 _______. الحياة السياسية المغربية. الدار البيضاء: مؤسسة إيزيس للنشر،.1992 _______. النظام السياسي الدستوري المغربي. الدار البيضاء: مؤسسة إيزيس للنشر،.1992

الأجنبية

Abdel Malek, Anouar, Abdel Aziz Belal & Hassan Hanafi (eds.). Renaissance du monde arabe. Colloque interarabe de Louvain. Gembloux: Duculot, 1972. Agnouche, Abdellatif. "Contribution à l'étude des stratégies de légitimation du pouvoir au tour de l'institution califienne au Maroc, des Idrissides à nos jours." Thèse de Doctorat. Faculté des sciences juridiques, économiques et sociales. Université Hassan II. Casablanca, 1985. Ardant, Philippe & Bertrand Mathieu. Droit constitutionnel et institutions politiques. 27 ème ed. Paris: LGDJ, 2015. Aveille, Jacques. "Le Maroc se donne une monarchie constitutionnelle." Confluent. vol. 27 (Janvier 1963). Balandier, Georges. Anthropologie politique. Paris: PUF, 1967. Basri, Driss et al. (eds.). Édification d'un État moderne: Le Maroc de Hassan II. Paris: Albin Michel, 1986. Basri, Driss, Michel Rousset & Georges Vedel (eds.). Trente années de vie constitutionnelle au Maroc: Edification d'un État moderne. Paris: Librairie générale de droit et de jurisprudence, 1993. Bendourou, Omarm, Rkia El Mossadeq & Mohamed Madani (eds.). La nouvelle Constitution marocaine

à l'épreuve de la pratique. Acte du colloque organisé les 18 et 19 avril 2013. 2 ème éd. Casablanca: Edition La Croisée des Chemins, 2015. Bennani-Chraibi, Mounia. "Hommes d'affaires versus 'profs de fac': La notabilisation parlementaire d'un parti de militants au Maroc." Revue Internationale de Politique Comparée. vol. 15, no. 2 (2008). _______. "Poursuivre le dialogue sur la politisation." Politique Africaine. no. 161-162 (2021). Bérard, Yann & Antoine Roger. "La Sociologie Politique peut-elle Rencontrer la Sociologie des Sciences?" Politix. vol. 111, no. 3 (2015). démocratiques: Destinées Mohamed. Berdouzi, Analyse et prospective du Maroc politique. Rabat: Renouveau, 2000. Blume, Stuart S. Toward a political sociology of science. New York: Free Press, 1974. Bourdieu, Pierre & Jean-Claude Passeron. La Reproduction: Éléments d'une théorie du système d'enseignement. Paris: Editions de Minuit, 1970. ________. "La force du droit: Eléments pour une sociologie du champ juridique." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 64 (1986). ________. "Le champ scientifique." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 2, no. 2-3 (Juin 1976). ________. Sur la télévision: Suivi de l'emprise du journalisme. Paris: Liber Editions, 1996. Bourjol, Maurice et al. Pour une critique du droit. Paris: Presses universitaires de Grenoble/François Maspero, 1978. Camau, Michel. Pouvoir et institutions au Maghreb. Tunis: Cérès Productions, 1978. Chambergeat, Paul. "Le Referendum Constitutionnel du 7 décembre 1962." Annuaire de l'Afrique du Nord. vol. 1 (1962). Cherkaoui, Mohamed. Crise de l'université: Le nouvel esprit académique et la sécularisation de la production intellectuelle. Genève: Librairie Droz, 2011. Chevallier, Jacques. "La fin des écoles?" Revue du droit public et de la science politique en France et à l'étranger. no. 3 (1997). at: https://bit.ly/3ocgExG Cornu, Gérard. Vocabulaire juridique. 7 ème ed. Paris: PUF, 2005. Cubertafond, Bernard. Le système politique marocain. Paris: L'Harmattan, 1997. Discours et interviews de S.M le Roi Hassan II. Rabat: Publications du ministère de l'information, 1999. Dogan, Mattei. "La légitimité politique: Nouveauté des critères, anachronisme des théories classiques." Revue internationale des sciences sociales. vol. 196, no. 2 (2010). Duverger, Maurice. "La nouvelle constitution marocaine." Confluent. vol. 27 (Janvier 1963). Easton, David. Analyse du système politique. Paris: Armand Colin, 1974. El Alaoui, Babana. Mohamed VI: Un style de gouvernement. Paris: Ed. Souffles, 2003 El Messaoudi, Amina & Manuel José Terol Bacerra (eds.). Le pouvoir constituant dans le monde arabe. Sevilla: Universidad Pablo de Olavide; Centre Euro-Arabe des études juridiques avancées, 2012. El Mossadeq, Rkia. "Les forces politiques face au problème de la démocratisation du régime au Maroc." Thèse de Doctorat en science politique. Université Paris XII. Paris, 1981. _______. Acteurs politiques dans l'espace constitutionnel. Casablanca: Ed. Najah El Jadida, 2011. _______. Consensus ou jeu de consensus? pour le réajustement de la pratique politique au Maroc. Casablanca: Edition Najah El Jadida, 1995.

Ferrié, Jean-Noel. "Dispositifs autoritaires et changements politiques, les cas de l'Egypte et du Maroc." Revue internationale de politique comparée. vol. 19, no. 4

Flauss, Jean-François (ed.). L'enseignement du droit constitutionnel: Actes de la table ronde internationale de Lausanne, des 19 et 20 juin 1998. Bruxelles: Etablissement Emile Bruylant, 2000. Frickel, Scott & Kelly Moore. The New Political Sociology of Science: Institutions, Networks, and Power. Madison: University of Wisconsin Press, 2006. Garagnon, Jean & Michel Rousset. Droit administratif marocain. Rabat: Ed. La Porte, 1970. Gatelier, Karine & Marc Veleri. "Les stratégies de légitimation dans les régimes autoritaires: Perspectives comparées." Revue internationale de politique comparée. vol. 19, no. 4 (2012). Grawitz, Madeleine & Jean Leca (eds.). Traité de science politique. Paris: PUF, 1985. Guibal, Michel. "La suprématie constitutionnelle au Maroc." Revue juridique et politique: Indépendance et coopération. vol. 32, no. 3 (Juillet - Septembre 1978). Habermas, Jurgen. La technique et la science comme idéologie. Jean-René Ladmiral (trad.). Paris: Gallimard, 1973. Huntington, Samuel. Political Order in Changing Societies. New Heaven: Yale University Press, 1968. Jamin, Christophe. La cuisine du droit, l'école de droit de science Po: Une expérimentation française. Paris: Editions Extenso, 2013. Lamlili, Nadia. "Maroc: Soufiane El Bahri, le mystérieux 'photographe' du Roi Mohammed VI." Jeune Afrique. 19/7/2016. Laroui, Abdallah. Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain. Paris: Maspero, 1977. Latour, Bruno. Le métier de chercheur: Regard d'un anthropologue. Versailles: Éditions INRA, 2001. Lauvaux, Philippe. "Les monarchies: Inventaire des types. " Pouvoirs. no. 78 (Septembre 1996). Linz, Juan J. Régimes totalitaires et autoritaires. Paris: Armand Colin, 2006. Maalmi, Abdelouhab (ed.). Droit et mutations sociales et politiques au Maroc et au Maghreb. Casablanca: Publisud, 2012. Madani, Mohamed. "Le système politique et la problématique de la réforme constitutionnelle au Maroc." Revue Marocaine des Sciences Politiques et Sociales. no. 3 (Juin 2012). Menouni, Abdellatif. "Le recours à l'article 19: Une nouvelle lecture de la constitution." Revue juridique, politique et économique du Maroc. no. 15 (Septembre 1984). Mousjid, Bilal. "Communication royale à l'ère du digital." Telquel. no. 675. 29/5/2015. Nicolas, Frédéric. "Pour une nouvelle sociologie politique des sciences? A propos de 'The new Political Sociology of Science: Institutions, Networks, and Power,' de Scott Frickel & Kelly Moore." Politix. vol. 111, no. 3 (2015). Palazzoli, Claude Gérald. Le Maroc politique: De l'indépendance à 1973. Paris: Ed. Sindbad, 1974. Sacriste, Guillaume. La République des constitutionnalistes. Professeurs de droit et légitimation de l'Etat en France (1870–1914). Paris: Presses de Sciences Po, 2011. Santucci, Jean-Claude (ed). Le Maroc actuel: Une modernisation au miroir de la tradition ? Paris: Éditions du CNRS, 1992. Santucci, Jean-Claude. Les partis politiques marocains à l'épreuve du pouvoir: Analyse diachronique et

socio-politique d'un pluralisme sous contrôle. Rabat: REMALD, 2001. Sehimi, Mustapha. "La notion de constitution au Maroc." Thèse de Doctorat. Université Mohamed V. Rabat, 1984. Taguieff, Pierre-André. L'Illusion populiste: Essai sur les démagogies de l'âge démocratique. Paris: Flammarion, 2007. Torcol, Sylvie. "La théorie constitutionnelle face aux mutations contemporaines du droit public: Ce qu(e n)' en disent (pas ?) les manuels en général et la doctrine en particulier." (Septembre 2008). at: https://bit.ly/3wz50AD Tozy, Mohamed. "Champ et contre-champ politico- religieux au Maroc." Thèse de Doctorat en science politique. Université Aix-Marseille 3, 1984. ________. "Champ politique et champ religieux au Maroc: Croisement ou hiérarchisation?" Mémoire pour l'obtention du Diplôme d'Etudes Supérieures de Sciences Politiques. Faculté des Sciences Juridiques. Economiques et Sociales. Université Hassan II. Casablanca, 1980. Turk, Pauline. "Quel enseignement du droit constitutionnel?" Revue Française de droit constitutionnel. no. 118 (2019). Waterbury, John. "La légitimation du pouvoir au Maghreb: Tradition, protestation et répression." Annuaire de l'Afrique du Nord. vol. 3 (1977). at: https://bit.ly/3mZ9FZf