سياسة الجزائر الأمنية: تحولّات ومعضلات في سياق القلاقل إقليميًا والحراك داخليًا
الملخّص
تتناول هذه الدراسة سياسة الجزائر الأمنية عموما وعقيدتها الأمنية خصوصًّا، محل لة تحولاتها ومعضلاتها في بيئة إقليمية مضطربة وفي سياق حراك شعبي داخليًا. وتحاجّ بأن ثمة تعديلات طفيفة طرأت عليهما تكيف ا مع مقتضيات أمنية إقليمية، مستبعدة أي تغير جوهري في الراهن. كما تحاجّ بأن التوتر بين المستلزم الأخلاقي/ المعياري والمستلزم الأمني من جهة، ومبدأ عدم التدخل المزدوج (السياسي والعسكري) من جهة أخرى يمث ناا معضلت ين أساسيت ين تواجههما سياسة الجزائر الأمنيةوعقيدتها. وعلى أساس هذين العنصرين تبحث الدراسة، بعد تأصيل مفهومي للموضوع، في سياسة الجزائر وعقيدتها وتحولاتها. ثم تتوقف عند قرار دسترة مشاركة القوات الجزائرية في عمليات حفظ السلام الدولية محللة سياق يه (المحلي والخارجي) ودوافعه ومسوَّغاته، والمحاذير المترتبة عليه. وتحلل استراتيجية الجزائر الأمنية إقليميا، والتي تطرحها بديل ا للتدخل. وتوصلت الدراسة إلى ثلاثة استنتاجات أساسية. أولا، ثمة تكيف محدود مع مسألة التدخل الخارجي وفق ا لمقتضيات المصلحة الأمنية. ثانيًا، نهاية الرفض المطلق لنشر القوات خارج الحدود. ثالث ا، ترجيح احتدام التوتر بين الاعتبارات الأخلاقية/ المعيارية والأمنية في حال استمرار الاضطرابات في تخومها الجغرافيّة. كلمات مفتاحية: السياسة الأمنية، الجزائر، الأمن الإقليمي، مشاركة الجيش في عمليات الس ماا، أمن الحدود. This article looks at Algeria's security policy in general and its security doctrine in particular, analysing its changes and dilemmas in a turbulent regional environment and in the context of an internal Hirak. It argues that these doctrines have undergone minor changes to meet regional security needs, which precludes fundamental change at this stage. It also argues that the tension between the moral-normative imperative and the security imperative, on the one hand, and the principle of dual non-interference (political and military), on the other, constitute two major dilemmas confronting Algerian politics and security doctrine. Starting from these two elements, the article, after setting out my concept of the subject, examines the formation and nature of Algerian politics, ideology, and transformations. It then looks at the constitutional decision on the participation of Algerian armed forces in international peacekeeping operations, analysing their context (domestic and foreign), their motives and justifications, and the reservations they face. Finally, it analyses Algeria's regional security strategy as an alternative to intervention. The article comes to three main conclusions. First, there is a limited adjustment to the issue of external interference depending on the needs of the security interest. Second, the end of the absolute refusal to use armed forces outside the borders. Third, it is likely that the tension between moral-normative and security considerations will escalate if the unrest continues within its geographical boundaries. Keywords: Security Policy, Algeria, Regional Security, Military Participation in Peace Operations, Border Security.
Algeria's Security Policy: Transformations and Dilemmas in the Context of Regional Unrest and Internal Protest
مقدمة
تسود البيئة الإقليمية المغاربية-الساحلية1 حالة عدم استقرار مرتفعة الحدة، بسبب ترهّل الدولة وانتشار التهديدات اللادولتية (إرهاب، جريمة منظمة، انتشار الأسلحة)... والصراعات/ الحروب الأهلية والتدخلات الخارجية2، ما يضع أمن الجزائر في خطر، وعقيدتها الأمنية على المحك، ولا سيما في ما يتعلق بالتدخل وسيادة الدول3؛ إذ تعرف عقيدتها الأمنية توترًا لم تعهده قط، بين المستلزم الأخلاقي ethic/ المعياري normative والمستلزم الأمني. من هذه التطورات، البنيوية والطارئة، والتوترات التي أربكت مجتمعة سياسة الجزائر الأمنية عمومًا، يأتي التساؤل عَّمَّ إذا كانت آخر قلعة لمناوَأة التدخّل في المنطقة ستسقط بفعل القلاقل الإقليمية والضغوط الخارجية، وتنخرط الجزائر في عمليات تدخّل في تخومها الجغرافية، خاصة بعد تعديل دستورها، في سياق الحراك، بالترخيص لمشاركة جيشها في عمليات حفظ السلام. تنطلق هذه الدراسة من مسلّمة وجود سياسة وعقيدة أمنيتين جزائريتين (تحدّدان المبادئ، الأهداف، الوسائل، التهديدات، الشواغل الأمنية، تصور دور القوات المسلحة، وغير ذلك)، على الرغم من عدم وجود وثيقة رسمية مرجعية، وهذا على أساس ما توصلنا إليه في دراسات خصصناها للموضوع، نعتمد على بعضها هنا. وتحاول رصد تحولّاتهما، في سياق إقليمي مضطرب وحراك شعبي داخلي، مركّزة على العقيدة الأمنية بالبحث في أسسها ومبادئها ومعضلاتها ومقتضيات وماهية تحولّاتها ومآلاتها، ولا سيما معضلتَي عدم التدخل والتوتر بين الاعتبارات الأخلاقية/ المعيارية والمصالح الأمنية. لتحليل هذه المسائل ومناقشتها، سنحاول الإجابة عن أسئلة عدة مركزية مترابطة. ما أسس السياسة/ العقيدة الأمنية الجزائرية وطبيعتها؟ وما معضلاتها؟ وهل من شأن تنامي عدم الاستقرار في المنطقة المغاربية- الساحلية وتدخلات فواعل خارجية (كبرى ومتوسطة وصغرى)، فضلً عن حالة الانسداد السياسي، في سياق الحراك الشعبي داخليًا، أن تدفع مجتمعةًالجزائر إلى مراجعة عقيدتها الأمنية؟ وكيف (س) يتجلّ ذلك؟ وما مدى هذه المراجعة؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، ننطلق من فرضيتين: تقول الأولى إن ثمة دلالة "قديمة" (الموقف من أزمة مالي) ودلالة حديثة (دسترة مشاركة الجيش في عمليات السلام) تؤكدان أنّ تحوّلً يطرأ على العقيدة الأمنية الجزائرية، حيث تعرف بعض مبادئها المؤسَّسة نوعًا من التغير، لكنها من قبيل التكيّف لا التغير الجوهري. أما الفرضية الثانية، ففحواها أن المراجعة الجذرية لعقيدتها الأمنية، أو على الأقل لبعض مبادئها الأساسية، غير مرجحة في ظل غياب تهديد دولتي أو صراع واسع يهدّد فعلً أمنها القومي (المساس بسيادتها الترابية)، أو تغير للنظام الحاكم في البلد، أو على الأقل تحول جذري في توجّهاته السياسية. سنحلل هذه المسائل كلها من خلال أربعة مباحث: يكرّس الأول لتحليل سياسة الجزائر الأمنية خصوصًا عقيدتها، بالعودة إلى مرجعيتها التاريخية وفحص أسسها ومبادئها وطبيعتها، وذلك بعد مقاربة مفهومية حول السياسة الأمنية ومفاهيم ذات صلة. بينما يخصص المبحث الثاني لتحليل بعض المعضلات ومناقشتها بالتوقف عند التعارض بين المستلزم الأخلاقي/ المعياري والمستلزم المصلحي، وعدم التدخل السياسي (التدخل في الشؤون الداخلية للدول) والعسكري4، فضلً عن إشكالية المشروعية legalism والشرعية، قبل أن يختتم بتحليل التكيّف الذي عرفته عقيدتها الأمنية إبان الأزمة المالية عامَي 2013-2012. أما المبحث الثالث، فيركز على مناقشة تداعيات دسترة مشاركة الجيش الجزائري في عمليات حفظ السلام على عقيدتها الأمنية، برصد دوافع هذا القرار ومسوِّغاته وأهدافه ومحاذيره. بينما يخصص المبحث الرابع والأخير لتحليل استراتيجية الجزائر الأمنية إقليميًا، وكيف تعمل بجملة من التدابير والأطر التعاونية، بديلً من التدخل وفق رؤية تنطوي على أقلمة أمنها القومي.regionalization
أولا: في سياسة الجزائر وعقيدتها الأمنيتين
1. إطار مفهومي5: سياسة الأمن القومي واستراتيجية الأمن القومي والعقيدة الأمنية
تعدّ سياسة الأمن القومي "توصيفًا رسميًا للطريقة التي تسعى بها دولة لضمان أمنها الخاص وأمن سكانها: فهي تعبّ عن الفهم على المستوى الوطني للتهديدات والمخاطر المحدقة بسياق الأمن، وعن القيم والمبادئ التي يجب أن توجّه الدولة للمحافظة على أمن الدولة والأمن الإنساني." ومن ثم، فسياسة الأمن القومي تهدف إلى "تحديد تصور وطني شامل، الذي قد يستند إليه صوغ وثائق أخرى، مثل استراتيجية الأمن القومي." تأخذ سياسة الأمن القومي في الحسبان القيم والمصالح الوطنية وبنى الحوكمة والعمليات القرارية، وتسمح عمومًا بالتوصل إلى تصور على المدى الطويل لأمن الدولة. ويمكن أن تكون هذه السياسة في شكل وثيقة وحيدة، أو مجموعة وثائق "تشكل سويًّا سياسة متسقة ومندمجة." وتحدد سياسة الأمن القومي "بموضوعها وليس بالاسم الذي تحمله"، فقد تسمى "خطة"، "استراتيجيا"، "مفهوم"، "عقيدة." "ويكمن دور سياسة الأمن القومي في توجيه عمل الحكومة"6. لكن عمومًا السياسة الأمنية أشمل من المفهوم أو العقيدة. تتمثل السياسة الأمنية التي هي ذات طبيعة شاملة كونها تشمل البعدين الداخلي والخارجي ومختلف قطاعات الأمن (العسكرية، السياسية، المجتمعية، الاقتصادية، البيئية)7، في تحديد مختلف المخاطر والتهديدات، بتحديد طبيعتها وتطورها وكذلك المخاطر المترتبة على ترابطها أو تفاعلها، كما تقرر الاستراتيجيات التي يتعيّ وضعها، والوسائل التي يجب تعبئتها. فالغاية العليا للسياسة الأمنية مزدوجة: ضمان بقاء survival السكان والدولة والرفاه بالمعنى الواسع8. وتتمثل السياسة الأمنية في الديمقراطيات الليبرالية الغربية في وضع استراتيجية تهدف إلى مواجهة المخاطر أو التهديدات التي قد تمس بالأمن القومي، بمعناه الواسع. ومن ثم فهي جملة الوسائل التي تستخدمها الدولة لتحقيق هذا الهدف، أي الأمن القومي9. أما في بعض الدول التسلطية، فإن أمن النظام غالبًا ما يكون أَولى من أمن الدولة، ذلك أن المصالح الأمنية للدولة تُربط بمصالح النظام، إلى درجة صعوبة التمييز بينهما، بل يصير أمن النظام موضوعًا مرجعيًا referent object للأمن على حساب الموضوع المرجعي الحقيقي للأمن (الدولة)10، كما هي الحال في العالم العربي. "بما أن التهديدات لا يمكن تقييمها إلّ بالعلاقة مع دولة معيّنة باعتبارها مستهدفة، فإن السياسة الأمنية تقتضي"، يقول باري بوزان: "ليس فهم التهديدات في حد ذاتها فحسب، بل أيضًا انكشافات الدولة باعتبارها [أي الدولة] موضوعًا مرجعيًا للأمن." ويرى أنه لا يمكن فصل الأمن القومي للدولة عن طبيعة النظام الدولي، وبناء عليه، حتى تكون
سياسة الأمن القومي "عقلانية"، عليها أن "تتضمن بُعدًا دوليًا قويًا"11. ويميّز بوزان، في هذا الخصوص، بين استراتيجيتين أمنيتين، واحدة وطنية والأخرى دولية: يكون السعي للأمن "إما باتخاذ تدابير للحدّ من الانكشاف، وإما بمحاولة إزالة، أو الحدّ، من التهديدات بمعالجة أسبابها في المصدر." يطلق على الخيار الأول "استراتيجية الأمن القومي، لأنها تقوم في جزء كبير على داخل الدول المهدَّدة"، بينما يسمي الثاني "استراتيجية الأمن الدولي، لأنها تتوقف على ترتيب العلاقات بين الدول." في حال تبني هذه الاستراتيجية الأخيرة، ستركز سياسة الأمن "على الموارد ومصادر التهديدات [قصد] الحد منها [أي التهديدات] أو إزالتها من خلال عمل سياسي"12. لكن في تحليلنا حالة الجزائر، سنرى أن الأمر يتعلق باستراتيجية وطنية وإقليمية، وليس دولية – على الرغم من الأبعاد الدولية للمبادئ المؤسِّسة لسياستها وعقيدتها الأمنيتين – لافتقارها إلى القدرة على التأثير في مجريات الأمور دوليًا. تختلف سياسة الأمن القومي عن استراتيجية الأمن القومي، حتى وإن كانتا تُستخدمان أحيانًا مترادفتين. فالأولى "تصف بشكل عام الأولويات والأهداف في مجال الأمن"، بينما تصف الثانية "كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف"، فهي عبارة عن وثيقة، أو مجموعة وثائق، "تصف الأدوات الضرورية لتنفيذ سياسة الأمن القومي، وكيفية توظيفها، فضلً عن الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة. "بإيجاز، تصف استراتيجية الأمن القومي كيفية تحقيق الأهداف التي حددتها سياسة الأمن القومي"13. بمعنى آخر، يقتضي صنع سياسة الأمن القومي خيارات تتعلق بأهدافها والأدوات والموارد التي توظف والأعمال الواجب القيام بها لتنفيذ هذه السياسة14. لا تتبنى الدول كلها استراتيجية للأمن القومي، حيث تنسحب هذه الميزة في الأساس على القوى الكبرى، وأحيانًا على القوى المتوسطة. ويعود ذلك إلى سببين: أولً، تبني استراتيجية أمن قومي يعني، في غالب الأحيان، وجود مصالح حيوية، منوّعة، تتجاوز حدود الدولة المعنية، وقد تغطي أرجاء المعمورة كلها، كما هو شأن القوى الكبرى، وتحديدًا الولايات المتحدة. ثانيًا، يتطلّب تبني مثل هذه الوثيقة تحديد التهديدات والخصوم، بل الأعداء؛ إذ من الصعب صوغ وثيقة الأمن القومي من دون تحديدهم، وما يترتب على ذلك من تسطير للأهداف ورصد للموارد لتحقيقها. وبهذا الصدد يقول صامويل هنتنغتون: "تُقاد استراتيجية الأمن القومي التي تتميز من السياسة الخارجية بصورة أعم، ضد خصم... [فهي] تقتضي خصم، صراعًا، منافسةً، حالةً يحاول فيها فرد أو مجموعة تحقيق هدف ضد شخص آخر"15. ونظرًا إلى هذه الميزات وإلى طبيعة عقيدة الجزائر الأمنية وسياستها الأمنية عمومًا، من غير المرجّح أن تتبنّى وثيقة من هذا النوع كونها ستجبرها على تحديد خصوم، بل أعداء، بينما تقول سرديتها الرسمية إنها لا تستهدف أحدًا، بل على العكس هي مستهدفة من "أطراف" نادرًا ما تسمّيها، ونادرًا ما تعطيها مضامين عسكرية. مهما اختلفت المسمّيات، فإن كل شيء يدور حول الأمن القومي16 الذي يشير "سواء فُهم على أنه عملية process أو هدف، إلى حماية المصالح الوطنية الأساسية ضد التهديدات الخارجية"17. ويتضمن الأمن الترابي، الازدهار الاقتصادي، المحافظة على القيم والمؤسسات الوطنية والاستقلالية السياسية. بيد أن طريقة تحديد هذه المضامين قد تتطور وفقًا لتطور قوة الدولة. أما عقيدة الأمن القومي، التي يمكن أن تتغير، ف "تشير إلى الأهداف التوظيفية التي من خلالها تجري حماية المصالح الوطنية (مثل الاحتواء أو التوسيع الديمقراطي)، وإلى الوسائل (العسكرية، الدبلوماسية، الاقتصادية، قضايا التعبئة الداخلية وغيرها)... المستخدمة لخدمة تلك الأهداف التوظيفية"18. أما العقيدة، فيعرّفها حلف الشمال الأطلسي (الناتو) بأنها "المبادئ الأساسية التي من خلالها توجّه القوات العسكرية أعمالها دعمً لأهدافها. ولها سلطة، لكن تطبيقها يقتضي التقدير"19. يكاد يكون هذا التعريف نقلً حرفيًا لتعريف القوات المسلحة الأميركية لها: "المبادئ الأساسية التي من خلالها توجّه القوات العسكرية أو عناصر منها أعمالها دعمً للأهداف الوطنية. لها سلطة لكن تقتضي التقدير عند التطبيق"20. يقول بيرت تشابمان: إن "القوات المسلحة
تحتاج إلى ما هو أكثر من القوت المادي كي تبدأ وتواصل عملياتها. هذه القوات لا بد لها من قوام فكري أشد أهمية، كي تستطيع أن تبدأ عملياتها الهجومية وأن تعزّزها وتنهيها. هذا الأساس الفكري الذي يخاطب العقل، وليس الوجدان أو الجسد هو ما يسمى ب 'العقيدة العسكرية"'21. ليست ثمة طريقة واحدة لتعريف العقيدة العسكرية، بل طرائق عدة، تختلف باختلاف العوامل والتهديدات الأمنية الخاصة بكل بلد، والتطورات التكنولوجية وعناصر السياسات والتوازنات الخاصة بمختلف مكوّنات قواته المسلحة، كالتنافس بين صناع السياسة والقرار من العسكريين والمدنيين حول تحديد أولويات الأمن القومي وميزانية الدفاع التي إن تقلّصت، ستُجبر القوات المسلحة على مراجعة أهدافها23. نزعم أن مفهوم العقيدة الأمنية أنسب إلى موضوعنا من مفهوم العقيدة العسكرية، وذلك لثلاثة أسباب: أولً، تركز العقيدة العسكرية على الجانب القتالي وتشكيل القوات والتوجّهات القتالية للجيش. ثانيًا، السياسة الأمنية أشمل من السياسة الدفاعية، لذا فعبارة الاستراتيجية الأمنية أكثر انتشارًا من عبارة الاستراتيجية الدفاعية، وأشهرها استراتيجية الأمن القومي الأميركية. أما فرنسا التي تصدر وثيقة تسمى الكتاب الأبيض للدفاع، فقد عدّلت عنوانها ليصبح الكتاب الأبيض للدفاع والأمن. ثالثًا، تستند السياسة الأمنية إلى مفهوم الأمن24 بمعناه الواسع، فهو يشمل أبعادًا داخلية وخارجية وقسرية وغير قسرية لتضمّنه بعدًا تعاونيًا (الأمن من خلال التعاون.) لذا فالعقيدة الأمنية أشمل من العقيدة العسكرية.
2. تبلور سياسة الجزائر وعقيدتها الأمنيتين
تبلورت سياسة الجزائر الأمنية عمومًا وعقيدتها للأمن القومي خصوصًا، إبان الثورة التحريرية وخلال الأعوام الأولى من الاستقلال، متأثرة بالتوجّهات التحررية (دعم حركات التحرر في العالم)25، وبالخلاف الحدودي مع المغرب. مثّل التوتر المبكر في العلاقة مع المغرب، منافسها الإقليمي في ما بعد، عاملً مؤسِّسًا لعقيدة الجزائر الأمنية؛ إذ تسببت مطالبه الترابية على حسابها في غزو مغربي لأراضيها في تشرين الأول/ أكتوبر 1963، أو ما عُرف ب "حرب الرمال." كانت هذه الحرب وجيزة، ولم تغير من الوضع الحدودي القائم، إلّ أنها شكّلت نقطة تحوّل في بلورة عقيدة الجزائر الأمنية، وفي مدركاتها للتهديد وتحديد شواغلها الأمنية26. وأصبحت العلاقة الجزائرية -المغربية27 عاملً محددًا للنظام الإقليمي المغاربي، حيث أثّر الاستقطاب الإقليمي في تشكيل التفاعلات البينية في المنطقة المغاربية، خاصة بعد اندلاع نزاع الصحراء الغربية28. ومثّل اقتسام المغرب وموريتانيا إقليم الصحراء الغربية تطورًا استراتيجيًا بالنسبة إلى الجزائر لحدوثه في نطاق منطقة أمن حيوية، كان قد حدّدها هواري بومدين بقوله: "إن المغرب العربي والمنطقة الفاصلة بين القاهرة وداكار تمثل منطقة أمن بالنسبة للجزائر، وأنه لا يمكن أن يحصل أي تغيير في هذه المنطقة دون اتفاق مع الجزائر"29. وبناء عليه، تعرّضت منطقة الأمن هذه، وما سمّ ه بومدين "التوازن الطبيعي" في المغرب العربي، "لهزة قوية، في نوفمبر 1975، لما أبرم الاتفاق الثلاثي بين إسبانيا، المغرب وموريتانيا والذي بموجبه تقاسم المغرب وموريتانيا (ثلثين للأول وثلثًا للثانية) إقليم الصحراء الغربية بمجرد انسحاب إسبانيا منه. أُبرم هذا الاتفاق دون أي تشاور مع الجزائر، مما دفعها إلى مساندة البوليزاريو" (التي أنشأها الصحراويون في مطلع السبعينيات)30. بيد أن هذه النسخة الجزائرية المهذبة من "مبدأ مونرو"، إن صح التعبير، فقدت مفعولها لأنها فشلت في إنهاء الوضع القائم في الصحراء. ويُعدّ رفض أي مساس بالوحدة الترابية لمالي وليبيا أهم تطبيقاتها في العقدين الأخيرين. تشير التطورات الأخيرة، ولا سيما منذ عام 2021 (تجسس المغرب على هواتف نقّالة لشخصيات جزائرية باستخدام تطبيق التجسس الإسرائيلي، وقطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية معه وغلق مجالها
الجوي أمامه ... إلخ) إلى أن العلاقة المتوترة مع المغرب ما زالت عاملً مؤسِّسًا لعقيدة الجزائر الأمنية. بيد أن هذه التوترات ليست جديدة، ولا تغيّ طبيعة المشهد الاستراتيجي المغاربي: فهو لا يعرف تهديدات استراتيجية، أي تهديدات وجودية (لا تعتبر أي دولة مغاربية وجودها على المحك بسبب سلوك دولة أخرى.) إذًا، عقيدة الجزائر الأمنية هي نتاج المخيال الثوري للنضال ضد الاستعمار والحرب التحريرية، فضلً عن العقدين الأول والثاني من بناء دولة الاستقلال والتوتر المبكر في العلاقة مع المغرب، ثم التنافس معه والموقف الداعم لحركات التحرر وسيادة الدول أيضًا31، فضلً عن أزمة عقد التسعينيات32. ويمكن القول إن الحرب التحريرية) 1962-1954(والأزمة الداخلية لتسعينيات القرن الماضي، أدّتا دورًا حاسمً في ما تسمّيه يوتا والدز "المخيال الأمني"، أي "بنية معانٍ وعلاقات اجتماعية راسخة، انطلاقًا منها تنشأ تمثلّات عالم العلاقات الدولية"33. وترى والدز أيضًا أن المخيال الأمني يجعل التمثلات ممكنة، تلك التمثلّات التي تسمح بتوضيح، سواء للرسميين أم للآخرين، من "نحن" وماذا نمثل، ومن "هم أعداؤنا" وماذا يمثلون والطريقة التي يهددنا بها هؤلاء وكيف يمكننا أن نفعل ما بوسعنا لمعالجة تلك التهديدات34. بقيت عقيدة الجزائر الأمنية، ولا سيما في بُعدِها العسكري البحت، إلى وقت قريب، حبيسة التصورات التقليدية للحروب القائمة على مواجهات بين جيوش نظامية، وفي إطار صراعات محدودة، حدودية في الأساس، للأسباب التي ذكرناها سابقًا. فكان أن حال هذا التصور التقليدي المرتبط بتوترات معيّنة دون استيعاب القطيعة الاستراتيجية على مستوى التهديد: تراجع التهديدات الدولتية واستفحال اللادولتية. مع انتشار القلاقل الأمنية والحروب والتدخلات الأجنبية في تخومها المغاربية-الساحلية، أصبحت تواجه تهديدات هجينة لم تستوعبها من قبل، بيد أن الاحتكاك الميداني معها أسهم في إعادة صوغ تصورات الجزائر الأمنية35، وإن كانت خبرة مواجهة الجماعات الإسلامية المحلية المسلحة في تسعينيات القرن الماضي قد سمحت لقواتها الأمنية والعسكرية بالتأقلم مع تلك التهديدات. 3. أسس سياسة الجزائر وعقيدتها الأمنيتين تستند عقيدة الجزائر السياسية والأمنية إلى مبادئ تحوّلت مع مرور الزمن إلى ثوابت: المشروعية الدولية (التحرك في إطار الأمم المتحدة)؛ والسيادة؛ وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ ورفض التدخل (العسكري) الأجنبي؛ وعدم تدخل الجيش الجزائري خارج حدود البلاد (باستثناء المشاركة في حربي 1967 و 1973 ضد إسرائيل)؛ ورفض الخيار العسكري؛ والتسوية السلمية للنزاعات؛ وعدم التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها؛ ومساندة حركات التحرر؛ والانضمام إلى مختلف الآليات الدولية لضبط التسلح ونزع السلاح؛ والحق في أمن غير منقوص لكل دولة؛ ونظام أمني خاص بكل دولة؛ واستقلال أمني بعيدًا عن أي مظلة خارجية أو وجود أجنبي على أراضيها36 فضلً عن مكافحة الإرهاب التي تحوّلت إلى شبه عقيدة أمنية قائمة في حد ذاتها، وإن كانت تبقى منضوية تحت العقيدة الأمنية للبلاد. وفقًا لهذه المبادئ، تبنّت الجزائر عقيدة عسكرية37 اختارت بموجبها وضعًا دفاعيًا وليس هجوميًا لجيشها38. وهي بهذا الشأن أقرب إلى مصر لتشابه العقيدة العسكرية للبلدين39، خاصة إلى جنوب أفريقيا التي تتبنّى "الدفاع غير الهجومي" Defence Non-offensive 40. وهو "نوع من الدفاع الذي يستبعد خيار هجوم مسلح على دول أخرى"41. ومع دسترة مشاركة جيشها في عمليات السلام، تعتمد الجزائر الركيزة الأخرى التي تستند إليها السياسة الأمنية لجنوب أفريقيا وهي حفظ السلام بالتركيز على القارة الأفريقية42. وبناء عليه، يحدد عاملان أساسيان تطوير منظومة الجزائر الدفاعية،
وهما: تصميم هذه الأخيرة لدرء العدوان وليس للاعتداء على الغير أو للتدخل خارج الحدود؛ والاستقلالية الأمنية بعدم الاعتماد على تحالفات خارجية أو اتفاقات دفاعية لضمان الأمن القومي للبلاد43. بما أن التدخل خارج الحدود مستبعدٌ تمامًا، فإن الجيش الجزائري غير مرتبط بأي التزام من هذا النوع، وينسحب دوره في الخارج على المشاركة في مهمات مراقبة في إطار عمليات السلام الأممية فحسب44. وبناء عليه، فعقيدة الجزائر الأمنية دفاعية في جوهرها، ومحددة وفقًا لقيَم لا تجعلها تمس بالمصالح الأمنية للدول الأخرى، وهذا على عكس العديد من الدول، ولا سيما الكبرى منها التي تمنح نوعًا من الصلاحية لعقيدتها الأمنية، تتجاوز حدودها الجغرافية. وفي هذا الشأن يتساءل بوزان: "ما الحق الذي لدى الدولة لتحدد قيمها الأمنية بشكل يحتّم عليها أن يكون لها نفوذ ما وراء ترابها، مع ما يترتب على ذلك من انتهاك شبه حتمي للمصالح الأمنية للغير"45.
4. استقلال أمني بالاعتماد على القدرات الذاتية
ثمة ثلاثة نماذج للأمن القومي في العالم العربي. الأول يقوم على التحالف الاستراتيجي مع قوى كبرى، وهو النموذج الذي تتبنّاه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حتى وإن كان بعضها يطوّر قدرات عسكرية ذاتية، فإن أمنها القومي يعتمد في الأساس على التحالف مع الولايات المتحدة؛ إذ ثمة هوّة واسعة بين حجم إنفاقها العسكري من جهة وإسهامه في صون أمنها القومي الذي تضمنه المظلة الأميركية، ما يوحي بأن جزءًا من إنفاقها تحكمه اعتبارات سياسية وليس عسكرية. والثاني هو النموذج الهجين الذي يعتمد على بناء قدرات عسكرية وطنية وعلى تحالفات استراتيجية مع قوى خارجية، كما هي حال المغرب ومصر (وسورية قبل أن تُدمَر قدراتها.) فهما يبنيان أمنهما القومي على تطوير قدرات عسكرية، وفي الوقت نفسه يعتمدان على التحالف مع الولايات المتحدة. يتمتع المغرب منذ عام 2004 بوضع "الحليف الأساسي للولايات المتحدة خارج الناتو"، الذي منحته إيّاه أميركا من دون أن يكون ثمة مبرر استراتيجي لذلك على الصعيد الإقليمي. فهو في واقع الأمر موجّه إلى طمأنة المغرب المتوجّس حينها من التطور الملحوظ في العلاقات بين الجزائر وأميركا. وأصبح المغرب أول بلد مغاربي حليفًا لأميركا خارج الناتو46، تلته تونس التي مُنحت الوضع ذاته في عام 2015 47 أيضًا في ظل غياب أي مبرر استراتيجي؛ فهي استفادت من هذا الوضع بصفته عرضًا عسكريًا أميركيًا في الوقت الذي احتاجت فيه إلى عرض سياسي، وخاصة اقتصادي. أما الثالث فهو نموذج الاستقلال الأمني عن أي مظلة أجنبية (تحالف استراتيجي، اتفاقات دفاعية، قواعد عسكرية.) وهو النموذج التي تتبنّاه الجزائر منذ الاستقلال، مطوّرة منظومة دفاعية وطنية مستقلة، حيث آثرت الجزائر مقاربة واقعية تستند إلى الاعتماد على القدرات الذاتية. وينطبق عليها بذلك تحليل بوزان: يستلزم مفهوم الأمن القومي مقاربة تقوم على الاعتماد على الذات self-help، حيث "إن التدابير التي تضمن الأمن هي بشكل واسع، إن لم تكن كلّيًا، تحت تحكّم الدولة المعنية"48. يقوم تصوّر الجزائر تحديدًا على ضرورة تحكّمها في التدابير الكفيلة بضمان أمنها، مستبعدة تمامًا أي تبعية إلى الخارج، مهما كانت طبيعتها ودرجتها. نظرًا إلى طبيعة حربها التحريرية، اختارت الجزائر، بمجرد استقلالها، عقيدة وطنية مستقلة عن أي تحالف أو وجود أجنبيين على أراضيها، وبقيت متمسكة بهذه العقيدة التي ترسّخت وصارت خيارًا استراتيجيًا ثابتًا49. وبناء عليه، فقد صقلت حرب التحرير الوطنية البعدين السياسي والمعياري لسلوك الجزائر، حيث طبعته برفض استخدام القوة في العلاقات الدولية والنفور من الأحلاف العسكرية ومن النظام العالمي القائم على موازين القوة51. وفقًا لهذا التصور المناوئ للأحلاف، اقترحت الجزائر، في نيسان/ أبريل 1972، تنظيم مؤتمر للأمن في المتوسط خارج الحلفين، وارسو والأطلسي، تحت شعار "المتوسط للمتوسطيين" الذي رفعته آنذاك، ولسان حالها: ليس ثمة ما يبرر وجود قوات بحرية أجنبية في المتوسط. وعلى عكس الدول
العربية، لم تبرم الجزائر اتفاقات أو معاهدات دفاعية مع قوى أجنبية لتعارض ذلك مع توجّهاتها السياسية الاستقلالية. ووفق هذا التصور، رفضت وترفض منح تسهيلات عسكرية لقوى أجنبية أو قبول وجود قواعدها العسكرية على أراضيها. ووفقه أيضًا دفعت فرنسا إلى إجلاء قواتها من أراضيها قبل الموعد المتفق عليه، حيث بدأت عملية إجلاء القوات الفرنسية، في أيار/ مايو 1967، من قاعدتي رقان (جنوب) وكولمب-بشار (أقصى الغرب)، وانتهت بإجلاء قاعدة مرسى الكبير البحرية بوهران (غرب) في شباط/ فبراير 1968، بينما تحوّلت قاعدة بوسفر الجوية (غرب) إلى قاعدة لتكوين الطيارين الجزائريين52. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1971، صرح الرئيس الجزائري هواري بومدين: "الآن أصبحت بلادنا مستقلة تمامًا. لقد تخلّصنا من القواعد الأجنبية من دون ضجّة، ولا اجتماع، ولا مظاهرة شعبية"53. واتضح في ما بعد أن هذا الكلام ليس مجرد احتفاء ب "كيفية" إجلاء القوات الأجنبية عن التراب الجزائري فحسب، بل تأسيس لعقيدة أمنية في هذا المجال، بقيت ثابتة حتى إبان الحرب الباردة. فبين عامي 1967 و 1969 مارس الاتحاد السوفياتي ضغوطًا على الجزائر لمنحه تسهيلاتها لأسطوله الخامس في المتوسط، إلّ أنها رفضت، على الرغم من اعتمادها عليه لبناء قواتها البحرية الناشئة. وكان لسان حالها ولا يزال: لم نُجل القواعد الأجنبية لاستقبال أخرى54. جدّدت الجزائر، عام 2013، موقفها الرافض تمامًا إقامة قواعد أجنبية على أراضيها، عندما رفضت طلبًا روسيًا لمنحها تسهيلات بحرية. وكانت روسيا سبق وأن عرضت عليها اتفاقًا يتضمن مزايا عسكرية في مقابل تسهيلات بحرية، قبل أن تجدّد طلبها الحصول على تسهيلات بعد توقف الاتصالات مع معمر القذافي بسبب الحرب في ليبيا. بررت الجزائر موقفها بسببين: السيادة الوطنية وحسن الجوار، مؤكدة أنها تمتنع عن كل تهديد ضد جيرانها في غرب المتوسط وضد الولايات المتحدة (التي تنتشر قواتها في إسبانيا وإيطاليا.) وكان الروس يبحثون عن تسهيلات جديدة بعد اندلاع الصراع في سورية55. على أساس هذه الاعتبارات، يمكن القول إن من المستبعد تمامًا أن تقبل الجزائر بوضع حليف لأميركا خارج الناتو، كما من المستبعد أيضًا أن تمنحها أميركا إيّاه. فرفض التحالفات الخارجية والوجود الأجنبي خيار استراتيجي يؤسس لعقيدتها الأمنية، ما يجعلها تعتمد على منظومة دفاعية وطنية مستقلة عن أي مظلة خارجية. يتضح إذًا أن الدولة الجزائرية آثرت استراتيجية وطنية دفاعية معتمدة على إمكاناتها وقدراتها الذاتية لضمان أمن ترابها وحدودها وسلامتهما، تجعلها في منأى عن بعض الارتدادات أو على الأقل تسمح لها بالتخفيف من تداعياتها56. فهي تعتمد استراتيجية تستبعد تمامًا أي انخراط عسكري في الخارج، مفضّ لة العمل بجملة من البدائل، كما سنرى.
5. مبدأ عدم التدخل المزدوج (السياسي والعسكري:) توافق بين المبادئ والممارسات والمصالح
يُعدّ رفض التدخل المزدوج، السياسي والعسكري، مبدأ ثابتًا ومقدّسًا لسياسة الجزائر الخارجية57 والأمنية، ومن ثم، لعقيدتها. ورفض درج في دستور عام التدخل السياسي هو المبدأ الأكثر دسترة؛ أ 1976 الذي خصص له مادتين. نصّت المادة 90: "وفاءً لمبادئ عدم الانحياز وأهدافه، تناضل الجزائر من أجل السلم، والتعايش السلمي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول." بينما تنص المادة 93: "يشكل دعم التعاون الدولي وتنمية العلاقات الودّية بين الدول، على أساس المساواة، والمصلحة المتبادلة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول مبدأين أساسيين للسياسة الوطنية." في دستور عام 1989 اختفى البعد الأيديولوجي، بينما تدعم بعد المشروعية بالإشارة صراحة إلى الأمم المتحدة، مع إعادة صوغ طفيفة للمادة 93 لدستور عام 1976، حيث نصّت المادة 27 من دستور عام 1989: "تعمل الجزائر من أجل دعم التعاون الدولي، وتنمية العلاقات الودّية بين الدول،
على أساس المساواة، والمصلحة المتبادلة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتتبنّى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأهدافه." منذ عام 1989 ترد هذه المادة كما هي في مختلف التعديلات الدستورية
أما التدخل العسكري، فهو أيضًا مرفوض. فالدستور ينص (المادة)31 على امتناع الجزائر عن "اللجوء إلى الحرب من أجل المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحرّيتها"، وعلى "بذل جهدها لتسوية النزاعات سلميًا"، وعلى أن مهمة الجيش تنسحب على حماية البلاد وحدودها. بيد أنه لا يحظر صراحة تدخل الجيش في الخارج، لكن ليس ثمة مادة تجيز ذلك. إذا كانت عقيدة الجزائر الأمنية تختلف عن عقائد معظم الدول العربية، فإنها تشبه إلى حد بعيد نظيرتيها الهندية (بما في ذلك عقيدة الأمن الإقليمي)58 والصينية، على الرغم من الفارق الضخم من حيث القوة. وهذا ما يفسر أيضًا التوافق الاستراتيجي بين الجزائر والصين مثلً. يعتبر المبدأ المزدوج القاضي بعدم التدخل السياسي والعسكري (الأجنبي)، بما في ذلك عدم تدخل الجيش خارج الحدود (رفض تدخل الغير وتدخّلها هي على حد سواء) جوهر عقيدة الجزائر الأمنية والموجّه الأساسي لسلوكها. فباسم هذا المبدأ المزدوج، رفضت التدخل في ليبيا وفي سورية وفي اليمن وفي مالي، على الرغم من بعض التكيّف في الحالة المالية، كما سنرى. وباسمه أيضًا لم تقبل المشاركة في القوة العربية المشتركة، التي يذكّرنا مصيرها بما آلت إليه اتفاقية الدفاع العربي المشترك، رافضة عسكرة العلاقات العربية البينية؛ والانضمام إلى "التحالف الإسلامي ضد الإرهاب" (ائتلاف 43 دولة بقيادة السعودية)، والتورط في النَزْعات والنِّزاعات الطائفية القائمة على "الشرخ" السُنّي-الشيعي الموظف سياسيًا في المشرق العربي، متمسكةً باستقلالها الاستراتيجي. وانجرّ عن مواقفها هذه، بعض التوتر في علاقاتها بفواعل عربية ذات توجهات وسلوك تدخلي، إما على نحو مباشر وإما عبر أطراف ثالثة، في المنطقة. وعملً بهذا المبدأ المزدوج، من المستبعد تمامًا أن تنضم الجزائر إلى مجموعة دول الساحل الخمس (تشاد، النيجر، بوركينافسو، مالي، موريتانيا)59. يمكن القول إن التصور الجزائري لمبدأ عدم التدخل السياسي، يستند إلى ثلاث مقاربات، حيث تحكمه اعتبارات ليبرالية (قواعد، مؤسسات دولية) وبنائية (معايير، هوية) وواقعية (سيادة، مركزية الفاعل الدولتي، المصلحة.) فبإحجامه عن التدخل السياسي، يحمي النظام الجزائري أيضًا نفسه منه. فهذا المبدأ يقوم على المعاملة بالمثل. في تموز/ يوليو 2017 صرّح عبد القادر مساهل، وزير الخارجية الجزائري آنذاك قائلً: "لما نرفض أن نتدخل في شؤون الآخرين، نرفض أن يتدخل الآخرون في شؤوننا. إنها ثابتة منذ الاستقلال إلى يومنا هذا"60. وهو المنطق ذاته الذي ذكَّر به المتحدث الرسمي باسم الحكومة، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، في أوج الحراك الشعبي: "تتمسك الجزائر بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، كما لا تقبل أن يكون ثمة تدخل في شؤونها الداخلية"61. يجب التذكير بأن التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر كان هاجسًا حقيقيًا للسلطة إبان الأزمة الداخلية في تسعينيات القرن الماضي62. وبناء عليه، رفض التدخل في شؤون دول الساحل63 يخدم أيضًا مصلحة الجزائر، فقد وضعت نفسها في منأى عن التدخل في شؤونها الداخلية في ظروف حرجة، مثل المواجهات الطائفية التي عرفتها مدينة غرداية (جنوب البلاد)، الحركات الاجتماعية في الجنوب، أو الأحداث الأمنية التي يكون فيها أمن رعايا أجانب على المحك، مثل الهجوم الإرهابي على المجمع الغازي في تيغنتورين في 13 كانون الثاني/ يناير 2013 64، ومؤخرًا الحراك الشعبي، وما أثاره من نقاش وجدل، بين السلطة وناشطي الحراك65 حول التدخل في
شؤون البلاد الداخلية، بغض النظر عن حقيقته من عدمه. على أي حال، بصرف النظر عن هذا التوافق بين المبادئ الدستورية والممارسات والمصالح، فإن التطورات الأمنية في الإقليم المغاربي-الساحلي خصوصًا تضع عقيدة الجزائر الأمنية أمام امتحان عسير وبعض مبادئها المقدسة على المحك. وسنتطرق إلى ذلك في المبحث التالي.
ثانيًا: معضلات وتحولّات سياسة الجزائر وعقيدتها الأمنيتين
1. توتر بين المستلزم الأخلاقي/ المعياري والمستلزم الأمني وتكييف للعقيدة الأمنية بسبب الأزمات والقلاقل وانتشار التهديدات اللادولتية في التخوم، بفعل الأزمتين الليبية والمالية، تواجه العقيدة الأمنية الجزائرية منذ عام 2011، وأول مرة في تاريخها، معضلة حقيقية تتمثل في التوتر بين المستلزم الأخلاقي/ المعياري والمستلزم المصلحي، أي التوتر بين المبادئ والمشروعية من جهة، والمصالح الأمنية من جهة ثانية. يزداد هذا التوتر حدّةً بسبب الطابع الاستعجالي للمسائل الأمنية. للتخلّص منه أو على الأقل للتخفيف من حدّته، تنتهج الجزائر مقاربة مرنة ساعية للتوفيق بين المستلزمين، وفقًا لمقتضيات الحالات الاستعجالية، كما يتضح ذلك من موقفها حيال الأزمة المالية عامَي 2013-2012، حيث استمر حينها الخطاب التقليدي للجزائر في الإصرار على عدم التدخل السياسي والعسكري (الخارجيين) وعلى تسوية الصراعات والأزمات سلميًا، متوافقًا بذلك مع المبادئ المؤسِّسة لعقيدتها الأمنية. بيد أن سلوكها سار، ولو نسبيًا، في اتجاه مغاير، حيث سايرت الجزائر التدخل العسكري الفرنسي قبل أن تقدم إليه الدعم. يتناقض سلوكها إزاء التدخل الفرنسي في مالي وعقيدتها الأمنية، وخطابها التقليدي المناوئ للتدخلين السياسي والعسكري، لأن هذا التدخل يخدم مصالحها الأمنية، ولا سيما تحييد الحركات الإرهابية عن حدودها الجنوبية. وبناء عليه، تُعدّ الأزمة المالية نموذجًا للتوتر الناشئ بين المستلزمين الأخلاقي/ المعياري والمصلحي في سياستها الأمنية، كما تُعدّ حالة جديرة بالدراسة لكيفية إدارة الجزائر تناقضات موقفها في جوارها الأقرب، وكيف أدى هذا كله إلى تكييف عقيدتها الأمنية، كما سنرى. مع تطور الأحداث على الصعيد الدولي، اتّضح أن هذا التعارض بين المستلزم الأخلاقي/ المعياري والمستلزم الأمني، ما عاد يخص مسائل تمس حدود البلاد فحسب، بل تجاوزها إلى قضايا استراتيجية، كما يتبيّ من موقف الجزائر من الحرب في أوكرانيا. فهي امتنعت عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين الغزو الروسي لأوكرانيا، على الرغم من تقديسها مبدأ سيادة الدول. بينما تعذّرت بهذا المبدأ وبالوحدة الترابية للدول على حساب "التضامن الإسلامي" ووقفت إلى جانب صربيا إبان الحملة الغربية في كوسوفو عام 1999. والمثير للانتباه في الحالة الأوكرانية تأكيد ممثل الجزائر في الأمم المتحدة، بشأن التصويت على قرار الجمعية العامة الذي دان الغزو الروسي، السيادة والتسوية السلمية للنزاعات، بينما امتنع عن التصويت66. وبما أن روسيا هي مزوّدها التقليدي والأساسي بالأسلحة67، فلا خيار لها: كان على الجزائر حسم التعارض بين المستلزميَن بتغليب مقتضيات الأمن (مستلزم استراتيجي) على المبادئ. تعي السلطات الجزائرية جيدًا أن القوى الغربية لا ولن تزوّدها بالأسلحة المتطورة التي تحتاج إليها إن هي اختارت القطيعة مع روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية، فمحاولاتها، منذ عقدين من الزمن، تنويع مصادر تسلّحها، بالاعتماد على دول غربية، لم تُؤت أ كلها، على الرغم من حصولها على أسلحة إيطالية وألمانية، لكونها لا تزال تعتمد أساسًا، خاصة في مجال الأسلحة المتقدمة (مقاتلات وصواريخ متطورة)، على روسيا. 2. عدم التدخل (السياسي و/ أو العسكري:) السيادة تنهار بانهيار الدولة أصبح مبدأ عدم التدخل68، مع مرور الوقت، ميزة أساسية لسلوك الجزائر، ولم يكن محل جدال في البلاد أو خارجها. بيد أن مع انتشار الأزمات في الجوار المغاربي-الساحلي، صار محل نقاش، إلّ أن السلطة الجزائرية بقيت متمسكة به، مقاوِمةًالضغوط الخارجية لدفعها إلى الانخراط في عمليات تدخّل في جوارها، من دون أن يمنعها ذلك من تكييف براغماتي لعقيدتها الأمنية وفقًا لمقتضيات الساعة. إلّ أن التمسك بمبدأي عدم التدخل السياسي والتدخل العسكري على نحو مطلق، وعابر للزمان والمكان، ما عاد منطقيًا. فلا معنى للإصرار على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، في حين انهارت الدولة
في ليبيا وكانت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار في مالي، قبل أن تتدخّل فرنسا وتجنّب المنطقة مشهدًا مريعًا، وأصبح ترابهما مصدر تهديد لأمن الجزائر. وكأنها بسلوكها هذا تضفي الجزائر طابعًا دولتيًا على تهديدات لادولتية. تعتبر الجزائر تأمين الحدود أولوية أمنية قصوى، لكن ذلك لن يتسنّى بسهولة في ظل غياب دولة، أو على الأقل غياب ممثل شرعي (حالة ليبيا) لها على الطرف الآخر من الحدود. لكن حتى وجود محاور دولتي أو ممثل شرعي (حالة مالي) لا يكفي ما دام يفتقر إلى القدرة الكافية لبسط سيطرته على أراضيه وحدوده. وهنا يكمن الخلل في رؤية الجزائر: فهي تصرّ على استبعاد أي تدخّل في شؤون جيرانها، حتى ولو كانوا يعانون اضطرابات أمنية كبيرة، غيَّبت الدولة وحوّلت أراضيهم إلى معقل للجماعات الإرهابية المحلية والعابرة للحدود التي تستهدف أيضًا التراب الجزائري (الهجوم في كانون الثاني/ يناير 2013 على المنشأة الغازية في تيغنتورين، خُطّط له في مالي، وجاءت المجموعة التي نفذته من ليبيا.) زيادة على ذلك، فإن التمسك بهذا المبدأ المزدوج لعقيدتها الأمنية، في ظل استمرار التدفقات اللاأمنية على أراضيها، حال دون قراءة متجددة للتهديدات، كما يجعل جيشها يخوض ما يشبه حرب استنزاف مع فواعل ما دون الدولة وما فوقها. ونظرًا إلى هذه العوامل، يمكن القول إن المبدأ المزدوج لرفض التدخل، في تصوّره المطلق، في سياق ترهّل الدولة في المنطقة، وانهيارها وانتشار التهديدات اللادولتية، صار خطرًا على أمن الجزائر القومي69. بما أن وظيفة مبدأ عدم التدخل في العلاقات الدولية تكمن في حماية مبدأ سيادة الدول70، يمكن القول، والحال هذه، إن من غير الممكن التذرّع بالسيادة في حال انهيار الدولة. يشوب رؤية الجزائر الاستراتيجية قصور لتجاهلها حقيقة أمنية، وهي أن أمنها القومي يُصان أيضًا عن بعد، على مسافات من حدودها الجغرافية، وما عاد ممكنًا حصره في عقيدة دفاعية تقليدية، نظرًا إلى طبيعة التهديدات. وبناء عليه، فالجزائر لم تراجع عقيدتها الأمنية لتستوعب هذا التحول. لكن يبدو أن ثمة تطورًا، نظرًا إلى ما ورد في مجلة الجيش بصدد تبريرها دسترة مشاركة القوات المسلحة في عمليات حفظ السلام: "كما أن الأمن القومي لبلادنا الذي يتجاوز حدودنا الجغرافية الوطنية يقتضي في ظل الوضع السائد على الصعيد الإقليمي وما يطبعه من تحولّات وتغيرات جديدة، تعزيز وحماية أمن واستقرار وطننا، والمشاركة في عمليات فرض حفظ الأمن"71. بغض النظر عن مبررات السلطة الجزائرية ومآرب القوى الخارجية (السعي لإشراك دول المنطقة في مناولة أمنية لمصلحتها)، فإن الجزائر لا يمكنها الثبات على موقفها القاضي بعدم التدخل المزدوج السياسي والعسكري (الأجنبي) في حال الأزمات المرتفعة الحدة في جوارها الجغرافي المباشر. تحتم الشواغل الأمنية وطبيعة التهديدات والأزمات، في بعض الأحيان، تكيّفًا مع الواقع، تجنّبًا للأسوأ. لذا، تختلف عمومًا مواقف الدول باختلاف الأزمات وجغرافيتها. فمن منظور واقعي، كان التدخل في مالي، لما له من تبعات يصعب توقعها، أهون من المخاطرة بقيام إمارة إرهابية. وهذا ما يفسر تطور موقف الجزائر، على الرغم من السردية الرسمية التي تقول بالعكس، من التدخل في مالي؛ رفضته قبل أن تسايره وتمدّه بالدعم اللوجستي. في المقابل، ثمة معضلات يطرحها الخلاف بين الجزائر والفواعل الإقليمية والدولية حول مسألة التدخل، ليس لها علاقة بعقيدتها الأمنية. أولً، تطالب هذه الفواعل الجزائر بالتدخل، في حين أن عمليات التدخل لم تثبت فشلها في إحلال الاستقرار فحسب، بل أصبحت عاملً مخًّلًّ بما بقي منه، إلى درجة أن بعض هذه الفواعل ينادي أحيانًا بتدخل جديد لتصحيح مساوئ تدخل سابق واختلالاته، وإن كان ثمة اعتراف بخطأ التدخل في ليبيا72. ثانيًا، كيف للجزائر أن تتدخل في الوقت الذي تؤكد تطورات الأحداث في مسارح التدخل في الإقليم المغاربي-الساحلي صواب مقاربتها. ومع ذلك، فإن موقفها يصعب الثبات عليه في كل ظرف، وفي كل مكان؛ في حال فوضى أمنية تختفي فيها الدولة لمصلحة فواعل لادولتية، خاصة أن البدائل التي تطرحها لم تحقق الأهداف المرجوّة. أما تمسكها بالمشروعية، فيجعلها تواجه معضلة عدم توافقها مع الشرعية.
3. إشكالية الاتّساق بين المشروعية والشرعية
تُبنى سياسة الجزائر الأمنية على استراتيجية تعاونية؛ التشاور والتعاون إقليميًا ودوليًا في إطار المشروعية الدولية. ومن ثم، يجب أن يكون
كل عمل دولي للوقاية من المخاطر والأزمات وإدارة هذه الأخيرة أو تدخل مباشر، بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فاللجوء إلى القوة يجب أن يكون بترخيص منه، وذلك بعد استنفاد سبل التسوية السلمية كلها للأزمات. فسياستها الأمنية تقوم على المعالجة السياسية لأسباب الأزمات، وليست على المعالجة العسكرية الظرفية لأعراضها أو نتائجها، متبنية مقاربة شاملة للأمن، تأخذ في الحسبان مختلف أبعاد الأزمات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبناء عليه، فهي تعترض على الحرب الوقائية، فضلً عن الحرب الاستباقية. في المقابل تؤكد ضرورة التعامل مع التهديدات في مصادرها، محبّذةً معالجة سياسية وقائية73.
أكدت الجزائر وأصرّت في مواقفها كثيرًا على ضرورة احترام المشروعية legalism الدولية، لكن المشكلة هي في عدم الاتّساق، في غالب الأحيان، بين المشروعية والشرعية legitimacy. لذا، كثيرًا ما توجد في مأزق سياسي. فهي طالبت باحترام المشروعية الدولية عند اندلاع الأزمة الليبية، ولمّا صدر القرار 1973، في 17 آذار/ مارس 2011، عن مجلس الأمن الذي يجيز إقامة منطقة حظر طيران في ليبيا، وجدت نفسها في وضع لا تُحسَد عليه. فالقوى الغربية النافذة والناتو، مدعومة من دول عربية موالية لها، فسّت هذا القرار على هواها، لتقلب نظام القذافي قبل تصفيته. حينها وجدت الجزائر نفسها في ورطة لأن المشروعية التي تمخضت عن قرار مجلس الأمن لا تروق لها سياسيًا، وليست في مصلحتها أمنيًا. فحتى وإن ندّدت بالتدخل، لم يكن ممكنًا لها التنديد بالقرار الأممي الذي وُظّف ذريعة لذلك. فهل أخطأت الجزائر، حينها التقدير مراهِنةً على استخدام روسيا والصين حق النقض ضد القرار؟ إشكالية الشرعية والمشروعية نفسها مطروحة في جامعة الدول العربية، كما يتّضح مع الحالة اليمنية مثلً. يُفهم من مادة الدستور المذكورة أن مشاركة الجيش ستكون في عمليات سلام تحت إمرة الأمم المتحدة، أو الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية، لكن نظرًا إلى مواقف الجزائر ووجودها دائمًا في معسكر الأقلية المعارضة في الجامعة، فمن غير المرجّح أن تشارك في عمليات حفظ سلام تحت إمرة الجامعة، هذا إذا افترضنا أن هذه الأخيرة قادرة على قيادة مثل هذه العمليات. وحتى لو افترضنا بعديًا أن التدخل في اليمن كان تحت لواء الجامعة، فمن المستبعد أن تشارك فيه الجزائر. من الواضح أن ليس لهذه الأخيرة ثقل في الجامعة، فضلً عن الأمم المتحدة. يبقى الاتحاد الأفريقي وهو المعني في الأساس بالتعديل الدستوري، وإن كان ثمة، عمومًا، غطاء أممي لعملياته لأسباب سياسية، وخاصة مالية.
4. أزمة مالي: تكييف/ تحوّل في العقيدة الأمنية
قد يبدو من أول وهلة أن تعامل الجزائر مع الأزمات في جوارها يتوافق تمامًا مع المبادئ المؤسِّسة لسياستها الخارجية والأمنية، أو ما صار يعرف ب "الثوابت"، وتحديدًا مبدأ رفض التدخل السياسي والعسكري، وهذا طبعًا ما تؤكده السردية الرسمية للسلطات الجزائرية مرارًا وتكرارًا، وكأنها تراهن على مفعول الممارسات الخطابية مع مرور الزمن، بيد أن نظرة فاحصة لسلوكها تبيّ أن ثمة تعديلات طفيفةً أو تكييفات ظرفيةً، وفق مقتضيات الموقف، طرأت على العقيدة الأمنية الجزائرية، حتى وإن كانت هامشية، فإنها ذات مغازٍ. وهذا ما حدث خلال الأزمة المالية، حيث يمكننا رصد ثلاثة قرارات تسير كلها في الاتجاه المغاير تمامًا لخطابها الرسمي وللمبادئ المؤسِّسة لعقيدتها الأمنية. أولً، شاركت الجزائر في الاجتماعات الإقليمية لدول غرب أفريقيا، بإشراف فرنسا، التي كانت تحِّضِّ وتشرعِن التدخل الفرنسي في مالي. ثانيًا، فتحت مجالها الجوي لسلاح الجو الفرنسي المتدخل في مالي، ويُعدّ هذا قطيعة استراتيجية في عقيدتها الأمنية. ثالثًا، زوّدت القوات الفرنسية بالوقود في أثناء عملياتها العسكرية في مالي74. وبقي مجالها مفتوحًا أمام سلاح الجو الفرنسي حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2021 لما قررت غلقه أمامه، مستثنية رحلات النجدة الصحية، كما سحبت سفيرها من باريس، في سياق الأزمة بين البلدين عقب تصريحات للرئيس الفرنسي شكَّك فيها في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي، التي اعتبرتها الحكومة الجزائرية مسيئةً. وبعد أن عرفت العلاقات الثنائية تهدئة، فتحسّنًا، خاصة منذ مطلع العام الحالي، سمحت الجزائر في شباط/ فبراير 2022، مجددًا للطائرات العسكرية الفرنسية باستخدام مجالها الجوي، وذلك تزامنًا مع بدء الانسحاب الفرنسي والأوروبي من مالي.
يبدو أن هجوم تيغنتورين75 أسهم إسهامًا كبيرًا في تطور سلوك الجزائر، وفي تطوير علاقاتها بفرنسا. فهذا الهجوم هز دفاعات الجزائر لحماية الحدود، وأربك سياسة عدم التدخل التي تقول بها. وهذا ما قاد إلى "تغير تاريخي" في موقف الجزائر التي دعمت حماية حدودها مع مالي وقدّمت تسهيلات (فتح المجال الجوي، وقود، استخبارات) للتدخل الفرنسي فيه. إنه تطور نوعي في مواقفها، وفي علاقاتها بفرنسا76. طرأ هذا التكييف على العقيدة الأمنية الجزائرية في وقت واصلت السلطات سرديتها القائلة برفض التدخل العسكري وبضرورة التسوية السلمية. بالطبع عدم الاتساق في المواقف لا ينسحب على السياسة الجزائرية دون سواها، بل هو ميزة لسياسة الدول، بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم فيها. لكن يبقى أن هذا التناقض بين السردية السائدة والسلوك دلالة على تعديل/ تكييف ولو ظرفي لعقيدة الجزائر الأمنية، ما يعني أن إحجامها عن التدخل الخارجي ليس بالضرورة مطلقًا، وعليه، فهي تقرّ بإمكان تدخّل محدود إن توافق مع مصالحها الأمنية، أو على الأقل تتعامل معه عمليًا بنوع من الإيجابية، ثم تُذوته مع الإبقاء على السردية الأمنية والسياسية ذاتها. كما أن هذا التناقض دلالةٌ على تكيّف مع الواقع بحسب ما تقتضيه المصالح الأمنية. تشير هذه التحولات كلها إلى حدوث تعديلات طفيفة على العقيدة الأمنية الجزائرية، من دون مراجعة جوهرية لها. يعبّ هذا التكييف الذي يحكمه منطق براغماتي، أيضًا عن توتر بين المبادئ والمصالح. وما يمكن استخلاصه من هذا كله هو أن مبدأ تدخل محدود، أو على الأقل مبدأ الدعم اللوجستي لتدخل خارجي في الجوار، لم يكن مستبعدًا77. ونافلة القول إن مصالحها الأمنية فرضت عليها مسايرة التدخل الفرنسي ودعمه لوجستيًا، حاسمة الأمر لمصلحة المستلزم الأمني على حساب المستلزم الأخلاقي/ المعياري. يتوافق تحليلنا هذا للحالة الجزائرية مع التحليل النظري لإميلي غولدمان الذي يرى أنه يجب النظر إلى "التكييفات التدرجية في عقائد الأمن القومي باعتبارها جزءًا من المسار الطبيعي للأحداث"، ملاحظًا أن التغير في العقيدة الأمنية يحدث "عمومًا ببطء نتيجةً لتفاعلات متكررة. نادرة هي الحالات التي تُغيّ فيها الدول عقائدها للأمن القومي، على نحو جذري، وتتبنّى هوية أمن قومي جديدة، أو تعيد تنظيم أهمية الهويات الموجودة." وبناء عليه، فإن "التغييرات الجذرية في عقيدة الأمن القومي غالبًا ما تكون نتيجة انقطاعات discontinuities كبرى مثل تغيير النظام، هزيمة في حرب، اختفاء تهديد كبير أو حدوث طفرات تكنولوجية ثورية، تغير أسس القوة الوطنية"78. وبما أن هذه الانقطاعات الاستراتيجية (بالمعنيين السياسي والأمني)، غير واردة في الحالة الجزائرية، وفي بيئتها الاستراتيجية، على الأقل في المستقبل القريب، وربما المتوسط، فإنه من غير المرجّح أن يطرأ تغيّ جوهري على عقيدة الجزائر الأمنية وسياستها الأمنية عمومًا، من دون أن يعني ذلك غياب تكييف تكتيكي وتأقلم مع المستجدات بحسب السياق والمصالح.
ثًالث ا: دسترة مشاركة الجيش في عمليات السلام: تحوّل آخر في العقيدة الأمنية في سياق الحراك
1. المشاركة في عمليات السلام: تحوّل محدود في العقيدة الأمنية
يجيز الدستور الجزائري المعدل في الفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، باستفتاء شعبي، مشاركة الجيش في عمليات السلام (المادة 13، فقرة:)3 "يمكن للجزائر في إطار احترام مبادئ وأهداف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية أن تشارك في حفظ السلم." تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الفقرة جاءت بعد فقرتين غاية في الأهمية، وكأنهما وردتا للتخفيف من الفقرة الثالثة (ترخيص المشاركة في عمليات السلام)، أو للطمأنة بشأن عدم المساس بالمبادئ الراسخة لسياسة الجزائر، حيث جاء في الفقرة الأولى من هذه المادة: "تمتنع الجزائر عن اللجوء إلى الحرب من أجل المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحريتها"، بينما جاء في الفقرة الثانية: "تبذل الجزائر جهدها لتسوية الخلافات الدولية بالوسائل السلمية." فضلً عن ذلك، تضمّن دستور عام 2020 (المادة 20) أيضًا المادة ذاتها (مع تعديلات طفيفة مقارنة بدستور عام 1989) الخاصة بمهمات الجيش الجزائري ووضعه الدفاعي: "تنتظم الطاقة الدفاعية للأمة ودعمها وتطويرها حول الجيش الوطني الشعبي. تتمثل المهمة الدائمة للجيش الوطني الشعبي في المحافظة على الاستقلال الوطني والدفاع عن السيادة الوطنية. كما يضطلع بالدفاع عن وحدة البلاد
وسلامتها الترابية وحماية مجالها البري والجوي والبحري. يتوّل الجيش الوطني الشعبي الدفاع عن المصالح الحيوية والاستراتيجية للبلاد طبقًا لأحكام الدستور." فهذه المادة لا تمنع صراحة تدخّل الجيش خارج الحدود، لكنها تحدّد مهماته بالدفاع عن البلاد. حتى وإن كان التعديل الدستوري يمثّل قطيعة في تصور الجزائر لعقيدتها الأمنية، فإن هذه القطيعة محدودة كونها لا ترقى إلى تحول استراتيجي حقيقي في هذه العقيدة، فالدستور يجيز المشاركة في عمليات حفظ السلام وليس التدخل العسكري بمعناه التقليدي الذي يبقى مستبعدًا جدًا. ومن ثم، فإن أغراض هذا التحول سياسية في الأساس، ما يجعل تداعياته العسكرية محدودة، إن لم نقل منعدمة. وبناء عليه، لا يُحدث التعديل الدستوري قطيعة استراتيجية في عقيدة الجزائر، وفي سياستها الأمنية عمومًا، ولا يشير إلى سقوط آخر قلعة عدم التدخل في المنطقة. صحيح أنه يجيز نشر قوات خارج الحدود، إلّ أنه يؤطر ذلك بصرامة، حيث لا يكون تدخّلها إلّ في إطار عمليات حفظ السلام، وفقًا لمبادئ الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وأهدافها. يشترط الدستور ترخيص البرلمان لذلك، ما يمنح السلطة هامش مناورة سياسية. الغرض من المرور عبر البرلمان سياسي وليس ديمقراطيًا، لأن المقصود منه ليس الرقابة المدنية للقوات المسلحة79، إنما المناورة السياسية: إذا كانت السلطة لا ترغب في نشر القوات خارج الحدود، فإن البرلمان سيصوّت بإيعاز منها ضد التدخل، وبذلك يسمح لها بالتذرّع لدى شركائها الإقليميين والدوليين بأن الكلمة الفصل تعود إلى البرلمان. لكن حتى وإن صوّت البرلمان لمصلحة نشر قوات في إطار عمليات السلام، فإن ذلك غير ملزم لرئيس الجمهورية الذي يخوّله دستور عام 2020 (مادة 92، فقرة 2)، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، صلاحية قرار "إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الوطن بعد مصادقة البرلمان بغالبية ثلثي 2()3/ أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان"، أي المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى) ومجلس الأمة (الغرفة العليا.) ولا تدع هذه الصياغة القانونية مج لً للتأويل في أن القرار النهائي يبقى في يد رئيس الجمهورية، وأنه غير مجبر دستوريًا على تنفيذ ما صدّق عليه البرلمان. تُدرج هذه الصلاحية العليا المخوّلة له ضمن التقليد الدستوري السائد في الجزائر والمتمثل في تحكّم السلطة التنفيذية في السلطة التشريعية. 2. دسترة مشاركة الجيش في عمليات حفظ السلام: مسوّغات القيادة العسكرية أثار تعديل الدستور الجزائري في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، بترخيصه مشاركة الجيش في عمليات السلام، جدلً واسعًا في البلاد، وكالعادة، خلال الأعوام الأخيرة، جاء الرد من القيادة العسكرية، عبر مجلة الجيش (الشهرية)، وذلك في مرات عدة. وردّ القيادة العليا للجيش مهمّ جدًا، لأنها معنية مباشرة بهذه المسألة، ولأن المسوِّغات التي تقدّمها تبريرًا لهذا التعديل مهمة أيضًا بحكم ثقل الجيش في السلطة، فضلً عن تعبيرها عن مدركاته للتهديد وتشخيصه الوضع الأمني إقليميًا ودوليًا. سنقتبس فقرتين من مجلة الجيش تعبّ ان بوضوح عن رؤية الجيش وتستخدمان المفردات نفسها "(جهات"، "أطراف)" للسردية المهيمنة. كتبت مجلة الجيش في افتتاحيتها (حزيران/ يونيو 2020) بعنوان "تحولّات تمليها المتغيرات"، إن "مقترح مشاركة الجيش الوطني الشعبي في عمليات حفظ السلام خارج [الحدود] يتماشى تمامًا مع السياسة الخارجية لبلادنا التي تقوم على مبادئ ثابتة وراسخة تمنع اللجوء إلى الحرب وتدعو إلى السلام وتنأى عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتحرص على فض النزاعات الدولية بالطرق السلمية، تماشيًا مع قرارات الشرعية الدولية.[...] كما أن الأمن القومي لبلادنا الذي يتجاوز حدودنا الجغرافية الوطنية يقتضي في ظل الوضع السائد على الصعيد الإقليمي وما يطبعه من تحولات وتغيرات جديدة، تعزيز وحماية أمن واستقرار وطننا، والمشاركة في عمليات فرض حفظ الأمن، وإن لم يعد جديدًا بالنسبة لبلادنا، من شأنه أن يسهم في تفعيل السلم والأمن خصوصًا بقارّتنا السمراء التي تشهد أكبر عدد من النزاعات في العالم وانتشار أكثر عدد من مهمات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلم"80. وفي عددها الصادر في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، أي قبل شهر من الاستفتاء على الدستور، كتبت الجيش: "وخلافًا لما تروّج له بعض الأطراف، فالهدف من هذه المشاركة ليس التدخل عسكريًا خارج حدود الجزائر والدخول في تحالفات أو نزاعات مسلحة، فالجزائر باعتبارها دولة ذات سيادة ترافع منذ استقلالها من أجل احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، عكس ما تدّعيه بعض الجهات من ذوي النوايا السيئة التي تهدف إلى تغليط الرأي العام الداخلي والخارجي بتحليلات سطحية وحجج واهية"81.
ثمة خمسة استنتاجات يمكن استخلاصها من الاقتباسين: أولً، لا يرى الجيش تناقضًا بين ترخيص مشاركة القوات المسلحة في عمليات السلام الدولية من جهة والمبادئ الراسخة لعقيدة الجزائر الأمنية. ثانيًا، يقرّ بضرورة مشاركة الجزائر في جهود السلم، ولا سيما في القارّة، بما في ذلك المشاركة في حفظ السلام حتى تؤدي الدور المنوط بها وتسترجع مكانتها. وهذا ما يتوافق تمامًا مع السردية الرسمية المهيمنة بشأن هذا التعديل الدستوري الذي تحتمه، وفقها، التهديدات المتنامية في المنطقة وفي أفريقيا. ثالثًا، يقرّ الجيش بضرورة تكييف العقيدة الأمنية للبلاد لمواكبة تطور التهديدات. رابعًا، يبقى الجيش طرفًا مشاركًا في النقاش السياسي، في الوقت الذي يقول إنه لا يمارس السياسة. خامسًا، الواضح من طريقة دفاع مجلة الجيش عن دسترة المشاركة في عمليات السلام، أن القرار جاء من القيادة العليا للجيش وليس من السلطة المدنية.
3. دوافع ومحاذير
السؤال المطروح، لماذا أ درِجت هذه الفقرة في الدستور في هذا الوقت تحديدًا (تشرين الثاني/ نوفمبر 2020)؟ وهل الأمر ملحٌّ إلى هذا الحد، خاصة أن الجزائر مطالبة منذ مدة من شركائها الأفارقة والدوليين بالانخراط في عمليات حفظ السلام، لكنها لم تستجب لهم؟ ثمة أهداف سياسية داخلية وخارجية عدة متداخلة كانت وراء هذا التعديل. داخليًا، يمكن ذكر عاملين أساسيين: أولً، التسويق لتحوّل ديمقراطي آتٍ في البلاد. فاشتراط تصديق البرلمان حتى يقرر رئيس الجمهورية إرسال قوات إلى خارج الحدود في إطار عمليات حفظ السلام، يشير إلى سعي السلطة للإيحاء بأن ثمة مسارًا لوضع القوات المسلحة تدريجًا تحت الرقابة المدنية والتشريعية تحديدًا. ثانيًا، السعي لكسب المزيد من الشرعية محلّيًا بالتأكيد على أن طبيعة التهديدات المحدقة بأمن البلاد تقتضي تعديل الدستور، حتى ولو تطلّب ذلك تغيير عقيدة الجزائر العسكرية82. ومن ثم، فهذه الدسترة توظيف للخارج لخدمة مآرب داخلية تتمثل في السعي للحدّ من أزمة شرعية النظام في سياق الحراك؛ ذلك أن توقيت تعديل الدستور في هذا الظرف بالذات ليس مصادفة. خارجيًا، يمكن رصد عوامل عدة. أولً، بررت السلطة دائمًا عدم التدخل بالدستور، ومن ثم، كان عليها تعديله، حتى تتيح إمكان مشاركة الجيش في حفظ السلام. ثانيًا، الاستجابة لمطلب تقليدي لشركاء الجزائر الأفارقة والدوليين الذين يطالبونها بالتدخل وبضرورة إسهامها في عمليات السلام وانخراطها أكثر في صون الأمن الإقليمي والقارّي. ثالثًا، هذا التعديل هو أيضًا سبيل للجزائر للتعريف بجهودها الكبيرة في صون الأمن الإقليمي التي تبقى غير مرئية، لأنها غائبة عن عمليات حفظ السلام التي يوظّفها العديد من الدول الأفريقية ريعًا سياسيًا وعسكريًا وماليًا، حيث تقبل هذه الدول بوضع نفسها في حالة تبعية للفواعل الخارجية في مجال إدارة الأزمات، متّخذة من هذه العمليات منصّةً للترويج لنفسها باعتبارها مزوّدة للأمن83. رابعًا، إخراج الجزائر من معضلة بنيوية: القول بضرورة تكفّل دول المنطقة والقارة بالأمن الإقليمي، وفي الوقت نفسه رفض أي مساهمة في عمليات حفظ السلام، وأيّ تدخل خارج الحدود بدعوى القاعدة الدستورية. فهي تطالب الدول الأفريقية باسترداد الأمن القارّي وحيازته ownership، بينما تمتنع عن المشاركة في القوة الأفريقية بدعوى عدم نشر جيشها خارج حدودها، ما يحدّ عمليًا من نفوذها في أفريقيا. لمّا اتّفقت دول أفريقية على إنشاء القوة الأفريقية الجاهزة Force Standby African، أعلنت الجزائر، في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2013، أنها لن تشارك بوحداتها العسكرية فيها، لكنها ستقدّم إليها دعمً لوجستيًا، مشيرة، في هذه المناسبة، إلى ضرورة اضطلاع مجلس الأمن بمسؤولية حفظ السلام والأمن في العالم، بما في ذلك أفريقيا. يعبّ هذا التناقض عن توتر بنيوي في المقاربة الجزائرية: من جهة المرافعة لأجل الانعتاق الاستراتيجي للدول الأفريقية بتكفّلها بأمنها وبناء قدرات أفريقية ورفض التدخل الخارجي، على أساس شعار غير معلن "أفريقيا للأفارقة" (على نمط شعار "المتوسط للمتوسطيين" الذي رفعته في سبعينيات القرن الماضي، كما رأينا)؛ ومن جهة أخرى، الامتناع عن المشاركة في البنى العسكرية القارّية بدعوى عدم نشر قواتها في الخارج. وبهذا فهي تضع عمليًا مهمة صون الأمن الإقليمي/ الأفريقي في يد القوى الخارجية84. خامسًا، ربما تكون القيادة العليا للجيش قد أدركت أنها في حاجة إلى هذه النافذة الدولية ليكون للجيش الجزائري هو الآخر حضورٌ في عمليات حفظ السلام الدولية، وهذا من قبيل الدبلوماسية العسكرية/ الدفاعية التي تدرّ على الدول الأفريقية التي تمارسها نفوذًا وعوائد اقتصادية85. سادسًا، التنافس مع المغرب الذي عاد بقوة قارّيًا والمنخرط في عمليات حفظ السلام دوليًا وقاريًا واعتماده دبلوماسية حفظ السلام أداةً لسياسة النفوذ.
بغضّ النظر عَّمَّ ستفضي إليه الممارسة، لأن الدسترة لا تعني بالضرورة التطبيق أو العمل بهذا الإمكان في كل زمان ومكان، فإنه يمكن القول إن دسترة مشاركة الجيش في عمليات السلام أداة لخفض الضغط الدولي على الجزائر، لدفعها إلى الانخراط في عمليات عسكرية في تخومها الجغرافية، ووسيلة أيضًا لسدّ الباب أمام أي احتمال للعدول عن مبدأ عدم التدخل العسكري. ومن ثم، فالجزائر تضرب عصفورين بحجر واحد: التخفيف من الضغوط الخارجية من جهة، وتكريس مبدأ عدم التدخل العسكري والمشروعية الدولية من جهة أخرى. على أي حال مهما كانت الدوافع والمبررات والمآرب، فإنه لم يكن بمقدورها أن تواصل المناداة بضرورة اضطلاع الدول الأفريقية بأمنها، وفي الوقت نفسه ترفض الإسهام في حفظ السلام في القارة، خاصة أن نفوذها على المحك. ثمة محاذير قد تترتب على نشر قوات جزائرية في إطار عمليات السلام. فثمة إمكان جرّ الجزائر وتوريطها في صراعات هي في غنى عنها، ومكلفة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، مثل توريطها في حروب بالنيابة، بدعوى حفظ السلام، لمصلحة قوى خارجية، لها أجندتها الخاصة في المنطقة (المغاربية، العربية، الأفريقية.) سيستنزف توريطها في مثل هذه العمليات قدراتها العسكرية والمالية في صراعات قد لا يكون لها أي تأثير في أمنها الإقليمي. وما قد يجعلها أمام معضلة جديدة، أي التوتر الذي سينشأ بين المستلزم الأمني (عدم إقحام نفسها في صراعات هي في غنى عنها) والمستلزم السياسي (المشاركة في حفظ السلام بما أن الدستور يجيز ذلك، خاصة أنها تنادي بالتكفّل المحلي بأزمات المنطقة، بعيدًا عن تدخلات الفواعل الخارجية.) علمً أن المشاركة في عمليات السلام تحكمها دائمًا اعتبارات سياسية وأمنية بالنسبة إلى الدول المجاورة لبؤر التوتر المعنية بهذه العمليات. مع ذلك، فإن التعديل الدستوري يرد على جانب من معضلة الجزائر السياسية والأمنية، متجاهلًالجانب الآخر الذي لا يزال مطروحًا بحدّة. فهو يتدارك الخلل في سياستها الخارجية والأمنية والمتمثل في مرافعتها من أجل اضطلاع الدول الأفريقية بأمنها الإقليمي والقارّي ورفض التدخل الخارجي من جهة، وإحجامها عن المساهمة في جهود حفظ السلام في أفريقيا من جهة أخرى. لذا، يسدّ الدستور هذه الثغرة وينقذ سياسة النفوذ الجزائرية من مأزق حقيقي أضحى بنيويًا. في المقابل أبقى الدستور على المشكلة قائمة بشأن التذرّع بعدم التدخل في شؤون الدول، في الوقت الذي انهارت الدولة في ليبيا وكادت تنهار في مالي. ومن ثم يمكن القول إن استجابة التعديل الدستوري تبقى جانبية في شقّها. ومن هنا يأتي التناقض الآخر، وهو تشديد السردية الرسمية على أن هذا التعديل جاء تجاوبًا مع التحولّات الأمنية وتنامي التهديدات في المنطقة. لكن، كيف يمكن المشاركة في عمليات السلام أن تحدّ مثلً من التهديدات اللاأمنية المتدفقة على حدودها. ففي ليبيا لا توجد عمليات حفظ السلام، فما جدوى هذا التعديل الدستوري في مثل هذه الحالات؟ إذا كان بعض مسوِّغات السلطة لتبرير تعديل الدستور يتوافق مع الواقع، فإن البعض الآخر غير ذلك. زيادة على ذلك، فإن عمليات السلام ليست حًّلًّ سحريًا، فالمهمة الأممية في مالي لا ثقل لها على أرض الواقع. 4. الانخراط الخارجي تدعيما للتسلطية داخليا؟ ثمة من يرى أن الانخراط الدولي الجزائري، أي التحرّك السياسي والدبلوماسي والالتزامات دوليًا، تحكمه اعتبارات سياسية خاصة بالحفاظ على النظام القائم في البلاد، ومن ثم أصبح هذا الانخراط الدولي "موردًا لتعزيز المطواعية résilience الداخلية للنظام"86. وينطبق هذا على محاربة الإرهاب التي تستخدمها الفواعل الدولتية سياسيًا، مستفيدة من طبيعة الإرهاب المبنية والتوظيفية. واستعارة لمقولة ألكسندر ونت الذائعة الصيت بشأن الفوضوية87، نقول إن محاربة الإرهاب هي ما تصنعه الدول بها. فالقوى الكبرى توظف محاربة الإرهاب لشرعنة نفوذها وتحديث سيطرتها وجعل الآخرين ينفّذون رغباتها. ونظرًا إلى الطبيعة الأدائية performative للخطاب حول الإرهاب، فمجرد ذكر هذا الأخير يكفي لخلق حالة من الهلع لدى كل دولة بسبب تهمة دعم الإرهاب. أما على الصعيد الداخلي، فيوظف الكثير من الدول محاربة الإرهاب لشرعنة المقاربة الأمنية وانتهاك الحريات الأساسية وتقييد المعارضة السياسية وحظر المظاهرات، بل منع التعبير السياسي والاجتماعي في الفضاء العام. على غرار الدول الأخرى، بما فيها القوى الكبرى، توظف الجزائر محاربة الإرهاب لأغراض سياسية داخلية88 وخارجية. فهي تستخدمها موردًا سياسيًا، لكن مع اختلاف ملحوظ يجعلها تتميز من باقي الدول. فلو كانت توظفها كغيرها، لتدخّلت خارج حدودها عسكريًا، كما يُطلب منها مرارًا، ولكان ذلك سبيلً قويًا لتعزيز التسلّطية داخليًا. لكن برفضها التدخّليَن، السياسي والعسكري، في شؤون الآخرين وترابهم، وبرفضها شرعنة تدخل الدول الأخرى، لا توظف الجزائر التدخل بوصفه رافعة للنفوذ خارجيًا، ولا لدعم مطواعية النظام القائم، داخليًا. يتميز النهج الذي يتبنّاه النظام الجزائري من ذلك الذي يعتمده الكثير من الأنظمة السياسية الأفريقية التي تتبنى ما يسمّيه جان-
فرانسوا بايار استراتيجية التوجّه نحو الخارج extraversion بوضع نفسها في خدمة الفواعل الخارجية تحقيقًا لمآربها، حيث جعلت تلك الأنظمة من انخراطها دوليًا رَيعًا متعدد الأبعاد (سياسية، عسكرية، اقتصادية) يسمح لها بتعزيز تسلطيتها بالدعم، الضمني أو الصريح، من الفواعل الكبرى89. لكن لماذا لا يمارس النظام الجزائري سياسة التوجّه نحو الخارج للحصول على ريع استراتيجي لخدمة مطواعيته؟ يمكن تفسير ذلك بأربعة عوامل: أولً، يشكّل تصوّر الخارج عمومًا مصدرَ تهديد في المخيال السياسي الموروث عن الحقبة الاستعمارية والثورة التحريرية90، وعاملً محددًا للمدركات والتمثلات في ما يتعلق بالعلاقة بالآخر (الخارج.) ثانيًا، المقاربة الاستقلالية والسيادية التي تبلورت خلال أعوام الحرب التحريرية، قدّست استقلال القرار الاستراتيجي للبلاد وعدم التدخل في شؤون الآخرين وعدم تدخلهم في شؤون الجزائر. ثالثًا، يتمتع النظام الجزائري بموارد سياسية داخلية كافية تسمح له بتجديد/ تعزيز تسلطيته: شرعية ثورية (على الرغم من تأكّلها/) شرعية أمنية (موروثة عن حقبة التسعينيات)؛ وجود شبكة وسطاء (أحزاب السلطة، أحزاب موالية، منظمات رسمية وغير رسمية تسير في فلك السلطة)؛ منظومة زبونية قوية؛ والريع النفطي/ الغازي الذي يسمح له بتحويلات اجتماعية لشراء الذمم (السلم الاجتماعي) بلغت مستويات عالية في عهد بوتفليقة91، حتى وإن كان هذا الجزء المخصص لشراء السلم الاجتماعي مرهونًا بتقلّبات أسعار النفط92. رابعًا، النظام قوي بما في الكفاية لتحييد الضغوط الخارجية، رافضًا أيّ انخراط عسكري خارجيًا. لكل هذه الأسباب مجتمعة، ليس النظام الجزائري في حاجة إلى شرعية خارجية لسدّ العجز في الشرعية الداخلية، على الرغم من تأكّلها، منذ أعوام، ولا سيما مؤخرًا في سياق الحراك. بيد أن تطورات في سياق الحراك تشير إلى أن بعض هذه العوامل المفسرة ما عاد صالحًا، وأن تحولً ما حدث أو هو قيد الحدوث، من دون أن يعني ذلك أن هذا التحليل ما عاد صالحًا برمّته لمقاربة موقف الجزائر من الانخراط الدولي. يتمثل التطور الأول في لجوء النظام، في أوج الحراك، إلى الخارج في إطار استراتيجية يمكن وصفها بالاستقواء بالخارج لاستضعاف الداخل. ويُعدّ هذا قطيعة في سلوك النظام الجزائري الذي أسس شرعيته على قاعدة داخلية. فالسلطة الجزائرية لجأت إلى الخارج، على الرغم من سرديتها التقليدية حول رفض التدخل في شؤون البلاد الداخلية، مرتين (آذار/ مارس وتشرين الأول/ أكتوبر 2019)، سعيًا لكسب دعم دولي لخريطة طريقها المرفوضة من الحراك. أما المؤشر الثاني، فيتمثل في ترخيص الدستور مشاركة الجيش في عمليات السلام. وكما قلنا ثمة العديد من الدول الأفريقية، وغيرها، يتخذ من المشاركة في عمليات السلام ريعًا استراتيجيًا، فهل ستحذو الجزائر مستقبلً حذوها؟ نزعم أن ذلك مستبعد لثلاثة أسباب على الأقل: أولً، قرار تعديل الدستور بهذا الخصوص ينم عن استراتيجية دفاعية أكثر منها هجومية، فهو جاء لوضع حد في تناقضات الموقف الجزائري (ضرورة تكفل الأفارقة بأمنهم من جهة والامتناع عن المشاركة العسكرية في عمليات السلام من جهة ثانية)، فضلً عن الرد على النفوذ المتنامي للمغرب بعد عودته إلى المنظمة القارية. ثانيًا، ليس النظام الجزائري في حالة هشة إلى درجة المراهنة على الشرعية الخارجية بديلً، أو على الأقل داعمً للشرعية المحلية. ثالثًا، ليس للقوى الدولية الفاعلة، عكس ما تقوله السردية الرسمية، مصلحة في زعزعة استقرار الجزائر (ليس حبًّا في الجزائر، إنما خوفًا من تفاقم القلاقل في منطقة مضطربة أصلً)، وبناء عليه، ليس للنظام الجزائري، بالضرورة، مصلحة في الاستجابة لرغبات الخارج أو الرضوخ لإملاءاته.
رابعًا: استراتيجية الجزائر الأمنية إقليميًا
1ً. مقاربة تعاونية متكاملة الأبعاد بديلا للتدخل
يرى بوزان أن التمييز بين التهديدات والانكشافات يسمح بتوضيح جانبي سياسة الأمن القومي، بتحديد خيار وسلوك الدولة التي "قد تسعى للحدّ من لاأمنها، إما بالحد من انكشافها، وإما بالوقاية أو التخفيف من التهديدات." وبناء عليه، "يمكن سياسة الأمن القومي إما أن تركّز على الداخل، بالسعي للحدّ من انكشافات الدولة نفسها، وإما على الخارج، بالسعي للحدّ من التهديدات الخارجية بالتصدي لمصادرها"93. ومن ثم يجب على كل سياسة أمنية جيدة، أن تتعامل مع التهديدات على نحوين. من جهة التعامل معها كما تأتي، أي مواجهتها بالحدّ من الانكشافات وتحضير الدفاعات لمواجهة الغزو
مثلً. ومن جهة أخرى، التعامل مع أسباب التهديدات، بالسعي مثل لتسوية سلمية للنزاعات94. لو طبّقنا هذا التحليل على سياسة الجزائر الأمنية لوجدناها تعمل بالخيارين معًا. فعوض مقاربة تقوم على التدخل، آثرت تدعيم البعد الدفاعي لجيشها والوساطة بين الأطراف المتنازعة، معتمدة أيضًا على مسارات تعاونية مع دول الجوار. تستند استراتيجية الجزائر الأمنية لمواجهة الأزمات وعدم الاستقرار في الفضاء المغاربي-الساحلي وصون الأمن الإقليمي عمومًا، إلى مقاربة الأمن من خلال التعاون، بديلً من التدخل الخارجي. وهي استراتيجية متكاملة تقوم على خمس ركائز، تبلور بعضها في مطلع تسعينيات القرن الماضي. الركيزة الأولى عملياتية، تتمثل في التدابير الأمنية والعسكرية التي اتخذتها الجزائر لمراقبة حدودها وحمايتها منذ اندلاع الأزمة الليبية مطلع عام 2011، قبل أن توسعها لتشمل حدودها المغاربية والساحلية كلها، مع التركيز على الحدود مع كل من ليبيا ومالي وتونس والنيجر. هذه الركيزة وطنية البعد، لأنها تخص حماية حدود البلاد، لكنها إقليمية الامتداد/ التداعيات: بحماية حدودها تحمي الجزائر حدود البلدان المجاورة. والركيزة الثانية ثنائية الأطراف، تتمثل في مسارات تعاونية سياسية وأمنية وعسكرية، متفاوتة المستوى، مع الدول المجاورة، خاصة تونس وليبيا ومالي والنيجر، حيث تدعمها الجزائر في مختلف المجالات؛ السياسية والمالية (منح وقروض)، الأمنية (حراسة الحدود، تنظيم دوريات مشتركة، تقاسم المعلومات الاستخبارية، تدريب95 قوى الأمن وتأهيلها)، والعسكرية (مساعدات، تسليح، تدريب.)... والركيزة الثالثة هي الوساطة لتسوية الأزمات، وهي أقدم ركيزة في هذه الاستراتيجيا، لأنها تعود إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي. تؤدي الجزائر دور الوسيط في أزمتي مالي وليبيا. ونجحت وساطاتها في التوصل إلى اتفاق الجزائر في عام 2015 بين فرقاء الأزمة المالية، لكنه لم يطبق. كما أسهمت وساطتها في جمع الفرقاء الليبيين وتقريب مواقفهم، مساهمة بذلك في البيئة المواتية لعقد اتفاق الصخيرات بوساطة مغربية، ذلك أن مسار الوساطة المغربي لم ينطلق من فراغ في "سوق الوساطة" في الأزمة الليبية. والركيزة الرابعة هي نوع من الوساطة المتعددة الأطراف والمتمثلة في مسارات تعاونية إقليمية تضم دول المنطقة لحشد جهودها وتنسيقها، وهي المسار الثلاثي، الجزائر وتونس ومصر، ومسار دول جوار ليبيا (الجغرافي)، فضلً عن مبادرة دول الميدان (الجزائر والنيجر ومالي وموريتانيا) التي أطلقتها الجزائر في عام 2010. أما الركيزة الخامسة فتخص كيفية التعامل مع المكونات المحلية في بؤر الأزمات باعتماد استراتيجية مزدوجة: العمل بمبدأ الحوار الشامل لتفادي إقصاء أي طرف من أطراف الأزمة (في ليبيا ومالي)، ضمانًا لتسوية سلمية دائمة من جهة، والتمييز/ الفصل بين العنصر السياسي الذي يتعين إشراكه في العملية التفاوضية، عن العنصر الإرهابي الذي يجب إقصاؤه ومحاربته، من جهة أخرى96. تتطابق هذه الركائز والمبادئ التي تقوم عليها المبادئ المؤسِّسة لسياسة الجزائر الخارجية والأمنية وعقيدتها، وتشترك كلها في هدف استراتيجي لسياسة الجزائر الأمنية إقليميًا (وقارّيًا:) اضطلاع دول المنطقة بالأمن الإقليمي باعتباره خير سبيل لتفادي التدخل الأجنبي وللانعتاق الاستراتيجي. لكن، تبقى إنجازاتها نسبية. إذا كانت الركيزتان الأولى والثانية، الأقل تعقيدًا، قد حققتا نجاحًا وحالتا دون تدهور الوضع الأمني وانتشار أوسع للتهديدات العابرة للحدود، فإن الركائز الثلاث الأخرى لم تؤت أُكلها. فالركيزتان الثالثة والرابعة (الوساطة) لم تحققا أهدافهما. فبعد ثلاثة عقود من الوساطة في أزمات مالي، لم توفّق الجزائر بعد في إحلال السلم في البلاد. لكن من غير الممكن تحميلها وحدها هذا الفشل. صحيح أن ثمة قصورًا في استراتيجيتها، بيد أن تعقّد الأزمة وطابعها البنيوي والتعارض في مواقف الحكومة المالية والحركات الأزوادية، المنقسمة على نفسها، فضلً عن تفاعلات هذا كله مع العوامل الإقليمية والدولية وسعي بعض الفواعل لعرقلة جهود الجزائر، أسهم في عدم إنجاح وساطتها في مالي. أما في ليبيا، فمسارا الوساطة، الجزائرية والمغربية، أُجهِضا جزئيًا بسبب التنافس بينهما والتحييد المتبادل، على الرغم من تكاملهما. أما في حالة المسار الثلاثي الجزائري-التونسي-المصري، الخاص بالأزمة الليبية، فأُجهض من الداخل بسبب الانحياز والدعم المصرييَن لمعسكر شرق ليبيا (قوات خليفة حفتر) على حساب معسكرها الغربي (الحكومة المعترف بها دوليًا.) أما الركيزة الخامسة القائمة على عدم الإقصاء من جهة، والعزل بين السياسي والإرهابي من جهة أخرى، فنجحت في جزئها الأول وأخفقت في جزئها الثاني. تمكنت من تجنب استبعاد مختلف الفصائل من المفاوضات سواء في مالي أم في ليبيا، بيد أن استراتيجيتها السياسية الوقائية إلى حد ما، والقائمة على عزل العنصر السياسي الأزوادي، الذي يحمل مطالب سياسية شرعية يجب الاستجابة لها، عن العنصر الإرهابي الذي تتعين محاربته، فشلت لأن نجاح الجماعات الإرهابية في اختراق إقليم الأزواد97 وتغذية صراعاته (البينية ومع حكومة بامكو) والتغذي منها، حال دون الفصل بين العنصر السياسي والعنصر الإرهابي، بمكوِّنيه المحلّ (الأزوادي) والدخيل (الإرهابي.) ومن ثم أصبح فصل بُرُّها عن
زؤانها غاية في التعقيد، نظرًا إلى التداخل بينهما، فضلً عن التداخل والتعاضد بين الإرهابيَن المحلي والمستورد98. تطرح الجزائر مساعدة دول المنطقة لتتكفل بنفسها بالأمن الإقليمي، بديلً من التدخل الأجنبي. إلّ أن مسعاها هذا، على صوابه، لم يُؤتِ أُكله بسبب بيئة تطبّعها الأزمات وفشل الدولة؛ لا يمكن لدول فاشلة محليًا أن تنجح إقليميًا. كما تواجه استراتيجية الجزائر القاضية باضطلاع دول المنطقة بأمنها الإقليمي عقبات أخرى، من بينها تعارض مصالح الدول المعنية وتفضيلاتها الاستراتيجية99 فضلً عن ذلك، فإن التركيز على العامل الخارجي وتحميل الآخر (الغريب عن المنطقة) تبعات كل الأمور يضخمان التهديدات الخارجية ودور القوى الأجنبية، بينما يقزمان الأسباب الحقيقية لترهّل الدولة في المنطقة ومشكلاتها الأمنية السياسية والداخلية ويحجبان الرؤية عنها. لا يسعنا، والحال هذه، إلّ أن نعود إلى تحليل محمد أيوب الذي جادل، بشأن خصوصيات المسائل الأمنية في دول الجنوب، منتقدًا التصورات التقليدية للأمن في العلاقات الدولية والمتأثرة بخبرات الدول الغربية، بأن التهديدات الخارجية، على أهميتها، لا تكفي لتفسير المشهد الأمني في دول الجنوب. لذا آثر أيوب التركيز على الانكشاف لتأكيد أهمية المصادر الداخلية للأمن فيها؛ ذلك أن مشكلات الأمن في هذه الأخيرة لا تأتي من الخارج، بل تأتي أساسًا من الداخل، ولا سيما من هشاشة بناها الدولتية، وهي مشكلات ذات طبيعة غير عسكرية في معظمها100.
2. أمن دول الجوار رهان ا استراتيجيًا للجزائر: أقلمة الأمن القومي الجزائري
يرى ويليام زارتمان أن سياسة الدولة الخارجية تهدف في الوقت نفسه إلى ضمان "أمن هذه الدولة واستقرارها، واستقرار الدول الأخرى المهمة للمحافظة على استقرارها [أي الدولة.] يقتضي شاغل الأمن والاستقرار السياسيين والاقتصاديين على حد سواء، مصلحة في الحد من الصراعات مع الدول الأخرى و فيها[...]وبناء عليه لا يمكن للأمن أن يُختزل في الدفاع الوطني. يقتضي، على العكس، تسوية الصراعات الخارجية قبل أن تصير عوامل مزعزعة للاستقرار أو مخاطر عسكرية"101. ما يعني أن أمن الدولة، يتّخذ صبغة إقليمية، من خلال الأقلمة، لكن ليست الدول كلها تتبنّى هذا التصور في سلوكها. يمكن التمييز بين ثلاثة خيارات قد تحافظ بها الدول على أمنها القومي ضد المخاطر والتهديدات الخارجية قبل أن تؤثر في مصالحها، أو تمس مباشرة أراضيها. يتمثل الأول في استخدام القوة العسكرية للتحرك وحتى لتحييد المخاطر والتهديدات بالتصدي لمصادرها. ويتمثل الثاني في تفضيل الوقاية من الصراعات وتسويتها سلميًا. بينما يتمثل الثالث في استخدام الأداتين العسكرية والسياسية، أي الصلبة والناعمة. لكن قليلة هي الدول القادرة على استخدامهما معًا. أما الجزائر، فتبنّت منذ استقلالها الخيار الثاني. صحيح أنها امتلكت خلال الأعوام الأخيرة قدرات عسكرية معتبرة، تسمح لها بالتدخل ما وراء حدودها، إلّ أنها تتمسك بمبادئها المؤسِّسة، على الرغم من القلاقل الأمنية اللادولتية في بيئتها الإقليمية والضغوط الدولتية الخارجية. بيد أنها بدأت في الأعوام الأخيرة تستوعب حقيقة مفادها أن أمنها القومي يُصان أيضًا على أميال من حدودها الجغرافية، وأن لا مجال للفصل بينه وبين الأمن الإقليمي، بدعوى حصرية المهمة الدفاعية لجيشها. فبعد أن بقيت عقيدة الجزائر الأمنية حبيسة منطق دولتي المركز state- centric، استوعبت الدور المتنامي للفواعل ما دون الدولة وما فوقها، والتهديدات المترتبة على نشاطها. ومن هذا المنظور، يمكن القول إنها بدأت تتجاوز سياسة الدفاع التقليدية، المركّزة على التراب الوطني لتهتم بالتهديدات على الصعيد الإقليمي. بحكم عقيدتها الأمنية وثقلها وإمكاناتها، تقدم الجزائر نفسها باعتبارها مزوّدًا للأمن security provider والاستقرار في فضائها الإقليمي، وتعترف لها الفواعل الإقليمية والدولية بهذا الدور، وهذا على الرغم من هشاشة استقرارها الداخلي وصورة دولة مصدّرة للاأمن (وجود عناصر جزائرية في جماعة إرهابية في الساحل، بما في ذلك على مستوى قياداتها.) بيد أن هذا لم يهزّ صورتها باعتبارها مزوّدًا للأمن الإقليمي. بل وظّفت هذه الحجة لمصلحتها: الإرهاب ظاهرة عابرة للأوطان (ثمة إرهاب محلّ المنشأ في الساحل)؛ وأكسبتها محاربتها الإرهاب في تسعينيات القرن الماضي تجربة وخبرة في هذا المجال. ثمة انطباع بأن الجزائر لا تتحمل مسؤوليتها الإقليمية بما فيه الكفاية، وهذا إجحاف في حقها. فهي أكبر دول المنطقة ذودًا عن الأمن الإقليمي، تبذل جهدًا حربيًا، على الرغم من عدم تورّطها في أي حرب، مكرّسة له إمكانات معتبرة، عدّة وعتادًا، بالاعتماد على قدراتها الذاتية102. وفقًا لمصادر أمنية جزائرية، كلّفت الأزمة المالية الجزائر ما يزيد على ملياري دولار، خصصتها لحماية الحدود في المدة 2020-2013، فضلً عن التكلفة غير المباشرة (العمليات الإرهابية،
التبعات الاقتصادية لغلق حدودها الجنوبية والشرقية.) ومن ثم، فهي أكبر المتضررين من هذه الأزمة103. يعتبر أمن دول المنطقة أولوية قصوى لمصالح الجزائر الأمنية، بغض النظر عن طبيعة علاقاتها بهذه الدول وبالأنظمة القائمة فيها. فالجزائر لا تتبنّى خططًا لزعزعة استقرار المغرب مثلً، على الرغم من خلافاتهما ونزاع الصحراء الغربية والتوتر الأخير الذي تسبب في قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما. وتؤكد سياستها حيال تونس ومصر، في سياق أحداث "الربيع العربي" تموقعها الذي تمليه مصالحها الخاصة: الأمن أولً، بصرف النظر عن طبيعة الأنظمة القائمة أو درجة تسلطيتها. الأولوية هي تفادي ترهّل الدول، خاصة انهيارها. وفقًا لهذا التصور الجزائري، يُفهم الاستقرار في حدّه الأدنى، أي غياب اضطرابات كبيرة من شأنها تقويض أسس الدولة وإفقادها السيطرة على أراضيها وحدودها، وربما انهيارها تمامًا، وما لذلك من تداعيات أمنية في الجوار. من هذا المنظور، تراهن الجزائر، بحكم طبيعتها غير الديمقراطية أيضًا، على غرار دول أوروبية وأميركا، على الاستقرار التسلّطي. لكن يتعيّ التعامل مع هذا الحد الأدنى من الاستقرار بحذر، لأن العتبة التي على أساسها يرى فاعل أن الاضطرابات في بلد مجاور مخلّة بما فيه الكفاية بالاستقرار، مرهونة بعوامل عدة: العقيدة الأمنية للبلد المعني بتقدير الموقف ووضع جيشه، انكشافاته، وضع الدول الجارة المضطربة (وجود محاورين دولتيين أم لا، طبيعة التهديدات)؛ تورّط فواعل إقليمية ودولية أم لا. تتقاسم الجزائر والعديد من دول المنطقة سردية مفادها أن الانتفاضات الديمقراطية العربية في عام 2011 (وفي عام 2019) أضعفت الدولة، ومن ثم، تعتبر الدول القائلة بهذه السردية الإقليمية نفسها حصنًا منيعًا ضد الفوضى، وبما أن أزمة الدولة تشكّل مصدر قلق للجزائر وبلدان المنطقة104، تركّز الجزائر على إعادة سلطة الدولة في دول الجوار. وهذا ما يفسر، ولو جزئيًا، موقفها من الانقلاب في مصر ودعمها العسكر، حتى وإن لم تصنّف الإخوان حركة إرهابية، كما سنرى. دعمت الجزائر تونس على الصعد كلها، سياسيًا وماليًا وأمنيًا وعسكريًا. فتسلّطية النظام الجزائري لم تمنعه من مساندة تونس الانتقالية. طبعًا، إنما فعل ذلك ليس حبًّا في الديمقراطية، إنما كُرهًا لعدم الاستقرار. مع توسع رقعة ترهّل الدول في المنطقة، ما يهم، وفقًا لهذا المنطق، هو تونس مستقرة، تسلّطية كانت (عهد بن علي) أو انتقالية (ما بعد بن علي.) نلاحظ كيف تتغلّب الاعتبارات الأمنية على الاعتبارات الأيديولوجية. يبدو أيضًا أن موقف النظام الجزائري هذا ينمّ عن نوع من الثقة بالنفس وعدم التوجس من "عدوى ديمقراطية" لمَّا تكتمل العملية الانتقالية التونسية. ربما تفسر هذه الثقة بالنفس بتجاوزه محنة "الربيع العربي" في عام 2011 105، بل تبنّيه حينها نموذجًا على نقيض الثورات الشعبية، وهو نموذج الرئاسة مدى الحياة، إلى أن جاء الحراك في عام 2019 ليهزّ هذه الثقة وهذه القناعة، لكنه لم يتمكن من تغيير الوضع القائم106، بينما تعثّت العملية الانتقالية التونسية بمجيء قيس سعيّد إلى الحكم. بلغ التوافق الاستراتيجي بين الجزائر وتونس مستويات غير معهودة، إلى درجة أن أمن تونس أصبح من الشواغل الأمنية للجزائر. عقب العملية الإرهابية في مدينة بن قردان التونسية، في آذار/ مارس 2016، صرّح وزير الداخلية الجزائرية نور الدين بدوي، بأن "أمن تونس وحدودها من أمن الجزائر، وأمن الجزائر وحدودها من أمن تونس"107. ليس لهذه السردية التي تربط الأمن القومي بالأمن الإقليمي مقابل في العلاقة بدولة ساحلية، ما يجعل العلاقة الجزائرية - التونسية حالة خاصة حتى في العلاقات العربية البينية. نلاحظ هنا أيضًا أن محاربة الإرهاب تشكّل عماد السياسة الأمنية للجزائر، التي تتطلّب مساعدة دول الجوار في الحفاظ على أمن حدودها وترابها، بدعم المؤسسات السياسية والأمنية لاستعادة دورها، عوضًا من القيام بذلك بدلً منها من خلال التدخل. اتبعت الجزائر النهج ذاته حيال الأزمة المصرية. فلم تُدن الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي في تموز/ يوليو 2013. لكن الاعتبارات الأيديولوجية لا تسمح بتفسير موقفها، لأنها رفضت
مثلً تصنيف الإخوان المسلمين حركة إرهابية، على الرغم من الضغوط السعودية والمصرية والإماراتية في جامعة الدول العربية. والواضح أن التخوّف من المساس باستقرار الدولة المصرية هو ما يفسر موقفها. من منظور السلطات الجزائرية، ليست المنطقة، المضطربة أصلً، في حاجة إلى بؤرة توتر محلية جديدة قد تأتي على أكبر دولة في العالم العربي، وما سيترتب عليها من عواقب لا تحسب. هكذا أصبح الاستقرار الدولتي أولوية لا تضاهى: كان مستلزم استقرار مصر، مهما كانت طبيعة النظام الحاكم، حاسمً. مثّلت الحالة المصرية بالنسبة إلى الجزائر معضلة معيارية: التمسك بالركيزة المعيارية التي ساهمت في إقامتها على مستوى الاتحاد الأفريقي، أم التصرف وفقًا لمقتضيات الواقعية؟ حسمت الجزائر الأمر لمصلحة الثاني على حساب الأول، حيث لم تكتف السلطات الجزائرية بعدم التنديد بالانقلاب في مصر، بل دعمت النظام التسلّطي المنبثق منه على المستوى القارّي، مؤدّيةً دورًا أساسيًا في إنهاء العقوبات التي أقرّها الاتحاد الأفريقي في حق مصر بسبب الانقلاب العسكري. بتصرفها هذا، أسهمت في إجهاض مبدأ رفض التغيير غير الدستوري الذي رافعت من أجل تبنّيه في قمة الاتحاد الأفريقي في الجزائر في عام 1999. الملاحظ هنا أن نوعًا من التكيّف الذي لاحظناه في أزمة مالي، بدأ يطبع السياسة الجزائرية، مسبّبًا تأكّل المستلزم المعياري لحساب المستلزم الأمني. لسياسة الجزائر حيال جيرانها المتخبطين في أزمات، ليبيا ومالي وتونس، ميزتان أساسيتان: أولاهما، تعتبر خبرتها في التعامل مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، ولا سيما المسلّحة وفي الإدماج السياسي للإسلاميين "نموذجًا يمكن ويجب تصديره." ثانيتهما، تبدي الجزائر "مصلحة في [وجود] دول مركزية قوية على حدودها"، تفاديًا لظهور قوى قد تدفع نحو التقسيم وتعدد الفواعل التي يتعيّ عليها فيما بعد التعامل معها. يأتي هذا الهاجس الأمني من خبرة الجزائر ما بعد الاستعمار، ومن وجود أراضٍ على حدودها لا تخضع لسلطة الحكومات، أو ليست خاضعة بما فيه الكفاية. فالجزائر على غرار العديد من الدول، تفضّ ل محاورًا محليًا منظمً وله سلطة وتُبدي عدم ارتياح حيال الفواعل اللادولتية108. وهنا مكمن البعد الجديد الذي فرض على عقيدة الجزائر الأمنية. فهي أضحت تواجه، في بيئتها المغاربية-الساحلية، تهديدات غير دولتية ذات طبيعة معقدة: غير متوازية، هجينة، متنقلة، منتشرة، ما يشكل تحديًا للجيوش التي صُممت لمواجهة صراعات بين الدول، وهذا كله في سياق أزمة الدولة في المنطقة، كون التهديدات المتفاقمة نتاج فشلها109. يحكم الموقف الجزائري إزاء ليبيا ومالي110 المصالح الأمنية ذاتها: دولة مستقرة و"قوية" قادرة على مراقبة ترابها وحدودها. وبناء عليه، فإحلال الاستقرار في شمال مالي ضمان لاستقرار أقصى الجنوب الجزائري. ثمة أيضًا عامل حاسم آخر، هو في صلب السياسة الأمنية الجزائرية: الوحدة الترابية للدول وسيادتها. بالنسبة إلى الجزائر الوحدة الترابية لليبيا ومالي خط أحمر. وبناء عليه، فهذا الثالوث (استقرار، دولة "قوية" ووحدة ترابية) الضروري لتتمكن البلدان المجاورة من بسط سلطتها على أراضيها ومراقبة حدودها، هو الموجّه الأساسي لسياستها الإقليمية. تتجسد هذه الهواجس (الأمن، الدولة المتحكمة في ترابها، السيادة) في مسألة احتكار العنف، حيث وضع تنامي التهديدات، بفعل انتشار الفواعل اللادولتية (ما دون الدولة وما فوقها) احتكار الدول الاستخدام المشروع للعنف، على حد تعبير ماكس فيبر، على المحك. يرى فيبر أن "العلاقة بين الدولة والعنف هي في الخصوص علاقة حميمية[...]الدولة هي جماعة إنسانية، طالبت (بنجاح) احتكار استخدام العنف المشروع على أراض معينة[...]تعتبر الدولة المصدر الوحيد ل 'حق' استخدام العنف". وحتى إنتاج الهوية مرهون بها؛ إذ يزعم ألكسندر ونت أنّ "لإعادة إنتاج هوية دولة، تحتاج المجموعة إلى الحفاظ على احتكار الاستخدام المشروع للعنف على أراضيها". وتهدف سياسة الجزائر لإعادة احتكار استخدام العنف إلى الدولة في المنطقة والحفاظ عليه، باعتباره خير سبيل لمعالجة حالة عدم الاستقرار وإرساء التعاون الأمني. علَّمتها خبرتها في تسعينيات القرن الماضي أن لجوء فواعل لادولتية، تمارس الإرهاب، إلى القوة، وتعميم ذلك في المنطقة، يعني مراجعة عنيفة لاحتكار استخدام العنف المشروع، بل قطيعة استراتيجية إقليميًا. لذا أصبحت مسألة إعادة هذه الخاصية إلى الدولة وحصرها فيها دون سواها هاجسًا أمنيًا جزائريًا في سياق إقليمي، استلب فيه احتكار الاستخدام المشروع للعنف من الدولة، إما على نحو كامل (ليبيا)، وإما جزئيًا (مالي)، فالدولة المالية لا تمارس هذا الحق على أراضيها كلها، أي ينافسها في ذلك مختلف الفواعل اللادولتية (أزوادية وإرهابية.) لذا
تبقى جدلية الاستلاب والاسترداد بالنسبة إلى الجزائر قائمة ما دام شغلها الأمني الشاغل هو غياب دولة، في ليبيا ومالي، قادرة على التحكم في أراضيها وفي حدودها. ستسهم إعادة إحلال سلطة الدولة في البلدين في تخفيف العبء الذي تتحمّله الجزائر منذ عام 2011، وفي خفض حدّة اللاأمن على حدودها. لهذا السبب يبقى غياب مُحاور دولتي على الجانب الآخر من الحدود مشكلة أمنية كبرى بالنسبة إليها.
خاتمة
تبقى النزعة المناوئة للتدخل السياسي ثابتة ومؤسِّسة لسياسة الجزائر وعقيدتها الأمنيتين، بل ازدادت حدّة مع الحراك الشعبي الذي عرفته مدة عامين. تجدر الإشارة هنا إلى أنه إذا كان ثمة إجماع في الجزائر بين السلطة والمعارضة والمجتمع، فهو حول رفض التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، كون مختلف الفواعل، الرسمية وغير الرسمية، تتغذى من الثقافة السياسية نفسها، الموروثة من حرب الثورة التحريرية. بيد أن الاستنتاج الأهم، من كل ما تقدم، هو أن الجزائر ما عادت تقف ذلك الموقف المتشدد حيال التدخل العسكري، كما أثبتته أزمة مالي. وإذا كان الامتناع عن التدخل العسكري قد تأكّل بعض الشيء، فإن المعارضة المطلقة لنشر القوات خارج الحدود أصبحت من الماضي بعد إسقاط الذريعة القانونية بدسترة المشاركة في عمليات السلام. لكن هذا لا يعني أن الحكومة ستُقدِم على ذلك بالضرورة. إذا كانت أزمة مالي قد بيّنت قصور رؤيتها الاستراتيجية، على الرغم من معرفتها بمشكلاته منذ عقود، فإن الأزمة الليبية وتطوّراتها أثبتت صواب تصوّرها وهواجسها، وبناء عليه لا يمكن الحكومة الجزائرية، والحال هذه، أن تصبح، بغض النظر عن المبادئ، عرّابًا للتدخل، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، موازاةً مع التحول (التكيّف لا التغير) في عقيدتها الأمنية، تواصل الجزائر العمل باستراتيجيتها الأمنية الإقليمية المتكاملة الأبعاد، ما يعني أنها تراهن عليها لتجنّب التدخل الخارجي. ومن ثم، لم تراجع استراتيجيتها غير القسرية في علاقاتها بالدول الأخرى، بغض النظر عن وضعها الداخلي. أما التوتر بين الاعتبارات الأخلاقية/ المعيارية والأمنية، فمن المرجّح أن يزداد حدّة في حال استمرت الاضطرابات في تخومها الجغرافية، خاصة أن دسترة مشاركة جيشها في عمليات السلام، التي تضفي طابعًا رسميًا ومؤسساتيًا على دورها بوصفها مزوّدًا للأمن والاستقرار، لا تحلّ إلّ جزءًا من المشكلة. ومن ثم تبقى الجزائر، إلى حدٍ ما، بين سندان ضغوط البيئة الإقليمية والدولية ومطرقة مصالحها وعقيدتها الأمنية.
المراجع
العربية
إسماعيل، إسراء أحمد. العلاقات المدنية العسكرية وعملية التحول الديمقراطي: دراسة مقارنة بين مصر والجزائر. القاهرة: المكتب العربي للمعارف،.2017 بابا عربي، مسلم. "التدبير الدستوري للانتقال الديمقراطي السياسي في الحالة الجزائرية: هل تلبي المسالك القائمة مطالب الحراك؟." سياسات عربية. العدد 52 (أيلول/ سبتمبر.)2021 بن عنتر، عبد النور. البعد المتوسطي للأمن الجزائري: الجزائر، أوروبا والحلف الأطلسي. الجزائر: المكتبة العصرية،.2005 ________. "إشكالية التسلح في المغرب العربي." المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية. العدد).2014(3 ________. "الجزائر في مواجهة التهديديات اللادولتية." السياسية الدولية. المجلد 53، العدد 210 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2017 ________. "عقيدة الجزائر الأمنية: ضغوطات البيئة ومقتضيات تقارير، مركز الجزيرة للدراسات المصالح.". 2018/5/2. في: https://cutt.ly/4D7kTtK تشابمان، بيرت. العقيدة العسكرية: دليل مرجعي. ترجمة طلعت الشايب. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2015 حسام، حمزة. "الجزائر والتهديدات الأمنية في الساحل: التصور وآليات سياسات عربية. العدد المواجهة." 21 (تموز/ يوليو.)2016 الرياشي، سليمان وآخرون. الأزمة الجزائرية: الخلفيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1999 عبد الحي، وليد. "العلاقات المغربية الجزائرية: العقدة الجيوستراتيجية." سياسات عربية. العدد 6 (كانون الثاني/ يناير.)2014 لخضاري، منصور. السياسة الأمنية الجزائرية: المحددات، الميادين، التحديات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ماضي، عبد الفتاح. الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية - العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 مروان، بن قيدة والجيلالي بوزكري. "إصلاح الدعم الحكومي في الجزائر بين مقتضيات الفعالية الاقتصادية ومتطلبات الوضع مجلة اقتصاديات شمال أفريقيا. المجلد الاجتماعي." 17، العدد 26.)2021(الهرماسي، عبد الباقي. المجتمع والدولة في المغرب العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1987 "الموقف الجزائري من الأزمة الليبية: بين التغير والاستمرارية." تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات. 2020/7/7. فh يttps://cutt.ly/UFs55i6:
الأجنبية
Allal, Amin et al. Cheminements révolutionnaires: Un an de mobilisations en Algérie 2019-2020. Paris: CNRS Editions, 2021. Ayoob, Mohammed. "The Security Problematic of the Third World." World Politics. vol. 43, no. 2 (January 1991). Baldwin, David A. "The Concept of Security." Review of International Studies. vol. 23, no. 1 (January 1997). Balzacq, Thierry. "Qu'est-ce que la sécurité nationale." Revue internationale et stratégique. no. 52 (2003). ________. Théories de la sécurité: Les approches critiques. Paris: Presses de Sciences Po, 2016. Bayart, Jean-François. "L'Afrique dans le monde: Une histoire d'extraversion." Critique internationale. no. 5 (1999). Benantar, Abdennour (dir.). Les États-Unis et le Maghreb: Regain d'intérêt?. Alger: CREAD, 2007. ________. "Sécurité aux frontières: Portée et limites de la stratégie algérienne." L'Année du Maghreb. no. 14
________. Les initiatives de sécurité au Maghreb et au Sahel: Le G5 Sahel mis à l'épreuve. Paris: Fondation pour la recherche stratégique/ L'Harmattan, 2019. ________. "The State and the Dilemma of Security Policy”, in Luis Martinez and Rasmus Alenius
Boserup (eds)., Algeria Modern: From Opacity to Complexity. London, Hurst, 2016. Bonner, Michael, Meagn Reif & Mark Tessler (eds.). Islam, Democracy, and the State in Algeria. London: Routledge, 2005. Boumediène, Houari. Discours: Du sang à la sueur. Alger: Ministère de l'Information et de la Culture, 1975. Buzan, Barry. People, States and Fear: The National Security Problem in International Relations. Brighton: Wheatsheaf Books, 1983. ________. People, States and Fear: An Agenda for International Security in the Post-Cold War Era. 2 nd ed. New York: Harvester Wheatsheaf, 1991. ________. Wæver Ole & De Wilde Jaap. Security: A New Framework for Analysis. Boulder: Lynne Rienner, 1998. Charillon, Frédéric (dir.). Politique étrangère: Nouveaux regards. Paris: Presses de Sciences Po, 2002. Chena, Salim. "Portée et limites de l'hégémonie algérienne dans l'aire sahélo-saharienne." Hérodote. no. 142
________. "Le Sahara et le Sahel dans la politique espaces menacés, Territoires algérienne: menaçants." Recherches internationales. no. 97 (Octobre-Décembre 2013). ________. "'On continuera la bataille d'Alger': Réactivation du passé et réactivité contestataire dans le mouvement démocratique algérien de 2019." Confluences Méditerranée. no. 112 (2020). Cottrell, Alvin J. & James D. Theberge (eds.). The Western Mediterranean: Its Political, Economic and Strategic Importance. New York: Praeger Publishers 1974. Daguzan, Jean-François. "La France, le Mali et la question diplomatique." Annuaire français de relations internationales. vol. 15 (2014). ________. "La politique étrangère de l'Algérie: Le temps de l'aventure?." Politique étrangère. no. 3 (2015). Desgrais, Nicolas & Sonia Le Gouriellec. "Stratégies d'extraversion: Défis de la construction de l'Architecture africaine de paix et de sécurité." Note de recherche stratégique (IRSEM). no. 28 (juillet 2016). Deych, Tatiana et al. Africa's Growing Role in World Politics. Moscow: Institute of African Studies- Russian Academy of Sciences, 2014. Dieng, Moda. "Maintien de la paix: Apports et limites de l'action diplomatique sud-africaine." Revue Etudes internationales. vol. 45, no. 2 (juin 2004). Dris-Aît Hamadouche, Louisa. "L'Algérie et la sécurité au Sahel: Lecture critique d'une approche paradoxale." Confluences Méditerranée. no. 90 (2014) ________. "Politique extérieure et politique intérieure algérienne: La résistance révolutionnaire au service de la résilience autoritaire?." Maghreb-Machrek. no. 221 (2014). Dris-Aît Hamadouche, Louisa & Cherif Dris. "Le face à face hirak-pouvoir: La crise de la représentation." L'Année du Maghreb. no. 21 (2019). Goldman Emily O. "New Threats, New Identities and New Ways of War: The Sources of Change in National Security Doctrine." Journal of Strategic Studies. vol. 24, no. 2 (2001). Grimaud, Nicole. La politique extérieure de l'Algérie: 1962-78. Paris: Karthala, 1984. Hagerty, Devin T. "India's Regional Security Doctrine." Asian Survey. vol. 31, no. 4 (April 1991). International Crisis Group. "Algeria and its Neighbours." Middle East and North Africa Report. no. 164. 12 October 2015. at: https://cutt.ly/FFoiikS
Jordaan, Evert & Abdel Esterhuyse. "South African Defence since 1994: The Influence of Non- offensive Defence." African Security Review. vol 13, no. 1 (2004). Korany, Bahgat & Ali E. Hillal Dessouski (eds.). The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Change. Boulder: Westview Press, 1991. Larramendi, Miguel Hernando. "Doomed Regionalism in a Redrawn Maghreb? The Changing Shape of the Rivalry Between Algeria and Morocco in the Post-2011 Era." The Journal of North African Studies. vol. 24, no. 3 (2019). Malmvig, Helle. State Sovereignty and Intervention: A discourse Analysis of Interventionary and Non- Interventionary Practices in Kosovo and Algeria. London: Routledge, 2006. Martinez, Luis & Rasmus Alenius Boserup (eds.). Algeria Modern: From Opacity to Complexity. London: Hurst, 2016. Martinez, Luis. La guerre civile en Algérie. Paris: Karthala, 1998. ________. L'Afrique du Nord après les révoltes arabes. Paris: Presses de Sciences Po, 2019. MØller, BjØrn. "Common Security and Non-Offensive Defence as Guidelines for Defence Planning and Arms Control." International Journal of Peace Studies. vol 1, no. 2 (July 1996). Mortimer, Robert. A. "Algeria Foreign Policy: From Revolution to National Interest." The Journal of North African Studies. vol. 20, no. 3 (2015). Oussedik, Fatma. "Penser pour demain, penser la Silmiya (le pacifisme) en Algérie: Vue des marches." Maghreb-Machrek. no. 245 (2020). Raleigh, Clionadh, Héni Nsaibia & Caitriona Dowd. "The Sahel Crisis Since 2012." African Affairs. vol. 120, no. 478 (January 2021). Roberts, Hugh. The Battlefield: Algeria 1988-2002. London: Verso, 2003. Souiah, Farida. "Rhétorique de l'ingérence et lutte pour la légitimité." Mouvement. no. 102 (2020). Vincent, R. J. Nonintervention and International Order. Princeton: Princeton University Press, 1974. Volpi, Frédéric. Islam and Democracy: The Failure of Dialogue in Algeria. London: Pluto Press, 2003. ________. "Algeria Versus the Arab Spring." Journal of Democracy. vol. 24, no. 3 (July 2013). Weber, Cynthia. Simulating Sovereignty: Intervention, the State and Symbolic Exchange. Cambridge: Cambridge University Press, 1995. Weber. Max. Politics as Vocation. New York: Oxford University Press, 2014. Weldes, Jutta. Constructing National Interests: The United States and the Cuban Missiles Crisis. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999. Wendt, Alexander. "Anarchy is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics." International Organization. vol. 46, no. 2 (Spring 1992). ________. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Zartman, William I., “La politique étrangère et le règlement des conflits,” in: Frédéric Charillon (dir.), Politique étrangère: Nouveaux regards. Paris: Presses de Sciences Po, 2002.