الحراك الجزائري: سرديات وسرديات مضادة
الملخّص
نُشر العديد من الأدبيات، خاصة بالفرنسية، حول الحراك الشعبي في الجزائر. ولمواصلة النقاش وتجديده وتعميقه حول هذا الحدث التاريخي بمناسبة ذكراه الثالثة، تكرس له سياسات عربية عددًا خاصًا تبحث فيه في بعض الإشكاليات المركزية التي أثارها/ يثيرها. يستند هذا العدد إلى فكرة أساسية فحواها أن هذا الأخير كان مسرحًا لصراع سرديات وسرديات مضادة، والتي ترمي المقالات التي تضمّ نها إلى تحليلها وتفكيكها لتفسير وفهم المعاني والتأويلات البينذاتية التي تقوم عليها والرهانات السياسية الكامنة وراءها، من خلال مقاربات مختلفة لكنها متكاملة. يتضمن هذا العدد الخاص خمس دراسات. تبحث الأولى في تحولات ومعض تاا سياسة الجزائر الأمنية في سياق إقليمي مضطرب وحراك داخلي، وتحلل الثانية توظيف التاريخ والهوية في خضم الحراك، وتعالج الثالثة موضوع الاقتصاد السياسي للانتقال الديمقراطي، وتناقش الرابعة دور العامل الخارجي، أما الخامسة والأخيرة، وهي دراسة مترجمة، فتبحث في الحراك الجزائري في المهجر وتحديدًا بفرنسا. كلمات مفتاحية: الحراك الجزائري، الربيع العربي، الهوية، صراع السرديات، الانتقال الديمقراطي، العامل الخارجي. Several articles have appeared about the popular Hirak in Algeria, mainly in French. On the occasion of the third anniversary of Hirak , Siyasat Arabiya dedicates a special issue to it, in which some of the most important themes of Hirak are discussed. This issue is based on the fundamental idea that Hirak was the scene of a conflict of narratives and counter-narratives. The contributions in the special issue aim to analyse and deconstruct these narratives in order to explain and understand their underlying meanings and political stakes through different but integrated approaches. This special issue contains five contributions. The first examines the changes and dilemmas of Algerian security politics in a turbulent regional context and internal mobility; the second analyses the meaning of history and identity in the midst of movement; the third addresses the question of the political economy of democratic transition; the fourth discusses the role of external factors; and the fifth and final contribution, which is a translation, examines the Algerian Hirak abroad, particularly in France. Keywords: Algerian Hirak , Arab Spring, Identity, Contending Narratives, Democratic Transition, External Factor.
The Algerian Hirak: Narratives and Counter Narratives
تقديم
صدر العديد من الأدبيات، لا سيما بالفرنسية، التي تتناول الحراك الشعبي في الجزائر، من زوايا ومنظورات مختلفة، ومتكاملة في بعض الأحيان، حيث تعددت مداخلها (السياسية، والسوسيولوجية والاقتصادية والتاريخية والثقافية) بتعدد اهتمامات الكتَّاب البحثية وخلفياتهم الأكاديمية، بيد أن بعض هذه الأدبيات استعجل الأمر بعض الشيء لأنه نشُر في أوج الحراك بل حتى في بداياته الأولى، فأول عدد خاص لدورية فرنسية يُنشر حول الحراك صدر في حزيران/ يونيو 2019 1، أي أقل من خمسة أشهر على اندلاعه في 22 شباط/ فبراير 2019، بينما صدر بعضها الآخر أثناءه وبعد توقفه2. وهذا التسرع الأكاديمي، أو حتى "السبق الأكاديمي"، لفهم هذه الظاهرة الفريدة من نوعها في تاريخ الجزائر، وهو تسرّع يمكن تفهّمه، لم يسمح بتقديم تلك الأدبيات الأولى قراءة متكاملة للظاهرة لأنها كانت حينها قيد التشكل، حتى وإن كانت دراساتها الميدانية، وهي قليلة جدًا، تقدّم صورة مرجعية لتحليل الحراك، في سياق ووقت محددَين، حيث تسمح بمقارنتها بما يحدث فيما بعد لفهم محددات مساره. وبهذا الخصوص تقول فاطمة أوصديق إن تحليل حالة أو فعل اجتماعي قيد الحدوث يكون دائمًا محفوفًا بالمخاطر بالنسبة إلى الباحثين، ما يتطلب الحذر تجنبًا للانسياق وراء التفسيرات القائمة على تقدير فوري لعلاقات القوة كما هي، أي بالشكل الذي يمكننا رؤيتها، في اللحظة، أو بالشكل الذي تُتاح فيه لنا رؤيتها. ومع ذلك، تضيف أوصديق، يمكن اقتراح قراءة للحدث الاجتماعي (الحراك)3. ليس الغرض من هذا التذكير المفاضلة بين ما يمكن أن نسميه الأدبيات المبكرة (تمهيدية، استهلالية، استكشافية) والأدبيات المتأخرة أو المتأنية (تحليلية معمقة) – فالأولى تفتح النقاش العلمي حول الحدث بينما تدقق وتتعمق فيه الثانية أكثر – وإنما التأكيد على أن دراسة الظواهر وفهمها يكونان أعمق ونتائجهما أكثر وجاهة كلَمّا ابتعدنا عن السياق الحدثي (نقطة الانطلاق) وأخذنا المسافة الزمنية الكافية. فمثلًالأدبيات التي نشُرت في الأشهر الأخيرة من الحراك وبعد توقفه استفادت من المدة الزمنية لبناء نماذج تحليلية تسهم أكثر في فهم الظاهرة. بالطبع ليست هذه حالة نادرة بل هي القاعدة في تعامل الأدبيات الأكاديمية مع الأحداث المستجدة ومحاولة فهمها وتفسيرها في مرحلة ميلادها العسير والمعقد بل والمستعصى على الفهم لطبيعتها، لا سيما الفجائية، ولعدم اتضاح معالمها بعد. حسبنا أن الوقت الذي يفصلنا عن تاريخ بداية الحراك في الجزائر (شباط/ فبراير 2019) وتاريخ توقفه (آذار/ مارس 2020)، من تلقاء نفسه بفعل جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) – قبل أن تقرر السلطة منعه باشتراط حصول ترخيص رسمي مسبق للتظاهر من وزارة الداخلية ما يعني عمليًا حظره –كفيل بأن يسمح لنا بتقديم قراءة رصينة لهذا الحدث التاريخي. وهذا ما يطمح إليه هذا العدد الخاص من سياسات عربية دون أن يزعم تدارك كل النقائص في الأدبيات أو الزوايا الميتة (تحليليًا) في هذه الحركة الاحتجاجية العارمة أو اقتراح إجابات حاسمة للإشكاليات المطروحة بشأنها. تقدم الدراسات التي يتضمنها قراءة معمقة للحراك الجزائري بعد مرور ذكراه الثالثة بأشهر معدودة محاولةً فهم سياقه (المحلي والخارجي) وحيثياته، وقضاياه التعبوية، ومساره وفواعله ودينامياته وعلاقته بالسلطة. نودّ، قبل العرض المقتضب لمضامين مقالات هذا العدد، الوقوف عند مسائل تحليلية نراها مهمة في فهم تموقع الحراك بالعلاقة مع السياق الاحتجاجي الإقليمي وتعامل السلطة معه وصراع التمثلات والخطابات والسرديات. وبما أن الحيز لا يتسع للخوض في هذه المسائل بعمق وعلى نحو موسع، نكتفي بثلاثة عناصر كفيلة، على جزئيتها وانتقائيتها، بالمساعدة في فهم العلاقة بين الحراك والسلطة وصراع السرديات والسرديات المضادة وما تحتويه من معانٍ وتأويلات بينذاتية؛ صراع يدور بالأساس حول (نزع) الشرعنة.
أولا: ثلاث ملاحظات حول الحراك
1. سياق الحراك دوليًا ومحليًا
يأتي الحراك الجزائري في سياق احتجاجي في الجنوب الكبير Global South (آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية)4 بما في ذلك المنطقة العربية التي عرفت موجتين، الأولى في عام 2011 5 والثانية
في عام 2019 6، وبينهما حراك الريف في عام 2016 في المغرب7. أما محليًا فلم يأت من عدم بل هو امتداد لحركات احتجاجية على مدار عقود من الزمن، وإن كانت متقطعة ومحدودة جغرافيًا وتحمل نادرًا مطالب شاملة8، وأهمها تلك التي حدثت في منطقة القبائل في عام 1981، وفي قسنطينة وسطيف شرق البلاد في عام 1986، وفي الجزائر العاصمة في عام 1988، وفي منطقة القبائل في عام 2001، وفي منطقة الأوراس في عام 2004، فضلً عن الاحتجاجات الطائفية البعد في غرداية بمنطقة مزاب جنوب البلاد في المدة -2013 2015، والاحتجاجات على الغاز الصخري في جنوب البلاد أيضًا في عام 2015، وغير ذلك. بيد أن هذه الاحتجاجات لم تتخذ قط بعدًا وطنيًا، وحتى تلك التي رفعت مطالب مشتركة بقيت محصورة في المنطقة الجغرافية التي اندلعت فيها، دون الامتداد إلى بقية أرجاء الوطن9. وتخلل بعضها أعمال عنف وتخريب للممتلكات العمومية والخاصة وخاصة وقوع ضحايا، إلى أن جاء الحراك ليحدث نقلة نوعية في الفعل الاحتجاجي في الجزائر على ثلاثة صعد: السلمية؛ والبعد الوطني؛ وشمولية المطالب. وهذا ما يميز الحراك من الحركات الاحتجاجية؛ فهو وطني البعد وشامل المطالب من حيث المضمون (سياسية واقتصادية واجتماعية) قاده الشعب وليس فئة اجتماعية أو مهنية أو منطقة جغرافية معينة كما كان الحال في السابق، فالحراك رفع سقف المطالب إلى حد المطالبة برحيل النظام رافعًا شعار "ليرحلوا جميعًا." ويمكن حصر السمات الأساسية للحراك في الجزائر في: السلمية10، والمطلب الديمقراطي، وإشكالية التمثيل/ الزعامة11، والطبيعة السوسيولوجية العابرة للأجيال، وتملك ownership التاريخ والهوية وإعادة بناء السردية الوطنية12، ورفض أيّ تدخل خارجي
في شؤون البلاد الداخلية13، ورفض أيّ توظيف سياسي للحراك من قبل السلطة والمعارضة. 2. الحراك في مواجهة خطاب أمننة "الربيع العربي:" المسكوت عنه/ اللامفكر فيه يعدّ الخوف أداة أساسية تلجأ إليها السلطة، بغض النظر عن السياق والبلد، وقد بينت مختلف الأدبيات توظيفه لأغراض سياسية14، لا سيما لما يُربط بالإرهاب15. وينطبق الأمر على السلطة الجزائرية التي تبنّت خطاب أمننة16 "الربيع العربي" والمبني على استراتيجية التخويف التي تقوم على ثلاثة هواجس، لكبح جماح التعبئة الشعبية بعد الفشل في إيقافها. يتمثل الهاجس الأول في "العشرية السوداء" (أزمة العنف الداخلي في تسعينيات القرن الماضي) بالتذكير بها والتحذير من عودة مآسيها بتحول المظاهرات إلى عنف، بيد أنه بقي من دون مفعول يذكر، بالنظر إلى الطبيعة السلمية للحراك17؛ حيث حيَّدت سلميته خطاب الخوف وبددت المخاوف من الانزلاق الأمني. تمثل الهاجس الثاني في تسلل جماعات إرهابية في صفوف المتظاهرين واستغلال المظاهرات لارتكاب عمليات تفجيرية. أما الثالث فتمثل في "الربيع العربي" في نسخته المجهضة، لا سيما في سورية وليبيا. كان أحمد أويحيى18، الوزير الأول آنذاك، أول من أشهر هاجَس "العشرية السوداء" و"الربيع العربي"، وبالتحديد الوضع في سورية، في وجه المتظاهرين، في 28 شباط/ فبراير 2019، أي بعد ستة أيام فقط من بداية الحراك، في كلمة أمام البرلمان ما أثار سخط أحزاب المعارضة، حيث ذكَّر "بإضراب 1991" (الذي قادته الجبهة الإسلامية حينها) وبالحالة السورية، مشككًا في سلمية الحراك، قائلً: "المسيرات في سورية بدأت بالورود وانتهت بالدماء"19. تسبب هاجس "الربيع العربي"20 الذي وظفته السلطة في معركة خطابية بينها وبين الحراك، حيث سعى فيها هذا الأخير إلى تمييز نفسه من أحداث "الربيع العربي" مقدمًا سردية تجعل منه حالة استثنائية لا تمتّ بصلة لهذه الأحداث. وهذا تناقض في المفردات والمدركات لأن الاسم الذي اتخذه الاحتجاج الشعبي لنفسه، أي الحراك، مأخوذ من بيئته الإقليمية، فهو استعاره عن الحراك الجنوبي في اليمن في عام 2009، حيث استخدمت هذه المفردة أول مرة، وأيضًا من جواره الأقرب، من حراك الريف في المغرب في عام 2016 21. والملاحظ، بهذا الخصوص، أنه من النادر أن تسعى حركات احتجاجية عارمة إلى الانسلاخ عن سياقها الإقليمي، والتميز من التجارب في بيئتها الإقليمية، بل حتى التغاضي عنها وحجب الرؤية عنها، إلى درجة أن "الربيع العربي" صار من قبيل "المسكوت عنه" بتعبير محمد عابد الجابري22، أو "اللامفكر فيه" بتعبير محمد أركون23، وهما مفهومان يعبّ ان عمّ جرى تجاهله واستبعاده عمدًا من السردية الفكرية والدينية والتاريخية الإسلامية عمومًا، لأسباب سياسية وأيديولوجية. بيد أن "اللامفكر فيه" فُرض
على الحراك، وهو دلالة على موقف دفاعي. فلمواجهة استراتيجية السلطة القائمة على التخويف المزدوج، من "الربيع العربي" ومن أزمة التسعينيات (سنوات الإرهاب الواسع النطاق) من القرن الماضي، أو ما يسمى في الخطاب الرسمي وفي النصوص القانونية ب "المأساة الوطنية"24، تبنّى المتظاهرون أيضًا استراتيجية مزدوجة. فمن جهة اختاروا تعبئة سلمية وأصروا عليها للطمأنة ضد أي انزلاق نحو العنف ليقطعوا بذلك الطريق أمام أيّ محاولة لشرعنة القمع. ومن جهة ثانية، عملوا على تمييز حراكهم من انتفاضات "الربيع العربي"، بموجتيه الأولى والثانية، للتأكيد على الطابع الفريد لحراكهم وعلى أصالته الجزائرية. وهنا، نلاحظ مدى تأثير الثقافة السياسية والمخيال الأمني25: المتظاهرون مثلهم مثل النخبتين الحاكمة والمعارضة يتغذون من الثقافة السياسية الوطنية ذاتها التي صقلتها الثورة التحريرية. هكذا تبنّى الحراك خطابًا وطنيًا، لا تختلف نبرته ومفرداته عن خطاب السلطة، للرد على هذه الأخيرة حول مسألتين أساسيتين في صراعهما حول الشرعنة/ نزع الشرعنة، وهما رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدولة من جهة، والخارج بوصفه تهديدًا من جهة أخرى. يتعين الإشارة هنا إلى أن السردية الرسمية حول الخارج بوصفه تهديدًا، والمبني اجتماعيًا، لها تبعات لأن من يُتهم بالتواطؤ معه يُتهم بالمساس بالأمن الوطني (منطق التخوين.) وهذه السردية هي أيضًا ما يسمح ببناء خطاب حول تعاضد "عدو الخارج" و"عدو الداخل"26. ومن ثم فالاستبعاد/ الابتعاد عن تجارب الانتفاضات الشعبية العربية لعام 2011، يهدف بالأساس، إلى تفنيد مقارنة السلطة الحراك الجزائري بالحالات السورية والليبية والمصرية؛ وذلك لإثارة "فزاعة" الحرب الأهلية27وانهيار الدولة. برفضهم هذا التشبيه وهاجس "العشرية السوداء"28، عَّبَّ المتظاهرون عن عزمهم عدم الاستسلام للخوف، وعن رفضهم تشبيه احتجاجهم بهذه الحالات29. في المقابل، أجروا تشبيهًا مع الحالة المصرية ولكن وفق منطق مغاير تمامًا، مفاده أن حراكهم يجب ألّ يقود إلى حكم عسكري، وهذا ما عبروا عنه بترديد شعار "دولة مدنية وليس دولة عسكرية." ومن ثم، فتمييز الحراك من التجارب المُجهَضة ل "الربيع العربي"، في مصر وليبيا وسورية، بالتأكيد على سلميته، كان في الوقت نفسه ردًا على خطاب التخويف السلطوي (نسبة إلى السلطة) واستراتيجية لوضع الحراك في منأى عن أي انزلاق داخلي نحو العنف قد تبرر السلطة قمعه. وهذا ما يفسر الغياب التام لأي إحالة أو إشارة إلى "الربيع العربي" في خطاب متظاهري الحراك وشعاراتهم. من هذا المنظور، يمكن القول إن السلطة حددت، على نحوٍ ما، الحقل المعجمي للحراك: "الربيع العربي" مسكوت عنه/ لامفكر فيه. بسعيهم لإظهار تفرّد تعبئتهم واستثنائيتها في المنطقة العربية، أثار المتظاهرون في الحراك مشاعر الوطنية سعيًا أيضًا لمواجهة التخوين الذي يتعرضون له من قبل السلطة.
3. جدلية الاستلاب والاسترداد: الحراك وإعادة بناء السردية الوطنية والهوية
تميز الحراك الجزائري بما يمكن أن نسميه بنوع من جدلية الاستلاب والاسترداد. يتمثل الأول في سعي المتظاهرين إلى استرداد الشرعية الثورية باعتبار الثورة التحريرية شعبية بامتياز واستذكار رموز الثورة المعترف بهم في السردية التاريخية الرسمية والمهمشين أيضًا في هذه السردية، حيث دخل الحراك في معركة سرديات وسرديات مضادة لتملك ما اعتبره مستلبًا من قبل السلطة منذ الاستقلال محاولً بناء سردية وطنية جديدة30 للمسائل المركزية وبالتحديد التاريخ والهوية. بيد أن السلطة سرعان ما أطلقت عملية استلاب أخرى تخص هذه المرة الحراك نفسه، من خلال دسترته، بموجب التعديل الدستوري في
الفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 31. هدفت من هذه الدسترة إلى تحقيق غرضين سياسيين على الأقل. أولهما إفراغ الحراك من محتواه بدعوى أنه حقق مطالبه، ومن هنا، فقد المبرر السياسي لوجوده واستمراره. وثانيهما "تأميم" الحراك بحيث يصير ممنوعًا على الذين قاموا به و/ أو يقولون بالانتماء إليه بوصفه يحمل مشروعًا سياسيًا بديلً للسلطة القائمة. ومن ثم، يخرج الحراك من دائرته الاحتجاجية المطلبية الأصلية ليدخل الدائرة الدستورية وليُستلب من أصحابه، إن هم واصلوا احتجاجهم أو المناداة به ورفض أجندة السلطة. وهنا بيت القصيد من استخدام مفردة الأصيل في الخطاب السياسي وفي الدستور: الحراك الأصيل حقق أهدافه وانتهى بإجراء الانتخابات الرئاسية في كانون الأول/ ديسمبر 2019. وبناء عليه، فمن يدعي الانتماء إليه أو تمثيله بعد هذا التاريخ فهو مغتصب ومبتز وستكون له الدولة بالمرصاد حماية للحراك. وهكذا، لم يعد فواعل الحراك الذين يريدون مواصلة التظاهر أهلً ب "الحراك المبارك والأصيل" بحسب القاموس السياسي الرسمي. يعني هذا أن السلطة تختزل الحراك في مطلبه الأصلي المحدود (رفض العهدة الخامسة لبوتفليقة) متجاهلة تمامًا المطالب الجوهرية التي رفعها فيما بعد. وبناء عليه، فمن منظور السلطة يتعين حماية الدولة للحراك عرفانًا له لما قدّمه لها (أي الدولة.) تعني هذه السردية استلابًا للحراك من الذين قاموا به حماية له منهم: الحراك أنقذ الدولة وآن الأوان لها لحمايته. وهذا ما عبر عنه الرئيس عبد المجيد تبون في أكثر من مناسبة. ففي حوار مع قناة الجزيرة، في 8 حزيران/ يونيو 2021، أكد أن "الحراك المبارك والأصيل أنقذ الجزائر من كارثة حقيقية" ودولة الجزائر من "التقهقر" بل "والذوبان." يشبه هذا التعامل مع الحراك باستلابه من فواعله الكيفية التي احتكرت بها الشرعية الثورية (ويعاد إنتاجها)، في حين أن الثورة كانت شعبية. لجدلية الاستلاب والاسترداد علاقة وثيقة بمسألة الشرعية، فبالنظر إلى طبيعته وشعاراته وضع الحرك نمط شرعنة السلطة في الجزائر على المحك مراجعًا أسسها، بينما يعمل الحكام على الحفاظ على الوضع القائم. حيث عمل المتظاهرون على إدخال الماضي (الثوري) في حاضر الاحتجاجات. فكما يلاحظ سليم شنة، فإن "التعبئة تعبر التاريخ من خلال تملك الحركة الوطنية، من جهة، وإرادتها (إعادة) بناء الأمة من جهة أخرى"32. فالحراك يستدعي التاريخ ويوظفه من الأسفل من خلال لافتاته وشعاراته33. فهو ارتبط منذ البداية بمسألة التاريخ الذي يستدعيه لتملكه34، باسترداده. الملاحظ أنّ كل الإحالات المرجعية، منذ بداية الحراك، الأكثر انتظامًا كانت للثورة التحريرية ولسجلّ شهدائها، وذلك لمنازعة السلطة بل ولرفع وصايتها على الذاكرة والتاريخ: انعتاق التاريخ من وضع الحقل السيادي الذي فرضته عليه السلطة منذ الاستقلال35. حتى وإن كانت الإحالة إلى التاريخ ليست متجانسة36 بالنظر إلى طبيعة الحراك التعددية، يبقى أن هذه الإحالة تسائل الشرعية التاريخية/ الثورية وتضع احتكار السلطة لها على المحكّ، ومن ثم فالحراك منخرط في دينامية مزدوجة لتملك التاريخ. تتمثل من جهة في الطعن في الشرعية التاريخية/ الثورية للحكَّام، دون وضع هذه الشرعية ذاتها على المحك، ومن جهة أخرى السعي لتملّكهما/ استردادهما (التاريخ والشرعية.) على هذا النحو، لا يتملك الحراك التاريخ فحسب بل يعيد، على طريقته، كتابته، منخرطًا في نوع من صراع الذاكرة مع السلطة.
ثانيًا: خمس مقاربات للحراك
يمكن مقاربة الحراك من زوايا عدة ووفقًا لخلفيات أكاديمية مختلفة، ولا توجد بطبيعة الحال مقاربة أحسن من الأخرى، فهي مجدية كلها ومتكاملة. ولا نقصد هنا بالمقاربة المدخل النظري، وإنما كيفية التعامل مع ظاهرة ما، أي النظر فيها وتحليلها سعيًا لمعرفة أوجهها، وذلك محاولةً لتقريب المعنى، أي جعله مفهومًا، ولا يتعلق الأمر بمعنى الحراك اصطلاحًا وإنما بالمعاني والتأويلات البينذاتية التي يقول بها الفاعلون، المنخرطون في الحراك (المتظاهرون) من جهة، والمعنيون به (السلطة) على حد السواء، والتي تختلف باختلاف فهوماتهم المتشارَكة وخطاباتهم وسردياتهم والموقع الذي يتحدثون منه؛ ذلك أن الخطاب لا يُقارب كونه خطابًا، وإنما وفقًا للمكانة أو الموقع الاجتماعي/ هوية صاحبه.
ونؤكد هنا على أهمية الموقع الذي يتحدث منه الوكيل agent 37 لأنه على أساسه يتحدد مفعول خطابه وصداه. في هذا الصدد، وفي نقده للأمننة بالمفهوم الذي اقترحه أول ويفر، يقول ديديي بيغو إن الأهم في عملية الأمننة هو الموقع الذي يتحدث منه أصحاب الأقاويل الخطابية وعلاقات القوى والتعاملات، المترتبة على ذلك، داخل الحقل السياسي/ الأمني، خاصة أن رأس المال الرمزي هو الذي يحدد ثقل كل وكيل في الحقل38؛ فالوكلاء ليس لهم الموقع ذاته، لذا يسعون للسلطة وللاعتراف الاجتماعي حتى يصير خطابهم مسموعًا وشرعيًا39. بعد أن حاولنا، ولو في عجالة، مناقشة بعض الجوانب الإشكالية التي أثارها/ يثيرها الحراك والتي سيكون بعضها محل نقاش وتحليل في المقالات التالية فضلً عن تحديد مقاربتنا، سنعرض الآن وبإيجاز مضامين هذ العدد من سياسات عربية، فقد تضمن خمس دراسات حرصنا على أن تكون متكاملة ومتفاعلة فيما بينها بإحداث نوع من التبادل الفكري والنقاش، من خلال تقاطع الأفكار والإحالات المتبادلة، حتى نقدم عددًا منسجمً على تنوعه من حيث المضمون. تبحث الأولى في سياسة الجزائر الأمنية في سياق الاضطرابات إقليميًا والحراك داخليًا، في حين تبحث الثانية في توظيف التاريخ والهوية في خضم الحراك لإعادة بناء السردية الوطنية، بينما تعالج الثالثة موضوع الاقتصاد السياسي للانتقال الديمقراطي، وتحلل الرابعة دور العامل الخارجي في زمن الحراك، وتبحث الأخيرة في الحراك الجزائري في المهجر وتحديدًا في فرنسا، حيث توجد أكبر جالية جزائرية في العالم، وهي دراسة ميدانية أُجريت خلال التجمعات الأسبوعية في العاصمة باريس. 1. سياسة الجزائر الأمنية: معضلات وتحولات يقدم كاتب هذه المقدمة دراسة تتناول سياسة الجزائر الأمنية محلل معضلاتها وتحولاتها في بيئة إقليمية مضطربة وفي سياق حراك شعبي داخليًا، ويحاجّ فيها بأن سياسة الجزائر الأمنية عمومًا وعقيدتها الأمنية خصوصًا عرفت تعديلات طفيفة تكيّفًا مع بعض المقتضيات الأمنية الإقليمية وفقًا لمصالح الساعة، وبأنّ تغيرًا جوهريًا فيها غير مرجّح في ظل غياب تهديد دولتي الطبيعة أو صراع واسع النطاق يهدد مباشرة أمنها القومي، أو تغيّ للنظام الحاكم أو على الأقل تحوّل جذري في توجهاته. ويعتبر أنّ التوتر بين المستلزم المعياري/ الأخلاقي والمستلزم الأمني من جهة، ومبدأ عدم التدخل المزدوج (السياسي والعسكري) من جهة أخرى يمثلّان معضلتين أساسيتين تواجههما سياسة الجزائر الأمنية، معضلة تزداد حدةً كلما اقتربنا من حدود البلاد. على أساس هذين العنصرين يبحث الكاتب، بعدما قدّم مقاربة مفهومية للموضوع، في تبلور وطبيعة سياسة الجزائر وعقيدتها الأمنيتين، وتحولاتهما المحدودة. ويتوقف بعد ذلك عند دسترة مشاركة القوات الجزائرية في عمليات حفظ السلام الدولية، في أواخر عام 2020، معتبرًا هذا القرار نقلة محدودة في عقيدتها الأمنية، ومحللً دوافع هذا القرار ومسوّغات قيادة الجيش له وكذلك المحاذير المترتبة عليه. وفي الأخير، يحلل استراتيجية الجزائر الأمنية إقليميًا والبدائل التي تطرحها لتجنّب التدخل وكيفية أقلمتها للأمن القومي الجزائري. وفي النهاية يتوصل الكاتب إلى ثلاثة استنتاجات أساسية، وهي: أولً، ثمة تكيّف محدود مع مسألة التدخل الخارجي وفقًا لمقتضيات المصلحة الأمنية. ثانيًا، نهاية الرفض المطلق لنشر القوات خارج الحدود بعد إسقاط الذريعة القانونية بدسترة المشاركة في عمليات السلام، دون أن يجعل هذا من الجزائر عرابًا للتدخل لا سيما أنها تراهن على استراتيجيتها الأمنية الإقليمية المتكاملة الأبعاد. ثالثًا، من المرجح أن يحتدم التوتر بين الاعتبارات المعيارية/ الأخلاقية والأمنية في حال استمرت الاضطرابات في تخومها الجغرافية.
2. الحراك وصراع الشرعيات: معارضة السردية الرسمية بتوظيف التاريخ والهوية
يتصدى سليم شنة إلى موضوع معقد هو الآخر وفي غاية الأهمية، هو المواجهة بين التمثلات والخطابات والسرديات المتعلقة بالتاريخ والهوية والتي يتشابك فيها المجتمع، بمختلف مكوناته، والسلطة، موضحًا أن الحراك، الوطني البعد جغرافيًا، شكّل حدثًا تاريخيًا ومفصليًا في هذه المواجهة، في وقت فقدت فيه خطابات الدولة، ومختلف أجهزتها الرسمية والهيئات والجمعيات السائرة في فلكها، قدرة التأثير في تمثلات المواطنين ومدركاتهم بشأن السردية الوطنية. بالاعتماد على مفاهيم مركزية في الأدبيات المتخصصة، لا سيما مفهوم السياسة التنازعية، سعى الكاتب إلى تبيان المكتسبات التي أضافها الحراك إلى عملية بناء الأمة. بالاستناد إلى مقاربة تقوم على التاريخ والهوية، يحلل استراتيجية التحييد المتبادل، بين الحراك والسلطة، لخطابات (نزع) الشرعية وفقًا لآليات وسرديات متنافسة، تهدف، بالنسبة إلى الحراك، إلى
إعادة تعريف الأمة وبنائها وتملكها. وبالرغم من استراتيجية السلطة (تأميم الحراك ودسترته)، فإن التعبير السياسي الذي وجد في الحراك فضاءً مناسبًا يعكس مدى التحولات الاجتماعية التي تعرفها الجزائر والتي تحمل مشروع بناء أمة مدنية. وبالرغم من انقسامات الحراك (تيار ديمقراطي وآخر إسلامي لكل واحد منهما قراءته للتاريخ)، فإن الشرخ كان واضحًا بين الحراك من جهة والسلطة من جهة أخرى. فالأول، الحامل لتمثلات وخطابات متباينة، جعل المجتمع يسير تدريجيًا نحو الاستقلالية عن الدولة ومؤسساتها ومنظماتها، محدثًا نقلة نوعية في العلاقة بين الدولة والمجتمع وفي علاقة المجتمع مع مكوناته. وبهذا يعيد الحراك، على طريقته، إعادة بناء التاريخ والهوية في علاقة متقاطعة عمودية (المجتمع-الدولة) وأفقية (على مستوى المجتمع.) حيث حاول الحراك استكمال عملية البناء الوطني بدمقرطة النظام مستندًا إلى إرثه الثوري، بتملك التاريخ والهوية، لبناء المواطنة ومستقبل ديمقراطي. بيد أن الصعاب جمة: مسائل أساسية لم يُحسم فيها (حقوق المرأة، العلاقة بين الديني والسياسي)...، فضلً عن استعصاء ترجمة المسيرات إلى تنظيم سياسي محكم، ومشكلة التمثيل وغياب القيادات. ومع ذلك يوحي مخاض الحراك بوجود إمكانيات لتغير سوسيولوجي في البلاد على المدى المتوسط.
3. الاقتصادي السياسي للانتقال الديمقراطي في الحال والمآل
في مقاربة مغايرة ولكن مكملة للمقاربتين السابقتين يهتم خالد منّه ورضا حمزة بوجانة بالاقتصاد السياسي للانتقال الديمقراطي في الجزائر، وبالتحديد بالعلاقة بين عائدات النفط والغاز والإصلاحات السياسية وكيف سمحت بإطلاق مشاريع استثمارية كبيرة وبتحويلات اجتماعية معتبرة آليةً لشراء السلم الاجتماعي. يلاحظ الباحثان أن محاولة الانتقال الديمقراطي 1991-1989()، التي جاءت بعد الأزمة النفطية، أفضت إلى أزمة أمنية، أما تجربة الحراك، التي جاءت أيضًا في أوج أزمة نفطية، فكانت سلمية وطرحت مجددًا مسألة الانتقال. وبعد عرض لمفهوم الانتقال الديمقراطي، يعودان إلى مسألة النفط لمناقشة فكرة الريع بوصفه عقبة أمام الانتقال الديمقراطي وفقًا لأدبيات متخصصة. يقرّان بأن الريع عرقل الانتقال الديمقراطي وساهم في إقامة أنظمة استبدادية، ومع ذلك يلاحظان أن الوفرة النفطية لم تحلْ دون وقوع انتفاضات شعبية (ليبيا والجزائر)، مذكرَين بأدبيات أخرى تنتقد التحليل القائم على الريع بوصفه سببًا وحيدًا للفساد وغياب الحوكمة. وعلى هذا الأساس يحددان أهمية دراسة الحالة الجزائرية التي تتوافر فيها عدة عناصر: اقتصاد ريعي؛ أزمة اقتصادية؛ محاولة انتقال ديمقراطي سابقة؛ حراك شعبي. وهي عناصر توحي بأن للعامل الاقتصادي دورًا في مآلاتها. وبناء عليه، يتساءلان عَّمَّ إذا كانت الأزمة الاقتصادية ستسهم في تسريع الانتقال الديمقراطي. في تحليلهما للعلاقة بين الاقتصاد والانتقال يوضحان أنّ مختلف المراحل منذ الاستقلال أفضت إلى بروز عدة نماذج: أزمة اقتصادية فسياسية فأمنية (منتصف الثمانينيات-نهاية التسعينيات)؛ أزمة اقتصادية فأزمة سياسية (العهدتان الثالثة والرابعة لبوتفليقة وترشحه لخامسة.) ويختتمان بالقول إن الريع لا يزال يهيمن على الاقتصاد، ومع ذلك من غير الممكن تحميله كل اختلالات الاقتصاد الجزائري، وأن الإصلاحات السياسية أصبحت عائقًا أمام الإصلاحات الاقتصادية. فبينما استثمرت الحكومة الريع، في السبعينيات، في القطاع الصناعي، اتجهت في العقدين الأخيرين إلى تمويل النفقات الاجتماعية، ليتوصلا إلى استنتاج مفاده أن الأزمة النفطية لعام 2014 هي ما قاد إلى استقالة بوتفليقة في عام 2019، بعد عجز الحكومة عن ضمان تدفق التحويلات الاجتماعية بسخاء.
4. الحراك والعامل الخارجي
يبحث عربي بومدين في العامل الخارجي والحراك الجزائري فاحصًا حدود التدخلات الإقليمية والدولية في مساره مقارنة بدول عربية، وكذلك محددات العلاقة بين الجزائر والقوى الكبرى. بالانطلاق من فكرة مفادها أن القوى الخارجية توظف الأزمات البنيوية في الدول العربية، يناقش محددات علاقة الجزائر مع القوى الإقليمية والدولية ساعيًا لتفسير غياب التدخل الخارجي في الحراك؛ حضور المستلزم الاستراتيجي وغياب المستلزم الديمقراطي في علاقة الجزائر بالقوى الخارجية. يناقش دور العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي عمومًا مفسرًا غيابه في حالة الجزائر بثقل هذه الأخيرة الجيوسياسي والطاقي، ومن ثم، ثقل المصالح في علاقتها مع القوى الغربية، فضلً عن اكتسابها نوعًا من المناعة في مقاومة الضغوطات الخارجية. وفي هذا الصدد، يوضح الكاتب أن إمكانية تصدير نموذج في العلاقة مع روسيا والصين غائبة، بينما تحدد المصالح والبراغماتية علاقة القوى الغربية مع الجزائر. وبناء عليه، يلاحظ التزام القوى الدولية والإقليمية الصمت إزاء الحراك الجزائري. وهو سلوك دولي يكاد يكون حالة استثنائية مقارنة بدول عربية أخرى. ويعود ذلك إلى ما يلي: عدم استخدام السلطة العنف في التعامل مع الحراك؛ والحساسية المحلية حيال التدخل الخارجي؛ وسعي السلطة لاحتواء المواقف الخارجية دبلوماسيًا؛ والاحتماء بالشرعية الدستورية؛ وثقل المؤسسة العسكرية؛ ومبادئ السياسة الخارجية التقليدية؛ ومخاطر تداعيات عدم الاستقرار في الجزائر على الأمن الأوروبي؛ ودروس الربيع العربي. وهي عوامل تُستشف منها الاستنتاجات التي توصّل إليها الكاتب.
5. الحراك في المهجر - دراسة ميدانية
حتى تكتمل تغطية هذا العدد من سياسات عربية، للحراك في ذكراه الثالثة، ضُ من العدد دراسة مترجمة حول الحراك الجزائري بفرنسا امتدادًا لما يحدث في أرض الوطن وتفاعلً معه. وهذا ما يعالجه ديديي لوساوت في دراسة ميدانية، من خلال المقابلات الشخصية والملاحظة إبان التجمعات التي نظمها مواطنون جزائريون كل يوم أحد بباريس في 2019، والتي طالبوا فيها، على غرار الحراك المحلي، برحيل النظام. يحلل الكاتب حراك المهجر باعتباره عملًاحتجاجيًا عموميًا، متخذًا من دراسة الحركات الاجتماعية في سياق الهجرة إطارًا نظريًا لدراسته. يفحص العلاقة بين حراك الداخل وحراك المهجر موضحًا أن متظاهري الأخير يبنون أنماطًا من التنظيم تنم عن أشكال جديدة من النشاط العام، لأنهم لا يعملون على إعادة إنتاج ما يجري في الجزائر، باستنساخ حراك الداخل، وإنما يبتكرون أشك لً جديدة من النشاط العام تميز احتجاج المهجر. ويعزو الكاتب هذا إلى طبيعة السياق (المهجر)، ذلك أن حراك المهجر امتداد لحراك الداخل وفي الوقت نفسه مشهد لإنتاج ديناميات وأشكال جديدة من النشاط والفعل العامين ما يسمح له في آن باعتراف اجتماعي - سياسي داخل الجماعة الأصلية وفي المجتمع الفرنسي. وهنا مكمن خصوصية حراك المهجر. فهو بمنزلة فضاء اجتماعي "للحضور المتزامن"، في فرنسا والجزائر، مشهد يكون فيه المتظاهر حاضرًا هنا وهناك، حيث يعيد الاحتجاج وضع كل المتظاهرين في التجمعات الباريسية في قلب السياسة الجزائرية. وعليه فالنشاط العام الاحتجاجي يجعل من "هنا" (فرنسا) و"هناك" (الجزائر) فضاء رمزيًا موحدًا. بعد أن وضَّ ح طبيعة حراك المهجر وعلاقته بحراك الداخل، يبيّ الكاتب كيف يمزج المتظاهرون – الذين يصعب تصنيفهم بالنظر إلى تنوعهم السوسيولوجي وتعدد توجهاتهم السياسية - في عملهم الاحتجاجي، بين الانخراط الرقمي الجماعي والفردي والتجمعات الحضورية الأسبوعية. ويخلص إلى أن أنماط الفعل الاحتجاجي في حراك المهجر الباريسي تلتقي كلها، على تنوعها الكبير، في سمتين أساسيتين. فهي من جهة تشترك في التردد في الارتباط بأيديولوجية معينة، ومن جهة أخرى تشترك في إنتاج هوية "مناوئة للنظام" على أساسها تُنظم المبادرات الاحتجاجية.
المراجع
العربية
إحرشان، عمر. "حراك الريف: السياق والتفاعل والخصائص." سياسات عربية. مج 6، العدد 31.)2018(الأشقر، جلبير [وآخرون.] الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018. بن عنتر، عبد النور. "العامل الخارجي والانسداد السياسي في الجزائر." تقرير. مركز الجزيرة للدراسات. 2019/3/21. في: https://cutt.ly/fmeeE8z الجابري، محمد عابد. المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1995 تكوين العقل العربي. ط ________. 8. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002 حجال، سعود. "الحركات الاحتجاجية في جزائر اليوم: الفعل الاحتجاجي لدى الشباب البطال – تحليل لأحداث الجنوب، ورقلة 2013." مجلة مجتمع تربية وعمل. مج 1، العدد 1.)2016(زين الدين، الحبيب استاتي. الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 السراج، نادر. الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحراك المدني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 الكبسي، محمد علي. كيمياء الربيع التونسي والعربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 مزارة، زهيرة. "الحراك الشعبي ما بعد الربيع العربي: بين مطالب التغيير الجذري للنظام واستكمال عملية البناء الديمقراطي (الجزائر، السودان أنموذجًا.") مجلة الفكر القانوني والسياسي. مج 4، العدد 2.)2020(مكاش، الطيب، ورشيد بكاي. "كرونولوجيا الاحتجاجات والحراك الشعبي في الجزائر – محطات تاريخية." مجلة التمكين الاجتماعي. مج 3، العدد).2022(1
يونس، ماريز. "فاعلو الحراك المدني اللبناني: قضية مشتركة، خلفيات سياسات عربية. العدد متناقضة." 31.)2018(
الأجنبية
Alem, Hajar & Nicolas Dot-Pouillard. "Liban: La portée et les limites du hirak." Alternatives sud. vol. 27, no. 4 (2020). Ali, Zahra. "Irak: Le civil et le populaire au cœur de la révolte." Alternatives sud. vol. 27, no. 4 (2020). Allal, Amine et al. Cheminements révolutionnaires: Un an de mobilisations en Algérie (2019-2020). Paris: CNRS Editions, 2021. Arkoun, Mohammed. The Unthought in Contemporary Islamic Thought. London: Saqi Books, 2002. Balzacq, Thierry. "Théories de la sécuritisation, 1989- 2018." Etudes internationales. vol. 49, no. 1 (2018). Bayat, Asef. Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring. Stanford: Stanford University Press, 2017. Belkhdar, Naoual. "'L'éveil du Sud' ou quand la contestation vient de la marge: Une analyse du mouvement des chômeurs algériens." Politique africaine. no. 137 (2015). Bennani-Chraïbi, Mounia & Olivier Fillieule. "Pour une sociologie des situations révolutionnaires: Retour sur les révoltes arabes." Revue française de science politique. vol. 62, no. 5-6 (2012). Blanc, Pierre. "Dix ans de révoltes arabes." Esprit. no. 7-8
Boserup, Rasmus Alenius. "Décennies de stabilité avant la rupture (2000-2020)." Pouvoirs. no. 176 (2021). Boucheron, Patrick, Corey Robin & Renaud Payre. L'exercice de la peur: Usages politiques d'une émotion. Lyon: Presses Université de Lyon, 2015. Bourbeau, Philippe. "Politisation et sécuritisation des migrations internationales: Une relation à définir." Critique internationale. no. 61 (2013). Chena, Salim. "'On continuera la bataille d'Alger': Réactivation du passé et réactivité contestataire dans le mouvement démocratique algérien de 2019." Confluences Méditerranée. no. 112 (2020). Coser, Lewis A. The Functions of Social Conflict. London: Routledge, 2001. Dris-Aït Hamadouche, Louisa. "Le soulèvement populaire algérien à l'aune du printemps arabe." Pouvoirs. no. 176 (2021). Dris-Aït Hamadouche, Louisa & Cherif Dris. "Le face à face hirak -pouvoir: La crise de la représentation." L'Année du Maghreb. no. 21 (2019). El Gizouli, Magdi. "Soudan, divisions entre les acteurs du soulèvement de 2019." Alternatives sud. vol. 27, no. 4 (2020). Fabbiano, Giulia. "Le temps long du hirak: Le passé et ses présences." L'Année du Maghreb. no. 21 (2019). Fraihat, Ibrahim. Unfinished Revolutions: Yemen Libya and Tunisia after the Arab Spring. New Haven: Yale University Press, 2016. Gallissot, René. Le Maghreb de traverse. Saint-Denis: Editions Bouchène, 2000. Hadj-Moussa, Ratiab & Sophie Wahnich. "Les émeutes: Contestation de la marge ou la marge de la contestation." L'Homme & la Société. no. 187-188 (2013). Le Gloannec, Anne-Marie (dir.). Entre Union et nations: L'Etat en Europe. Paris: Presses de Sciences Po, 1998. Le Saout, Didier & Marguerite Rollinde (dir.). Emeutes et mouvements sociaux au Maghreb: Perspective comparée. Paris: Karthala-Institut Maghreb Europe, 1999.
Lipschutz, R. D. (ed.). On Security. New York: Colombia University Press, 1995. Martinez, Luis. L'Afrique du nord après les révoltes arabes. Paris: Presses de Sciences Po, 2019. Mekouar, Merouan. Protest and Mass Mobilization: Authoritarianism Collapse and Political Change in North Africa. London: Routledge, 2016. Mohand-Amer, Amar. "La recherche et l'écriture de l'histoire: Réalité et enjeux politiques et mémoriels." Maghreb-Machrek. no. 245 (2020). Noueihed, Walid. "Reading the Arab Revolutions: Authoritarianism and the Implications of Change." AlMuntaqa. vol. 1, no. 2 (2018). Oussedik, Fatma. "Le hirak: Quelques réflexions sur les enjeux d'un mouvement contestataire en Algérie." Insaniyat. no. 88 (2020). _______. "Penser pour demain, penser la Silmiya (le pacifisme) en Algérie: Vue des marches." Maghreb- Machrek. no. 245 (2021). Pyszczynski, Tom. "What Are We So Afraid Of? A Terror Management Theory Perspective on the Politics of Fear." Social Research. vol. 71, no. 4 (Winter 2004). Remaoun, Hassan. "Référence à l'histoire et enjeux mémoriels lors du hirak algérien (2019-2020): Autour du slogan Novembriya-Badissiya et de son envers Dawla madaniya (État civil)." Insaniyat. no. 87 (2020). Robin, Corey. Fear: The History of a Political Idea. Oxford: Oxford University Press, 2004. Sadiki, Larabi (ed.). Routledge Handbook of Arab Spring: Rethinking Democratization. London: Routledge,
Sidi Moussa, Nedjib. "Une société sous tension: L'illusion de la stabilité algérienne dans une région troublée." Questions internationales. no. 81 (2016). Souiah, Farida. "Rhétorique de l'ingérence et lutte pour la légitimité." Mouvement. no. 102 (2020). Thrall, A. Trevor & Jane K. Cramer (eds.). American Foreign Policy and Politics of Fear: Threat Inflation since 9/ 11. London: Routledge, 2009. Tilmatine, Mohand & Thierry Desures (dir.). Les revendications amazighes dans la tourmente des " printemps arabes ". Rabat: Centre Jacques Berque, 2017. Volpi, Frédéric. Revolution and Authoritarianism in North Africa. London: Hurst, 2017. Weldes, Jutta. Constructing National Interests: The United States and the Cuban Missiles Crisis. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999. Wolf, Anne. "Morocco's Hirak Movement and Legacies of Contention in the Rif." The Journal of North African Studies. vol. 24, no. 1 (2019). Zeraoulia, Faouzia. "The Memory of the Civil War in Algeria: Lessons from the Past with Reference to the Algerian Hirak." Contemporary Review of The Middle East. vol. 7, no. 1 (2020).