رأي الشعوب العربية في الأنظمة السياسية: دراسة مقارنة باستخدام منهج تحليل المكونات الرئيسة
الملخّص
يوف ر المؤشر العربي 2019 / 2020 بيانات يمكن من خلالها تسليط الضوء على مدى تجاوب المجتمعات العربية مع الأنظمة السياسية. ولفهم توجهات هذه الشعوب، استخدمت الدراسة تحليل المكوّنات الرئيسية لتقييم مدى ملاءمة الأنظمة السياسية للدول العربية من وجهة نظر المواطنين. يتضح من خلال استنتاج أوّل أنّ المواطن العربي، على العموم، يتمسك بالأولوية الديمقراطية، رغم أولويات أخرى مرتبطة بالهمَّ ين الديني والأمني. ورغم الرغبة في نظام ديمقراطي، يبدو أنّ النخبة السياسية لم تولِ هذا الاختيار أهمية كبرى؛ ما يفسر سلسلة إخفاقات المسار الديمقراطي في المنطقة. أما الاستنتاج الثاني فيتمث ل في وجود مجموعات مكوّنة من دول متقاربة في ما يخص آراء مواطنيها في النظام المرغوب فيه أو المستبعد. وقد أتاحت لنا المنهجية معرفة العوامل والمكونات الكامنة وراء اختلاف الدول أو تشابهها. كلمات مفتاحية: الدين، السياسة، الديمقراطية، تحليل المكونات الرئيسة. The Arab Opinion Index (2019 / 2020) offers interesting data on public opinion about political regimes. Our study used Principal Component Analysis to evaluate the public opinion trends toward the suitability of some political regimes for Arab countries. It is clear from the the first conclusion that the Arab citizen adheres to the democratic priority, despite other priorities related to religious and security concerns. However, it seems that the political elite did not give much importance to this priority; this is why the Arab countries experienced a series of failures in the democratic process. The second conclusion is that some countries share similarities, which differ from other groups of Arab societies. Our method helps to better understand the factors and components behind the differences or similarities between Arab countries. Keywords: Religion, Politics, Democracy, Principal Component Analysis.
Arab People's view on Political Systems: Comparative Study Using Principal Component Analysis
مقدمة
كانت الديمقراطية من المطالب الرئيسة، بوعي أو من دونه، للشارع العربي خلال أحداث الربيع العربي، منذ عام 2011 في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ورغم تغيير النخب السياسية في عدد من الدول، فإن مطالب الديمقراطية، مثل توسيع المشاركة في القرارات السياسية والحريات الفردية والمجتمعية والدينية، كانت ولا تزال مطلبًا مهمًّ لدى المواطنين في المجتمعات العربية، كما تدل على ذلك بيانات مسح المؤشر العربي 2020 /20191. استنادًا إلى البيانات نفسها، نجد أنّ جانبًا آخر من الشارع العربي لا يزال يرفض قيم الحداثة السياسية وإجراءاتها، كالديمقراطية وتداول السلطة. وذلك بدافع ديني أو سياسي محض ينحو إلى تفضيل الحكم الأوتوقراطي أو العسكري الذي يقدم نفسه على أنه نظام قادر على تحقيق الأمن، ولو على حساب الحريات. من ثمّ، فهو يميل إلى "استخدام الأمن حلً وسطًا بين الاستقرار والازدهار"2. ويبقى هذا متفهَّمً في ظلّ ما آلت إليه الأوضاع في بعض دول الربيع العربي؛ حيث أضحت المطالبات بالحرية والديمقراطية رديفًا للفوضى عند فئات مجتمعية، إمّا خوفًا على مصالحها التي كانت محمية من الأنظمة السياسية التي حمّلها الربيع العربي مسؤولية تدهور الأوضاع الحقوقية والاقتصادية أيضًا، وإمّا تخوفًا من تغيير ديمقراطي قد يعصف بالأمن الذي حققته تلك الأنظمة في معادلة صعبة التوازن بين المتطلبات الحقوقية والاقتصادية. يعطي هذا النوع من التوتر بين المجتمعي والسياسي شعورًا بعدم الاطمئنان، تحتضنه الرغبة في إدخال مفهوم الديمقراطية الغربي في المجال التداولي العربي، على الأقل بالقدر المطلوب الذي يسمح بملاءمته، ومن ثمّ قبوله. لذلك تهدف الدراسة إلى معرفة التصورات السياسية الرائجة في المجتمعات العربية، بعد مرور عقد على انتفاضات الربيع العربي، خصوصًا أنها تتزامن مع إصدار بيانات المؤشر العربي 2020 /2019. وتكمن أهمية الدراسة في قياس مدى ملاءمة مجموعة من الأنظمة السياسية القائمة الآن في العالم لتكون نظامًا سياسيًا في الدول العربية من وجهة نظر المواطنين. واستنادًا إلى هذا التقييم، تستخدم الدراسة أدوات إحصائية لتحديد مكونات رئيسية يمكن من خلالها تصنيف الدول، بحسب أنماط تميل إلى أنظمة سياسية معيّنة. أمّا الإشكالية التي تتمحور حولها الدراسة، فتتمثّل في معرفة نظام الحكم الذي تراه المجتمعات الحالية ملائمًا لها، بعد تجربة الربيع العربي وما تلاها من تعثّات في بعض البلدان العربية وفشلٍ ذريع في البعض الآخر، خصوصًا أن طموح هذه المجتمعات قد اصطدم بواقع سياسي واقتصادي داخي وآخر إقليمي ودولي، امتزج في بنية اجتماعية لم تكن بالضرورة مؤهلة لقبول مقتضيات الحداثة من حرية سياسية وديمقراطية. أمّا أهمية الدراسة المبنية على آراء المعنييّن مباشرة، فتكمن في أنّ هؤلاء هم فعلًالأشد اهتمامًا بالأوضاع السياسية الحالية، مقارنةً بما كان منتظرًا من تغييرات لم يفلح الربيع في إرسائها. وتتجلى أهميتها أيضًا في المقارنة بين مجموعة من الدول العربية، على أساس تحليل المكونات الرئيسة، لفهم أوجه التشابه والاختلاف من حيث الميول إلى مختلف الأنظمة السياسية. من هذا المنطلق، نطرح مجموعة من التساؤلات: التساؤل الأول: ما الأنظمة السياسية التي تراها المجتمعات العربية ملائمة لواقعها الاجتماعي، خصوصًا بعد الأزمات التي عاشتها بعض الدول من خلال التجربة الديمقراطية غير المقنعة؟ من ثمّ يمكن طرح التساؤل الثاني: هل هناك مجموعات تشكل أنماطًا مختلفةً من حيث التصورات السياسية حول أنظمة مفضّ لة أو أخرى غير مرغوب فيها؟ وما أوجه التشابه بين عيّنات الدول من حيث تفضيل أنظمة حكم على غيرها؟ تطرح مسألة التجانس نقاشًا داخل المجتمعات العربية. من هنا يُطرح التساؤل الثالث: ما المكونات أو العناصر التي يمكن من خلالها فهم أوجه التشابه والاختلاف بين المجموعات المنتمية إلى المجال التداولي الإسلامي نفسه، في ما يخص مسألة نظام الحكم الأمثل من وجهة نظر المواطنين؟
أولا: المنهجية والتحليل التصنيفي
جرى استخدام أحدث بيانات مسح المؤشر العربي 2020 /2019 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والمكوّنة من مستجيبًا من عيّنة تمثل 27994 ثلاث عشرة دولة (الأردن، تونس، الجزائر، السعودية، السودان، العراق، موريتانيا، فلسطين، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، قطر.) وقع اختيار هذه الدول بحسب البيانات المتوافرة في هذا المسح. في مرحلة أولى، جرى تعديل البيانات والتحقق من صحة المتغيرات مع تصحيح بعض المفردات وإعادة ترميزها بحيث
تكون قابلة للاستخدام. من بين أسئلة الاستبيان المتوافرة، استُخرج عدد محدود من المتغيرات المرتبطة بسؤال حول ستة أنظمة سياسية (كما سنرى في النتائج) قائمة الآن في العالم، والتعرف من خلال أجوبة المستجيبين إلى "مدى ملاءمة هذه الأنظمة لتكون نظامًا سياسيًا في بلدهم." كانت الأجوبة على سلّم من 1 إلى 4، حيث يمكن تقييم النظام السياسي المقترح من "غير ملائم على الإطلاق" إلى "ملائم جدًا." تمكّن جداول النسب المئوية والمعدلات، كما سنرى في عرض النتائج الوصفية، من التعرّف إلى المجتمعات العربية الأشد ميولً إلى أنظمة سياسية معيّنة، ومن ثمّ الإجابة عن التساؤل الأول للبحث ومناقشته. بعد التحليل الوصفي للبيانات، تستخدم الدراسة تحليل المكوّنات الرئيسية Principle Components Analysis الذي يُعتبر من 3 التقنيات التي تساعد في تلخيص البيانات واختصارها. انطلاقًا من 6 أسئلة عن الأنظمة السياسية (متغيرات)، ستبيّ لنا نتائج هذا التحليل مدى ارتباط بعض الأنظمة فيما بينها، بحسب أجوبة المواطنين. بعد ذلك، يمكن تحويل هذه المتغيرات المترابطة ولو جزئيًا إلى مجموعة أصغر من "المتحولات المستقلة التخيلية" التي تُعتبر هي المكونات الرئيسة. سيقع احتسابها بطرائق إحصائية على أساس المتغيرات الأصلية بنسب ومقادير تزيد أو تنقص بحسب دور كل متغيّ وتأثيره4. باستخدام هذا النموذج الإحصائي، يمكن تصنيف الدول ومقارنتها بحسب المكونات الرئيسة (كما سنرى عبر رسم بياني في النتائج)، والتعرف إلى مدى تجانس بعض المجموعات من الدول أو عدم تجانسها، من حيث التعامل مع مسألة نظام الحكم، ومن ثمّ يمكننا الإجابة عن التساؤل الثاني للبحث ومناقشته. يساعد نموذج تحليل المكونات الرئيسة على الإجابة أيضًا عن التساؤل الثالث؛ باعتبار أنّ كل مكوّن من المكونات الرئيسة يمثل العناصر التي يمكن من خلالها فهم أوجه التشابه والاختلاف بين المجموعات، مع تحديد المجتمعات العربية المنتمية إلى المجال التداولي الإسلامي نفسه أو المجتمعات نفسها التي تميل إلى أنظمة سياسية أخرى من وجهة نظر مواطنيها. وإضافةً إلى تحليل المكونات الرئيسة، جرى استخدام أسلوب التحليل التصنيفي (العنقودي)5، للتعمق في فهم المجموعات وتحديدها بحسب خصائصها، ارتباطًا بالمتغيرات الأصلية 6(متغيرات)، كما سنرى ذلك من خلال النتائج. تُعدُّ طرائق التحليل التي اخترناها جزءًا من المناهج التصنيفية، وتهدف إلى تسليط الضوء على مجموعات تتميز بخصائص مشتركة، وتختلف عن مجموعات أخرى. وتقوم الدراسة على تحديد المجموعات، بحسب مدى ملاءمة الأنظمة السياسية للبلدان العربية من وجهة نظر المواطنين؛ وذلك لإبراز النماذج المثالية لهذه الأنظمة. من خلال المكوّنات الرئيسية، سنتمكن من تحديد الأنماط العامة لتصنيف الدول. ويتطلب هذا النوع من التحليل بعض الملاحظات فيما يتعلق بتفسير النتائج. إن النماذج المثالية ليست سوى بناء نظري، ولا يمكنها أن تحلّ محلّ الواقع التجريبي الذي يسعى كل مواطن للتعبير عنه من خلال الإجابة عن أسئلة الاستبيان. لذلك يجب أن نكون حريصين على ألّ نرى في الأنواع المثالية صورة طبق الأصل للواقع التجريبي. فالوظيفة الأساسية لهذا المنهج الإحصائي، هي تقديم وسيلة تمكّننا من رسم صورة مركزة تقربنا من الواقع، من دون أن تكون شاملة لكل الجوانب المحيطة بالحياة اليومية للأفراد المكونين للمجتمع. علينا أن ندرك أن البلدان موضوع الدراسة تمثّل حالات متداخلة فيما يتعلق ببنيتها الاجتماعية وتركيبتها الثقافية، والسياسية، والاقتصادية، مع وجود خصوصيات من حيث المسارات التاريخية والمؤسساتية أيضًا. إن ميول المواطنين إلى نظام سياسي، وانتماءَهم إلى تصنيف معين، قد يفيدان في تسليط الضوء على التصورات والاختيارات التي تشترك فيها بعض الدول. في هذا الإطار، يحضرنا التشابه بين الأشجار والغابات الذي يلخص جيدًا المنظور التحليي الذي يطرحه المنهج التصنيفي. فأمام الكمّ الهائل والعدد الذي لا يحصى من الأشجار الفريدة، يصبح من الضروري، بناءً على أنواع مثالية من الأشجار، تكوين رؤية بشأن الغابة ومكوناتها الرئيسة، ولو أن هذه الرؤية، قد لا تُظهر إلّ جزءًا من الواقع6. على العموم، يمكن أن نجد جذور التحليل التصنيفي في التصور النظري للعالم الألماني ماكس فيبر Weber Max 1920-1864() لمفهوم النموذج المثالي. يرى فيبر أن هذا النموذج يساعد على طرح فروض والبحث عن المعاني الذاتية للظواهر. ولو أن هذه المعاني قد لا تعبّ عن تَ ثُلّات دقيقة للحقيقة، فإنها توحي ببعض الملامح النموذجية من خلال بناء منطقي للمفاهيم التي تؤطر الظاهرة موضوع الدراسة. لذلك يمكن اعتبار النماذج المثالية لفيبر وسيلةً "لإحداث تقدّمٍ في المعرفة من خلال إعادة تنظيم ثابتة للمفاهيم العلمية"7. في هذا السياق، ربط عدد
من المفكرين المعاصرين النماذج المثالية والتحليل التصنيفي بالمنهج التفهّمي. يمكن أن نرى ذلك من خلال كتاب دومينيك شنابر8 الذي يركز على البعد التفهّمي ارتباطًا بالتحليل النمطي. وتناقش بعض فصول الكتاب تحليل الأنظمة الاجتماعية والسياسية (بوصفها نماذج مثالية لدول الرفاهية في الغرب9) وترتيبها في شكل أنماط لفهم أوجه الاختلاف والتشابه والبحث عن أسباب ذلك.
ثانيًا: الأنظمة السياسية وتضارب الأيديولوجيات في العالم العربي
لا شك في أن الصراعات التي شهدها العالم العربي مند أكثر من نصف قرن لا تخلو من وجود تيارات يطغى عليها التديّن. يفرض علينا ذلك أن نأخذ في الاعتبار مكانة الدين في الثقافة السياسية والاجتماعية للمنطقة، وفي الإمكان استخدام تعريف الدين الذي قدّمه صادق جلال العظم، وهو تعريف يظلّ ذا دلالة مهمّة في هذا الإطار. يعرّف المفكر السوري الراحل الدين في المنطقة بأنه "قوّة هائلة تدخل في صميم حياتنا وتؤثّر في جوهر بنياننا الفكري والنفسي وتحدّد طرق تفكيرنا وردود فعلنا نحو العالم الذي نعيش فيه وتشكّل جزءًا لا يتجزّأ من سلوكنا وعاداتنا التي نشأنا عليها"10. ويدل هذا على أن المجتمعات في المنطقة ظلّت مؤطّرة بالخطاب الديني الذي يمتلك القدرة على نقل رؤيته إلى الميدان السياسي، رغم وجود القوى الأخرى: قومية أو يسارية أو ليبرالية، التي ترى في العلمانية أفقًا سياسيًا لها، والتي تعذّر عليها بلورة خطاب سياسي مقنع مبني على أساس علماني أو على الأقل ديمقراطي. فالتيار الليبرالي مثلً لطالما جرى اعتباره كفاحًا فرديًّا أو حزبيًّا في أحسن الأحوال، وليس باعتباره تجربة عملية قائمة على نقاش نظري. لذلك، يمكن القول إن الخطاب الليبرالي العربي ظلّ إلى حد بعيد أسير الأطر والمعايير النظرية الغربية وفشل ملاءمتها للمجتمع العربي11. نتيجة لذلك، بدا هذا التيار مفتقرًا إلى الجذور في مجاله العربي الإسلامي. ومنذ أحداث الربيع العربي، أصبح الخطاب الليبرالي الحالي مرتبكًا، من حيث ارتباطه العميق بنماذج جاهزة في مجالاتها الغربية، ولكنها غير ملائمة للثقافة العربية الحالية. إضافة إلى ذلك، يظلّ هذا الخطاب محاصًَا بالأحداث الجارية التي تتجاوزه. فلم يتمكن الليبراليون العرب من إقناع شعوبهم بأن الليبرالية هي المخرج من الأزمات، بل لم يستطع العديد منهم التخلّص من العلاقات والمصالح التي تجمعهم بالأنظمة التي خرجت ضدّها الجماهير في الربيع العربي. نضيف إلى ذلك أن في المخيال العربي عمومًا، يقع الربط تلقائيًا بين الغرب الليبرالي الذي يُعتبر المرجع الأساسي في الخطاب الليبرالي العربي، من جهة، والغرب الاستعماري الموالي لإسرائيل، ومن ثمّ يُنظر إليه على أنه عدو لمصالح الشعوب العربية12، من جهة أخرى؛ ما يزيد من الصعوبة التي يعرفها التيّار الليبرالي في إيجاد صدى لأيديولوجيته في الشارع العربي، فضلً عن أنّ تجربة بعض الأحزاب المحسوبة على هذا التيار لم تكن موفقة في عدد من البلدان العربية13. فلم ترَ هذه الأحزاب أيّ مانع أخلاقي من التحالف مع أحزاب أخرى ذات توجهات مناقضة للدعاوى الليبرالية. والتسابق والتدافع، في المجال السياسي - الاقتصادي أيضًا، جعلا هذا التيّار بعيدًا عن الإشكالية الأساسية في البلدان العربية المتعلّقة بالعدالة الاجتماعية. أمّا عن التيّار القومي - اليساري، فيكفي فقط التذكير بأنّ فشله الحالي في استقطاب الشارع العربي يعود إلى الصدى الذي تركته تعثّات هذا التيار، حينما تولى الحكم في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، في مجموعة من الدول العربية. يضاف إلى ذلك تهميش مفهوم الدولة في الفكر القومي - الاشتراكي وعدم التنظير له لصالح مفهوم "الأمة العربية" الذي كان له النصيب الأكبر من الحضور في الأيديولوجية القومية14. من جهة أخرى، خلال القرن العشرين، تحولت العروبة من فكرة الانتماء أو فكرة ناقلة للهوية إلى عقيدة متجذرة في الطموح السياسي وأيديولوجية للسلطة. في إطار هذا الموضوع، يقول برهان غليون إنه منذ الثلاثينيات، "أصبحت العروبة فكرة سائدة وشعبية في سوريا والعراق. مع النمو الديموغرافي للسكان الحضريين، وانتشار التعليم، وتطور الصحافة، وظهور نخبة فكرية متحمسة، فقد تغلغلت رسالة القومية العربية في جميع الأجيال. وسيطرت بعد ذلك على الخطاب السياسي وأجبرت جميع الولاءات/ الهويات
الأخرى على الصمت"15. هكذا، ولدت حركة قومية شعبية، فتحولت إلى قوة استبدادية في العراق وسورية؛ إذ ترفض هذه الأنظمة كل أشكال المعارضة المنظمة، وتميل إلى مصادرة كل نشاطات المجتمع وسيلةً لضمان "الأمن القومي" من منظورها؛ ما أفقدها بريقها وشعبيتها في الشارع العربي. من الناحية النظرية، ظلّ هذا الخطاب نخبويًا، رغم حديثه عن الجماهير والعدل الاجتماعي. ولتعزيز هذه الطرح، في إمكاننا استحضار تجربة إيران في عام 1979. فإبّان الثورة الإيرانية ضد الشاه محمد رضا بهلوي زار ميشال فوكو إيران بصفته مراسلً لصحيفة كورييري ديلا سيرا الإيطالية. عند وصوله إلى مدينتي طهران وقم، كان فوكو يسأل الإيرانيين في الشوارع عن نظام الحكم الذي يريدونه؟ فأجاب أربعة من كل خمسة إيرانيين سُئلوا: "الحكومة الإسلامية"16. يومها لم تكن للفيلسوف الفرنسي الوسائل الدقيقة لقياس رغبة الإيرانيين السياسية. لكن الوضع العام كما شرحه فوكو في مقالاته كان يفيد بهذا التوجه الشعبي، رغم عدم إمكانية إجراء استفتاء شعبي عن طريق انتخابات نزيهة أو على الأقل مسموحة كالتي نتوفر عليها الآن. وستتأكد هذه الرغبة في استحضار العنصر الديني في الممارسة السياسية في المنطقة العربية. فبعد أحداث الربيع العربي وصعود التيار الإسلامي على الساحة السياسية في العديد من بلدان المنطقة العربية، توالت الانتصارات الأولى للأحزاب الإسلامية: حزب حركة النهضة التونسي، وحزب العدالة والحرية المصري، وحزب العدالة والتنمية المغربي، وكانت شاهدة على التعاطف الشعبي مع حضور الخطاب ذي الدلالات الدينية في معترك السياسة17. عمومًا، حتى قبل أحداث الربيع العربي، أظهرت التجربة العربية حضورًا كبيرًا للأحزاب الإسلامية في الانتخابات، جاء بالعديد منها إلى الحكم أو المشاركة فيه18. وأمام تضارب الأيديولوجيات في الساحة العربية بين الرافضة للديمقراطية والقابلة لها والمستغلة أيضًا لآليتها، فإنّ مسح المؤشر العربي يمنحنا إمكانية قياس آراء الشارع العربي في اختياراته البعيدة عن الديمقراطية أيضًا. وبناء عليه، في إمكاننا الانطلاق من تلك الأرقام، لتحليل تلك الخيارات التي تبقى مشروعة ومفهومة، إذا أخذنا في الحسبان السياق التاريخي والسياسي للبلدان التي ارتفعت فيها نسبة المطالبة بأنظمة غير ديمقراطية.
ثًالث ا: الرغبة في الديمقراطية بين الشعوب ونخبها السياسية في العالم العربي
أمام الطموح الديمقراطي، ما زال هناك نوع من الخطاب الأكاديمي، يختزل المنطقة العربية والإسلامية عمومًا في كلمة واحدة وهي الإسلام الذي يعتبر دين "الآخر المختلف"19. من هنا يجري القفز على الاختلافات العديدة التي تسود أهل المنطقة العربية، بحسب التجارب التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن ثمّ يجري تجاهل رأي الشارع العربي نفسه؛ بحيث تصبح مطالبه، في العديد من الخطابات الغربية، هي ذاتها لا تتغير مع الوقت20. في الواقع، تكمن الصعوبة الكبرى في مثل هذه الخطابات، بما في ذلك الخطاب العلمي نفسه، في أنها تظل حبيسة ما يسميه محمد أركون "الإسلامولوجيا الكلاسيكية." وينظر إلى هذا المنهج "الوصفي" على أنه يضحّي بالتحليل النقدي لأنواع الخطاب والأصوات الحاضرة داخل المجال التداولي الإسلامي، مسقطًا ماضي الإسلام على حاضر المنطقة العربية الإسلامية. ولا يرى الإسلامَ، ومن ثمّ فضاءه، إلا في كتب التراث القديم وليس في التجارب الحيّة للناس21. فيجري تقليص الفضاء الإسلامي (إضافة إلى المسلمين في الغرب) من منظور الإسلام الكلاسيكي إلى دولة إسلامية واحدة، من دون
مراعاة الاختلافات بين دول المنطقة، وكذلك درجات انتمائهم إلى الحداثة السياسية. فتميل الإسلامولوجيا الكلاسيكية إلى محو الحدود، وبالنتيجة تقليص طيف التحليل، فيجري على سبيل المثال وضع تونس واليمن والسعودية وأفغانستان على الشبكة السياسية نفسها، رغم الاختلاف الكبير بين هذه البلدان في التعامل مع الدين والسياسة. على عكس الإسلامولوجيا الكلاسيكية، يقترح أركون "الإسلامولوجيا التطبيقية" التي يجب أن تُخضع الإسلام وأنواع الخطاب الإسلامي للمتطلبات المتعددة التخصصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية. ويريد أركون من هذا المنهج أن يكون منفتحًا على كل مظاهر الفكر الإسلامي، لاستعادة الجوانب المهملة في الإسلامولوجيا الكلاسيكية. وبالنتيجة يجب الاهتمام بالعديد من المجالات، كمجال التعبير الشفهي في المجتمعات الإسلامية، والتجربة الشفهية غير المكتوبة، والتجربة غير المكتوبة وغير المسموح بها، وما إلى ذلك.22 ويبقى هدف أركون هو "قراءة ماضي الإسلام وحاضره بدءًا من التعبيرات والمطالب الحالية للمجتمعات الإسلامية"23. من الناحية السياسية، تجد هذه الرؤية للعالم العربي ضالّتها في تعثّ مسار الديمقراطية في المنطقة، منذ سنوات الاستقلال. وتعتبر ثورة الربيع العربي نقطة تحول كبرى؛ إذ شكلت الديمقراطية أحد أهم مطالب الشارع العربي وما زالت إلى الآن وبنسبة كبيرة. وسرعان ما يجري ربط عدم إرساء دعائم الديمقراطية، رغم الرغبة الشعبية فيها، بالإسلام الذي يُقدَّم على أنّه دين يحدُّ من ترسيخ أسس الديمقراطية. فعلى سبيل المثال، يذهب الباحث الفرنسي جمال بوويور إلى أنّه، إضافة إلى التعثر الاقتصادي، يبقى العائق الأساسي للديمقراطية في الوطن العربي هو الاعتقاد الديني24. ويعتري هذه الأطروحة، طبعًا، العديد من الإشكالات: من بينها أنّ هناك مناطق أخرى أُرسيت فيها الديمقراطية من دون أن يتخلى أهلها عن اعتقاداتهم الدينية، في الغرب ذي المرجعية المسيحية نفسه. وإذا كان الأمر يخص الإسلام وحده دون غيره من الأديان، فإنّ تركيا بمرجعيتها الإسلامية مثلً، استطاعت ترسيخ الديمقراطية على النمط الغربي. وحتى الملايين من الجالية المسلمة في الغرب تطبعت مع الأنظمة الديمقراطية، بل تساهم في تكريسها عبر مختلف المؤسسات والتنظيمات. من المؤكد أنّه رغم توافر الرغبة في الديمقراطية لدى المجتمعات العربية عبر تشكيل برلمانات ومنتخبين، فهذا لا يعني إرساء دعائمها25، ولا حتى تفشي ثقافتها بين فئات الشعب. بل تظهر الديمقراطية حلً عند فشل التجارب السياسية السابقة في العديد من هذه المجتمعات. ويبدو أنّ الإجابة عن التساؤل بشأن المسؤولية عن تعثر الديمقراطية في المنطقة العربية متوافرة في أطروحة عزمي بشارة في الانتقال الديمقراطي26. فهذا المفكر العربي يُحمِّل النخبة السياسية مسؤولية تأسيس مسار الانتقال الديمقراطي، عبر السهر على تفشي مبادئ الديمقراطية في الثقافة السياسية للمجتمع؛ لأنّ "سياسات الحكومة وقوانينها والظروف التي تخلقها تؤثر جذريًا في الثقافة السياسية"27. فالنخب المقتنعة بمبادئ الديمقراطية هي المسؤولة عن إنجاح مسارها. وهذا الاقتناع بمبادئ يجب أن يظهر ممارسةً في ثقافة هذه النخب عبر عنصرين يعتبرهما بشارة مهميّ، وهما: "أ. قبول مبدأ المواطنة وما يترتب عليه من حقوق سياسية وحريات مدنية وواجبات. ب. الالتزام بالمؤسسات والإجراءات الديمقراطية"28. ووفقًا لهذا الطرح، لا معنى لانتظار تفشي قيم الديمقراطية بين فئات الشعب، بل هي مسؤولية النخب التي عليها قبول اللعبة الديمقراطية والتمسك بقيمها عبر الممارسة، ولو على حساب فقدانها لامتيازات النخبة، إذا أذنت رياح التغيير السياسي في إطار ديمقراطي بذلك. ومن شأن ممارسة هذه النخب المؤمنة بها أن ترسي شيئًا فشيئًا قيم الديمقراطية بين فئات الشعب. وربّ ا هذا ما يفسّ لنا الإخفاقات المتتالية لدول الربيع العربي التي عرفت نوعًا من الممارسة الديمقراطية بعد عام 2011، رغم إقبال فئات عريضة من شعوب تلك الدول عليها. ففي الإمكان تفسير إخفاق المسار الديمقراطي في مصر بائتلاف جانبٍ مهمّ من النخبة السياسية مع الجيش الذي أصبح دوره مباشرًا وذا أهمية قصوى في السياسة، بعد أن كان خافتًا في السنوات الأخيرة قبل ثورة 25 يناير 201129. فبدلً من انتظار انتهاء ولاية الرئيس المنتخب ديمقراطيًا في 03 حزيران/ يونيو 2012 لمحاسبته ومحاسبة حزبه عن طريق صناديق الاقتراع، إذا تبين فشل سياساته، فَضَّ ل جانب كبير من النخبة السياسية عدم الانتظار واللجوء إلى الشارع، ضاربًا عرض الحائط أحد أهم مبادئ الديمقراطية وهي الالتزام بالمؤسسات والإجراءات الديمقراطية، بحسب تعبير بشارة.
| اتجاه العينة | مؤشر الأهمية النسبية | الانحراف اىلمعياري | المعدل على سلّم من 1 إلى 4 | غير ملائم إلى حدٍ ما أو غير ملائم على الإطلاق | ملائم جدًّا أو ملائم إلى حدٍ ما | سأذكر لك بعض الأنظمة السياسية القائمة الآن في العالم، وأود أن أتعرف إلى مدى ملاءمتها لتكون نظامًا سياسيًا في بلدك. | ||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| % | N | % | N | |||||
| مرتفع | 80.3 | 0.95 | 3.21 | 18.9 | 4865 | 81.1 | 20894 | نظام سياسي تتنافس فيه جميع الأحزاب مهما كانت برامجها من خلال الانتخابات النيابية، وتشكّل الحكومات على أساس نتائج الانتخابات |
| متوسط | 54.5 | 1.12 | 2.18 | 61.5 | 15768 | 38.5 | 9864 | نظام سياسي يتولى فيه الحكم العسكريون/ قادة الجيش |
| متوسط | 52.5 | 1.06 | 2.10 | 65.9 | 16849 | 34.1 | 8724 | نظام محكوم بالشريعة الإسلامية من دون وجود انتخابات أو أحزاب سياسية |
| متوسط | 51.8 | 1.00 | 2.07 | 65.8 | 16681 | 34.2 | 8674 | نظام سياسي تتنافس فيه فقط الأحزاب الإسلامية في الانتخابات النيابية |
| منخفض | 44.5 | 0.89 | 1.78 | 80.2 | 20383 | 19.8 | 5033 | نظام سياسي تتولى فيه الحكم سلطة تأخذ القرارات من دون اعتبار لنتائج الانتخابات أو لرأي المعارضة |
| منخفض | 44.5 | 0.92 | 1.78 | 78.3 | 19968 | 21.6 | 5496 | نظام سياسي تتنافس فيه فقط الأحزاب غير الدينية في الانتخابات النيابية |
وهذا الالتزام كان كفيلً بحل الصراعات السياسية والأيديولوجية بمنطق الديمقراطية. وحتى إن كان للحزب الحاكم نيات تحكّمية، فقد كان في إمكان النخبة السياسية المعارضة التصدي له بما يقتضي القانون والمؤسسة30.
رابعًا: النتائج
يتوفر المؤشر العربي 2020 /2019 على مجموعة من الأسئلة يمكن من خلالها دراسة مدى ملاءمة الأنظمة السياسية للدول العربية من وجهة نظر مواطنيها. جرى طرح أسئلة عن 6 من بين أهم الأنظمة السياسية القائمة في العالم ويمكن تلخيص النتائج الأولية (الجدول 1) على النحو التالي: هناك نسبة مرتفعة جدًّا من المستجيبين (لمجموع الدول العربية) الذين يرون أن النظام السياسي التنافسي هو الملائم بالنسبة إلى الجدول)1(النسب المئوية ومعدلات الأنظمة السياسية من خلال تقييم المستجيبين مدى ملاءمة هذه الأنظمة لدولهم
بلدهم. وتعبّ هذه الفئة عن ميولها إلى الأنظمة الديمقراطية؛ فهي ترى أنه من الواجب أن تتنافس فيه كل الأحزاب مهما كانت برامجها وتوجهاتها من خلال الانتخابات النيابية. حصل هذا النظام على أعلى معدل مقارنةً بالأنظمة الأخرى (معدل 213. من 4.) كانت النسبة المئوية للإجابة بملائم جدًّا أو ملائم إلى حدٍ ما تتجاوز %80. يأتي في المرتبة الثانية النظام الذي يتولى فيه الحكم العسكريون؛ إذ يعتقد %38.5 من المستجيبين أن هذا النظام ملائم جدًّا أو ملائم إلى حدٍ ما. وقد حصل هذا النظام على معدل 2.18 من.4 ويتقاسم نظامان المرتبة الثالثة بنسب مئوية ودرجات متقاربة جدًّا، وهما: "النظام المحكوم بالشريعة الإسلامية من دون وجود انتخابات" و"النظام السياسي التي تتنافس فيه فقط الأحزاب الإسلامية." يرى ما يقرب من %34 من المستجيبين أن هذه الأنظمة ملائمة جدًّا أو ملائمة إلى حدٍ ما لدولهم. وحصلت هذه الأنظمة على معدلات على التوالي 2.10 و 2.07 من 4. في الأخير، هناك فقط حوالى %20 من المستجيبين يرون أن "النظام السياسي الذي تتولى فيه الحكم سلطة تأخذ القرارات من دون اعتبار لنتائج الانتخابات (نظام أتوقراطي") و"النظام السياسي الذي تتنافس فيه أحزاب غير دينية في الانتخابات
الشكل)1(ترتيب الدول بحسب النسب المئوية للمواطنين الذين يرون أن الأنظمة السياسية ملائمة لدولتهم
| تنافس الأحزاب الإسلامية فقط | تنافس جميع الأحزاب |
|---|---|
| نظام محكوم بالشريعة الإسلامية | تتولى الحكم سلطة من دون انتخابات (أتوقراطي) |
| نظام يتولى فيه الحكم العسكريون | تنافس الأحزاب غير الدينية فقط |
النيابية"، كلاهما ملائم جدًّا أو ملائم إلى حدٍ ما للبلد. وحصل هذان النظامان على معدل منخفض جدًّا 1.78(من 4 لكل منهما.) أما بالنسبة إلى ترتيب الدول بحسب الأنظمة السياسية كما يراها المستجيبون، فتتضمن الرسوم البيانية في الشكل 1() النسب المئوية لمن يعتبرون هذه الأنظمة ملائمة جدًّا أو ملائمة إلى حدٍ ما. بالنسبة إلى النظام التنافسي، تدل النتائج على أن جل الدول (على رأسها الجزائر ومصر) لها نسب مئوية مرتفعة. وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك استثناءين هما دولتا السعودية وقطر اللتان سجلتا أقل من %50 من المستجيبين الذين يرون أن هذا النظام ملائم جدًّا أو ملائم إلى حدٍ ما. بالنسبة إلى النظام الإسلامي (نظام سياسي تتنافس فيه فقط الأحزاب الإسلامية)، تدل النتائج على أن هناك بعض الدول كموريتانيا، والكويت، والمغرب، والسعودية، تأتي في مقدمة الترتيب بنسب مئوية متوسطة (بين 40 و%56.) وتوجد أقل نسبة في لبنان %9.4(.) بعبارة أخرى لا ترى الأغلبية الساحقة من المستجيبين اللبنانيين أن الأحزاب الإسلامية ملائمة لبلدها. وتدلّ النتائج، أيضًا، على تقدّم ملموس للسعودية مقارنة ببقية الدول؛ فهي تسجل أعلى نسبة مئوية %43.8() من المستجيبين الذين يرون أن النظام الأوتوقراطي (نظام سياسي تتولى فيه الحكم سلطة تأخذ القرارات من دون اعتبار لنتائج الانتخابات) ملائم جدًّا أو ملائم إلى حدٍ ما. بالنسبة إلى نظام الشريعة، تُظهِر النتائج تقدمًا كبيرًا للسعودية؛ إذ تسجّل نسبة مئوية مرتفعة جدًّا %79.3() من المستجيبين الذين يرون أن هذا النظام ملائم جدًّا أو ملائم إلى حدٍ ما. ونلاحظ أيضًا نسبًا مئوية تتجاوز ال %50 في دول أخرى كالأردن، وموريتانيا، وقطر، من حيث الميول إلى نظام الشريعة. يتقدم لبنان في أعلى الترتيب من حيث الرغبة في نظام غير ديني، بحيث سجل أعلى نسبة مئوية %43.7() من المستجيبين الذين يرون أن هذا النظام ملائم جدًّا أو ملائم إلى حدٍ ما لبلدهم. أما عن النظام العسكري، (نظام سياسي يتولى فيه الحكم العسكريون/ قادة الجيش)، فتدل النتائج على تقدم دول كمصر، والعراق، وتونس، ولبنان، بنسب مئوية تتجاوز ال %50 من المستجيبين الذين يرون أن هذا النظام ملائم جدًّا أو ملائم إلى حدٍ ما لبلدهم. يعرض الشكل 2() المكونات الرئيسة التي تتوزع حولها الدول العربية. وللتذكير، فقد جرى الحصول على هذه المكونات بطريقة إحصائية31، على أساس المتغيرات الأصلية المرتبطة بمدى ملاءمة الأنظمة الستة لبلدان المستجيبين. ويعبّ المكون الرئيسي الأول (الخط الأفقي) عن التوجه الديني (النظام الإسلامي + الشريعة) كلما اتجهنا إلى اليسار، والتوجه غير الديني (في الاتجاه العسكري نفسه) كلما اتجهنا إلى اليمين. يعبّ المكون الرئيسي الثاني (الخط العمودي) عن التنافس وتعددية الأحزاب كلما اتجهنا إلى الأسفل، والتوجه الأوتوقراطي كلما اتجهنا إلى الأعلى. تتجلى أهمية هذا المنهج التصنيفي في البحث عن المتغيرات التي قد تُحدث تباينات بين الدول. لذلك يتبين من خلال الشكل 2() أن العامل الديني يؤدي دورًا مهمً في تحديد ميول المجتمعات العربية مقارنةً بالعوامل الأخرى. ووفقًا للنتائج، يمكن تصنيف الدول ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى، وهي الأكثر انسجامًا، تضم 4 دول: لبنان، ومصر، والعراق، وتونس. تأثرت هذه المجموعة بالمكون الرئيسي الأول؛ إذ يعبّ المستجيبون من هذه الدول عن مدى توافقهم مع الأنظمة السياسية غير الدينية أو النظام السياسي العسكري في الدول العربية مقارنة ببقية الدول. ومع أن أغلبية المستجيبين تميل إلى النظام التنافسي (بحسب النتائج السابقة)، فإن هذه المجموعة تعرف ميلً طفيفًا إلى النظام الأوتوقراطي، مقارنةً ببقية الدول (كونها توجد في المربع الأعلى للشكل.)2 المجموعة الثانية، تضمّ الكويت، والأردن، والسودان، والمغرب، وفلسطين، والجزائر. توجد هذه المجموعة في الوسط، خصوصًا بالنسبة إلى المكون الأول، مع ميل طفيف إلى النظام الإسلامي بالنسبة إلى الأردن، والمغرب، وفلسطين. أما المكون الرئيسي الثاني، فقد كان له تأثير كبير في المستجيبين من المجتمع الجزائري؛ فهم يبتعدون عن النظام الأوتوقراطي ويؤيدون النظام السياسي التنافسي. نلاحظ أيضًا ميلً إلى النظام التنافسي على حساب الأوتوقراطي بالنسبة إلى فلسطين، والمغرب (كونهما يوجدان في المربع الأسفل للشكل)2 المجموعة الثالثة، تضمّ السعودية، وقطر، وموريتانيا. يظهر لنا اتجاه ملحوظ لدى هذه المجموعة إلى يسار المكون الرئيسي الأول؛ إذ يعبر المستجيبون عن تأييدهم للنظام الإسلامي (الأحزاب الإسلامية) ونظام الشريعة. نلاحظ أن هذه المجموعة أقل انسجامًا على مستوى المكون الرئيسي الثاني؛ إذ تتميز السعودية بالتوجه، إلى حدّ بعيد، إلى النظام الأوتوقراطي، في حين نلاحظ ميلً إلى النظام التنافسي بالنسبة إلى موريتانيا. إضافة إلى تحليل المكونات الرئيسة، جرى استخدام أسلوب التحليل التصنيفي (العنقودي) للتعمق في فهم المجموعات وتحديدها، بحسب خصائصها ارتباطًا بالمتغيرات الأصلية 6(متغيرات من دون
الشكل)2(توزيع الدول بحسب المكونات الرئيسية على أساس متغيرات الأنظمة السياسية
الشكل)3(تشكيل مجموعات دول مختلفة لمدى ملاءمة الأنظمة السياسية بحسب التحليل العنقودي الهرمي (مخطط شجري)
ربطها بمكونات رئيسية.) يمثّل الشكل)3(طريقة التصنيف (بحسب المسافات الإقليدية)؛ بحيث كلما ابتعدنا عن رأس العنقود (من اليمين إلى اليسار)، بدأت تترسب المجموعات على رؤوس العناقيد الموالية على نحوٍ أدق من حيث درجة الانسجام لدى المستجيبين حول مدى ملاءمة هذه الأنظمة لتكون نظامًا سياسيًا في بلدهم. من خلال الخط الأخ رر الممثّل في القيمة 5 داخل التسلسل العنقودي، يمكن تصنيف 3 مجموعات أساسية: المجموعة الأولى وهي الأكثر انسجامًا، تضم 4 دول: لبنان، ومصر، والعراق، وتونس (مما يتوافق مع التصنيف الأول للشكل 2() بحسب المكونات الرئيسة.) كل هذه الدول لها معدلات منخفضة، من حيث مدى ملاءمة النظام الإسلامي، ومعدلات منخفضة من حيث مدى ملاءمة نظام الشريعة. وحصلت على أعلى المعدلات، من حيث تأييد ملاءمة الأحزاب غير الدينية. وربما هذا العنصر هو الذي حسم انسجام هذه المجموعة، كما يبيّ ذلك أيضًا تحليل المكونات الرئيسة. المجموعة الثانية تضمّ قطر، والأردن. ومع أن التصنيف الأول، بحسب المكونات الرئيسة، لم يحدد المجموعة نفسها، فإن هناك تقاربًا بين الدولتين، من حيث الميول إلى النظام الإسلامي والشريعة. وتبدو السعودية خارجة عن هذه المجموعة؛ إذ لها ميزة خاصة من خلال حصولها على معدل مرتفع جدًّا من حيث مدى ملاءمة النظام الأوتوقراطي. ولكن تبقى هذه المجموعة هي الأقرب انسجامًا مع السعودية، من حيث الميول إلى النظام الإسلامي والشريعة. ويمكن دمج الدول الثلاث في المجموعة نفسها، إذا توجّهنا إلى القيمة 10 من التسلسل الهرمي للعنقود. المجموعة الثالثة، تضمّ السودان، والكويت، والمغرب، وموريتانيا، وفلسطين. تتميز هذه المجموعة بمعدلات متوسطة على العموم (أنظمة وسطية) مع ميل طفيف إلى النظام التنافسي ثم إلى النظام الإسلامي إلى حدٍ ما. وتبدو الجزائر خارجة عن هذه المجموعة؛ فلها ميزة خاصة مع حصولها على معدل منخفض جدًا في مدى ملاءمة النظام الأوتوقراطي (بمعنى أن هناك رفضًا شبه تام لهذا النظام لدى المستجيبين.) ولكن تبقى هذه المجموعة هي الأقرب انسجامًا مع الجزائر من حيث الميول إلى ملاءمة النظام التنافسي مع درجة مرتفعة جدًا بالنسبة إلى الجزائر على هذا المحور. ويمكن دمج الجزائر مع هذه المجموعة، إذا توجهنا إلى القيمة 10 من التسلسل الهرمي للعنقود.
خامسًا: مناقشة وخلاصة
يتيح المؤشر العربي /2019 2020 بيانات غنية، يمكن من خلالها تسليط الضوء على قضايا سياسية واجتماعية متعددة. وتساعدنا النماذج التحليلية المستخدمة في هذه الدراسة على فهم أفضل خيارات المواطنين بين مجموعة من الأنظمة السياسية المتاحة. وتعطينا النتائج لمحة عن القواسم المشتركة والاختلافات داخل المجتمعات العربية، فيما يتعلق بالأنظمة السياسية التي يراها المواطنون ملائمة لبلدانهم، وخصوصًا بعد التجربة غير المرضية لثورات الربيع العربي. وترشدنا هذه النتائج إلى مناقشة التوجهات الكامنة وراء تصنيف الدول بحسب الأسئلة الثلاثة التي جرت صياغتها في البداية. الهدف من السؤال الأول هو التعرف إلى الأنظمة السياسية التي تراها المجتمعات العربية ملائمة لواقعها الاجتماعي، خصوصًا بعد الأزمات المرتبطة بالتجربة الديمقراطية غير المقنعة. وتدلّ النتائج على أنّ فئة من المواطنين لها تصورات بعيدة أو غير متوافقة مع خيارات الديمقراطية الحديثة. وتظهر هذه التصورات في الاختيارات التي تتوزع بين تفضيل الحكم العسكري أو النظام المحكوم بالشريعة الإسلامية من دون وجود انتخابات، أو النظام الذي تتنافس فيه فقط الأحزاب الإسلامية. يدل ذلك على إقصاء الأحزاب العلمانية أو التي لا تشير إلى المرجعية الدينية في برامجها. يبقى النظام الذي تتنافس فيه كل الأحزاب مطلبَ الأكثرية الساحقة في مجموعة من الدول (على الأقل ضمن البلدان التي كانت موضوع مسح المؤشر العربي.) في هذه الدول، أكثر من %80 من المستجيبين يرغبون في نظام سياسي تنافسي. بعبارة أخرى، هناك رغبة في أنظمة تشارك فيها كل الأحزاب مهما كانت برامجها من خلال الانتخابات النيابية. بينما تأتي السعودية على رأس الدول الرافضة لمبدأ الديمقراطية، من خلال المطالبة بنظام أوتوقراطي أو نظام محكوم بالشريعة الإسلامية. ويبقى هذا الاختيار مرتبطًا بالثقافة السياسية السائدة في هذا البلد، والتي تستقي معجمها من الفكر السياسي الإسلامي الكلاسيكي عبر أولوية القرآن والسنة النبوية والشريعة الإسلامية، وأيضًا عبر مفاهيم مثل الشورى وطاعة ولي الأمر، وغير ذلك32. وهذه المفاهيم جاءت مخالفة لمبادئ الديمقراطية الحديثة، إلاّ أنها تبدو صالحة للأغلبية الساحقة في السعودية. لكن على العموم، إذا وجّهنا نظرنا إلى الدول العربية
التي تطالب فيها الأكثرية بالتنافسية والديمقراطية، نرى أنها تعرف كلّها نظام الانتخابات النيابية. وهذه التجربة في أعين الأكثرية تبقى هي الحل السياسي الأمثل، رغم تعثرها، أو على الأقل عدم وصولها إلى المستوى المطلوب من الصدقية33. ورغم هذه الرغبة الملحّة في التنافسية الحزبية، هناك أنماط مختلفة من الدول يميل بعضها إلى أنظمة سياسية بعيدة عن التوجه الديني، ويتضح ذلك من خلال مناقشة السؤال الثاني. يتمحور السؤال الثاني حول إمكانية وجود مجموعات من الدول تشكل أنماطًا مختلفةً من حيث التصورات السياسية حول أنظمة مفضّ لة أو أخرى غير مرغوب فيها. في هذا السياق، تظهر النتائج تشكيل ثلاث مجموعات، على الأقل، متجانسة مع بعض التشابه داخل كل مجموعة، واختلاف إلى حدٍ ما بين المجموعات من حيث توجهات المواطنين إلى بعض الأنظمة السياسية. تظل النتائج الخاصة بالمجموعة المكونة من مصر، والعراق، ولبنان، وتونس، لافتة للنظر. فهذه البلدان (خصوصًا مصر) تطالب بأنظمة تنافسية، تشارك فيها كل الأحزاب. وتتصدّر أيضًا الترتيب، من حيث المطالبة بنظام عسكري أو أنظمة غير دينية. يبدو ذلك واضحًا من خلال توزيع الدول في الشكل 2() وأيضًا من خلال تصنيف المجموعات في الشكل.)3(يمكن فهم ذلك من خلال تاريخ مصر الحديث الذي أدى فيه الجيش دورًا مهمً في السياسة منذ ثورة الضباط الأحرار في عام 1952. في حين تبقى تجربة الانتخابات بعد ثورة 25 يناير 2011 شاهدة على الرغبة الأكيدة في حكم ديمقراطي تتنافس فيه كل الأيديولوجيات من دون إقصاء. وتبقى التجربة السياسية والطائفية التي خاضها لبنان، على الأقل منذ نهاية الحرب الأهلية 1989-1975()، مؤثرة جدًا في اختيارات الشارع اللبناني السياسية. فهذا البلد يرفض تداخل الدين مع السياسة؛ لذلك يوجد بوضوح (ويحتل المرتبة الأولى) ضمن المجموعة التي ترفض دخول الأحزاب الدينية في سباق التنافس الانتخابي. وقد تبين هذا في الأزمة الأخيرة 2021-2020()؛ فقد كان من بين الشعارات التي رفعها المحتجون رفضهم الطائفية الدينية المستغلة للدين لكسب الامتيازات السياسية34. وتجدر العودة إلى تجربة العراق بعد الاجتياح الأميركي في عام 2003؛ حيث "وُضِ ع الحراك المدني على محك اختبارات جديدة، منها المناخ السياسي الذي سادته نزاعات أهلية ضارية اتخذت صبغة مذهبية"35، فالتجاذبات الطائفية، إضافة إلى تجربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية، حالت دون تقريب وجهات النظر بين مطالب لعودة الحكم الأوتوقراطي أو لإقصاء الآخر والاحتماء بالطائفة في ظل التنافس الإقليمي والدولي حول العراق؛ ما قد يؤدي به "بسهولة إلى حرب طائفية"36. وقد يفسِّ استياء الشارع التونسي من تذبذب المسلسل الديمقراطي ميل المستجيبين إلى أنظمة غير ديمقراطية، على الأقل لضمان المستوى الاقتصادي لما قبل الثورة نفسه37. وتُظهِر النتائج، أيضًا، وجود مجموعة مكونة من دول وسطية، يميل بعضها إلى التنافسية الحزبية، ولكن لا يرغب في الأنظمة العسكرية والأوتوقراطية مع ميل طفيف لدى بعضها إلى الاتجاه الديني. ونخص بالذكر هنا الأنظمة الملكية التي تسمح بنظام انتخابي كالأردن، والمغرب (والنظام الأميري الكويتي أيضًا.) في هاتين المملكتين، مؤسسة الملك تسود وتحكم، بمشروعية تاريخية ودينية مقبولة من شعبيهما، وبنظام سياسي محافظ لكنه منفتح إلى حد ما على المؤسسات الديمقراطية (حكومة وبرلمان) التي تستمد مشروعيتها من الانتخابات، من دون المساس بسلطات المؤسسة الملكية الحاكمة38. وضمن هذه المجموعة، نجد أنّ الجزائر تتصدر الدول المطالبة بنظام تتنافس فيه كل الأحزاب، وتأتي في آخر قائمة الدول المطالبة بنظام عسكري أو أوتوقراطي؛ إذ يبقى الجزائريون في انسجام شبه كامل برفضهم لنظام غير ديمقراطي يلغي التعددية الحزبية أو يحكم بالشريعة. وقد يبدو لنا الدور البارز الذي أدّته في بلورة النزوع شبه العام عند الجزائريين نحو الخيار الديمقراطي،
تلك الأحداث التي عرفتها الجزائر بعد إلغاء الجيش انتخابات عام 1992، والتي فازت فيها جبهة الإنقاذ ديمقراطيًا؛ ما أدخل البلد في دوامة من العنف والعنف المضاد نحو 10 سنوات. وقد تأكدت خيارات الشعب الجزائري في الشعارات المرفوعة في الحراك الشعبي منذ 2019؛ فقد جرى التأكيد على ضرورة إجراء تغيير جذري في نظام الحكم في البلاد وانتخابات ديمقراطية تسود فيها الشفافية39. أما بالنسبة إلى المجموعة الأخيرة، فمهما تقاربت دولها من حيث الميول إلى الأنظمة الدينية والشريعة، فإن شعوب هذه الدول لها رؤية مختلفة لطبيعة هذه الأنظمة. فمن جهة، يرى المواطن السعودي (والقطري بدرجة أقل) أن الشريعة والدين مرتبطان ارتباطًا قويًا بالتسيير الأوتوقراطي للشأن السياسي للأسباب التي ذُكرت سابقًا بالنسبة إلى السعودية. ومن جهة أخرى يرى مواطنو دول، كالأردن وموريتانيا، أن الأنظمة الدينية يمكن أن تنسجم مع التنافسية الحزبية إلى حد ما. وهذا في حد ذاته لا يطرح إشكالً كبيرًا بالنسبة إلى بلدان كالأردن وموريتانيا؛ نظرًا إلى تقارب الثقافة الدينية السائدة في المجتمع وعدم اختلافها مع التوجهات السياسية. فمثلً في الأردن ظل سقف الاحتجاج في الحراك لا يتعدّى المطالبة ب "إصلاح سياسي واقتصادي"40. تطرح مسألة التجانس نقاشًا داخل المجتمعات العربية. من هنا نجيب عن السؤال الثالث لمعرفة المكونات أو العناصر التي يمكن من خلالها فهم أوجه التشابه والاختلاف بين المجموعات. نستنتج من خلال نتائج التحليل أن معامل التأثير للمكون الرئيسي الأول (الأنظمة الدينية ضد الأنظمة غير الدينية) أعلى من تأثير المكون الرئيسي الثاني (التنافسي ضد الأوتوقراطي.) ويظهر ذلك أيضًا من خلال الشكل 2()، إذ يبدو توزيع الدول أشد وضوحًا على المستوى الأفقي الذي يعبّ عن المكون الرئيسي الأول. ويمكن تفسير ذلك أساسًا بأن جل الدول تميل نحو النظام التنافسي، ومن ثمّ لا يؤدي هذا المتغير دورًا كبيرًا في خلق التباين بين المجتمعات. وبالنتيجة تعبّ الأغلبية الساحقة للمواطنين العرب عن رغبتها في أنظمة تنافسية غير أوتوقراطية إلى حدٍ ما. ولكن في الوقت نفسه، هناك نسبة مهمة جدًّا ما زالت متشبثة بالعامل الديني وتدخّله في الدولة. وتطالب بعض المجتمعات العربية بالديمقراطية، ولكن في الوقت نفسه تطالب بإقصاء الأحزاب الدينية، أو تطالب بأنظمة عسكرية؛ ما يدل على اختلافات وتناقضات، من حيث فهم المرجعية الديمقراطية ومدى وملاءمتها بصفتها نظامًا سياسيًا في تصورات العديد من المواطنين. وتبقى الإشارة في الأخير إلى أنّ الأسئلة الموجهة إلى عيّنات المؤشر العربي تجنّبت التركيز على كلمة نظام علماني (أو لائكي.) ولعلّ هذا يبقى مفهومًا، لما للكلمة من وقع سلبي في الشارع العربي، وحتّى في بعض جوانب الفكر العربي المعاصر. في هذا السياق، عُرف محمد عابد الجابري 2010-1935()، الذي اشتهر مفكرًا علمانيًا، وعُرِف أيضًا برفضه القاطع الذي صمّم عليه طوال حياته الفكرية، كما هو معلوم، لمصطلح "العلمانية" واقترح استبدالها ب "الديمقراطية والعقلانية"41. وهو يرى أن فكرة العلمانية ليست كافية ولا فعالة في أرض الإسلام. ويؤكد أن النظام العلماني لا يتوافق مع الثقافة العربية الإسلامية؛ لأنها لم تعرف أبدًا ظاهرة الكنيسة ككهنوت مؤسساتي. أمّا عند التيار الإسلامي، فيبقى الرفض هو سيّد الموقف. وعلى سبيل المثال، نجد أنّ الشيخ يوسف القرضاوي يجعل من العلمانية عدوًّا للدين في عددٍ من كتبه، من دون الخوض في تفاصيلها. فاعتراضه مبدئي لأنها، كما يعتقد، تهدد الإسلام دينًا وأسلوبَ حياة جماعيًا وفرديًا42؛ ما يجعل الحديث عن هذا المفهوم متعسرًا وغير مرغوب فيه. بل يجعل أيضًا قبول المفاهيم المرتبط بالعلمانية، كالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، متعثرًا في بعض البلدان، كما يؤكد ذلك المؤشر العربي.2020 /2019
خاتمة
حاولت هذه الدراسة معرفة الأنظمة السياسية التي تراها المجتمعات العربية ملائمة لها. وقد تبين أنّ الأغلبية الساحقة تفضل الخيار الديمقراطي وتدعو القوى السياسية بكل أطيافها إلى تبني نظام سياسي تنافسي عبر صناديق الاقتراع. وتبين أنّ هذا هو التوجه العام عند الأغلبية. وفي المقابل أعطتنا بيانات المؤشر توجهًا آخر
عند المواطن الذي لا يرى في الديمقراطية حلً. ويحوي هذا التوجه عدة اختيارات غير ديمقراطية، توزعت بين إقصاء الأحزاب غير الدينية، والدعوة إلى اعتماد نظام يطبّق الشريعة الإسلامية، وتفضيل النظام العسكري. كانت هذه هي التوجهات الكبرى، والتي جرى إيضاحها في مرحلة أولى. فقد أظهرت جداول المؤشر بروز بعض الدول بنسبة مئوية كبيرة في اختيار المستجيبين لتوجهٍ معين (كالجزائر ومصر والكويت بالنسبة إلى التوجه الديمقراطي، أو السعودية بالنسبة إلى نظام تطبيق الشريعة.) وقد تبلورت هذه الخيارات عند أصحابها من خلال الأوضاع الاجتماعية والسياسية لبلدان المنطقة العربية. وإذا كانت نتيجة التحليل في هذا المستوى الأول تؤكد أنّ الديمقراطية هي مطلب الشارع العربي، فهذا لا يشرح لنا الخيارات التي اختلفت فيها بلدان عربية متقاربة جغرافيًا وثقافيًا. لذلك كانت الحاجة إلى مستوى ثانٍ من التحليل. وهو ما أتاحته لنا المنهجية التي اعتمدناها في الدراسة، وهي تحليل المكوّنات الرئيسية، التي ساعدتنا على تشكيل مجموعات من الدول المتقاربة، من حيث التصورات السياسية حول الأنظمة المفضّ لة أو غير المرغوب فيها. فقد تكونت لنا مجموعات لها ميول إلى أنظمة مركبة من مكونات مختلفة، ومن ثمّ يمكن اعتبارها أنماطًا لتمثلات سياسية. وفي مرحلة أخيرة جرى تسليط الضوء على العناصر التي أتاحت لنا فهم حجم الانسجام بين المجموعات من خلال المنهجية المتبعة. فقد جرى إيضاح هذه الخيارات خصوصًا بعد أحداث الربيع العربي، التي مثّلت علامة فارقة في تاريخ المنطقة العربية. لقد مكنّت هذه الأحداث الشارع العربي من الإفصاح عن آرائه السياسية في ما يخص نظام الحكم الذي يرتضيه. وأكدت الدراسة في الوقت نفسه أهمية فهم الاختيارات داخل فضاء تتوزع فيه الدول، بحسب مكونات مركّبة تتداخل فيها عدة عوامل (دينية، وغير دينية، وعسكرية، وتنافسية، وغيرها)؛ ما يدل على تباين في الخلفية الديمقراطية للمجتمعات العربية ومدى تصور المواطنين لها.
المراجع
العربية
بشارة، عزمي. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 ________. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 الجابري، محمد عابد. وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992 ________. الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1994 ________. الدين والدولة وتطبيق الشريعة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1996 الجابري، محمد عابد وحسن حنفي. حوار المشرق والمغرب: نحو إعادة الفكر القومي العربي. ب وررت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990. حمدي، سمير محمد. "الأحزاب الليبرالية في تونس.. شعارات جوفاء البيان. العدد على ورق فاخر." 243 (حزيران/ يونيو 2014.) فh يttps://bit.ly/2WYif0d: رائق، هشام ومحمد أوريا. "مدى رضا الشباب في ظل التحولّات السياسية والاقتصادية بعد 'الربيع العربي' تحليل انحدار لوجستي ثنائي الاستجابة لعيّنة من المغرب العربي." سياسات عربية. مج 8، العدد 46 (أيلول/ سبتمبر.)2020 العروي، عبد الله. الأيديولوجيا العربية المعاصرة (صياغة جديدة.) الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1995 نقد الفكر الديني. بيروت: دار الطليعة العظم، صادق جلال.، 1997. فلوري، لوران. ماكس فيبر. ترجمة محمد عي مقلد. لبنان: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2008 القرضاوي، يوسف. الإسلام والعلمانية وجها لوجه. القاهرة: مكتبة وهبة،.1997 _______. التطرف العلماني في مواجهة الإس ماا. القاهرة: دار الشروق،.2001
الكردي، بسام [وآخرون.] محاورة فكر عبد الله العروي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2000 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي /2019 2020. برنامج قياس الرأي العام (الدوحة: أكتوبر/ تشرين الأول 2020:.) في https://bit.ly/3z0PooV المملكة العربية السعودية. هيئة الخبراء بمجلس الوزراء. النظام الأساسي للحكم الصادر بالأمر الملكي رقم أ 90/ بتاريخ 1412/08/27 ه الموافق ل 1992/03/01 م. 1992/3/6. في: https://bit.ly/3l4DGFb المملكة المغربية. وزارة العدل. دستور المملكة المغربية لسنة 2011. فh يttps://bit.ly/3tkAPeM: 20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب. مراد دياني (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018
الأجنبية
Arkoun, Mohammed. Pour une critique de la raison islamique. Paris: Maisonneuve-larose, 1984. ________. Ouverture sur l'islam. Paris: Éditions Grancher, 1989. Arts, W.I.L. & John Gelissen. "Three Worlds of Welfare Capitalism or More? A State-of-the-Art Report." Journal of European Social Policy. vol. 12, no. 2
Mahout, Joseph et al. Arab Horizons: Pitfalls and Pathways to Renewal. Washington, D.C: Carnegie Endowment for International Peace, 2018. Berg, Axel Van den. "Quebec's Distinct Welfare State." Inroads: The Canadian Journal of Opinion. no. 31 (Summer-fall 2012). Étienne, Bruno (dir.). La France et l'islam. Paris: Éditions du CNRS, 1990. Ghalioun, Burhan. "L'arabisme par-delà nationalisme et islamisme." Confluences Méditerranée. vol. 2, no. 61 Hamilton, Alexander et al. The Federalist Papers. Oxford: Oxford University Press, 2008. Hennig, Christian et al. (eds.). Handbook of Cluster Analysis. Boca Raton/ London/ New York: Taylor & Francis Group, LLC, 2016. Jolliffe, I.T. Principal Component Analysis. 2 nd ed. New York: Springer, 2002. Merloe, Patrick. Promoting Legal Frameworks for Democratic Elections. Washington, D.C: National Democratic Institute for International Affairs, 2008. Naik, Ganesh R. (ed.). Advances in Principal Component Analysis: Research and Development. New York: Springer, 2018. Olivier, Lawrence & Sylvain Labbe. "Foucault et l'Iran: À propos du désir de révolution." Canadian Journal of Political Science. vol. 24, no. 2 (Juin 1991). Rodinson, Maxime. La fascination de I'Islam. Paris: Maspero, 1982. Schnapper, Dominique. La compréhension sociologique: Démarche de l'analyse typologique. Paris: Presses Universitaires de France, 2012. Yahya, Maha. The Summer of our Discontent: Citizens and Sects in Iraq and Lebanon. Washington, D.C: Carnegie Endowment for International Peace, 2017.