الاقتصاد السياسي للانتقال الديمقراطي في الجزائر: حسابات الحقل ومآلات البيدر
الملخّص
From an economic standpoint, this study aims to comprehend the reasons for the popular uprising outbreak, as well as the chances for democratic transition from a political economy angle. It examines the influence of the rentier state economic growth regime on the political prospects of citizens, particularly young people, who are convinced that such a regime will not lead to their ultimate safety, but rather to their economic marginalization due to the system's poor performance. It turns out that adopting a more comprehensive and long-term growth approach has become even more critical. As time goes by, it became evident that reform comes at a hefty cost on all fronts. Rather than being a tributary and assistance to the continuance of economic reforms, political reforms became an impediment and took on even greater importance than economic reform itself. The Algerian situation, according to the study, is an example of the intractable model of democratic transition in all its manifestations, since the incumbent system was pleased with restricted constitutional arrangements, notably elections. This has strengthened the rentier state in all its forms, including the political system's fragility and the succession of crises it has faced since independence till today. Keywords: Democratic Transition, Algeria, Rentier State, Economic reforms, Economic growth.
The Political Economy and Democratic Transition in Algeria: Calculations of the Site and the Results of the Harvest
مقدمة
أشعل الحراك الشعبي السلمي الذي انطلق في 22 شباط/ فبراير 2019، للوقوف في وجه ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة من طرف الجماعة المحيطة به التي باتت تعرف "بالعصابة"1، جذوة الأمل في رؤية الجزائر تستدرك أخيرًا فشل النموذج التنموي المعتمد منذ السبعينيات، وتتجاوز آثار الأزمة السياسية والأمنية الخانقة 2000-1991()، وتتدارك الفرصة النادرة للإقلاع الاقتصادي على مرّ أربع عهدات كاملة للرئيس المستقيل 2019-1999() للانطلاق في بناء نموذج ديمقراطي واعد، قائم على فسح المجال أمام الحريات، والتداول السلمي على السلطة، وتمكين الشباب من فرص العمل وتقلد المسؤولية. لم يكن الحراك الشعبي أوّل المظاهرات التي تعرفها الجزائر، بل سبقتها أحداث أخرى أبرزها ما أصبح يعرف بأحداث 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988، حين خرج شباب في مظاهرات عارمة، في الجزائر العاصمة أساسًا، لتنتقل إلى المدن الأخرى، ضد الفقر والتهميش وندرة المواد الغذائية2. كانت الاستجابة الأولى لها القمع بتدخل الجيش وسقوط عدة ضحايا، قبل الإعلان عن حزمة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وفتح المجال، أول مرة، للتعددية السياسية وحرية التعبير والتظاهر، كرسها دستور 1989. غير أنّ المظاهرات التي شملت أرجاء البلاد سنة 2019 بدت سياسية، ولم تحركها مطالب اجتماعية في أول الأمر، على الرغم من أنّ الأزمة الاقتصادية كانت واضحة للعيان منذ الصدمة النفطية في عام 2014؛ بل كان الهدف منها استرجاع كرامة شعب من نظام بلغ به الأمر أن قدم شخصًا أنهكه المرض، حتى لم يعد يقوى على الكلام والحركة، لشغل منصب رئيس البلاد عهدة خامسة. لم تتعرض الجزائر لموجة الربيع العربي الأولى التي انطلقت شرارتها في عام 2011، ومسّت في جوارها تونس وليبيا؛ وكان لهذا الاستعصاء مبرراته3. فبعد عشر سنوات من الاضطرابات السياسية والأمنية الطاحنة (أزمة تسعينيات القرن الماضي) التي أودت بحياة نحو 200 ألف جزائري، وخلّفت خسائر كبيرة في البنية التحتية، قدّرت بنحو 20 مليار دولار، وتركت آثارًا اجتماعية ونفسية عميقة، كان من الصعب أن يستجيب الجزائريون لدعوات تغيير النظام، حتى إن كانت مسوّغات هذا التغيير قائمة. كما أنّ النظام لم يشهد منافسة جدية من طرف نماذج أكثر إنتاجية وتنوعًا، تتطلب، في العادة، إصلاحات عميقة على كل المستويات، لم تكن الطبقة السياسية، في ذلك الوقت، مستعدة لتحمل تبعاتها السياسية والاجتماعية في الوقت نفسه4. ويورد ناصر جابي ثلاثة شروط موضوعية تساعد على تسريع الانتقال السياسي وإتمامه في ظروف مواتية ومعقولة: 1) الوضع المالي للبلاد. 2) التجربة السياسية القريبة للجزائريين وما استخلصوه منها من عبِر.)3 البعد العربي والدولي الضاغط5. وسمحت الإيرادات الهائلة المتأتية من تصدير المحروقات بإطلاق برامج استثمارية عمومية ضخمة6، ساهمت في زيادة دخل الجزائريين وتحسين معيشتهم على نحو محسوس، على الرغم مما شاب هذه السياسة من فساد وتباين في توزيع الثروة، وفشل جهود الحكومة في إقامة قاعدة صناعية فعّالة، تسمح بالانعتاق من هيمنة الرّيع. لكن الانعتاق من هيمنة الرّيع لم يكن العامل الوحيد المسؤول عن كل الإخفاقات7 التي شابت المسيرة التنموية التي حاولت الجزائر عبرها، عبثًا، إقامة
اقتصاد متنوع قادر على التصدير، وقويّ بما فيه الكفاية لمواجهة الصدمات الخارجية. وفي الواقع، إنّ التاريخ الاقتصادي للعالم العربي في المدة 2014-2000 هو تاريخ لنموذج "النمّو المشوّه" المعمّم8 الذي لم ينتبه إليه سوى قلة، وهو الذي يفسر إلى حد بعيد البعد الاقتصادي/ الاجتماعي المهمّ للثورات العربية9. وجاءت أزمة انهيار أسعار النفط التي شهدتها الأسواق العالمية 2021-2014() لتزيد من تفاقم المصاعب الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين الجزائريين ومن عجز الحكومة10 التي لم يكن أمامها خيارات كثيرة، ما أجبرها على اعتماد خطة تقشفية صارمة (تقليص النفقات الجارية، وتجميد إطلاق المشاريع العمومية، والحفاظ على الموارد المالية من العملة الصعبة ما أمكن لذلك سبيلً.) أعادت هذه الأزمة إلى الأذهان هواجس الأزمة الاقتصادية لسنة 1986، لما انخفضت أسعار النفط في الأسواق العالمية11 من 27.56 دولارًا للبرميل في 1985 إلى 14.4 دولارًا في عام 1986. لم يتوقف القلق عند الآثار الاقتصادية والاجتماعية، فقط، لهذه الأزمة، بل امتد ليشمل الجوانب السياسية أيضًا. فمعلوم في تلك الفترة أنّ طرح موضوع الانتقال الديمقراطي في الجزائر سبق انهيار جدار برلين في تشرين الثاني/ نوفمبر 1989 وقبل موجة الانتقال الديمقراطي لمطلع تسعينيات القرن الماضي التي عرفتها دول أوروبا الشرقية التابعة للمعسكر السوفياتي سابقًا، وأيضًا، قبل عقدين على أحداث "الربيع العربي" في 2011 12. نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية، لم يعد في إمكان الحكومة استعمالها لشراء السلم الاجتماعي وتوزيع الرّيع على مختلف المجموعات الداعمة لها. وما زاد الطين بلة محاولة ترشيح الرئيس المنتهية ولايته لعهدة خامسة على الرغم من عدم استطاعته صحيًا القيام بواجباته الدستورية. إنّ إصرار المجموعة المحيطة بالرئيس السابق على تمرير مشروع العهدة الخامسة أدى إلى اندلاع مظاهرات الحراك، في 22 شباط/ فبراير، المطالبة بوقف 2019"مهزلة" العهدة الخامسة. وعلى خلاف مرحلة "الانتقال الديمقراطي" الأولى 1991‑1989() التي أفضت إلى أزمة أمنية عميقة، وصفها البعض بأنها حرب أهلية13، فإنّ الحراك الشعبي تميّز بسلميته المثالية. وفي خضم المحاولات الرامية إلى الخروج من الأزمة السياسية التي طرحتها شخصيات سياسية، ومنظمات المجتمع المدني، وأحزاب سياسية، طفت على السطح مفاهيم الانتقال الديمقراطي والمرحلة الانتقالية بوصفها أحد الحلول المقبولة والممكن تطبيقها عبر آليات لم تحظ باتفاق الأطراف جميعًا14. وبناءً عليه، فمفهوم الانتقال الديمقراطي في أوسع معانيه، يعني العمليات والتفاعلات المرتبطة بالانتقال أو التحول من صيغة نظام حكم غير ديمقراطي إلى صيغة نظام حكم ديمقراطي15. ويعرف غيليرمو أودونال الانتقال Transition بأنه "المرحلة الفاصلة بين نظام سياسي وآخر." ويضيف في الصدد ذاته "إن الانتقال محدد، من جانب، بالشروع في عملية تفكيك نظام تسلطي، ومن الجانب الآخر، بإرساء شكل من أشكال الديمقراطية والعودة إلى أحد أشكال الحكم التسلطي أو انبثاق خيار ثوري. وميزة الانتقال (الديمقراطي أو المرحلة الانتقالية) أن تكون قواعد اللعبة السياسية خلاله غير محددة"16. ومن ثَمَّ، فإنّ الانتقال الديمقراطي ليس عملية خطية، وغير مضمونة النتائج ولا يمكن التقيّد بمدة زمنية لإتمامها. كما أنّ النكوص عن المكتسبات المسجلة والعودة إلى النظام السابق تبقى واردة17. وفي هذا الصدد حدّد خوان لينز وألفرد ستيبان خمسة شروط لترسيخ
الديمقراطية، وتتمثل بتطوير حكم القانون، وبيروقراطية قادرة على تنفيذ سياسة السلطة الجديدة، ومجتمع اقتصادي قائم على شركات ومؤسسات مستقلة عن الدولة، ومجتمع مدني يؤسس جمعيات ويدافع عن مصالحه تجاه الدولة، ومجتمع سياسي (الأحزاب السياسية والقواعد الانتخابية) يسمح بإضفاء الطابع المؤسسي على المعايير الديمقراطية18. وتبقى هذه الشروط صعبة التحقيق مجتمعة، وخاصة في الحالة العربية. غير أنّ "نموذج التحول" الذي انتقلت فيه الدول من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية من خلال سلسلة من المراحل، قد تم رفضه إلى حد بعيد. فقد نظر كثيرون إلى العديد من الدول على أنها تقبع في "منطقة رمادية "تتألف من مختلف أشكال الحكومات؛ إذ تجمع بين جنباتها الخصائص الديمقراطية والاستبدادية19. وتميزت التجربة الجزائرية باعتماد مخطط سياسي لإدارة المرحلة الانتقالية، مستندة إلى تدابير دستورية مستمدة من النصوص السارية. لكنها لم تكن مقنعة لقطاع واسع من مكونات الحراك الشعبي الذي اعتبر أن تلك الترتيبات تقيد مسار التغيير، وترجّح كفة إعادة إنتاج النظام القائم على حساب إمكانية إنجاز التغيير السياسي السلمي20. وتبقى مسألة الانتقال الديمقراطي والدمقرطة مطروحة، ولكن من وجهات نظر تختلف بحسب اختلاف مشارب الباحثين ومرجعياتهم الأكاديمية21. وننطلق من بحثنا هذا لفهم أسباب اندلاع الحراك الشعبي من منطلقات اقتصادية تحاول دراسة تأثير نظام النموّ الاقتصادي المتبع، والذي يُعرف بالدولة الريعية، في الآفاق السياسية للمواطنين، وخاصة الشباب منهم الذين تولدت لديهم قناعة راسخة أن مثل هذه المنظومة لن تؤدي بهم، أخيرًا، إلى برّ الأمان، بل ستؤدي إلى إقصائهم من الناحية الاقتصادية، بفعل الأداء السيئ لهذا النظام، ليصل الإقصاء مداه إلى النواحي السياسية. قبل عشرين سنة، ظهرت في الأوساط الأكاديمية المهتمة بدراسة الاستبداد22 في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أدبيات غزيرة في حقل العلوم السياسية23 هيمنت عليها نظرية "الدولة الريعية." وساهم في هذا الاهتمام نتائج دراسات تطبيقية دعمت الرأي القائل بأن الريع النفطي يعيق التحول إلى الديمقراطية24. وفضلً عن إعاقته الديمقراطية، تؤدي وفرة الموارد الطبيعية إلى إقامة أنظمة استبدادية، وتتسبب في خراب اقتصادي، وحتى في اندلاع حروب أهلية. وهذا ما حدا ببعض الباحثين إلى اعتبار الاستبداد في البلدان الوفيرة الموارد الطبيعية "اللعنة السياسية للموارد الطبيعية"25. وعلى الرغم من وفرة الموارد المالية، فإن هذا لم يمنع من اندلاع شرارة الانتفاضات في بلدان غنية بالموارد الطبيعية على غرار ليبيا 2011() والجزائر.)2019(غير أنه في منتصف العقد الماضي بدأت تظهر أدبيات تنتقد هيمنة التحليلات المرتبطة بالرّيع على أنه السبب الوحيد للفساد وغياب الحكم الرشيد، في حين أن هذه التحليلات، المستندة إلى نماذج رياضية معقدة، تخلط بين علاقة الارتباط بين متغيرات النموذج المفسر لظاهرة غياب هذا الحكم في البلدان الريعية والعلاقات السببية بين هذه المتغيرات أي العلاقات السببية بين المتغيرات المستقلة
أو متغيرات التفسير وبين المتغيرات التابعة أو متغيرات النتيجة26. وتكمن أهمية دراسة الحالة الجزائرية في أنها تشمل نواحيَ عديدة في آن واحد. فهي دولة يتسم اقتصادها بهيمنة الريع في كل مناحي الاقتصاد، وتشهد أزمة اقتصادية ناجمة أساسًا عن انخفاض المداخيل المتأتية منه من جهة، ومرّت بمرحلة "انتقال ديمقراطي" قبل أكثر من ثلاثين سنة 1991-1989() ودخلت في مخاضٍ سياسي عسير عقب الحراك الشعبي الذي اندلع في عام 2019، من المفروض أن يكون للعامل الاقتصادي دورٌ مهم في مآلاتها من جهة أخرى. ووفق ذلك، يفسح لنا المجال لنسأل، هل تساهم الأزمة الاقتصادية الحالية، وما يتبعها من ضرورة إصلاح اقتصادي، في تسريع وتيرة "الانتقال الديمقراطي"27، أم أنّ "الانتقال الديمقراطي" سيعجل بالإصلاحات الاقتصادية؟ لقد راعينا في هذا التحليل استخدام مفهوم الاقتصاد السياسي، الذي هو تحليل المجتمع الحديث من خلال إطار يجمع بين العوامل السياسية والاقتصادية، نظرًا إلى وجود ارتباط معقد بين السياسة والاقتصاد لا يمكن معه فصل أحدهما عن الآخر28. لم تكن المرحلة الانتقالية من ضمن الحلول التي اقترحها الجيش للخروج من الأزمة السياسية عقب استقالة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. بل أصرّ على التمسك بالحل الدستوري المتمثل بالانتخابات الرئاسية بصفته مخرجًا وحيدًا. وكان ردّ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بحسب برنامجه الانتخابي، على المطالب التي رفعها الحراك سياسيًا بامتياز، تمثل بالأساس بتعديل الدستور29 واقتراح قانون جديد للانتخابات، حاولت فيه الحكومة تقديم ضمانات للحدّ من تغلغل المال السياسي في الحياة السياسية، وإفساح المجال واسعًا للشباب للترشح للانتخابات. وضمن خطة الطريق المقترحة، نُظّمت انتخابات تشريعية في 12 حزيران/ يونيو 2021 أسفرت عن فوز حزب جبهة التحرير (محافظ) الوطني بالمرتبة الأولى للانتخابات التشريعية ب 95 مقعدًا، متبوعًا بكتلة الأحرار ب 84 مقعدًا، وحركة مجتمع السلم ب 64 مقعدًا، والتجمع الوطني الديمقراطي ب 57 مقعدًا. وعلاوة على الأوضاع السياسية المضطربة التي شهدتها الجزائر مؤخرًا، أثّر مزيج الصدمة النفطية وجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في الاقتصاد والسكان بشدة. وساهمت الإجراءات الاستعجالية التي اتخذتها الحكومة في التخفيف من حدة هذه الآثار، وخاصة على الصعيد الاجتماعي30. ومع بدء انحسار الأزمة الصحية وتعافي الاقتصاد، وإن على نحو يسير، أصبح الأمر أشد إلحاحًا لتبني نموذج للنّمو أشمل وأدوم31. لقد قلصت هذه الأزمة الاقتصادية حجم المناورة أمام الحكومة32 التي كانت تعتمد في السابق على الإيرادات الهائلة من تصدير المحروقات، أضف إلى ذلك الجائحة التي ضربت العالم بأسره، والتي أربكت حسابات الحكومة كلها33. وهو ما يفسح لنا المجال للحديث عن ضرورة التفكير في كيفية الانتقال من النظام الحالي للنمّو الاقتصادي المرتكز على تصدير سلعة واحدة (المحروقات) وإخفاق كل عمليات التنويع الاقتصادي مع ما يتبعه من آثار في عملية "الانتقال الديمقراطي." سنحاول في هذا العمل تتبع المسار الذي شهدته محاولات الإصلاح السياسي منذ إرهاصاته الأولى ومحاولات "الانتقال الديمقراطي" 1991-1989() والعراقيل التي شهدها، والتطورات المتلاحقة حتى عام 2020، وهذا على وقع جهود إصلاح اقتصادي ضروري أملته الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تشهدها الجزائر حاليًا.
أولا: محاولات "الانتقال" السياسي المتعثر على وقع الأزمات الاقتصادية
الأزمة الحالية التي تمرّ بها الجزائر هي حلقة في سلسلة طويلة من حلقات عدم الاستقرار التي مرّت بها وأثّرت في الاستقرار السياسي من جهة والوضع الاقتصادي من جهة أخرى. فمنذ استقلالها، لم يمرّ عقد من دون أن تشهد البلاد أزمة سياسية أو اقتصادية نتجت أساسًا من تغييرات في هرم السلطة. ففي سنة 1962، شهدت الجزائر أولى أزماتها
| الشكل)1( | |
|---|---|
| الشكل)1( مخطط زمن1962()2020 لتعاقب الأزمات ومحاولات الإصلاح الاقتصادي وال اسي على وقع تذبذبات أسعار النفط | |
| مخطط زمني لتعاقب الأزمات ومحاولات الإصلاح الاقتصادي والسياسي على وقع تذبذبات أسعار النفط)2020-1962( 1962 1965 1978 1986 1988 1989 1994 1998 1999 1999 2001 2014 2019 2021 2020 1991 دﻛﺘﺎﺗﻮرﻳﺔ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ اﺳﺘﻘﺮار ﺳﻴﺎﳼ ﻧﻀﻮب اﻟﺮﻳﻊ أزﻣﺔ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ إﺻﻼﺣﺎت اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ اﻧﺘﻘﺎل ﺳﻴﺎﳼ)ﻣﺤﲇ( دﻛﺘﺎﺗﻮرﻳﺔ إﺻﻼﺣﺎت اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ داﺧﻠﻴﺔ إﺻﻼﺣﺎت اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ ﻣﻔﺮوﺿﺔ ﻣﻦ اﻟﺨﺎرج إﺻﻼﺣﺎت ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ أزﻣﺔ اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ ﺣﺮب أﻫﻠﻴﺔ اﻧﻘﻼب ﻋﺴﻜﺮي ﺻﺪﻣﺔ ﻧﻔﻄﻴﺔ ﻣﻮﺟﺒﺔ ﺻﺪﻣﺔ ﻧﻔﻄﻴﺔ اﻧﺘﻔﺎﺿﺔ ﺷﻌﺒﻴﺔ ﺳﻠﻤﻴﺔ ﺻﺪﻣﺔ ﻧﻔﻄﻴﺔ اﻧﺘﻔﺎﺿﺔ ﺷﻌﺒﻴﺔ ﻋﻨﻴﻔﺔ وﻓﺎة اﻟﺮﺋﻴﺲ ﻫﻮاري ﺑﻮﻣﺪﻳﻦ و ﺗﻮﱄ اﻟﺸﺎذﱄ ﺑﻦ ﺟﺪﻳﺪ رﺋﺎﺳﺔ اﻟﺒﻼد ﺗﻮﱄ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺰﻳﺰ ﺑﻮﺗﻔﻠﻴﻘﺔ رﺋﺎﺳﺔ اﻟﺒﻼد المصدر: من إعداد الباحثيَن. | |
باستيلاء جيش الحدود على السلطة التي كانت تمثلها الحكومة المؤقتة. ولم تمض ثلاث سنوات حتى أزاح العقيد هواري بومدين الرئيس أحمد بن بلة 1965-1963() في انقلاب عُرف بالتصحيح الثوري في حزيران/ يونيو 1965. وشهدت بعدها الجزائر استقرارًا سياسيًا نسبيًا، سمح بإطلاق برامج اقتصادية واجتماعية واسعة. وشهدت فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد 1992-1979() أخطر أزمة سياسية ما زالت تعاني الجزائر آثارها إلى اليوم. فعقب انهيار أسعار النفط سنة 1986، دخلت الجزائر في أزمة اقتصادية حادة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت نسبة الدين الخارجي إلى الناتج الداخلي الخام من 16 إلى 51 في المئة في المدة 1988-1986()، كما ارتفعت نسبة خدمة الدين إلى الصادرات من 51 إلى 99 في المئة في المدة نفسها، وهذا بسبب حلول موعد استيفاء الدَّين34. واندلعت على إثرها مظاهرات شعبية كبيرة في تشرين الأول/ أكتوبر 1988، وأفضت إلى انفتاح ديمقراطي واقتصادي غير مسبوقيَن. غير أنّ هذه المسيرة توقفت فجأة في عام 1992 باستقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، لتدخل الجزائر في دوامة عنف دموي مرير. وفي عام 1999، انتخب الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في خضم أزمة سياسية خانقة ووضع أمني متردٍ وحالة اقتصادية مترهلة، بعد استقالة اليمين زروال 1999-1995() الذي انتخب هو أيضًا في ظروف أمنية واقتصادية صعبة للغاية. ومضت عشرون عامًا شهدت فيها الجزائر مداخيل غير مسبوقة من المحروقات، سمحت بإطلاق مشاريع بنيوية تحتية كبرى، صاحبها استشراءٌ هائلٌ للفساد على كل المستويات، وانحطاط مخيف في مستوى الممارسة السياسية. يمثّل الشكل 1() تعاقب الأزمات السياسية ومحاولات الإصلاح الاقتصادي منذ الاستقلال، إلى غاية اندلاع الحراك الشعبي في سنة 2019. ويتضح منه بصورة جلية كيف انتقلت الجزائر من دولة أخذت
على عاتقها تنمية الاقتصاد الوطني بانتهاج سياسة تنموية شاملة إلى دولة ريعية زبائنية. وخلافًا للمنهجية القائمة في الثمانينيات على المقارنة بين الثنائية؛ الاقتصاد المسيّ / اقتصاد السوق، بات من المفيد أكثر دراسة الاقتصاد الجزائري من زاوية الاقتصاد الريعي/ الاقتصاد الإنتاجي التي يمكن أن تكون أوضح تفسيرًا للتجربة الجزائرية في التنمية. ويبدو واضحًا أنّ الإصلاحات الاقتصادية تأتي دائمًا في إطار حزمة من الحلول للأزمات السياسية التي، للمفارقة، تظهر عقب كل تغيير في أعلى هرم للسلطة (الرئاسة.) وهنا يمكننا تمييز ثلاث مراحل أساسية. المرحلة الأولى 1978-1962()، وهي المرحلة التي تلت الاستقلال وشهدت فيها الجزائر محاولة جادة لبناء قاعدة صناعية في عهد الرئيس هواري بومدين، قوامها الاقتصاد الموجه والاشتراكية وحكم الحزب الواحد. أما المرحلة الثانية 1998-1979() فهي مرحلة مضطربة تداخل فيها السياسي والاقتصادي، على نحو عجّل بتطبيق برنامج اقتصادي مفروض من الخارج (برنامج التعديل الهيكلي تحت وصاية صندوق النقد الدولي.) وتزامن تطبيق هذا البرنامج مع مرحلة انفتاح سياسي تحوّل فيما بعد إلى أزمة سياسية خانقة غابت معه كل مبادرات "الانتقال الديمقراطي" السلمي. وتتسم المرحلة الثالثة 2020‑1999() بظهور منطق الاقتصاد الريعي وتأثيراته السياسية35، والاقتصادية، والاجتماعية الذي كان سببًا، بعد عشرين سنة من تطبيقه، في اندلاع الحراك الشعبي في شباط/ فبراير 2019.
1. الشرعية الثورية ومحدودية النموذج التنموي (1962 - 1986)
عشية الاستقلال، لم تكن ثمة حاجة إلى نقاش كبير للحسم لمصلحة تعزيز سلطة الدولة وهيمنتها في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية جميعًا. فعلى الصعيد السياسي، اعتُمد مبدأ الحزب الواحد لتسيير دواليب الحكم، والتخطيط المركزي وتدخل الدولة الكثيف في الحياة الاقتصادية36. وتحددت معالم السياسة الاقتصادية الجديدة بالتركيز على الاستقلال الاقتصادي عن طريق تأميم الثروات الوطنية، وجزء من تجارة الجملة التي كان الأجانب يسيطرون عليها، وكذا كل المؤسسات المالية في البلاد، وعن طريق نبذٍ كاملٍ للتنمية على النمط الرأسمالي37، وقد أشار ميثاق الجزائر سنة 1964 إلى أن الاشتراكية هي الأسلوب والنظام الوحيد لتحقيق التنمية، وأن النظام الرأسمالي مرفوض. وفي هذه المرحلة، كما يقول عبد الباقي الهرماسي38، أدى مشروع الدولة للتصنيع والتحديث السريع، فضلً عن بناء المجتمع من جديد بحسب سياسة معينة39، إلى بروز تكنوقراطية جديدة في البلاد. ويعزو الكاتب نفسه صعوبة تحليل الوضع في الجزائر، ودراسة طبيعة الدولة إلى الوزن الرمزي لحرب التحرير الطويلة، والصراع بين النخب وكثرة استعمال الشعارات الأيديولوجية المثيرة، يضاف إلى ذلك الطابع السري للمداولات السياسية الذي حجب ما أنجز حتى الآن40. ودبّت بين رفقاء السلاح القدامى خلافات عرفت بأزمة صيف 196241، فقد استولى جيش الحدود (كان متمركزًا في الجهة الغربية للبلاد) على السلطة وأزاح الحكومة المؤقتة بقيادة بن يوسف بن خدة)2003‑1920(42، ثم جرى انتخاب أحمد بن بلة رئيسًا. بعد هدوء نسبي في المدة 1965-1962()، شهدت البلاد على الصعيد الاقتصادي تأميم أراضي المعمرين والأملاك الشاغرة جميعًا، وتطبيق نظام التسيير الذاتي طبقًا لتنظيمات مراسيم آذار/ مارس وتشرين الأول/ أكتوبر 1963، وكانون الأول/ ديسمبر 1968. كما جرى تأميم المناجم جميعًا في أيار/ مايو 1966، وشبكة توزيع مشتقات البترول الأجنبية سنة 1968. وجرى اعتماد نظام تخطيط الاقتصاد المركزي تأكيدًا لما جاء في برنامج طرابلس سنة 1962؛ إذ جاء في ميثاق الجزائر سنة 1964 أن "تنمية البلاد الاقتصادية متوقفة على التخطيط، وهذا الأخير مدعو إلى القضاء على التخلف المتراكم"43. وهذا ما أفضى إلى الاقتناع بأنّ أسلوب العمل المناسب والفعّال هو
الأسلوب الاشتراكي، وهو اقتناع يجسد بكل أمانة الميول النفسية للشعب الجزائري وطموحاته في الحرية والاستقلال45. نشبت ثاني أزمة سياسية، في سلسلة أزمات لم تنته إلى اليوم، مع انقلاب العقيد هواري بومدين في 19 حزيران/ يونيو 1965 على الرئيس أحمد بن بلة. سُمي هذا الانقلاب بالتصحيح الثوري46. لغِي بموجبه العمل بدستور وأ 1963، وحُلَّ البرلمان، وجرى تأسيس مجلس الثورة. وعلى الرغم من أنّ الجيش هو الذي استولى على السلطة سنة 1965، فإنّ تأثيره في دواليبها، أو على الأقل في جزء منه، لم يكن مباشرًا إلا في عقد التسعينيات47. وفي تلك الفترة، كان الحديث عن الديمقراطية والتعددية ضربًا من الخيال، وبناءً عليه، لا يمكن اعتبار هذه المرحلة إلا من جانبها الاقتصادي بالنظر إلى خصوصية التجربة. غير أنّ الجانب الاقتصادي يغري بدراسته بالنظر إلى ثراء التجربة وتطبيق الجزائر نموذج اقتصادي ارتكز على التصنيع الكثيف، أدّى فيما بعد إلى أزمة المدفوعات، ومن ثم إطلاق عملية "الانتقال الديمقراطي" الأولى 1991-1989(.)
2. النموذج التنموي وحلم التنمية على أسس اشتراكية
أتاحت فترة الاستقرار النسبي الذي شهدته الجزائر48) 1978-1965(إطلاق برامج تخطيط واسعة لتحسين مستوى معيشة العمال، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي عن طريق تدعيم الاستقلال المالي، وبناء اقتصاد حديث يُ كن أن يواكب اقتصاديات البلدان المصنعة. لقد تمكّن "الجناح التقدمي" في السلطة من تجسيد رؤية مناهضة للإمبريالية والإقطاعية، ووضع الجزائر على طريق "غير رأسمالي للتنمية." وتجلت هذه السياسة في بناء مصانع ضخمة، ومركبات صناعية، وفتح مناطق صناعية. لقد جرى "توجيه كل الأموال المحصَّلة من الريع النفطي لتمويل هذا القطاع بصفة خاصة، والقطاع الصناعي بصفة عامة، وذلك على حساب بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى، هذا مع الإهمال شبه الكلي للقطاع الخاص الذي انخفضت مساهمته في الاستثمار من %45 سنة 1967 إلى %5.04 سنة "197849. وعرفت الجزائر خلال هذه المدة ثلاثة مخططات تنموية كبرى، تتمثل بالمخطط الثلاثي 1979-1967()، والمخطط الرباعي الأول 1973-1970()، والمخطط الرباعي الثاني 1977-1974()، تلت ذلك مرحلة تكميلية 1979-1978() جرى خلالها إتمام ما تبقى من المخطط الرباعي الثاني. وصل نموذج التراكم المرتكز على الزراعة إلى نهايته حتى قبل الاستقلال، لكن تفسير الخلل الناجم عن انهيار هذا النموذج كان مجانبًا الصواب؛ فلمواجهة النقص في الإنتاج الزراعي اللازم لتشغيل الأعداد الهائلة من السكان الوافدين على سوق العمل، كان لا بد من انتهاج سياسة اقتصادية أساسها الاعتماد على الصناعة التي في إمكانها مواجهة تحدّييَن، هما الاستهلاك والتشغيل. والغريب أن السلطة أخذت بهذه الرؤية الكولونيالية في المخططات التنموية ما بعد الاستقلال، وخاصة تلك الموجودة في مخطط مدينة قسنطينة50 لسنة 1958 51. وقد بيّ عبد الله زوّاش أن هذا الخيار كان متناقضًا مع الإرث الاقتصادي الكولونيالي المطبوع بغياب شبه كامل لرأس المال البشري52، وكذا الافتقار إلى نخبة اقتصادية "مسلمة" أو وطنية53، وعدم وجود نظام مصرفي قادر على تمويل الاستراتيجية الصناعية المتبناة لاحقًا، التي عُرفت "بالصناعات المصنعة"54. يشير عبد اللطيف بن أشنهو، في هذا الصدد، إلى الحاجة إلى إصلاح زراعي يقوم على تغيير ملكية الأراضي للوصول إلى أهداف
نموذج الصناعات المصنعة55. ويقتضي تطبيق مثل هذا النموذج في التنمية فرضيات أربع، تتمثل ب: ضرورة وجود تمويل أولي، وضرورة وجود هيكل تخطيط قوي، وضرورة اعتماد سياسة صارمة للأسعار والمداخيل، وضرورة القيام بإصلاح زراعي. وبناءً عليه، فإنّ أسباب الأزمة الاقتصادية، التي اندلعت في منتصف الثمانينيات، تعود إلى النموذج التنموي المتّبع الذي ما لبث أن أثبت محدوديته فور انهيار أسعار النفط في السوق العالمية.
ثانيًا: الإصلاحات الاقتصادية على وقع الاضطرابات السياسية
في نهاية عقد الثمانينيات، وتحت ضغط المشكلات الاجتماعية والسياسية، انخرطت الجزائر في برنامج واسع للإصلاحات الاقتصادية والسياسية. ولم تقتصر الإصلاحات على تلك التي ترافق انفتاحًا خارجيًا أو برنامج التثبيت والتكييف الهيكلي، والتي حاول كثيرون اختصارها في ذلك. وبسبب الاتجاه الاشتراكي، الذي طغى على المشهد الاقتصادي خلال المدة 1988-1962()، كانت صدمة هذه الإصلاحات أعمق من تلك التي شهدتها بلدان أوروبا الشرقية غداة سقوط جدار برلين. وحتى قبل أزمة انهيار النفط سنة 1986، كانت النتائج الاقتصادية غير مرضية، فقد راوح معدل النموّ الاقتصادي في نطاق 5.1 إلى 5.3 في المئة في المدة 1977-1970()، في حين ظل معدل البطالة مرتفعًا، ليصل إلى 18 في المئة، على الرغم من الاستثمارات الكبيرة التي جرى إنجازها. غير أنّ هذا لم يمنع تسجيل ارتفاع في دخل الأسر قدّر بنحو 20 في المئة في المدة 1978-1966(.) ولم تلبث الأزمة أن اندلعت عند أول صدمة نفطية، سنة 1986، لتسرّع التحول من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق.
1. حدود النموذج التنموي المتّبع في الجزائر وأزمة المدفوعات
اعتبُرت الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت أولى "طبعاتها" منذ بداية عقد الثمانينيات بمغامرة "انسحاب الدولة" من الاقتصاد في الجزائر56. يعرّف عبد اللطيف بن أشنهو انسحاب الدولة من الاقتصاد بإعادة تفسير الاقتصاد وتنظيمه، والحدود بين القطاعين العمومي والخاص سواء عن طريق خصخصة كاملة للقطاع العمومي، أو تشجيع القطاع الخاص، أو تعزيز القطاع الخاص أكثر من القطاع العمومي. وجرى إطلاق حزمة الإصلاحات الاقتصادية بعد أن واجه النموذج التنموي المتّبع منذ عام 1965 أزمة عميقة، لم تكن الصدمة النفطية لسنة 1986 إلا تعبيرًا صارخًا عنها. لقد ارتكز النموذج التنموي على ثلاث ركائز أساسية، تمثّلت ب: تثمين الموارد الطبيعية، والتصنيع الكثيف، وتحويل الهياكل الفلاحية57. وفي المقال نفسه، وجّه عبد اللطيف بن أشنهو انتقادات لسياسة التصنيع المتّبعة التي اعتبرها السبب في الآثار السيئة في التنمية، نجم عنها ضعف التحكم في الاستثمارات ونقص الإنتاج. غير أنّ هذه الانتقادات لم تكن الوحيدة التي وُجّهت إلى سياسة التصنيع في الجزائر؛ فقد وجد أندراف وحياب أن خيار صناعة الصلب والحديد لم يكن ذا أولوية مقارنةً بإهمال الصناعات البتروكيماوية التي كان من المفروض أن تحظى بالاهتمام الكافي58. غير أنّ هذه الاستراتيجية سمحت بتحقيق معدلات نمو معتبرة، بلغت حدود 7 في المئة في المدة 1979-1969() ومكّنت من استيعاب العمالة في المناطق الحضرية. كما نجم عن التصنيع الكثيف توترات في استخدام الموارد البشرية النادرة، والموارد المادية (نقص في وسائل الإنجاز، وضعف شبكة الاتصالات، والنقص في البنية التحتية المتمثلة بالموانئ،... إلخ) والمالية (تفاقم الدين الخارجي الناجم عن اللجوء المبالغ فيه إلى السوق المالية العالمية، وغالبًا بشروط مجحفة في المدة 1978-1974(.) وللخروج من هذه الأزمة، اقترح البعض التخلي عن سياسة الصناعات المصنّعة وتوجيه الاستثمارات القادرة على التنافس
على المستوى الدولي، وإعادة توجيه الاقتصاد عن طريق تقسيم المؤسسات الكبيرة إلى مؤسسات صغيرة، ليس بتعزيز التخطيط، ولكن بترك علاقات هذه المؤسسات بمحيطها خاضعة للسوق59. ولمواجهة هذه الوضعية، شُِع في الإصلاحات الاقتصادية على مستويين، أحدهما تكييف البنية القطاعية للاستثمارات بهدف إصلاح الاختلالات بين القطاعات والاختلالات الجهوية الملاحظة حول الفترة السابقة، والآخر إعادة توازنات الاقتصاد العام والتوازنات الخارجية وإعادة تنظيم الاقتصاد60. وواجهت هذه الإصلاحات أيضًا مقاومة شديدة على مستوى الأجهزة؛ إذ جرى اعتبارها إعادة نظر في خيارات عهد الرئيس الراحل بومدين الأيديولوجية.
2. أزمة اقتصادية فأزمة سياسية فأمنية
تزامنت الإصلاحات الاقتصادية التي تطرقنا إليها آنفًا مع انفتاح سياسي غير مسبوق عقب اعتماد دستور جديد سنة 1989، سمح، أول مرة، باعتماد أحزاب سياسية وجمعيات مدنية، فضلً عن إتاحة مساحة من حرية التعبير. ويمكن اعتبار هذه المرحلة فترة انتقالية جزئية. غير أن هذا "الربيع" الإصلاحي المبكّر في الجزائر لم يدم طويلً؛ فعقب فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلية مقاعد البرلمان في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية، في 26 كانون الأول/ ديسمبر 1991، وعوضًا عن اللجوء إلى انقلاب عسكري مباشر وإذاعة بيان عنه عبر الإذاعة والتلفزيون كما جرت العادة مع الانقلابات العسكرية في الجزائر ودول الجنوب، أجبر الجيشُ الرئيسَ بن جديد على الاستقالة وحل البرلمان في الوقت نفسه، ما خلق حالة فراغ دستوري غير مسبوقة. وعلى هذا، شُكّلت هيئة رئاسية من خمس شخصيات، سُمّيت المجلس الأعلى للدولة في كانون الثاني/ يناير 1992، وجيء بمحمد بوضياف 1992-1919() أحد القادة الثوريين الذي اختار المنفى بعد خلافات مع رفقاء السلاح من جيش الحدود. ولم يلبث أن اغتِيل في 29 حزيران/ يونيو من السنة نفسها، ليُستبدَل بعلي كافي 2013-1923() أحد القادة الثوريين أيضًا، مدة سنتين. وبعد ندوة وطنية، سُميت ندوة الوفاق، عُيّ العسكري اليمين زروال على رأس الدولة سنة 1994، وانتخب في سنة 1995 رئيسًا للجمهورية، ليغيّ دستور سنة 1989 بآخر سنة 1996، أدرج فيه أول مرة تحديد ولاية الرئيس بولايتين، ما اعتبُر تقدمًا ملحوظًا على صعيد الممارسة السياسية. غير أنّ اليمين زروال لم يلبث أن استقال سنة 1999، نتيجة خلافات مع الجيش، حول التعامل مع الأزمة الأمنية الطاحنة حينها. الثابت في هذا كله هو دور الجيش المحوري في تسيير دواليب السياسة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ودائمًا ما يكون على استعداد للتدخل في حالة شعوره بخطر داهم61. وملاحظة ثانية، استدعاء الماضي الثوري ورجالات الثورة ليكونوا واجهةً لنظام أعيته الشرعية الانتخابية، ولم يجد إلا الشرعية الثورية ليتمسك بأهدابها، علّها تمنحه الوقاية والأمان في مواجهة واقع أضحى غريبًا عنه. وفي خضم كل هذه الأزمات، لم يكن ثمة بُدٌّ من اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لإنقاذ اقتصاد لم يعد قادرًا على تلبية الحاجات الأساسية لمواطنيه. اعتُِبِ اللجوء إلى الصندوق انتقاصًا من السيادة الوطنية وتقييدًا لحرية الدولة الوطنية في تسيير الاقتصاد. وكان الخطاب المهيمن هو سمو الثورات الثلاث (الصناعية والفلاحية والثقافية) في مواجهة الفقر والتخلف داخليًا والإمبريالية خارجيًا. وما لبث هذا الخطاب أن تلاشى فاسحًا المجال لثقافة اقتصادية جديدة، عمادها الاقتصاد الحر والمبادرة الخاصة والانفتاح على الخارج وتحرير التجارة الخارجية.
ثًالث ا: نضوب الريع وانهيار نظام حكم بوتفليقة: أزمة نفطية تفضي إلى أزمة سياسية؟
تزامن تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، بداية سنة 2020، مع أزمة انهيار أسعار النفط الحادة التي كانت لا تزال مستمرة منذ سنة 2014. وقد أثّرت هذه الأزمة، على نحو حاد، في الاقتصاد الجزائري، وخاصة في عائدات الضرائب من تصدير المحروقات، ونسبة نموّ الناتج المحلي الإجمالي. وكانت الجزائر تخسر نحو 21.2 في المئة من عائداتها النفطية كلما توقفت أسعار النفط عند حدود 03 دولارًا للبرميل62 (ينظر الشكل)).2(
اﻟﺘﻀﺨﻢ
الشكل)2(ثلاث صدمات نفطية في المدة)2020-2008(
اﻟﺴﻌﺮ اﻟﻔﻮري ﻟﻠﱪﻣﻴﻞ ﻣﻦ ﺧﺎم ﺑﺮﻧﺖ ﺑﺎﻟﺪوﻻر اﻷﻣ
الشكل)3(تطور الناتج المحلي الإجمالي ومعدل التضخم في الجزائر خلال المدة)2027-2014(
اﻟﻨﺎﺗﺞ اﳌﺤﲇ اﻹﺟ ﱄ
وتسببت الأزمة النفطية في انخفاض معدلات النمّو الاقتصادي من 83. في المئة سنة 2014 إلى 0.7 في المئة سنة 2019 63. غير أنه لا يمكن أن نعزو هذه النتائج إلى انخفاض أسعار النفط في السوق العالمية فحسب، إذ كان لحالة الاضطراب السياسي64 التي شهدتها البلاد سنة 2019 نصيب من ذلك. فقد تأثر قطاع واسع من النشاطات الاقتصادية من حالة الركود، نظرًا إلى حالة الشك والريبة التي سادت الأجواء أكثر من عام؛ إذ توقع صندوق النقد الدولي65 أن ينكمش الاقتصاد الجزائري بنحو 5.2- في المئة ليعاود النموّ من جديد سنة 2021 بنحو 6 في المئة مستفيدًا من حالة التعافي الاقتصادي، وكذا التحسن في أسعار النفط بحسب تقديراته. عجّلت أزمة سنة 2014 النفطية تآكل الإجماع الذي كان قائمًا حول منظومة حكم أساسها الريع النفطي. فمع انخفاض الإيرادات الريعية، لم يكن في الإمكان مواصلة السياسة نفسها القائمة على توزيع الريع على مجموعة رجال الأعمال النافذين المرتبطين بالسياسيين وكبار الإداريين. وفي 22 شباط/ فبراير 2019، خرج الجزائريون في مظاهرات عارمة مناهضة لترشح بوتفليقة لعهدة خامسة. لقد فاض الكيل بمواطنين سئموا رؤية رئيس مُقعد عاجز عن الحركة والكلام، فكسروا حاجز الخوف من الخروج إلى الشارع. من المهم دراسة أسباب هذا الانهيار السريع الذي أدى إلى وضع نحو 23 وزيرًا ورئ سَ حكومة والمئات من رجال الأعمال والإطارات التي عملت في فترة حكم بوتفليقة 2019-1999() في السجن. إنّ السبب الرئيس لكل أزمة سياسية في الجزائر هو نضوب الريع الذي يعمل بوصفه لحمة تجمع المستفيدين منه؛ وما إن ينضب، حتى تتمزق تلك اللحمة، فاسحة المجال للصراعات بين العصبة نفسها المتحلقة حول الريع أو تأتي عصبة أخرى (سواء مدنية أو عسكرية) لتزيح العصبة الأولى. ساهمت الإيرادات النفطية الهائلة التي استفادت منها الجزائر في رسم صورة عن "دولة قوية وخدومة" قائمة على الرعاية الاجتماعية. واعتمدت الجزائر على ركيزتين لدعم هذه الصورة، هما الأشغال العمومية الكبرى وسياسات الدعم المختلفة (الأسعار، والسكن، والتجهيزات الاجتماعية، والتشغيل، والغاز، والكهرباء، والصحة المجانية) لإعادة إنعاش الاقتصاد وبعث الوفاق الاجتماعي الذي انفرطت عُقَدُه في سنوات الثمانينيات (الصدمة النفطية 1986، وأحداث أكتوبر 1988، والاضطرابات السياسية والاجتماعية الناجمة عن سياسات التكيف الهيكلي.) لا يتعلق فشل السياسات التنموية بالانتقال إلى اقتصاد السوق غير المكتمل بالبنية الريعية للاقتصاد الوطني فحسب، بل إن الإصلاحات النيوليبرالية وعودة الدولة القوية إلى التحكم في دواليب الاقتصاد ابتداءً من سنة 2000، التي تظهر تناقضًا في الظاهر، عملت في المنحى نفسه على تخريب الاقتصاد عوضًا عن إصلاحه من ناحية، وبإعادة إنتاج دولة ريعية زبائنية من ناحية أخرى66. إنّ هذا التوصيف الموجز ليس إلا تبسيطًا لواقع أشدّ تعقيدًا، يتداخل فيه التاريخ مع نظام قائم على استغلال الرّيع النفطي بوصفه وسيلة لتعزيز السلطة عن طريق خدمة حلفائه (يختلفون بحسب الوقائع من قدماء الثوريين إلى رجال أعمال وأثرياء جدد.) وسمحت هذه السياسة باستفادة فئة عريضة من المواطنين من التعليم المجاني، والسكن الاجتماعي وغيرها من الامتيازات الاجتماعية. غير أن هذا لم يمنع تكرار الأزمات السياسية التي كانت في البدء مرتبطة بحرب زعامات على أسس شخصية، قبل أن يتسلل الريع إلى دواليب السلطة لتكون له الكلمة الأولى في وتيرة الأزمة السياسية والإصلاحات الاقتصادية. سنحاول فيما يلي توصيف الواقع الاقتصادي الذي أدّى إلى اندلاع الحراك الشعبي في شباط/ فبراير.2019 1. تفشي الرشوة والفساد على نطاق واسع وصف الرئيس عبد المجيد تبون 2019-() الرشوة بأنها "ظاهرة تغلغلت مثل السرطان في أوساط المجتمع، وينبغي محاربتها، والقانون سيكون بالمرصاد لكل من يستعمل المال الفاسد"67؛ ليؤكد واقعًا استشرى منذ بداية ولاية الشاذلي بن جديد، وبلغ ذروته في ولاية بوتفليقة. واحتلت الجزائر المرتبة 106، بدرجة تقدر ب 53 في مؤشر مدركات الفساد العالمي الذي تصدره منظمة الشفافية
العالمية68 سنة 2019، من أصل 180 دولة شملها التقرير69. وعلى سبيل المثال، حلّت الجزائر في مؤشر الفساد لسنة 2012 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية70، الذي يصنّف الدول على أساس مدى انتشار الفساد في القطاع العام، في المرتبة 105 من بين 176 بلدًا، وفي المرتبة 12 من بين 17 بلدًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في حين سجّلت الجزائر مراتب دنيا منذ سنة 2003 (المرتبة 88) لترتفع شيئًا فشيئًا وتصل إلى أسوأ مرتبة سنة 2011. وقدّر القضاء الجزائري خسائر الخزينة العامة من جراء قضايا فساد وتلاعب بالمال العام من طرف مجموعة من المسؤولين الكبار في الدولة بنحو 12 ألف مليار دينار جزائري، أي ما قيمته 70 مليار دولار، ما يساوي ثلاث مرات دخل الجزائر السنوي من العملة الصعبة المتأتية أساسًا من صادرات المحروقات. وتتمثل الجرائم الاقتصادية التي ألحقت هذه الأضرار بالاقتصاد بالتهرب الضريبي، وتهريب العملة الصعبة في شكل تضخيم فواتير الاستيراد، ومنح امتيازات واعتمادات بغير وجه حق، وتبييض الأموال، وإبرام صفقات لا تنسجم مع القانون71. لقد كان مشهدًا سرياليًا وقوف رئ سَ وزراء (أحمد أويحيى وعبد المالك سلال)، ونحو 23 وزيرًا، في محكمةٍ بالجزائر العاصمة، بتهم تتعلق كلها "بمنح عمدًا امتيازات غير مبررة عند إبرام اتفاقية مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بحرية الترشح والمساواة بين المترشحين وشفافية الإجراءات، وخاصة فيما يتعلق بنشاط تركيب السيارات والتمويل الخفي للحملة الانتخابية"72. كما توبع عدد من الوزراء بتهم أخرى، في السياق نفسه، تتعلق بمنح امتيازات غير مبررة، وإساءة استغلال الوظيفة، وتبديد المال العام، وتسليم، أو الأمر بتسليم رخص تسلمها الإدارات العمومية إلى أشخاص لا يستحقونها. كما توبع عدد من رجال الأعمال، بحسب قرار الإحالة ذاته بتهم منح رشاوى للاستفادة من امتيازات غير مستحقة وتهريب الأموال نحو الخارج بطرق غير رسمية، إضافة إلى التمويل الخفي لحملة انتخابية وأحزاب سياسية. وتحفل وسائل الإعلام الجزائرية باتّهامات عن دفع شركات أجنبية رشاوى ضخمة إلى شخصيات سياسية وموظفين من ذوي المراكز الرفيعة لضمان الحصول على العقود. وهذا ما حصل، على سبيل المثال لا الحصر، مع مشروع بناء الطريق السريع شرق-غرب الذي يربط بين شرق البلاد وغربها، وهو مشروع تكلفته 12 مليار دولار، يمتد على مسافة 1200 كيلومتر. وكشف محققون نظام رشاوى وعمولات يشمل أجهزة أمنية في البلاد ومسؤولين بارزين في وزارة الأشغال العمومية73. وقد سبق أن انفجرت فضيحة فساد سنة 2010، شملت الشركة الوطنية لنقل وتسويق المحروقات، الشركة العامة لأبحاث وإنتاج ونقل وتحويل وتجارة الهيدروكربونات، المؤسسة الوطنية للبحث وإنتاج ونقل وتحويل وتسويق المحروقات (سوناطراك) النفطية المملوكة للدولة. وأمر رئيس الجمهورية الشركة حينها بتجميد كل العقود التي وقّعتها في المدة كانون الأول/ ديسمبر 2009 -، بسبب الاشتباه في وجود احتيال وغشّشباط/ فبراير 2010. وفي أيار/ مايو 2011، حُكِم على الرئيس التنفيذي للشركة محمد مزيان بالسجن سنتين بسبب سوء استخدام الأموال العامة، إذ منح عقودًا لشركات، مباشرة، وليس من خلال منافسة. وظهرت فضيحة أخرى في شباط/ فبراير 2013، حين جرى التحقيق في إيطاليا مع باولو سكاروني Scaroni Paolo، رئيس شركة إيني الإيطالية للنفط والغاز المملوكة للدولة، في شبهة تقديم رشوة ب 265 مليون دولار للفوز بعقود مع سوناطراك. اعتبر اعتقال الثلاثي السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس بوتفليقة والمستشار في الرئاسة، والفريق محمد مدين، الشهير ب "توفيق"، رئيس جهاز المخابرات الأسبق مدة 25 سنة74، والجنرال بشير طرطاق، منسق جهاز الاستعلامات السابق، أبرز حدث على الإطلاق بعد خبر استقالة بوتفليقة. ووُضع ثلاثة رجال أعمال، هم الإخوة كريم ونوح طارق ورضا كونيناف، إضافة إلى يسعد ربراب، صاحب أكبر ثروة في البلاد، قيد الحبس المؤقت في سجن الحراش الشهير. ويشتبه في تورط الإخوة كونيناف في "عدم احترام التزامات عقود موقعة مع
الدولة واستعمال النفوذ مع موظفين حكوميين من أجل الحصول على امتيازات." وذكرت وكالة الأنباء الرسمية الجزائرية أن ربراب أودع السجن إثر تورطه في "تصريح كاذب بخصوص حركة رؤوس أموال من وإلى الخارج"، و"تضخيم فواتير استيراد عتاد مستعمل." غير أنه تم الإفراج عنه في كانون الثاني/ يناير 2020. ولم يقتصر مسلسل الاعتقالات على رجال الأعمال فحسب، بل شمل حتى الفاسدين السياسيين، حيث شهدت محكمة سيدي محمد في وسط الجزائر العاصمة إحالة العديد من الوزراء والشخصيات البارزة على قاضي التحقيق بتهم فساد، وأبرز تلك الشخصيات رئيسَا الحكومة السابقان عبد المالك سلال وأحمد أويحيى، رفقة وزير المالية السابق محمد لوكال. يعبّ كل ذلك عن هشاشة النظام السياسي، الذي تغيب فيه مبادئ التداول على الحكم وفصل السلطات وسيادة القانون، وهذا على الرغم من تأكيد السلطات عزمها على المضي قدمًا في محاربة الفساد من دون هوادة75. فعادة ما يوصف القضاء في الجزائر بأنه غير مستقل، ويتسم بالعجز في تحديد المسؤوليات. وإذا حدّدها، فهو لا يجرؤ على العمل بالعقوبات المنصوص عليها في القوانين، التي عادة ما تكون غامضة يسهل تأويلها وتحويرها، وخاصة في حالة الفساد المؤسساتي الكبير، حيث تكدّس ملفاته إلى حين إتلافها76. يضاف إلى ذلك تدني فاعلية المجتمع المدني وضعف احترافيته في مناهضة جرائم الفساد، لما يعانيه من قلة الوسائل وشّح الموارد، فضلً عن العوائق الإدارية والقانونية التي حالت دون حريته في كشف قضايا الفساد الكبرى والتي أصبح الخارج يسهم في تحريكها قبل الداخل77.
2. فشل سياسة تنويع الاقتصاد
تبِّيِّ التجارب الدولية عمومًا أن الدول كلما صارت غنية، انخفضت حصة قطاع الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي، وارتفعت حصة التصنيع والخدمات. وغالبًا ما يحدث هذا التحوّل نتيجة التقدّم التكنولوجي الذي يحسّن الإنتاجية الزراعية، ويؤدّي إلى انتقال عوامل الإنتاج صوب التصنيع والخدمات. ولم تشهد البنيات الإنتاجية في البلدان الريعية إلا قليلً من التنويع على مدى السنوات الثلاثين الماضية. بيد أن القطاع الزراعي تقلّص حجمه النسبي كما حدث في مناطق أخرى، ولم ترتفع حصة قطاع الصناعات التحويلية إلا نادرًا، في حين انكمش الحجم النسبي لقطاع الخدمات. في أوائل تسعينيات القرن العشرين، حدّدت غالبية الدول التي تمرّ بمرحلة انتقال ثلاثة تحولّات مترابطة في مجال السياسات الاقتصادية بهدف تعزيز النمو وإيجاد فرص التوظيف الكافية واللائقة. ويتعلق الأمر بالانتقال من اقتصادات يهيمن عليها القطاع العام المتخم باليد العاملة الزائدة، إلى اقتصادات يكون فيها للقطاع الخاص دور المحرك الرئيس للنمو. ومن اقتصادات مغلقة تعتمد على نحو مفرط على حماية الإنتاج المحلي، إلى أخرى تنافسية متكاملة ومندمجة في الاقتصاد العالمي، ومن اقتصادات متمركزة حول قطاعات محدودة يهيمن عليها النفط والغاز في العديد من الحالات، إلى أخرى أكثر تنوّعًا. في المقابل، استمر قطاع التعدين، بما في ذلك استخراج النفط والغاز، في هيمنته، وزاد حجمه النسبي أكثر خلال العقود الأخيرة، الأمر الذي يفيد بأن تنويع الاقتصاد لا يزال هدفًا بعيد المنال. وتظهر بيانات حديثة صادرة عن البنك الدولي أن قطاع التعدين يمثّل 73 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية المصدّرة النفط حاليًا، في مقابل 28 في المئة فقط سنة 1990، كما يساهم في 85 في المئة من صادرات السلع، وما بين 65 و 95 في المئة من الإيرادات الحكومية. وتظهر البيانات أنّ حجم قطاع التعدين في اقتصادات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يمثّل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي. ولا يساهم قطاع الصناعة إلا على نحو يسير في النمو الاقتصادي على الرغم من تأثيره الكبير في التغيرات الهيكلية. وانتقلت حصة الصناعة من 15 في المئة في منتصف الثمانينيات إلى أقل من 5 في المئة حاليًا من الناتج الداخلي الخام. وهذا ما يعبر عن انحسار قطاع الصناعة مبكرًا؛ لأنها ظهرت قبل أن يصل القطاع الصناعي إلى درجة من النضج. ونستطيع مقارنتها بمرحلة ما بعد الصناعة التي عاشتها البلدان الصناعية العريقة78. أما الصادرات الصناعية أو ما يعرف في الجزائر بالصادرات خارج المحروقات فلم تتطور منذ سنة 1970، ولا يمكن التكهن بنسبة النمو الذي ستعرفه بالنظر إلى حالة الجمود الذي يعانيه الجهاز الإنتاجي (العمومي والخاص.) ومن جهة أخرى، تمثل العولمة وعلى رأسها المنظمة العالمية للتجارة، والجزائر لم تنخرط فيها بعد، والرسوم الجمركية غير
التعريفية ومنافسة البلدان ذات التكلفة المنخفضة، تحديات حقيقية وصعوبات واقعية لاختراق الأسواق الدولية79. فيما يتعلق بميدان المحروقات، نستطيع معاينة ظاهرة التخلي النسبي عن نشاطات المصب (البتروكيمياء.) فقد خصص برنامج استثمار سوناطراك 2016-2012() نحو 80 في المئة من الغلاف المالي لتعزيز إمكانات تصدير المواد النفطية الخام. وتصدر الجزائر المواد الخام (النفط والغاز الطبيعي) أكثر من المواد المشتقة. ففي سنة 2014، على سبيل المثال، جاءت المواد البترولية في قائمة الواردات العشر الأولى80. وتحت مسوّغ إعادة تجديد احتياطيات الغاز والبترول، تبنَّت سوناطراك سياسة إعادة الاقتصاد نحو القطاع الأولي المتسقة مع التقسيم الدولي للعمل التي تجاوزها الزمن والحاملة في طياتها كثيرًا من الهشاشة الاقتصادية؛ فقامت بالتخلي عن حلم تصنيع البلاد الذي شهدته فترة السبعينيات، مقابل مقاربة مالية ربطت التوازنات المالية والاقتصادية بتقلبات أسعار النفط. ولا يهتم القطاع الخاص، الذي ينتج ما مقداره 85 في المئة من القيمة المضافة خارج المحروقات، بالصناعة التي لا تمثل إّل 6 في المئة من الناتج الداخلي الخام، بل يفضل عليها قطاع السكن والأشغال العمومية والخدمات بسبب ضآلة الاستثمارات والمدة القصيرة لاستعادة الأموال المستثمرة، ومناخ أعمال منفر، وعدم قدرته على مواجهته المنافسة والواردات. كما لا يمكننا إلا أن نفكر في أن الخصخصة هي عامل آخر للتدمير الصناعي بفعل أنه لا يستطيع تعويض الدمار الحادث في القطاع الصناعي. لقد انتقلت عوامل الإنتاج نحو عوامل أقل نموًا (السكن والأشغال العمومية والخدمات) وضعيفة المردود الاجتماعي. وتعتبر الجزائر البلد الذي استثمر أكثر، خلال آخر 15 سنة، في منطقة جنوب المتوسط مع تسجيل نسبة نمو أقل، وهذا ما يطرح مسألة تخصيص الموارد على المستوى القطاعي والمؤسساتي الموجهة للاستثمار (الصناعة مقابل الخدمات الأولية، والإدارة مقابل المؤسسات.) واقتصر النمو الاقتصادي على الصدمة الإيجابية لشروط التبادل (الريع النفطي)، مع ما يتضمنه ذلك من خسائر ديناميكية متمثلة بضعف طاقات التمهين أو تراجعها، والابتكار والاندماج الإيجابي في العولمة.
3. التضييق على الاستثمارات الأجنبية المباشرة
وضع قانون المالية لسنتَي 2010-2009() قواعد جديدة لإقامة الاستثمار الأجنبي المباشر، تتعلق خاصة بنسبة المساهمة الوطنية التي يجب أَّلَّ تقلّ عن 51 في المئة81. وبناءً عليه، يُ نع على كل مؤسسة أجنبية في القطاع الصناعي أو المصرفي أن تنجز استثمارًا من دون إشراك مساهم وطني. ويمكن أن تكون هذه المساهمة خاصة أو عامة. غير أنّ نشاطات الاستيراد بغرض إعادة بيع الواردات على حالها من طرف الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين الأجانب لا تتمّ إلا في إطار شراكة تساوي فيها المساهمة الوطنية المقيمة نسبة 03 في المئة على الأقل من رأس المال الاجتماعي82. وفتحت التعديلات الجديدة أمام المؤسسات العمومية فرصة الشراكة مع المؤسسات الأجنبية، وهذا ما يمكن أن نفسره بالتخلي جزئيًا عن مشروع الخصخصة الذي بوشر فيه منذ سنة 1995. كما يتعيّ على الاستثمارات الأجنبية أو بالشراكة تقديم ميزان فائض بالعملة الصعبة لفائدة الجزائر خلال مدة المشروع كلها. كما توضع، ما عدا الحالات الخاصة، التمويلات الضرورية لإنجاز الاستثمارات الأجنبية المباشرة أو بالشراكة، باللجوء إلى التمويل المحلي، باستثناء تشكيل رأس المال. وأدخل قانون المالية التكميلي لسنة 2010 تعديلات أخرى على قانون الاستثمار، خصّت في هذه الحالة حق الشفعة الذي تمارسه الدولة والمؤسسات العمومية على كل التنازلات عن حصص المساهمين الأجانب أو لفائدة المساهمين الأجانب83.
كما نصّ القانون نفسه على أنّ عمليات التنازل التام أو الجزئي إلى الخارج عن الأسهم والحصص الاجتماعية لشركات تملك أسهمً أو حصصًا اجتماعية في شركات خاضعة للقانون الجزائري استفادت من مزايا أو تسهيلات عند إنشائها، إلى استشارة الحكومة الجزائرية مسبقًا84. وتدل عبارة "استشارة" عوض الإعلام إجراءات أخرى لم يأت القانون على ذكرها، وهو ما يمثل إجراءً في غير مصلحة ضمان الاستثمارات. ويجب على الأشخاص الطبيعيين الخاضعين للقانون الأجنبي المالكين أسهمً في الشركات المستقرة في الجزائر، أن يبلغوا سنويًا قائمة مساهميهم التي تصدّق عليها المصالح المكلفة بتسيير السجل التجاري للدولة محل الإقامة85. لقد أُدرِجت هذه المادة خصيصًا للرّد على مستثمر أجنبي قام ببيع وحدة إسمنت ذات مردودية عالية، استفاد من ميزات ضريبية كبيرة، لمستثمر أجنبي آخر لم يكن مرحبًا به في الجزائر86؛ لكن هذا الإجراء، من وجهة نظر قانونية بحتة، يصعب تحقيقه في حالة المؤسسات الكبيرة المسعّرة في البورصة (وهو ما كانت تقصده هذه المادة)، ولا يمكن تطبيقه إلا في حالة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أو في حالة وجود مساهم كبير يحوز نسبة كبيرة من الأسهم. كما أنَّ التقنين انطلاقًا من حالة واحدة فقط يمكن أن يحلّ مشكلة هذه الحالة تحديدًا، لكنه يظل غير ملائم من الناحية القانونية بالنظر إلى أن القانون يطبّق عمومًا، وليس فقط لحالات خاصة أريد من ورائها منع حالة أن تتكرر. ويُعتبر التقييد الممارس على الاستثمارات الأجنبية المباشرة استجابةً لرؤية السلطات العمومية حيالها. فليس المطلوب من هذه الاستثمارات خلق مناصب شغل جديدة فحسب، بل ضرورة إعادة استثمار الأرباح، وإلزامية استعمال المواد الأولية المحلية، والاستثمار في مناطق لا تحظى باستقطابية كبيرة، وضرورة أن يكون هذا الاستثمار مهمً للاقتصاد الوطني. وبناءً عليه، يلاحظ تعاظم الأهداف المطلوب من المستثمر تحقيقها مقابل امتياز وحيد، يتمثل بالإعفاءات الجبائية الممنوحة؛ فمعظم هذه الأهداف صعبة التحقيق إن لم نقل مستحيلة. على سبيل المثال، يُطلب من المستثمر الأجنبي اللجوء إلى استعمال المدخلات الوطنية، في حين أن عرض هذه المنتجات ضعيف، أو حتى منعدم، بسبب غيابها في السّوق الوطنية. وحتى هذه الأهداف التي على المستثمر الأجنبي تحقيقها، لم تصدر النصوص التطبيقية الخاصة بها. وهذا ما يجعل المستثمرين في حالة ترقب وانتظار أو حذر، وربما في حالة خرق للقانون إذا قرّروا استيراد هذه المدخلات من الخارج. وتُعتبر مثل هذه الإجراءات مث لً صارخًا على إجراءات، ربما كانت في البدء تعبّ عن حسن نية المشرّع، لكن الواقع أظهر أنها بعيدة كل البعد عن مجال التطبيق87. تعبّ هذه الإجراءات وغيرها (وهي كثيرة في الواقع) عن حالة من عدم التحكم في الظرفية الاقتصادية الناجم أساسًا عن غياب رؤية استشرافية شاملة لما يجب أن يكون عليه الاقتصاد الجزائري. وبسبب غياب آليات فعّالة للحوكمة الاقتصادية والتخطيط، يصبح هذا النوع من الإجراءات كثير الحدوث، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار التشريعي والضمان القانوني. ومن ثمَّ، فإن السياسة الرامية إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة القائمة على منح المزايا الضريبية فقط والاعتماد على استقطابية الاقتصاد الجزائري لهذا النوع من الاستثمارات لم تؤت ثمارها. بل على النقيض، اتضح أنّ الاستثمارات الأجنبية تقتفي سلوك المؤسسات الوطنية نفسها العاملة في الجزائر، القائم على الاستفادة من الإمكانات الكبيرة المتاحة لها من قبل الاقتصاد الجزائري (وخاصة مع البرامج الواسعة للاستثمار العمومي) عوضًا عن التصدير. فضلً عن ذلك، اتسم تعامل السلطات العمومية تجاه هذا النوع من الاستثمار بنوع من الانفتاح في البدء في سنة 1993 لتنتقل إلى النقيض في سنة 2009 عبر التضييق عليها على نحو بعيد. لقد انتقلت طبيعة التعامل من سياسة الأبواب المشرعة إلى نوع من الانتقائية؛ فليست كل الاستثمارات مرحّبًا بها، بل يجب أن تستجيب لبعض الشروط حتى يمكنها اقتحام السوق. وكانت الدوافع من وراء ذلك عديدة، سواء المحيط الدولي الذي اتسم في آخر العشرية الأولى منه بأزمة مالية عميقة مسّت، خاصةً، البلدان المتقدمة؛ فضلً عن العوامل المحلية، حيث اتضح أنّ الاستثمارات الأجنبية لم تقم بالدور الذي كانت تنتظره منها السلطات العمومية. ومن المفروض أن تكون النتائج المتوصل إليها مَعينًا لرسم سياسة أخرى، تأخذ في الاعتبار الواقع الدولي الراهن، والواقع المحلي الذي يتطلب المزيد من الاهتمام للنهوض بالقطاع الصناعي. غير أنّ هذا التضييق لم يزد إلا في نفور المستثمرين الأجانب، سواء في قطاع المحروقات أو غيره من القطاعات الاقتصادية الأخرى (ينظر الشكل 4(.)) وهذا ما أجبر الحكومة على تغيير القواعد المتعلقة
بإقامة الاستثمارات الأجنبية المباشرة مرة أخرى في مشروع قانون المالية لسنة 2021؛ فقد فتحت الباب أمام المستثمرين الأجانب الراغبين في إقامة نشاطات إنتاج البضائع والخدمات من دون الحاجة إلى شريك محلي المفروضة سابقًا، وذلك في حدود 51 في المئة88. كما جرى إلغاء المادة المثيرة للجدل المتمثلة بضرورة وجود شريك محلي بنسبة لا تقل عن 51 في المئة (المعروفة بقاعدة.)49/51
4. استنفاد أصول صندوق ضبط الإيرادات (صندوق تحوط)
أظهرت الأزمة المالية العالمية مدى أهمية توفر اقتصاد ما على عدة أدوات متكاملة فيما بينها للاستعمال الأمثل لاحتياطيات الصرف، سواء تعلق الأمر بصندوق ضبط الإيرادات لحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية، أو صندوق استثماري، أو صندوق تقاعد يضمن تمويل نفقات المتقاعدين، أو صندوق لتسيير احتياطيات الصرف لتنويع الإيرادات89. وسجّلت الجزائر فوائض مالية معتبرة، ابتداءً من الشكل)4(تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الجزائر 2019-1970() (مليون دولار)
سنة 2000 نتيجة ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية مقارنة بالأسعار السائدة في فترة التسعينيات؛ إذ بلغت احتياطيات الصرف، في نهاية 2013، 194 مليار دولار (نحو +1530 في المئة مقارنة بسنة 2000.) ومنذ عشرية 2010-2000() سمح التسيير الحذر للمالية العمومية بتعزيز الاحتياط العمومي على مستوى صندوق ضبط الإيرادات الذي انتقل من 171.5 مليار دينار جزائري (2.4 مليار دولار أميركي) في 2001 4(في المئة من الناتج الداخلي الخام) إلى 2931 مليار دينار في 2006 8(3 مليار دولار أميركي) 4(3 في المئة من الناتج الداخلي الخام) ثم إلى 5634 مليار دينار في 2012 72.64(مليار دولار أميركي) 5(3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي)90. كما سمح هذا التسيير بتقليص حصة المديونية العمومية الداخلية مقارنة بالناتج الداخلي الخام الذي انتقل من 23.6 في المئة في 2001 إلى 8.3 في المئة في 2012. وبخصوص الديون الخارجية، تظهر النتيجة جليًا، إذ انتقلت قيمتها من 18.1 مليار دولار في 2001 إلى 405.5 ملايين دولار في 2012، أي من 133. في المئة من الناتج الداخلي الخام في 2001 إلى 0.2 في المئة في 2012 91.
ولتعزيز الوضعية المالية المريحة التي صار الاقتصاد الجزائري يتمتع بها منذ أكثر من عقد، لجأت السلطات العمومية إلى إنشاء صندوق لضبط الإيرادات النفطية من أجل حماية النفقات العمومية من التقلبات السلبية لأسعار النفط في السوق العالمية. وفي سياق انخفاض أسعار النفط سنة 1998 التي بلغت 11 دولارًا للبرميل، قررت الحكومة اتخاذ إجراء احترازي تمثل بإنشاء صندوق ضبط الموارد سنة 2000 في شكل حساب تخصيص للخزينة. شهدت سنة 2000 إنشاء أول صندوق سيادي في الجزائر، سمي ب "صندوق ضبط الموارد" وهي السنة التي سجلت فيها الجزائر فوائض مالية معتبرة ناتجة من الارتفاع القياسي لأسعار النفط في الأسواق العالمية، إذ حقق رصيد الميزانية العامة للدولة فائضًا قدّر ب 400 مليار دينار جزائري 5.45(مليارات دولار) بسبب ارتفاع الجدول)1(وضعية صندوق ضبط الإيرادات 2018-2014 (مليون دولار أميركي)
| 2018 | 2017 | 2016 | 2015 | 2014 | السنوات |
|---|---|---|---|---|---|
| 0.00 | 7.07 | 18.95 | 43.78 | 69.04 | رصيد الصندوق في نهاية السنة السابقة |
| 23.81 | 19.83 | 15.37 | 17.11 | 19.58 | الجباية البترولية (قانون المالية) |
| 2.38 | 21.01 | 16.27 | 22.59 | 42.05 | الجباية البترولية المجباة |
| 0.00 | 1.18 | 0.90 | 5.48 | 22.47 | فائض قيمة الجباية البترولية |
| 0.00 | 0.00 | 0.00 | 0.00 | 0.00 | تسبيقات بنك الجزائر |
| 0.00 | 8.25 | 19.85 | 49.26 | 91.51 | المتاحات قبل الاقتطاعات |
| 0.00 | 0.00 | 0.00 | 0.00 | 0.00 | أصل المديونية العمومية المقتطعة |
| 0.00 | 0.00 | 0.00 | 0.00 | 0.00 | تسديد تسبيقات بنك الجزائر |
| 0.00 | 0.00 | 0.00 | 0.00 | 0.00 | أصل المديونية العمومية الواجب المقتطعة |
| 0.00 | 8.25 | 12.68 | 28.67 | 36.80 | تمويل عجز الخزينة |
| 0.00 | 0.00 | 12.68 | 28.67 | 36.80 | مجموع الاقتطاعات |
| -4.89 | 0.00 | 7.17 | 20.60 | 54.71 | الرصيد بعد الاقتطاعات |
إيرادات الجباية البترولية إلى 1231.2 مليار دينار جزائري 16.8(مليار دولار)92. خلال السنة نفسها، ومن أجل الاستفادة من هذه الفوائض واستعمالها في الحفاظ على استقرار الميزانية العامة للدولة، بالنظر إلى عدم اليقين الذي يميّز أسعار النفط على المدييَن المتوسط والبعيد، قررت الحكومة تأسيس صندوق لضبط إيرادات الجباية البترولية الذي يفوق تقديرات قانون المالية الذي تعدّه الحكومة خلال السنة. وقد تم تأسيس هذا الصندوق من خلال قانون المالية التكميلي الصادر في 27 حزيران/ يونيو 2000، الذي حدد في مادته العاشرة فتح حساب تخصيص خاص رقم 02-1033 بعنوان صندوق ضبط الموارد، وحدد هذا القانون طبيعة عمل الصندوق وأهدافه ومجاله، مع العلم أن تعديلات قد أدخلت على بعض القواعد المسيّة للصندوق، من خلال قانون المالية لسنة 2004 وقانون المالية التكميلي لسنة 2006.
وعدّل قانون المالية التكميلي لسنة 2006 93 الهدف الرئيس للصندوق ليصبح على النحو التالي: "تمويل عجز الخزينة دون أن يقل رصيد الصندوق عن 740 مليار دينار جزائري 9.6(مليارات دولار أميركي.) وعلى هذا الأساس، يمكن تقسيم مضامين هذا التعديل قسمين: أولً، وسّع تمويل عجز الميزانية ليشمل عجز الخزينة العمومية، ولم يعد سبب العجز محددًا بانخفاض الجباية البترولية إلى مستوى أقل من تقديرات قانون المالية، وهو ما يعني أن هدف الصندوق يتمثل بتمويل أيّ عجز يشمل الخزينة العمومية، وبناءً عليه، الميزانية العامة للدولة، مهما كان السبب في العجز؛ ثانيًا، يجب ألّ يقل رصيد الصندوق عن 740 مليار دينار جزائري 9.6(مليارات دولار أميركي)، ما يعني تحديد سقف لنفقات الصندوق لا يمكن تجاوزه، وهو ما يؤكد رغبة الحكومة في جعل صندوق ضبط الموارد أداة مستدامة لتعديل الميزانية العامة للدولة وضبطها على المدى البعيد. ومع نشوب الأزمة النفطية سنة 2014، لجأت الحكومة إلى تغطية عجز الميزانية لاستعمال موارد هذا الصندوق، إلى أن استنفدته تمامًا سنة 2017. ومن ثَمَّ، بقي أمام الحكومة خياران أحلاهما مرّ، إما اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، وهذا ما ترفضه تمامًا، وإما اللجوء إلى وسائل ما يُعرف بالتمويل غير التقليدي (طبع النقود) مع ما تحمله من مخاطر التضخم وانهيار قيمة الدينار الجزائري. ومن غير المؤمل أن تقوم الحكومة بتغيير سياستها جذريًا، وخاصة في الشق الاجتماعي منها. فمثّلت ثلث التحويلات الاجتماعية، وهي المعونات المباشرة وغير المباشرة التي تقدمها الحكومة لعدد من القطاعات، نحو 1772.5 مليار دينار (حوالى 14 مليار دولار)، أي ما نسبته 8.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2018، لتنتقل هذه النسبة إلى 8.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2020.
خاتمة
تُعَدُّ الحالة الجزائرية مث لً للنموذج المستعصي على الانتقال الديمقراطي بكل أشكاله، مكتفيًا بترتيبات دستورية محدودة تتمثل أساسًا بالانتخابات، عززته وضعية الدولة الريعية بكل تجلياتها، سواء تعلق بهشاشة النظام السياسي أو بالأزمات المتلاحقة التي مر بها منذ الاستقلال حتى اليوم. يحتل الرّيع مكانة كبيرة في الاقتصاد الجزائري، وتعتبر إشكالية الريع في الجزائر قضية مركزية، بُنيت عليها استراتيجية التنمية كلها. ويتمثّل التحدّي الذي تواجهه الدول الغنية بالنفط، بما فيها الجزائر، بضمان تسخير السياسة الميزانية لتعزيز النمو والتنويع الاقتصادي على النحو الصحيح، وتنفيذ إصلاحات بيئة أعمالها، بهدف تسريع وتيرة النموّ غير النفطي، وإيجاد فرص عمل مستدامة لمواكبة الزيادة الفائقة في حجم قوة العمل. وعلى الرغم من انخراط الجزائر في مسار الإصلاحات، فإن ذلك لم يمنع استمرارية هيمنة الرّيع على كل مفاصل الحياة الاقتصادية؛ متسمً بأداء سيّئ للمؤسسات، وانحسار دور القطاع الخاص أمام هيمنة الحكومة بفضل إيراداتها الهائلة. وحتى إن وُجد هذا القطاع، فهو يدور في فلك العُصب التي تتحكم في الرّيع.
لقد اتضح أنّ الرّيع يمثل منظومة قائمة في حد ذاتها، تساهم في كثير من الأحيان، في كبح التنمية الاقتصادية المبنية على تنويع الاقتصاد، وإقامة اقتصاد تنافسي حقيقي. بل أكثر من هذا، يساهم الرّيع في تشجيع النشاطات الانتهازية والريعية التي تعمّق الأزمة. غير أنه لا يمكن تحميل الرّيع وحده كل الاختلالات، فقد كان لعوامل أخرى، مثل الإرث الاستعماري والعوامل الثقافية، وزنها في الأداء السيّئ للمؤسسات. كما أنّ الانتقال نحو اقتصاد السوق ليس عملية آنية يتم فيها تغيير نظام اقتصادي بآخر، بل يتعداه إلى كونه عملية تغيير عميقة تمس مناحي المجتمع برمته، ويكون فيه للمؤسسات دورٌ كبيرٌ في كبح عملية الانتقال نحو اقتصاد السوق أو إنجاحها. لقد مثّل حراك 22 شباط/ فبراير 2019 لحظة فارقة في تاريخ الجزائر الحديث. وعبّ بحق عن أمل الجزائريين في الانعتاق، ليس فقط من نظام سياسي أخلف وعوده في تحقيق تنمية لكل الجزائريين، بل من ركيزته الأساسية المتمثلة بالريع. لقد اتضح مع مرور الزمن أنّ تكلفة
الإصلاح عالية على الصعد جميعًا. وعوض عن أن تكون الإصلاحات السياسية رافدًا ومعينًا لمواصلة الإصلاحات الاقتصادية، أضحت هي العائق، واحتلت أهمية أكبر حتى من الإصلاح الاقتصادي في حد ذاته. لقد احتاجت هذه الإصلاحات إلى ما يعرف في أدبيات الانتقال نحو اقتصاد السوق بالشروط الأولية للإصلاح، وهذا ما لم تنجح الإصلاحات الجزائرية في توفيره. وإن كانت الشروط الموضوعية المتعلقة بتدهور الحالة الاقتصادية متوافرة، فإن الشروط المؤسسية والهياكل السياسية لم تنضج بعد. على خلاف سنوات السبعينيات، حين خُصّصت الموارد النفطية (الرّيع) للاستثمار في القطاع الصناعي، اتجهت السلطات العمومية في السنوات الأخيرة إلى تمويل النفقات أو التحويلات الاجتماعية من الإيرادات النفطية. كما أنّ هذه الأخيرة تزايدت مساهمتها في تمويل نفقات التسيير، في حين أنّ الموارد المتأتية من إيرادات الجباية العادية لا تغطي إلا 55 إلى 60 في المئة من هذه النفقات. كما منحت الأزمة المالية العالمية، لسنة 2008، السلطات العمومية مزيدًا من الحجج للتخلي تدريجيًا عن النهج التحريري الذي باشرته منذ أكثر من عقدين؛ وإذا كانت الدول الغربية ملزمة بذلك لتلافي الانهيار الاقتصادي، فإن الجزائر ركزت على بعض الجزئيات التي اعتبرتها السبب الأكبر لنزيف العملة نحو الخارج. كانت الأزمة النفطية سنة 2014 سببًا غير مباشر في إجبار الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة على التنحي سنة 2019. فبعد استنفاد كل الاحتياطيات في صندوق ضبط الإيرادات وارتفاع عجز الميزانية، لم تعد الحكومة قادرة على الإنفاق بسخاء عبر التحويلات الاجتماعية والدعم المعمم المباشر وغير المباشر. إن اللّجوء المستمر إلى صندوق ضبط الموارد لتمويل هذا العجز المتزايد دلالة على تفضيل التمويل النقدي عوض التمويلات الأخرى، وخاصة عن طريق السوق المالية. وإذا كان هذا النوع من التمويل لم يؤدِّ إلى ارتفاع معدل التضخم نتيجة اعتماده على أموال الصندوق، فإن العملية بأسرها، في المقابل، تطرح أسئلة عن كيفية استعمال موارد الصندوق بصورة شفافة من جهة؛ كما يظل التساؤل مطروحًا، من جهة أخرى، حول ماهية التضامن بين الأجيال من طريقة استعمال أموال هذا الصندوق. لقد أظهر حراك 22 شباط/ فبراير، وما تلاه من تطورات، خطورة الاستمرار في هذه الممارسات، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، مع ما يحمله من آثار سلبية في نسبة النمو لاقتصادي ومعدل البطالة والتضخم، بل يتعداه إلى الأمن والسلم المجتمعييَن، المرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالسياسات الحكومية المعتمدة على الريع.
المراجع
العربية
إبراهيم، حسنين توفيق. "الانتقال الديمقراطي: إطار نظري." ملفات بحثية، مركز الجزيرة للدراسات. 2013/1/24. في: https://bit.ly/2Y5kSKF براهيمي، عبد الحميد. في أصل الأزمة الجزائرية.1998-1958 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001 بلحيمر، محمود. "الانتقال الديمقراطي في الجزائر 1988-2016(.") رسالة دكتوراه. جامعة الجزائر 3،.2017 بن بيتور، أحمد. الجزائر في الألفية الثالثة تحديات وإمكانيات. الجزائر: دار مارينون،.2000 بنك الجزائر. التقرير السنوي 2013 التطور الاقتصادي والاجتماعي. الجزائر:.2014 بهلول، محمد بلقاسم حسن. سياسة تخطيط التنمية وإعادة تنظيم مسارها. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.1999 تمار، حميد. استراتيجية التنمية المستقلة: دراسة حالة الجزائر. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.1983 جبهة التحرير الوطني. اللجنة المركزية للتوجيه. ميثاق الجزائر 1964، مجموع النصوص المصادق عليها من طرف المؤتمر الأول لحزب جبهة التحرير الوطني 1964/4/21‑16. الجزائر: المطبعة الوطنية الجزائرية، 1964. "الجزائر 2019 من الحراك إلى الانتخابات." وحدة الدراسات السياسية، تقرير رقم 1()، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. https://bit.ly/3w6WUAo:. في 2020 شباط/ فبراير جابي، ناصر. لماذا تأخر الربيع الجزائري؟. الجزائر: منشورات الشهاب،.2012 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. "دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الصادر في الجريدة." الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. رقم. 2020/12/30.82 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وزارة المالية. "قانون رقم 16–20 مؤرخ في 16 جمادى الأولى عام 1442 الموافق 13 ديسمبر سنة 2020، يتضمن قانون المالية لسنة 2021."
الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. العدد 31.83 ديسمبر سنة 2020 م. ________. "أمر رقم 06 - 04 مؤرّخ في 19 جمادى الثانية عام 1427 الموافق 15 يوليو سنة 2006 يتضمّن قانون المالية التكميلي لسنة 2006 ". الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. العدد.47 19 يوليو.2006 م ________. "الأمر رقم 10 - 01 مؤرخ في 16 رمضان عام 1431 الموافق 26 غشت سنة 2010 يتضمن قانون المالية التكميلي لسنة 2010 ". الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. العدد.49 29 غشت سنة.2010 ________. "أمر رقم 01-09، مؤرخ في 29 رجب عام 1430 الموافق 22 يوليو سنة 2009، يتضمن قانون المالية التكميلي لسنة 2009 ". الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. العدد.44 26 يوليو سنة 2009 م. ________. مشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2020. مذكرة تفسيرية. أيار/ مايو.2020 جيفري، فريدن. "الاقتصاد السياسي للسياسة الاقتصادية." مجلة التمويل والتنمية. العدد 6 (يونيو .)2020 دريس، نوري. "الجزائر: انتخابات رئاسية أم إجهاض تحول ديمقراطي؟." مبادرة الإصلاح العربي. 2019/11/27:. في https://bit.ly/3KNgt52 ________. "الجزائر: تجربة تحول ديمقراطي في سياق فشل اقتصادي." سياسات عربية. مج 9. العدد 51 (تموز/ يوليو 2021.) ديمقراطية من دون ديمقراطيين: سياسات الانفتاح في العالم العربي/ الإسلامي. بحوث الندوة الفكرية التي نظمها المعهد الإيطالي "فونداسيوني ايني انريكو ماتيي/ جون ووتربوري." غسان سلامة (محرر.) بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1995. شمس الدين، شيرين. "النظام الجزائري بين الغضب الشعبي وأزمة مجلة السياسة والاقتصاد. مج التجديد." 14. العدد 13 (يناير 2022.) عربي، مسلم بابا. "التدبير الدستوري للانتقال السياسي في الحالة الجزائرية: هل تلبي المسالك الدستورية القائمة مطالب سياسات عربية. مج الحراك الشعبي؟." 9. العدد 52 (أيلول/ سبتمبر.)2021 قرم، جورج. "الاقتصاد السياسي للانتقال الديمقراطي في الوطن العربي." المستقبل العربي. العدد).2014(462 القطعة، بلقاسم. "الدور السياسي للقوات المسلحة في الجزائر مركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الجديدة." -الأوسط. 2021/3/17 في https://bit.ly/3P1BZX4:. منة، خالد. "التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة فيروس) في الجزائر." تحليل سياسات كورونا المستجد (كوفيد 19-، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات..2020/7/22 ________. "تحليل السياسة الميزانية في مرحلة الإصلاحات: دراسة حالة الجزائر منذ سنة 1990 ". دفاتر مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي للتنمية. مج 0.3 العدد 109.)2014(منظمة الشفافية الدولية. مؤشر مدركات الفساد 2019. برلين: 2019 في https://bit.ly/3P4ol5o:. ميلر، لوريل إي وجيفري مارتيني. التحول الديمقراطي في العالم العربي، توقعات ودروس مستفادة من العالم العربي. واشنطن: مؤسسة راند،.2013 الهرماسي، عبد الباقي. المجتمع والدولة في المغرب العربي. ط.3 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999.
الأجنبية
Abdallah, Zouache. "Etat, héritage colonial et stratégie de développement en Algérie." Les cahiers du CREAD. no. 100 (2012). Aït-Aoudia, Myriam. "Des émeutes à une crise politique: Les ressorts de la politisation des mobilisations en Algérie en 1988." Politix. no. 112 (2015). Allardt, Erik & Yrjö Littuney (eds.). The Case of, Cleavages, Ideologies, and Party Systems. Contributions to Comparative Political Sociology. Helsinki: Transactions of the Westermarck Society, Academic Bookstore, 1964. Andreff, Wladimir & Abderrahman Hayab. "Les priorités industrielles de la planificatio algérienne sont-elles vraiment industrialisantes?" Revue Tiers-Monde. vol. 19, no. 76 (1978). Belaicha, Amine et al. (eds.). "Création d'un Fonds d'investissement d'État en Algérie: Quels enjeux?" Mondes en développement. vol. 159, no. 3 (2012).
Benabdallah, Youcef. "Etat développementiste vs Etat rentier: Qu'en est-il en Algérie?" Revue Naqd. vol. 36, no. 1 (2018). Benachenhou, Abdelatif. "L'aventure de la désétatisation en Algérie." Revue du monde musulman et de la Méditerranée. no. 65 (1992). ________. "L'économie algérienne entre l'autonomie et la dépendance." Revue d'économie industrielle. vol. 14, no. 4 (4éme trimestre, 1980). ________. Planification et développement en Algérie 1962-1980. Alger: Imprimerie commerciale, 1980. Boukhabza, M'hamed. Octobre 88, Evolution ou rupture?. Alger: Editions Bouchene, 1991. Benkhedda, Ben youcef. L'Algérie à l'indépendance: La crise de 1962. Alger: Edtions Dahlab, 1962. Camau, Michel. "Globalisation démocratique et exception autoritaire arabe." Critique internationale. vol. 30, no. 1 (2006). Chikhi, Said. "Algérie du soulèvement populaire d'octobre 1988 aux contestations sociales des travailleurs." Naqd. hors série 1 (2001). Cotta, A. "Les perspectives décennales du développement de l'Algérie et le plan de Constantine." Revue économique. vol. 10, no. 6 (Novembre 1959). "Europe Brent Spot Price FOB." U.S. Energy Information Administration (eia). at: https://bit.ly/3Nx1YnP Flavien, Bourrat. "L'armée algérienne: Un État dans l'État." Les Champs de Mars. vol. 23, no. 1 (Winter 2011). FMI. "Algérie, Consultation de 2021 au titre de l'article IV." no. 21/253. Washington D.C.: 2021. ________. "World Economic and Financial Surveys. Regional Economic Outlook Update." Washington D.C.: 2020. ________. Algérie: Questions choisies. Rapport no. 05/52. Washington D.C.: 2006. ________. "Algérie: Stabilisation et transition à l'économie de marché." Washington D.C.: 1998. Heydemann, Steven. "La question de la démocratie dans les travaux sur le monde arabe." Critique internationale. vol. 17, no. 4 (2002). Huntington, Samuel P. The Third Wave, Democratization in the Late Twentieth Century. Norma: University of Oklahoma Press, 1993. Jensen, Nathan & Leonard Wantchekon. "Resource Wealth and Political Regimes in Africa." Comparative Political Studies. vol. 37, no. 7 (September 2004). Juan, Linz & Stepan Alfred. Problems of Democratic Transition and Consolidation. Southern Europe, South America and Post-communist Europe. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1996. Martinez, Luis. La guerre civile en Algérie. Paris: CERI/ Kartala, 1998. Mohammed, Hachemaoui. "La rente entrave-t-elle vraiment la démocratie? Réexamen critique des théories de l'État rentier et de la malédiction des ressources." Revue française de science politique. vol. 62, no. 2 (2012). Mouhoud, El Mouhoub. "L'économie politique du soulèvement Algérien: Quelles perspectives pour la transition économique?" Mouvements. vol. 10, no. 2 (2020). O'Donnell, Guillermo & Philippe C. Schmitter. Transition from authoritarian rule, tentative Conclusions about uncertain Democracies. Baltimore/ Maryland: The Johns Hopkins University Press, 1986. Osterkamp, Rigmar. "L'Algérie entre le Plan et le Marché: Points de vue récents sur la politique économique
de l'Algérie." Canadian Journal of African Studies. vol. 16, no. 1 (1982). Ross, Michael. "Does Oil Hinder Democracy?" World Politics. vol. 53 (April 2001). ________. "The Political Economy of The Resource Curse." World Politics. vol. 51 (January 1999). Ulfelder, Jay. "Natural-Resource Wealth and the Survival of Autocracy." Comparative Political Studies. vol. 40
Volpi, Frédéric. "Stabilité et changement politique au Maghreb: Positionner l'Algérie dans le contexte régional de l'après-printemps arabe." Maghreb- Machrek. no. 221 (2014/3). Wantchekon, Leonard. "Why do Resource Dependent Countries Have Authoritarian Governments?" Leitner Working Paper. no. 11. The Georg Walter Leitner Program in International and Comparative Political Economy, Yale University (December 1999). at: https://bit.ly/3ybtEK6 World Bank. Global Economic Prospects. Washington D.C.: World Bank, 2020.