الذاكرة والاعتذار في السياسة الخارجية: حين يأبى الماضي المضي
الملخّص
This study discusses the possibility of bridging the gap between IR (International Relation) and Foreign Policy Analysis when studying the interaction between memory and apology in foreign policy. By dealing with apology as an expressive practice, not just as a tact between statesmen, this study argues that apology is an act used by states to express their attitudes toward their past memories. It presumes that examining the interaction on the theoretical level between concepts such as narrative identity, ontological security, and discursive representations would bridge the gap between the two fields through two versions of social constructivism. Those two versions are then used to understand the motives behind Germany's apology to Israel, and Turkey's resistance to apologize to Armenia despite international pressure to do so. The study concludes that "critical constructivism" approach by Nizar Messari can explain the German case. It considers the role of foreign policy as a tool in reconstructing national identity through transforming representation of the Jewish/Israeli "other" from a "different other", who is an enemy of the self, to a "similar other", who is a part of its moral responsibility. As for Turkey, it concludes that Ted Hopf's "practical/societal constructivism" suggests that the reasons behind Turkey's unwillingness to apologize to Armenia is due to an ontological need best understood as "a need to preserve the routine of its narrative identity, and the need to preserve it heroic memories".
Memory and Apology in Foreign Policy: When the Past Does not Pass
تناقش هذه الدراسة I إمكانية النظر في مظاهر التفاعل بين الذاكرة والاعتذار في السياسة الخارجية، من منطلقات تجسّ ر الهوة بين حقل ي العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية. والاعتذار هو ممارسة تعبيرية لا محض عبارات تنمّ عن لباقة دبلوماسية بين الساسة؛ إنه فعل تفصح من خلاله الدول عن مواقفها تجاه الذاكرة والماضي. كما أن النظر في تفاعل الأبعاد النظرية لمفاهيم على غرار الهوية السردية، والأمن الأنطولوجي، والتمثٌتاا الخطابية كفيل بجسر الهوة بين الحقلين المعرفيين، وذلك عبر نسختين من البنائية الاجتماعية يمكن إقحامهما في النقاش لفهم دوافع اعتذار ألمانيا لإسرائيل ومقاومة تركيا الضغوط الدولية للاعتذار عن مسألة تهجير الأرمن. وتخلص الدراسة إلى أن بنائية نزار مساري النقدية تفسر اعتذار ألمانيا عبر النظر في دور السياسة الخارجية في إعادة صُ نع الهوية الوطنية عبر تحول تمثي تاا الآخر اليهودي، ومن ثم الإسرائيلي، من عدوٍ مغاير للذات إلى آخرَ مشابه لها، وكيف صار ذلك جزءًا من مسؤوليتها الأخلاقية. وتنتهي إلى أن بنائية تيد هوف المجتمعية "الممارساتية" تفسر إحجام تركيا عن الاعتذار لأرمينيا، بوصفه حاجة أنطولوجية ترتبط بإصرار تركيا على الاحتفاظ بهويتها السردية الروتينية وحماية ذاكرتها البطولية. كلمات مفتاحية: الذاكرة، الاعتذار، الأمن الأنطولوجي، الهوية السردية، التمثلات الخطابية، البنائية الاجتماعية.
Keywords: Memory, Apology, Ontological Security, Narrative Identity, Discursive Representations, Social Constructivism.
مقدمة
قد يلامس اعتذار صادق قلب الإنسان بطريقة لا يمكن العوض المادي أو سياسة القوة ملامسته بها1. من قال إن الماضي يمضي بلا عودة؟ ألا يتحدى الماضي خطية سهم الزمن وحتميته، فيجد طريقه إلى الحاضر ثم المستقبل، وبهذا تتحرر الذكرى من ثقل الماضي، متمردةً على حدود الزمان المطرد في مضيه نحو الأمام، غير مبالية بما لو كان الحاضر والمستقبل يرغبان في عودتها، وعودة ما تستبطنه في طياتها من سلام وأمجاد وبطولات وإنجازات، أو صراع وإذلال وهزائم وإبادات؛ ولأن ماضي الدول مُترَع بالنمط الثاني من الذكريات فقد تنامت في العلاقات الدولية ممارسة الاعتذار؟ برزت هذه الممارسة بوصفها ضرورة لتخلص الدول من ذكريات ماضيها المؤلمة التي تطارد حاضرها وتهدد مستقبلها. وعلى الرغم من أن الاعتذار ظاهرة مهمة ومتنامية في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية للدول فإن البحث فيها لا يزال فقيرًا، ويُنظَر إليها بعين الريبة بوصفها بوابة لإقحام الإنسان، بمعاييره وأخلاقه وماضيه وهوياته، في حيز التحليل البحثي الذي يتوقع منه أن يظل منضبطًا من الناحية العلمية. ومن هنا تتجلى أهمية هذه الدراسة؛ فهي تسعى إلى تقديم إضافة نظرية إلى الإسهامات الشحيحة التي تبحث في الذاكرة والاعتذار، وتهدف إلى تجاوز الثغرات المرصودة في بنيان تلك الأدبيات التي لوحظ افتقارها إلى الربط بين حقَلَ العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية2. وتعمل على مناقشة موضوع الذاكرة والاعتذار، وما يثيره من مفاهيم في أدبيات حقلنا العربي. فباستثناء بعض الجهود النظرية المتفرقة في دراسة العلاقة بين الذاكرة والتاريخ على غرار العدد الثالث والثلاثين من دورية تبين للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية، وعنوانه: "من 'الذاكرة' إلى 'دراسات الذاكرة' مقاربات عربية بينتخصصية"3، ما زالت الإسهامات العربية محدودة في مجال العلاقة بين الذاكرة والاعتذار في السياسة الخارجية. وتعالج هذه الدراسة إشكالية أساسية تتمثل في إمكانية دراسة مظاهر التفاعل بين الذاكرة والاعتذار في السياسة الخارجية من منطلق سدّ الفجوة بين حقَلَ العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية. وتفترض أن النظر في تفاعل الأبعاد النظرية لمفاهيمَ على غرار الهوية السردية، والأمن الأنطولوجي، والتمثلات الخطابية، كفيل بسدّ الفجوة بين الحقلين عبر نسختين من المقاربة البنائية الاجتماعية؛ مؤكدةً أن الفهم الناجع لمكامن الاختلاف في سلوك الدول (الاعتذار والامتناع عن الاعتذار) يقتضي التنقيب في ذلك التفاعل نفسه. تنقسم الدراسة مبحثين أساسيين: يقدم المبحث الأول فحصًا نظريًا ينطلق من تفكيك التفاعل بين الذاكرة والاعتذار، وينتهي برسم أرضية نظرية بنائية ملائمة للجسر الذي قد يصل بين حقَلَ العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية. ويستند هذا المبحث إلى إسهامات نزار مساري Messari Nizar وتيد هوف Hopf Ted. في حين يقدم المبحث الثاني مناقشة عامة في محاولة لتوظيف نسختين من النظرية البنائية، لتفسير واقع السياسات الخارجية الممارسة للاعتذار والمحجِمة عنه في بعض الدول، ويوظف هذا المبحث نسخة مساري لتفكيك التشابكات الكامنة خلف اعتذار ألمانيا لإسرائيل حول ما يُعرف ب "المحرقة"، ونسخة هوف لفهم دوافع إحجام تركيا عن القيام بالأمر عينه حيال مسألة تهجير الأرمن.
أولا: الذاكرة والاعتذار: إطار نظري للتجسير بين حقلي العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية
من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل، ومن يتحكم في الحاضر يتحكم في الماضي4. يقدم هذا المبحث محاولة لبناء أرضية نظرية تجسيرية ملائمة لدراسة التفاعلات بين الاعتذار والذاكرة، فينطلق من محاولة لفهم معنى الاعتذار والذاكرة، فاحصًا طبيعة التفاعل والتداخل بينهما، مرورًا بإثارة جملة من إشكالات حقل العلاقات الدولية التي تجعل من عملية الانخراط في مشاريع للاتصال المعرفي مع حقل تحليل السياسة الخارجية أمرًا في حاجة إلى مزيد من الجهود التنظيرية، وصولً إلى تقديم أرضية نظرية مناسبة.
بادئ ذي بدء، يسرد مايكل ماروس مجموعة من المتطلبات التي توضح معنى الاعتذار الحقيقي "الصادق" ومعاييره حول ما يصدر من الدول تجاه ضحاياها5، وهي كالآتي: الإقرار بارتكاب خطأ ما؛ تحمّل المسؤولية المترتبة على ارتكابه؛ التعبير عن الأسف والندم حيال الأضرار الناجمة عنه؛ الالتزام بجبر الأضرار؛ التعهد بعدم تكرار الخطأ. في الغالب تتعلق ممارسة الاعتذار بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان لم تتخطّها شعوب الدول الضحايا، أو أخطاء ارتُكِبت في الماضي ولم يُعاقَب عليها مقترفوها6. وهنا تكمن أهمية الاعتذار؛ إذ يؤكد نيكولاس تافوتشيس أن الاعتذار، بغض النظر عن مدى صِ دقه أو آثاره، لا يمكنه إلغاء ما
حدث، بل لا يمنح "مرتكب الخطأ" إمكانية التراجع عن فعلته، ومع ذلك ولحكمة غامضة فإن هذا هو بالضبط ما يقوم به7. إن النظر في الدوافع المسوغة أو الكابحة لممارسة الدول الاعتذار، يقتضي حتمً إثارة مسألة الذاكرة Memory؛ إذ إن معظم ممارسات الاعتذار السياسي تُعدّ نتاجًا لأفعال خاطئة ارتكبها الجناة8 في الماضي. ولأن تقادم الزمن يُضعف نظريًا حاجة الدولة إلى الاعتذار، فإن استمرار الدول في تقديم اعتذارها يقودنا إلى إقحام مسألة الذاكرة في التفسير، بوصفها قوة تدفع الدول للمضي قدمًا في تلك الممارسة. يرى روبرت وينيث في دراسة له بعنوان "قوة الاعتذار وعملية المصالحة التاريخية"9، أنه على الرغم من عدّ الاعتذار وسيلة لحفظ ماء الوجه على الساحة الدولية، فإنه يرتبط أيضًا بعقد الجُناة النية والعزم على المصالحة. وأشار جان مارك كويكود إلى أن بعض حالات الاعتذار لا تفضي قطعًا إلى المصالحة وخصوصًا في الجرائم التي لا تُغتفر10، لكن مع ذلك فإن وينيث يؤكد أن الطبيعة الرمزية للاعتذار تؤدي دورًا مفصليًا في جلب الراحة النفسية للضحية حتى بعد ارتكاب أبشع الجرائم؛ ويعود جزء من ذلك إلى الشعور بالاطمئنان حيال عدم تكرار الفعل، في حين يتعلق الشق الآخر بتشكيل قواعد دولية Rules تعزز الأمن11. وبعيدًا عن مركزية الضحية عند وينيث، يركز مارك أمستوتز على الكيفية التي يواجه من خلالها الجاني أشباح ماضيه عبر تذكّره أفعاله الخاطئة التي خلت، وتَحمّله مسؤولية ارتكابها12. لا يمكننا، إذًا، التعامل مع عبارة: "أنا أعتذر" apologize" I"، بوصفها عبارة سياسية تنمّ عن لباقة دبلوماسية بين الساسة، بل هي ممارسة تعبيرية أو تعبير ممارساتي يظهر على المستوى الدولي على أنه قاعدة عرفية تترتب عليها ممارسات تحفظ الأمن، وهي على المستوى الأعمق ممارسات يفصح الجاني من خلالها عن موقفٍ ما تجاه تاريخه، وهو موقف يتأسس على رغبته "المتصورة" في مستقبل أفضل لعلاقته مع الضحية، أو محاولته دفن خطايا ماضيه وحرصه على ألا تُنبش13.
أما فيما يتعلق بمسألة الذاكرة، وعلى وجه الخصوص الذاكرة الجمعية، فقد ميز بيير نورا بين الذاكرة والتاريخ؛ فالذاكرة مقدسة وحيّة وتطورية وتفاوضية ومفعمة بالعاطفة، أما التاريخ فهو مدنس وتحليلي وبارد ومنفصل عن الحاضر14. أما موريس هالبفاكس وإن كان قد أكدّ في كتابه الذاكرة الجمعية على "التضاد النهائي" بين الذاكرة والتاريخ فإنه ميّز بين نوعين من التاريخ: التاريخ المكتوب، والتاريخ المعيش، ففي حين يتعارض الأول صراحة مع الذاكرة الجمعية يميل الثاني إلى أن يشكّل مرجعًا حيويًا تستند إليه ذاكرة المجتمع بين فينة وأخرى لاستعادة أحداث الماضي15. وهي الأحداث التي قد تدفع بذلك المجتمع إما إلى المضي قدمًا نحو الاعتذار بغرض علاج جراح ماضيه وإحلال اتساق سردي يتجاوز من خلاله فجوات ذاكرته، وإما قد تدفعه نحو النأي عن الاعتذار بغرض تجاهل الذكريات الأليمة أو محاولة التعايش معها17.
وبالنسبة إلى مسألة التاريخ والذاكرة يقدم بول ريكور Paul Ricœur مقاربة فلسفية للربط بين أربعة موضوعات جوهرية؛ أولها الذاكرة التي تضرب جذورها في إسهامات علم النفس؛ وثانيها التاريخ بوصفه علمً إنسانيًا قائمًا في حد ذاته؛ وثالثها النسيان الذي يرسم ملامح طبيعة الوضع الإنساني؛ وآخرها صعوبة الغفران والتفتيش عن مستقبل إنساني مشرق يتجاوز ظلمة الحاضر العنيف18. وعند النظر في تفاعل مفهومَي الذاكرة والاعتذار، نجد إسهامين أساسيين، أحدهما يندرج في حقل العلاقات الدولية والآخر في حقل تحليل السياسة الخارجية. فيما يتعلق بالإسهام الأول، تشير جنيفر ليند في كتابها الدول الآسفة: الاعتذار في السياسة الدولية19، إلى نوعين من التذكر: أولهما التذكر الرسمي الذي يشمل أقوال القادة والمحاكمات القانونية والاحتفالات والتعليم؛ وثانيهما التذكر المجتمعي الأوسع الذي يشمل التصورات الفردية-المجتمعية لما يجري تذكّره بعيدًا عن الرواية الرسمية للدولة. وفي هاتين الروايتين نوعان من الذكريات، أحدهما اعتذاري يصعب تجاوزه، والآخر غير اعتذاري يسهل إسكاته20. ففي حين تنتفي صفة الندم المجتمعي عن النوع الأخير من الذكريات على نحوٍ يبعث القلق في نفس الضحية يتميز النوع الأول من الذكريات بتعبير الجاني عن ندمه حيال خطايا ماضيه واعتذاره عنها، وقد يأتي ذلك الاعتذار في أشكال عدة، منها ما هو اعتذار تاريخي لجماعات محلية21، ومنها ما يرجع إلى مآسي الحرب العالمية الثانية، فضلً عن حالات الاعتذار الكولونيالية وممارسة الاعتذار المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان22. وبغض النظر عن نوع الاعتذار في حد ذاته، تؤكد ليند حقيقة أن كلتا الروايتين، سواء أكانت الرسمية أم المجتمعية، لهما دور أساسي بوصفهما جزءًا من الذاكرة الجمعية الأكبر للدولة المعتذِرة؛ فالتذكر المجتمعي للأحداث قد يؤدي في بعض الأحيان دورًا ضاغطًا متحديًا سياسة الدولة، وقد تسيطر الرواية الرسمية للدولة أحيانًا أخرى على ما يجب أن يتذكره المجتمع أو يتناساه23، وفي هذه الحالة تكون الذاكرة أداة في يد السلطة تشكلها وفق ما يتلاءم مع أهدافها ومصالحها. وفيما يتعلق بإسهامات حقل السياسة الخارجية في مسألة التفاعل بين الذاكرة والاعتذار، على ندرتها، يعدّ إسهام شانون جونز أحد أبرز تلك المداخل؛ إذ يشكك في مدى صدق السياسات الخارجية الممارِسة للاعتذار في ألمانيا واليابان، بوصفها آلية مصالحة دبلوماسية تكفّر فيها عن أخطاء ماضيها، خصوصًا في ظل تلقّي بعض الضحايا تعويضًا ماديًا دون آخرين24. وتقحم هذه الدراسة مسألة الذاكرة عند حديثها عن شكل التعويضات، مشيرة إلى أن النصب والأماكن التذكارية -على غرار "نصب وارسو" لضحايا النازية و"النصب التذكاري للقتلى اليهود في أوروبا-" تُعدّ أحد أقل رموز الاعتذار تكلفة، بل أقلها قدرة على الدفع بالمصالحة قدمًا25. تثير حجة جونز، المتعلقة بتدني قيمة الاعتذار الرمزي، تساؤلً إشكاليًا عن قيمة الاعتذار الرمزي في مقابل الاعتذار المادي،
وهو تساؤل يحيلنا إلى نقاش أنطولوجي أوسع في حقل العلاقات الدولية، يُعرف بنقاش العوامل المادية - العوامل المتعلقة بالأفكار، ويبحث هذا النقاش في 26 Materialism vs. Ideationalism الفرق الذي تحدثه الأفكار في العالم الاجتماعي؛ إذ يؤمن الماديون بأن القوى المادية، كالموارد الطبيعية والقدرات العسكرية، تمثّل واقع النظام الدولي، وأن موقع الفاعلين في خريطة توزيع القدرات المادية قد يمكّن ممارسات الدول أو يقيّدها. في حين يؤمن أولئك الذين يركزون على العوامل المتعلقة بالأفكار بأن المعرفة البينذاتية knowledge Intersubjective تعطي البنى المادية معناها، فالأفكار تبني الحقائق الاجتماعية وتعكس العالم المادي وتسوغه. ولمّا كان واقع الحال هو أن لا أسبقية للمادة على الأفكار، بل لا أسبقية للأفكار على المادة فإن تراتبية الطابعيَن المادي والمعنوي للاعتذار قد تختلف من فاعل إلى آخر تبعًا لاختلاف التأويلات والمعتقدات والهويات؛ فقد يعدّ بعض الفاعلين ممارسة الاعتذار الرمزية أعظم قيمة وصدقية من العوض المادي، في حين يرى آخرون في جبر الأضرار ماديًا قرينة على صدق الاعتذار. وبسبب طبيعة الدراسة ومساعيها لسدّ الفجوة بين حقَلَ العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية، فإن جلّ ما استعرضته إلى الآن لا يزال في المستوى نفسه الذي توقفت عنده غالبية الإسهامات المنطلقة من أرضية عابرة للتخصصات تربط بين حقل العلاقات الدولية وعلوم التاريخ والنفس والاجتماع، أو حقل تحليل السياسة الخارجية وبقية العلوم الاجتماعية، لكن دون أن تتمخض عن إسهام يصل حقل العلاقات الدولية بحقل تحليل السياسة الخارجية لدراسة تفاعل الذاكرة والاعتذار. وبناء عليه، تنظر الدراسة تاليًا في جذور الفصام بين الحقلين، مرورًا بإشكالات نظريات التيار السائد، وصولً إلى المقاربات البنائية التي نزعم قدرتها على تقديم إسهام لبناء الجسر المنتظَر. منذ أن أعلن ديفيد سينغر في مقالته الشهيرة "إشكالية مستوى التحليل في العلاقات الدولية"، عن وجود ثلاثة مستويات للتحليل في العلاقات الدولية هي الفرد، والدولة، والنظام الدولي27، اتسعت الفجوة بين حقَلَ العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية، إلى درجة أن كليهما صارا ينطلقان من أرضية نظرية مختلفة. ففي حين يَنطلق حقل العلاقات الدولية من أسس نظمية Systemic تُدرَس من خلالها علاقات الدول في مستوى النظام الدولي وما يقدمه من حوافز وقيود على الوحدات المتفاعلة فيه، فإنّ حقل تحليل السياسة الخارجية ينطلق من أرضية سلوكية Behavioral تعطي الأفضلية التفسيرية لصناع القرار والأبعاد الداخلية للدولة. تُرجع فيندولكا كابلكوفا ذلك الفصام إلى الثورة العلمية في العلوم الاجتماعية في خمسينيات القرن العشرين والتي على إثرها برزت "المثنوية التقليدية" Traditionalism في مقابل "السلوكية العلموية" Scientism28؛ فعلى عكس المنطلقات التقليدية التي غلبت عليها الطبيعة الفلسفية، مثّلت العلموية نزعة لمماثلة أسس حقل العلاقات الدولية بأسس العلوم الطبيعية التجريبية والإحصائية، ما خلق مشروعًا نظريًا مهيمنًا يركز على التفسيرات النظمية لسلوك الدول، وهو ما يعرف بنظريات التيار السائد التي تضم تحت جناحيها الواقعية الجديدة والليبرالية المؤسساتية، على حساب حقل تحليل السياسة الخارجية المتمسك بأهمية الفرد وأثر الجماعة في المستويات الجزئية للتحليل29. برعت نظريات التيار السائد وخصوصًا واقعية كينيث والتز الجديدة في تقديم تفسيرات ممنهجة لكيفية تفاعل الدول. ففي كتابة الشهير نظرية السياسة الدولية 1979()، قدّم والتز نظرية للعلاقات الدولية تنطلق من مفهوم "بنية النظام الدولي" الأشبه بطاولة البلياردو التي تضم وحداتٍ دوليةً تستجيب للتفاعل الدائر على تلك الطاولة بما يشبه الاستجابات الآلية التي تبديها "كرات البلياردو"30 المتصادمة مع بعضها؛ الأمر الذي رسم لهويات الدول صورة تُقصي متغيراتها الداخلية، وتُبقي على التصورات العقلانية المختزلة للدولة في صندوق أسود يعين باحثي الحقل على تجاوز الفوضى التحليلية التي قد تنجم عن إثارة ما يكتنفه ذلك الصندوق من أبعاد هوياتية وقيمية ومعيارية؛ ما رسخ الافتراضات العقلانية حول سلوك الدولة بوصفه كيانًا يسعى لتحقيق أهدافه المادية عبر تعظيم المكاسب وتقليل التكاليف، في ظل بيئة دولية فوضوية يغلب عليها الصراع من أجل البقاء. وسواء تعلق الأمر بالواقعية الكلاسيكية أو الكلاسيكية الجديدة تظل سلوكات الدول مدفوعة بالسعي لتحقيق الأمن
والبقاء. ولهذا يشير جان ألينز إيهونو وآخرون إلى أن تأكيد الواقعيين أولوية السياسة العليا المدفوعة بالقوة لتحقيق المصلحة الوطنية نابعٌ من افتراض يرى أن اعتماد الدول على الأخلاق والقانون والعاطفة رهانٌ خاسر لا يضمن مصالحها وأمنها وبقاءها31. على الجانب الآخر، لم يوافق الليبراليون المؤسساتيون، أمثال روبرت كيوهين، هوى الواقعيين في التقليل من أهمية فرص التعاون بين الدول، بل أكدوا إمكانية تخفيف حالة الفوضى عبر تعزيز أدوار المؤسسات الدولية التي تخلق نوعًا من الثقة بين أطرافها32. فمع زيادة الاعتماد المتبادل Interdependence على الصعيد الدولي، جنبًا إلى جنب مع تنامي أهمية السياسة الدنيا في مسائل حقوق الإنسان والمناخ والعدالة، صارت الدول أشد حساسية حيال الضغوط المعيارية الدولية القادمة من الفواعل غير الحكومية، وبات امتناع الدول عن تلبية مطالب الاعتذار وتقديم التعويضات مقدمةً لرفع دعاوى قضائية دولية وممارسة مقاطعات اقتصادية ودبلوماسية تدفع بالدول للمضي قدمًا نحو المصالحة33. ويرفض الواقعيون الجدد هذه الحجج لسببين رئيسيَن، يتمثل أولهما في أن الدولة هي الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية، ولا يمكن المؤسسات الدولية أن تكون بالأهمية عينها. أما ثانيهما، فيتمثل في أن إمكانية ضبط المؤسسات الدولية لسلوك الدول تتوقف على احتمال وجود تقاطع عارض بين المعايير الدولية ومصالح الدول العقلانية34. وبالرغم من محاولات المؤسساتيين، فإنّ نظريات التيار السائد لم تسلم من المناكفات النظرية القادمة من التأمليين النقديين الساعين لتفكيك المقاربات العقلانية لطبيعة الفاعلين والبنى الدولية؛ فعلى خلاف التيار السائد، يَفترِض التأمليون أن العالم الاجتماعي أشد تعقيدًا مما يبدو عليه من منظور العقلانيين الاختزالي؛ إذ أعادوا استشكال البعد الهوياتي والمصلحي للفاعل، مع رفض الانطلاق من أي جوهر "معطى" كامن في هويته ومصالحه. ومن بين إسهامات التأمليين ذاع صيت الإسهامات البنائية لسببين؛ يتمثل الأول في تقديمها أرضية إبستيمولوجية وسيطة Via media تتعالى على المثنويات التي سلبت مخيال الحقل سنين طويلة35. أما الثاني فهو عجز نظريات التيار السائد عن التنبؤ بنهاية الحرب الباردة، وعجزها عن تفسيرها بعد نهايتها؛ وذلك بسبب افتقارهم إلى الأسس الأنطولوجية الاجتماعية اللازمة لفهم التحولات التي أفضت إلى نهايتها. وقد مهّد ولوج العوامل المتعلقة بالأفكار Ideational في نظريات الحقل إلى انخراط التيار البنائي في حقل تحليل السياسة الخارجية أو على الأقل التقارب مع مفاهيمه؛ إذ رأى البنائيون أن الفصام بين الحقليَن مأزق لا بد من تجاوزه، وهو ما تجلى في إسهامات عديدة، مثل إسهام مارثا فاينمور التي سعت لردم تلك الهوة عبر إعادة التفكير في مثنوية الفاعل-البنية من خلال إعادة التفكير في المصالح؛ إذ قامت فاينمور أولً بالتثبيت المنهجي Methodological bracketing للفاعلية من أجل توضيح قوة الهياكل الاجتماعية في دراسة الحالات الثلاث التي تناولتها، ومن ثم عكست ذلك التثبيت متسائلة عن المصدر الذي أتت منه البنى المعيارية المؤثرة في مصالح الدول وهوياتها36. ومع ذلك، لم يتوقف إسهام البنائيين عند براعة حلولهم الأنطولوجية والإبستيمولوجية لتلك المثنويات المتعارضة، ولم تقتصر إسهاماتهم على كونها أرضية ملائمة للتقارب مع حقل السياسة الخارجية؛ فقد قدموا إسهامات مفيدة تتعلق بمسألة الذاكرة الوطنية؛ إذ أشار إريك لانجنباخر، على سبيل المثال، في دراسته "الذاكرة الجماعية بوصفها عاملً في الثقافة السياسية والعلاقات الدولية"، إلى أن التطورات النظرية والمفهومية الأخيرة في مجال العلاقات الدولية قد طورت ما يشبه حقلً فرعيًا معنيًا بدراسة الذاكرة الجمعية memory Collective، ويشيد لانجنباخر بالإسهامات البنائية التي انخرطت في نقدٍ فذّ للنماذج السائدة في الحقل، والتي تعيق إقحام الذاكرة في حيز التحليل عبر تركيزها على جوانب تعظيم القوة والمخاوف الأمنية والأولويات العسكرية بافتراض تقديمها تفسيراتٍ شاملةً تنبؤيةً بالسلوك الدولي، وقد تبيّ لاحقًا أنها لا تقدم سوى تفسيراتٍ جزئية للواقع37. ولم يتوقف الأمر عند البنائيين على تقديمهم نقدًا للتيار السائد، كما هو الحال عند بقية التأمليين، فقد
حاولوا استكشاف معنى أن يكون سلوك الدولة مبنيًا اجتماعيًا وتاريخيًا وثقافيًا، وكيف أن هذا السلوك في حاجة إلى إقحام الهويات والمصالح والقيم والمعايير لكي يُفهَم بصورة أعمق38. ولم تكن محاولة البنائيين استكشاف ذلك بمعزل عن الذاكرة؛ فعلى سبيل المثال، حين ناقش ألكسندر ونت مسألة الهوية والمصالح كانت الذاكرة أحد أهم العناصر المكونة لهوية الفاعلين الشخصية I""، والتي تتحول لاحقًا إلى هوية مؤسسية أو هوية دولة عبر الشعور بما يكتنفه الحديث بضمير الجمع "نحن" we""، الذي يتطلب بناء سردٍ مشترك للذات الجماعية، استنادًا إلى ما يحمله الفاعلون في الذاكرة الجمعية39. ويتقاطع ذلك مع ما ذكره دنكان بيل؛ ف "الهوية هي أحد مفاهيم العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة[...]التي تؤدي من خلالها الذاكرة دورًا مفصليًا"40. وهذا ما يؤكده لانجنباخر من أن الهويات الجمعية هي أشبه ما تكون بأجزاء ثقافات تسمح للأفراد بتوجيه أنفسهم في سياق أكبر يوفر لهم المعنى، وهو السياق الذي تؤدي فيه الذاكرة دور الشاهد أو المتحقق من وجود الذات41، فما تتذكره الجماعات حيال ماضيها وحاضرها يعينها على فهم "من هي؟" و"ماذا تمثّل؟"؛ الأمر الذي تتولد عنه ارتباطات عاطفية تضامنية مبنية على الثقة، ويرتبط إلى حد ما بما أكده بيير نورا من غياب أي ترادف مفهومي بين التاريخ والذاكرة، ف "الذاكرة مقدسة، والتاريخ مدنس، الذاكرة حية تطورية تفاوضية تنتمي إلى ماضي جماعات معينة وحاضرها، في حين أن التاريخ هو إعادة بناء للماضي بأسلوب تحليلي[...]، التاريخ حقائق باردة وجافة، والذاكرة عاطفية معاشة وحاضرة"42. ولهذا تعدّ الذاكرة مفهومًا أقرب إلى الأبعاد الوطنية والهوياتية والسردية مقارنة بالتاريخ، فبها تحيا أساطير الأمم وأمجادها وصدماتها، فتصير جزءًا لا يتجزأ من ثقافتها السياسية التي يجري إنتاجها، بل يعاد إنتاجها باستمرار. وبالرغم من إشادة لانجنباخر بالإسهامات البنائية وقدرتها على التنظير لمسألة الذاكرة، فإنه يعيب عليها قلة اهتمامها بها، وخصوصًا ما تجلى في إسهام بيتر كاتزنشتاين المعنون ب القوة المروَّضة: ألمانيا في أوروبا، الذي يخلص فيه إلى حقيقة ارتباط العلاقات الأوروبية الألمانية بتاريخ ألمانيا وذاكرتها الجمعية التي تقود سلوك ألمانيا نحو إبراز قوّتها عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي بدلً من إظهارها في معان قومية منبثقة من ذاكرتها النازية التي أفضت إلى مصائب ماضيها، وأصبحت عاملً يرسم السياسات الأوروبية منذ عام 1945 43، فمن وجهة نظر لانجنباخر اختزل كاتزنشتاين مسألة الذاكرة "في خمس صفحات دون أن يتطرق إلى ديناميتها"44. صحيح أن الإسهامات البنائية لم تقدّم الكثير فيما يتعلق مباشرة بمسألة الذاكرة، ولكن ما تمتلكه من مفاهيم وأدوات تحليلية كفيل بأن يجعلها أحد أهم المداخل المفيدة للنظر في علاقة الذاكرة بالسياسة الخارجية؛ فمن زاوية تبرع البنائية في سدها الفجوة بين حقَلَ العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية، ومن زاوية أخرى تمتلك القدرة على إثارة مفاهيم الهوية والثقافة والأفكار والسرد التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة وما تحمله من ذكريات تُفضي إلى ممارسة الاعتذار تجاه ضحايا الماضي. يقودنا كل ذلك في نهاية المطاف إلى تجاوز منطق لانجنباخر الذي يحتفي بإسهامات البنائيين، ومن ثم يُعرِض عنها لصالح الأدبيات المعهودة التي تطرقت إلى ذلك الارتباط المباشر بين الذاكرة والسياسة الخارجية في معزل عن نظريات الحقل. وبناء عليه، تستعرض الدراسة تاليًا نسختين من التيار البنائي تمكّنتا من تقديم أرضية تجسيرية للحقلين، وفي الوقت نفسه تعدّان ملائمتين لدراسة أثر الذاكرة في السياسة الخارجية، عبر إثارتهما الأبعاد الهوياتية والسردية التي تحيي أساطير الأمم وصدماتها، وتعيد إنتاجها في شكل تذكرٍ مستمر للماضي، وهما "البنائية المجتمعية" لتيد هوف و"البنائية النقدية" لنزار مساري. لكن قبل ذلك، لا مناص من أن نأتي سريعًا على ذكر أحد أهم الإسهامات التي اقتربت إلى حد ما من التوليفة التجسيرية لدراسة الذاكرة والاعتذار، وهو عمل أزولاس باجدوناس الذي يضع نفسه في إطارٍ عابر للتخصصات ينطلق من أرضية تحقيقات فلسفية لمعضلة المسؤولية الجماعية45، ومع ذلك ناقش في دراسته مسألة الاعتذار ببراعة؛ إذ سلط الضوء على دور الهوية السردية في تشكيل ممارسة الدول للاعتذار؛ ما أتاح له التوفيق بين البعدَين اللغوي والنفسي لممارسات الاعتذار، والذي تمثل في أفكاره حول "الحفاظ على صورة الذات"، و"حفظ ماء الوجه"، و"التعافي من الصدمات الوطنية"، و"التجديد الأخلاقي" و"المصالحة."
إن طرح باجدوناس مفاهيم، على غرار المصالحة والصدمات الوطنية، يحيلنا إلى مسألة الاعتذار المحلي التي غالبًا ما تناقش في إطار أدبيات "العدالة الانتقالية"، وهي الأدبيات التي تبحث دور المصالحة المحلية في التكفير عن أخطاء الماضي وتيسير عملية الانتقال الديمقراطي، بعيدًا عن النزاعات ودوامات العنف على المستوى المحلي؛ إذ ثمة ارتباط بين العدالة الانتقالية والاعتذار؛ فتوصيف العدالة الانتقالية يكتنف خمسة جوانب، هي: الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار، والمصالحة46، ثلاثة من تلك الجوانب هي أساس لأيّ اعتذار يتسم بالصدق، وهي: الحقيقة أو "الإقرار بارتكاب خطأ ما"، والالتزام بجبر الأضرار المترتبة على الخطأ، وتقديم ضمانات للضحية بعدم تكرار الخطأ في المستقبل. علاوة على ذلك يأتي إسهام باجدوناس في سياق تقديره أهمية "الجمهور" و"البنى" و"الوقت" في حالات الاعتذار التاريخية على المستوى الدولي. وينظر في أثر اعتذار الدول أو مطالبتها بالاعتذار في إنتاج الهوية الوطنية؛ مشيرًا إلى إسهاماتها في تحديد القيم التي ينبني عليها المجتمع السياسي، ووصوله إلى تصورٍ مشترك حيال الأحداث التاريخية الوطنية. فضلً عن ذلك، يناقش باجدوناس أثر السرديات المحلية في اتخاذ قرار الاعتذار من الدولة الضحية، مؤكدًا اعتماد ذلك على مدى توافق الروايات بين الجاني والضحية47. وهنا يُلفت أنظارنا إلى مسألة مفصلية في تفاعل الذاكرة والاعتذار وهي مسألة الهوية السردية؛ فالاعتذار الصادق يستلزم استيعابًا لوجهة نظر الضحية و"روايتها" في السردية الذاتية للجاني، وبذلك يصبح للاعتذار دورٌ في تغيير التمركز على الذات في القصة التي يرويها الجاني عن نفسه؛ إذ إن حالات الاعتذار الصادقة تتجاوز مسألة تأكيد الجاني للقواعد التي انتهكها إلى إعادة تشكيله السردية التي يقدمها عن ذاته؛ نتيجة لاستيعابه تصورات الدولة الضحية وسرديتها التاريخية، لكن ذلك لا يكلَّل بالنجاح دائمًا، فعلى الرغم من الضغوط المعيارية التي يفرضها النظام الدولي على الدول "للتصالح مع ماضيها" ومواءمة سردياتها مع سرديات المجتمعات في الدول الضحايا، فقد تطفو على السطح سرديات قومية مضادة لإعادة تغيير السردية المهيمنة، أو قد تأبى السردية الرسمية للدولة التخلي عن البطولات القومية المنتقاة من الماضي48. يتقاطع إسهام باجدوناس مع إسهام هوف في مسألة الهوية السردية؛ إذ يقدم هوف محاولةً لفهم الكيفية التي تُدرِك من خلالها الدول هوياتها الجمعية identities Collective، وكيف يؤثر إدراكها في سياستها الخارجية وفهمها للدول الأخرى؛ فعلى خلاف التيار البنائي السائد، نسخة ألكسندر ونت الذي ظل إسهامه عالقًا في البعد الاجتماعي الدولي لهوية الدولة بوصفها نتاجًا للبنية الثقافية البينذاتية Intersubjective، يسعى هوف لإثبات ارتباط الهويات المحلية سببيًا وتكوينيًا بتوجهات السياسة الخارجية، عبر تشكيلها "تفاهمات بينذاتية مجتمعية" ترسم سردية صريحة لطبيعة التهديدات والفرص، والأصدقاء والأعداء49. وانطلاقًا من منطلقاته الممارساتية Practice، يجادل هوف بأن عملية إنتاج تلك التفاهمات وإعادة إنتاجها تجريان عبر سردية مجتمعية خطابية تتمظهر في شكل عادات روتينية يومية Habits تحافظ على استمراريتها بالذاكرة المعاشة50. وبالرغم من حيازة التفاهمات المجتمعية تلك الأسبقية التحليلية عند هوف، فإنه لا يغيّب الأبعاد الدولية البنيوية التي تسهم في تشكيل الهويات الوطنية عبر التفاعل الرمزي المستمر بين الدول. ففي نهاية المطاف، نسخته من البنائية هي مزج مُحكم بين منطقَي الملاءمة Logic of appropriateness والعادة Habit والتفاعل الرمز.Symbolic interaction وبسبب طبيعة نسخته الممارساتية من البنائية، والتي تعطي قيمة تفسيرية لمنطق العادة والعادات الروتينية التي تقدمها الهوية السردية، يفتح إسهام هوف مدخلً نظريًا للتقاطع مع عدد من الدراسات التي بحثت في مسألة الأمن الأنطولوجي وعلاقته بالروتين والسرد، ومن بين تلك الإسهامات تبرز أعمال التيار البنائي الذي سعى لتوظيف أفكار أنتوني غيدنز المتعلقة بدور السرد الروتيني في الإبقاء على حالة الأمن الأنطولوجي عند الفاعلين51. إذ قدمت جنيفر ميتزن إسهامًا تطرقت فيه إلى أهمية العلاقات الاجتماعية الروتينية في إضفاء نوع من الاستمرارية السردية واليقين المعرفي المستقر في البيئة الدولية؛ لأن الفاعلين في حاجة إلى الشعور بالأمان
الهوياتي والأنطولوجي ليتابعوا السعي إلى غاياتهم، فالإجراءات الروتينية تعمل على "تهدئة البيئة المعرفية"، وتزويد الفاعلين بمعنى العالم وطرائق التعامل المعتادة فيه؛ ما يشكل ملاذًا للفاعلين من الخوف والفوضى52. وترى جيني إدكنز أن التكاليف النفسية الناجمة عن كسر عادات السرد الروتينية واستقراره باهظة على الفاعلين، فلمّ كانت الذاكرة أداةً لإنتاج الوجود السياسي وإعادة إنتاجه فإن خرق المجتمعات عاداتها السردية كفيلٌ ببروز صدمات مجتمعية تأخذ شكل تشوهات زمنية غير قابلة للتفسير أو التنبؤ بها؛ ذلك أنها لا تندرج ضمن الإطار المعرفي للذات، ما ينجم عنه ذاتٌ ممزقة السرد مفتقرة إلى تماسكها الزمني والهوياتي، وبطبيعة الحال، أمنها الأنطولوجي53. أشرنا سابقًا إلى تقاطع إسهام باجدوناس مع إسهام هوف في مسألة الهوية السردية، إلا أن ذلك لم يتوقف عند هوف فحسب؛ إذ يمكن رصد تقاطع بين مسألة إنتاج الهوية الوطنية عند باجدوناس مع الإسهام الذي يقدمه نزار مساري في نسخته من البنائية النقدية، التي يتجاوز من خلالها التفسيرات السائدة لدور السياسة الخارجية بوصفها أداة لبناء الجسور بين الدول، لصالح المحاجّة بوصفها "أداة لبناء الهويات والمصالح الوطنية"، فانطلاقًا من الإرث النقدي لمنظري العلاقات الدولية ما بعد الحداثيين، أمثال ديفيد كامبل David Campbell وآر بي جي والكر R. B. J. Walker، يثير مساري مسائل الهوية والأفكار والغيرية ومفصلية تمثيلات الخطاب بوصفها 54discourse representations في السياسة الخارجية أدوات لبناء هوية الذات؛ ذلك أن تعامل الذات مع الآخر55 "العدو" يجعل السياسة الخارجية أداة لتمثيل Represent الآخر على أنه تهديد لمعنى الذات وأحيانًا لوجودها، وفي هذه العلاقة يعاد إنتاج هوية توصيفها "ما ليست عليه الأنا"؛ فيصبح الداخل آمنًا ومسالمًا وخيرًا ومتفوقًا، والآخر نقيض ذلك. وبناء عليه، فلا أخلاق مقيدة لسلوك الأنا تجاهه، ولا ندم حيال إقصائه وتهميشه أو حتى إبادته. على خلاف ذلك، تتلاشى تلك التمثيلات السلبية عند الآخر "المشابه"؛ إذ تعيد السياسة الخارجية تأكيد "ما هي عليه الأنا"، عبر تمثيل الآخر على أنه جزء قريب من الذات ينبغي "أخلاقيًا" الدفاع عنه وحمايته56. في ضوء ما تقدم في هذا المبحث، يتضح أن الفصام المصطنع بين حقَلَ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، ما هو إلا نتاج أدوات منهجية حكَمت المخيال المعرفي لباحثي الحقل، نتيجة ارتباطها بإسهامات مهمة لباحثي التيار السائد، مع ذلك تقدم البنائية مدخلً مفيدًا لإمكانية التجسير بين الحقلين وإقحام الذاكرة والهويات والخطاب والسرد والأفكار في حيز التحليل، وهي الأبعاد التي غيّبتها الأسس الأنطولوجية والإبستيمولوجية لباحثي التيار السائد بوصفها ميتافيزيقية وغير قابلة للقياس، وبوابة للفوضى البحثية في الحقل. وقد ركزنا في هذا الإطار على إسهامين بنائييَن مفيدين لإقحامهما في المناقشة الآتية التي ستنظر في تفاعل الذاكرة مع الاعتذار، وتمظهرهما في السياسة الخارجية لألمانيا وتركيا.
ثانيًا: اعتذار ألمانيا وإحجام تركيا عن الاعتذار: مناقشة عامة
"لا هوية ألمانية من دون الأوشفيتز. ستظل ذكرى الهولوكست أمرًا يخص كل المواطن ني الألمان، إنها جزءٌ من تاريخ البلد."! الرئيس الألماني الأسبق يواخيم غاوك Joachim Gauck
سنكون على استعدادٍ لمواجهة تاريخنا إذا كان ثمة شيءٌ لنواجهه في المقام الأول. وعلى الجميع أن يعرف أنّ تاريخ تركيا لا يرتبط بالإبادة الجماعية. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان)-2014(،.2005 انطلاقًا من هذين الاقتباسين، يحاول هذا المبحث تقديم مناقشة عامة يُسقط من خلالها التجريدات النظرية والمفهومية الآنفة على واقع ممارسات الاعتذار واللا اعتذار الدولية57، لفهم الدوافع الكامنة خلف بقاء ألمانيا رهينة أشباح ماضيها وسياساتها الاعتذارية المحابية لإسرائيل من ناحية، وتجاوز تركيا ذكريات تهجير الأرمن وتبنّيها سياسة خارجية تقاوم الضغوط الدولية الدافعة نحو الاعتذار من ناحية أخرى.
1 - ألمانيا وإسرائيل: من العُذر إلى الاعتذار
ذكرنا في المبحث السابق إسهام مساري الذي تعامل من خلاله مع الهوية وفق منطق علائقي Relational، مركّزًا على نوعين من الغيرية Otherness: يتمثل النوع الأول في أن الآخر العدوّ الذي يعيد إنتاج هوية الذات وفق معانٍ تتناقض مع ما يمثّله من قيم ومعايير وصفات، وينتج من ذلك سلوكات غير مقيدة تجاهه، فيصير نبذه أو إبادته أمرًا ممكنًا ومسوغًا. ويتمثل الثاني في أن الآخر المشابه الذي تنخرط الذات معه في تفاعلٍ إيجابي يسلط الضوء على التشابهات بينهما، ثم يعيد تعزيز تلك التشابهات في الهوية الوطنية للذات وسردياتها وسلوكياتها، ليصبح الآخر جزءًا أصيلً منها. في ضوء ما سبق، نناقش في هذا المبحث التمثيل الألماني للآخر اليهودي/ الإسرائيلي، وقد مر بمرحلتين؛ الأولى مثلت فيها السياسة الألمانية يهودَ الداخل والخارج بوصفهم الآخر (العدو)، والثانية مثلت فيها السياسة الخارجية الإسرائيلي بوصفه الآخر (المشابه)، وجزءًا لا يتجزأ من الذات الألمانية. ونبدأ نقاش هذه الحالة بالمرور سريعًا على مسألة الهولوكست وما حام حولها من التباساتٍ أفضت إلى المبالغة في التهويل من ويلاتها. ومن ثَمّ نستعرض سريعًا مرحلية السياسة الخارجية الألمانية المحابية لإسرائيل58 والمعتذرة لها عن أخطاء ماضيها، وكيف انعكست تلك السياسة على الهوية الوطنية الألمانية التي أعيد إنتاجها لتتوافق مع الموقف الألماني المعتذر، ونختم دراسة الحالة باستعراض سريع لأهم الاستنتاجات المستقاة من التجربة الألمانية. يؤكد نورمان فينكلشتاين Norman Finkelstein في كتابه كيف صنع اليهود الهولوكوست؟ "المحرقة" أن الهولوكوست صناعة أيديولوجية. وهي كحال كثيرٍ من الأيديولوجيات وإن كانت على قدرٍ من الصلة بالواقع فإنها تتأسس على دعم مصالح سياسية واجتماعية لفئةٍ ما. ففي أعقاب أحداث عام 1967 تجلّت باكورة استغلال إسرائيل للهولوكوست في رسم صورةٍ عن نفسها تبين فيها أنها دولة ضحية؛ الأمر الذي مكّنها من ابتزاز المال الأوروبي والحفاظ على حصانة غير مسوغة أبقتها صامدة في وجه الانتقادات التي شملت ممارساتها المجحفة في حق الشعب الفلسطيني59. وأفضى اصطناع الهولوكوست وما زامنه من حياكة أكاذيب زَيّفت حقائق التاريخ، وأكدت فرادة المأساة اليهودية وتغييب معاناة الضحايا الآخرين إلى منح اليهود خصوصية نفسية وعاطفية تماشت مع هويتهم المزعومة بأنهم شعب الله المختار، وإلى حيازتهم رأسَ مال أخلاقيًا كان ولا يزال مسوغًا أساسيًا لنشأة إسرائيل ودفاعها عن نفسها واستمرارية وجودها غير الم وررع60، ولم تتوقف حدود ذلك الاصطناع على تحقيق اليهود مآرب مادية، بل تعاظم الأمر إلى حد المغالاة في مطالبة ألمانيا بتقديم اعتذار يشمل إقحام الشعب الألماني في تبلور تلك المأساة ومآلاتها. فعلى سبيل المثال، يؤكد توماس بيرغر أن الغالبية الألمانية لم تكن تشعر بالذنب حيال ما تمارسه السلطة تجاه الأقليات وخصوصًا الأقلية اليهودية، فالبروباغاندا النازية أعادت صقل الهوية الألمانية، على يدي وزير الدعاية النازية بول يوزف غوبلز Paul Joseph Goebbels على نحو تمكن فيه الخطاب النازي من رسم صورة إيجابية للجنود النازيين، وما يقترفونه في معسكرات الاعتقال، الأمر الذي شلّ قدرة الشعب على تكوين أي مقاومة خطابية أو حتى الشعور بالذنب Guilt حيال ما يُرتكب61.
ولم يتوقف الأمر عند تحميل الشعب الألماني مسؤولية تلك الممارسات بل وصل إلى حد تغييب معاناة الضحايا غير اليهود وتضخيم المعاناة اليهودية. فبالنظر في حيثيات الهولوكست التي جرت فيها الإبادة الجماعية الممنهجة ليهود أوروبا ولأقلياتٍ ألمانية خلال السنوات الست الممتدة من 1933 إلى 1939، يجادل إسحاق فرهاديان، مشددًا على معاناة اليهود، بأنه منذ صعود أدولف هتلر Hitler Adolf 1945-1933() إلى السلطة، بدأت ألمانيا تنتهج سياسة داخلية قائمة على مجموعة من القوانين العرقية التي فصلت اليهود الألمان عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بحجة اختلاف دمهم وعرقهم عن الدم الألماني الآري المتفوق62، وانتهت بمحاولات دفع اليهود الألمان إلى مغادرة ألمانيا. ولكن إبان الحرب العالمية الثانية زادت حدة الوتيرة؛ إذ ارتكب النظام الألماني النازي جرائم، قتل فيها ما يقارب ثمانين في المئة من يهود أوروبا63.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي تكبدت فيها ألمانيا خسائر فادحة64، مرّت الهوية الألمانية بعملية إعادة إنتاج، وكان لسلسلة الممارسات المعتذرة (لليهود) في السياسة الخارجية دورٌ في إعادة بناء الذاكرة الألمانية؛ ما أفضى إلى التحول السردي والتمثيلي للآخر اليهودي من عدو إلى صديق. ويؤكد ستيفن إنغرت أنها قد انطلقت من كونها أعذارًا Excuses عن الماضي إلى ممارسات اعتذار Apologies 65 حقيقية، وفقًا لمعايير الاعتذار السالف ذكرها عند مايكل ماروس66. ويقسم إنغرت تلك الممارسات إلى أربع مراحل: الأولى من عام 1945 إلى عام 1960، وتمثلت في تقديم أول مستشار لألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية كونراد أديناور Konrad Adenauer 1963-1949() ما يشبه طلب العذر حيال ارتكاب ألمانيا المجازر. وتتجلى الثانية في الركوع الشهير للمستشار الألماني ويلي براندت Willy Brandt 1974-1969() لطلب الغفران أمام نصب وارسو التذكاري لضحايا النازية في أواخر السبعينيات. وتبرز الثالثة في خطاب الرئيس الألماني ريتشارد فون فايتسكر Weizsäcker von Richard 1994-1984() في البوندستاغ في عام 1985 احتف لً بالذكرى الأربعين لنهاية الحرب الأوروبية، والذي اعترف من خلاله للمرة الأولى بتحمل ألمانيا المسؤولية السياسية والقانونية كاملةً عن جرائمها. أما المرحلة الرابعة فتتمثل في اعتذار الرئيس الألماني يوهانس راو Rau Johannes 2004-1999() في الكنيست في عام 2000 67.
فيما يتعلق بمرحلة طلب أديناور "العُذر"، فعلى خلاف ما يجادل به روبرت وينيث بأن "الدول غالبًا ما تعتذر عن أخطائها بهدف ترميم صورتها المشوهة على الصعيد الدولي"68؛ فقد كان الخطاب الألماني لا يزال مرتبكًا من جراء الكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية، ولم يُبدِ اهتمامًا بسمعة ألمانيا الدولية، وترميم الوطن المنقسم، ودفاعه المتهالك، وشعبه اللاجئ والعاطل عن العمل69؛ ما يفسر، بحسب إنغرت، الطبيعة التي تعامل بها الألمان مع ذكرى ماضيهم آنذاك، والتي ألقوا من خلالها بالمسؤولية الأخلاقية والذنب السياسي الذي أصر الحلفاء على إثارته على كاهل السلطة النازية، لأنهم رأوا أنهم تعرضوا للخداع والإساءة من جانب هتلر. وسرعان ما تلاشت تلك الثقافة المجتمعية بعد محاكمات نورمبورغ70 التي أعادت للشعب الألماني ذكريات مؤلمة حول تلك المأساة. وهي الذكريات التي تزامنت مع ضغوطٍ دولية ضيّقت الخناق على ألمانيا لدفعها إلى تقديم اعتذارٍ جماعي، إن هي أرادت فتح صفحة جديدة مع أوروبا والولايات المتحدة71، وهو ما ترتب عليه إلقاء المستشار الألماني أديناور خطابه الشهير في أيلول/ سبتمبر 1951 أمام البرلمان الألماني، قائلً: "تدرك حكومة جمهورية ألمانيا الاتحادية، ومعها الغالبية العظمى من الشعب الألماني، معاناة يهود ألمانيا التي لا مثيل لها في عصر الاشتراكية القومية. إن الغالبية العظمى من الشعب
الألماني تبغض تلك الجرائم ولم تشارك فيها[...]72، وقد عرّض العديد من الألمان أنفسهم للخطر حين استجابوا لمعتقداتهم الدينية وصوت ضميرهم، وأظهروا الاستعداد لمساعدة اليهود73. ارتُكِبت باسم الشعب الألماني جَرائمُ لا توصف؛ ما ألزمنا بتعويضٍ معنوي ومادي تجاه إسرائيل[...]، فيما يتعلق بمدى التعويضات[...]، يتعين على المرء أن يأخذ في الحسبان محدودية القدرة الألمانية التي يقع على كاهلها عبء إعانة أهالي عدد لا يحصى من ضحايا الحرب فضلً عن العناية باللاجئين والمهجرين"74. ووصفت ويندي شيرمان هذا الخطاب بأنه رفضٌ قاطع من أديناور لتقديم اعتذار أو إسناد المسؤولية إلى المواطنين الألمان، بل في واقع الأمر، كان ذلك الخطاب مدعاة للفخر الألماني75، وهو الوصف الذي يتسق مع التشكيكات التي عبّ عنها فلاديمير جانكلفتش Vladimir Jankélévitch في ستينيات القرن الماضي حيال مدى صدق ذلك الاعتذار، ويتسق أيضًا مع ما أكده إنغرت من أن رمزيات ذلك الخطاب أتت مخيبة للآمال؛ بسبب افتقارها إلى الاعتراف الجماعي بالذنب الألماني وخلوّها من المفاهيم الحقيقية للندم، مثل "الذنب" و"ارتكاب" و"مسؤولية"، فضلً عن تمييزها بين الألمان "الخيّ ين" و"القلة النازية المجرمة"؛ ما يجعل الهولوكست جريمة مقتصرة على تلك القلة76، ولا تمتد مسؤوليتها إلى عامة الشعب الألماني كما يطمح "صانعو الهولوكوست." تَبعت ذلك الخطاب محاولاتٌ فاترة من أديناور لجسّ نبض الشعب الألماني حيال تقديم تعويضات مادية لإسرائيل، إلا أن ذلك لم يجد رواجًا بين الألمان الذين رأى غالبيتهم أن تلك المساعدات غير مسوّغة، أو باهظة، أو حتى غير ضرورية. وعلى الرغم من توقيع الطرفين في عام 1952 اتفاقية لوكسمبورغ التي حصلت إسرائيل بموجبها على ما يقارب الثلاثة مليارات مارك ألماني - تُدفَع على مدار اثني عشر عامًا - وعدّها محاولة لجبر الضرر، فإنّ الذاكرة الإسرائيلية ظلّت مشحونة بمًاضي الهولوكست الذي منعها من قبول المصالحة الألمانية قبول كاملً، وقد ألمح موشيه شاريت Sharett Moshe 1955-1954() - ثاني رئيس وزراء لإسرائيل - إلى أن "اتفاقية لوكسمبورغ لا تعني تطبيع العلاقات مع ألمانيا"77. فحتى مع محاولات أديناور التقرب من إسرائيل وإرساء قواعد علاقة جديدة تتجاوز خلافات الماضي، كانت تمثيلات الآخر الإسرائيلي إبان عُذر أديناور لا تزال تحمل في طياتها بذور الشقاق، ولم تحاول السياسة الخارجية الألمانية التأثير في الهوية المحلية لصالح إسرائيل. لكن ذلك لم يستمر طويلً، فسرعان ما تحوّل "عُذر" ألمانيا إلى "اعتذارٍ" غير لفظي كان أكثر صدقًا في سبعينيات القرن الماضي، بعد أن جثا ويلي براندت على ركبتيه أمام نصب وارسو، وهي الإيماءة التي رأتها ليند واحدة من أشهر محاولات الدول للتكفير عن أخطائها78. وبالرغم من ميل سياسة براندت ناحية المصالحة مع بولندا، فإن محاولاته إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل لم تتوقف أيضًا، فكان له دورٌ مهم في تجاوز ماضي الأعذار الألمانية السابقة، لتظهر ألمانيا بذلك على أنها دولة تحاول تطهير نفسها من خطايا الماضي الذي تقبّلته، وآن الأوان ليتقبّله بقية الألمان. ومن اعتذار براندت الصامت إلى نداء ريتشارد فون فايتسكر في منتصف الثمانينيات إلى الشعب الألماني لإعادة إحياء ذكرى الهولوكست وتحمّل مسؤوليتها، بدأت ألمانيا في هذه المرحلة في مناقشة مسألة "ارتكابها" الإبادة الجماعية ليهود أوروبا على نحو علني، فضلً عن بداية الحديث عن "المسؤولية" التاريخية المستمرة للأمة حيال تلك "الفظائع"؛ ما حدا بالسلطات الألمانية إلى إعادة بناء خطاب الهوية الوطنية في إطار مواجهة الألمان ذكرى ماضيهم، فقد أشار روث ويتلينجر ومارتن لاروس إلى أن الذاكرة الألمانية الجمعية حول المحرقة كانت العامل المؤثّر الأهم في منطق المؤسسات والسياسة المحلية الألمانية، بحيث صُقل خطاب الثقافة السياسية الألمانية على نحوٍ "يواجه" فيه الألمان ذكرى المحرقة79، وبالفعل بدأ المجتمع الألماني خطواته الأولى نحو التحول إلى مجتمعٍ مأسور بذكرى ماضيه مع اليهود. في هذه المرحلة، أُنشِئت تمثيلات تجاه الآخر الإسرائيلي بوصفه آخرَ مشابهًا يخضع للمسؤولية الأخلاقية للأنا الألمانية، وذلك بعد اعترافات الرئيس الألماني فايتسكر بالمسؤولية الجماعية الألمانية تجاه ضحايا المعسكرات الذين تعرضوا للإبادة الجماعية، وبعد توجيهه الألمان إلى تقبّل ماضيهم وتحمّل مسؤوليتهم، فقد أكد أنه
لا وجود لمصالحة حقيقية دون تلك الذكرى التي بنسيانها سيبقى الألمان في عزلة80. وتُوّجت سلسلة ممارسات الاعتذار الألمانية بخطاب الرئيس الألماني يوهانس راو أمام الكنيست في مطلع هذه الألفية، والذي عبّ فيه عن الندم الشديد وطلب الغفران عمّ ارتكبه الألمان من مآسٍ، وطلب رسميًا من إسرائيل الصفح عن تلك "الجريمة" التي ستظل صورها تطارد حاضر الألمان الذين لا حياة لهم في معزلٍ عن تلك الذكرى81، ويرى إنغرت أن ذلك الخطاب المُعتذر كان قرينة على ولوج العلاقات الألمانية - الإسرائيلية منطقة المصالحة، فتحمّل ألمانيا مسؤوليتها الجماعية، إضافة إلى اعترافها بأن ما حصل هو جريمة إنسانية، ويدل استعدادها التام لجبر الضرر المادي على صدق الاعتذار الذي تزامن مع جهود سياسية لتأسيس بنية مجتمعية ملائمة لإنتاجه وإعادة إنتاجه82. وأشار لانجنباخر إلى أن الشعور بالذنب الجماعي عند الشباب الألمان بات يُطبع في سنٍ مبكرة؛ ما ينعكس على خلق هوية وطنية لم تعد ألمانيا تتناساها83، وهو ما يؤكده كل من إليزابيث هاين ومارك سيلدن اللذين ذكرا أن الكتب الدراسية والنصب التذكارية تعجّ بأمارات ذنب الألمان وتوبتهم عن جرائمهم، الأمر الذي يبني شبابًا ألمانيين لا ينفصلون عن ذكريات ماضيهم، وما تحمله من شعورٍ بالذنب والعار84. واستمرت السياسة الخارجية الألمانية في الانقياد خلف تلك الذكرى، وهو ما تجلى بوضوح في الثقافة العسكرية الألمانية التي تبنّت مبدأ "التردد حيال اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية"، تلك السياسة التي أثارت عند كاتزنشتاين تساؤلاتٍ عن سبب قبول ألمانيا القيود المفروضة على سيادتها وقدراتها العسكرية؛ فعلى الرغم من أنها قوة أوروبية مهمة اليوم، لماذا لا تتصرف ألمانيا "عسكريًا" بما يتلاءم مع ذلك؟ ولماذا قبلت أن يتم ترويضها؟ يعود جزء من ذلك إلى الذكرى الألمانية المأساوية التي هيكلت سياساتها العسكرية، وسياسات أوروبا عمومًا85، فضلً عمّ تعرضت له المدن الألمانية من دمارٍ، وما واجهه الشعب الألماني من انتهاكات مارسته قوات الحرب العالمية الثانية86. نخلص مما سبق إلى أن معايير الاعتذار الصادق عند مايكل ماروس، وإن كانت قد أكدت ضرورة تحمّل مسؤولية أخطاء الماضي، لا تعني إلقاء اللوم على الشعب الألماني أو ديمومة استحضار أخطاء الماضي مطية تعيد إنتاج خصوصية المعاناة اليهودية، وتفتح المجال أمام مواصلة إسرائيل ممارساتها المجحفة في حق الشعب الفلسطيني. وتقدّم بنائية مساري النقدية أدواتٍ مفيدة لفهم علاقة الذاكرة بالاعتذار في السياسة الخارجية، وتؤدي تلك السياسة إلى إعادة إنتاج الهوية الوطنية عبر تغيير تمثيلات الأنا تجاه الآخر، ففي الحقبة النازية صوّرت الأنا النازية الآرية بتمثيلات إيجابية راوحت بين (العرق الصافي، المتفوق، الخير)...، في حين صُوّر الآخر اليهودي على أنه مغاير "عدو" (دمه غير نقيّ، متدين، مخادع)...، ولا ضير من إقصائه وتهميشه أو إبادته. بدأت تلك التمثيلات كلها تتلاشى مع سياسة الاعتذار التي مارسها القادة الألمان، بدءًا بأعذار أديناور، مرورًا بركوع براندت، وصولً إلى خطاَبَ الاعتذار
لفايتسكر وراو. ومنذ ذلك الحين بدأ تحوّل تمثيلات إسرائيل ناحية الآخر"المشابه" الذي بات جزءًا قريبًا من الذات الألمانية، ويعيد تأكيد ما هي عليه من صفات "إيجابية"، والأهم من ذلك كله، صارت إسرائيل جزءًا من مسؤولية أخلاقية ألمانية تستلزم الدفاع عنها وحمايتها ومنحها معاملة "خاصة"، تتجلى فيها معالم التحيز والمحاباة.
2 - تركيا وأرمينيا: حاجة أنطولوجية للإحجام عن الاعتذار
تبرز معضلة الحالة التركية في التساؤل الآتي: إذا كان حُلم تركيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لتحصيل المنافع المادية والمعنوية المتأتية منه يتطلب اعتذارًا لأرمينيا بوصفه سلوكًا عقلانيًا متوقعًا، فلماذا تصُرّ تركيا على موقف الإحجام عن الاعتذار حتى في ظل غياب أيّ مكسبٍ مادي لها من ذلك؟ إنّ فهم سبب رفض تركيا تقديم اعتذارٍ عن تهجير الأرمن يقتضي إثارة الأبعاد المعيارية للبنية الدولية لفهم الكيفية التي أثّر من خلالها التفاعل الرمزي مع الغرب في الهوية السردية و"مفهوم البينذاتية" للمجتمع التركي، وتلك خطوة أولى تسبق وضع ذلك كله في إطار الأمن الأنطولوجي التركي المرتبط بالذاكرة والاعتذار. فيما يتعلق بالبعد المعياري للبنية الدولية الذي عمِل على تنشئة تركيا الحديثة اجتماعيًا Socialization، يناقش هوف مسألة التفاعلية الرمزية، ويعيب على ونْت منطقه الذي استخدمه لتفسير المواجهة الأولى بين آلتر وإيغو Alter and Ego 87، مشيرًا إلى أن غالبية الدول لا تبدأ تفاعلها الرمزي من الصفر؛ أي بمعزلٍ عن تقاليدها وقيمها ومعاييرها المحلية88. والحقيقة أننا نجد أن إسهام ونت يحمل قيمة تفسيرية مهمة لفهم التفاعل الرمزي بين تركيا الحديثة والغرب؛ إذ لا يستقيم منطق هوف بمفرده على اتجاهَي التفاعل بين الطرفين؛ فمنطق هوف الذي يدافع عن فكرة أن الدول تنخرط في التفاعل الرمزي انطلاقًا من هوياتها المحلية السردية يُعدّ ملائمًا لتفسير اتجاه واحد للعلاقة بين الطرفين (من الغرب إلى تركيا)، في حين يفسر منطق ونْت بامتياز اتجاه التفاعل الرمزي الآخر (من تركيا إلى الغرب.) فالغرب، إذًا، دخل التفاعل محمّلً بقيمه ومعاييره وتقاليده الحداثية، في حين أتت تركيا الكمالية كصفحة بيضاء جاهزة للنقش، ما يوحي بأن التفاعل الرمزي بين الطرفين قد غلب عليه منطق التنشئة الاجتماعية لتركيا. حاولت تركيا الكمالية الحديثة التخلص من السردية العثمانية القديمة التي ارتبطت أوروبيًا وغربيًا بتمثيلاتٍ وصمتها بالتقليدية والتخلف والعنف المرتبط بتهجير الأرمن، عبر إنشاء هوية تركية قومية تتماشى مع المعايير والقيم "المتقدمة" التي صاغتها الرؤية الغربية الحداثية، وأخذ مصطفى كمال أتاتورك على عاتقه صياغة استراتيجيات داخلية تنقل البنية المجتمعية وهويتها السردية من المنطق "العثماني" القديم المتعلق بالمعايير والقيم الموروثة التي تجعل الدولة العثمانية في علاقة هرمية دونية مع الغرب، إلى المنطق "التركي" الحديث الرامي للتجديد والتماثل مع الغرب. وتزامن ذلك مع تكثيفٍ للتفاعل الرمزي مع الغرب بهدف تبني تمثيلات ومن ثم إنتاجها وإعادة إنتاجها، وتتكيف هذه التمثيلات مع هويتها القومية الجديدة وصورتها بوصفها دولة- أمة Nation-state متحضرة تنبذ العنف بأشكاله جميعها، وهو ما تجلى في قول وزير العدل التركي مصطفى نجاتي Mustafa Necati في عام 1924 "إن الأمة التركية الملتزمة بسيرها في طريق اللحاق بالحضارة الحديثة، لا يمكنها تعديل تلك الحضارة وفقًا لاحتياجاتها الخاصة، بل عليها التكيف مع متطلبات هذه الحضارة مهما كانت التكلفة"89. وكان تجنب الاعتذار عن أخطاء الماضي إحدى طرائق التكيف التي ستُبقي تركيا في نادي "المتحضرين." وبهذا كان على تركيا أن تصمد أمام موجة الانتقادات والتشكيكات في مدى صدقية الصورة "المسالمة" و"المتحضرة" التي تحاول أن تظهر بها، وكان عليها الصمود أمام ضغوط الإغراء المستمرة من الاتحاد الأوروبي والتي بلغت أوجها في عام 2006 حين أقرّ أعضاء البرلمان الأوروبي بندًا يحثّ تركيا على الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، وهذا شرط لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وقد سقط هذا الشرط لاحقًا، لكنه لا يزال حتى اليوم من أبرز العقبات أمام انضمامها90. وعلى الرغم من تنامي التحديات والضغوط الدولية حافظت تركيا على موقفٍ سياسي خارجي يأبى ربط ماضيها بممارسة الإبادة تجاه طائفة عرقية ما، وهو ما تجلّ في غالبية استجاباتها التي راوحت بين إنكارٍ تامّ للإبادة والتشكيك التاريخي في صدقيتها؛ لإخراجها من دائرة السياسة والقانون إلى دائرة البحث التاريخي الذي سيؤكد لاحقًا نفيها.
فيما يتعلق بالتشكيك التاريخي في ما يُزعم أنه إبادة ممنهجة للأرمن، كان تورغوت أوزال Özal Turgut الرئيس التركي في عام 1989، أول من أكد أن "دراسة مثل هذه الأحداث يجب أن تتُرك في أيدي المؤرخين"91، وهو النهج نفسُه الذي استمر ما يقارب الثلاثة عقود، وتجلى مؤخرًا في 24 نيسان/ أبريل 2021 في تصريحات أتت في سياق تعقّد العلاقات التركية-الأميركية، وقد أدلى بها إبراهيم قالن Ibrahim Kalin المتحدث باسم الرئاسة التركية على إثر بيان الرئيس الأميركي جو بايدن Biden Joe الذي أشار فيه إلى "أن ما حدث للأرمن هو إبادة جماعية[...]في العهد العثماني"، ليكون ردّه بأن الرئيس أردوغان "دعا سابقًا إلى تكوين لجنةٍ مشتركة للتحقيق في أحداث 1915، بهدف إنقاذ قضية تاريخية من ظلال السياسة والأوساط الخبيثة [مؤكدًا أن] أولئك الذين يخشون من أن يتم الكشف عن الحقائق التاريخية بدعمٍ من الوثائق والأدلة، لم يردوا على دعوة الرئيس أردوغان"92. أما فيما يتعلق بالموقف المنكر للإبادة الجماعية في الخطاب التركي الرسمي، وعلى وجه الخصوص خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ففي فترة رئاسته للوزراء في عام 2005 صرح أردوغان بأن تركيا مستعدة "لمواجهة تاريخها إن كان هنالك شيءٌ لتواجهه في المقام الأول، وأن على الجميع أن يعرف أن تاريخ تركيا لا يرتبط بالإبادة الجماعية." وفي العام الذي يليه، ومع تجريم البرلمان الفرنسي لمسألة إنكار الإبادة الجماعية للأرمن، أشار أردوغان إلى أن "الكذبة ستظل كذبة، حتى إن أقر برلمانهم خلاف ذلك"!93. وفي عام 2009، عاب أردوغان على الرئيس باراك أوباما استخدامه كلمة إبادة جماعية، مشيرًا إلى أن "استخدامها لن يصبح ملائمًا لمجرد أن من استخدمها هو رئيس الولايات المتحدة"94. يعكس خطاب السياسة الخارجية التركية الممانع للاعتذار، أولً: هيمنة سردية محلية تناكف السرديات الهامشية المغايرة لتصورات الأتراك عن أمجاد ماضيهم البطولي؛ ففي استطلاع للرأي العام أجراه مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية في تركيا EDAM في عام 2015، تبين أن نسبة 9 في المئة فقط من الشعب التركي يريدون من الحكومة التركية أن تقبل مزاعم الإبادة الجماعية للأرمن95، تجلى ذلك الموقف مراتٍ عدة في شكل حنقٍ جسيم بين الجماعات المحلية كلما أقدم الرئيس أردوغان على خطواتٍ أكثر لينًا من ناحية أرمينيا. ومع ذلك ظل الموقف التركي ثابتًا على حقيقة أن تهجير الأرمن عاقبةٌ جيوسياسية تُفهَم ضمن سياقٍ معقد لانهيار الدولة العثمانية96. وثانيًا: ارتباط السردية المحلية أو القومية باستجابة عكسية لضغوط الدولية الرامية إلى اعتراف تركيا بالإبادة؛ إذ يرى بعضهم أن لتلك الضغوط دورًا مفصليًا في تغذية القومية التركية، معيقةً بذلك الحوار بين الطرفين97. فلماذا لا تعتذر تركيا لأرمينيا؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال في ثلاثة مستويات: الدولي، والمحلي، والأنطولوجي. أشرنا بداية إلى أن نشأة تركيا الكمالية الحديثة وانخراطها الرمزي في الساحة الدولية أتى في شكل تنشئةٍ اجتماعية للمجتمع على القيم والمعايير الغربية الحديثة؛ الأمر الذي تمثل في تحول الهوية السردية التركية من هوية عثمانية تقليدية محافظة تغلب على تمثيلاتها Representations الدولية رمزياتٌ سلبية تلمزها ب "التقليدية" و"العنف"، إلى هوية سردية تُفهَم في إطار الدولة-الأمة الحديثة التي تشاطر أقرانها الأوروبيين قيم الحداثة المسالمة والعقلانية وضبط النفس. بعد أن أ نشئت تلك الهوية وأ عيد إنتاجها محليًا عبر نسيان الهوية القديمة وذكريات ماضيها، بات الاعتذار فكرةً مقلقةً لتركيا؛ إذ إنّ علاقتها الخلافية مع أرمينيا تلبّي حاجة أمنية وجودية وتحافظ على استقرار سرديتها، وبخرقها ستعود تمثيلات تركيا دوليًا إلى المربع الذي تهابه، وهو مربع ما قبل بداية عملية التنشئة الاجتماعية، والذي سيفضي حتمً إلى دخولها في حالة من التنافر الأنطولوجي الناجم عن الاختلاف بين رمزيات البيئة الدولية تجاه تركيا وتصوراتها عن ذاتها. بمعنى آخر، تعتقد تركيا أن الاعتذار يعني عودة رمزيات البربرية التقليدية والعنف والتخلف. وهو واقع يخالف سرديتها عن ذاتها بصفتها دولة قومية حديثة مسالمة، ما سينجم عنه قلق وجودي يغذيه تعطّل الروتين الذي يشكّل هوية سردية للمجتمع التركي، تنتج سياسة دولته الخارجية وتعيد إنتاجها.
وهو ما يعني أن التكاليف النفسية لاعتذار تركيا باهظة؛ إذ حين تقرر الاعتذار ستُحْدث صدمة هوياتية مجتمعية تمزق سرديتها الروتينية التي تفهم نفسها من خلالها، ما سيخلق ذاتًا مفعمة باللايقين الإدراكي، مفتقرة إلى تماسكها الزمني والغائي والأنطولوجي.
خاتمة
عالجت هذه الدراسة إشكالية النظر في مظاهر التفاعل بين الذاكرة والاعتذار في السياسة الخارجية من منطلقات تهدف إلى جسر الهوة بين حقلي العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية، مفترضةً أن التنقيب في الأبعاد النظرية لمفاهيم على غرار الهوية السردية، والأمن الأنطولوجي، والتمثلات الخطابية، كفيلٌ بتقديم مداخل مهمة لفهم التفاعل بين الذاكرة والهوية في السياسة الخارجية. ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة: أهمية تفحص الأسس المنهجية السائدة في حقل العلاقات الدولية، فقد مثل الشرخ الذي أحدثته مستويات سينغر التحليلية بين حقَلَ العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية عقبة أمام جهود جسر الهوة بينهما، الساعية للبحث في مظاهر التفاعل بين الذاكرة والاعتذار في السياسة الخارجية. أهمية المقاربة البنائية الممارساتية، أو "البنائية المجتمعية"، لتيد هوف؛ فهي مدخل مفيد في دراسة التفاعل بين الذاكرة والاعتذار وفق منطق من أسفل إلى أعلى، وتثير تلك المقاربة مفهوم الهوية السردية المجتمعية بوصفها عادات روتينية مستمرة في الذاكرة المعيشة أو "الذاكرة الحاضرة"، وللحفاظ على اتساق تلك الهوية واستمراريتها قد تضطر الدول أحيانًا إلى الإحجام عن الاعتذار تجنبًا لتشكل أي فجوات في الذاكرة، فكسر العادات عبر اعتراف الدول بما قد يناقض الذاكرة الحاضرة لا يخلو من تكاليف باهظة، وقد يعني ولوج الدولة في حالة من اللا أمن الأنطولوجي الذي يهدد تماسك الهوية المجتمعية المرشدة لتفاعلات السياسة الخارجية واستمرارها. وبسبب ما ترتكز عليه تلك المقاربة من مفاهيم على غرار الروتين والاستمرارية يصبح في الإمكان وصفها بالمقاربة التفسيرية لثبات الهويات والمواقف الخارجية واستقرارها. أهمية المقاربة "البنائية النقدية" للمنظّر نزار مساري؛ إذ تعد مدخلً مهمً لدراسة التفاعل بين الذاكرة والاعتذار وفق منطق نقدي من أعلى إلى أسفل، بحيث تكون السياسة الخارجية أداة منتجة للهوية الوطنية، عبر تلاعب صناع القرار بمحتوى التمثيلات الخطابية للآخر الذي يُحتمل أن يكون عدوًا أو مشابهًا للأنا. في هذه المقاربة، يمكن النظر إلى الذاكرة على أنها إحدى الأدوات التي يشكّلها صناع القرار في السياسة الخارجية، ويعيدون من خلالها تشكيل الهوية الوطنية عبر خلق فجوات في الذاكرة، والإحجام عن الاعتذار، وإعادة إنتاج الآخر بوصفه عدوًا للذات، لا ندم حيال إقصائه أو إبادته؛ ما يعيد إنتاج الذات نفسها وفق منطق هوياتي علائقي يكون فيه الآخر مغايرًا لكل ما تمثّله الأنا، أو قد يحرص صناع القرار على تذكّر الماضي كما هو والاعتذار عن خطاياه، وإعادة إنتاج الآخر بوصفه جزءًا أصيلً من الذات، وهذا يعيد إنتاج الذات نفسها على نحوٍ يعزز تشابهها مع الآخر. وهكذا تتماشى مواقف السياسة الخارجية "المعتذرة" أو "المحجمة عن الاعتذار" مع ما تحرص الدولة على أن يتذكره المجتمع حيال تمثّل الآخر وحيال معنى الذات. وفي حين تتموضع مقاربة هوف في نطاق التنظير لثبات الهوية والمواقف الخارجية واستقرارها، تفتح نسخة مساري الباب أمام إمكانية التلاعب السلطوي بالتمثيلات الخطابية والذاكرة؛ ما يجعلها أقرب إلى منطق التحول والتغيير. ولأن منطق عمل تلك المقاربة كما أسلفنا هو من أعلى إلى أسفل، فإن دوافع التلاعب السلطوي بالذاكرة والخطاب مبعثها الضغوط المعيارية التي يقدمها المجتمع الدولي للفاعلين الساعين للحفاظ على سردية متسقة عن الذات كما في حالة تركيا. وعندما نمعن النظر في المسألة نجد أن بعض الدول لا تتعرض للضغوط المعيارية والمادية نفسها التي تتعرض لها تركيا حيال مسألة اعتذارها عن إبادة الأرمن، ومن بين تلك الدول إسرائيل وممارساتها اللاإنسانية في حق الشعب الفلسطيني ماضيًا وحاضرًا. كذلك هو الحال فيما يتعلق بفرنسا وماضيها الكولونيالي في الجزائر، وهو الأمر الذي يستدعي من الناحيتين العلمية والقيمية مزيدًا من البحث.
References المراجع
العربية
تبين. عدد خاص "من 'الذاكرة' إلى 'دراسات الذاكرة' مقاربات عربية بينتخصصية." مج 9. العدد 33 (صيف.)2020 حمشي، محمد. "النقاش الخامس في حقل العلاقات الدولية: نحو إقحام نظرية التعقد داخل الحقل." أطروحة دكتوراه. جامعة باتنة 1 الحاج لخضر. باتنة، الجزائر،.2017 ________. "مدرسة باريس للدراسات الأمنية وإشكالية مستوى السياسة الدولية. العدد التحليل في العلاقات الدولية." 212 (نيسان/ أبريل.)2018 ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2009 ساركين، جيريمي. "لماذا ينبغي مفهمة العدالة الانتقالية في البلدان سياسات عربية. مج العربية نظريًا وتجريبيًا؟." 8. العدد 47 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2020 فنكلشتاين، نورمان. كيف صنع اليهود الهولوكوست؟! "المحرقة". ترجمة ماري شهرستان. ط 3. دمشق: صفحات للدراسات والنشر،.2012 هالبفاكس، موريس. الذاكرة الجمعية. ترجمة نسرين الزهر. دمشق/ بيروت: بيت المواطن للنشر والتوزيع،.2016
الأجنبية
Açar, Dilaver Arıkan & İnan Rüma. "External Pressure and Turkish Discourse on 'Recognition of the Armenian Genocide'1." Southeast European and Black Sea Studies. vol. 7, no. 3 (2007). Amstutz, Mark R. The Healing of Nations: The Promise and Limits of Political Forgiveness. Lanham, MD: Rowman & Littlefield Publishers, 2005. Austin, John L. (ed.). How to Do Things with Words. Oxford/ New York: Harvard University Press, 1962. Aybak, Tunç. "Geopolitics of Denial: Turkish State's 'Armenian Problem'." Journal of Balkan and Near Eastern Studies. vol. 18, no. 2 (December 2016). Bagdonas, Ą žuolas. "The Practice of State Apologies: The Role of Demands for Historical Apologies." PhD. Dissertation. Central European University. Budapest, 2010. Bell, Duncan. Memory, Trauma and World Politics: Reflections on the Relationship between Past and Present. Houndmills: Palgrave Macmillan, 2006. Berger, Thomas U. "Sorry States in a Sorry World: Beyond German Exceptionalism." Journal of East Asian Studies. vol. 9, no. 3 (2009). _______. War, Guilt, and World Politics After World War II. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Coicaud, Jean-Marc. "Apology: A Small Yet Important Part of Justice." Japanese Journal of Political Science. vol. 10, no. 1 (2009). Daase, Christopher et al. (eds.). Apology and Reconciliation in International Relations the Importance of Being Sorry. London: Routledge, 2016. Edkins, Jenny. Trauma and the Memory of Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. Engert, Stefan. "A Case Study in 'Atonement': Adenauer's Holocaust Apology." Israel Journal of Foreign Affairs. vol 4, no. 3 (2010). Farhadian, Isaac. "Anti-Semitism in Nazi Germany." Thresholds. Conference, Honors Senior Journal of the CSU Stanislaus (May 2009). at: https://bit.ly/3fm7gV0 Finnemore, Martha. National Interests in International Society. Ithaca: Cornell University Press, 1996. Giddens, Anthony. Modernity and Self-Identity. Cambridge: Polity Press, 1991. Halbwachs, Maurice. On Collective Memory. Chicago: University of Chicago Press, 1992. Hein, Laura Elizabeth & Mark Selden (eds.). Censoring History: Citizenship and Memory in Japan,
Germany, and the United States. Armonk/ London: Routledge, 2016. Hopf, Ted. Reconstructing the Cold War: The Early Years, 1945-1958. New York: Oxford University Press, 2014. _______. Social Construction of International Politics: Identities & Foreign Policies, Moscow, 1955 and 1999. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2002. Hudson, Valerie M. "Foreign Policy Decision-Making: A Touchstone for International Relations Theory in the Twenty-first Century." Foreign Policy 1/20/2002. at: (Revisited). Decision-Making https://bit.ly/3bRsl7B Iheonu, Jean-Allens, Frank-Collins Okafor & Raphael Eze. "Realism and Apology Diplomacy in the Conduct of International Relations: A Study of Hiroshima and Nagasaki." IOSR Journal of Humanities and Social Science. vol. 25, no. 8 (August 2020). Jones, Shannon. "Apology Diplomacy: Justice for All?" Netherlands Institute of International Relations 'Clingendael' " (September 2011). at: https://bit.ly/3oM6qnw Katzenstein, Peter J. Tamed Power: Germany in Europe. Ithaca, New York: Cornell University Press, 1997. Keohane, Robert O. After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1984. Kubálková , Vendulka (ed.). Foreign Policy in a Constructed World. Abingdon: Routledge, 2002. Kubálková , Vendulka, Nicholas Onuf & Paul Kower (eds.). International Relations in a Constructed World. London: Routledge, 2015. Langenbacher, Eric, Yossi Shain (eds.). Power and the Past: Collective Memory and International Relations. Washington, DC: Georgetown University Press, 2010. Langenbacher, Eric. "Changing Memory Regimes in Contemporary Germany?" German Politics and Society. vol. 21, no. 2 (January 2003). Lind, Jennifer M. Sorry States: Apologies in International Politics. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2010. Lupovici, Amir. "Ontological Dissonance, Clashing Identities, and Israel's Unilateral Steps towards the Palestinians." Review of International Studies. vol. 38, no. 4 (December 2011). Marrus, Michael R. "Official Apologies and the Quest for Historical Justice." Journal of Human Rights. vol. 6, no. 1 (2007). Mitzen, Jennifer. "Ontological Security in World Politics: State Identity and the Security Dilemma." European Journal of International Relations. vol. 12, no. 3 (2006). Nora, Pierre. "Between Memory and History: Les lieux de mémoire." Representations. vol. 26 (1989). at: https://bit.ly/3fMJ50D Orwell, George. Nineteen Eighty-Four. New York: Harcourt, Brace and Company, 1949. Sherman, Ambassador Wendy R. "On Political Forgiveness: Some Preliminary Reflections." Policy Brief. Belfer Center for Science and International Affairs. at: https://bit.ly/34fAVsn Singer, David. "The Level-of-Analysis Problem in International Relations." World Politics. vol. 14, no. 1 (1961). Stolper, Wolfgang & Karl Roskamp. "Planning a Free Economy: Germany 1945-1960." Journal of Institutional and Theoretical Economics 2012(). Tavuchis, Nicholas. Mea Culpa: A Sociology of Apology and Reconciliation. Stanford, CA: Stanford University Press, 2002.
Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Long Grove, IL: Waveland Press, 1979. Wendt, Alexander. Social Theory of International Politics. Cambridge: University Press, 1999. Weyeneth, Robert R. "The Power of Apology and the Process of Historical Reconciliation." The Public Historian. vol. 23, no. 3 (Summer 2001). Wittlinger, Ruth & Martin Larose. "No Future for Germany's Past? Collective Memory and German Foreign Policy." German Politics. vol. 16, no. 4 Zarakol, Ay ş e. "Ontological (In)Security and State Denial of Historical Crimes: Turkey and Japan." International Relations. vol. 24, no. 1 (2010).