1. البنية الاجتماعية 2. البنية السياسية 3. العامل الاقتصادي 4. السياق الدولي والإقليمي

الملخّص

28  Heydemann, "Upgrading Authoritarianism in the Arab World," p. 5. 29 يوضح عالم الاجتماع هشام شرابي طبيعة المجتمع وتطوره في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، واصفًا إياه ب "المجتمع الأبوي الجديد." ويعرّف مفهوم النظام الأبوي الجديد بأنه يستمد معناه من مصطلحين: الأبوية والحداثة، على النحو التالي: "النظام الأبوي الجديد، من وجهة نظر كل من الحداثة والتقاليد، ليس حديثًا ولا تقليديًا، فهو بوصفه تكوينًا اجتماعيًا يفتقر، مثلً، على حد سواء إلى السمات المشتركة للجماعة Gemeinschaft() والسمات الحديثة للمجتمع Gesellschaft(.) يمكننا تعريف المجتمع الأبوي الجديد بأنه تكوين اجتماعي إنتروبي يتميز بطبيعته المؤقتة وبأنواع معينة من التخلف واللاحداثة، ويمكن ملاحظته في اقتصاد دوله وبنيتها الطبقية وكذلك في تنظيمها السياسي والاجتماعي والثقافي." Hisham Sharabi, Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society (New York: Oxford University Press, 1988), p. 4. 30  Ibid.; Basam Tibi, "The Simultaneity of the Unsimultaneous: Old Tribes and Imposed Nation-state in the Modern Middle East," in: Philip S Khoury & Joseph Kostiner (eds.), Tribes and State Formation in the Middle East (Berkeley/ Los Angeles/ Oxford: University of California Press, 1990), pp. 146-149; Oliver Schlumberger, Autoritarismus in der arabischen Welt: Ursachen, Trends und internationale Demokratieförderung , pp. 102-108. 31 النيوباتريمونيالية، كما عرّفها إردمان وإنجل، هي: "مزيج من نوعين من الهيمنة. عناصر الهيمنة البيروقراطية الموروثة والعقلانية القانونية بحيث يتداخل كل منهما مع الآخر. التمييز بين المجالين الخاص والعام موجود رسميًا، ولكنه غير ملاحظ في الممارسة الاجتماعية والسياسية غالبًا. ويتعايش بهذا نظامان بدورين أو بمنطقين، إرث العلاقات الشخصية والبيروقراطية للعلاقات القانونية-العقلانية غير الشخصية. يخترق النظام الوراثي النظام العقلاني القانوني ويؤثر في منطقه ومخرجاته، لكنه لا يتحكم حصريًا في المنطق القانوني

العقلاني. ومثاليًا، يتمتع الناس بدرجة معينة من الاختيار فيما يتعلق بالمنطق الذي يريدون استخدامه لتحقيق أهدافهم بأفضل طريقة ولتحقيق مصالحهم." Gero Erdmann & Ulf Engel, "Neopatrimonialism Revisited: Beyond a Catch- All Concept," GIGA Working Paper , no. 16 (2006), pp. 18-19. 32  Peter Pawelka, "Der Orientalische Staat im 21. Jahrhundert: Zur Reinkarnation des vormodernen Staates in einer globalisierten Welt," in: Peter Pawelka (ed.), Der Staat im Vorderen Orient: Konstruktion und Legitimation politischer Herrschaft (Baden-Baden: Nomos, 2008), pp. 42-38; B rownlee, p p. 35-36 ; Schlumberger, Autoritarismus in der arabischen Welt , pp. 110-116. 33  Hazim Beblawi, "The Rentier State in the Arab World," in: Hazim Beblawi & Giacomo Luciani (eds.), The Rentier State (London/ New York/ Sydney: Groom Helm, 1987), p. 62; Michael L. Ross, "Does Oil Hinder Democracy?" World Politics , vol. 53, no. 3 (April 2001), pp. 356-357; Rolf Schwarz, "The Political Economy of State-Formation in the Arab Middle East: Rentier States, Economic Reform, and Democratization," Review of International Political Economy , vol. 15, no. 4 (October 2008), pp. 599-600; Schlumberger, Autoritarismus in der arabischen Welt , pp. 116-132. 34  Schlumberger, Autoritarismus in der arabischen Welt , pp. 123-129.

هي: 1) الاستيلاء على المجتمعات المدنية واحتواؤها، 2) إدارة الخلاف السياسي،)3 جني فوائد الإصلاحات الاقتصادية الانتقائية، 4) السيطرة على تقنيات الاتصال الجديدة، 5) تنويع الروابط الدولية52. علاوة على ذلك، أوضح الباحثون العوامل البنيوية والنظمية الأساسية، والتي سمحت لهذه الأنظمة باتباع الآليات والاستراتيجيات المذكورة سابقًا وتنفيذها. وفي حين يبدو أن ثمة جدلً ضئيلً بين الباحثين حول الطبيعة السلطوية للأنظمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثمة خمس حجج وافتراضات مختلفة وراء عجز الديمقراطية الليبرالية، يمكن تلخيصها على النحو التالي:

تعيق الهيمنة المستمرة لقيم النيوبطريركية والعلاقات الاجتماعية (القرابة) والقبلية والجماعات الدينية أو الإثنية، فضلً عن المنطق الواسع والمهيمن للتفاعلات الاجتماعية الرأسية السلطوية والتفاعلات غير الرسمية داخل المجتمعات، وتشكيل وتنمية بنى أفقية للمجتمعات المدروسة، مثل البنية الطبقية، والتي تُعدّ ضرورية لبناء الديمقراطية والحفاظ عليها.

عززت البنية السياسية المهيمنة للنيوباتريمونيالية في المنطقة، والتي تتسم بالنزعة الشخصانية والنظام الرئاسي والزبائنية والمحسوبية،

فضلً عن استخدام الموارد العامة لتحقيق المنفعة السياسية الخاصة، وهيمنة السلطة واستقرار الأنظمة السلطوية في المنطقة؛ ما أعاق بدورهِ التطور الطبيعي للتنظيم الاجتماعي المستقل والضروري لأي انتقال ديمقراطي.

كان للبنية الريعية أو شبه الريعية المهيمنة في المنطقة تأثير ملموس في طبيعة الدولة ودورها، وكذلك في علاقاتها مع المجتمع. فالمستوى المرتفع للإيجارات الخارجية للدولة، يتيح التمتع بمستوى عالٍ من الاستقلال المالي ودرجة نسبية من الاستقلال الذاتي عن المجتمع ودعمه. ويجعل أثرُ البنية الريعية (الضرائب والإنفاق وتشكيل المجموعات)، أيضًا، فضلً عن أثر القمع في النزعة الريعية، النظامَ السياسي قادرًا على الحفاظ على الترتيبات الاجتماعية والسياسية؛ ما يمنع أي فرصة لتحقيق الانتقال الديمقراطي.

تؤدي العديد من العوامل والأسباب دورًا حاسمً في منع التحول الديمقراطي، مثل المصالح الجيوسياسية والاقتصادية للفاعلين الدوليين في المنطقة والاستمرار في إعطاء الأولوية لاستقرار وثبات الحكومات المحلية على الديمقراطية، والتي زادت على نحوٍ ملحوظ في أعقاب عولمة القضايا الأمنية (أي ظهور الحروب الجديدة والحرب على الإرهاب)، والصراعات الإقليمية المستعصية على الحل (الصراع الإسرائي العربي/ الفلسطيني-)لي و/ أو الصراعات الداخلية (الحروب

الأهلية وقضايا الأقليات مثل الأكراد)، والتي لم يجْر حلّها منذ فترة طويلة بسبب تأثرها بالتدخل الخارجي.

5. العامل الديني (الإسلامي) أو الثقافي (العربي)

لا يوجد فصل بين الدين والدولة في الإسلام، وهو الأمر الذي لم يؤثر في الأنماط السياسية والاقتصادية فحسب، بل منَع أيضًا الاعتراف بالحقوق الفردية؛ ما جعل الإسلام يبدو غير متوافق مع الديمقراطية الليبرالية. ونظرًا إلى التاريخ الطويل للتنظيم السياسي السلطوي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أشار باحثون آخرون إلى أنهم لا يرون المشكلة في "الإسلام"، بل في "الثقافة العربية" التي تُعدّ عائقًا في وجه الديمقراطية أو معادية لها. ألقى عدد من الباحثين الضوءَ على عوامل بنيوية أخرى تؤدي إلى فشل الديمقراطية في المنطقة، رافضين بذلك العوامل الثقافية/ الدينية (أي الإسلام والثقافة العربية)، لأنها غير مقنعة منهجيًا، أو لأنها تنبع من تفكير مركزي أوروبي. فقد أبرزت بيلين عوامل مثل النزعة الريعية والباتريمونالية والدعم الدولي للأنظمة. وأكّدت شقير -

35  Elbadawi & Makdisi, pp. 2-3. 36 ينظر تيمور كوران على سبيل المثال، والذي يحاجّ بأن "المؤسسات الرئيسة لاقتصاد الشرق الأوسط ما قبل الحديث، والتي كانت كلها ترتكز على القانون الإسلامي، أعاقت تطوير المؤسسات الديمقراطية." ويضيف: "إذا كان الإسلام قد أثر في الأنماط الاقتصادية، فربما يكون قد أثّر في الأنماط السياسية أيضًا." Timur Kuran, "The Economic Roots of Political Underdevelopment in the Middle East: A Historical Perspective," Southern Economic Journal , no. 78 (2012), p. 1087. 37  Huntington, "Democracy's Third Wave," pp. 27-30. 38  Alfred Stepan & Graeme B. Robertson, "Arab, not Muslim, Exceptionalism," Journal of Democracy , vol. 15, no. 4 (October 2004). pp. 140-46. 39 يحاجّ البدوي والمقدسي بأن العامل الثقافي/ الديني قد قُدِّم على أنه تفسير بديل. Elbadawi & Makdisi, pp. 2-3. كما يؤكّد الأفندي أنه "لا يمكن القول إن معاداة الثقافة للديمقراطية ولا إن البنية الطبقية المتخلفة مسؤولة عن السياسات المضطربة في الشرق الأوسط." Abdelwahab El-Affendi, "Political Culture and the Crisis of Democracy in the Arab Worlds," in: Elbadawi & Makdisi (eds.), pp. 34-35. وبناء عليه، في دراسة إذا ما كان الدين (الإسلام) وراء العنف السائد في المنطقة، الذي ظهر في الحروب الأهلية والإقليمية، يوضح أندرياس هيزنكليفر أن أفضل طريقة لتفسير الصراعات العنيفة في المنطقة تكون من خلال البحث في المتغيرات الاقتصادية والسياسية. أدت الاختلافات الدينية إلى تطور الخلافات وتصاعدها، إذ كانت محط استغلال الفاعلين الذين يتصرفون بعقلانية على نحوٍ ملحوظ. Andreas Hasenclever, "Bürgerkriege im Vorderen Orient – Ein Phänomen sui generis?" in: Pawelka (ed.), pp. 192-198. 40  Adam Hanieh, Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East (Chicago: Haymarket Books, 2013), p. 4. 41  Bellin, pp. 147-151.

فيزوسو السياق الإقليمي باعتباره عائقًا محوريًا في وجه الانتقال الديمقراطي في المنطقة. وأكد إبراهيم البدوي وسمير المقدسي الدور المهم للنفط والصراعات الإقليمية (لا سيما الصراع العربي - الإسرائيي، وأيضًا الحروب الأهلية والدولية الأخرى). وحاجّ أوليفير شلمبرغر بأنه لا يمكن أيًّا من العوامل التالية: البنية السياسية أو البنية الاجتماعية أو الإطار الاقتصادي، أن يعيق الانتقال الديمقراطي وحده. وبدلً من ذلك، يقترح أن الجمع بين هذه العوامل الثلاثة مع السياق الدولي والإقليمي وتأثير الفاعلين الخارجيين (عامل رابع) قد يفسر غياب الانتقال الديمقراطي في المنطقة. أدَّت إحدى هذه الحجج أو جميعها بالفعل إلى اقتناع العديد من الباحثين بقوة بمقاومة المنطقة للانتقال الديمقراطي. وفي الوقت نفسه، مع استمرار السلطوية في المنطقة، اعتبُرت العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مستقرة وآمنة عدة عقود. ومع اندلاع موجة الثورات العربية، بدا أن هذا الاستقرار أو الأمن كان ظاهريًا وهشًا، فقد كانت تلك الدول أكثر استقرارًا من الناحية السلطوية. ومن اللافت للنظر أن مثل هذه الأنواع من دراسات الأوتوقراطية قد هيمنت على نطاق التحليل خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وحتى اندلاع الثورات العربية في المدة 2011-2010، والتي فاجأت العديد من المراقبين والباحثين. من بين الاستثناءات القليلة لهذه المقاربات البنيوية في دراسة المنطقة كانت دراسات ما يسمى مقاربة "السياسة من أسفل." بالنسبة إلى الباحثين الذين اتبعوا هذه المقاربة، فإن ديناميات السلطة في سياق السلطوية المتشددة تكون أشدّ تعقيدًا مما تظهره المقاربات البنيوية. وقد ركزوا، بناءً على ذلك، على دراسة الدولة والحكم السلطوي، ولكن "من أسفل"، من خلال التركيز على السياسة الجزئية والمؤسسات غير الرسمية والممارسات اليومية للدولة والمواطنة على المستوى المحي والتي تتجاوز مركز السلطة.

42  Julia Choucair-Vizoso, "Movement in Lieu of Change," in: Ottaway & Choucair-Vizoso (eds.), p. 271. 43  Elbadawi & Makdisi, pp. 2-3. 44  Schlumberger, Autoritarismus in der arabischen Welt , p. 89. 45 ينظر على سبيل المثال: "Global Peace Index," Institute for Economics and Peace, 2009, p. 16, accessed on 4/9/2019, at: https://bit.ly/3r5Mhdw 46 جرت مراجعة آليات الاستقرار هذه واستراتيجياته نظريًا على يد شيروفسكي الذي اقترح الركائز الثلاث لاستقرار السلطوية: الشرعية (المنتشرة والمحددة)، والقمع (العالي ومنخفض الكثافة)، والاستقطاب (الرسمي وغير الرسمي.) 18-30 pp. Gerschewski,. 47  Cilja Harders, Staatsanalyse von Unten. Urbane Armut und politische Partizi­pation in Ägypten (Hamburg: Deutsches Orient Institut, 2002).

ثانيًا: الثورات العربية وأزمة شرعية الدولة

بعد أن فوجئ الباحثون بالثورات العربية، بيّنوا جملة من الأسباب الرئيسة وراء هذه التطورات السياسية الجديدة. وهنا، اعتبُرت المفاهيم السابقة لدراسات الأوتوقراطية (النيوباتريمونيالية ونتائجها على نحوٍ بعيد) أسبابًا رئيسة خلف الثورات، مثل ارتفاع معدل البطالة بين الشباب على وجه الخصوص، والفساد، والمحسوبية، والقمع الوحشي خاصة الذي تمارسه الأجهزة الأمنية، والإقصاء السياسي، إلى جانب الأشكال المختلفة للتمييز الإثني/ الديني ضد بعض الجماعات. علاوة على ذلك، تحدّث البعض عن استفحال أزمة الدولة في المنطقة. فقد نُظر إلى أسباب مثل أزمة النظام الاقتصادي وإبراز الجوانب المختلفة المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحرمان من الاحتياجات الأساسية وعلاقاتها بالنظام الاقتصادي العالمي، كما هو الحال في مصر وتونس، على أنها المحرك لهذه الثورات. يمكن تلخيص ما سبق على النحو التالي: بعد التحول نحو النيوليبرالية الذي بدأ في السبعينيات في بعض دول الشرق الأوسط

48 قلة قليلة من العلماء فقط تمكنت من توقع الثورات العربية. فمن وجهة نظر كارن أغستام وآخرين، كانت مسألة وقت فقط حتى تفقد بعض أنظمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استقرارها الظاهري، ف "لا يمكن الأنظمة العربية السلطوية الجديدة أن تحيا إلا ببقاء قدرتها، والتي كانت تقل شيئًا فشيئًا، على الاستجابة للمطالب المتنوعة والمتناقضة على نحوٍ متزايد للشركاء الدوليين والنخبة المتنافسة والحركات الشعبية." Karen Aggestam et al. "The Arab State and Neo-Liberal Globalization," in: Laura Guazzone & Daniela Pioppi (eds.), The Arab State and Neo-Liberal Globalization: The Restructuring of State Power in The Middle East (Reading, UK: Ithaca Press, 2009), p. 347. 49  George Joffé, "The Arab Spring in North Africa: Origins and Prospects," The Journal of North African Studies , vol. 16, no. 4 (December 2011), pp. 509-518; Adib Nehme, The Neopatrimonial State and The Arab Spring (Beirut: Issam Fares Institution for Public Policy and International Affairs, 2016), p. 25; Cilja Harders & Christoph J. König, "Mobilization, Repression, and Coalitions: Understan­ding the Dynamics of the Arab Spring," Discussion Paper , Center for Middle Eastern and North African Politics, Freie Universität Berlin, Berlin (February 2013‍), pp. 10-12. 50  Wolfgang Mühlberger, "The State of Arab Statehood: Reflections on Failure, Resilience and Collapse," 26 PAPERS IEMed , EuroMesco Series, European Institute of the Mediterranean (2015), p. 31. 51  Joffé, pp. 509-518; Toby Dodge, "From the 'Arab Awakening' to the Arab Spring; the Post-colonial State in the Middle East," in: Nicholas Kitchen (ed.), After the Arab Spring: Power Shift in the Middle East? (London: London School of Economics and Political Science, IDEAS reports, 2012), pp. 5-11; Raymond Hinnebusch, "Introduction: Understanding the Consequences of the Arab Uprisings: Starting Points and Divergent Trajectories," Democratization , vol. 22, no. 2 (2015), pp. 208-210; Irene Weipert-Fenner & Jonas Wolff, "Socioeconomic Contention and Post-revolutionary Political Change in Egypt and Tunisia: A Research Agenda," Working Papers , HSFK, no. 24 (2015).

وشمال أفريقيا، مدفوعًا بالتأثير المتزايد للمنظمات المالية الدولية (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) والتي طلبت تعديلات بنيوية اقتصادية لضمان الدعم المالي، وبسبب نهاية العالم ثنائي القطب لصالح النظام أحادي القطب، والذي أجبر الدول على البحث عن مصدر بديل للتمويل، فقد أدى كل ذلك إلى الحد من قدرة الدول على صنع سياسات مستقلة، وبدأ دور الدولة يتغير من "الدولة المقدِّمة للرعاية" إلى الدولة المخصخصة كليًا أو جزئيًا (أي رأسمالية المحاسيب.) وهنا أخذت الدولة تفشل في أداء وظيفتها الاجتماعية، ولم تعد قادرة على توفير الاحتياجات الإنسانية الأساسية لمواطنيها كما كانت من قبل. وقد تسبب ذلك في تفكك العقد الاجتماعي الشعبي الضمني بين النظام السلطوي والمجتمع (أو ما يسمى بالصفقة السلطوية: الأمن الاقتصادي مقابل التخي عن الحقوق السياسية)، والتي كانت توفر مستوى معينًا من الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي. ونظرًا إلى أن هذا العقد الاجتماعي الضمني توقف عن أداء وظيفته المنوطة به أداءً فعالً (أي إن الناس صاروا يتلقون خدمات عامة أساسية أقل جودة، مثل الرعاية الصحية والتعليم، مصحوبة بتفاوتات دخل متزايدة وفقر متفشٍ) ونظرًا إلى التقاء ذلك مع سياسات الدولة المهمِّشة أو المميِّزة ضد بعض المجموعات على طول الخطوط المناطقية/ الإثنية/ الدينية، صار ولاء الناس للنظام السلطوي أقل؛ ونتيجة لذلك، صارت شرعية الأنظمة الحاكمة موضع تساؤل أمام العديد من المواطنين. ومن ناحية أخرى، كان باحثون آخرون قد سلطوا الضوء على الأبعاد الاجتماعية والسياسية وتحدثوا عن أزمة النظام السياسي أو أزمة شرعية الاقتصاد السياسي للعنف كما هي الحال في سورية وليبيا، والتي تلخَّصت على النحو التالي: بعد التحول عن النظام الشمولي الشعبوي السابق للحكم (أي الاشتراكية القومية العربية) إلى نظام استئثاري خاص (يسمى ما بعد الشعبوي، ويتأثر بالتحول العالمي إلى النيوليبرالية)، فقد شُكِّك في الأهداف الأيديولوجية لهذه الأنظمة إضافة إلى التشكيك في تعريفها الأيديولوجي المفروض للمجتمع عند كثير من شرائح مجتمعاتها والتي شعرت بالاستبعاد أو التهميش من حيث الوصول السياسي والاعتراف المجتمعي أو الرفاه الاجتماعي

53  Christoph Schumann, "Die politische Artikulation der Gesellschaft: Politische Ordnung und Revolte in der Arabischen Welt," in: Georges Tamer, Hanna Röbbelen & Peter Lintl (eds.), Arabischer Aufbruch: Interdisziplinäre Studien zur Einordnung eines zeitgeschichtlichen Phänomens (Baden-Baden: Nomos Verlagsgesellschaft, 2014), pp. 37-39; Hinnebusch, "Introduction," pp. 208-210.

  1. ظلت اللبرلة الاقتصادية/ الخصخصة محدودة وخاضعة لسيطرة النظام. لقد طبقت الأنظمة السلطوية السياسة النيوليبرالية بنموذج التنفيذ من الأعلى إلى الأسفل، وفي الوقت نفسه، هيمنت على تنفيذها مجموعة من رجال الأعمال (كانوا من صنع الأنظمة في بعض الأحيان) الذين لديهم علاقات جيدة مع الأنظمة، مؤسسين بذلك رأسمالية المحاسيب. 9-10 pp. Dodge,. ﺑﻌﺪ اﻟﺘﺤﻮل ﻧﺤﻮ اﻟﻨﻴﻮﻟﻴﱪاﻟﻴﺔ اﻟﺬي ﺑﺪأ ﰲ اﻟﺴﺒﻌﻴﻨﻴﺎت ﰲ ﺑﻌﺾ دول اﻟﴩق اﻷوﺳﻂ وﺷ ل أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ، ﺑﺪأ دور اﻟﺪوﻟﺔ ﻳﺘﻐ‚ ﻣﻦ "اﻟﺪوﻟﺔ اﳌُﻘﺪﻣﱢﺔ ﻟﻠﺮﻋﺎﻳﺔ" إﱃ اﻟﺪوﻟﺔ اﳌﺨﺼﺨﺼﺔ ﻛﻠﻴًﺎ أو ﺟﺰﺋﻴًﺎ)أي رأﺳ ﻟﻴﺔ اﳌﺤﺎﺳﻴﺐ.(وﻫﻨﺎ أﺧﺬت اﻟﺪوﻟﺔ ﰲ اﻟﻔﺸﻞ ﰲ أداء وﻇﻴﻔﺘﻬﺎ اﻻﺟﺘ ﻋﻴﺔ و¢ ﺗﻌﺪ ﻗﺎدرة ﻋﲆ ﺗﻮﻓ‚ اﻻﺣﺘﻴﺎﺟﺎت اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﳌﻮاﻃﻨﻴﻬﺎ ﻛ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ. وﻗﺪ ﺗﺴﺒﺐ ذﻟﻚ ﰲ ﺗﻔﻜﻚ اﻟﻌﻘﺪ اﻻﺟﺘ ﻋﻲ اﻟﺸﻌﺒﻲ اﻟﻀﻤﻨﻲ ﺑ² اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴﻠﻄﻮي واﳌﺠﺘﻤﻊ)أو ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ ﺑﺎﻟﺼﻔﻘﺔ اﻟﺴﻠﻄﻮﻳﺔ: اﻷﻣﻦ اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻟﺘﺨﲇ ﻋﻦ اﻟﺤﻘﻮق اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ(، واﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻮﻓﺮ ﻣﺴﺘﻮى ﻣﻌﻴﻨًﺎ ﻣﻦ اﻷﻣﻦ اﻻﺟﺘ ﻋﻲ واﻻﺳﺘﻘﺮار اﻟﺴﻴﺎﳼ. وﻧﻈﺮًا إﱃ أن ﻫﺬا اﻟﻌﻘﺪ اﻻﺟﺘ ﻋﻲ اﻟﻀﻤﻨﻲ ﺗﻮﻗﻒ ﻋﻦ أداء وﻇﻴﻔﺘﻪ اﳌﻨﻮﻃﺔ ﺑﻪ أداءً ﺻﺤﻴﺤًﺎ،)أي إن اﻟﻨﺎس ﺻﺎروا ﻳﺘﻠﻘﻮن ﺧﺪﻣﺎت ﻋﺎﻣﺔ أﺳﺎﺳﻴﺔ أﻗﻞ ﺟﻮدة، ﻣﺜﻞ اﻟﺮﻋﺎﻳﺔ اﻟﺼﺤﻴﺔ واﻟﺘﻌﻠﻴﻢ، ﻣﺼﺤﻮﺑﺔ ﺑﺘﻔﺎوﺗﺎت دﺧﻞ ﻣﺘﺰاﻳﺪة وﻓﻘﺮ ﻣﺘﻔﺶٍ(، وﻧﻈﺮًا إﱃ اﻟﺘﻘﺎء ذﻟﻚ ﻣﻊ ﺳﻴﺎﺳﺎت اﻟﺪوﻟﺔ اﳌﻬﻤﺸﱢﺔ أو اﳌﻤﻴﺰﱢة ﺿﺪ ﺑﻌﺾ اﳌﺠﻤﻮﻋﺎت ﻋﲆ ﻃﻮل اﻟﺨﻄﻮط اﳌﻨﺎﻃﻘﻴﺔ/ اﻹﺛﻨﻴﺔ/ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ، ﺻﺎر وﻻء اﻟﻨﺎس ﻟﻠﻨﻈﺎم اﻟﺴﻠﻄﻮي أﻗﻞ؛ وﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﺬﻟﻚ، ﺻﺎرت ﴍﻋﻴﺔ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ﻣﻮﺿﻊ ﺗﺴﺎؤل أﻣﺎم اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﳌﻮاﻃﻨ.² ﺑﻌﺪ اﻟﺘﺤﻮل ﻋﻦ ﻧﻈﺎم اﻟﺤﻜﻢ اﻟﺸﻤﻮﱄ اﻟﺸﻌﺒﻮي اﻟﺴﺎﺑﻖ)أي اﻻﺷﱰاﻛﻴﺔ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ(إﱃ ﻧﻈﺎم اﺳﺘﺌﺜﺎري ﺧﺎص)ﻳﺴﻤﻰ ﻣﺎ ﺑﻌﺪ اﻟﺸﻌﺒﻮي، وﻳﺘﺄﺛﺮ ﺑﺎﻟﺘﺤﻮل اﻟﻌﺎﳌﻲ إﱃ اﻟﻨﻴﻮﻟﻴﱪاﻟﻴﺔ(، ﻓﻘﺪ ﺷُﻜﻚﱢ ﰲ اﻷﻫﺪاف اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﻟﻬﺬه اﻷﻧﻈﻤﺔ إﺿﺎﻓﺔ إﱃ اﻟﺘﺸﻜﻴﻚ ﰲ ﺗﻌﺮﻳﻔﻬﺎ اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻲ اﳌﻔﺮوض ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ ﻋﻨﺪ ﻛﺜ‚ ﻣﻦ ﴍاﺋﺢ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻬﺎ واﻟﺘﻲ ﺷﻌﺮت ﺑﺎﻻﺳﺘﺒﻌﺎد أو اﻟﺘﻬﻤﻴﺶ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ اﻟﻮﺻﻮل اﻟﺴﻴﺎﳼ واﻻﻋﱰاف اﳌﺠﺘﻤﻌﻲ أو اﻟﺮﻓﺎه اﻻﺟﺘ ﻋﻲ واﻟﻔﺮص اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ. دﻓﻊ ﻫﺬا اﻷﻣﺮ، واﻟﺬي ﺗﻔﺎﻗﻢ ﺑﺴﺒﺐ اﳌ رﺳﺎت اﻟﻘﴪﻳﺔ ﻟﻸﺟﻬﺰة اﻷﻣﻨﻴﺔ وﻓﺴﺎد اﻟﻨﺨﺐ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ، ﺑﻜﺜ‚ ﻣﻦ اﻟﻨﺎس إﱃ اﻟﺘﺸﻜﻴﻚ ﰲ اﻟﴩﻋﻴﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻟﻸﻧﻈﻤﺔ وﺣﺘﻰ اﻟﺪﻋﻮة إﱃ إﺳﻘﺎﻃﻬﺎ. ﻇﻬﺮت أزﻣﺔ ﴍﻋﻴﺔ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴﻴﺎﳼ ﻋﲆ ﻧﺤﻮ أوﺿﺢ ﰲ: اﻟﺮﻓﺾ اﻻﺟﺘ ﻋﻲ ﻟﻸﻋﻼم اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ واﻟﺮﻣﻮز اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﻨﻈﺎم/ ﻟﻠﺪوﻟﺔ، ﻛ ﺣﺼﻞ ﰲ ﺳﻮرﻳﺔ وﻟﻴﺒﻴﺎ، أو ﺧﻠﻖ ﴏاﻋًﺎ أﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴًﺎ ﻻﺣﻘًﺎ ﺣﻮل "اﻟﻌﻮا¢ " اﳌﺘﻌﻠﻘﺔ اﳌﻔﺎﻫﻴﻤﻴﺔ Vorstellungswelten - ﺑﺘﻌﺮﻳﻒ/ ﺗﺼﻨﻴﻒ اﻟﺪوﻟﺔ واﳌﺠﺘﻤﻊ)ﻣﺜﻞ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ واﻟﻌﻠ ﻧﻴﺔ واﻹﺳﻼﻣﻮﻳﺔ واﻟﻠﻴﱪاﻟﻴﺔ واﻟﺪí ﻘﺮاﻃﻴﺔ(ﺑ² اﻟﻨﻈﺎم واﳌﻌﺎرﺿﺔ ﰲ اﻟﺒﺪاﻳﺔ، وﻓﻴ ﺑﻌﺪ ﺑ² اﻟﻘﻮى اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ اﳌﺨﺘﻠﻔﺔ.

شكل يوضح الثورات العربية وأزمة شرعية الدولة

أزﻣﺔ ﴍﻋﻴﺔ اﻟﻨﻈﺎم اﻻﻗﺘﺼﺎدي

اﳌﺠﺘﻤﻊ

اﻟﺪوﻟﺔ

اﳌﺠﺘﻤﻊ ﰲ ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻟﺪوﻟﺔ/ اﻟﻨﻈﺎم

ﺧﺴﺎرة اﻟﺜﻘﺔ/ اﻻﻋﱰاف، وﻣﻦ ﺛﻢّ ﺧﺴﺎرة اﻟﴩﻋﻴﺔ واﻻﺳﺘﻘﺮار

المصدر: إعداد الباحث.

والفرص الاقتصادية. دفع هذا الأمر، الذي تفاقم بسبب الممارسات القسرية للأجهزة الأمنية وفساد النخب الحاكمة، كثيرًا من الناس إلى التشكيك في الشرعية السياسية للأنظمة وحتى الدعوة إلى إسقاطها. وظهرت أزمة شرعية النظام السياسي بصفة أوضح في الرفض الاجتماعي للأعلام الوطنية والرموز السياسية للنظام/ للدولة، كما حصل في سورية وليبيا، أو خلق صراعًا أيديولوجيًا لاحقًا حول "العوالم المفاهيمية - Vorstellungswelten" المتعلقة بتعريف/ تصنيف الدولة والمجتمع (مثل القومية والعلمانية والإسلاموية والليبرالية والديمقراطية) بين النظام والمعارضة في البداية، وفيما بعد بين القوى السياسية المختلفة. وبإلقاء نظرة فاحصة على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي شهدت ثورات شعبية في المدة 2011-2010، يمكن رؤية كلا الجانبين من الأزمات (الاجتماعية الاقتصادية والاجتماعية السياسية) إلى حد مختلف في هذه الدول وخاصة في الجمهوريات، مقارنة بالأنظمة الملكية. وفي حين كانت أسباب الثورة ودوافعها اجتماعية اقتصادية بطبيعتها في مصر وتونس (تلتها بعد ذلك تعبئة اجتماعية سياسية)،

أزﻣﺔ ﴍﻋﻴﺔ اﻟﻨﻈﺎم اﻻﻗﺘﺼﺎدي

اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ

كانت الأسباب والدوافع أشدّ ارتباطًا بشرعية النظام السياسي والاقتصاد السياسي للعنف في سورية وليبيا (أدّت الجوانب الاجتماعية الاقتصادية دورًا أيضًا، لكن التعبئة كانت مدفوعة بعوامل اجتماعية سياسية في المقام الأول.) (ينظر الشكل.)

ثًالث ا: الثورات بوصفها لحظة للتأمل

شكّلت الثورات العربية على نحوٍ مفاجئ لحظة تأمل ومراجعة لدى كثير من الباحثين. فمن ناحية أولى، ولفهمٍ أفضل للمسببات المباشرة لهذه الثورات، وكذلك لمستقبل سياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، راجع بعض الباحثين الإحصائيات وجمعوها من المقاربات التحليلية السابقة. كان هذا الأمر مهمًّ في دراسات التحول الديمقراطي؛ أي عبر التركيز على الجوانب الجديدة، مثل المقاربات

54  Valbjørn, pp. 218-219.

العابرة للحدود، وصار النظر إلى الوسائل الرقمية لا يقتصر على دورها بأنها مصدر للمعلومات فحسب، بل أيضًا بصفتها وسيلة للتعبئة أو للتحليل المتمحور حول المجتمع. وقد رأينا مثل هذه المراجعات في دراسات الأوتوقراطية، وذلك عبر الدعوة إلى مراجعة مفهوم السلطانية أو التركيز أكثر على الانتشار والتعاون السلطوي العابر للحدود الوطنية (أي دراسات الانتشار). وفي هذا الإطار، كانت حجة سيلجا هاردرز وكريستوف كونيج مختلفة؛ إذ أشارا إلى أن التركيز على المقاربات البنيوية (المرتبطة باستقرار النظام والتغيير) محدودة في فهمها للثورات العربية: "لا يمكن 'الأزمات القديمة' أن تفسر موجة 'الاحتجاجات الجديدة"'. فمن وجهة نظرهما، الأسباب البنيوية معروفة منذ عدة عقود، وفتح هيكل الفرص السياسية لا يمكن أن يوفر تفسيرًا لوقوع الاحتجاجات أو استمرارها في بعض الدول، لكنه يوفّر تفسيرًا في دول أخرى. ولذلك، اقترحا محاولة فهم الثورات العربية، من منظور ديناميات القمع والتحالف (أي التفاعل بين المعارضين والموالين للنظام، والتحالفات المعارضة للنظام والتعبئة الجماهيرية، وديناميات القمع لدى النظام). ولأن القوات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أدّت دائمًا دورًا حاسمً في تطوير الدولة والمجتمع وأيضًا خلال الثورات على نحوٍ أوضح، اتجه البعض إلى دراسة الديناميات المدنية والعسكرية. ومن ناحية أخرى، أخذ بعض الباحثين الإشكالية إلى ما هو أبعد من دراسات الديمقراطية ودراسات الأوتوقراطية، معتمدين على دعوة ليزا أندرسون في عام 2006 إلى اعتبار سياسة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أنها "علم السياسة الحقيقي". وإلى جانب دعوتهم إلى فهم أنظمة الحكم والسياسة في المنطقة – بما في ذلك التماسك الاجتماعي وشرعية النظام السياسي والاقتصاد السياسي للعنف، وأيضًا

55  Joffé, p. 525; Mohammad-Mahmoud Ould Mohamedou & Timothy D. Sisk, "Bringing Back Transitology: Democratisation in the 21 st Century," GCSP Geneva Papers , Research Series no. 13 (November 2013), p. 10. 56  Alfred Stepan & Juan J. Linz, "Democratization Theory and the 'Arab Spring'," Journal of Democracy , vol. 24, no. 2 (April 2013), pp. 15-30. 57  Thomas Richter & Andre Bank (eds.), "Transnational Diffusion and Cooperation in the Middle East," The Project on Middle East Political Science, POMEPS Studies , no. 21 (2016). 58  Harders & König, p. 7. 59  Ibid., pp. 13-29. 60  Derek Lutterbeck, "Arab Uprisings and Armed Forces: Between Openness and Resistance," Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces, vol. 2 (2011); Florence Gaub, "Civil-military Relations in the MENA: Between Fragility and Resilience," European Union Institute for Security Studies, Chaillot Paper , no. 139 (October 2016). 61  Valbjørn, pp. 228-229.

الثقافة السياسية ومعنى السياسة والمواطنة عند الناس – دعوا أيضًا إلى استخدام مقاربات مثل "علم الاجتماع التاريخي" لفهم نتائج الثورات العربية وسياسة المستقبل في دولها. ولدراسة مسألة الإدماج والإقصاء بين السلطة والنخبة والجماهير، أعيد اقتراح مفاهيم البولياركية (التعددية:) تنافس النخبة والادماج الاجتماعي باعتبارها مقاربة تحليلية. ونظرًا إلى تعقد ديناميات السلطة، فقد أعيد النظر في مدى أهمية استكشاف الدولة والحكم "من أسفل" (السياسة الجزئية)، من خلال تقليل التركيز على المؤسسات الرسمية ونخب النظام (من دون إهمال أهميتها) وزيادة التركيز على المؤسسات غير الرسمية والممارسات اليومية للدولة والمواطنة خارج المركز صاحب الامتيازات. ولا ينبغي أيضًا حصر قضية الأمن في بعد الأمن الدولي، بل يجب دراسة القوى الداخلية لوسائل القمع الشرعية. مع تميع الخطوط الفاصلة بين الدولة والنظام، وكذلك بين النظام وبعض مكونات المجتمع (الجماعات الطائفية أو القبائل أو العائلات)، لا يمكن اعتبار بعض الفاعلين غير الحكوميين، مثل منظمات المجتمع المدني ونخبة رجال الأع لاا، بوصفهم عوامل أو وكلاء مباشرين للتغيير الديمقراطي. وبدلً من ذلك، جرى تأكيد أهمية التعامل مع المفاهيم الغربية للمجتمع المدني والتكوين الطبقي بحساسية نقدية أعلى عند تطبيقها في سياق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. واقترح البعض النظر إلى ما وراء مؤسسات المجتمع المدني الرسمية وحركاته، من خلال البحث في الأشكال غير الرسمية للنشاط والمشاركة السياسييَن. وجرى بالمثل تأكيد أهمية التمييز

62  Ibid., pp. 229-231. 63  Raymond Hinnebusch, "A Historical Sociology Approach to Authoritarian Resilience in Post-Arab Uprising MENA," Memo for the Workshop "The Arab Thermidor: The Resurgence of the Security State" The London School of Economics and Political Science Middle East Centre 64  Ibid. 65  Cilja Harders, "Research Note: Participation and Contentious Politics from Below in Arab Autocracies," Working Paper , Center for Middle Eastern and North African Politics, Freie Universität Berlin, Berlin, no. 10 (March 2013), p. 4; Malika Bouziane et al., Local Politics and Contemporary Transformations in the Arab World: Governance Beyond the Center (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2013), pp. 1-4. 66  Benoît Challand, "Squaring the Circle? Transitology and the Arab Revolts," in: Emel Akçalı (ed.), Neoliberal Governmentality and the Future of the State in the Middle East and North Africa (London: Palgrave Macmillan, 2016), pp. 26-28. 67  Harders, "Research Note," p. 6. 68  Lina Khatib & Ellen Lust (eds.), Taking to the Streets: The Transformation of Arab Activism (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2014), pp. 15-16.

بين الدولة والنظام، وفشل الدولة (بالإشارة إلى البعد الوظيفي) وانهيار الدولة (بالإشارة إلى البعد المؤسساتي)؛ بل طالب باحثون آخرون بإعادة فتح النقاش حول الدولة (أي المبالغة في/ التقليل من تقدير الدولة). وبهذا الخصوص، تساءل البعض عن كيفية النظر إلى الدولة: بصفتها فاعلً مستقلً أم أداة للجماعات الطائفية أم فضاء لهيمنة العائلة، بينما أعاد باحثون آخرون فحص ديناميات العلاقات بين المجتمع والدولة، مثل إعادة النظر في نهج جويل مغدال "الدولة في المجتمع" (الدول الضعيفة والمجتمعات القوية)، والتي درست تأثير مجموعات مجتمعية معينة، مثل القبيلة أو الطائفة، في تطور الدولة ودورها، وأيضًا حللت تشكيل الطائفية (التطييف Sectarianization) في المنطقة وآثارها في سياسة الدولة والمجتمع الحالية. فضلً عن ذلك، ونظرًا إلى أن التقسيم التقليدي للدولة مقابل المجتمع أو الرؤية الكلاسيكية لتشكل الطبقات كان يعتبر محدودًا في استيعابه تأثير الفاعلين العابرين للحدود في سياسة المنطقة، فقد اقتُحت الرأسمالية والطبقية محاورَ حاسمة لتحليل الهيراركيات المتغيرة على المستويات الدولية والإقليمية وتأثيراتها في التكوين الاجتماعي على المستوى الوطني. وفقًا لذلك، لا ينبغي إهمال ديناميات العولمة مثل المقاربات العابرة للحدود والتقاطعية (أي فهم العوامل الخارجية والإقليمية وكذلك العوامل الوطنية والمحلية) في أي تحليل للقضايا المحلية.

69  Oliver Schlumberger, "Contagious Crumbling? Stability, Breakdown, and the Diffusion of Arab State Failure," Memo for the workshop, "Transnational Diffusion, Cooperation and Learning in the Middle East and North Africa", GIGA‐POMEPS Workshop (8-9/6/2016). 70  Valbjørn, pp. 229-231. 71  Ibid. 72  Steven Heydemann, "Explaining the Arab Uprisings: Transformations in Comparative Perspective," Mediterranean Politics , vol. 21, no. 1 (2016), pp. 196-198. 73 ينظر على سبيل المثال: "Tribe and State in the Middle East," The Series of Memos on of the London School of Economics and Political Science (LSE), 11/7/2018, accessed on 16/1/2021, at: https://bit.ly/3t8WokF 74 ينظر على سبيل المثال: "The Politics of Sectarianism," The Project on Middle East Political Science, POMEPS Studies , no. 4 (2013); "New Analysis of Shia Politics," The Project on Middle East Political Science, POMEPS Studies , no. 28 (2017). 75  Nader Hashemi & Danny Postel (eds.), Sectarianization: Mapping the New Politics of the Middle East (Oxford: Oxford University Press, 2017). 76  Hanieh, pp. 2-6. 77  Ould Mohamedou & Sisk, p. 10. 78  Challand, pp. 26-28.

خاتمة

جرى استكشاف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل الثورات العربية في الغالب، إما من وجهة نظر دراسات التحول الديمقراطي أو دراسات الأوتوقراطية، والتي تأثرت بهيمنة القوى الغربية المتزايدة في السياسة العالمية. فمن ناحية، أظهرت دراسات التحول الديمقراطي أن التحولات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العقود الماضية كانت مظللة، بل إن اللبرلة الاقتصادية والسياسية الجزئية أدت في الواقع إلى تعزيز السلطوية، بدلً من أن تشكّل فرصة لإحداث تحول ديمقراطي حقيقي. ومن ناحية أخرى، أوضحت دراسات الأوتوقراطية استراتيجيات الأنظمة السلطوية (أي المزج بين القسر والاستيعاب وتنويع الروابط الدولية) والعوامل البنيوية (أي البنية الاجتماعية العمودية للأبوية الجديدة، والنيوباتريمونيالية الجديدة والريعية والسياقان الدولي والإقليمي) وراء استقرارها ومطواعيتها.Resilience لاحقًا، ومع موجة الثورات العربية، باتت شرعية النظام الاقتصادي و/ أو السياسي لهذه الأنظمة موضع تساؤل لدى قطاعات واسعة من المجتمع نتيجة لتفاقم المشكلات الاجتماعية الاقتصادية و/ أو الاجتماعية السياسية في هذه الدول. كما كانت الثورات العربية أيضًا لحظة للتأمل ومراجعة المقاربات التحليلية السابقة لدى كثير من الباحثين. حتى دعا البعض إلى النظر بعيدًا عن المقاربات التقليدية في دراسة المنطقة. وعلى الرغم من تمثيل جوانب مختلفة ومفاهيم تحليلية جديدة، فإن العديد من الدراسات لم تظهر خروجًا كبيرًا عن نطاق دراسات الديمقراطية في مقابل دراسات الأوتوقراطية. وركزت دراسات قليلة على شرح تعقد قضايا المنطقة، من خلال اتباع التفكير المنهجي والتحليل الشامل. فضلً عن ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه نادرًا ما جرى أخذ احتياجات الأشخاص المدروسين ومصالحهم في الاعتبار؛ وبدلً من ذلك، لا يزال البحث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مفرطًا في العمومية ويتبع النموذج من أعلى إلى أسفل، متأثرًا بهيمنة القوى الخارجية (القوى الغربية أساسًا) على السياسة المحلية. وأخيرًا، من المهم الإشارة إلى أن هذه التحليلات حول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكذلك الثورات العربية تكون مفيدة لأخذ نظرة عامة عن هذه المنطقة والسياسة فيها، فلا بد من التأكيد أن النتائج المقدمة في هذه الدراسة عامة، ولذلك تستحق مزيدًا من البحث مع إيلاء كل دولة وسياق خصوصية أكبر.