اتجاهات الرأي العام الجزائري تجاه الحراك الشعبي
الملخّص
أظهرت بيانات المؤشر العربي 2019 / 2020 الخاصة بالحراك الشعبي في الجزائر ترسخ ظاهرة الخروج إلى الشارع للاحتجاج كشكل مهيمن من أجل التعبير عن المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في الوقت الذي تراجعت فيه صور المشاركة السياسية المؤسسية، مثل الانتظام في الأحزاب والنقابات. وأكدت نتائج المؤشر أن الاستبداد والاستئثار بالحكم والفساد هي أكبر العوامل التي دفعت الناس إلى الاحتجاج، وأعطت الحراك الزخم الكبير الذي ميزه. وعلى الرغم من نجاح حراك الشارع الجزائري في إرغام بوتفليقة على الاستقالة، ومنعه من الترشح لعهدة رئاسية خامسة، وارتفاع مستوى الآمال في تحقيق تحسن في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، فإنّ تلك الآمال سرعان ما تراجعت بعد تنامي اعتقاد مفاده أن النظام لم يتغير، وأن الأوضاع العامة ظلت مثلما كانت عليه من قبل. كلمات مفتاحية: المؤشر العربي، الجزائر، الحراك. The Arab Opinion Index 2019 / 2020 data on the Algerian Hirak shows the consolidation of the phenomenon of taking to the streets to protest as the dominant form of expression of political, economic, and social demands at a time when forms of institutional political participation, such as party and trade union membership, are declining. The Index results confirmed that tyranny, monopolisation of power and corruption are the main factors that led people to protest and gave the movement the great dynamism that characterises it. Although the Algerian street movement succeeded in forcing Abdelaziz Bouteflika, the former President of Algeria, to resign, preventing him from running for a fifth term as president and raising hopes for an improvement in economic and social indicators, these hopes quickly faded after the conviction grew that the regime had not changed and that the general situation remained as it was before. Keywords: The Arab Opinion Index, Algeria, Hirak.
Algerian Public Opinion Trends Towards Popular Hirak
مقدمة
يُعدّ اللجوء إلى الاحتجاج في الشارع، بصفته فضاءً عامًّا، سلوكًا شائعًا لدى الجزائريين، حتى قبل عام 2010، وقد قدّرت الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان أنّ الجزائريين يخرجون للاحتجاج بمعدل 14 ألف مرة كل سنة1. ولكن ذلك يحدث غالبًا على نطاقات محدودة زمنيًا ومكانيًا، ولأسباب تتعلق بإدارة الشأن المحلي في الغالب. ولم يكن الطابع السياسي واضحًا دائمًا أثناء هذه الاحتجاجات من خلال الشعارات والمطالب المرفوعة. وإلى اليوم، لا يزال الجدل محتدمًا بخصوص إذا ما كانت الاحتجاجات الأبرز في تاريخ البلاد، في تشرين الأول/ أكتوبر 1988 2، ذات صبغة سياسية واضحة، أو "انتفاضة خبز" أفرزتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية العصيبة التي تلت الأزمة الاقتصادية عام.1986 وبالتزامن مع الانتفاضة في تونس بدءًا من كانون الأول/ ديسمبر 2010، اندلعت في عموم المدن الجزائرية احتجاجات واسعة بسبب الغلاء، فيما عُرف لاحقًا ب "انتفاضة الزيت والسكر"3، ولكنها لم تتطور لتأخذ شكل ثورة شعبية كما حصل في تونس ومصر وليبيا، وذلك لعوامل كثيرة، من بينها انحصار المطالب المرفوعة في التنديد بالظروف الاقتصادية المتردية. وبحلول نهاية العهدة الرابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة 2021-1937()، وإعلانه الترشح للانتخابات التي كانت مقررة في نيسان/ أبريل 2019، انطلقت موجة جديدة من الاحتجاجات يوم 22 شباط/ فبراير من العام نفسه، في شكل مظاهرات سلمية أسبوعية عمّت كل مناطق البلاد، إلى أن توقفت اضطراريًا بدءًا من آذار/ مارس 2020 بسبب تفشّ وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-.) أخذت هذه الحركة الاحتجاجية الطويلة اسم "الحراك"، وشكّلت مرحلة حاسمة في التاريخ السياسي للجزائر. وفي هذا الصدد يوفر استطلاع المؤشّ العربي /2019 2020، الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بياناتٍ في غاية الأهمية لفهم موقف الجزائريين من الحراك، واستطلاع آرائهم تجاه دوافع هذا النمط من المشاركة السياسية الجماهيرية ونتائجه.
أولا: دوافع التظاهر
هناك رابط قوي في نظر الرأي العام بين الطابع الاستبدادي لأنظمة الحكم والفساد الذي يسودها، ولذلك يعتقد أغلب المستجيبين أنّ معارضة الدكتاتورية ومناهضة الفساد هما أهم سببين لخروج الناس إلى الشوارع للتظاهر، وظل هذا الاعتقاد ثابتًا تقريبًا منذ انطلاق الثورات العربية نهاية عام 2010. وفي المقام الثاني توجد العوامل ذات العلاقة بحياة الناس اليومية، مثل سوء الأوضاع الاقتصادية، وغياب العدل والمساواة بين المواطنين. ومن اللافت للاهتمام في نتائج المؤشر العربي أن الأسباب الأكثر حضورًا هي المتعلقة بموقف "الضد" من مسألةٍ ما، في حين يتراجع الاتفاق على المطالب التي هي "من أجل" قيمة معينة. بعبارة أخرى، ثمة ميل أكبر إلى الاتفاق بين المتظاهرين على ما خرجوا للاحتجاج ضده، في مقابل اتفاق أقل بشأن ما خرجوا للتظاهر من أجله. ويمكن ملاحظة ذلك، من خلال النسب التي حصلتها مطالب تحقيق الكرامة، وتعزيز الحريات السياسية، وإرساء الديمقراطية ضمن الأسباب العامة للاحتجاج، والتي راوحت بين 4 و%8. هذا الوضع في حاجة إلى تأمل، فالاتفاق على كون النظام مستبدًا وفاسدًا، وعلى تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلد يجمع الناس على اختلاف توجهاتهم السياسية وانتماءاتهم المذهبية أو الطائفية، لكن الأمر يصبح بالغ الصعوبة حين يتعلق بالقيم الجامعة خارج إطار الاتفاق على معارضة النظام. وقد بينت التجارب في تونس ومصر وليبيا أن إسقاط النظام أهون من بناء توافق سياسي لإقامة نظام جديد يحقق طموحات مختلف الفرقاء. ثمة ملاحظة أخرى مهمة تتعلق بالنسبة المتدنية للذين يعتقدون أن احتجاجات الشارع كانت من أجل الديمقراطية، والتي ظلت في حدود %5 في مؤشر 2016 ومؤشر 2020؛ وهذا الأمر يطرح أسئلة جادة بشأن واقع المطلب الديمقراطي في المنطقة العربية: هل هو مجرد مطلب نخبوي؟ ولماذا لا يأخذ موقعًا متقدمًا ضمن الدوافع المحركة للفعل الاحتجاجي في المنطقة؟ تكمن إحدى الفرضيات التي يمكن أن تقدَّم لتفسير هذا التناقض في الأثر السيئ الذي خلفته سياسات "الترويج للديمقراطية" في العالم العربي من جانب الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وبعض المنظمات الدولية غير الحكومية. وهي سياسات أبانت التناقض الموجود بين الخطاب والممارسة؛ إذ ترافقت المشاريع والمبادرات
| أسباب اندلاع الثورة المصرية 2011 | أسباب اندلاع الثورة املتونسية 2011 | 2013/2012 | 2016 | 2020/2019 | |
|---|---|---|---|---|---|
| 20 | 12 | 28 | 14 | 5 | نتيجةً لأوضاعهم الاقتصادية السيئة |
| 15 | 19 | 33 | 22 | 21 | ضد الفساد (فساد النظام) |
| 10 | 14 | 8 | 10 | 8 | عدم وجود عدالة والظلم والقهر (غياب العدل والمساواة بين المواطنين) |
| 8 | 13 | 6 | 18 | 27 | ضد الدكتاتورية |
| 8 | 14 | 8 | 7 | 8 | من أجل الحريات السياسية |
| 1 | 0 | -- | -- | -- | سوء الإدارة |
| 8 | 1 | 5 | -- | -- | احتكار السلطة/ وغياب التعددية |
| 6 | -- | -- | -- | -- | العمالة للغرب |
| -- | -- | -- | 1 | 4 | من أجل الكرامة |
| -- | -- | -- | 5 | 5 | من أجل الديمقراطية |
| -- | -- | 1 | -- | -- | السياسات الخارجية المحابية للغرب |
| -- | -- | 3 | -- | -- | التوريث السياسي للمناصب السياسية العليا |
| 0 | 2 | 1 | 19 | 0 | أخرى |
| 24 | 25 | 7 | 4 | 22 | لا أعرف/ رفض الإجابة |
| 100 | 100 | 100 | 100 | 100 | المجموع |
الرامية إلى نشر الديمقراطية وتعزيزها في العالم العربي مع علاقات وثيقة بالأنظمة التسلطية في المنطقة، إضافة إلى ضلوع تلك الأطراف الدولية، خاصة الولايات المتحدة، في إجهاض محاولات الانتقال الديمقراطي التي أفرزت نجاح أحزاب وتيارات سياسية مناوئة لمصالحها، كما أن تجربة الانتقال السياسي في العراق عقب الغزو الأميركي عام 2003، والذي شُنّ باسم الترويج للديمقراطية، فشلت فشلً ذريعًا، وأنتجت وضعًا مأساويًا ونموذجًا غير قابل للاحتذاء؛ بل الجدول)1(أهم سبب لخروج الناس للتظاهر في الشارع
أكثر من ذلك، عادت التجربة العراقية بالضرر على كل حاملي مشروع الإصلاح الديمقراطي في المنطقة العربية عمومًا4. وبخصوص العوامل التي دفعت الناس إلى المشاركة في حراك الشارع في الجزائر، اعتبر %47 من المستجيبين أنّ ترشح بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة كان السبب الأول للحراك، بينما اعتبره %24 في
المرتبة الثانية ضمن الأسباب العامة لاندلاع الاحتجاجات؛ والواقع أن الأسباب الأخرى، كارتفاع تكلفة المعيشة، والتضييق على الحريات العامة، وغياب التداول السلمي على السلطة، كانت حاضرة باستمرار، حتى قبل مجيء بوتفليقة، ولكن حالة الرئيس الصحية، وعجزه التام عن تسيير شؤون البلاد منذ نهاية العهدة الثالثة، جعَلَ الجزائريين يشعرون بحرج كبير بعد أن تضررت سمعة البلاد في كل مرة يظهر فيها الرئيس بتلك الصورة المخزية. وفي دولة ذات نظام رئاسوي قوي، لم يتقبل الجزائريون أن يحكمهم رئيس غير قادر على الاضطلاع بمهماته بنفسه. ومع إعلان بوتفليقة، أو من يتحدث ويحكم باسمه، عزمه على المنافسة من أجل عهدة خامسة، ثار الجزائريون وأعلنوا رفضهم وتحدّيهم مهما كانت أشكال القمع التي يمكن أن تواجههم، وكان شعار "لا للعهدة الخامسة" يتصدر مسيرات يوم الجمعة خلال الأسابيع الأولى من الحراك. الجدول)2(أهم سببين دفعا الناس إلى التظاهر ضد نظام بوتفليقة
| السبب الثاني | السبب الأول | |
|---|---|---|
| 9 | 9 | ارتفاع الأسعار/ ارتفاع تكلفة المعيشة |
| 12 | 14 | الفساد الإداري والمالي |
| 5 | 5 | البطالة/ عدم توافر فرص عمل |
| 7 | 1 | عدم المساواة في توزيع الدخل والثروة |
| 8 | 4 | سيطرة مجموعة من السياسيين على الحكم |
| 1 | 1 | انخفاض مستوى الأجور |
| 1 | 1 | تقييد الحريات العامة |
| 9 | 8 | غياب التداول السلمي للسلطة |
| 24 | 47 | ترشح بوتفليقة للعهدة الخامسة |
| 1 | 0 | الاعتقال والسجن للمعارضين |
| 8 | 5 | مرض الرئيس بوتفليقة |
| 11 | 4 | سيطرة مجموعة أشخاص (قوى غير دستورية) على رئاسة بوتفليقة |
| -- | 1 | لا أعرف/ رفض الإجابة |
| 4 | -- | لا يوجد خيار ثانٍ |
| 100 | 100 | المجموع |
وانسجامًا مع النتائج العامة للمؤشر العربي السابقة الذكر، جاء الفساد المالي والإداري في المرتبة الثانية ضمن الأسباب التي حرّكت الاحتجاجات في الجزائر، وهي الظاهرة التي استفحلت بقوة خلال حكم بوتفليقة5؛ فقد زاد نفوذ أصحاب المال في السياسة، وانتشرت ظاهرة شراء المناصب، وطفت على السطح قضايا فساد في المشاريع العامة على نحوٍ لم يشهده الجزائريون من قبل، وزاد من حدة المشكلة ارتباط أغلب تلك القضايا بمقرّبين من محيط الرئيس.
ثانيًا: التباين بين نسب التأييد ونسب المشاركة
بغضِّ النظر عن الدوافع المحركة لحراك الشارع في حالة الجزائر بين عامَي 2019 و 2020، أبدى أغلب المستجيبين تأييدهم للمظاهرات (الشكل 1)، ولم تتجاوز نسبة المعارضين لها %6. وقد أدت الإخفاقات والأزمات التي سادت العهدتين الأخيرتين للرئيس بوتفليقة، خاصة عقب مرضه، إلى نموّ رغبة كبيرة في التغيير لدى عموم المواطنين، وهو ما جعل نسبة التأييد تأتي مرتفعة. في المقابل، وعلى الرغم من نسبة التأييد العالية، لم يعلن سوى %27 أنهم شاركوا فعليًا في المظاهرات، وهذا راجع، من بين عوامل عديدة، إلى الضعف العام لمستوى المشاركة السياسية في الجزائر، بمختلف أشكاله، والشكوك في قدرة الشارع على التأثير الفعلي في الشأن السياسي الداخلي. ولذلك، نرى أن المواقف السياسية للمواطنين، مثل تأييد الاحتجاجات، لا تترجم دائمًا إلى سلوك عملي. وربما كانت التجربة السياسية للبلاد خلال الفترة القصيرة للانفتاح السياسي في المدة 1991-1989، والمآلات العنيفة التي أعقبتها خلال التسعينيات من القرن الماضي، قد جعلت أغلبية الجزائريين يتبنون نمطًا من التعبير عن المواقف السياسية، حادًّا خطابيًا، وليّنًا سلوكيًّا. ثمة عاملٌ آخر في هذا الصدد، وهو عدم وجود قيادة سياسية معلنة للحراك، ولا برنامج عمل واضح المعالم، ولا أرضية مطالب جامعة. وهذا ما جعل الناقمين على الأوضاع السياسية والاقتصادية يبدون تأييدهم للاحتجاج من غير أن يترجموا ذلك في مشاركة فعالة في الواقع.
الشكل)1(نسب التأييد للحراك في الجزائر)2019-2020(
الشكل)2(نسبة المشاركين في المظاهرات أثناء الحراك
الجدول)3(توقعات الجزائريين حيال نجاح حكومة عبد العزيز جراد المعيّنة في كانون الثاني/ يناير 2020
| لا أعرف/ رفض الإجابة | لن تنجح على االإطلاق | لن تنجح إلى حدٍّ ما | سوف تنجح إلى حدٍّ ما | سوف تنجح بالتأكيد | |
|---|---|---|---|---|---|
| 9 | 18 | 16 | 44 | 12 | تحسين الوضع الاقتصادي |
| 9 | 17 | 14 | 45 | 16 | احترام حقوق الإنسان |
| 9 | 19 | 16 | 41 | 14 | خلق فرص عمل |
| 9 | 22 | 14 | 42 | 14 | محاربة الفساد |
| 11 | 18 | 16 | 38 | 17 | التوزيع العادل للأموال والخدمات بين الولايات والأقاليم (العدالة بين الأقاليم) |
| 17 | 12 | 8 | 47 | 16 | العمل على تحقيق التوازن في السياسة الخارجية للجزائر |
| 14 | 19 | 14 | 42 | 12 | تأسيس لحكم مدني في الجزائر |
| 14 | 18 | 15 | 40 | 14 | تأسيس لنظام ديمقراطي تداولي تعددي |
ثالث ا: ما بعد الحراك
بعد أن انحسرت موجة الحراك، وأخذت الترتيبات السياسية والدستورية لمرحلة ما بعد بوتفليقة طريقها إلى التنفيذ، أبدى الجزائريون انطباعات متباينة بشأن احتمال نجاح حكومة عبد العزيز جراد المعيّنة في كانون الثاني/ يناير 2020 مباشرة بعد انتخاب عبد المجيد تبون رئيسًا للجمهورية. وبالنظر إلى التجارب السابقة، عبّ ت نسبة ضئيلة جدًا %8() عن يقينها بأن الحكومة ستنجح في تحقيق مطالب الشارع، واعتبر %46 أنها ستنجح إلى حدٍّ ما، وهذه نسبة مرتفعة ومفاجئة في الواقع، وربما يرجع ذلك إلى حجم التفاؤل الذي رافق الجزائريين بإمكانية التغيير نحو الأفضل بعد نجاحهم في إجبار بوتفليقة على الاستقالة، إضافة إلى ما قدّمه المسؤولون من طمأنة أثناء المرحلة الانتقالية، وخاصة قائد أركان الجيش، وانطلاق حملة توقيفات واسعة لمسؤولين حكوميين سابقين بتهمة الفساد. رفعت هذه العوامل مستوى ثقة الجزائريين بالوعود الحكومية، ولكن نسبة مهمة %33() ظلت متشككة في شأن نجاح المسؤولين الجدد في تجسيد تلك الوعود وتحقيق مطالب المتظاهرين. كانت آمال الجزائريين عالية نسبيًا بشأن نجاح حكومة جراد في تحقيق تقدم في المؤشرات السياسية والاقتصادية الكبرى، مثل احترام حقوق الإنسان وتعزيز الطابع المدني لنظام الحكم والتأسيس لنظام ديمقراطي تعددي حقيقي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية ومحاربة الفساد وتوفير فرص عمل للبطالين وتحقيق التوازن الجهوي. ولكن هذه الآمال عادت إلى الانحسار مجددًا بمرور الوقت، وساد الاعتقاد أن الوضع لم يتغير نحو الأفضل، وأن أكثر المؤشرات بقيت كما كانت عليه من قبل، إن لم تكن قد ساءت أكثر. وفي هذا السياق، أظهرت بيانات المؤشر العربي أن %77 من الجزائريين يميلون إلى الاعتقاد أن الوضع العام ظل كما كان عليه من قبل، بينما اعتقد %9 أن الأمور ساءت أكثر. ورأى %11 فقط أنّ الوضع بات أفضل بعد الحراك. ويرجع هذا الإحباط إلى عوامل كثيرة، من بينها استمرار منظومة الحكم نفسها في السلطة، وبقاء المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية على النمط نفسه من التراجع، والخلاف الحاد حول خريطة الطريق التي يجب اتباعها لإخراج البلاد من الأزمة. وقد تجلى ذلك، مثلً، في النسب المتدنية للمصوتين في الانتخابات الرئاسية في كانون الأول/ ديسمبر 2019، وفي استفتاء تعديل الدستور في بداية تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، حيث لم يخرج للتصويت سوى %23 من الناخبين6.
رابعًا: دور الجيش في المرحلة الجديدة
بالنظر إلى التجربة السياسية الجزائرية منذ الاستقلال، والتي أدى فيها الجيش، ولا يزال، دورًا محوريًا في منظومة الحكم، أبدى الجزائريون على نحو ضمني رغبتهم في أن يقتصر الجيش على دوره الرئيس في الدفاع عن الوطن، وأن يترك شؤون الحكم للمدنيين. وعلى الرغم من تراجع الظهور العلني للجيش فاعلً سياسيًا خلال سنوات حكم بوتفليقة، فإنه عاد إلى الظهور بقوة من خلال قائد أركان الجيش، أحمد قايد صالح، طوال فترة الحراك، وهو الذي أشرف على عملية انتقال السلطة وتسيير المرحلة الانتقالية، وكان حريصًا على أن يجري ذلك وفق مقتضيات الدستور، رافضًا رفضًا قاطعًا أيّ تسوية تجري خارج التدابير الدستورية. أما الذين يرون أنّ من الأفضل أن يكون للجيش دورٌ سياسي، والذين بلغت نسبتهم %24، فهم على الأرجح من الفئة التي ثمّنت موقف الجيش خلال المظاهرات بعدم التدخّل أو استعمال العنف ضد المتظاهرين، وتعتقد هذه الفئة أن الطبقة السياسية عاجزة وحدها عن إدارة شؤون البلاد في المراحل الصعبة، خاصة مع زيادة أهمية العوامل الأمنية وتنامي التهديدات المتعددة الأبعاد في المحيط الإقليمي المباشر. الشكل)3(موقف الجزائريين من حالة الوضع العامّ بعد الحراك
ومع الخصوصية التي تميز موقف غالبية الجزائريين من الجيش، تظهر نتائج المؤشر العربي المستوى العالي من التقدير لدور الجيش خلال المظاهرات طوال فترة الحراك؛ إذ رأى %85 من المستجيبين أنّ دوره اتسم بالإيجابية، ويبدو أنهم تبنَّوا هذا الموقف بعد المقارنة بما شهدته بعض البلدان العربية منذ بداية الربيع العربي، وبالمواقف السابقة للجيش في الجزائر خلال أحداث 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988، وعقب الانتخابات التشريعية التي أفرزت فوز المعارضة في كانون الثاني/ يناير 1992. فخلال الحراك، ظهر الجيش في صورة الحامي لوحدة البلاد، والمانع لكل أشكال الانزلاقات الأمنية من جراء الوضعية الهشّة لمؤسسات الدولة. ختامًا، تتباين التقديرات للأحداث التي جرت خلال عامَي 2019 و 2020؛ فقد توافر تأييد كبير لقرار بوتفليقة الاستقالة، وللاعتقالات التي شملت عددًا من رموز نظامه، غير أن نسبة التأييد انخفضت قليلً تجاه إعلان رئيس أركان الجيش منع رفع أيّ راية أخرى غير الراية الوطنية خلال المظاهرات، في إشارة إلى راية الحركة الأمازيغية التي كان بعض المتظاهرين يرفعونها في أماكن مختلفة في البلاد. وفي هذا المحور من المؤشر تصادفنا مرة أخرى مشكلة الاختلاف بخصوص الترتيبات الواجب اتخاذها للخروج من الأزمة، فعلى الرغم من أن المطلب الرئيس للمتظاهرين كان رفض ترشح بوتفليقة
الشكل)4(موقف الجزائريين من دور الجيش خلال الحراك
لعهدة خامسة، فإنّ نسبة الجزائريين الذين أعلنوا تأييدهم قرار إجراء انتخابات رئاسية لم تكن في المستوى ذاته. وقد عرفت الساحة السياسية خلال تلك الفترة شدًّا وجذبًا كبيريْن حول جدوى إجراء الانتخابات في ظل ظروف وإطار تشريعي غير مواتييَن، وطالب عدد من الناشطين بفترة انتقالية ينتخب فيها مجلس تأسيسي لإعداد
الجدول)4(المواقف من الأحداث الكبرى خلال الحراك
| لا أعرف/ رفض الإجابة | أاعارض بشدة | أعارض إلى حدٍّ ما | أؤيد إلى حدٍّ ما | أؤيد بشدة | |
|---|---|---|---|---|---|
| 2 | 2 | 1 | 13 | 82 | استقالة الرئيس بوتفليقة |
| 2 | 2 | 1 | 14 | 82 | اعتقال رموز نظام بوتفليقة |
| 5 | 9 | 4 | 17 | 63 | إعلان قائد الجيش عن منع رايات غير الراية الوطنية |
| 8 | 14 | 13 | 26 | 39 | إجراء الانتخابات الرئاسية |
دستور جديد للبلاد، ثم المرور إلى انتخاب رئيس وبرلمان منبثقَْيْ من التفاهمات الجديدة. ولكن إصرار الجيش على إجراء الانتخابات الرئاسية وانقسام الحراك حول مسألة المرحلة الانتقالية أنهيَا ذلك الجدل، وجرى تنظيم الانتخابات، والعودة إلى الإطار الدستوري مرة أخرى.
خاتمة
قدّم استطلاع المؤشّ العربي /2019 2020، في نتائجه المتعلقة بالتظاهرات الاحتجاجية في إطار ما اصطلح على تسميته بالحراك في الجزائر، إضاءاتٍ مهمةً حول عدد من المسائل ذات الأهمية النظرية والتطبيقية بشأن دوافع المتظاهرين وتجنّدهم واستجاباتهم. في الحالة الجزائرية، يعتبر الشارع المسرح الرئيس للتعبير السياسي، تأييدًا أو احتجاجًا وتعبيرًا عن المطالب، وهذا الوضع هو نتيجة لتراكمات التجربة السياسية الجزائرية المعاصرة، حتى قبل الاستقلال. وفي الوقت ذاته، تعاني أشكال المشاركة السياسية المؤسسة ضمن الأحزاب والنقابات وغيرها أزمةً عميقة ودائمة؛ ما أثّر سلبيًا في فاعلية الشارع في تحقيق المطالب التي تحرّك احتجاجاته. ومثلما حصل مع الحراك، وعلى الرغم من النجاح في دفع الرئيس بوتفليقة إلى الاستقالة، فإنّ غياب البعد المؤسسي للاحتجاج حال دون تحقيق المطالب الأخرى، ولم يؤدِّ إلى تغيير حقيقي للنظام القائم ولآليات عمله، وهذا ما يفسر حالة الإحباط وعدم الرضا التي تلت الحراك، وانتشار الاعتقاد أن الوضع بقي على حاله، وأنّ الآمال التي صاحبت الحراك وهو في أوج عنفوانه، سرعان ما تحطمت على صخرة حقائق الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي العصيّ على التغيير. والواقع أنّ الحالة الجزائرية ليست استثناءً في هذا المجال، ففي عموم المنطقة العربية، تبدي الأنظمة القائمة قدرة ومرونة فائقتَْيْ على التعامل مع احتجاجات الشارع؛ وسواء جرى ذلك عبر آلية القمع أو الاحتواء، فإن الحكام نجحوا في الحفاظ على طبيعة النظام وأركانه مقابل إصلاحات شكلية ومحدودة. وفي غياب أيّ احتمالات لمأسسة الاحتجاج، والتوصل إلى توافقات واضحة بين المحتجين بشأن التصورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية البديلة، يتوقع أن تظل فاعلية الشارع في تحقيق التغيير محدودة، وقد يتراجع دوره على نحوٍ بعيد مستقبلً باعتباره فضاءً ديمقراطيًا ومج لً للتعبير عن مطالب الفئة العريضة من المواطنين.
المراجع
العامل الخارجي والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية. عبد الفتاح ماضي (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي 2020 /2019، برنامج قياس الرأي العام العربي. الدوحة: تشرين الأول/ أكتوبر.2020