العامل الخارجي والحراك الشعبي في الجزائر

Arbi Boumediene عربي بومدين |

الملخّص

يرتبط حضور العامل الخارجي، عادة، في كثير من الدول بسياقات الحراك الشعبي وفترات التحول السياسي والمراحل الانتقالية. ويبرز هذا العامل بصفة جليّة في الدول ذات المكانة الجيوسياسية الواقعة ضمن فضاءات التنافس الإقليمي والدولي. تناقش هذه الدراسة متغيّر العامل الخارجي في حراك 22 شباط/ فبراير 2019 في الجزائر، من خلال فحص حدود التدخلات الدولية والإقليمية في توجيه مسار الحراك الشعبي، مقارنة بحالات عربية أخرى بدا فيها العامل الخارجي أشد تأثيرًا. وتهدف إلى بحث محددات علاقة الجزائر بالقوى الإقليمية والدولية، وتفسير مسألة غياب التدخلات الخارجية في حراكها الشعبي، لتنتهي إلى طرائق مستقبل المسار السياسي المضطرب، ومناقشة فرص التحول من الخارج. وتوصلت الدراسة إلى أنّ مسألة غياب التدخلات الإقليمية والدولية في الحراك الشعبي ترتبط أساسً ا بالمستلزم الجيوسياسي والاستراتيجي، بعيدًا عن الاعتبارات القيمية والمعيارية، حيث يتحدد سلوك القوى الخارجية بالموقع الجيوسياسي للجزائر؛ إذ من شأن مخاطر عدم الاستقرار في البدًاا أن تخلق تحديات أمنية شديدة التعقيد في منطقة المتوسط، فضل ا عن أهمية الجزائر في معادلة التوازنات الاستراتيجية للمنطقة، خاصة بالنسبة إلى الأمن الأوروبي.

The presence of the external factor is usually related to the context of the popular hirak, the periods of political transition and the transitional phases in many countries. This factor is evident in countries with a geopolitical position in regional and international competition. This study discusses the variable of the external factor in the 22 February 2019 hirak in Algeria by examining the limits of international and regional interventions in steering the course of the popular hirak compared to other Arab cases where the external factor seemed to be more influential. It aims to discuss the determinants of Algeria's relations with regional and international powers and to explain the issue of the lack of external interference in the popular hirak, ending with the modalities of the future of the turbulent political path and discussing the possibilities of transformation from abroad. The study concludes that the lack of regional and international intervention in the popular hirak is mainly related to geopolitical and strategic constraints, far from value and normative considerations. The behaviour of external forces is determined by Algeria's geopolitical situation. The risks of instability in the country would create highly complex security challenges in the Mediterranean region. Added to this is the importance of Algeria in assessing the strategic balances in the region, especially for European security. Keywords: The External Factor, Hirak , Regional Transformations, Democratic Transition, Algeria.

The External Factor and the Popular Hirak in Algeria

كلمات مفتاحية: العامل الخارجي، الحراك، التحولات الإقليمية، الانتقال الديمقراطي، الجزائر.

مقدمة

يرتبط عدم الاستقرار في البلدان العربية، عادةً، باستدعاء المؤامرة الخارجية، وهي مسألة تستغلها الأنظمة القائمة لخلق تهديد وجودي في المخيال السياسي للمواطن العربي وعقله الاجتماعي، لتبرير السياسات التي تنتهجها من أجل البقاء (أو التكيّف) في السلطة. غير أن ذلك لا ينفي دور القوى الخارجية بوصفها فواعل تستثمر في الأزمات البنيوية التي تعانيها هذه البلدان، والتي تتعلق أساسًا بالانسداد السياسي المزمن وغياب التداول السلمي على السلطة، فضلً عن الهشاشة الاقتصادية، وتفكّك النسيج الاجتماعي والثقافي بفعل الممارسات التسلّطية. ولا تختلف الجزائر كثيرًا عن السياق العربي نتيجة تجذّر التسلّطية واستعصاء التحول الديمقراطي فيها1. وبناء عليه، فإنّ منطلقات الحراك الشعبي الذي شهدته في 22 شباط/ فبراير 2019، ذات منشأ وطني داخلي، لكنها بقيت في مرمى الاختراق والتوظيف الخارجي. شكَّلت الجزائر استثناءً رفقة مجموعة قليلة من الدول العربية في لفيف تحولّات الربيع العربي التي عرفتها المنطقة العربية قبل عقد من الزمن، حيث استطاع النظام الجزائري احتواء موجة الانتفاضات الأولى بنهج خيار الإصلاحات السياسية الشكلية، والاستجابة الاستباقية النسبية للمطالب الشعبية. لكن تسارع الأحداث وتراكم الممارسات التسلّطية دفعا إلى إعادة إنتاج الرغبة لدى الجماهير في المطالبة بالتغيير، وهو ما تُرجم بفعل الاحتجاج في 22 شباط/ فبراير، وبدا الشارع حينها فاعلً سياسيًا وجسدًا اجتماعيًا في مواجهة الجسد السياسي للنظام السياسي الذي يتغذّى من قدرته على البقاء، على الرغم من الضغوط الداخلية والإقليمية. أكسبت العوامل الاقتصادية وسياسات شراء السلم الاجتماعي، والإصلاحات السياسية والقانونية، النظام الجزائري مناعة في وجه الضغوط الاجتماعية على خلاف بلدان الربيع العربي التي انزلقت إلى العنف والعنف المضاد ومثّلت مسرحًا للتدخلات الخارجية، مثلما حدث في ليبيا واليمن وسورية. والحال أنّ هذه الموجة من الاحتجاجات التي عرفتها معظم الدول العربية في بداية عام 2011 قد تجاوزها النظام السياسي الجزائري؛ بفعل عوامل داخلية وأخرى خارجية، بيد أنّ تراكم الإرث التسلّطي دفع من جديد الجماهير إلى الشارع بمطالب سياسية، تمثلت في إنهاء حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي عمّر في الحكم عشرين عامًا، ولجأ إلى تعديل الدستور في عام 2008 ليجعل عهدات الرئاسة غير محدودة2. تكمن أهمية هذه الدراسة في مناقشة متغير العامل الخارجي في الحركات الاحتجاجية وتفسيره؛ إذ على الرغم من الجهد النظري الضخم الذي تناول الكثير من تجارب العالم في جنوب أوروبا وأوروبا الشرقية ودول أميركا اللاتينية3، فإن دراسات العامل الخارجي تبقى خلال المراحل الانتقالية في المنطقة العربية نادرة، كما أنّ المنطقة من أكبر مناطق العالم اختراقًا من الفواعل الخارجية4. وتزداد الأهمية العلمية لهذا الموضوع، خصوصًا في الحالة الجزائرية؛ إذ لا نجد دراسات كافية تفسّ أدوار العامل الخارجي في سياق الحراك الشعبي. وتهدف الدراسة إلى جملة من الأهداف تتمثل في فحص محددات علاقة الجزائر بالقوى الإقليمية والدولية؛ وتفسير مسألة غياب التدخلات الخارجية في الحراك الشعبي الجزائري؛ وتفسير غياب المستلزم الديمقراطي وحضور المستلزم الاستراتيجي في علاقة الجزائر بالقوى الخارجية5. تحاول الدراسة تحليل بعض جوانب إشكالية العامل الخارجي من خلال الإجابة عن سؤال رئيس: ما حدود التدخلات الدولية والإقليمية في توجيه مسار الحراك الشعبي الجزائري؟ وللإجابة عن الإشكالية، تبحث الدراسة في الأسئلة الفرعية التالية: ما المحددات والتفاعلات التي تحكم علاقة الجزائر بالقوى الدولية والإقليمية؟ ولماذا غابت التدخلات الخارجية في الحراك الشعبي الجزائري، مقارنةً بحالات عربية أخرى؟ وهل ارتبط هذا الغياب بالاعتبارات الجيوسياسية أكثر من ارتباطه بالاعتبارات القيمية والمعيارية؟6 وما مستقبل التدخل الخارجي في ظل ديناميات الحركات الاحتجاجية؟

  1. ينظر: عزمي بشارة، 1 الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)؛ عبد النور بن عنتر،
  2. حددها الدستور الجزائري بعهدتين (دساتير 1996-1989)، وفي عام 2008 عدّل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الدستور ليجعلها غير محدودة، من أجل البقاء في الحكم، قبل أن يعدّله مجددًا في عام 2016 ويعود إلى القاعدة السابقة (عهدتان فقط.) ينظر: الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، "القانون رقم 16-01، مؤرخ في 26 جمادى الأولى عام 1437 الموافق ل الجريدة الرسمية 06 مارس 2016، العدد، يتضمن التعديل الدستوري"، 14 7(مارس.)2016
  3. ينظر مثلً: سيرجيو بيطار ولوينثال أبراهام (تحرير)، 3 تجارب التحول إلى الديمقراطية: حوارات مع القادة السياسيين (القاهرة: دار الشروق، 2016)؛ ألفرد ستيبان (تحرير)، ديموقراطيات في خطر!، ترجمة أنطوان باسيل، ط 2 (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2016)؛ نارسيس سيرّا، الانتقال العسكري: تأملّات حول الإصلاح الديمقراطي للقوات المسلّحة، ترجمة وفيقة مهدي (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.)2016
  4. Abdennour Benantar, "Implications du printemps arabe sur la sécurité en Méditerranée," Cahiers de la Méditerranée , no. 89 (Décembre 2014), pp. 87-98.
  5. Abdennour Benantar, "UE-Algérie: La puissance normative à l'épreuve des impératifs stratégiques," in: Abdennour Benantar (dir.), Europe-Maghreb: Paradoxes de la proximité (Alger: CREAD, 2010). 6 ما يسميه عبد النور بن عنتر "المستلزم الأخلاقي" (أي المبادئ) و"المستلزم المصلحي " (المصالح الأمنية.) ينظر: عبد النور بن عنتر، "عقيدة الجزائر الأمنية: ضغوطات البيئة الإقليمية ورقات تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات ومقتضيات المصالح الأمنية"،، 2018/5/2، شوهد في 2022/3/18، في https://bit.ly/3wAuPSn:؛ ينظر أيضًا.Benantar, "UE-Algérie," p. 326:
  6. إشكالية الاستعصاء الديمقراطي في الوطن العربي"، في: ابتسام الكتبي [وآخرون]، الديمقراطية والتنمية الديمقراطية في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)؛ الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018

منهجيًا، تعتمد الدراسة مقاربة التحليل النظمي/ النسقي، حيث تتناول البيئة الداخلية والخارجية التي يتفاعل فيها النظام السياسي الجزائري، من خلال إبراز البيئة والمحددات الداخلية والخارجية التي تحكم تفاعل البيئة الخارجية معه. وتناقش أيضًا المدخلات والمخرجات عبر التطرق إلى تفسير غياب الأدوار الخارجية في الحراك الشعبي الجزائري، وكذلك إدارة المواقف الإقليمية والدولية. وأخيرًا تروم الدراسة عرض عملية التحويل عند معالجة السلوك والممارسات المرتبطة بالعامل الخارجي في حالة الجزائر. تقسم هذه الدراسة أربعة مباحث أساسية. يناقش الأول دور العامل الخارجي ضمن خصوصية السياقات الدولية للانتقال الديمقراطي بغية استخلاص الدروس والاستفادة منها عربيًا وفي الحالة الجزائرية. أما المبحث الثاني فيبحث في السياق الإقليمي والدولي للجزائر، مركّزًا على ثقل المعطى التاريخي ومحددات التفاعل من خلال إبراز مكانة الجزائر في الاستراتيجيات الدولية. ويتطرق المبحث الثالث إلى المواقف الدولية من الحراك الشعبي في الجزائر. ويفحص المبحث الرابع مستقبل المسار السياسي المضطرب من خلال فرص التحول من الخارج، وذلك عبر مجموعة من المداخل، أبرزها المدخل السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني والعسكري.

أولا: دور العامل الخارجي ضمن خصوصية السياقات الدولية للانتقال الديمقراطي

تمثل ديناميات العامل الخارجي أحد الأنماط الرئيسة في الدفع نحو الانتقال الديمقراطي، ويتحقق هذا النمط حين يكون هذا الانتقال نتيجة تدخلات وضغوط خارجية، وكذلك الشروط السياسية المتعددة الأطراف وبرامج المساعدة الديمقراطية في سياق المشروطية السياسية والاقتصادية، ونشاطات حقوق الإنسان وشبكات الديمقراطية الانتقالية، على الرغم من تراجع الترويج للقيم الليبرالية من القوى الكبرى. ولعلّ هذه الارتباطات كانت أشد تركيزًا واستدامة في بعض المناطق، مثل أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، مقارنة بأفريقيا جنوب الصحراء، وذلك بفعل النفوذ الغربي والعلاقة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية المتعددة الأطراف التي يقودها الغرب، مثل صندوق النقد الدولي7. كما كانت أشد حدّة في السياق الغربي، نتيجة دعم القوى الغربية للتسلّطية في المنطقة العربية8؛ لاعتبارات تتعلق بمصالح أمنية واقتصادية، حيث مثّلت هذه القوى دعامة أساسية للأنظمة الحاكمة العربية عبر تزويدها بشرعيتها الخارجية.

بيّنت دراسة ستيفن ليفيتسكي ولوتشان أ. واي المميّزة، "الارتباط الدولي والديمقراطية"، أن كًّلًّ من النفوذ والعلاقة الوطيدة بالغرب ساهما في رفع تكلفة النزعة الاستبدادية خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة؛ لكن آليات النفوذ، مثل الضغط الدبلوماسي والمشروطية السياسية والتدخل العسكري، يندر أن تكون في حد ذاتها كافية لتحويل أوتوقراطيات ما بعد الحرب الباردة إلى ديمقراطيات. بدلً من ذلك، ساهمت الارتباطات الأشمل، على نحو بعيد، في استمرارية الديمقراطية وقتًا أطول. وقد اعتمد الباحثان على مقارنة المناطق وقياس درجة العلاقة والارتباط الدولي لإثبات حجّتهما9. يرى ليفيتسكي وواي أنه يمكن تعريف النفوذ الغربي10 بأنه انصياع الحكومات الاستبدادية إلى الضغط الخارجي من أجل إرساء الديمقراطية. كما يجري تحديد معدلّات النفوذ من خلال ثلاثة عوامل على الأقل:

  1. 10 لا يمكن حصر النفوذ الغربي في مسألة الديمقراطية، بل يتعداها إلى أشكال مختلفة أخرى، بما في ذلك النفوذ الاقتصادي والاختراق الثقافي. ينظر: علي جلال معوض، "القابلية للانكشاف: العوامل الداخلية والخارجية الدافعة للتدخل في العلاقات الدولية"، السياسة الدولية، ملحق اتجاهات نظرية، العدد 195 (يناير 2014)، ص.18-11
  2. ينظر: علي خليفة الكواري (تحرير)، الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)؛ خلدون حسن النقيب، الدولة التسلّطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1991
  3. ستيفن ليفيتسكي ولوتشان أ. واي، "الارتباط الدولي والديمقراطية"، في: لاري دايموند ومارك ف. بلانتر (تحرير)، الديمقراطية: أبحاث مختارة (بيروت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، 2016)، ص.455-476
  4. 7 عن السياق الأفريقي، ينظر: Richard Joseph, "Democratization in Africa after 1989: Comparative and Theoretical Perspective," in: Lisa Anderson (ed.), Transitions to Democracy (New York: Columbia University Press, 1999), p. 237.

تكون الدول الأضعف اقتصاديًا وعسكريًا، مثل دول أفريقيا جنوب الصحراء، أكثر عرضة للضغط الخارجي، أما البلدان الأقوى، مثل الصين والهند وروسيا، فهي أقل عرضة لأدوات النفوذ، لأنها ستكون غير مجدية. حين تكون لدى الحكومات الغربية مصالح اقتصادية أو أمنية مهمة، كما هي الحال في منطقة الشرق الأوسط وشرق آسيا، فمن غير المرجح أن تُجمع القوى الغربية على المطالبة بالإصلاح السياسي. يجري تقليص النفوذ الغربي في الحالات التي تكون فيها للحكومات حرية الاستفادة من الدعم السياسي أو الاقتصادي أو العسكري من قوة إقليمية بديلة؛ فعلى سبيل المثال، شجّعت مساعدة جنوب أفريقيا لزمبابوي حكومة الرئيس موغابي على الصمود في وجه الضغط العالمي نحو الديمقراطية في المدة 2005-2000. وفي مناطق أخرى، ساعد التدخل الغربي في إحباط انقلابات عسكرية أو صدّها في الإكوادور وهايتي وغواتيمالا والباراغواي، وكان الضغط الخارجي فاصلً في إجبار الأوتوقراطيين على التنازل عن السلطة أو إجراء انتخابات متعددة الأحزاب في كل من بنين وجورجيا وكينيا ومالاوي وزامبيا. وباستثناء عملية توسع الاتحاد الأوروبي، فقد أثبتت وسيلة شروط الاقتراض السياسي (المشروطية) بأنها أقل فاعلية في تحقيق ديمقراطية كاملة، وتم الاكتفاء بالديمقراطية الانتخابية Democracy Electoral، والديمقراطية المشوّهة أو غير المكتملة. نتيجة لذلك، وعلى الرغم من تصاعد مظاهر التسلّطية والاستبدادية ومؤشراتهما في العالم بسبب الانقلابات العسكرية وإلغاء الانتخابات، فإن الضغط الغربي لم يكن مجديًا في تكريس الديمقراطية11. أما في سياق ديمقراطيات جنوب أوروبا (إسبانيا واليونان والبرتغال)، فقد كانت العوامل الداخلية حاسمة في الدفع نحو الديمقراطية في هذه البلدان بعد عقود من الاستبداد12، بيد أن العامل الخارجي المتمثل في محاولات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والتفاعل ضمن السوق الأوروبية المشتركة، كان محفّزًا واضحًا على ضرورات الاندماج في السياق الثقافي الأوروبي الغربي، فضلً عن أنّ السوق الأوروبية والاتحاد الأوروبي ساهما على نحو بعيد في ديمومة الديمقراطية في هذه الدول؛ بخاصة في دعمها اقتصاديًا، وتحسين مستويات المعيشة فيها بعد زوال الدكتاتورية؛ ذلك أنّ الشروط الاقتصادية مهمة في سياقات الانتقال الديمقراطي. وفي أوروبا الشرقية، لم يكن الانتقال إلى الديمقراطية ممكنًا من دون العامل الخارجي13. ارتبط نمط التدخل العسكري في الانتقال الديمقراطي، في أغلب الحالات، بحروب وصراعات تؤثر فيها وتحكمها مصالح وتوازنات داخلية وإقليمية ودولية، على نحو ما فعلت الولايات المتحدة في غرينادا وبنما في ثمانينيات القرن الماضي، أو بعد غزو أفغانستان في عام 2001، والعراق في عام 2003. ويحدث التدخل العسكري الخارجي لأسباب وذرائع مختلفة، منها إلحاق الهزيمة بنظام دكتاتوري، والتدخل لأسباب إنسانية، ووضع حد لحرب أهلية طاحنة، وغيرها. ويلاحظ أن الهدف، في غالبية حالات التدخل العسكري الخارجي، لم يكن تأسيس نظام ديمقراطي، بل كان لدوافع مصلحية واستراتيجية في الدرجة الأولى. وإذا كان الانتقال الديمقراطي من خلال التدخل العسكري الخارجي قد نجح في بعض الحالات، كما كانت الحال في ألمانيا واليابان14 بعد الحرب العالمية الثانية، فإنه فشل في حالات أخرى كثيرة15. وهنا، حين تكون الارتباطات قوية، فمن المرجّح أن نصل إلى ديمقراطية مستدامة، على عكس الارتباطات الضعيفة. كما أن السياسات الغربية القائمة على المشاركة الواسعة قد تكون مفيدة للديمقراطية، أكثر من أثر السياسات القائمة على العزل والعقوبات والتدخل العسكري16. الواقع أنّ السياسات الغربية، وعلى رأسها السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ارتبطت في الأساس بهواجس اقتصادية وأمنية واستراتيجية، كضمان إمدادات النفط ومكافحة الإرهاب وضمان أمن إسرائيل. وعلى الرغم من تبني الولايات المتحدة خطاب تعزيز الديمقراطية في توجهات سياستها الخارجية، فإن مسألة الديمقراطية في الأنظمة العربية بقيت مرتبطة بالمصالح الاقتصادية الأميركية والغربية، وبسياسات مكافحة "التطرف الديني." ففي

  1. ليفيتسكي وواي، ص.456-459
  2. حول تجارب دول جنوب أوروبا وأميركا اللاتينية، ينظر: ستيبان (تحرير.) وعن حالات أخرى في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، ينظر: عبد الفتاح ماضي، "مداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية"، في: علي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي (تحرير)، لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟: دراسة مقارنة لدول عربية مع دول أخرى (بيروت:
  3. عزمي بشارة، "ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي"، 13 سياسات عربية، العدد 83 (أيار/ مايو 2019)، ص 11 الانتقال الديمقراطي وإشكالياته؛ ينظر أيضًا: بشارة،.
  4. فرضت الدول المنتصرة نظامًا ديمقراطيًا على ألمانيا واليابان. وقد أطلق الخبراء على ذلك "ساعة الصفر" null Stunde وتعني أن الديمقراطية في هذه الدول بدأت من لا شيء، حيث اعتبروا أنه لا يوجد موروث تاريخي ألماني أو ياباني في الديمقراطية. ينظر: جوني عاصي، نظريات الانتقال إلى الديمقراطية: إعادة نظر في براديغم التحول (رام الله: مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2006)، ص.9-10
  5. حسنين توفيق إبراهيم، "الانتقال الديمقراطي: إطار نظري"، تقرير، مركز الجزيرة للدراسات، 2013/2/14، شوهد في 2021/7/25، في: https://bit.ly/3Ma4foN 16 ليفيتسكي وواي، ص.475-476
  6. مركز دراسات الوحدة العربية،.)2009

العراق في عام 2003، على سبيل المثال، لم تكن الديمقراطية هدفًا رئيسًا بل كانت مطيّة لتحقيق مكاسب اقتصادية، وفي مصر، على الرغم من تخلّ الإدارة الأميركية عن الرئيس حسني مبارك والقبول بوصول الإسلاميين إلى الحكم في عام 2012، فإنها عادت بعد ذلك إلى دعم التسلّطية الصاعدة بقيادة العسكر بعد عام ونصف العام فقط. بالعودة إلى الحالة الجزائرية التي تعبّ عن استعصاء في التوجّه نحو التغيير وتحقيق الانتقال الديمقراطي الذي لم يتحقق17، على الرغم من مكاسب الانفتاح السياسي منذ دستور عام 1989، قد يطرح الحديث عن العامل الخارجي إشكاليات مغايرة على خلاف التدخل في مناطق أخرى؛ بحجج دعم الديمقراطية والإصلاح السياسي، وذلك لاعتبارات مالية في الأساس. ففي المغرب العربي، على سبيل المثال، لم تستجب ليبيا والجزائر لسياسات الاتحاد الأوروبي وضغوطه من أجل الإصلاحات في البلدان المغاربية في إطار السياسة الأوروبية الجديدة للجوار بعد عام 2011، والتي حملت عنوان: "استجابة جديدة لجوار متغير"، مقارنة بالمغرب وتونس، نتيجة اعتبارات الثقل الاستراتيجي والقوة المالية والاقتصادية للجزائر وليبيا. ومن ثمّ، يتعامل الاتحاد الأوروبي في هذا المضمار مع الجزائر على أساس اقتصادي وأمني واستراتيجي، بعيدًا عن المستلزم المعياري المتمثل في فرض قوّته المعيارية، كما يسوّق نفسه إقليميًا ودوليًا18.

ثانيًا: السياق الإقليمي والدولي للجزائر، ثقل المعطى التاريخي ومحدّدات التفاعل

تحظى الجزائر بثقل جيوستراتيجي مهم، نظرًا إلى موقعها الجغرافي الذي تنفتح من خلاله على أربع دوائر جيوسياسية تتمثل في الدائرة المغاربية والمتوسطية والأفريقية والعربية؛ ما يؤهّلها لأن تكون لاعبًا إقليميًا، ودولة محورية في نطاقها الجغرافي. تنظر القوى الخارجية إلى الجزائر باعتبارها عامل استقرار في بيئتها الإقليمية، وفاعلً رئيسًا في الحفاظ على الأمن الإقليمي، وتقدّم الجزائر نفسها باعتبارها أكبر وأهم شريك اقتصادي وأمني للقوى الخارجية في المنطقة، مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فضلً عن شراكتها التقليدية المهمة مع الصين وروسيا. ونظرًا إلى خبرتها في مجال مكافحة الإرهاب ومكانتها في مجال الطاقة، خاصة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. ومع موجة الربيع العربي، اكتسبت الجزائر مناعة في وجه الضغوط الإقليمية بفعل الإصلاحات السياسية الشكلية التي ادّعى النظام الجزائري تنفيذها حفاظًا على بقائه، وبقيت الاستجابة للضغوط الخارجية ضعيفة نظرًا إلى البحبوحة المالية التي تمثلت في عام 2012 في أكثر من 200 مليار دولار احتياطي صرف بالعملة الأجنبية.

من ناحية أخرى، مثّل حراك 22 شباط/ فبراير 2019 إرباكًا حقيقيًا للسلطة الحاكمة في الجزائر، نظرًا إلى الظروف الإقليمية المحيطة بالبلد. فقد وظَّفت السلطة، قبل الحراك وبعده، ذريعةَ عدم الاستقرار في دول الجوار، ودول الربيع العربي عامة، كي تسوّق لنظرية المؤامرة؛ أو ما سمّته في خطاباتها "الأيادي الخارجية" المترصدة بالبلاد، بدعوى الحفاظ على الاستقرار واستكمال البناء السياسي والاقتصادي وتحصين الجبهة الداخلية، وهو المسوّغ الذي وظّفته لتقويض أيّ محاولة للانفتاح السياسي، وساهم في غلق اللعبة السياسية. وانتهجت القوى الخارجية خيار المحافظة على الوضع القائم، لأنه أفضل سيناريو للمحافظة على الاستقرار السياسي-الأمني في المنطقة. علاوة على ذلك، ليس من مصلحة هذه القوى الخارجية، خاصة دول الاتحاد الأوروبي، زعزعة استقرار الجزائر في وقت تعاني المنطقة ترهل الدولة والاحتراب الداخلي في ليبيا، وانعدام الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي التي تمثل العمق الجنوبي للأمن الجزائري والأمن

  1. يمكن اعتبار ما حدث في حراك الجزائر 2021-2019() تحوّلً سياسيًا غير مكتمل، حيث ما عاد النظام السياسي الجزائري مرتبطًا بسياسات الأنظمة الشمولية، لكنه في الوقت نفسه لم يرق بعد إلى الممارسة الديمقراطية، كما أنّ التحول حدث على مستوى التعديل الدستوري، ولم يحدث على مستوى النخب والثقافة السياسية. عن التحول من خلال الدساتير، ينظر: Michael McFaul, "The Fourth Wave of Democracy and Dictatorship: Noncooperative Transitions in the Postcommunist World," World Politics , vol. 54, no. 2 (January 2002), pp. 212-244; ألفارو فاسكونسيلوس وجيرالد ستانغ (تحرير)، الإصلاح الدستوري في الأوقات الانتقالية: تأمين شرعية مسار بناء المؤسسة الديمقراطية، ترجمة وائل السواح (بيروت/ باريس: المركز اللبناني لدراسات السياسة؛ مبادرة الإصلاح العربي،.)2014
  2. Timo Behr, "After the Revolution: The EU and the Arab Transition," Notre Europe , April 2012, p. 20, accessed on 6/8/2021, at: https://bit.ly/3MZHx2o

الأوروبي معًا19. وبناء عليه، يتجاهل الاتحاد الأوروبي الذي يتقاسم مع الجزائر حدودًا بحرية شاسعة ومصالح اقتصادية مهمة، المطلب الديمقراطي والاعتبارات الأخلاقية في تعامله مع السلطة الجزائرية، ويضع الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية في سلّم أولوياته ويدافع عن مكانته20 في العلاقات الدولية باعتباره قوة مدنية وقوة استراتيجية، على الرغم من تسويق نفسه قوة معيارية21. بخلاف القوى الغربية، لا تهمّ روسيا والصين بحكم خصوصية نظامَي حكمهما، الاعتبارات الديمقراطية، بقدر تركيزهما على المصلحة الاقتصادية في تعاملهما مع الجزائر، وهذا يرجع أساسًا إلى اعتبارات داخلية؛ إذ ليس من مصلحتهما إحداث تغيير ديمقراطي. ولهذا، فإن سلوكهما الإقليمي هو في حقيقة الأمر ذو منبع داخلي، ومن ثم فهما لا تجعلان المعطى الديمقراطي مطيّة لفرض مقاربتهما النفعية. وأخيرًا، لم يكن للقوى الإقليمية العربية حضورٌ بارز في الحراك الجزائري، ويعود ذلك، في جزء منه، إلى طبيعة الحراك نفسه، فقد كان سلميًا على غرار الكيفية التي تعاملت بها القوى الأمنية مع المسيرات، كما أنه لم يصطبغ بلون أي تيار سياسي في البلاد؛ ويعود في جزء آخر منه إلى الحساسية المفرطة التي يبديها الرأي العام الجزائري تجاه أي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد. يناقش هذا المبحث محددات سلوك القوى الخارجية المؤثرة في المشهد الجزائري زمن الحراك الذي خالف التوقعات كلها من حيث أنماط التغيير ومسارات التفاعل وسلوك الفواعل المؤثرة فيه، وسيجري ترتيبها على أساس الأولوية التي أعطاها صانع القرار الجزائري لهذه القوى في أثناء الحراك، حيث إنّ التوجه نحو روسيا والصين كان بارزًا من خلال الزيارات الدبلوماسية المبكرة إلى هذين البلدين.

1. روسيا والصين: العلاقات التاريخية وغياب نموذج للتصدير

يقدم عزمي بشارة حجاجًا يمكن أن يشكل منطلقًا لفهم السلوك الروسي والصيني تجاه قضايا الانتقال الديمقراطي، حيث يقول: "مع استعادة روسيا والصين دورهما العالمي، فإن تأثيرهما يتّجه إلى تفضيل أنظمة الاستبداد، وفي غياب نموذج للتصدير لديهما، تستخدم هاتان الدولتان خطابًا يتقاطع مع ثقافة اليمين الشعبوي في الدول الديمقراطية أو تلك المعنية بالانتقال إلى الديمقراطية"22. تركز روسيا والصين على البعدين الاقتصادي والاستراتيجي، بعيدًا عن تصدير المعايير وقيم الديمقراطية، وذلك نتيجة طبيعة النظام السياسي في الدولتين وبنيته. في الحالة الروسيّة، ولفهم المدى الذي يمكّن الجزائر من أن تحتل موقع الصدارة ضمن أولويات روسيا الإقليمية، يمكن النظر إلى وثيقتي "مفهوم السياسة الخارجيّة الروسية"23 في المدة 2016-2013 التي بيّنت وقوع الإقليم الذي تصنف فيه الجزائر في المستوى الثاني في أولويات سياستها الخارجية الإقليمية؛ مقارنة بأوروبا وآسيا؛ أي إنّ ثمة فرصًا محدودة لحماية مصالحها الوطنية وتطويرها، ومثل هذا التقييم هو ما سيؤطّر أي سلوك تنتهجه. وقد أجمعت مختلف الأدبيات التي قيّمت سياسة/ سلوك روسيا شرق أوسطيًا منذ وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى الحكم على أن روسيا تسترشد بالبراغماتية على المدى القريب؛ أو كما يصفها البعض بالسياسة "الانتهازية" Opportunism و"التعاملية" Transactional؛ أي إنّها قائمة على قنص الفرص بدافع المتطلبات القصيرة الأجل لتحقيق الاستقرار النسبي، فروسيا قادرة على تقديم صفقات ليست بالضرورة تحالفات طويلة الأمد ولا شراكات استراتيجية بالمفهوم المتعارف عليه. ولعل التفاهم الروسي - الإيراني حول مسألة بقاء نظام بشار الأسد في سورية، على الرغم من أزمة عدم الثقة بينهما، وكذلك اتفاق روسيا مع السعودية لخفض إنتاج النفط في كانون الأول/ ديسمبر 2016، كلّه يقع في هذا الإطار. في الحالة الجزائريّة، لا يمكن تقييم الحديث عن أي سلوك روسي في الشأن الجزائري بمعزل عما ذُكِر سابقًا24. على الرغم من وقوع الجزائر في المستوى الثاني ضمن المنظور الاستراتيجي الروسي لأولويات سياستها الخارجية الإقليمية، بوصفها قوة مراجِعة revisionist مهمة بعد الربيع العربي، فإنه لا يمكن نفي العلاقات التاريخية التقليدية بين روسيا والجزائر، فالجزائر حليف استراتيجي لروسيا منذ الحرب الباردة؛ من خلال دعم الاتحاد السوفياتي سابقًا الثورة الجزائرية 1962-1954()، مرورًا بالعلاقات التجارية والاقتصادية في مجال الطاقة والعلاقات العسكرية المميزة؛

  1. عبد النور بن عنتر، "العامل الخارجي والانسداد السياسي في الجزائر"، 19 ورقات تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات، 2019/3/21، شوهد في 2022/3/8، في: https://bit.ly/3P3EdFj
  2. يمكن الاطلاع على النقاشات النظرية الخاصة بالدور الدولي للاتحاد الأوروبي في: Damien Bouvier, La représentation internationale de l'union européenne , Centre Favre - Centre de Recherche en Droit Antoine Favre (Bruxelles: Université Savoie Mont Blanc, 2020); Franck Petiteville,  La politique internationale de
  3. بن عنتر، "العامل الخارجي"، ص.3
  4. بشارة، "ملاحظات عن العامل الخارجي"، ص.24 23 أصدرت روسيا وثيقة السياسة الخارجية أول مرة في عام 1993، وكانت تقوم بتحديثها وتحيينها باستمرار استجابةً إلى التحولات الداخلية والخارجية. 24 نشكر الزميلة الباحثة أمينة مصطفى دلّة، أستاذة العلوم السياسية في جامعة الشلف، الجزائر، على إضاءاتها بشأن هذه المسألة.
  5. l'Union européenne (Paris: Presses de Sciences Po, 2006); René Schwok & Frédéric Mérand, "L'Union européenne et la sécurité internationale: Théories
  6. et pratiques," Études internationales , vol. 41, no. 1 (2010).

على اعتبار أن روسيا هي المورّد الأساسي للجزائر بالسلاح، حيث إن الجيش الجزائري يحصل على معدات تسليحه بأكثر من 80 في المئة، كما أن الجزائر أول بلد عربي يوقّع اتفاقية شراكة استراتيجية مع روسيا في عام 2001 25؛ ما يدل على لعبة التوازنات في الحالة الجزائرية هو دعوة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعض الدول إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر26 نتيجة الارتباط التاريخي والعسكري الاستراتيجي بين الجزائر وروسيا، كما أشرنا، من جهة، وعودة ظهور روسيا فاعلً عالميًا، خاصة بعد إعادة انتخاب الرئيس بوتين في عام 2004، من جهة أخرى. أما على المستوى الجيو-اقتصادي، فتظهر الصين قوة مراجِعة في أفريقيا وتتعامل مع الجزائر بمنطق جيو-اقتصادي خالص؛ حيث يبدو حضورها أشد كثافة في الجزائر، بخاصة في مجال الطاقة والأشغال العمومية. وتُعدّ الجزائر أول بلد عربي يقيم علاقات ثنائية وشراكة استراتيجية مع الصين. ويتجاوز حجم المبادلات التجارية السنوية بين البلدين 9 مليارات دولار، في حين يبلغ حجم استثمارات الشركات الصينية في الجزائر عشرة مليارات دولار في عام 2021 27، حيث تُعدّ الصين أكبر شريك آسيوي للجزائر28. ومنذ عام، 2014 جرى رفع العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة؛ باعتبار الصين أول شريك اقتصادي وتجاري للجزائر في شمال أفريقيا29. ستتعزز هذه الشراكة مستقبلً مع إعلان الجزائر رسميًا انضمامها إلى مبادرة "طريق الحرير الجديد"، فقد وقّعت الجزائر في منتصف عام 2019 مرسومًا بشأن موافقتها على الانضمام رسميًا إلى هذه المبادرة30، فضلً عن العلاقات التاريخية الجزائرية - الصينية المتجذّرة، ودعم الصين الثورة الجزائرية. تعاملت الصين مع الحراك الشعبي في الجزائر وفق عاملين: أولهما، نابع من مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وثانيهما، أولوية الاقتصاد على السياسة في الاستراتيجية الصينية تجاه القارة الأفريقية. وفي المقابل، تتعامل الجزائر مع الصين بدافعين أساسيين: يتمثل الأول في تنويع الشركاء الاقتصاديين، أما الثاني فيتمثل في توفير الدعم السياسي والدبلوماسي على اعتبار أن الصين من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وفي سياق آخر، فإنّ السلوك الصيني تجاه الحراك الشعبي يؤسّس على اعتبارات داخلية تتعلق بطبيعة النظام السياسي الشمولي في الصين. وتبدي الصين التي شكّلتها ثورةٌ شعبية دموية استغرقت نحو ربع قرن، تحفّظًا دائمًا من أي تغيير ثوري يحدث إما بالقوة وإما بتدخّل خارجي. وقد امتنعت عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973 القاضي بالتدخل العسكري في ليبيا في عام 2011 31، واستخدمت حق النقض "الفيتو" أربع مرات في الحالة السورية32. ويكاد الخطاب الرسمي الصيني يخلو من إشارات إلى ما جرى ويجري في بلدان الربيع العربي باعتباره ثورات للمطالبة بالانتقال الديمقراطي؛ إذ يعبّ الاستنكاف عن استخدام مصطلح الثورة في المنطقة العربية عن تحفّظ السياسة الخارجية الصينية تجاه أيّ تحول سياسي جذري يحدث في المنطقة العربية، إمّا بالقوة وإمّا بتدخل خارجي. 2. فرنسا والولايات المتحدة: الإرث الاستعماري الفرنسي في مقابل البراغماتية الأميركية تعاملت الأوساط السياسية الفرنسية مع الحراك الجزائري بحذر، خصوصًا أنّ الشارع خلط الحسابات كلها، فقد تميزت الاحتجاجات في الجزائر بطابعها الاجتماعي المطلبي، على غرار ما حدث في احتجاجات كانون الثاني/ يناير 2011. وعلى الرغم من فتح العهدة الرئاسية والتمديد للرئيس بوتفليقة من خلال التعديل الدستوري في عام 2008، إلى الترشح للعهدة الثالثة والرابعة والفوز بهما، فإن ذلك لم يحرك الجماهير، وبقيت حالة الخوف بفعل التراكم التاريخي تسيطر على الذاكرة الجماعية للجزائريين بحكم ما خبرته الجزائر خلال "العشرية السوداء" التي راح ضحيتها ما يقارب ال 200 ألف قتيل. لكن حراك عام 2019 مثّل فيه الشارع فاعلً سياسيًا بامتياز، من خلال المطالبة برفض ترشّح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة، والأكثر من ذلك رفض كل رموز النظام، والتنديد بالفساد المستشري في مفاصل الدولة. لقد مثلت هذه اللحظة المفصلية تحديًا حقيقيًا

  1. لتفاصيل أكثر، ينظر: Mohamed Hamchi & Samia Rebiai, "Russian-Algerian Relations in a Multipolarizing World," in: Tatiana Deych et al. (eds.) Africa's Growing Role in World Politics (Moscow: Institute for African Studies, 2014), pp. 257-274.
  2. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نرفض التدخل الخارجي في الشأن الجزائري "، الوسط، 2019/3/19، شوهد في 2021/7/9، في: https://bit.ly/3937Kyi
  3. حجم المبادلات بين البلدين بلغت 9 الفجر ديزاد مليار دولار سنويًا"،، 2021/6/30، شوهد في 2022/3/7، في https://bit.ly/37qGbPg:
  4. وزارة التجارة وترقية الصادرات الجزائرية، إحصائيات وحصائل المبادلات التجارية، 2020/2/25، شوهد في 2022/3/7، في https://bit.ly/3M6E1n0:
  5. لتفاصيل أكثر، ينظر:
  6. عياش سنوسي، "بعد انضمامها إلى مبادرة طريق الحرير الجديد... رسائل الجزائر الجزيرة نت لفرنسا"،، 2019/6/12، شوهد في 2021/7/11، في: https://bit.ly/2kg53Rc " لماذا رفضت الصين وألمانيا دعم قرار مجلس الأمن؟"، 31 الأنباء، 2011/3/19، شوهد في 2022/3/11، في https://bit.ly/3kXFPmn:
  7. Thierry Pairault, "La Chine au Maghreb: De l'ésprit de Bandung à l'ésprit du capitalisme," Revue de la régulation Capitalisme, institutions , pouvoirs , no. 21 (Spring 2017), accessed on 10/3/2022, at: https://bit.ly/3KU5Kpy
  8. فريدة العلمي، "البراغماتية: السياسة الصينية في الشرق الأوسط بعد الثورات العربية "، الأستاذ الباحث للدراسات القانونية والسياسية، المجلد 2، العدد 9 (آذار/ مارس)2018، ص.1208

للتعامل الرسمي الفرنسي مع مجريات الأحداث في الجزائر، حيث قال وزير خارجيتها آنذاك جان إيف لو دريان Drian Le Jean-Yves، في 6 آذار/ مارس 2019: إن بلاده "تتابع عن كثب الاحتجاجات في الجزائر، لكن الأمر يرجع إلى الجزائريين في تحديد مستقبلهم." وفي 12 آذار/ مارس 2019، رحّب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعدول الرئيس بوتفليقة عن الترشح لعهدة خامسة، معتبرًا أنه يفتح فصلً جديدًا في تاريخ الجزائر، داعيًا إلى "مرحلة انتقالية بمهلة معقولة"33. تبدو هذه التصريحات معيارية إلى حد بعيد، وتشير بالتأكيد إلى الحذر والترقب الفرنسييَن لما ستؤول إليه الأمور، لكن تشير الرواية الرسمية التي قدّمتها السلطة الفعلية في الجزائر، في المقابل، إلى مؤامرة استهدفت الجزائر، شارك فيها كل من شقيق الرئيس ومستشاره، السعيد بوتفليقة ورئيس جهاز المخابرات الجنرال طرطاق ورئيسه السابق الجنرال توفيق، وذلك بالتنسيق مع ضباط من الاستخبارات الفرنسية، وهي التهمة التي زُجَّ بسببها بالثلاثة في السجن، فضلً عن الملحق العسكري في سفارة الجزائر في فرنسا، ولويزة حنون رئيسة حزب العمال، بتهمة الخيانة العظمى والتآمر على الجيش. يؤكد كل ذلك وجود دور خارجي، في تقدير قيادة الجيش آنذاك، في الأحداث، غير أنه فشل لأن الطرف المستهدف هو قيادة أركان الجيش التي اكتشفت الخطة ومنعت تنفيذها. يمكن تفسير الموقف الفرنسي بثلاثة عوامل أساسية: العامل الاقتصادي؛ إذ حاولت فرنسا الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في الجزائر، فهي ثاني شريك اقتصادي لها؛ وقد بلغ حجم التبادل بين البلدين 7 مليارات دولار في عام 2018، وتصدّرت فرنسا في عام 2019 قائمة عملاء الجزائر الاقتصاديين، في حين احتلّت المرتبة الثانية في قائمة مورّديها بعد الصين34؛ العامل الأمني؛ إذ كان ثمة تخوّف فرنسي من الانفلات الأمني الذي سيؤدي إلى تدفق للمهاجرين، من شأنه مفاقمة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية السائدة في فرنسا؛ العامل الثقافي، ويتمثل في مخاوف فرنسا من فقدان نفوذها الثقافي واللغوي في الجزائر، ولعل ذلك بدأ يظهر من خلال الحديث عن محاولات تعزيز حضور اللغة الإنكليزية في المنظومة التعليمية في الجزائر35. أما الولايات المتحدة فقد كان موقفها من الحراك الشعبي متحفّظًا، حيث قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية، روبرت بالدينو Robert Baldino، في 5 آذار/ مارس 2019: "نحن نراقب هذه التظاهرات في الجزائر، وسنواصل فعل ذلك"، وإن "الولايات المتحدة تدعم الشعب الجزائري وحقه في التجمع السلمي"36. قد يدل هذا التصريح على اكتفاء الولايات المتحدة بموقف المراقب عن كثب، أنّ موقفها الفعلي كان داعمً لخيارات السلطة، وهو محكوم باعتبارين أساسيين: الاعتبار الأول هو الخشية من انفلات الاستقرار الأمني في منطقة شمال أفريقيا، وهو ما سيمثل تهديدًا لمصالحها ويزيد من أعبائها الأمنية؛ أما الاعتبار الثاني، فيتعلق أساسًا بالترابط الاستراتيجي الأميركي - الجزائري في مجال مكافحة الإرهاب منذ عام 2001، حيث تعدّ الجزائر، بنخبها الحاكمة القائمة، شريكًا أمنيًا أساسيًا في المنطقة37.

3. القوى الإقليمية العربية

بخلاف احتجاجات الربيع العربي التي شهدت اصطفافًا إقليميًا وعربيًا أفرز مشروعيَن بارزين في المنطقة العربية، تمثلّا في مجموعة الدول الداعمة لمسار التغيير، ومجموعة أخرى من الدول الرافضة له (ما يعرف بالدول الداعمة الثورات المضادة)؛ شهد الحراك الجزائري غيابًا لدور واضح للقوى الإقليمية البارزة في العالم العربي، أو دول الجوار، وحتى التغطيات الإعلامية لم تكن بتلك الحدّة التي شهدتها الثورات الشعبية في تونس ومصر على سبيل المثال؛ ويمكن أن يُعزى هذا إلى جملة من العوامل: مكانة الجزائر المحورية في شمال أفريقيا والعالم العربي؛ حيث إن استتباب الاستقرار في الجزائر يهم القوى الإقليمية العربية داخليًا وجيوسياسيًا، خاصة أنّ التجربتين السورية والمصرية أثبتتا أن اختلال ميزان القوى الإقليمي يفسح المجال لقوى إقليمية غير عربية، مثل تركيا وإيران، للإمعان في اختراق النظام الإقليمي العربي.

  1. ماكرون يدعو لفترة انتقالية معقولة في الجزائر"، 33 الجزيرة نت، 2019/3/12، شوهد في 2021/7/11، في https://bit.ly/2THQ5nw:
  2. الدبلوماسية الفرنسية، فرنسا والجزائر"، وزارة الخارجية الفرنسية، نيسان/ أبريل 2021، شوهد في 2022/5/7، في https://bit.ly/3wfmT7A:
  3. في بيان لمجلس الوزراء المنعقد يوم 19 حزيران/ يونيو 2022 برئاسة الرئيس تبون تقرر اعتماد اللغة الإنكليزية في مرحلة التعليم الابتدائي.
  4. لماذا فضَّ ل العالم الصمت أو الحياد حتى الآن تجاه ما يحدث في الجزائر؟"، 36 عربي، 2019/3/13، شوهد في 2021/7/11، في https://bit.ly/2lQrFb7: بوست
  5. Mhand Berkouk, "U.S.–Algerian Security Cooperation and the War on Terror," Article , Carnegie Endowment for International Peace, 17/6/2009, accessed on 10/3/2022, at: https://bit.ly/3sjtrRF

القدرة الاقتصادية للجزائر باعتبارها دولة نفطية، وهو ما منع تدخل هذه القوى عبر المساعدات الاقتصادية على غرار ما فعلت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مع مصر؛ عدم تأثير هذه القوى في المعارضة الداخلية التي تدين بالولاء للنظام أكثر من الولاء لأيديولوجيتها، فضلً عن حساسيتها من أي تدخل أجنبي بحكم رأس المال الرمزي الذي اكتسبه الجزائريون في نضالهم الطويل ضدّ الاستعمار الفرنسي. عدم وصول الإسلاميين إلى الحكم في الجزائر، بخلاف ما حدث في مصر وتونس وليبيا إلى حدٍ ما، وهو في حد ذاته يُعدّ ضمانة للقوى الإقليمية التي تعمل لمصلحة الثورات المضادة ومعارضة الانتقال الديمقراطي الذي سيؤثر فيها داخليًا، وقد يقلب نظام الحكم فيها. انشغال القوى الإقليمية التي تعمل لمصلحة الثورات المضادة بمشكلاتها الداخلية، وتعقيدات انغماسها في الكثير من القضايا الإقليمية.

ثًالث ا: المواقف والردود الدولية تجاه الحراك الشعبي في الجزائر: نحو اختبار الدور التدخلي الدولي

التزمت جُلّ القوى الدولية والإقليمية الصمت حيال ما يحصل في الجزائر منذ بداية الحراك الشعبي في 22 شباط/ فبراير 2019. بل أبعد من ذلك، سارعت هذه القوى إلى تأكيد عدم تدخّلها في الشؤون الداخلية للجزائر كلما ظهرت تصريحات أو تقارير تشير إلى دورٍ ما لهذه الدولة أو تلك. يكاد هذا التعامل الدولي والإقليمي مع الحالة الجزائرية يكون الاستثناء، مقارنة بالدول العربية الأخرى التي شهدت حركات احتجاجية، شكّل العامل الخارجي متغيّ ا مهمً في رسم مساراتها، سواء بالأدوات السلمية أو العسكرية. ثمة جملة من العوامل الداخلية والخارجية التي فرضت على القوى الدولية والإقليمية انتهاج هذه المقاربة في تعاملها مع تطورات المشهد السياسي في الجزائر، يتمثل أبرزها في ما يلي38: إدارة الحراك وعدم استخدام العنف: شهد التعامل الأمني مع الاحتجاجات مرونة واضحة، وتجلّت خبرة قوات الأمن الجزائرية التي راكمتها من تعاملها مع احتجاجات سابقة، وأعوام طويلة في مكافحة الإرهاب39، حيث لم يجرِ التعامل مع المتظاهرين بطريقة عنيفة؛ بخلاف ما شهده حراك السودان من أعمال عنف وتفريق المتظاهرين بالرصاص الحي، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى. وقد أكسبت هذه الطريقة في التعامل مع المسيرات الشعبية النظامَ مناعةً، إلى حدٍ ما، في وجه الضغوط الخارجية، فلم تكن لدى القوى الخارجية ذريعة للتدخل باسم الحريات وحقوق الإنسان. الخبرة التاريخية: لدى الجزائريين حساسية من التدخل الأجنبي بفعل نضالهم الثوري ضد المستعمر الفرنسي الذي استمر ما يقارب المئة واثنين وثلاثين عامًا، قدّموا فيها مليونًا ونصف المليون شهيد، فضلً عن الحساسية المفرطة في المخيال الجمعي ضدّ كل ما هو أجنبي في الثقافة الشعبية لدى عموم الشعب الجزائري40. لقد ظهر جليًّا الرفض الشعبي للتدخل الخارجي في الشعارات التي رفعها المحتجون، معتبرين أن ما يحدث قضية داخلية تخص الجزائريين. من بين هذه الشعارات: "لا للتدخل الأجنبي"، لا للإمارات في أرض الشهداء"، "لا فرنسا، لا الإمارات." خطوات استباقية وتفعيل للدبلوماسية: سارعت السلطة في الجزائر إلى احتواء المواقف الخارجية بخطوتين؛ تمثلت أولاهما في استدعاء وزير الخارجية السابق، رمطان لعمامرة، وتكليفه بالقيام بجولة في العديد من العواصم الدولية، تمحورت أساسًا حول التأكيد للقوى الدولية أن الأوضاع تحت السيطرة، ويمكن النظام السياسي تجاوز الأزمة؛ أما الخطوة الثانية فتمثلت في قدوم الدبلوماسي الجزائري، الأخضر الإبراهيمي الذي حاول القيام بدور الوساطة بين الفاعلين في الحركة الاحتجاجية والسلطة السياسية، وعلى الرغم من أن دوره اقتصر على الداخل، فإنه لا يخلو من خلفية خارجية، نظرًا إلى موقع الرجل على المستوى الدبلوماسي الدولي. في هذا الصدد يشير بن عنتر إلى أنّ الشعب الجزائري كان يريد انتق لً من دون بوتفليقة، بينما كانت تريد السلطة والقوى الخارجية انتق لً معه وبإشرافه، ومن ثم فإنّ العامل الخارجي كان عاملً معقِّدًا بسبب الانحياز إلى السلطة على حساب المطالب الديمقراطية للشعب. فأميركا وفرنسا زكّتا تمديد الرئيس بوتفليقة حكمه خارج أي إطار دستوري ولأجلٍ غير مسمّى41.

  1. سبق نشر أجزاء من هذا المبحث في مساهمتنا ضمن تقرير أصدرته وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ينظر: "الجزائر 2019: من الحراك تقرير، رقم إلى الانتخابات"، 1، وحدة الدراسات السياسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة
  2. عربي بومدين، "الحركات الاحتجاجية في الجزائر وعسر التحوّل"، 39 سياسات عربية، العدد 25 (آذار/ مارس 2017)، ص.39
  3. Lahouari addi, "Geographical Overview Maghreb: The Algerian Regime after the Arab Revolts," IEMed, Mediterranean Yearbook , 2013, p. 176; Lahcen Achy, "The Price of Stability in Algeria," Carnegie Middle East Center, April 2013, p. 12, accessed on 10/3/2022, at: https://bit.ly/3wj9VGe 41 بن عنتر، "العامل الخارجي"، ص.5
  4. السياسات، شباط/ فبراير 2019، ص.20-16

الاحتماء بالشرعية الدستورية: استندت المؤسسة العسكرية في دفعها الرئيس بوتفليقة إلى الاستقالة إلى التوظيف السياسي من خلال الارتكاز على الحركة الاحتجاجية التي طالبت بتفعيل المادة 102 من الدستور، وبذلك تجنّبت أي ضغط دولي عليها بتصنيف ما أقدمت عليه انقلابًا عسكريًا، كما أصرّت أيضًا على التمسك بالإطار الدستوري من خلال تولّ رئيس مجلس الأمة، عبد القادر بن صالح، رئاسة الدولة وعدم الاستجابة إلى المطالب الشعبية برحيله إلى جانب رئيس الحكومة، نور الدين بدوي. وهي خطوات كان يمكن أن توظفها القوى الأجنبية المتضررة من التغيير السياسي في الجزائر على مستوى الأمم المتحدة، أو المنظمات الإقليمية كالاتحاد الأفريقي42، للضغط على المؤسسة العسكرية، خصوصًا أنّ الجزائر ترتكز في مقاربتها الدبلوماسية على تفضيلات البعد الأخلاقي والمعياري في السياسة الخارجية. موقع المؤسسة العسكرية: وقفت القوى الخارجية في جلّ الحالات إلى جانب المؤسسة العسكرية كونها الطرف الأقدر على حسم الخلافات لمصلحتها، بما تمتلكه من وسائل تأثير مادية ومعنوية؛ وبحكم تجربتها المديدة في السلطة، التي ترافقت مع تأسيس الدولة الوطنية43 في المنطقة العربية44. وفي الحالة الجزائرية، تمكّن الجيش، ممثلً في قيادة الأركان، من احتواء الأزمة وإفشال مخطط مؤسسة الرئاسة وجهاز الاستخبارات الذي كان يعمل على إطاحة قائد الأركان، الفريق أحمد قايد صالح بحسب الرواية الرسمية؛ وبعد الزج بشقيق الرئيس ورئيسي جهاز الاستخبارات، رفقة رجال أعمال ووزراء ورؤساء وزراء سابقين في السجن، صار هذا الجناح ضعيفًا وفقد زمام المبادرة، وما عادت القوى السياسية المحسوبة عليه تمتلك أي تأثير، وسارع كثير منها إلى تغيير ولائه. لذلك، لم تتوافر لدى الأطراف الخارجية أوراق كثيرة يمكنها توظيفها للتأثير من أجل التدخل في الجزائر. ولم تتبنّ المؤسسة العسكرية بدورها خطابًا راديكاليًا، ولم تدخل في مواجهة مع القوى الدولية، بما في ذلك فرنسا، التي اتُّهمت بدعم مخطط الانقلاب على قيادة الأركان من خلال جهاز استخباراتها. في مقابل ذلك، ثمة من يرى، بناء على بعض المؤشرات، أن تسوية استراتيجية تمّت بين قوى خارجية، ولا سيما فرنسا، والسلطة الجزائرية، مفادها انحياز الأولى إلى الثانية ضد مطالب الشعب؛ في عملية مقايضة عبر إطلاق عملية انتقال ديمقراطي متسلسل متحكم فيه، يحول دون استحواذ تيارات معادية (مصالح هذه القوى الخارجية) وعلى نحو سريع على مقاليد الحكم في الجزائر45. المعارضة السياسية: على الرغم مما يميز المعارضة الجزائرية من ضعف في أدائها، فإنها أبانت عن التزامها برفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للبلد، على استثناءات قليلة، وهو التزام نابع من تاريخها النضالي؛ وقد ظهر في خطابات الأحزاب الإسلامية والعلمانية على حد سواء، كما برز أيضًا في بيان قوى المعارضة الجزائرية في 8 آذار/ مارس 2019 الذي أعلنت فيه رفضها "التدخل الأجنبي تحت أي شكل من الأشكال"، وذلك عقب اجتماع 15 حزبًا ونقابات وشخصيات وطنية عدة داعمة الحراك الشعبي46. وتستنجد المعارضة، ممثلة في الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية في مختلف الدول، بأطراف خارجية، كما حصل في اليمن وسورية وليبيا، ويبدو أنّ المعارضة الجزائرية تدرك تمام الإدراك أن استدعاء القوى الخارجية يُعدّ ضربة قاصمة لمنطق الأمن الوطني، فضلً عن أنّ المعارضة الجزائرية محلّية المنشأ، ولم تتمّ هيكلتها بفعل الأجندات الخارجية، ما عدا التيارات ذات النزعة الانفصالية، مثل حركة الماك47 التي لا يمكن وصفها بالحركة السياسية/ الحزبية. تقاليد السياسة الخارجية الجزائرية: تتمسك السلطة في الجزائر بتأكيدها عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، وأضحى هذا من المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية الجزائرية، ومكّنها من

  1. مثال ذلك هو تعليق مجلس السلم والأمن الأفريقي التابع للاتحاد الأفريقي العضوية كما حدث في حالة مصر، لأنّ الاستيلاء على السلطة بطريقة غير دستورية يؤدي إلى تعليق العضوية، الأمر الذي لا تحبّذه الجزائر، نظرًا إلى مبادئ سياستها الخارجية، وموقعها داخل منظمة الاتحاد الأفريقي.
  2. ينظر: عربي بومدين، "العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية في الجزائر: بين حكم
  3. حول الجيش والسياسة في المنطقة العربية، ينظر: أحمد ولد داداه [وآخرون]، 44 الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)؛ عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)؛ زولتان باراني، كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟، ترجمة عبد الرحمن عياش (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،2017)؛ الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي، جمال باروت (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019
  4. بن عنتر، "العامل الخارجي"، ص.6 " الجزائر: أحزاب معارضة تضع خريطة طريق للخروج من الأزمة السياسية"، 46 فرانس، 2019/3/24، شوهد في 2022/5/7، في https://bit.ly/3sgm7WL: 24
  5. سياسات عربية، العدد الواقع وتحديات نزع الطابع العسكري"، 19 (آذار/ مارس)2016، ص.54-67
  6. أسّس حركة "ماك " MAK (الاختصار الفرنسي للحركة من أجل استقلال منطقة القبائل) فرحات مهني على خلفية أحداث القبائل في عام 2001، وهي حركة تطالب بتقرير المصير في منطقة القبائل واستقلال المنطقة عن الجمهورية الجزائرية. في عام 2010، أعلنت الحركة عن تشكيل حكومة قبائلية مؤقتة في فرنسا؛ وصُنّفت ضمن قائمة المنظمات الإرهابية في قرار أصدره المجلس الأعلى للأمن في الجزائر في أيار/ مايو 2021. ينظر: "لها رئيس وحكومة وعملة وتحميها فرنسا... ما هي حركة 'الماك' التي تطالب باستقلال القبائل عن الجزائر؟"، عربي بوست، 2021/8/20، شوهد في 2022/5/10، في: https://bit.ly/37x2BOK

أداء أدوار دبلوماسية في العديد من الأزمات الدولية، وجعل منها وسيطًا مقبولً، سواء بين الدول أو داخلها، كما في الحالة المالية والتونسية والليبية، ذلك أنها في هذه الأزمات كلها، تصرّ على الأدوات السلمية والحوار خيارًا وحيدًا للوصول إلى تسوية، وعدم سعيها لإقصاء أيّ طرف والاصطفاف كلّيًا إلى جانب طرف آخر، فضلً عن وضوح أهدافها المقتصرة على الحفاظ على السلم والاستقرار؛ بما يضمن عدم انتقال التهديدات الأمنية إليها، فضلً أيضًا عن رفضها التدخل العسكري الأجنبي الذي تراه أحد أهم عوامل زعزعة الاستقرار. غير أن هذه التقاليد الدبلوماسية لم تمنع صانع القرار الجزائري من اللجوء إلى الخارج للتباحث بشأن قضايا داخلية، وهو ما تجلّ، كما أشرنا سابقًا، في زيارة وزير الخارجية الجزائري الصين وروسيا في أثناء ذروة الحراك الشعبي؛ على الأقل لطمأنة شركاء الجزائر الأساسيين في البيئة الخارجية. مخاطر عدم الاستقرار السياسي في الجزائر على الأمن الأوروبي: اتّسمت الأدوار التي قامت بها القوى الدولية والإقليمية تجاه دول الربيع العربي بتأجيج الصراع بين الفاعلين السياسيين المحلّيين، مع دعم الطرف الذي يخدم مصالحها، ونجم عن ذلك انزلاق جلّ الدول نحو العنف بدرجات متفاوتة. وكانت لهذا العنف انعكاسات على الأمن الأوروبي. وفي الحالة الجزائرية، أدركت بلدان الاتحاد الأوروبي أن أيّ مسار مماثل، وما يترتب عليه من عدم استقرار سياسي، ستكون له تداعيات كبرى على أوروبا48، عامة، وفرنسا خاصة، نظرًا إلى حجم الجالية الجزائرية الموجودة هناك. ولا تقتصر المخاطر على الجزائر وحدها، إنما تتعدّاها إلى المنطقة المغاربية عمومًا، حيث تعمل السلطة الجزائرية على الحدّ من عدم الاستقرار السياسي في المنطقة وتسوية الخلافات بين الفرقاء السياسيين في ليبيا وتونس، ورفض استعمال الأدوات العسكرية والتدخل الخارجي. من هذا المنطلق، تأخذ القوى الأوروبية هذا العامل في الحسبان، ولا تغامر بخطوة تفتح المجال واسعًا للهجرة غير الشرعية واللجوء السياسي اللذين يُعدّان أبرز الهواجس والشواغل الأمنية التي تواجهها في الأعوام الأخيرة. وفي السياق نفسه، يشير محمد حمشي إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يعمل بصورة حاسمة على التأثير في الجغرافيا-السياسية للمنطقة المغاربية، فضلً عن ميزان القوى الإقليمي الذي بقي على حاله منذ استقلال دول المنطقة، مشيرًا إلى أن الإدراك الاستراتيجي الأوروبي يميل إلى الإبقاء على الوضع القائم للمحافظة على الاستقرار السياسي-الأمني في المنطقة. فباستثناء الحالة الليبية، حافظ الاتحاد الأوروبي على موقفه القائم على اللاتدخل في كل من تونس والمغرب والجزائر49. خبرات الربيع العربي: أخفق الكثير من الدول في قراءة الحركات الاحتجاجية العربية50 عند انطلاقها في عام 2011؛ حيث توقعت أن تكون مظاهرات عابرة تستطيع أنظمة الحكم بما تمتلكه من خبرات في هذا المجال إخمادها خلال أيام أو أسابيع، لذلك سارعت إلى تأكيد دعمها لتلك الأنظمة، خاصة في حالتَي تونس ومصر. لكن الأحداث اتخذت اتجاهًا آخر تمامًا، ووضعت دبلوماسية تلك الدول في مأزق كبير؛ حيث أضحت مجبرة على تدارك مواقفها ونقلها إلى الاتجاه المعاكس تمامًا؛ لتتغير استراتيجيتها في الحالات اللاحقة؛ إذ اتسمت بالتريّث والتحفّظ حتى تستقر الأوضاع، والتدرّج في التعبير عن مواقفها، وبكل تأكيد يُرجَّح أنها لن تقع في الأخطاء نفسها؛ لذلك التزمت القوى الخارجية الصمت وأكدت دعمها للشعب الجزائري ومطالبه في التغيير.

رابعًا: الجزائر ومستقبل المسار السياسي المضطرب: فرص التحوّل من الخارج

مثّلت الاحتجاجات الشعبية ومطالبها تحديًا للسلطة، وهي التي اعتادت إدارتها تارة بالقمع، وتارة أخرى بالريع الاقتصادي51. ومع تغير موازين القوى داخل عصب النظام السياسي الجزائري لمصلحة المؤسسة العسكرية، وبالتحديد قيادة الأركان، فقد كان التحدي الحقيقي كامنًا في كيفية مأسسة السلطة السياسية والخروج من نفق الانسداد السياسي عبر الاستجابة إلى مطالب الشعب، وإطلاق عملية حوار جادة وشاملة، تؤسس لمرحلة سياسية جديدة في التاريخ السياسي للجزائر، ما عدا ذلك سيواجه النظام السياسي تداعيات

  1. 51 لطفي بومغار ونوران سيد أحمد، "الحركات الاحتجاجية في الجزائر: الحقائق (تحرير)، ص والآفاق"، في: الشوبكي 14-3133؛ عبد الناصر جابي، "الحركات الاحتجاجية في ")، تقييم حالة الجزائر (كانون الثاني/ يناير 2011، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شباط/ فبراير 2011، ص.1
  2. محمد حمشي، "الاستقرار النظمي: أيّ تأثير للتحولات الإقليمية على المغرب العربي؟ "، السياسة الدولية، ملحق تحولات استراتيجية، العدد 197 (تموز/ يوليو 2014)، ص.25
  3. عمرو الشوبكي (تحرير)، 50 الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي (مصر، المغرب، لبنان، البحرين، الجزائر، سورية، الأردن)، ط  2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)؛ ينظر أيضًا: مارك لينش [وآخرون]، شرح أسباب الانتفاضات العربية: منحى سياسي خلافي جديد في الشرق الأوسط، ترجمة هالة سنّو ومحمد عثمان خليفة عيد (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.)2016
  4. 48 حول مخاوف الاتحاد الأوروبي، ينظر: Geoff D. Porter, "Political Instability in Algeria," Contingency Planning Memorandum (Center for Preventive Action), no. 35, 7/3/2019, accessed on 10/3/2022, at: https://on.cfr.org/3FAy3Iw

داخلية وإقليمية من شأنها استدعاء العامل الخارجي. ومن بين المظاهر التي يمكن أن تكون مدخلً للتدخل الخارجي في الجزائر: البعد الهوياتي: يُعدّ البعد الهوياتي أكثر المداخل التي قد توظّفها القوى الأجنبية للتأثير في مسار الأحداث في الجزائر، وبخاصة دعم التيار البربري المتطرف الذي يدعو إلى الانفصال عن الجزائر، ولعل نشاطات حركة الماك في باريس تدخل في هذا الإطار؛ حيث ترى أطراف في النظام السياسي أن الحركة تتلقّى دعمً فرنسيًا، ومع أن الجبهة الداخلية ما زالت قوية ومتماسكة، حيث لم تنزلق المسألة الهوياتية إلى المواجهات العنيفة في الحراك الشعبي، على الرغم من محاولة بعض الأجنحة داخل السلطة توظيفها، بمحاولة تحريف مسار الحراك إلى صراع الثنائيات: عربي/ قبائلي، فإن ذلك لا يمنع من أن تكون المسألة الثقافية مدخلً من مداخل الاختراق الخارجي52. البعد السياسي: في حالة الابتعاد عن الشرعية الشعبية، وعدم إطلاق حوار شامل يفضي إلى توافق سياسي واجتماعي، فإن الوضع مرشح لتعقيدات سياسية ترهن مستقبل الدولة الجزائرية، وسيمثل ذلك فرصة للقوى الخارجية من أجل استعمال ورقة الضغط السياسي وعزل الجزائر دبلوماسيًا. الأمر الذي حاول النظام الجزائري تجنّبه من خلال الدعوة إلى الشرعية الانتخابية والدستورية. والحال أنّ الضغط السياسي إقليميًا ودوليًا قد يكون عبر تجنيد آلية الإعلام، وحتى وإن كان ذلك ضئيلً، فإنّه يبقى مدخلً من مداخل التأثير الناعم في السياسة الداخلية للجزائر. البعد الاقتصادي: لا شك في أن الوضع السياسي غير المستقر في الجزائر ينعكس على الوضعية الاقتصادية غير المريحة منذ بداية الحراك، ومع تقلّبات أسعار النفط في السوق الدولية ستحاول القوى الخارجية الضغط على الجزائر اقتصاديًا بتصنيفها بلدًا غير آمن، وتقليص استثماراتها فيها، وهي (أي الاستثمارات الخارجية) تواجه أص عقبات جمّة بسبب هشاشة البنية القانونية والعراقيل البيروقراطية وتفشّ الفساد؛ وهو ما يؤدي إلى تفاقم نفور رؤوس الأموال الأجنبية. ومع استمرار تدفّق الريع النفطي، سيكون أمام الجزائر مجالٌ للمناورة، كما حدث في احتجاجات "الزيت والسكر" في عام 2011 عبر سياسة شراء السلم الاجتماعي بزيادة الإعانات الاقتصادية وتحسين رواتب موظفي الخدمة المدنية، خصوصًا أن احتياطيات الصرف بلغت في عام 2012 53 أكثر من 200 مليار دولار54، لكن انعدام البدائل الاقتصادية سرعان ما ساهم في تأجيج الجبهة الاجتماعية الداخلية، وهو ما تهدف إليه القوى الخارجية، أي الدفع إلى الاستدانة الخارجية، ومن ثم تطبيق إجراءات المشروطية السياسية والاقتصادية. ولهذا ما يبرره؛ ففي تقرير "آفاق الاقتصاد العربي" الصادر في حول النشاط الاقتصادي في الجزائر، أُنيسان/ أبريل 2020 شيرَ إلى العديد من العوامل المؤثرة في هذا النشاط؛ من بينها ارتفاع عجز الموازنة العامّة للدولة، وكذا التحديات على صعيد الأوضاع الخارجية، إلى جانب مواصلة ارتفاع العجز في ميزان المعاملات الجارية؛ أمّا على صعيد اتجاهات أوضاع التشغيل؛ فقد انعكست الأوضاع الاقتصادية على معدّل البطالة الذي سجل انخفاضًا وصل إلى 11.4 في المئة في أيار/ مايو 2019، في مقابل 11.7 في المئة في أيلول/ سبتمبر 2019. كما أشار التقرير إلى مجموعة من التوقعات، أهمها تأثر الجزائر بتطورات أسواق النفط والغاز الدولية وبالتداعيات الناتجة من انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) والتكاليف الاقتصادية المترتبة على ذلك، ولا سيما في ظلّ حاجة الاقتصاد الجزائري إلى المزيد من الإجراءات التحفيزية والإصلاحات المحفّزة لبيئة الأع لاا والجاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية55. البعد الأمني والاستخباري: استطاعت قيادة أركان الجيش إضعاف جناحَي الرئاسة والاستخبارات من خلال الزجّ برموزهما في السجن، كما أُشيرَ إليه آنفًا، لكن مع ذلك يبقى لهما حضورٌ في مختلف مؤسسات الدولة، بما في ذلك مؤسسة الجيش، بخاصة جناح الاستخبارات الذي يدين بعض عناصره بالولاء لرئيس الجهاز السابق الجنرال توفيق الذي شغل المنصب قرابة خمسة وعشرين عامًا، وقد يمكن هؤلاء القيام بمحاولات تغيير في بنية السلطة بدعم خارجي، ولعل محاولة وزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزار، حثّ أفراد الجيش على التمرد، عيّنة ماثلة على ذلك56. أمّا في ما يخص

  1. حول المسألة الأمازيغية، ينظر: "الجزائر 2019 "...، ص.20-16
  2. هبطت الاحتياطيات المالية الإجمالية للجزائر من 194 مليار دولار في عام 2013 إلى ما يقدر بنحو 108 مليارات دولار في عام 2016، وإلى 60 مليار دولار في عام 2018، وإلى. ينظر: البنك الدولي، "أسعار النفط.. إلى أين؟"، تقرير 51 مليار دولار عام 2020 (الموجز الاقتصادي الفصلي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، العدد 7 (تموز/ يوليو)2016، ص 29. كما تقلّص الناتج المحلّ الإجمالي بنسبة بلغت 6.5 في المئة، بينما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلّ الإجمالي لتصل إلى 68 في المئة، أي بارتفاع 21 نقطة عن عام:2019. ينظر Yasmina Abouzzohour, "Breaking the Impasse on Algeria's Political and Economic Crises," Brookings, 10/6/2021, accessed on 10/3/2022, at: https://brook.gs/3w0N8Qw
  3. Michael Robbins, "The 2019 Algerian Protests," Arab Barometer: Topic Report – Algeria Protests 2019 (August 2019), p. 2.
  4. صندوق النقد العربي، تقرير آفاق الاقتصاد العربي، الإصدار الحادي عشر (نيسان / أبريل 2020)، ص 21، شوهد في 2022/3/11، في: https://bit.ly/3PfvZdx
  5. الجزائر: دعوة الجنرال خالد نزار أفراد الجيش للتمرد تثير الجدل"!، القدس العربي، 2019/8/9، شوهد في 2022/3/7، في https://bit.ly/3siQ9cy:

الجوار الإقليمي، بما في ذلك الجزائر، فيبقى مج لً للاختراق الأجنبي، بخاصة في ما يتعلق بالأزمة الليبية، وقضية الصحراء الغربية وما تشكله من معضلة مع المغرب، ولا سيما بعد إعلان الجزائر في 25 تموز/ يوليو 2021 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب عقب سحب سفيرها من الرباط57؛ على خلفية تصريح موفد المغرب في الأمم المتحدة بشأن منطقة القبائل، فضلً عن التهديدات الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي، وهو ما يتطلّب جهدًا دبلوماسيًا معتبرًا في حلحلة قضايا الجوار الإقليمي، وفي المنظور المستدام يتطلّب ريعًا سياسيًا واقتصاديًا لتقوية السياسة والجبهة الداخلية في بُعدَيها المتعلق بالشرعية السياسية وشرعية الإنجاز.

خاتمة

اعتمدت الدراسة في تحليل تأثر الجزائر، في مرحلة الحراك الشعبي، بالتدخلات الخارجية انطلاقًا من فرضية مفادها أنّ غياب التدخلات الإقليمية والدولية يرتبط أساسًا بالمستلزم الجيوسياسي والاستراتيجي، بعيدًا عن الاعتبارات القيمية والمعيارية المتعلقة بالارتباط الدولي والدعم الخارجي للانتقال الديمقراطي؛ ذلك أن القوى الخارجية في العادة تفضّ ل "الاستقرار التسلّطي" على حساب المعايير الديمقراطية58. وقد خلصت الدراسة إلى أنّ البعد الاقتصادي والأمني والاستراتيجي بقي الانشغال الأكبر في سلوك القوى الإقليمية والدولية تجاه الجزائر؛ فقد فضّ لت هذه القوى الاعتبارات الاستراتيجية على حساب المعايير، سواء قبل الحراك الشعبي في الجزائر 22(شباط/ فبراير 2019) أو خلاله. كما تتّجه سياسات هذه القوى، في ضوء محدداتها الداخلية والخارجية، صوب المزيد من الاستمرارية على حساب التغيّ، بناء على اعتبارات ومحددات براغماتية. خلصت الدراسة إلى جملة من النتائج، أبرزها: غياب الارتباط الدولي والدعم الخارجي لمسألة الديمقراطية في الجزائر، على غرار ما حدث في تجارب جنوب أوروبا وشرقها، أو في العديد من دول أميركا اللاتينية، حيث تفضّ ل القوى الخارجية استمرارية التسلّطية في الجزائر على حساب المستلزم الديمقراطي؛ غلبة الارتباطات الاقتصادية والاستراتيجية للجزائر بالقوى الخارجية الكبرى، مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة، على حساب الاعتبارات المعيارية، حيث تُعدّ الجزائر شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا رائدًا لهذه القوى؛ ما يجعلها تتجاهل دعم التغيير حفاظًا على نسق الاستمرارية الداعم مصالحها الوطنية؛ غياب الأدوار الإقليمية العربية على خلاف ما حدث في مصر وسورية والسودان، بخاصة أدوار الإمارات والسعودية، حيث تتبنى هذه القوى مواقف إقليمية تستند إلى اعتبارات داخلية، وهي الخوف من عدوى تجارب الانتقال الديمقراطي في محيطها الإقليمي، فضلً عن أهمية الجزائر الجيوستراتيجية في منطقة المتوسط؛ ساهمت الخبرة التاريخية، وكفاح الجزائر الطويل ضد الاستعمار الفرنسي في خلق حالة من الحساسية الشعبية المفرطة داخليًا تجاه العامل الخارجي، ومن ثم فإنّ البيئة الداخلية بمكوّناتها الاجتماعية والسياسية كلها كانت طاردة الحضور الخارجي، وهذا ما تجلّ في الشعارات المرفوعة من المحتجين الرافضة أيّ تدخّل خارجي؛ يتحدد سلوك الموقف الخارجي بموقع الجزائر الجيوسياسي، فمن شأن مخاطر عدم الاستقرار في الجزائر أن تخلق تحديات أمنية شديدة التعقد في منطقة المتوسط، حيث لا يريد الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، تكرار تجربة ليبيا، خصوصًا أنّ الجزائر تملك طاقة بشرية وإمكانات طاقة هائلة، وتمثّل مدخلً وبديلً استراتيجيًّا أوروبيًّا قد تدفع أوروبا بالتحديد ثمن عدم استقراره، وقد زادت هذه القيمة الاستراتيجية بعد الحرب الروسية - الأوكرانية (شباط/ فبراير 2022) في معادلة أمن الطاقة الأوروبي؛ يمكن أن يكون الخوف من عدم الاستقرار في الجزائر مطيّةً لتدخّل القوى الإقليمية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي الذي يمكن أن يستخدم العديد من الوسائل الدبلوماسية في توجيه القيادة السياسية في الجزائر، وذلك للحفاظ على التوازنات الإقليمية في المحيط الجغرافي للجزائر.

  1. ينظر: "خلفيات قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب"، 57 تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021/9/2، شوهد في 2022/3/12، في: https://bit.ly/39OANpP
  2. Benantar, "Implications du printemps arabe …".

المراجع

العربية

إبراهيم، حسنين توفيق. "الانتقال الديمقراطي: إطار نظري." تقرير، مركز الجزيرة للدراسات..2013/2/14 ديموقراطيات في خطر. ط ألفرد، ستيبان (تحرير.) 2. ترجمة أنطوان باسيل. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.2016 بشارة، عزمي. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 ________. "ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال سياسات عربية. العدد الديمقراطي." 83 (أيار/ مايو.)2019 ________. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 بن عنتر، عبد النور. "عقيدة الجزائر الأمنية: ضغوطات البيئة الإقليمية ومقتضيات المصالح الأمنية." ورقات تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات 2018/5/2. في https://bit.ly/3wAuPSn:. ________. "العامل الخارجي والانسداد السياسي في الجزائر." ورقات تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات.2019/3/21. البنك الدولي. "أسعار النفط... إلى أين؟." الموجز الاقتصادي الفصلي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. العدد 7 (تموز/ يوليو.)2016 بومدين، عربي. "العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية في الجزائر: بين حكم الواقع وتحديات نزع الطابع العسكري." سياسات عربية. العدد 19 (آذار/ مارس.)2016 ________. "الحركات الاحتجاجية في الجزائر وعسر التحوّل." سياسات عربية. العدد 25 (آذار/ مارس.)2017 ________. "الجزائر والسودان: العرض السلطوي في مواجهة زيادة أواصر. العدد الطلب الشعبي على الديمقراطية." 7 (كانون الثاني/ يناير.)2020 بيطار، سيرجيو وأبراهام لوينثال (تحرير.) تجارب التحول إلى الديمقراطية: حوارات مع القادة السياسيين. القاهرة: الشروق للنشر،.2016 الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 جابي، عبد الناصر. "الحركات الاحتجاجية في الجزائر)". تقييم حالة (كانون الثاني/ يناير 2011، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. شباط/ فبراير.2011 "الجزائر 2019: من الحراك إلى الانتخابات." تقرير، رقم 1، وحدة الدراسات السياسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. شباط/ فبراير.2019 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. "القانون رقم 16-1، مؤرخ في 26 جمادى الأولى عام 1437 الموافق ل 6 مارس، يتضمن التعديل الدستوري." الجريدة الرسمية. 2016 العدد 14 7(مارس.)2016 جوني، عاصي. نظريات الانتقال إلى الديمقراطية: إعادة نظر في براديغم التحول. رام الله: مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية،.2006 الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي. جمال باروت (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 حمشي، محمد. "الاستقرار النظمي: أيّ تأثير للتحولات الإقليمية على المغرب العربي؟." السياسة الدولية (ملحق تحولات استراتيجية.) المجلد 49، العدد 197 (تموز/ يوليو.)2014 "خلفيات قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب." تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

زولتان، باراني. كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟. ترجمة عبد الرحمن عياش. ب وررت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017 الشوبكي. عمرو (تحرير.) الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي (مصر، المغرب، لبنان، البحرين، الجزائر، سورية، الأردن). ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014 صندوق النقد العربي. تقرير آفاق الاقتصاد العربي. الإصدار الحادي عشر (نيسان/ أبريل.)2020 العلمي، فريدة. "البراغماتية: السياسة الصينية في الشرق الأوسط بعد الثورات العربية." الأستاذ الباحث للدراسات القانونية والسياسية. المجلد 2، العدد 9 (آذار/ مارس.)2018

فاسكونسيلوس، ألفارو وجيرالد ستانغ (تحرير.) الإصلاح الدستوري في الأوقات الانتقالية: تأمين شرعية مسار بناء المؤسسة الديمقراطية. ترجمة وائل السواح. بيروت/ باريس: المركز اللبناني لدراسات السياسة؛ مبادرة الإصلاح العربي،.2014 الكتبي، ابتسام [وآخرون.] الديمقراطية والتنمية الديمقراطية في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004 الكواري، علي خليفة (تحرير.) الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2005 الكواري، علي خليفة وعبد الفتاح ماضي (تحرير.) لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟ دراسة مقارنة لدول عربية مع دول أخرى. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 لاري، دايموند ومارك بلانتر (تحرير.) الديمقراطية: أبحاث مختارة. بيروت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع،.2016 لينش، مارك [وآخرون.] شرح أسباب الانتفاضات العربية: منحى سياسي خلافي جديد في الشرق الأوسط. ترجمة هالة سنّو ومحمد عثمان خليفة عيد. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.2016 نارسيس، سيرّا. الانتقال العسكري: تأملّات حول الإصلاح الديمقراطي للقوات المسلّحة. ترجمة وفيقة مهدي. ب وررت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.2016 النقيب، خلدون حسن. الدولة التسلّطية في الم قرر العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1999 ولد داداه، أحمد [وآخرون.] الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002

الأجنبية

Abouzzohour, Yasmina. "Breaking the Impasse on Algeria's Political and Economic Crises." Brookings. 10/6/2021. at: https://brook.gs/3w0N8Qw Achy, Lahcen. "The Price of Stability in Algeria." Article , Carnegie Middle East Center. April 2013. at: https://bit.ly/3srsh6J Addi, Lahouari. "Geographical Overview Maghreb: The Algerian Regime after the Arab Revolts." IEMed. Mediterranean Yearbook , 2013. Behr, Timo. "After the Revolution: The EU and the Arab Transition." Notre Europe. April 2012. at: https://bit.ly/39eBZCN Benantar, Abdennour (dir.). Europe-Maghreb: Paradoxes de la proximité. Alger: CREAD, 2010. ________. "Implications du printemps arabe sur la sécurité en Méditerranée." Cahiers de la Méditerranée. no. 89 (Décembre 2014). Bouvier, Damien. "La représentation internationale de l'union européenne, Centre Favre-Centre de Recherche en Droit Antoine Favre." Bruxelles: Université Savoie Mont Blanc, 2020 . Deych, Tatiana et al. (eds.). Africa's Growing Role in World Politics. Moscow: Institute for African Studies, 2014. McFaul, Michael. "The Fourth Wave of Democracy and Dictatorship: Noncooperative Transitions in the Postcommunist World." World Politics. vol. 54 (January 2002). Porter, Geoff D. "Political Instability in Algeria." Contingency Planning Memorandum. no. 35 (7 March 2019). Petiteville, Franck . La politique internationale de l'Union européenne. Paris: Presses de Sciences Po, 2006. Robbins, Michael. "The 2019 Algerian Protests." Arab Barometer: Topic Report–Algeria Protests 2019. (August 2019). René, Schwok & Mérand Frédéric. "L'Union européenne et la sécurité internationale: Théories et pratiques." Études internationales. vol. 41, no. 1 (2010).