معضلة مشروع بناء الدولة في الصومال: العراقيل والفجوات البنيوية
الملخّص
تتنامى الحاجة إلى المزيد من الدراسات الأكاديمية التي تسلط الضوء على الإشكاليات والتحديات التي تواجه مشروع بناء الدولة في الصومال. بالاعتماد على مراجعة أدبية معمقة لأطر بناء الدول ونماذجه في حقبة ما بعد الحروب والنزاعات، تسلط هذه الدراسة الضوء على الفجوات البنيوية التي ما زالت تعوق مشروع بناء الدولة في هذا البلد، وذلك بالسعي لتعريفها، ومناقشة جذورها، وتأثيراتها في مستقبل مشروع بناء الدولة في الصومال. وتخلص إلى أن هذه الفجوات يمكن أن تُحصر في ثلاثة أبعاد: البعد السياسي، ويتمثل في نظام المحاصصة القبلية 5. 4، والنظام الفدرالي المتبع في الب داا، والبعد الاجتماعي، ويتمثل في دور المجتمع المدني في عملية بناء الدولة، والبعد الاقتصادي، ويتمثل في المصالح التجارية لرجال الأعمال، وأثر المساعدات الخارجية في التعافي الاقتصادي. ومن ثمّ، فنجاح مشروع بناء الدولة في الصومال، يعتمد على مدى نجاح الجهات الفاعلة في التعامل مع هذه الفجوات البنيوية. كلمات مفتاحية: الصومال، بناء الدولة، نظام المحاصصة القبلية 5. 4، الفدرالية، العشائرية السياسية، المجتمع المدني.
Keywords: Somalia, State-building Project, Tribal Quota System 4. 5 , Federalism, Political Tribalism, Civil Society.
* Mohamed A.Razak Hussein محمد عبد الرزاق حسين | ** Tamer Qarmout تامر قرموط |
Somalia's State-Building Project Dilemma: Obstacles and Structural Gaps
Academic studies on Somalia lack focus on analyzing the gaps and problems facing the state-building project. Drawing on an in-depth literature review of post-war and conflict state-building frameworks and models, this study highlights the structural gaps that continue to hinder Somalia's state-building project by seeking to identify and describe them, in addition to discussing their root causes and impacts on the future of the state-building project. The study concludes that these gaps can be summarized into three categories: 1 -Political: As a result of the problematic aspects of both the tribal quota system 4. 5 and the federal system, 2 -Social: represented in the weakened role of civil society in the process of state-building, and 3 -Economic: driven by the controversial business interests of influential businessmen, and the impact of foreign assistance on economic recovery. Thus, the success of the state-building project in Somalia depends on all relevant actors' abilities to deal with these structural gaps.
مقدمة
مع بداية الألفية الثالثة، انطلقت مجموعة من المحاولات المتواصلة لإخراج الصومال من حالة الحرب الأهلية التي عايشها منذ عقود، وسعيًا كذلك لإعادة بناء مؤسسات الدولة من جديد. ورغم أن هذه المحاولات قد تخللتها العديد من العقبات والصعوبات، فإن ملامح الاستقرار بدأت في البروز مع بداية العقد الثاني من الألفية؛ ما أدى إلى انتهاء الفترة الانتقالية، وانتخاب رئيس للبلاد، وبدْء مرحلة إعادة بناء الدولة في الصومال. ومع بداية العقد الثالث من الألفية، في إمكاننا القول إن الصومال تجاوز مراحل الاحتراب الأهلي والاقتتال بين فصائله السياسية والقبلية، وتقدم خطوات في مراحل بناء الدولة ومؤسساتها. إلا أنه في خضم هذا التقدم أُغفلت العديد من الجوانب، التي قوضت وما زالت تقوض عملية بناء الدولة، وأدت كذلك إلى أن تعاني البلاد بروز مشكلات مختلفة كل فترة. ويرجع ذلك إلى مجموعة من الفجوات البنيوية التي تعوق هذا التقدم. تسعى هذه الدراسة للبحث في هذه الفجوات وتحديدها، وتبيين العوامل المؤدية إلى تشكلها وبروزها على هذا النحو؛ سعيًا لتجاوز هذه الفجوات مستقبلً، وتحقيق خطوات متقدمة في بناء الدولة ومؤسساتها في الصومال. تهدف هذه الدراسة في الأساس إلى الإجابة عن سؤالين: ما الفجوات البنيوية التي تعوق بناء الدولة ومؤسساتها في الصومال؟ وما آليات تشكل هذه الفجوات، وتأثيرها في بناء الدولة؟ وتسعى لتفكيك هذه الفجوات البنيوية واستعراض عناصرها ومحدداتها. وتستند في تحديد هذه الفجوات البنيوية إلى مراجعة أدبية معمقة للأطر والنماذج الدارجة في بناء الدول في حقبة ما بعد الحروب والنزاعات بالاعتماد على مرجعيات مهمة، تشمل أدبيات ونماذج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD 1، إضافة إلى أدبيات أخرى مختصة بمشروع بناء الدولة في الصومال، إلى جانب استقراء الواقع السياسي الصومالي في الأدبيات وتقاطعاته مع عمليات بناء الدولة المستمرة عدة عقود، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل بلاد أسبابها ومحدداتها الخاصة التي تحول بينها وبين بناء مؤسسات دولتها؛ وذلك بسبب اختلاف البيئات والمكونات الثقافية والأيديولوجية لكل مجتمع. بناء عليه، تبدأ الدراسة بالتطرق إلى الأدبيات المتعلقة بمفهوم بناء الدولة، وآلياته المختلفة، والجوانب الأشد أهمية في هذه العملية، إلى جانب العقبات التي تعرقل بناء الدول ومؤسساتها المختلفة. ومن ثم، النظر في السياق التاريخي لنشوء الدولة في الصومال وانهيارها والعوامل المختلفة التي أدت إلى ذلك. ثم تركز على الفجوات البنيوية التي تعرقل بناء الدولة في الصومال، وقد صنفتها إلى ثلاث فجوات: -1 الفجوات البنيوية ذات البعد السياسي؛ -2 الفجوات البنيوية ذات البعد الاجتماعي؛ -3 الفجوات البنيوية ذات البعد الاقتصادي، أما الخاتمة فتتضمن ملخصًا للدراسة ونتائجها.
أولا: قراءة في الأدبيات
برز الحديث عن مفهوم بناء الدولة كثيرًا في الأدبيات مع بداية التسعينيات من الألفية الماضية، وذلك مع تزايد حالات الصراع في العديد من دول العالم، والتي أدت إلى انهيارها انهيارًا كاملً أو جزئيًا 2. سعى الباحثون وقتها للإجابة عن الأسئلة التالية: ما مفهوم بناء الدولة؟ وما المرتكزات الأساسية التي تبنى عليها الدول وتضمن عدم انهيارها أو فشلها؟ وما الوظائف الأساسية التي يجب أن تضطلع بها الدولة، بل الغاية الأساسية من بناء الدول؟ 3 وقد تمخضت هذه النقاشات عن العديد من التعاريف التي سعت لتحديد مفهوم بناء الدولة بأكثر دقة، إلا أنه لم يُتوصل إلى اتفاق على تعريف محدد للمفهوم 4. نتيجة لذلك، تعددت التعاريف التي سعت لتأطير مفهوم بناء الدولة، وتباينت في جوانب التركيز، فبعض هذه التعاريف تمحور حول أهمية دور تقوية قدرات مؤسسات الدولة وإعادة إنشائها من جديد 5، لضمان عملها بما يتوافق مع متطلبات التنمية 6، في حين أكد البعض الآخر أهمية تثبيت شرعية نظام الحكم 7، واستحداث أنظمة واضحة للمحاسبة والمساءلة 8. في المقابل، نجد من يؤكد أن بناء مؤسسات الدولة لا يضمن بناء الدولة؛ لكون هذه العملية أشد تعقيدًا من
ذلك 9. وفي الواقع، لا يقتصر عدم الاتفاق على هذا الجانب فقط، بل يتجاوزه إلى الحديث عن الأبعاد التنموية التي تعطَى لها الأولوية عند بناء الدولة 10. من هنا، تبرز صعوبة ضبط تعريف محدد لمفهوم بناء الدولة، إلى جانب أهمية وجود تعريف للمفهوم، على الأقل، في السياق السياساتي، إذا تعذر ذلك في السياق الأكاديمي 11. تعتبر أدبيات العلوم السياسية، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، ودراسات التنمية، والاقتصاد، وغيرها من العلوم من الأدبيات الرئيسة التي تناولت على نحوٍ مستفيض مفهوم بناء الدولة، وآلياته المختلفة، وأهم الأبعاد التي يجدر التركيز عليها عند بناء الدول 12. وهو ما يؤكد الجوانب المتعددة لعملية بناء الدولة بتعدد الحقول المعرفية التي تناقشها. وتؤكد الدراسات أن عملية بناء الدولة عملية طويلة الأمد، تحتاج إلى فترات زمنية طويلة لتحقيق أهدافها الرئيسة 13، كما أنها عملية مركبة تستلزم التعامل مع أبعادها بصفتها دورة متكاملة 14. من هنا، يبرز أحد أهم الجدالات ضمن نقاشات بناء الدولة، والذي يتمثل في مدى إمكانية الجمع بين تحقيق الأهداف الطويلة الأمد والأهداف القصيرة الأمد؛ والتي ترتبط بتسيير الحياة العامة لأفراد المجتمع، ولارتباطها كذلك بضرورة تحقيق نتائج سريعة 15. ومن المهم أيضًا استيعاب سعي عملية بناء الدولة لخلق نوع من المواءمة بين بناء قدرات الدولة على المدى البعيد وتحقيق الرضا المجتمعي عن طريق الوصول إلى توقعات أفراد المجتمع على المدى القصير 16. وتكاد الدراسات التي تناولت بناء الدولة تتفق على أن السبب الرئيس لفشل عمليات بنائها، التي دشنها المجتمع الدولي في العديد من دول العالم، يرجع إلى فقدانها الإرادة المحلية لأفراد المجتمع، ولكون الحلول التي قدمها المجتمع الدولي ودعمها ليست حلولً محلية الطابع، بل لأنها دخيلة على المجتمع، ولم تأخذ في الاعتبار السياقات المختلفة لكل دولة، إلى جانب إغفال اختلاف مقومات البناء من بيئة إلى أخرى 17. كما أن هذه المحاولات أغفلت تعقد الفسيفساء المجتمعية لكل دولة، وهو ما يستلزم آليات مختلفة للتعامل مع كل فصيل 18، وقد دعا ذلك أحد الباحثين إلى تأكيد استحالة بناء المساعدات الخارجية لمؤسسات تتمتع بالشرعية والاستدامة 19.
في هذا السياق أيضًا، يعتبر مفهوم "بناء السلام" من المفاهيم التي لا تكاد تنفصل عن مفهوم بناء الدولة؛ فالبعض يرى أن مفهوم بناء الدولة يندرج تحت مفهوم بناء السلام 20 ويعتبر امتدادًا له21، في حين يثبت آخرون وجود فوارق بين المفهومين في الآليات والوسائل، رغم صعوبة الحديث عن بناء الدولة من دون الحديث عن بناء السلام 22. في المقابل، هناك من يرى تعارضًا بين المفهومين وعدم القدرة على الجمع بينهما؛ نظرًا إلى الطبيعة التنافسية بينهما 23، في حين أن هناك من يسعى للتجسير بينهما 24. في هذا الصدد، نجد
كذلك حديثًا عن مفهوم "تشكيل الدولة" الذي يطرح في الأدبيات أحيانًا بصفته مرادفًا لمفهوم بناء الدولة 25، ويُطرح كذلك للتعبير عن بناء الدولة على أسس التوافقات الداخلية بين أفراد المجتمع؛ لفصله عن مفهوم بناء الدولة الذي يرتبط في كثير من الدراسات بالفاعل الدولي 26. ونرى من يعتبر تشكيل الدولة استمرارًا لسيرورة بنائها، بل إحدى نتائجها الأساسية 27. وقد نتج من هذا التجاذب في ماهية المفهومين وعلاقتهما محاولة للمزاوجة بينهما وعرضهما على أنهما مفهومان متكاملان، يحققان الهدف نفسه 28. ومن القضايا المهمة في النقاشات الدائرة حول بناء الدولة تحديد الجوانب التي يجدر منحها الأولوية في مشروع بناء الدولة؛ مع الأخذ في الاعتبار أن كل مشروع يبنى على نموذج معين، يعكس بدوره مجموعة من الأيديولوجيات والنظريات السياسية المختلفة؛ وقد أسفر ذلك عن تعدد وجهات النظر في هذا النقاش 29. يُعتبر دور المجتمع المدني ومحورية فاعليته من أهم القضايا التي تجري مناقشتها في الأدبيات 30. فالمجتمع المدني يتولى القيام بالمهمات التي تعجز الدولة عن تنفيذها في معظم الأحيان، إضافة إلى دوره الأساسي في تقوية مؤسسات الدولة المختلفة 31. كما تُطرح نوعية النظام المناسب للدولة في مرحلة بناء الدولة: مركزي، أو لامركزي، إضافة إلى اعتبار المؤسسات التعليمية محورًا مهمً في عملية البناء، إلى جانب أهمية إنعاش الحياة الاقتصادية في الدولة 32. وتشير الدراسات إلى دور الإعلام كذلك، ومساهمته المهمة في إنجاح عملية البناء 33. عند الحديث عن بناء الدولة، تؤكد الأدبيات ضرورة أن يؤخذ في الاعتبار السياق المحلي بتجلياته المختلفة، مثل: التاريخ، والثقافة، وأصحاب المصلحة المختلفين؛ نظرًا إلى جوهرية هذه العوامل وتأثيرها البالغ في سير عملية البناء 34. ويعتبر من المهم عدم إغفال درجة حدة الصراع الذي سبق السلام في الدولة، وطبيعة النظام السابق، وبنية المجتمع، والطبيعة الجغرافية للبلد، والنطاق الجيوبوليتيكي الذي تقع فيه الدولة، إضافة إلى الفرص الاقتصادية المتاحة لأبناء المجتمع، وطبيعة المساعدات الدولية 35. تمتلك الدولة خاصية مزدوجة، فهي من جانب تمثل إحدى مؤسسات المجتمع، ومن جانب آخر هي المسؤولة عن المجتمع وتسيير حاجاته؛ فأخذ ذلك في الاعتبار يعمق الجوانب التي يجدر التركيز عليها عند بناء الدولة 36. وفي هذا السياق، يقدم مينوكال روشا نهجين مختلفين لبناء الدولة من الداخل: النهج الأول (النهج التنازلي) يتمثل في بناء الدولة عن طريق تقوية مؤسساتها، من خلال النخب الوطنية واللاعبين الأساسيين في المجتمع؛ أما النهج الثاني (النهج التصاعدي)، فيركز على ربط الدولة بالمجتمع عن طريق دور المجتمع المدني بمختلف منظماته 37. ولا يُستحضر دور النخب الوطنية في عملية بناء الدولة فقط في سياق مقارنته بالدور المجتمعي، بل يبرز أحيانًا باعتباره الآلية الوحيدة لتحقيق الهدف من بناء الدولة 38، ومن التحديات التي تواجه العديد من الدول النامية أن نخبها لا تعي خبايا مجتمعاتها وتفاصيلها، وتنقصها الخبرة المعمقة بالواقع المحلي؛ وهو ما يعتبر أمرًا محوريًا في هذا المجال 39. ولا يمكن إغفال دور المجتمع الدولي في عملية بناء الدولة في الدول النامية 40، إلا أن الدراسات تشير إلى عدم نجاعة هذه المحاولات على الوجه المطلوب؛ وهو ما ولّد قناعة بضرورة عدم تدخل المانحين في عملية البناء بصفة مباشرة دائمًا 41. ويبرز في هذا الصدد أيضًا الدور الأساسي للأحزاب السياسية وأهمية مشاركتها في تنظيم الحياة السياسية، إضافة إلى دورها في تحقيق التوازن بين المصالح المختلفة، وربط الجسور بين مختلف القوى الاجتماعية والحكومة 42.
يعتبر عدم وجود هوية وطنية جامعة لأفراد المجتمع من أهم العقبات التي تواجه عملية بناء الدولة؛ ما يحتم ضرورة التركيز على آليات ووسائل تعزز خلق هوية مشتركة لأفراد المجتمع، تشكل الحاضنة والمقوم الأساسي لعملية البناء 43. ثمّ إن عدم دمج أفراد المجتمع في عملية بناء الدولة على النحو المناسب 44، وإغفال أهمية الإرادة المجتمعية ومساهمتها في عمليات البناء، من الأسباب الرئيسة لفشلها 45. وقد ينتج من تمحور عملية بناء الدولة حول أفراد محددين تشكل منظومة استبدادية تفشل الجهود السابقة 46، قد تعيد البلد إلى أتون الحرب من جديد 47، أو على الأقل التهديد بجر البلاد إلى موجات من العنف؛ رغبة في تعزيز النفوذ أو جني مكاسب سياسية 48. ولتحقيق أفضل النتائج الممكنة من بناء الدولة، تبرز أهمية وجود استراتيجية شاملة، تضمن بناء مؤسسات الدولة بصفة متوازية، أو على الأقل تأطير نوع من التراتبية يضمن التركيز على أحد الجوانب التنموية ومن ثمّ الانتقال إلى الآخر 49. ولفهم أسباب فشل عمليات بناء الدولة، تؤكد الدراسات أن من المهم التركيز على أسباب انهيار الدول وفشلها في الأساس؛ فانهيار الدول يرجع إلى أسباب مختلفة وعوامل متعددة ومركبة 50. فعلى سبيل المثال، في حالة الصومال، أثبتت التجارب المتكررة لبناء الدول على مرّ السنوات الماضية عدم نجاعة الحلول الخارجية واستدامتها، وأن محك بناء الدولة مرتبط بالجهود الداخلية في الأساس، إضافة إلى أن المدخل الأساسي لعمليات التنمية في الصومال يجب أن يكون عن طريق استكمال بناء الدولة ومؤسساتها 51. أضف إلى ذلك أن الجهود الدولية الرامية إلى دعم عمليات بناء الدولة في الصومال لا تَأخذ في الاعتبار خصوصية المجتمع الصومالي، وضرورة أن تكون عمليات بناء الدولة مبنية على ما يتناسب مع سياقه السياسي والاجتماعي والثقافي؛ وتؤكد الأدبيات على ضرورة استحداث نموذج جديد للدولة وسبل بنائها في الصومال 52، مع ما يتناسب مع طبيعة المجتمع وتركيبته الداخلية، بعيدًا عن الاستئسار لنموذج محدد 53. لذلك بالاعتماد على المراجعة الأدبية السابقة، يسلَط الضوء على مشروع بناء الدولة في الصومال وتحليله، لتحديد الفجوات البنيوية في المشروع التي يجب التركيز عليها لضمان نجاحه في المستقبل، وذلك لاعتقادنا أن الكثير من الأطر والممارسات التي جرت مناقشتها في المراجعة الأدبية أُهملت في مشروع بناء الدولة في الصومال؛ وهو ما أدى إلى تشكل فجوات بنيوية أثرت سلبيًا في اكتمال المشروع، وهو ما سيناقش بالتفصيل لاحقًا. في الجزء التالي من الدراسة خلفية تاريخية لنشوء الدولة في الصومال وانهيارها، وذلك قبل استعراض وتفكيك الفجوات البنيوية في مشروع بناء الدولة في هذا البلد، والتي تطرحها هذه الدراسة.
ثانيًا: نشوء الدولة وانهيارها في الصومال: نظرة في السياق التاريخي
1. مرحلة ما قبل الاستقلال
يتكون الشعب الصومالي من مجموعة من القبائل الرئيسة التي تتفرع إلى مجموعة من البطون، والتي بدورها تتفرع إلى مجموعة
من العشائر والأفخاذ، والتي تتفرع بدورها كذلك 54. نتج من ذلك أن الشعب الصومالي شعب عشائري، تعتبر فيه العشيرة/ القبيلة ملجأ الفرد ضد العقبات التي تواجهه في حياته العامة. وشكلت القبائل، قبل وصول المستعمر، ممالك ودولً في بعض المناطق في الجغرافيا الصومالية، إضافة إلى تجمعات أشبه ما تكون بالدول، من حيث امتلاك تراتبية تنظيمية تتمثل في حاكم/ شيخ قبيلة، وجهاز أمني، إضافة إلى سن القوانين التقليدية أو ما يعرف شعبيًا ب xeer، والذي ينظم التجمع القبلي من الناحية الاقتصادية والاجتماعية 55. لاحقًا، أجج المستعمر النعرات والصراعات بين القبائل، عن طريق زرع الفتن بينها، ودعم التكتلات والأحزاب المبنية على أسس قبلية طوال فترة الاستعمار، وحتى بعد مغادرته. وقد تجلى ذلك في تكوين كل عشيرة لحزب سياسي خاص بها؛ وهو ما أدى إلى وصول عدد الأحزاب السياسية في البلاد إلى 26 حزبًا 56، فأثر ذلك إلى حدٍ بعيد في الوعي المجتمعي بآليات صناعة التكتلات الحديثة؛ وأصبحت القبيلة هي أساس كل تكتل سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي. في المقابل، نجد أن الآباء المؤسسين لحزب عصبة الشباب الصومالي SYL، الذي أدى الدور الأساسي في الاستقلال، سعوا لزرع مفهوم القومية الصومالية البعيدة عن العشائرية في وعي المجتمع الصومالي، ومن ثمّ التعامل بين الأفراد على هذا الأساس. وتكريسًا لهذا المفهوم، كان الحزب يشترط على أعضائه ضرورة تجسد مفهوم القومية الصومالية الجامعة، والقسم بعدم الإفصاح عن الانتماء القبلي 57.
2. مرحلة ما بعد الاستقلال
علن قيام الجمهورية الصومالية في أ 1 تموز/ يوليو 1960 بعد اتحاد الجزء الشمالي المستقل عن بريطانيا قبل أربعة أيام من إعلان ميلاد الدولة، والجزء الجنوبي الذي استقل من إيطاليا في اليوم نفسه، واختيرت مقديشو عاصمة للبلاد 58. بعدها انتخب المجلس التشريعي الذي كُوّن حديثًا، رئيسًا للبلاد، وضم هذا المجلس كل أعضاء المجلس التشريعي الجنوبي، والمجلس التشريعي الشمالي 59. وتؤكد الدراسات أن الحكومات التي انتخبت وقتها مثلت أول حكومات ديمقراطية، تعمل بمبدأ التداول السلمي للسلطة في أفريقيا وهو ما اعتبر تجربة رائدة وقتها 60. ورغم ذلك، لم تسلم هذه التجربة من تغلغل النفوذ القبلي، المؤثر في بعض الأحيان في القرارات السياسية المتخذة 61. لاحقًا في عام 1969، في ظل الاحتقان السياسي الذي واجهه الصومال، بسبب اغتيال رئيس البلاد على يد أحد أفراد الحرس الشخصي - وقد اتهمت أطراف عديدة بالوقوف وراء هذه الحادثة - 62، نفّذ الجيش بقيادة سياد بري انقلابًا على الحكومة المدنية، وسعت الحكومة التي أنشأها للقضاء على جذور القبلية في البلاد، وانتهجت سياسات عدائية ضد كل أشكال القبيلة 63. وأدت هذه السياسات غير المدروسة إلى عودة الصراعات القبلية بأشد حدة 64؛ لأن منفّذي هذه السياسات لم يأخذوا في الاعتبار طبيعة المجتمع وتكوينه المبني على القبيلة تاريخيًا. وقد كان في الإمكان استثمار التنوع القبلي لخلق بيئة تعزز تنمية مفهوم الدولة وتزرع الوطنية في أفراد المجتمع؛ وذلك عن طريق التركيز على الجانب الإيجابي للقبيلة، كاستثمار طبيعة التكافل الاجتماعي بتجلياته المختلفة، بدلً من محاولة القضاء عليها، إلا أن هذا لم يحصل 65.
3. سقوط الدولة وبداية الحرب الأهلية
نتيجة للحكم الفردي الشمولي الذي انتهجه سياد بري، وتزايد السخط الشعبي بسبب الانتهاكات المتزايدة التي مارسها النظام، بدأ الصراع القبلي المسلح من داخل المؤسسة العسكرية، وخاصة بعد هزيمة الجيش الصومالي في الحرب الاستنزافية مع إثيوبيا، والتي اعتبرها العديد من الباحثين البداية الحقيقية لسقوط الدولة في الصومال 66. أدت هذه الصراعات إلى بداية نهاية نظام بري من جانب، ومثلت من جانب آخر الخطوات الأولى لبداية الحرب الأهلية. فبعد إحساس بري باقتراب نهاية نظامه، قام بإثارة العديد من الصراعات والصدامات بين القبائل وتسليح بعضها ودعمها ماديًا، إضافة إلى اقترافه العديد
الخريطة السياسية للصومال
من الإبادات الجماعية 67، وأتبع ذلك بسلسلة من الإعدامات لعدد من الضباط المنتمين إلى قبائل معينة بتهمة الخيانة 68. يعزى سقوط الدولة عام 1991 وانهيارها إلى الفشل في تحديد الأولويات الأساسية للدولة الحديثة، وعدم السعي لخلق هوية صومالية تنصهر فيها العشائرية والقبلية لصالح هوية جامعة للمجتمع الصومالي، فضلً عن عدم التركيز على بناء مؤسسات الدولة. أضف إلى ذلك أن الإبادات الجماعية التي حصلت في فترة الحكم العسكري، والتي تجلى أثرها بصفة ملحوظة في الحرب الأهلية، كان لها دور حاسم في سقوط الدولة 69، وكان أيضًا للتجليات المتتالية للهزيمة العسكرية في حرب إثيوبيا عام 1978 آثار مباشرة 70؛ فقد وصل عدد القتلى في بداية الحرب الأهلية إلى نحو 300 ألف شخص، وأدى تزايد الصراع إلى دمار كبير للبنية التحتية للبلاد، إلى جانب زيادة موجات النزوح والهجرة واللجوء إلى الدول المجاورة والبعيدة 71. وساهمت هذه الحروب كذلك في إعادة تموضع القبائل في الجغرافيا الصومالية 72؛ وهو ما ولد لاحقًا تعقدًا في طبيعة البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الصومال، وهو ما يناقشه الجزء الثالث من الدراسة. 4. مؤتمرات المصالحة ومشروع بناء الدولة سعت الأطراف المتصارعة مع طول الحرب الأهلية واستمرارها، وعدم غلبة طرف على آخر، للمصالحة والجلوس إلى طاولة الحوار. وأدت هذه الرغبة إلى تنظيم العديد من مؤتمرات برعاية دولية، إضافة إلى مؤتمرات محلية؛ فقد جرى في المدة 2004-1991 تنظيم 17 مؤتمرًا 73. ولكنّ هذه المؤتمرات لم تتوصل إلى صيغة واضحة للتشارك السياسي، وآليات فعالة لإيقاف الصراعات المتنامية 74؛ وذلك بسبب غياب الإرادة الحقيقية من جهة، والتدخل الخارجي من جهة أخرى 75. لقد كانت جل المؤتمرات التي عقدت بعد الحرب تركز على آليات بناء الدولة وسبله، وأغفلت أساسًا الأسباب التي أدت إلى الصراع، والدروس التي كان من المفترض أن تُستفاد منها، ولم تخرج بحل جذري يمكن بناء كيان دولة على أساسه. وجرى أيضًا في هذه المؤتمرات تأجيل البتّ في العديد من القضايا التي تمس مختلف أفراد المجتمع، كمحاسبة أمراء الحرب، وتعويض المتضررين، وغيرها من القضايا التي ما زالت البلاد تدفع ثمن تأجيلها عبر بروز هذه القضايا بأشكال واستجابات مختلفة 76. في الوقت الحالي، يعتبر الصومال دولة فدرالية تتكون من خمس ولايات، إضافة إلى إقليم صوماليلاند، والذي أعلن انفصاله منذ عام 1991، ويعيش الإقليم حالة من الاستقرار السياسي والاقتصادي مقارنة بالحكومة المركزية والولايات التابعة لها، وتستمر جهود النخب الحاكمة في صوماليلاند في الحصول على الاعتراف الدولي 77. وتجدر الإشارة إلى أن إقليم صوماليلاند لا يدخل في حدود هذه الدراسة، ولا في نتائجها.
ثًالث ا: الفجوات البنيوية في بناء الدولة في الصومال: تعدد الأبعاد وتعقدها
1. البعد السياسي
أ. نظام المحاصصة القبلية 5. 4
في مؤتمر الصومال للسلام الوطني، الذي عُقد في مدينة عرتا بجمهورية جيبوتي في أيار/ مايو 2000، جرى التوصل إلى سياسة تُعتمد في تقاسم المقاعد في المجلس التشريعي (الذي سيختار رئيس البلاد)، والوزارات، والمناصب الحكومية، وذلك عبر تخصيص مقاعد محددة لكل قبيلة. كان الهدف من هذه السياسة دمج المكون القبلي رسميًا في مؤسسات الحكومة؛ لامتصاص الصراعات القبلية والحدّ من تكرار تجربة الحرب الأهلية في التسعينيات. وسميت هذه السياسة بسياسة 4.5؛ حيث يمثل الرقم 4 القبائل الأربع الكبرى، في حين يمثل النصف الأقليات القبلية في البلاد. وبناء على هذه الآلية، يُ نح 16 مقعدًا من ال 275 - والتي تشكل مجموع المقاعد في مجلس النواب (الغرفة السفلى) - لكل قبيلة من القبائل الأربع الكبرى، و 31 مقعدًا للقبائل التي تمثل الأقلية، إضافة إلى مقاعد مجلس الشيوخ (الغرفة العليا) والتي تبلغ
54 مقعدًا، كما يجري تعيين مسؤولي المناصب السياسية والإدارية بناء على هذه المعادلة 78. أثارت هذه الآلية جدلً واسعًا بين الأكاديميين والمثقفين، وكذلك بين أطياف المجتمع، في مدى جدوى هذه الآلية التي اعتُمدت لشرعنة التقاسم القبلي، ومأسسته بصفة رسمية 79؛ وهو ما أدى إلى إغفال معيار الكفاءة عند الاختيار، وخلق هوة بين تطلعات المجتمع والأفراد الممثلين له 80. يجادل البعض بأن هذه السياسة تلائم المجتمعات القبلية، وتضمن لها التمثيل؛ وهو ما يحفظ حقوقها ومصالحها. في حين يؤكد آخرون أن هذه السياسة ساهمت في توسيع الشرخ بين أطياف المجتمع، واعتبروها سياسة هدم لمقومات المجتمع الرشيد، عبر تشريع الإقصاء الممارس ضد الأقليات القبلية في البلاد، وعدم وجود تساوٍ في الحقوق بين أبناء المجتمع 81. واعتبرت هذه السياسة وقت اختيارها سياسة مرحلية؛ نظرًا إلى شدة الصراع القبلي وقتها، وعدم القدرة على تصور حل آخر فعّال، ولكونها تضمن التمثيل والمشاركة السياسية للجميع ولو بنسب مختلفة 82. إلا أنه بعد أن حققت عن طريقها القبائل الكبرى مكتسبات سياسية وإدارية، سعت لاستمرار العمل بها وعدم تغييرها 83. ظهرت كذلك علاقة تبادلية بين النخب الممثلة لهذه القبائل سياسيًا، وشيوخ القبائل لتبادل المصالح 84؛ ما ساهم في خلق جو عام يسعى لاستمرار العمل بهذه الآلية، مع الوعود المستمرة بإيقاف العمل بهذه السياسة 85. نتج من هذا توظيف الفصائل السياسية للقبيلة لتحقيق مكاسبها الخاصة، والبروز في صفة الممثل الشرعي للقبيلة 86، إلى جانب وجوب الحصول على دعم قوي من القواعد العشائرية للدخول إلى الحياة السياسية، والذي لا يمنح للفرد من دون التوافق بشأن وسائل زيادة نفوذ العشيرة في وقت لاحق، وهو ما يمنع في الوقت نفسه الفرد من القدرة على التفكير خارج إرادة القبيلة 87. فقننت هذه السياسة التمييز السياسي والإداري ضد الأقليات القبلية في البلاد، والتي كانت تعاني من قبل تمييزًا في المجال الاجتماعي، بل جعلته ممارسة نظامية شرعية تبرز آثارها في مختلف مجالات الحياة العامة 88. يتنامى، على أرض الواقع، السخط المجتمعي ضد هذه السياسة؛ لافتقادها المشاركة المجتمعية على مختلف مستوياتها، وانعدام الروح الوطنية الجامعة لأفراد المجتمع بسبب التأكيد المستمر للمكون القبلي، وخلق ذلك جوًّا من المحسوبية والفساد المالي، وبصفة علنية وواضحة في كثير من الأحيان. يضاف إلى ذلك تلاعب شيوخ العشائر بكيفية اختيار ممثليهم، والتدخل في عملية اتخاذ القرارات 89. علاوة على ذلك، فإن مخرجات هذه الآلية ليست ذات كفاءة لاستلام المناصب السياسية أو الإدارية 90؛ بسبب ضعف مؤهلاتها العلمية وخبراتها المهنية، فضلً عن سعيها لإرضاء شيوخ القبائل، للحفاظ على منصبهم مستقبلً. أدت هذه السياسة إلى قيام الجيل الحالي من النخب السياسية بتطويع النظام القبلي والعشائري المتغلغل في المجتمع الصومالي لتحقيق مكاسب سياسية 91، عبر التلاعب في كثير من الأحيان بالهوية العشائرية والقبلية، وتطويعها بحسب اتجاه مصالحهم الشخصية 92. كما نتج من هذه السياسة تزايد الاحتقان بين القبائل، سعيًا لزيادة مكاسبها السياسية والإدارية؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات عدم الاستقرار السياسي في البلاد 93. لم تُنه هذه الآلية الصراعات بين القبائل على أحقيتها في التمثيل السياسي والإداري؛ فما زالت النزاعات تبرز بسبب مطالبة بعض العشائر الفرعية بمساواتها ببقية العشائر، وهو ما يستحيل فعله بسبب محدودية هذه المناصب مقارنة بالعدد الهائل للعشائر الفرعية 94. وهذا ما يؤكد صعوبة تحقيق أي استقرار سياسي مبني
على نظام المحاصصة القبلية 4.5 95. يضاف إلى ذلك أن سيرورة تشكل الثقافة السياسية في الصومال تحمل في نواتها ما يمثل عقبة أساسية أمام بناء مؤسسات الدولة. وتتمثل هذه العقبة في كون العشائرية والقبلية تعملان ضد بناء مؤسسات سياسية رسمية وترسيخها، يتساوى لديها الجميع بغض النظر عن الانتماء القبلي والعشائري. وتحتاج هذه العقبة إلى آليات ووسائل تحدّ من سيطرتها وانتشارها، وليس إلى تقنينها وشرعنتها كما حصل في اعتماد سياسة المحاصصة القبلية.4.5
بالرجوع إلى أدبيات حقل بناء الدول، نجد أن مشروع بناء الدولة في الصومال بتبنّيه سياسة المحاصصة القبلية تسبب في تجذير سياسات تعرقل عملية بناء دولة؛ نظرًا إلى ارتباط عمليات البناء بوجود سياسات تنموية يتساوى عندها جميع أفراد المجتمع، ولا تكتنز في ثناياها أي أفكار إقصائية لأحد الأطراف. يعتمد بناء الدولة أساسًا على الاستثمار في رأس المال الاجتماعي والبشري، وعلى مدى قدرة القادة السياسيين على تقديم مُثل وقيم سياسية يتوافق فيها أفراد المجتمع، ومن ثم تعميم هذه القيم والمثل وإضفاء الطابع الاجتماعي العام عليها؛ وذلك في سبيل تكوين أرضية مشتركة لأفراد المجتمع 96. وهو ما لا يمكن تصور وجوده مع العمل بنظام المحاصصة القبلية 4.5، والذي يستبعد المجتمع الصومالي من المعادلة السياسية بصفة متعسفة، ويكاد يحصرها في شيوخ القبائل والممثلين السياسيين للقبيلة 97. وهذا ما يحتم ضرورة اعتماد بدائل وآليات تضمن انخراط المجتمع بفئاته المختلفة في العملية السياسية، إلى جانب اعتماد سياسات تعزز زرع الهوية الوطنية الجامعة بين أفراد المجتمع.
ب. الفدرالية والنظام اللامركزي
أدت نتائج الحرب الأهلية في الصومال إلى تشكل مجموعة من الولايات التي تتعامل فيما بينها على أساس أنها دول متجاورة 98، وبعد اعتماد النظام الفدرالي في البلاد صبغ ذلك هذه الانقسامات بصبغة رسمية 99، من دون النظر في أساس تكوّن هذه الولايات. وجرت صياغة الأسس الرئيسة لتطبيق الفدرالية في الصومال في محادثات السلام في كينيا عام 2004، واعتبرت من المخرجات الأساسية لتلك المحادثات، في حين بدأ العمل بها عام 2012 100. لم يكن خيار الفدرالية ملائمًا للمجتمع الصومالي، لعدم وجود دواعٍ لذلك 101، وعدم انسجام البنية الاجتماعية للمجتمع مع خيار الفدرالية؛ لكون المجتمع مبنيًا على النظام العشائري والقبلي، والذي لا يمكن أن يجري التعامل معه بمنطق الإثنيات والقوميات المختلفة كما هو معمول به في العديد من دول العالم، ثمّ إن هذه القبائل والعشائر لا تنتشر في رقع جغرافية محددة، يمكن من خلالها تحديد مساحة معينة لكل قبيلة. من الناحية الاقتصادية، تأثرت البلاد كثيرًا بتعدد المستويات الإدارية والسياسية فيها؛ فلكل ولاية رئيسها ووزراؤها وبرلمانها الخاص، وهو ما لا تتحمله ميزانية البلاد في الأساس 102. كما أنه جرى اعتماد النظام الفدرالي مع وجود العديد من المناطق في البلاد كانت تُدار بعيدًا عن العاصمة منذ سقوط الحكومة؛ بمعنى أن قرار تطبيق الفدرالية قد اتُخذ بحكم الأمر الواقع 103، وليس بقرار صادر بناءً على توافقات سياسية، أو أسس دستورية واضحة. فما زال غياب الأطر الدستورية الواضحة لصلاحية
الحكومة المركزية وصلاحية حكومات الولايات يمثل العقبة الأساسية في تحقيق جدوى اعتماد الفدرالية. لقد تسبب هذا الخيار في بلقنة الصومال، ومثّل تحديًا لتشكيل هوية صومالية جامعة لأفراد المجتمع، إضافة إلى منحه الدول المجاورة الفرصة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، عبر استقطاب حكومات الولايات ودعمها 104، وشكّل أيضًا عائقًا أمام تحقيق الاستقرار والتنمية 105. مثّل خيار الفدرالية تحديًا أمنيًا للبلاد على المستوى القومي، بسبب التدخلات الخارجية عن طريق الحكومات المحلية، وتوسع نفوذ العديد من الدول في هذه الحكومات؛ ما أدى إلى إضعاف قدرة الولايات الفدرالية على التعامل مع الحكومة المركزية، وفيما بينها وهو ما يولّد صراعات بصفة متكررة 106. يضاف إلى ذلك، أن خيار اعتماد الفدرالية في البلاد لم يكن نابعًا من وجدان المجتمع الصومالي أساسًا، بل دعمته العديد من دول الجوار 107. كما أنه في إطار هذا الخيار أمكن احتواء مجموعة من أمراء الحرب السابقين؛ وهو ما مثل إشكالية حقيقية في عملية بناء الدولة 108، ولعنة على عملية التنمية في البلاد 109. تعتبر إشكالية رفض العديد من الولايات الفدرالية في الصومال للنظام المركزي نابعة من الأفكار الكامنة في المخيال الصومالي. فهو يتحرّز من تكرار تجربة الحرب الأهلية، التي كان القتال فيها على أسس قبلية وعشائرية، وكانت الدولة المركزية وقتها تمثل الأساس في الحرب؛ ما أدى إلى التحرّز الدائم من كل ما قد يمثل تهديدًا وجوديًا 110. فنتج من ذلك سعي هذه الولايات لوضع حدود بينها وبين الحكومة المركزية في العاصمة، وقد تجلى ذلك في شكل صراعات وتجاذبات سياسية متكررة، إلى جانب كون طبيعة العلاقة في الأساس هشة، وتفتقر إلى الثقة المتبادلة، نظرًا إلى الإرث التاريخي الذي تَشكَّل طوال فترة سقوط الدولة 111. لقد ساهم النظام الفدرالي المعمول به حاليًا في شرعنة العشائرية السياسية وإضفاء الطابع المؤسسي عليها 112، إضافة إلى التعامل السياسي على أسس قبلية واضحة بين الولايات وفيما بينها؛ فأعطى أبعادًا جديدة للصراعات القبلية. فبدلً من أن تسعى الدولة لخلق هوية تجمع أفراد الشعب وتعمل على تحييد كل ما قد يؤثر في تماسك المجتمع، أدى النظام الفدرالي إلى تعميق الفجوة بين مكونات المجتمع الصومالي 113؛ وهو ما أدى إلى صعوبة بناء مؤسسات دولة وطنية ناجحة. ثمّ إن الولاء للولايات الفدرالية، المبنية في الأساس على أسس قبلية وعشائرية، أدى إلى زيادة التعصب القبلي لأفراد المجتمع؛ فتسبب كل ذلك في تنامي حالات الصراع على الحدود بين الولايات، وأثر سلبيًا في طبيعة العلاقة بينها، وارتفاع معدلات خطاب الكراهية بين أفراد المجتمع الصومالي 114. تشير الأدبيات إلى دور الاستقرار والنظام المركزي السابق في نجاح تطبيق الفدرالية وتحقيقها لأهدافها. فعلى سبيل المثال، يجادل الباحث بول هاتشكرفت بأن الفدرالية واللامركزية تمتلكان فرصًا أكبر للنجاح لتحقيق النتائج المرجوة في دول تمتعت بتجربة مركزية مستقرة سابقة قبل تبنّي النظام الفدرالي اللامركزي 115. وهو ما لم ينطبق على الصومال؛ فكما أشرنا سابقًا، اعتبرت هذه الولايات ولايات فدرالية بحكم الأمر الواقع بعد انتهاء الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من عقدين من الزمن، وخلقت واقعًا جديدًا منفصلً عن التجربة المركزية السابقة تحت الحكم العسكري، واعتُمد هذا النظام في محاولة لامتصاص الصراعات وحالة التشرذم التي كانت تعانيها البلاد وقتها. يضاف إلى ذلك أن الهوية المشتركة المشكّلة للمجتمع الصومالي لا تستدعي وجود نظام فدرالي، على عكس العديد من دول العالم التي تتبنى هذا النظام. وللخروج من هذه المعضلة، في إمكان الصومال اعتماد نظام موحد لامركزي، يحصر الجوانب السيادية المختلفة والصلاحيات الدستورية في يد الحكومة المركزية، في مقابل تفويض صلاحيات إدارية ومالية إلى أجهزة حكومية في مختلف المدن والأقاليم 116.
2. البعد الاجتماعي ودور المجتمع المدني
تكاد الدراسات المتخصصة تُجمع على الدور الأساسي الذي يؤديه المجتمع المدني في عمليات التنمية والتغيير، وكون التنمية عملية تحتاج إلى دمج مختلف أصحاب المصالح لتحقيق أهدافها، إضافة إلى أهمية الدعم الاجتماعي الذي تقدمه منظمات المجتمع المدني
في عمليات بناء الدولة ومؤسساتها، ويعتبر فقدانه أحد العوامل الأساسية في فشل البناء 117. تشكّل بعد الاستقلال في الصومال نموذج مبسط من منظمات المجتمع المدني المنخرطة في عمليات التنمية 118، تلا ذلك تراجع في دور هذه المنظمات بعد انقلاب بري، الذي قضى فيه على أي دور حقيقي للمجتمع المدني، في ظل السياسة الشمولية التي انتهجها في إدارة البلاد وقتها 119. ومع بدء الحرب الأهلية عام 1991، عادت منظمات المجتمع المدني في التشكّل والبروز، لملء الفراغ الذي أعقب سقوط الحكومة، وساهمت أساسًا بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية الدولية والإقليمية في تقديم المساعدات لآلاف المهاجرين. وانخرطت هذه المنظمات أيضًا مع تراجع حدة الحرب في عمليات إعادة الإعمار، وتقديم خدمات مثل: التعليم، والصحة، وإمدادات المياه 120. لقد أدت المنظمات غير الحكومية دورًا محوريًا في الحرب الأهلية التي عايشتها البلاد في التسعينيات من القرن الماضي، وتركز دورها وقتها في المساعدات الإنسانية والأعمال الإغاثية، ثم مساهمتها في إدارة الشؤون المتعلقة بالخدمات العامة في الدولة 121، إلا أنه لم يكن للمجتمع المدني الصومالي دور كبير في عمليات بناء الدولة؛ بسبب تحجيم دوره، وحصر مشاركته في جوانب ضيقة 122. نجد أن ما يحجّم دور المجتمع المدني في التأثير في عملية التنمية، والمساهمة على نحوٍ فعال في إعادة بناء مؤسسات الدولة، هو ارتباطه الجذري بالقبيلة، واعتماده في كثير من الأحيان على الآليات القبلية في أداء مهماته الأساسية. فصعوبة انفصال القبيلة عن تشكّل منظمات المجتمع المدني في الصومال ساهمت مباشرة في فشل تلك المنظمات في تحقيق أحد أهدافها الأساسية، المتمثل في خلق هوية وطنية جامعة بين أبناء الشعب، وزيادة معدلات الحوكمة في البلاد 123. فعلى عكس المطلوب، ساهمت هذه المنظمات بطريقة غير مباشرة في تعميق القبلية في المجتمع؛ نظرًا إلى إبرازها صعوبة تكوين تجمع صومالي لا يستند إلى القبيلة وشرعيته مكونًا أساسيًا. يتحتم على منظمات المجتمع المدني في الصومال على مختلف توجهاتها استحضار دورها الأساسي في التنمية، وأهمية تعزيز الهوية المشتركة بين أفراد المجتمع عبر الوسائل المتاحة، وزرع ثقافة التطوع بينهم، واستثمار الهوية الاجتماعية المشتركة في البلاد، والتي تتمثل في التشارك في اللغة والدين والثقافة، والقومية 124. إن خلق الهوية الوطنية الجامعة، وتعزيز قيم المواطنة، يقتضيان تفعيل أداء منظمات المجتمع المدني؛ وذلك لضمان دمج أفراد المجتمع بمختلف شرائحهم في عملية التنمية، وتساهم كذلك هذه المنظمات في امتصاص الحاجة النفسية إلى الانتماء، وتقديم المساعدة، والرغبة في الاندماج في الحياة العامة، والتي تشكل القبيلة المقدم الوحيد لهذه الخدمات في الصومال حاليًا. إضافة إلى ذلك، على منظمات المجتمع المدني التركيز على دور الشباب عن طريق دعم المبادرات الشبابية، بمختلف أنواعها؛ سعيًا للاستفادة من طاقاتهم، والتي إن لم تستثمر على الوجه الصحيح استُغلت في جوانب أخرى تقوض بنيان المجتمع. في إمكان منظمات المجتمع المدني، في سبيل تعزيز الهوية الوطنية في المجتمع، الاستفادة من الوسائل المتاحة لها، كالإعلام والتعليم. فالإعلام يمثل الآلية التي تجري عن طريقها هندسة المجتمعات، وتغيير مفاهيمها، وأفكارها، إضافة إلى زرع الأفكار، وتعزيز التوجهات الإيجابية ودعمها. أما التعليم، فيعتبر دوره محوريًا في عمليات بناء الدولة، وخلق الهوية المشتركة بين أفراد المجتمع، خاصة في دول ما بعد الصراعات 125. ولتحقيق ذلك، لا بد من وجود خطط واضحة 126.
3. البعد الاقتصادي
أ. المصالح التجارية للتجار
تُعتبر معركة الفساد من أهم المعارك التي تواجه البلدان النامية، ويرتبط مستوى التقدم والنهضة في كل دولة بمدى الوعي والدعم الذي يقدمه كبار المسؤولين وعموم الجمهور للمعركة ضد الفساد 127. في الفترة التي عاشت فيها الدولة مرحلة هشاشة وضعف، تكوّن
في الصومال قطاع تجاري واسع، يديره رجال أعمال يمتلكون رؤوس أموال ضخمة، ويعمل هذا القطاع بعيدًا عن أي تدخلات حكومية، سواء تنظيمية أو حتى فيما يتعلق بفرض الضرائب والرسوم التجارية المختلفة. ساهم هذا القطاع أساسًا في الحفاظ على النشاط الاقتصادي وتوفير سبل الحياة الأساسية لأفراد المجتمع. لكن في المقابل، نتج من ذلك تغلغل طبقة رجال الأعمال في مفاصل الدولة 128. إن بروز دور الدولة من جديد في الصومال، وإعادة بناء مؤسساتها بصفة كاملة، سينتج من ذلك مأسسة القطاع التجاري في البلاد، والبدء في تحصيل الضرائب وغيرها من الإجراءات الاقتصادية، إضافة إلى إعادة ضبط السياسة المالية والنقدية في البلاد، وهو ما لا يتسق مع مصالح رجال الأعمال؛ إذ إن نفوذهم في البلاد يصل إلى التأثير في القرارات السياسية والإدارية المتخذة 129، وهو ما يشكل حجر عثرة أمام إقرار أي سياسة تتعارض مع مصالحهم التجارية. ويتجلى ذلك أيضًا في تحول الشعب الصومالي إلى استخدام الدولار بدلً من العملة المحلية في المعاملات التجارية اليومية؛ ما أدى إلى معاناة البلد بصفة دائمة موجات التضخم، مع الارتفاع في الأسعار بسبب القيمة المرتفعة للدولار. ويعود ذلك أساسًا إلى سعي طبقة التجار لتلافي إشكالية عدم استقرار العملة المحلية، ورغبتهم في تحقيق الأرباح من دون أن يأخذوا في الاعتبار الأثر السلبي لهذا الخيار في أفراد المجتمع 130؛ ويؤكد كل ذلك حاجة القطاع الاقتصادي في الصومال إلى إعادة هندسة كاملة.
ب. المساعدات الخارجية
رغم أن المساعدات الخارجية تؤدي بعض الأدوار الإيجابية في أوقات الأزمات، وفي تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية في الصومال، فإن طبيعة الدعم المالي الخارجي المخصص لمشروع بناء الدولة تثير جدلً كبيرًا، ويعتبرها الكثير من النقاد أحد المعوقات الأساسية لهذه العملية؛ نظرًا إلى السياسات الفاشلة التي انتهجها المجتمع الدولي في إدارة هذه المساعدات والبرامج التي تدعمها. تتعدد سياسات الفشل هذه، ولكن يمكن حصرها في الآتي: -1 إضفاء هذه المساعدات الطابع المؤسسي على التعامل مع القبائل والعشائر والجماعات المسلحة، بصفتها كيانات قائمة بذاتها ومنفصلة بعضها عن بعض، بل تعميقها لهذه الانقسامات عبر التواصل الرسمي مع شيوخ القبائل بلا داع حقيقي في كثير من الحالات؛ -2 دعم فصيل سياسي ضد آخر؛ -3 التعامل قبل ذلك مع أمراء الحرب وتأمينهم في الحرب الأهلية؛ -4 تقويض بناء مؤسسات الدولة عبر عدم الوضوح في سياسات الدعم للحكومة المركزية والحكومات الفدرالية وخلق نوع من التجاذب بصفة دائمة؛ -5 عدم وجود آليات مساءلة للجهات التي يجري دعمها؛ مما تسبب في انتشار الفساد 131. وتثبت المشاهدات استشراء الفساد في المساعدات الخارجية المقدمة للصومال، وذلك بسبب وقوع العديد من هذه المساعدات في الأيادي الخطأ؛ وهو ما يؤدي إلى عدم وصولها إلى الفئات المستهدفة كما هو محدد ومخطط له. وتعتبر هذه الإشكالية نتاجًا لعدم التعامل المباشر مع الجهات الشرعية المناسبة، أو فقدان آليات التقييم والمتابعة التصحيحية. واستخدمت هذه المساعدات أيضًا في كثير من الأحيان لتأجيج الصراعات 132، أو لتحقيق مختلف الفرقاء السياسيين لمصالح سياسية، أو دعم فصيل سياسي مقابل آخر، في حين أنه كان من المفترض أن يجري صرفها في بناء الدولة ومؤسساتها 133. وتعتبر ظاهرة التدخل في الصراعات الداخلية، ودعم فصيل ضد آخر متكررة في المشهد الصومالي 134. بالرجوع إلى أدبيات حقل بناء الدول، نجد أن مشروع بناء الدولة في الصومال أغفل، بتبنيه لسياسات اقتصادية مثيرة للجدل، التركيزَ على الآليات التي تساهم في مأسسة هذه المساعدات، وتضمن الاستفادة منها بالطريقة الصحيحة. أضف إلى ذلك أهمية ربط هذه المساعدات بمشاريع لها وجود حقيقي على أرض الواقع، وتأكيد ضرورة وجود معايير ومؤشرات واضحة لقياس مدى تحقيق هذه المساعدات لأهدافها 135.
خاتمة
عملت هذه الدراسة على بلورة الأبعاد الأساسية للفجوات البنيوية التي يعانيها مشروع بناء الدولة في الصومال، في سعيها لاستكمال بناء مؤسسات الدولة المختلفة. وبناء على المراجعة الأدبية الشاملة لأدبيات بناء الدولة والواقع الحالي في الصومال توصلت إلى أن هذه الفجوات تنحصر في ثلاثة أبعاد، وهي: بعد سياسي، يتمثل في نظام المحاصصة القبلية 4.5 والنظام الفدرالي المتبع في البلاد،
وبعد اجتماعي، يتمثل في دور المجتمع المدني في عملية بناء الدولة، وبعد اقتصادي، يتمثل في المصالح التجارية لرجال الأعمال، وأثر المساعدات الخارجية. وتناولت الدراسة بالتفصيل أهمية الإرادة المحلية من جانب ومراعاة السياق الجغرافي من جانب آخر في عملية بناء الدولة، إضافة إلى عدم نجاعة الاستلاب للحلول الخارجية. وسلطت الضوء على دور تحديد حدة الصراع الذي سبق السلام في الدولة، وكذلك طبيعة النظام السابق، وبنية المجتمع، والطبيعة الجغرافية للبلد، إضافة إلى النطاق الجيوبوليتيكي الذي تقع فيه الدولة في سير عملية بناء الدولة وتحديد محدداتها الأساسية. واستعرضت نشوء الدولة وانهيارها في الصومال، وأوضحت أنه ما زال يعاني آثار الاحتراب الأهلي في تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب تعقد التركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد من جراء ذلك. ووثّقت الدراسة أن مؤتمرات المصالحة التي تتابعت في تلك الفترة جرى فيها إغفال الحديث عن مجموعة من الجوانب الأساسية التي تمس مختلف أفراد المجتمع، كمحاسبة أمراء الحرب، وتعويض المتضررين، وغيرهما من القضايا التي ما زالت البلاد تدفع ثمن تأجيلها عبر بروز هذه القضايا بأشكال واستجابات مختلفة. ثم أكدت الدراسة أنه من المهم، عند الحديث عن بناء الدولة ومؤسساتها، أن يراعى كون هذه العملية تتم على مراحل متعددة، ويجري تحقيق أهدافها على مدى طويل نسبيًا؛ ما يحتم ضرورة وجود آليات واضحة لقياس مدى التقدم المحقق، هذا إضافة إلى ضرورة حل إشكالية الطابع المؤسسي الذي أُضفي على العشائرية السياسية في الصومال، فبدلً من تنمية الهوية الوطنية بين أفراد المجتمع، يتسبب هيكل الدولة الحالي المتمثل في نظام المحاصصة القبلية 4.5، والفدرالية المبنية على أسس قبلية وعشائرية، في تقويض جميع الجهود الهادفة إلى تقوية الهوية الوطنية. وتحرم مثل هذه الخيارات الجهود الرامية إلى بناء الدولة ومؤسساتها من وجود إحدى أهم ركائز هذه العملية، المتمثلة في وجود الثقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، والتي تعتبر نتيجةً لوجود هوية وطنية جامعة، وهو ما يبرز أهمية دور المجتمع المدني في تعزيز هذه الهوية وتقويتها. ختامًا، استعرضت الدراسة الفجوات البنيوية في مشروع بناء الدولة في الصومال، وأكدت كذلك في الوقت نفسه أهمية البحث في سبل سد الفجوات البنيوية في هذا المشروع، إلى جانب أهمية إجراء مقارنات بالدول الشبيهة بالحالة التي عايشها الصومال، وذلك في الدراسات المستقبلية.
References المراجع
العربية
أحمد، حسن الحاج علي وعديلة تبار. "الأمننة والديمقراطية في القرن الأفريقي: حالات جيبوتي والصومال والسودان." سياسات عربية. العدد).2019(39 جيدي، عبد القادر معلم محمد. "الفدرالية في الصومال: دراسة متابعات إفريقية. العدد تقييمية." 3.)2020(عبد الله، عبد الرحمن معلم. تاريخ الصومال: رؤية تحليلية جديدة. ترجمة بيسان فايز الحلاق. إسطنبول: مكتبة خواطر للطباعة والنشر،.2021 عرفة، محمد. "أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية." سياسات عربية. العدد). 2020(42 علمي، أفياري. "نظام موحد لامركزي: نموذج ممكن لأرضية وسطية سياسات عربية. العدد في الصومال". 15.)2015(عمر، صالح معلم أبوبكر. دور مؤسسات المجتمع المدني في التنمية الاجتماعية والسياسية في الصومال. لندن: مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية، 2012. عيسى، عبد الرحمن محمود علي. "قراءة في المشهد السياسي والانتخابي في الصومال: تطلعات وتوقعات." تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. محمود، أحمد إبراهيم. الصومال بين انهيار الدولة والمصالحة الوطنية: دراسة في آليات تسوية الصراعات في أفريقيا. القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 2005.
الأجنبية
Abdullahi, Abdurahman. "Somali Elite Political Culture: Conceptions, Structures, and Historical Evolution." Somali Studies. vol. 5 (2020). Ahmed, Nasteha Mohamud. "Somalia's Struggle to Integrate Traditional and Modern Governance Systems: The 4.5 Formula and the 2012 Provisional Constitution." Journal of Somali Studies. vol. 6, no. 1 (2019).
Balthasar, Dominik. "State-making in Somalia and Somaliland: Understanding War, Nationalism and State Trajectories as Processes of Institutional and Socio-cognitive Standardization." PhD Dissertation. The London School of Economics and Political Science, 2012. Battera, Federico. "Some Considerations on State Building in Divided Societies and the Role of the 'International Community': Somaliland and Somalia Compared." Northeast African Studies. vol. 10, no. 3 (January 2003). Castañeda, Ernesto & Cathy Lisa Schneider (eds.). Collective Violence, Contentious Politics, and Social Change. A Charles Tilly Reader. London: Routledge, 2017. Chesterman, Simon. "From State Failure to State-building: Problems and Prospects for a United Nations Peacebuilding Commission." Journal of International Law & International Relations. vol. 2, no. 1 (2005). Dahir, Abdinor & Ali Yassin Sheikh. "Federalism in Post-conflict Somalia: A Critical Review of its Reception and Governance Challenges." Regional & Federal Studies (2021). Edwards, Lucy Morgan. "State-building in Afghanistan: A Case Showing the Limits?" International Review of the Red Cross. vol. 92, no. 880 (December 2010). Elmi, Afyare Abdi. Understanding the Somalia Conflagration: Identity, Islam and Peacebuilding. London: Pluto Press, 2010. Eno, Mohamed A., & Abdi M. Kusow. "Racial and Caste Prejudice in Somalia." Journal of Somali Studies. vol. 1, no. 2 (2014). Eriksen, Stein Sundstøl. "State Effects and the Effects of State Building: Institution Building and the Formation of State-centred Societies." Third World Quarterly. vol. 38, no. 4 (2017). Fokwa, Mbanwi Honore. Promoting Democracy in Cameroon: The Role of Civil Society. PhD Dissertation. University of Johannesburg (South Africa), 2019. Fritz, Verena & A. Rocha Menocal. "Understanding State-building from a Political Economy Perspective." Report for DFID's Effective and Fragile States Teams. no. 21. Overseas Development Institute (September 2007). Fukuyama, Francis. State-Building, Governance and the New World Order in the 21 st Century. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2004. Haile, Yohannes. "State Breakdown and the Rise of Somaliland, Puntland and Somalia: Understanding the Organizing Principles and Dynamics of Howard Dissertation. PhD Nationhood. " University. 2012. Handa, Susan. "Examining Fragility and Aid in Somalia." Journal of Somali Studies. vol. 8, no. 2 (2021). Harper, Mary. Getting Somalia Wrong? Faith, War and Hope in a Shattered State. London: Zed Books, 2012. Hashi, Mohamed. "The Dynamics of Political Legitimacy and the Politics of Clan-federalism: Can the Current Neotrusteeship Promise a Durable Somali State?" Journal of Somali Studies. vol. 4, no. 1-2 (2017). Hutchcroft, Paul D. "Centralization and Decentralization in Administration and Politics: Assessing Territorial Dimensions of Authority and Power." Governance. vol. 14, no. 1 (2001). Ingiriis, Mohamed Haji. "Politics as a Profitable Business: Patronage, Patrimony, Predatation, and Primordial Power in Contemporary Somalia." Journal of Somali Studies. vol. 2, no. 1-2 (2015). _______. "'We Swallowed the State as the State Swallowed Us': The Genesis, Genealogies, and Geographies of Genocides in Somalia." African Security. vol. 9, no. 3 (2016).
_______. "Who Assassinated the Somali President in October 1969? The Cold War, the Clan Connection, or the Coup d'État." African Security. vol. 10, no. 2 (2017). _______. "Profiting from the Failed State of Somalia: The Violent Political Marketplace and Insecurity in Contemporary Mogadishu." Journal of Contemporary African Studies. vol. 38, no. 3 (2020). _______. "Being and Becoming a State: The Statebuilding and Peacebuilding Conversations in Southern Somalia and Somaliland." Journal of Contemporary African Studies. vol. 39, no. 1 (2021). Johnson, Martha C. & Meg Smaker. "State Building in de Facto States: Somaliland and Puntland Compared." Africa Today. vol. 60, no. 4 (2014). Jüde, Johannes. "The Possibility of State Formation and the Limitations of Liberal International State-building." Journal of International Relations and Development vol. 23, no. 1 (2020). Lake, David A. The Statebuilder's Dilemma: On the Limits of Foreign Intervention. London/ Ithaca: Cornell University Press, 2016. Lemay-Hébert, Nicolas. "Statebuilding Without Nation- building? Legitimacy, State Failure and the Limits of the Institutionalist Approach." Journal of Intervention and Statebuilding. vol. 3, no. 1 (2009). Lewis, Ioan Myrddin. Understanding Somalia and Somaliland: Culture, History, Society. New York: Columbia University Press, 2008. Menkhaus, Ken. "Governance without Government in Somalia: Spoilers, State Building, and the Politics of Coping." International Security. vol. 31, no. 3 (2006). _______. "State Failure, State-building, and Prospects for a 'Functional Failed State' in Somalia." The Annals of the American Academy of Political and Social Science. vol. 656, no. 1 (2014). Miguel, Edward. "Tribe or Nation? Nation Building and Public Goods in Kenya Versus Tanzania." World Politics. vol. 56, no. 3 (2004). Mwangi, Oscar Gakuo. "Jubaland: Somalia's New Security Dilemma and State-Building Efforts." Africa Review. vol. 8, no. 2 (2016). OECD, DAC. International Engagement in Fragile States: Can't we do Better. Paris: OECD Publishing, 2011. OECD. "Concepts and Dilemmas of State Building in Fragile Situations: From Fragility to Resilience." OECD Journal on Development. vol. 9, no. 3 (2009). _______. Do no Harm: International Support for Statebuilding, Conflict and Fragility. Paris: OECD Publishing, 2010. Ogun, Mehmet Nesip & Murat Aslan. "Theory and Practice of State Building in the Middle East: A Constitutional Perspective on Iraq and Afghanistan." Journal of Applied Security Research. vol. 8, no. 3 (2013). Paris, Roland & Timothy D. Sisk (eds.). The Dilemmas of Statebuilding: Confronting the Contradictions of Postwar Peace Operations. New York: Routledge, 2009. Penna Filho, Pio & Henrique Oliveira da Motta. "Democracy in Africa: The Outstanding Case of Somaliland." Brazilian Journal of African Studies. vol. 6, no. 11 (2021). Pherali, Tejendra & Alexandra Lewis. "Developing Global Partnerships in Higher Education for Peacebuilding: A Strategy for Pathways to Impact." Higher Education. vol. 78, no. 4 (2019). Qaas, Said & Akon Baker. "Power-sharing Mechanism in Post Conflict Countries: A Comparative Case Study of Iraq and Somalia." Master Dissertation. Linnaeus University, 2021.
Richmond, Oliver P. "Failed Statebuilding Versus Peace Formation." Cooperation and Conflict. vol. 48, no. 3 (2013). Rocha Menocal, Alina. "State Building for Peace: A New Paradigm for International Engagement in Post- conflict Fragile States?" Third World Quarterly. vol. 32, no. 10 (2011). Samatar, Abdi Ismail & Ahmed I. Samatar. "Transition and Leadership: An Editorial." Bildhaan: An International Journal of Somali Studies. vol. 5, no. 6
Samatar, Abdi Ismail. "Faithless Power as Fratricide: Is There an Alternative in Somalia?" Bildhaan: An International Journal of Somali Studies. vol. 9 (2009). _______. Africa's First Democrats: Somalia's Aden A. Osman and Abdirazak H. Hussen. Indiana: Indiana University Press, 2016. The World Bank. "Mobile Money in Somalia: Household Survey and Market Analysis." April 2017. at: https://bit.ly/3xNdfeY Tian, Wenlin. "State-building Process from the View of Nationalism: A Case Study on Postcolonial Arab Countries." Journal of Middle Eastern and Islamic Studies (in Asia). vol. 3, no. 4 (2009). Wolff, Stefan. "Post-Conflict State Building: The Debate on Institutional Choice." Third World Quarterly. vol. 32, no. 10 (2011).