القيام بالحراك في باريس: مشاهد ثورة ضد "النظام الجزائري" ***

Didier Le Saout ديديي لوساوت | ترجمة لحسن زغدار | Lahcène Zeghdar

الملخّص

لم يقتصر الحراك على التراب الجزائري فقط، بل تعداه ليشمل المهجر أيض ا، حيث شكلت التجمعات المنظمة كل يوم أحد في باريس منذ عام 2019ً للمطالبة ب "رحيل النظام" عمل ا احتجاجيا عموميا. يقترح هذا المقال، الذي هو نتيجة أولى لدراسة ميدانية جارية، تحليل ا لهذا الاحتجاج وتموقعاته بالاعتماد على مقابلات مع مختلف فواعله. ويندرج ضمن دراسة الحركات الاجتماعية في سياق الهجرة، وحجته أن المتظاهرين في حراك المهجر الباريسي يبنون أنماط ا من التنظيم تنم عن أشكال جديدة من النشاط العام. ينطلق من فرضية فحواها أن المتظاهرين لا يهتمون بإعادة إنتاج ما يجري في الجزائر، بل يبتكرون أشكال ا جديدة من النشاط العام تخص الاحتجاج في المهجر؛ ما يسمح في آن باعتراف اجتماعي - سياسي داخل الجماعة الأصلية وفي المجتمع الفرنسي. يجمع هذا العمل الاحتجاجي بين الانخراط الجماعي الرقمي في جماعات افتراضية والانخراط الفردي الذي يجعل من الفرد فاعل ا محتجً ا، ويسمح أيض ا بالتعبير الاحتجاجي من خ لاا الفن والثقافة. تلتقي كل أنماط الفعل العام، على تنوعها الكبير، في التردد في الارتباط بأيديولوجية معينة وخاصة في إنتاج هوية "مناوئة للنظام" على أساسها تُنظم المبادرات الاحتجاجية التي يحملها مواطنون جزائريون في المهجر. كلمات مفتاحية: الحراك، الحركات الاجتماعية، المهجر، فرنسا، الجزائر. The Hirak was not limited to the Algerian teritory but also extended to the diaspora, where rallies organised every Sunday since 2019 in Paris demanding the "departure of the regime" were a public act of protest. This article, which is the first result of an ongoing field study, proposes an analysis of this protest and its location based on interviews with the different actors. It falls within the field of the study of social movements in the context of immigration and assumes that the protesters of the Paris diaspora Hirak develop patterns of organisation that reflect new forms of public activity. It builds on the premise that the protesters are not interested in reproducing what happened in Algeria but rather in inventing new forms of public activity related to protest in the diaspora; this allows for socio-political recognition within the native community as well as in French society. This protest action combines digital collective engagement in virtual communities with individual engagement that turns the individual into a protester while also enabling the expression of protest through art and culture. All forms of public action, despite their great diversity, converge in their reluctance to associate themselves with a particular ideology, especially in the creation of an "anti-regime" identity on the basis of which the protest initiatives of Algerian citizens in the diaspora are organised.

Doing Hirak in Paris : The Staging of a Revolution Against the "Algerian System"

Keywords: Hirak , Social Movements, Diaspora, France, Algeria.

مقدمة

إن الانتفاضة التي تعرفها الجزائر منذ شباط/ فبراير 2019، الموجّهة ضد ترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة، والتي تحولت بسرعة إلى احتجاج يطالب "برحيل النظام"، تميزت بانتظام تجمّعات أسبوعية كبيرة. وتضاف إلى المظاهرات الشعبية التي تتشكل في كل الجزائر كل يوم جمعة، والتعبئة الطلابية المنظمة كل يوم ثلاثاء، التجمعات التي تُعقد كل يوم أحد في مختلف المدن الأجنبية. إن هذه الأحداث التي تُ دّد نطاق الاحتجاج إلى خارج الحدود الجزائرية تُنظّم خصوصًا في باريس ومرسيليا وليون وليل وستراسبورغ ومدن أخرى. والتجمعات التي تنظم في باريس، كل يوم أحد، في ساحة الجمهورية، أو في ساحة معركة ستالينغراد، هي الأكثر متابعة من المهاجرين الجزائريين في العالم. إلى جانب مبادرات نهاية كل أسبوع في الساحة منذ 17 شباط/ فبراير ومن دون انقطاع إلى اليوم، تُنظّم مبادرات أخرى، من حين إلى آخر أمام السفارة الجزائرية، في شارع لشبونة، بالدائرة الثامنة، بباريس، يقودها عدد من التنظيمات Collectifs التي تتظاهر يوم الأحد في ساحة الجمهورية. وإذا كانت هذه المبادرات لا تجمع عمومًا إلّ بعض العشرات من الأشخاص، فإن منظميها يرون فيها امتدادًا لموضوع محدد للنشاطات المنظمة في ساحة الجمهورية. ترى الحجة الرئيسة لهذه المساهمة، التي تُدرج ضمن دراسة الحركات الاجتماعية في أشكال الهجرة المعولمة، أن المتظاهرين المُعبّ ين عن رفضهم "النظام الجزائري"، المعرَّف، بحسب رأيهم، بالفاسد، لاستحواذ "مافيا سياسية - عسكرية" عليه، يبنون أنماطًا من التنظيم على شكل تنظيمات بالحضور المتزامن1 تبُرز أشك لً جديدة من النشاط العام. وبدلً من التفكير في بحث المتظاهرين عن إعادة إنتاج ما هو دائر في الجزائر، عن طريق المحاكاة، بإعطاء صورة عن تعبئة ينقلونها من البلد الأصل إلى فرنسا كأنها مرآة عاكسة، نتقدم بفرضية مفادها أن المشاركين يبتكرون أشك لً جديدة من النشاط العام، يبنون من خلالها صورة تتميز بخصائص فريدة خاصة بالانتفاضة الجزائرية في سياق الهجرة التي تصون التعبئة وتُجدّدها؛ ما يسمح في آن باعتراف اجتماعي - سياسي داخل الجماعة الأصلية وفي المجتمع الفرنسي.

اتصال افتراضي وتنظيم

نُظّم أول تجمع ضد العهدة الخامسة في 17 شباط/ فبراير في باريس في الأيام الأولى التي تلت المظاهرات الأولى ضد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والتي ظهرت محليًّا في الجزائر. ففي 16 شباط/ فبراير، خرج سكان خرَّاطة2 إلى الشارع. وفي اليوم التالي، صعد شاب في خنشلة3 إلى سطح مبنى المجلس الشعبي البلدي وأزال صورة بوتفليقة.

ملاحظة منهجية هذا المقال هو النتيجة الأولى لدراسة ميدانية أجريناها في باريس عن طريق الملاحظة المباشرة لثلاثين تجمّعًا ضد "النظام الجزائري"، في ساحة الجمهورية وساحة معركة ستالينغراد منذ شباط/ فبراير 2019، وكذلك من خلال ملاحظة مسيرات نُظمت في 03 حزيران/ يونيو 2019 بين ساحتَي الجمهورية والأمّة، وفي 15 أيلول/ سبتمبر، و 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 بين ساحة الجمهورية وساحة معركة ستالينغراد. تستند الدراسة إلى المنهج النوعي، انطلاقًا من الملاحظة المباشرة للتجمعات والمقابلات الفردية شبه الموجّهة التي أُجريت مع المشاركين في المسيرات. هُيكل العمل الميداني على مرحلتين. لاحظتُ في المرحلة الأولى بصفة عامة استثمار التنظيمات المناضلة في الساحات والتشكيلات التي برزت في الأماكن المخصصة للتجمعات. وقمتُ في مرحلة ثانية بتشكيل عيّنة استراتيجية مكوّنة من حوالى عشرين مقابلة مع رجال ونساء بنسب متساوية من كل الفئات العمرية والأوساط الاجتماعية المنوعة، منحدرين من مختلف مناطق الجزائر. سهّلت اتصالات أُقيمت مع مناضلين في جمعيات سبق أن التقيتهم، خلال دراساتي الميدانية السابقة عن الحركة الأمازيغية، إجراء هذه الدراسة الميدانية. لفهم دوافع البناءات الرمزية التي وظّفها المتظاهرون في المجال العام، أجريتُ تقاطعًا بين ملاحظاتي وخطابات المناضلين/ منشّطي النضال. غُيّ ت أسماء جميع الأشخاص المستجيبين حفاظًا على سرّية هويتهم.

  1. William Berthomiere & Marie-Antoinette Hily, "Décrire les migrations
  2. مدينة في منطقة القبائل، تقع شرق الجزائر العاصمة، وتبعد عنها حوالى 00.3 كلم
  3. internationales," Revue Européenne des Migrations Internationales , vol. 22, no. 2 (2006), pp. 67-82.
  4. 3 ثاني أكبر مدينة في منطقة الأوراس، تقع شرق الجزائر العاصمة وتبعد عنها حوالى 500 كلم. (المترجم)

مع ذلك، يكون من الخطأ اعتبار أن من شأن هذه الاحتجاجات دفع الأفراد إلى إبراز مظاهرة خاصة بفرنسا. كان تحضير التجمع الباريسي الأول سابقًا لهذه الأحداث الاحتجاجية في الجزائر. وبالتحديد، فإن صرخة السخط التي عبّ عنها شاب جزائري مقيم في باريس، مبادرًا بالدعوة في مقطع فيديو نشره في 12 شباط/ فبراير على صفحته على الفيسبوك إلى تجمع يوم الأحد 17 شباط/ فبراير في ساحة الجمهورية، هي نقطة بداية الاحتجاج. ومن سمات هذه المظاهرة بروز نشاطات على مرحلتين، بيّنهما فابيان غرانجون في دراسته عن التعبئة في وسائط التواصل الاجتماعي للويب التشاركي. في المرحلة الأولى، يساهم نشر نداء يدعو إلى التجمع في الساحة في "إنتاج التضامنات المنتقاة في سياق فردنة معبرة." وتجري التعبئة في وسائط التواصل الاجتماعي في هذه المرحلة، "على عكس المراحل السابقة المتعلقة بالسيرورة التقليدية لتكوين جماعات العمل في المجال العام التقليدي"4. لقد سمحت المبادرة التي قام بها هذا الشاب، من خلال الإعلام عن نشاطه عبر الشبكات الاجتماعية، لمجموعات أخرى بالالتحاق والانضمام إليها. وتكشف هذه المبادرة عن انخراط أفراد جرى إبلاغهم عن طريق الفيسبوك، حيث راحوا يوسعون من خلال التبادلات الشبكية مجالَ الفرص المفتوحة لانخراط مجموعات أخرى يمكن أن تنضم إلى التعبئة. المرحلة الثانية هي مرحلة "المنافذ 'الحقيقية"'5 التي بدأت بعد نشر محتويات الأخبار على الشبكة، والتي أخضعها متصفحون آخرون لتصفيةٍ وترتيب. إن الميزة اللافتة هي أن التعبئة في وسائط التواصل الاجتماعي التي تولّ ها الشاب على الشبكة مكّنت، في فترة وجيزة جدًا – ساعات فقط بعد نشر النداء – من بناء أشكال سياسية بديلة ومؤطِّرة لمحتوى الاحتجاج. فأدى نشر النداء على الشبكة في حينها إلى تجميع الموارد في المجالات الخاصة. تواصلت حليمة مباشرة6، وهي مناضلة جمعوية، هاتفيًا بعد علمها بالنداء، بمعارفها لإقناعهم بالانضمام إلى تحضير الحدث. يُخبرها شخصان في اليوم نفسه برغبتهما في الانخراط في العملية. وفي اليوم التالي، 13 شباط/ فبراير، التقى الثلاثة بصاحب المبادرة في مقهى في حي الشاتلي. زيادة على احترام الفردنة المُعبّة للشاب من المجموعة، أخذت ذلك على عاتقها جماعيًا، توضح حليمة أنه: "وبناء عليه، قمنا بوضع العريضة 'نحن ضد العهدة الخامسة'، عهدة العار. حررنا بيانًا صحافيًا. أنشأنا صفحة على الفيسبوك، وفي 15 من الشهر نفسه، كان كل شيء مُنجزًا، كان كل شيء تمامًا. وفي 16 منه، التقينا[...]أي إن كل ما له علاقة بصفحة الفيسبوك، تكفّل به أمين، ومع إلياس قمنا بتحرير البيان، الجميع شاركوا. التقينا يوم 16 شباط/ فبراير في باستي، في مقهى، وانضم إلينا شابان أو ثلاثة آخرون. صنع أحدهم اللافتات والشعار"7. فتحت التعبئة في وسائط التواصل الاجتماعي على الويب، حيث وجدت في الشبكات الاجتماعية الرقمية المتحررة من كل إطار مقيّد وسيلةً للانضمام إلى النشاط، فرصًا للنشاط لأفراد غير منظّمين، ومن دون انتساب ومترددين في الانخراط في نشاطات تشرف عليها منظمات. تنصهر هذه التعبئة داخليًا عبر الإنترنت مع الأشكال التقليدية من التعبئة المستخدمة في النشاطات الباريسية ضد العهدة الخامسة، انطلاقًا من الروابط بين أشخاص محددين ومنظمين. وبسبب تعرّضه لضغوط، قرر الشاب صاحب المبادرة بالنداء الانسحابَ. فقررت حليمة في أثر ذلك أخذ زمام الحركة: "لا يهمنا الأمر، ولسنا خائفين لأن لدينا وثائق فرنسية." وفي الأيام الموالية عّب 8000 شخص، عبر الإنترنت، عن اهتمامهم بالمبادرة، وأكد 2000 منهم حضورهم في ساحة الجمهورية8. في يوم التجمع، في 17 شباط/ فبراير، حققت المبادرة نجاحًا حقيقيًا. وبحسب المنظّمين، شارك في المبادرة أكثر من 0003 جزائري. أنشد بعضهم الأغاني الوطنية، ورفع بعضهم رايات معادية للرئيس والسلطة، في جوٍّ من الفرح. يُذكّر هذا التجمع الباريسي بآخرَ نُظّم منذ بضع سنين، في ساحة الجمهورية نفسها، لكنه كان أقل حضورًا في الذاكرة الجماعية. ففي عام 2014، أدى ترشح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رابعة إلى تنظيم مظاهرة احتجاجية في باريس، جرى التعبير فيها، بحسب الباحثة في علم الاجتماع وردة حجاب9، "بطريقة خلّقة" في الشوارع والأماكن العمومية. إن الإعلان عن هذا الترشح لشخص قُدّم رسميًا بصفته "الرئيس المنتهية عهدته"، مع أن المجتمع أدرك أنه يسعى لتولي وظيفة "رئيس مدى الحياة"، يُعبّ عن إحباطات الشعب الجزائري.

  1. Fabien Granjon, "Des mobilisations informationnelles du Web participatif aux mobilisations pour l'action dans les rues," in: Sihem Najar (dir.), Le cyberactivisme au Maghreb et dans le monde arabe (Paris/ Tunis: Editions Karthala et IRMC, 2013), pp. 245-257.
  2. Ibid.
  3. حليمة، ناشطة جمعوية منحدرة من منطقة الجنوب الجزائري.
  4. تصريحات جرى الإدلاء بها في أثناء مقابلة جماعية مع متدخلين جمعويين وعضو من حزب الاتحاد من أجل التغيير والتقدم، وهم جميعهم ناشطون في تنظيم قفي يا جزائر. مقابلة شخصية جماعية، الدائرة 11 في باريس، 2019/7/28، ما بعد الظهيرة على هامش التجمع الذي نظم في ساحة الجمهورية (المدة: ساعة و.)50 دقيقة
  5. Liberté , 18/2/2019.
  6. وردة حجاب أول باحثة في علم الاجتماع تجري دراسة ميدانية بشأن التعبئة ضد العهدة الرابعة. Warda Hadjab, "Algiers-Paris Round Trips: Diasporic Pathways of a Public Civil Dissidence," Journal of Immigrant & Refugee Studies , vol. 14, no. 3 (2016), pp. 314-333.

لكن تجمّع عام 2019 لا يبدو أقل من كونه عملً رئيسًا يشير إلى مستوى أعلى بكثير من التعبئة. وبناء على هذا النجاح، قرر بعض المنظمين تكرار العملية في الأسبوع التالي. في 24 شباط/ فبراير، تنظيم قفي يا جزائر هو الذي أخذ المبادرة. غير أن الاتصال عن طريق الإنترنت للمجموعة، سرعان ما تعرّض لردات فعل غير ودّية على أقل تقدير. وتخبرنا حليمة، وهي المبادرة إلى تأسيس هذا التنظيم الجديد، بأنهم: "فتحوا، بعد ذلك، صفحة أخرى قفي يا جزائر [...] التي يديرها جزائري من هناك في الجزائر، وهو إبن شقيق وزير سابق أو وزير حالي، ومن هنا أصبح الناس يقولون في باريس 'إنكم قفي يا جزائر تقولون أي شيء في "'10. ولمواجهة المناورات الآتية من الجزائر وللتمايز، جرى إنشاء صفحة فيسبوك باسم تنظيم قفي يا جزائر. وهي على الخصوص وسيلة لنشر العريضة ضد العهدة الخامسة. بعد تجاوز هذه الدناءات، شارك التنظيم في الأيام التالية مع عشرين مجموعة تنشط في ساحة الجمهورية في تأسيس تنظيم جديد أوسع، أخذ اسم "لنُحرر الجزائر". لم ينضم فاعلون آخرون إلى هذا الإطار، على الرغم من أن مؤسسيه قدّموه بصفته شكلً شاملً، ونظّموا أنفسهم في تنظيمات أخرى: ثورة الابتسامة، و الجزائر الجديدة، و من الرفض إلى المشروع، و العمل المواطني لأجل الجزائر ACA(.) ثمة تنظيم آخر، تنسيقية ما بين التنظيمات، يشُرف على تسييرها بعض المناضلين الذين لم يتمكنوا من الاندماج ضمن تنظيم لنُحرر الجزائر، والذين سيحاولون ضمان التنسيق معه في شكل بنية فوقية للنشاطات التي تُقام في الساحة. سينشط لمدة محدودة جدًّا، خاصة في فترة التحضير للمسيرة التي تربط في 03 حزيران/ يونيو بين ساحتَي الجمهورية والأمّة. وكما يوضح عمار11 - وهو واحد من لنُحرر الجزائر الأعضاء المؤسسين لتنظيم  - "تختار تنسيقيةُ ما بين التنظيماتِ الشعارات ومسار المظاهرة وتاريخها"12. في حين يفضل بعض الأفراد المشاركة في الاحتجاج من دون الارتباط بأي تنظيم.

بين الحركة والثورة

إذا كان الاحتجاج قد مر بمرحلتين، فهذا لا يعني السقوط في الحتمية العددية كتلك التي اتبعها بعض التحليلات المتعلقة بما يسمى "الربيع العربي"، والتي أوحت بأن التعبئة في وسائط التواصل الاجتماعي قد تكون مصدر العمل الاحتجاجي. وخلافًا للوضع السائد في الجزائر، فإن المظاهرة بصفتها أحد أشكال العمل الجماعي المفضل لدى العديد من المجموعات المتظاهرة، يمكن أن تُنظّم بسهولة في فرنسا. وتساهم التعبئة في وسائط التواصل الاجتماعي، من جانبها، في بناء أحد أشكال السخط. علاوة على ذلك، فإن مناهضة النظام، التي ترسّخت في الجزائر في 22 شباط/ فبراير مع توسعها على كامل التراب الوطني، كسرت حاجز التسلطية الجزائرية التي تحظر التظاهر، خاصة في مدينة الجزائر. ومن هنا، تأتي النشاطات الاحتجاجية في سياق الهجرة متزامنةً مع تلك التي تحدث في الجزائر، يتبع إيقاعها الانتظام نفسه. ويختلف هذا الوضع عن السياق الذي ساد في الجزائر قبل خمسة أعوام، حينما نُظم، بصعوبة، بعض المظاهرات ضد العهدة الرابعة، والتي قادها بعض المناضلين الذين كانوا عُرضة للقمع الأمني، من دون أن تبرز حركة احتجاجية واسعة في البلاد. في عام 2019، ساهمت التجمعات المُنظّمة خارج الجزائر في احتجاج البلد الأصلي. فبعد ستة شهور من انطلاقها، لم تضعف حدّة التعبئة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط. يُقدّم عمار التجمعات المُنظّمة في فرنسا، باعتبارها استمرارًا لما يحدث في الجزائر، بقوله: "لكن من ناحية أخرى، بما أن الجمعة تأتي قبل الأحد، فإن الشتات يتبع تلقائيًّا إخوانه وأخواته في الجزائر. لأن كل شيء يدور في الجزائر. نحن امتداد لهذه الثورة"13. إن هذه الاستمرارية المطروحة تستوجب أن تحترمها الفواعل في سياق المهجَر؛ لأنها تحمل دلالة سياسية. لكن، يتابع عمار، "لا نرغب في أي حال من الأحوال في فرض أشياء من الخارج. لأن الجزائريين أصبح لديهم حساسية إزاء كل ما هو آتٍ من الخارج. إذًا نحن سنحترم موقف هذه الثورة انطلاقًا من قرار الشعب داخل البلاد. ونحن سنتبع الشعارات"14. يعتبر عمار هذه الحركة "فريدة" لأن السلطة تخشاها: "إنها في حالة ميؤوسة ولا تجد مخرجًا ولا خططًا للتخلّص من هذه الثورة. لكن الأمر المؤكد أن الجزائر قبل 22 شباط/ فبراير جزائر. وجزائر 23 شباط/ فبراير هي جزائر أخرى"15. تكشف كل هذه النشاطات الاحتجاجية عن وعي بالممارسات السياسية "للنظام"، التي يعتبرها المشاركون في التظاهرات غير مقبولة. إن المفردة التي يُردّدها الأشخاص الذين حاورناهم هي مفردة "الثورة" في مقابل مفردة "الحراك." فبالنسبة إلى رشيد16 - فإن الحراك وهو عضو في شبكة مكافحة القمع - يترجم ب "الحركة:" "أعتقد أنه أكثر بكثير من مجرد حركة. بادئ ذي بدء، إنه استيعاء،

  1. مقابلة شخصية جماعية.
  2. مناضل من أجل حقوق الإنسان، عمار شخصية إعلامية معروفة، يشارك في البرامج
  3. 16 ابن موظف سام جزائري، صحافي يتنقل كثيرًا بين الجزائر وفرنسا.
  4. عمار.
  5. المرجع نفسه. 15 المرجع نفسه.
  6. الإعلامية، ولا سيما المغاربية، BRTV و فرانس 24، تفيد شهرته الحركة الاحتجاجية.
  7. 12 عمار، مقابلة شخصية، الدائرة 20 في باريس، 2019/8/20 (المدة: ساعتان و.)15 دقيقة

لأن حركة من دون استيعاء هي أمر عابر، يتحلّل مع مرور الوقت. أما الأمر هنا، فهو أن الجزائريين أدركوا أن هذا هو الوقت المناسب لإسقاط السلطة"17. بالنسبة إلى عمار من المهم عدم الوقوع في فخ السلطة الجزائرية. تشير كلمة حراك إلى "حركة صغيرة" لا تُعبّ بأي حال من الأحوال عن حقيقة الاحتجاج في الجزائر، لكن تُستعمل لتقزيم هذه "الثورة الحقيقية:" "لا أستطيع أن أُسمي حركة عندما يخرج 25-24 مليون جزائري في 48 ولاية. هذه ثورة، إنه شعب يُعبّ الحراك عن نفسه وشعب يخرج. أنا لا اعترف بكلمة "18.

ظهور ورؤية

يعتمد محيط ساحة الجمهورية على تنظيم يتّبع الإجراءات الخاصة بتجسيد حرية التظاهر في فرنسا. ويشترط القانون الفرنسي من المنظمين إيداع تصريح بالتظاهر لدى عمالة الشرطة، تُحدّد فيه ساعة بداية المظاهرة ونهايتها. يمكن أعوان الشرطة التقدم من المنظمين للتذكير باقتراب نهاية المظاهرة. غير أن "الوضع"19 في الساحة يأخذ وقتًا أطول. تبدأ التظاهرة مع نهاية الصبيحة عندما يصل أوائل المتظاهرين وينصبون منصّاتهم ويُعلّقون لافتاتهم وراياتهم والأعلام، بينما تبدأ المجموعات الأولى تتشكل من عدد قليل من الأفراد. توضع رقابة متبادلة بين الأشخاص الحاضرين. وينتهي "الوضع" مساءً عندما يُغادر الأشخاص المتأخرون الذين يتناقشون عمومًا في أفواج صغيرة، وهذا بعد ساعات من النهاية "الإدارية" للحدث الذي حدد توقيته طبقًا لما قُدّم لعمالة الشرطة20. في أيام الأحاد الأولى، بدا التجمع في باريس مكتظًا؛ لكون ساحة الجمهورية لا تكاد تحوي جميع المتظاهرين. فمن الصعب أن تسلك طريقك في هذه الأوقات. وتتضاءل الفراغات بين المشاركين، كلما اقتربنا من التمثال البرونزي لماريان الذي يتربّع بكل ثقله في وسط الساحة. تمكّن بعض المتظاهرين خلال المسيرات الأولى من الجلوس على ماريان الفرنسية والعالمية للتلويح بالأعلام الجزائرية والأمازيغية واللافتات، قبل أن تمنعهم عمالة الشرطة، وبموافقة المنظّمين لتفادي خطر السقوط. يسهم تقييم عدد المشاركين في حد ذاته في بناء توازن القوى القائم مع السلطة بصفتها خصمً محددًا. يقدم عمار تقديرًا دقيقًا للمشاركة: "نجحنا في تعبئة أكثر من ثلاثين ألفًا." ويُخبرنا في هذه المناسبة بأن منظمي التجمع أرسلوا دعوة إلى مسؤول نقابي فرنسي من الكونفدرالية العامة للشغل لحضور واحد من أوائل التجمعات: "قال إن لساحة الجمهورية قدرةَ استيعاب 00003 متظاهر. لكن بعد حين ما عادت الساحة تحتمل عددًا أكبر من الحضور، بسبب تدفّق المتظاهرين الذي تجاوز الساحة إلى حد أدى إلى توقف حركة المرور. لا، التجمع السادس أو السابع. على الإطلاق، ليس في الأوائل. بقينا على النهج نفسه في 10 و 12. في أسوأ الأحوال ثمة 8000 شخص. فيما بعد، يأتي الناس، لكن ليس في الوقت نفسه. ثمة من يأتي بعد الظهر، ثم يغادر بعد الزوال. لكن ثمة على الأقل 10000 من الجزائريين والجزائريات يأتون كل يوم أحد إلى ساحة الجمهورية. لم ينخفض عددهم، ولم يتوقف بما في ذلك خلال شهر آب/ أغسطس هذا"21. ابتداءً من نيسان/ أبريل وأيار/ مايو، أصبح التنقل أسهل لمن أراد أن يتجوّل في الساحة. ومن ثمّ أصبحت الساحة مج لً لاحتلال منظم. وتتنوع البناءات الرمزية. ويصبح كل يوم أحد مناسبة لحضور نشاطات أكثر تنوّعًا. تقدم أنماط النشاط الشخصي والجماعي أداءً في سياق الاحتجاج، يُبنى من خلاله مخيال ديمقراطي يوسّع حقل السياسي ليتفرع إلى أنماط فنية – ولا سيما بالغناء والرسم الزيتي والنحت – والفكاهة والتراجيديا. لا تشكل ساحة الجمهورية مسرحًا واحدًا فحسب، بل عددًا من المسارح تتدرب عليها فواعل تؤدي أدوارًا تمثيلية للثورة. ويمكن أن تأخذ هذه المشاهد شكل نشاطات ترسم الحدود بين الممثلين والجمهور، وتُبعث – كعروض مسرحية في الشارع – في ألف زاوية وزاوية في ساحة الجمهورية، متناغمة مع النشاطات الأخرى التي تتخلل فترة ما بعد الظهيرة. ويتميز معظم هذه النشاطات من تلك التي تقوم بها الجمعيات والأحزاب والتشكيلات الناشطة حول أهداف ومصالح وهويات مشتركة، يجري التعبير عنها في غالب الأحيان في الأغورات  Agoras 22. في شكل خطاب سياسي.

  1. رشيد، مقابلة شخصية، الدائرة 10 في باريس، 2019/8/10 (المدة: 51 دقيقة.)
  2. عمار.
  3. Erving Goffman, Comment se conduire dans les lieux publics, Notes sur l'organisation sociale des rassemblements , Collection Etudes sociologiques (Traduction de: Behavior in Public Places: Notes on the Social Organization of Gatherings , New York: The Free Press, 1963) (Paris: Economica, 2013).
  4. بشأن هذه النقطة، ينظر: Hadjab التي تُبيّ بطريقة مميزة، بشأن التجمعات ضد العهدة الرابعة في باريس في عام 2014، تنقلات المشاركين بين المشهد المركزي وفضاءات خارج المشهدScènes-off. في عام 2019، يسمح وضع ساحة الجمهورية وساحة معركة ستالينغراد بمثل هذه التنقلات، لكن على خلاف تجمعات عام 2014، تبقي التنظيمات على
  5. عمار. 22 أغورا Agora كلمة يونانية تعني مكان جمعية المواطنين، ولاحقًا الساحة العامة، ويقصد بها أيضًا مكان التجمع. أطلقت على المساحات العامة المركزية التي كانت مركز الحياة الإدارية والتجارية والدينية في المدن اليونانية، وكانت أغورا أثينا أشهرها. وتطلق في وقتنا الحاضر عمومًا على مراكز تقام فيها مختلف النشاطات في المدن. (المترجم)
  6. الفصل بين ثلاثة مسارح مركزية متميزة، يدير كلَ واحد منها تنظيمٌ، وفيها تُلقى خطب وشعارات. أما التجمعات التي تُعقد قبل بداية التجمع وبعد نهايته، طبقًا للمواقيت المصرح بها لعمالة الشرطة من المنظمين، فتنبثق منها تجمعات على شكل مجموعات صغيرة من عشرات الأشخاص، تبرز بداخلها نقاشات سياسية متحررة من القواعد التي أقرّتها اللجان.

يمكن توصيف كل هذه النشاطات التي تُقام في الساحة ب "الانتشار" و"الظهور" و"الإع ناا" أو "الاستعراض"، باستعارة المفردات التي استعملها إيف ونكين23 لتجاوز صعوبة ترجمة مفهوم Display بالفرنسية الذي استعمله إرفنغ غوفمان في بحثه السوسيولوجي. باستعارة علماء السلوك هذا المفهوم الذي يستخدمونه على نطاق واسع، في كل حالة، يبين غوفمان، على هذا النحو، سلوك الفواعل التي تبلغ بعضها بعضًا عن هويتها الاجتماعية التي تحييها طقسيًا. يمكننا أن نفهم، من خلال عروض الفواعل في ساحة الجمهورية، كأنها منخرطة في لعبة استعراضية، تعرّف بأنها أساليب سلوكية تتحدد فيها وحدة الأمّة. ولاختتام المناقشات، يردد المنظمون وجمهور الأغورا النشيد الوطني الجزائري. يمكن أن يلتحق آخرون بالطقوس التي يمارسها بانتظام تنظيم الجزائر الجديدة بالتجمهر في وسط الساحة حول علم جزائري كبير، يمكن أن يمسكه كل واحد بيديه من حوافه ثم يجعله يهتز؛ فيُحدث لدى المشاركين لحظات من الابتهاج تُعبر عن الانتماء إلى الجزائر وجعل العالم أجمع يعلم أنه إذا كان الاستقلال قد جرت مصادرته في عام 1962، فإنه سيُسترجَع بوساطة الانتفاضة الثورية في عام.2019 إضافة إلى هذه المعارض المتحركة، يمكن أن يتخذ المعرض في ساحة الجمهورية شكلً ثابتًا، بحسب ترتيب منظم يتجاوز التنافس بين ا لمجموعات. ينصُب كل واحد من التنظيمات منصة على حافة مساحة مفتوحة على الواجهة الأمامية، تسمح بإلقاء خطب من دون أي شكلية. بالنسبة إلى رشيد - وهو عضو ناشط في مجموعة مناهضة القمع - إذا كانت إقامة المجموعة التي ينتمي إليها لمنصة أمرًا شرعيًا، نظرًا إلى تخصص الهدف المنشود، فالأمر غير ذلك بالنسبة إلى التنظيمات الأخرى. فمن وجهة نظره، لا يُعبّ تعدّد المساحات المحتلة عن تنظيم، بقدر ما يُعبّ عن انقسام بين المتظاهرين: "أنا اعتقد أن ساحة الجمهورية، [فضاء] انقسم على نفسه. لأنني قدمت في الأمس مث ل24 عن ميدان التحرير في مصر، الذي يمثل ربما عشرة أضعاف ساحة الجمهورية. كان ثمة منبر واحد. وهو ما يعني أن تنظيم المصريين كان هائلً. كان إحساسهم السياسي متطورًا ووجهتهم محددة على نحوٍ جيد. الهدف بَِّيِّ حتى وإن كان بعيدًا، أو حتى أبعد"25. إن تلك المركزية التي جرت ملاحظتها في القاهرة هي عكس أشكال التجمع في ساحة الجمهورية في باريس. يصف رشيد بشيء من الحسرة وجود "العديد من المنصّات والعديد من المنابر وصراخ من جميع الجوانب، إسلاميون من جهة "[...]26. لكن بالنسبة إلى عمار، فإن المساحات التي يتميز بعضها من بعض، تترجم بالعكس تنوّع الحركة: "عندما نكون في ساحة الجمهورية، كل واحد يُدير أغوراه ويُدير فضاءه. يجب قول الحقيقة، إنها على شاكلة صورة الجزائر"27. إن تمثلات مشهد موحد، أو منبر مركزي، محظورة حقيقة في السيناريو الاحتجاجي في ساحة الجمهورية. إن المشاهد هي بنايات متخيلة. لقد أدركنا، ونحن نشاهد تنصيب المنصات في يوم أحد عند منتصف النهار في تجمع حاشد جرت الدعوة إليه أربع ساعات قبل ذلك، أن الفضاء المرتفع ببعض أمتار مربعة في وسط الساحة الذي يستعمله تنظيم لنُحرر الجزائر هو في الواقع طنْف يسمح للمتزلجين بالارتفاع فوق الأرض لمحاولة أداء بعض العروض البهلوانية. غير أن هذا الفضاء حُوِّل عن وظيفته واحتله أعضاء هذا التنظيم، ووُضع تحت تصرف الخطباء لتمكينهم من إلقاء خطبهم التي لم تكن أقل بهلوانية بالنسبة إلى البعض. يصف عمار الساحة كأنها مجال منظم ابتداء من 24 شباط/ فبراير، أي ابتداء من التجمع الثاني بقوله: "في المكان نفسه، وسّعنا النواة، وفي يوم الأحد التالي كان التنظيم محكمً، ويوجد مكبر صوت وشاحنة، تنظيم حقيقي، وأخذ الكلمة منظم. أخذت الكلمة"28. لقد جرى الانتقال بالتدرّج من تجمع ضخم عفوي إلى تجمع منظم. أُنجز كل ذلك في عدة شهور، واكتمل مع تقسيم الفضاء. تقيم المجموعات منصّاتها التي تكون عادة في شكل خيم أو "بارنوم" - كما تسميها نورة29، وهي مناضلة تنتمي إلى تنظيم لنُحرر الجزائر -  متكوّنة من مظلات مثبّتة على أطر، تُقدّم منظر خيام مفتوحة في جميع الاتجاهات30. تفتقر هذه المنصّات إلى الموارد التي يعتمد عليها النشاط النضالي، مثل الكتب والمناشير أو الإبداعات الفنية الأخرى، وتستخدم المنصّات أثاثًا بسيطًا، يتكوّن من مقاعد وطاولة يمكن أن توضع عليها حلويات تُباع لتمويل التنظيمات، وهي عمومًا نقاط التقاء المناضلين القادمين لشرب الشاي أو القهوة وتبادل أطراف الحديث فيما بينهم أو مع الجمهور

  1. Yves Winkin, "Goffman et les femmes," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 83 (Juin 1990), pp. 57-61.
  2. تحليل عرضه رشيد في عمود جرى تقديمه في برنامج إذاعي على الويب.
  3. رشيد، مقابلة شخصية، الدائرة 10 في باريس،.2019/8/19
  4. المرجع نفسه.
  5. عمار.
  6. المرجع نفسه.
  7. وُلدت نورة في منطقة القبائل، وحصلت على شهادة في التعليم، لتصبح مدرّسة. غادرت الجزائر بعد الانتفاضة المواطنية في عام.2001
  8. خيام صغيرة تقارنها نورة بُسُادِق السيرك الصغيرة، ومن هنا جاء اسمها " Barnums" التي أطلقتها عليها.

الذي يسعون للاحتفاظ به. تجاور الخيام المساحات المفتوحة التي تُلقى فيها الخُطَب. تنبهنا نورة إلى التغيير الذي طرأ على هيئة الساحة، بقولها: "في البداية، لم تكن ثمة سُادِقات وخيام والآن نراها. يبدو لي في البداية كان ثمة مكبر صوت واحد. يغنون سويًّا النشيد الوطني وأغاني بالقبائلية أو الفرنسية، أما الآن، فأصبحت الساحة أ غورات، أي كان الأفراد يتدخلون في المسائل بكل حرية في البداية، أما الآن فخُصصت التدخلات مسبقًا للأفراد الذين ينتمون إلى الجمعيات، في هذه الحالة تنظيم لنُحرر الجزائر، ويمكن أن يتدخل الجمهور في المسائل التي يراها مهمة. لقد تحوّلت الساحة اليوم إلى تجمعات. فما عاد الأمر كما كان عليه في البداية"31. "الأغورا"، لاستخدام المفردات التي يستعملها المنظمون، مجال للمناقشة تُدار فيه مداخلات المشاركين التي يجب أن تُجسّد الطابع الديمقراطي للحركة. إن أخذ الكلمة يتطلّب اتّباع قواعد. للدخول إلى الأغورات التابعة لتنظيمات ثورة الابتسامة الجماعية - من الرفض إلى المشروع، و الجزائر الجديدة، يتسلم من يريد أخذ الكلمة تذكرة من المنظمين برقم للولوج إلى أغورا تنظيم لنُحرر الجزائر، يتعيّ على الجمهور التسجيل في قائمة. كتب كذلك تنظيم الجزائر الجديدة على يافطة قواعد السلوك المطلوب، وُضعت أمام الفضاء الذي يُوزّع فيه مكبر الصوت. وعلى المتدخلين احترام تلك القواعد. يمكن أن يتدخل مُرشح أخذ الكلمة قبل الوقت المحدد لتراجع المُرشحين الآخرين المسجلين، أو لغيابهم عند مناداة "المنشط" الذي عيّنته مجموعة منظمي هذه اللجان على الأرقام. من جهة أخرى، يمكن أن يتأخر تدخل المرشح في الأغورا؛ لأن من سبقه غير مستعد للتخلي عن الميكروفون. ويضاعف هؤلاء الأفراد الذين لا يحترمون الوقت المخصص لهم الوقت الذي مُنح لهم في البداية مرتين وحتى ثلاث مرات. فيصبح حينها المنظمون أكثر إلحاحًا إلى الحدّ الذي تبدو فيه القواعد التي تنظم التظاهرة شبيهة بالسباق مع الزمن. فهم واعون بأنه يستحيل تجاوز التوقيت المصُرّح به لعمالة الشرطة. إن القواعد أكثر دقة في تنظيم لنُحرر الجزائر. قُسم المتدخلون فئتين: فمن جهة أعضاء المجموعات المنظمة التي تشكل التنظيم، ومن جهة أخرى الجمهور. توضح نورة الإجراءات المُتّبعة للتدخل: "بالنسبة إلى أعضاء الجمعيات هذه، ثمة مواضيع محددة، دقيقة جرى بصددها اختيار المتدخلين والمسجلين مسبقًا في اليوم نفسه، لكن قبل بداية النقاشات الرسمية. تتطور المواضيع بتطور الوضع في الجزائر، أو بتطور السيرورة الثورية"32. على المتدخلين أن يكونوا بيداغوجيين في شرح رهانات المرحلة الانتقالية مثلً، أو فكرة الفراغ الدستوري: "إذًا ثمة مسايرة حقيقية للحالة الذهنية للشعب[...]ما تساؤلات الشعب؟ كيف يمكن الإتيان بأجوبة من شأنها أن توضح أو حتى تخفف من الرهاب؟"33. أما الجمهور، فيتكوّن من أشخاص يأتون تلقائيًا، ولا يتدخلون باسم تنظيم أو جمعية، تواصل نورة: "لما يسجلون، يتدخلون في موضوع يختارونه بحرية. لا يُفرض أي موضوع من الجمعيات التي تؤطر هذه النقاشات"، ومن ثمّ ما عاد دور الجمهور المحدد على هذا النحو سلبيًا، بل يُصبح نوعًا من "الجمهور المتدخل." كما هو شأن "حركات الساحة العمومية" في عام 2011، "تحيي هذه الحركات التعددية في التجمع، ولا تبحث عن تجاوز الاختلافات عبر هوية فوقية supra-identité أيديولوجية أو جماعية"34. يمكن ترك الأطر الأيديولوجية في كواليس التمثيل، أو اختزالها إلى جزء ضئيل في عمل تشكيل وحدة احتجاجية: "فمع كل اختلافاتنا، بدلً من أن نجعل منها مشكلة انقسام في هذه التعددية، جعلنا منها ثروة، يقول لنا عمار، ثروة أول مرة. ولذا أقول إنه من الاستثنائي أن نرى [...] في المنصة نفسها إسلاميًا[...]أنا انتقدني أصدقاء لي شاهدوني وأنا أتكلم بجانب لعربي زيتوت"35. بالطريقة نفسها، يبُرز زاهر36 الانفتاح الذي يُ يز تنظيم الجزائر الجديدة، وهو أحد منظميه، بقوله: "نحن إدماجيون، نحن إذًا منفتحون على الجميع، مع احترام بعض القواعد"37. من وجهة نظره، للخطابات الإسلاموية، بهذا المعنى، كل مكانها في أغورا الجزائر الجديدة إذا احترموا "قاعدة" احترام الوحدة الوطنية التي وُضعت أساسًا لعمل التنظيم، على عكس أفكار الحركة من أجل تقرير المصير لمنطقة القبائل "ماك " MAK() والتي لا يمكن قبولها لأنها محمولة من مناضلين لا يعتبرون أنفسهم جزائريين38. غير أن خطاب الإسلاميين ليس بالضرورة مرحّبًا به في كل الساحة؛ إذ يرفض منظمو ثورة الابتسامة الجماعية – من الرفض إلى المشروع من جهتهم أي تعبير للفكر الإسلاموي في أغوراتهم. وعندما تبرز هذه

  1. 38 يطالب "ماك" حاليًا باستقلال منطقة القبائل. غالبًا ما يثير مجيء بضع عشرات من ناشطي الحركة إلى بعض التجمعات في الساحة مشاجرات مع مشاركين لا يقبلون حضورهم.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. Nilüfer Gôle, "Démocratie de la place publique: L'anatomie du mouvement Gezi," Socio , no. 3 (2014), pp. 351-365.
  5. عمار.
  6. ينحدر من بومرداس، ناشط سابق في حزب سياسي في الجزائر. بعد استكمال دراسته في الجزائر العاصمة، جاء إلى فرنسا في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، يعمل حاليًا في قطاع التكوين المهني في إيل دو فرانس.
  7. زاهر، مقابلة شخصية، ساحة الجمهورية في باريس، 2019/7/17 (المدة:.)26 دقيقة
  8. 31 نورة، مقابلة شخصية، الدائرة 18 في باريس، 2019/7/18 (المدة: 3 ساعات و 17 دقيقة.)

الأفكار في كلمة خطيب، يُحلّ النزاع بإقصائه من الأغورا. فيحتج حينها هذا الأخير في جو من الغوغاء. ويضطر المنشطون حينها إلى التدخل لاحتواء المشاجرات. لكن إذا كان نقاش الأفكار الأك رر انفتاحًا، فلا يجري في إطار التنظيمات، وإذا كانت الهويات مقيدة، فإن هذا ليس الأهم؛ إن الرهان في الساحة العمومية يكمن قبل كل شيء في الأدائية في الوقت الحاضر، وتؤدي الأيديولوجيات والانخراط في التنظيمات السياسية دورًا ثانويًا. إن غياب الهوية الأيديولوجية الفوقية، الذي يلاحظ من مراقبة المسيرات في الميدان، يبدو أكثر وضوحًا. فما جعل التجمع الأوسع ممكنًا، هو اتخاذ تدابير تجاوزت البرامج السياسية39. لقد أدركت السلطة الجزائرية نفسها أن عملها ينبغي ألّ يتبع نهجًا أيديولوجيًا، وما عاد في إمكانه ذلك. فهي تسعى في ساحة الجمهورية لإبراز خطاب قد يُنسي الأيديولوجيا التي ارتبط بها، والتي انتقدها الجزائريون ووصموها بأنها غير ديمقراطية. كمواطن بسيط، يمشي رجل في الساحة ساعيًا لاستفزاز تجمّع ولو لعدد محدود من الأشخاص، ولو لبضع دقائق: "أتعرفون أنني تنقّلت إلى القنصلية في المدة الأخيرة. الموظفون غيّ وا سلوكهم. هم حاليًا يستمعون إلينا"40. من خلال إنتاج خطاب بسيط، تسعى الأيديولوجيا الكامنة لدى النظام التسلّطي لمواجهة مسارات الاحتجاج السياسي من الأسفل. هكذا يُدرج الاحتجاج في سياق الحركات من دون زعامة ولا هرمية ولا أيديولوجيا مشتركة، إلّ أن لديها هوية خاصة41. والخطباء، سواء كانوا أعضاء في تنظيم أم غير أعضاء، يتنقلون من أغورا إلى أخرى لتكرار الخطاب نفسه عمومًا. وبلهجة الافتخار بالإنجاز الذي تحقق، يفصح لي كريم، وهو عضو في تنظيم في نهاية التجمع42: "ألقيت خمسة خطابات اليوم"43. إن الفاعلية بالنظر إلى عدد التدخلات ليست بالضرورة الشرط المحدد لأداء الفاعلين في الساحة. فهي لا تؤدي بأي حال من الأحوال إلى بروز متحدث رسمي أو قيادات.

الإحباطات هنا وهناك

يهدف الاحتجاج في الساحة العمومية إلى الرد على سياسة الدولة الجزائرية تجاه رعاياها، وفي هذا السياق، يقول عمار44: "فعلت السلطة كل شيء للتأنيب. علاوة على ذلك، أُقصي جزائريو الشتات دستوريًا." زد على ذلك "ليس لهم الحق في الترشح للانتخابات الرئاسية، ولا لتولّ منصب وزاري. ألا تلاحظون ذلك؟ أتدركون ذلك؟ أتعرفون كم هو ثمن تذكرة الطائرة هذا العام؟ 850 يورو." يشعر عمار بأن ارتفاع أسعار شركة الطيران الوطنية يدفع بالمهاجر إلى فئة غير المرغوب فيهم، "فهي، بالنسبة إلى عمار، طريقة لمنع الشتات ومعاقبته بسبب تعبئته ومساندته. السلطة خائنة. هم مجرمون ومارقون، فهم لا يسامحون ويراقبون كل شيء"46. إن الدولة الفرنسية هي أيضًا مُدانة من المتظاهرين في ساحة الجمهورية، لأنها حُددت باعتبارها السند الدولي الأساسي ل "النظام الجزائري." وبناء عليه، ويوضح عمار أن التجمهر في فرنسا يعني توجيه رسالة إلى فرنسا: "ليست لدينا استقلالية إزاء السلطة الفرنسية. تناور السلطة الفرنسية دائمًا خلف كل ما يحدث." ويشير عمار أيضًا إلى أن وسائل الإعلام الفرنسية تولي التظاهرات التي تجري في هونغ كونغ اهتمامًا كبيرًا، لكنها "لا ترى أن ثمة 24 مليون جزائري" في الشارع. إن يعبر هذا التركيز الإعلامي المهيمن، فعن "تواطؤ السلطة الفرنسية مع المافيا السياسية - المالية الجزائرية"47. يغلب الضيق من التجاهل وغياب التقدير من الدولة الفرنسية التي تدّعي، كما يُذكِّر عمار، أنها في مقدمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم، ويضاف إليه الاحتقار الذي تمارسه السلطة الجزائرية. يعني القدوم إلى ساحة الجمهورية الرغبة في محاربة التمييز في كلا المجتمعين. وتمثّل الساحة الفضاء العابر للسياسة الذي يوحّد فرنسا والجزائر ويلخص الوضعية ما بعد الاستعمارية48. تعرب نورة في هذا الصدد عن كل آلام مسارها، بقولها: "لدينا إحساس بأننا نفايات المجتمعيَن. نحن غير مرغوب فينا[...]من ضفتَي البحر الأبيض المتوسط." وتضيف: "بمجرد أن نقول إننا جزائريون نقابل بالوصم لوجود صور نمطية عنا، بأننا عنيفون وفخورون. حتى على المستوى المهني نوضع في حالة غير مواتية، ونتعرض للتمييز على المستوى المهني في فرنسا."

  1. Farhad Khosrokhavar, The New Arab Revolutions that Shook the World (Boulder/ London: Paradigm Publishers, 2012).
  2. جرت هذه الملاحظة في ساحة الجمهورية في باريس،.2019/8/25
  3. Hadjab.
  4. مولود في تيزي وزو، ينحدر من عائلة فلاحية لا تملك أرضًا. بعد الانخراط في انتفاضة
  5. مدوّنة شخصية خلال محادثة مع كريم في نهاية خطبه العامة، باريس، ساحة الجمهورية،.2019/8/4
  6. يعتبر عمار نفسه مواطنًا من الدرجة الثانية، ويخبرنا بأن ليس له الحق في تولي المسؤوليات الإدارية في الجزائر لأنه مزدوج الجنسية فرنسي - جزائري وأنه ليس محليًا. 45 عمار. 46 المرجع نفسه.
  7. القبائل في عام 2001، غادر الجزائر ليستقر في فرنسا.
  8. Paul Silvertein, Algeria in France: Transpolitics, Race, and Nation (Bloomington: Indiana University Press, 2004).

تعني المشاركة في "الثورة" إذًا استعادة الكرامة: "شخصيًا، عشت هذا كسعادة كبرى عندما أشاهد أن الجزائر تردد الشعارات نفسها. لأنه في كل مرة ثمة شبهة الانفصالية، وهنا ترى أننا نطمح إلى الشيء نفسه، وهو أن تنبعث الجزائر وتستعيد كرامتها. إنّ الجزائري يرفع رأسه." وتختم: "وبناء عليه، 22 شباط/ فبراير و 24 من بعده هما حقيقة بداية التحرر واستعادة الكرامة. نُخرج أجسادنا من الماء قليل "49. اتضح أن التجمع الأسبوعي في ساحة الجمهورية هو وسيلة تسمح لكل واحد من المشاركين بالحصول على تقدير للذات. كما هو الشأن في الجزائر، يُفسّ استمرار الاحتجاج في باريس ومدن أخرى في فرنسا بالوسيلة التي يمنحها لكل واحد من المشاركين للالتقاء في فضاءات أُلفة غير ساكنة. وتسمح الساحة العمومية للمواطنين بأن يظهروا ويضعوا سيناريوهات بوساطة نصوص جديدة بغية إنشاء روابط اجتماعية50. يمكن بعض منشطي التنظيمات في الساحة، الذين بدؤوا مسارًا سياسيًا أو جمعويًا، إعادة ربط علاقات مع أشخاص لم يروهم منذ أن كانوا ينشطون على التراب الجزائري. إن هؤلاء المناضلين الذين يعرف بعضهم بعضًا، والذين ينتسبون إلى منظمات في الجزائر، استعادوا كل الاعتبار الذي حصلوا عليه في الماضي من خلال انخراطهم في الشأن العام. أبعد من ذلك، فكل المشاركين في التجمع، سواء كانوا ينشطون في مجموعات أم لا، يشاركون في المبادرات في الساحة أم لا، هم الذين يعيدون بناء تخيلّات الأحياء (الحومة) والقرويين: تقول لنا زينب51: "إن ساحة الجمهورية هي ساحة القرية"52. وتسمح الاتصالات التي تنشأ في أثناء الاحتجاج للبعض ببناء روابط عاطفية تؤدي إلى الزواج، بينما هي لدى آخرين وسيلة لاستعادة الكرامة المفقودة، يقول لنا رجل في الستينيات من العمر، متأثرًا: "لقد عثرت للتو على زميل لي في الدراسة في الطور الإعدادي في الجزائر العاصمة، ما كنت قد رأيته مجددًا قط"53. من الصعب تنميط المشاركين في التجمعات الباريسية؛ لأن الاحتجاج محمول من كثيرين. نلتقي فيها بجزائريات وجزائريين من جميع الأطياف السياسية، من يسار، ويم، نن وإسلاميين، وملحدين، وعلمانيين، وتقدميين، وحداثيين، وقوميين. والحساسيات السياسية الوحيدة التي لا يفسح لها المجال هي تلك الموالية لأحزاب النظام، التي يمكن أن يُعبّ عنها خصوصًا في حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. يجعل هذا التنوع وحرية التعبير عن تفضيلاته السياسية الاحتجاجَ جملة من ممارسات محمية من كل إطار أيديولوجي. تظاهر بعض الشخصيات كممثل لحزب سياسي، كالجيل الجديد والاتحاد من أجل التغيير والتطور وجبهة القوى الاشتراكية. بعد اعتقال وسجن لويزة حنون، الأمينة العامة لحزب العمال، في 9 أيار/ مايو 2019، ظهرت منصة أقامها ناشطو الحزب، ثم اختفت بعد بضعة أسابيع54. إن التنوع هو السائد كذلك، إذا أخذنا في الاعتبار الطبقات الاجتماعية. لا يسكن ساحة الجمهورية يوم الأحد مضطهدون خرجوا مباشرة من البروليتاريا الرثة lumpen. وسواء تمتع المشاركون بتصريح بالإقامة أم لا، عمالً أم عاطلين من العمل، فإن كل المهن ممثلة، إطارات في الشركات الخاصة الكبرى، إطارات في الإدارة العليا الجزائرية والفرنسية، فنانون، أطباء، صحافيون، مدرّسون، أخصائيون اجتماعيون، أصحاب مطاعم، موظفون، عمال وأصحاب مهن أخرى؛ ما يعني أن الجمهور ينتمي إلى كل قطاعات المجتمع الجزائري والفرنسي الذي يتظاهر علانية للمطالبة بالكرامة والعدالة. قوية بتنوعها هذا، لا تحشد الانتفاضة الثورية التي يطمح إليها الجميع الإخفاقات ولا الغضب بغية إحداث الفوضى والاضطرابات العامة. ويتغذى النشاط العام الاحتجاجي من هذه القوة الجماعية ليفرض سلميًا مقاومة. إن الفضاء الاجتماعي "للحضور المتزامن" Co- présence55 في فرنسا وفي الجزائر، الذي يكون فيه المهاجر حاضرًا هنا وهناك، هو أكثر اتساعًا بحكم ما يسمح به الرابط الافتراضي56، ويُعاد تحديده ويجد تعبيرًا له في روابط اجتماعية من خلال الاحتجاج الاجتماعي الجاري في الجزائر وفي فرنسا. يُعيد الاحتجاج وضع كل المشاركين في التجمعات في فرنسا في قلب السياسة الجزائرية. فيصبح "هناك" و"هنا" فضاءٌ رمزي واحد وحَّدَهُ النشاط العام الاحتجاجي.

خاتمة

لم يهتم تساؤلنا في البداية بأسباب العمل الاحتجاجي في سياق الهجرة أو معرفة الدوافع للهجرة ونزوعها إلى تأجيج أعمال التنديد، بقدر ما يهمه فهم النشاط العام الاحتجاجي الموجّه ضد "النظام الجزائري."

  1. نورة، مقابلة شخصية، الدائرة 18 في باريس،.2019/7/19
  2. Gôle.
  3. ولدت زينب في الجزائر وانتقلت إلى فرنسا وهي في الثانية من عمرها. تحدثت الفرنسية مع دخولها للتحضيري والقبائلية في المنزل. هاجر والدها إلى فرنسا في سن 15 عامًا، وهو تاجر. تشتغل زينب في القطاع الاجتماعي.-التربوي
  4. زينب، مقابلة شخصية، الدائرة 11 في باريس، 2019/7/17 (المدة: ساعة و.)51 دقيقة
  5. تبادل شخصي. ملاحظات أخذت في ساحة معركة ستالينغراد في باريس،.2019/9/8
  6. لإعطاء صخب إعلامي أكثر، نُظم تجمعان في 20 حزيران/ يونيو و 26 أيلول/ سبتمبر 2019 أمام السفارة الجزائرية في باريس للتنديد باعتقال لويزة حنون ثم إدانتها.
  7. يشير "الحضور المتزامن" هنا إلى حضور في مكانيين مختلفين في الوقت نفسه. بمعنى بتظاهره في فرنسا يحتج الشخص أيضًا في الجزائر. (المترجم)
  8. Dana Diminescu, "Les migrations à l'âge des nouvelles technologies," hommes & migrations, no. 1240 (2002), pp. 6-9.

إن ملاحظتنا على العديد من المبادرات البارزة التي عزفت وجرت تأديتها في ساحة الجمهورية في باريس، واستماعنا إلى الفواعل التي تؤدي الأدوار الأولى لإدراك المعنى الذي تعطيه لمشاركتها، بيّنت لنا أن هذه الأشكال من الانخراط تلتقي في تنوّعها في إنتاج هوية "مناوئة للنظام"، وهي غنية بالترميزات Symbolisations. وتُعزّز التخيلّاتُ الاجتماعية، العالقة في الذاكرة الجماعية، المنتجة في ساحة الجمهورية من خلال أدائها، الانخراطَ الفردي والجماعي. ثمة ما يدفع إلى الاعتقاد، بغض النظر عن الوضعية الاجتماعية للمحتجين وتنوّع المناطق الجغرافية التي يتحدّرون منها وهوياتهم المُعبّ عنها، بأن عددًا من مميزات النشاط الجماعي الاحتجاجي في سياق الهجرة هي كذلك موجودة في الجزائر. وإذا كانت الاستراتيجية التي تهدف إلى ضمان تجديد النظام السياسي في إدارة أعمال الشغب التي اندلعت في عام 1988 في المدن الجزائرية500 هي التي يبحث عنها أصحاب السلطة القائمة، فإن محاولات تحويل سيرورة الاحتجاج الحالي إلى توطيد أسس الأوليغارشيات تبدو اليوم أكثر من هشة. على عكس أعمال الشغب الخالية من المشاريع المضادة والفقيرة في تخيلاتها، فإن الانخراطات الجماعية والفردية التي تغذي النشاط العام الاحتجاجي، من خلال ما تحتويه من الرمزيات المنوعة الكامنة التي تغذيها باستمرار، عقّدت منذ 22 شباط/ فبراير مهمة النظام التسلّطي في إدارة المجتمع.

المراجع

Berthomiere, William & Marie-Antoinette Hily. "Décrire les migrations internationales." Revue Européenne des Migrations Internationales. vol. 22, no. 2 (2006). Diminescu, Dana. "Les migrations à l'âge des nouvelles technologies." hommes & migrations. no. 1240

Gallissot, René. "Les émeutes, phénomène cyclique au Maghreb: Rupture ou reconduction du système politique." Annuaire de l'Afrique du Nord. tome. 28

Goffman, Erving. Comment se conduire dans les lieux publics, Notes sur l'organisation sociale des rassemblements. Collection Etudes sociologiques. (Traduction de: Behavior in Public Places: Notes on the Social Organization of Gatherings , New York: The Free Press, 1963). Paris: Economica, 2013. Gôle, Nilüfer. "Démocratie de la place publique: L'anatomie du mouvement Gezi." Socio. no. 3 (2014). Hadjab, Warda. "Algiers-Paris Round Trips: Diasporic Pathways of a Public Civil Dissidence." Journal of Immigrant & Refugee Studies. vol. 14, no. 3 (2016). Khosrokhavar, Farhad. The New Arab Revolutions that Shook the World. Boulder/ London: Paradigm Publishers, 2012. Najar, Sihem (dir.). Le cyberactivisme au Maghreb et dans le monde arabe. Paris/ Tunis: Editions Karthala et IRMC, 2013. Silvertein, Paul. Algeria in France: Transpolitics, Race, and Nation. Bloomington: Indiana University Press, 2004. Winkin, Yves. "Goffman et les femmes." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 83 (Juin 1990).