تطوّر العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا
الملخّص
ل هذه الدراسة تطوّر العلاقات المدنية العسكرية في إثيوبيا وكيفية تأث تحل -رها بطبيعة المكوّنات السياسية والثقافية والعرقية، بالاعتماد على نظرية التوافق. وتحاول مناقشة إشكالية أساسية، هي: إلى أيّ مدى يؤثر التنوع العرقي والثقافي في توجيه بوصلة العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا؟ وتنطلق من فرضية فحواها أنّ مصالح العسكريين وتفضيلاتهم السياسية النابعة من رؤيتهم لمصلحة الدولة الوطنية، التي قد تتعارض مع توجهات المؤسسات المدنية، تجعل الفصل بين اختصاصات المؤسستين المدنية والعسكرية مسألة صعبة جدًّا. وقد دل ت الدراسة على أنّ التركيبة الاجتماعية والتوزيع القبلي أث را في عمليات إصلاح الأنظمة السياسية المتعاقبة في إثيوبيا، ثمّ خلصت إلى أن استمرار التوافق في العلاقات المدنية - العسكرية، ومواصلة السيطرة المدنية على الحكم في المستقبل، مرهونان بمدى صدقية تنفيذ شعارات المركزية والمواطنة بالطرائق القانونية والديمقراطية التي تقوم على مبادئ العدل والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المكوّنات. كلمات مفتاحية: العلاقات المدنية - العسكرية، التحوّل الديمقراطي، المؤسسة العسكرية، المجتمع المدني، إثيوبيا. This article analyses the development of civil-military relations in Ethiopia and how they are affected by politics, culture and ethnicity whilst drawing on compatibility theory. It explores a fundamental issue: to what extent does ethnic and cultural diversity influence civil-military relations in Ethiopia? The article begins with the hypothesis that the military's interests and political affiliations arise from their vision of the nation-state's interest, and may conflict with the attitudes of civil institutions, complicating the separation between civil and military institutional mandates. The article demonstrates how the social structure and distribution of tribes has had an impact on the reform processes of successive political systems in Ethiopia. Moreover, it concludes that consensus in civil-military relations and civilian control of government will continue in the future if slogans of centralization and citizenship are actualized through legal and democratic methods based on the principles of justice and equality in rights and duties among all constituents.
The Development of Civil-Military Relations in Ethiopia
Keywords: Civil-military Relations, Democratic Transition, Military Administration, Civil Society, Ethiopia.
مقدمة
يتميّز موضوع العلاقات المدنية - العسكرية بالمرونة والتنوّع في القضايا التي يتناولها، فهو يحاول دراسة شبكة التفاعلات بين المكوّنيَن المدني والعسكري وفهمها في ظلّ الأنظمة الديمقراطية، بهدف تقوية السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية بوصف هذه السيطرة إحدى ركائز الحكم الديمقراطي. أمّا في حالة الدول التي لم تزل في مراحل التحوّل الديمقراطي، فتسعى دراسة العلاقة المدنية - العسكرية إلى فهم مكامن قوة المؤسسة العسكرية في سياق يغيب عنه تمامًا مفهوم السيطرة المدنية، في ظل مؤسسات عسكرية كان لها الفضل في تأسيس الدولة القومية الحديثة، أو في صونها من التفكك والانهيار. يشير مفهوم العلاقات المدنية - العسكرية، في معناه الواسع، إلى العلاقة بين المجتمع المدني والمؤسسة العسكرية أو المؤسسات التي أُنشِئَت من أجل حمايته. فهي تشير إلى العلاقة بين السلطة المدنية في مجتمع معيّ والسلطة العسكرية 1. ويعرّفها بعضهم بأنها شبكة العلاقات بين المؤسسة العسكرية والمجتمع الذي تعمل فيه، والذي تعتبر بالضرورة جزءًا منه. وتشمل تلك العلاقات كل الجوانب المتعلقة بدور المؤسسة العسكرية، بوصفها مؤسسة سياسية واجتماعية واقتصادية محترفة، في الحياة العامّة بصورها المختلفة، تضم القضايا المتعلقة بسلوك الجيش تجاه المجتمع المدني، وإدراكات المجتمع المدني وسلوكه تجاه الجيش، والدور الذي تؤديه القوات المسلحة في علاقتها بالدولة 2. وثمة فريق آخر يعرّفها بأنها التفاعلات التي تصف العلاقة بين شعب الدولة ومؤسساتها وجيشها، والتفاعلات التي تنشأ بين العسكريين والفواعل المدنية، وهذه التفاعلات متعلقة بسلطة اتخاذ القرارات السياسية 3. وعلى الرغم من تطوّر دراسات العلاقات المدنية - العسكرية وتوسّعها، فإنّ بعض الحالات لم تحظ بدراسة كافية، على غرار الحالة الإثيوبية، فقليلة هي الدراسات التي خُصّصت لها بالرغم من الاهتمام المبكر نسبيًّا بها 4. فمثلً، تتبّعت دراسة جين شيريل التطوّر التاريخي للعلاقات المدنية - العسكرية مميّزةً بين مرحلتين: ما قبل عام 1941 وما بعده، مبيّنةً مشكلة عدم التجانس في المؤسسة العسكرية. أما دراسة يوهانيس أبات، فانطلقت من فرضية أساسية مفادها أن التنافس بين العسكريين والمدنيين للسيطرة على السلطة والثروة في إثيوبيا أثّر في مسار تطوّر المشهد السياسي فيها. وأثبتت الدراسة إلى حدّ بعيد صحة هذه الفرضية. وثمة دراسات أخرى تطرّقت إلى جوانب تخص موضوع العلاقات المدنية - العسكرية 5. أمّا بالنسبة إلى الدراسات باللغة العربية، فلعلّ دراستنا هذه هي الأولى من نوعها، على حدّ علمنا، بشأن هذا الموضوع بالتحديد 6. تسعى هذه الدراسة إلى فهم مدى تأثير طبيعة المحرّكات السياسية والثقافية والعرقية في توجيه بوصلة العلاقات المدنية - العسكرية في جمهورية إثيوبيا الفدرالية الديمقراطية، معتمدة على التوافق إطارًا نظريًّا. وبناءً عليه، تفحص ذلك التأثير وتحلّله بناء على فرضيات نظرية التوافق في تحليل العلاقات المدنية - العسكرية وفهمها؛ إذ تجمع بين مستوى التحليل الجزئي للعقيدة العسكرية وتنظيمها الهيكلي، ومستوى التحليل الكلّ للدولة الذي يتمثل في تركيبة المكونات العرقية والاجتماعية والثقافية؛ فضلً عن محورها الذي يؤكد على أهمية دراسة المتغيّ ات الخارجية التي تؤثر في تطوّر هذه العلاقات. ومن هنا، فإنّنا نعتمد على هذه النظرية التي تفترض أن السياسة العامة للدولة تُرسم بوساطة ثلاثة شركاء: المؤسسة العسكرية، والنخب السياسية، والمواطنون. وتؤكد على ضرورة التوافق بين الشركاء لأنّ التوافق يؤدي إلى الحدّ من ظاهرة العسكرة السياسية في الدول التي يسودها التنوع العرقي والثقافي والتفاوت الطبقي الذي يؤثر في النظام السياسي القائم فيها. وإثيوبيا واحدة من الدول التي تتميز بهذه الظاهرة؛ لذا فهي حالة جديرة بالدراسة. وحسبنا أنّ نظرية التوافق، كما سيتبيّ، أنسب لتحليل الحالة الإثيوبية؛ لأنها تقوم على مبدأ التوافق/ الشراكة الذي يمكن أن يكون عاملً محدّدًا للعلاقات المدنية - العسكرية في سياق التنوع المعقّد، يحول دون سيطرة العسكر على السلطة. تحاول الدراسة الإجابة عن السؤال التالي: إلى أيّ مدى يؤثر التنوع العرقي والحضاري والثقافي المتباين في توجيه بوصلة العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا؟ تستند منهجية الدراسة إلى ثلاثة
محاور متكاملة: نظرية التوافق بوصفها إطارًا نظريًّا لتحليل الحالة موضوع الدراسة، استنادًا إلى المنهج التاريخي، من خلال تتبّع تطوّر العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا في مختلف فترات الحكم منذ عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي. ولإعداد هذه الدراسة استندنا إلى بعض الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، وإلى ما أمكننا ملاحظته خلال زيارتنا إثيوبيا لأغراض بحثية. لمناقشة إشكالية الدراسة وفحص فرضيّتها، قسمناها جزأين؛ يتتبع الأول تطوّر العلاقات المدنية - العسكرية في الأنظمة السياسية المتعاقبة على الحكم في إثيوبيا لمحاولة رصد طبيعتها ومحدّداتها. بينما يحاول الثاني رصد مآلات هذه العلاقات بالاستناد إلى ما توصّل إليه الرصد التاريخي لتطوّرها وإلى واقعها الراهن، مركّزًا على عاملين أساسيين: التكوين الاجتماعي للجيش وأثره في طبيعة المحدّد الوظيفي للمؤسسة العسكرية الإثيوبية، وتأثير العلاقات الخارجية في احترافية الجيش وعلاقته بالسلطة. من خلال هذين الجزأين بيّنت الدراسة تأثيرات التنوّع العرقي والحضاري والثقافي والجهوي في مسار تطوّر العلاقات المدنية - العسكرية في الأنظمة السياسية المتعاقبة على إثيوبيا. وتوصّلت إلى استنتاج أساسي مفاده أنّ تطوّر ظاهرتَي العسكرة السياسية والتوجه نحو النظام الديمقراطي في إثيوبيا يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالاختلاف أو التوافق بين جميع النخب السياسية الممثلة للمكوّنات الاجتماعية في البلاد، أو أغلبيتها. فمثلً، إذا اختلفت هذه النخب السياسية فيما بينها حول رؤية محدّدة لإدارة النظام السياسي في البلاد، فإنّ ظاهرة العسكرة السياسية تطفو على السطح مباشرة في المشهد الإثيوبي. وكذلك إذا توافقت هذه النخب، فإنّ السجال السياسي بشأن النظام السياسي في البلاد يتّجه نحو مفاهيم الديمقراطية والتعددية الحزبية في إدارة نظام الحكم.
أولا: التوافق إطارًا نظريًّا لدراسة العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا
حظيت قضية العسكرة السياسية باهتمام كبير من الباحثين عند تناولهم العلاقات المدنية - العسكرية، بل إنها كانت تعتبر الباعث الأساسي وراء ظهور نظرية صمويل هنتنغتون الساعية لفهم طبيعة هذه العلاقات في الدول وأنظمتها السياسية المختلفة 7. اعتمد هنتنغتون، الذي حاول أن يؤسّس إطارًا نظريًّا للعلاقات المدنية - العسكرية، نظرية الرقابة المدنية على المؤسسة العسكرية، مفترضًا أنّ السيطرة المدنية ستقود إلى بروز مؤسسة عسكرية مهنية محترفة 8، وذلك في نظريته القائلة بمبدأ سيادة السلطة المدنية على المؤسسة العسكرية، من أجل وضع قواعد تفرسّ خطورة اعتداء المؤسسة العسكرية على الحكم المدني وعدم شرعية الانقلابات العسكرية في البلدان النامية 9. ولهذا، ربّا، يرى الكثير من المتخصّصين أنّ هنتنغتون هو صاحب النص التأسيسي لحقل الدراسات التي نشأت حول العلاقات المدنية - العسكرية 10. ونتيجةً لتطوّر مختلف جوانب دراسة العلاقات المدنية - العسكرية، ظهرت أدبيات جديدة تنتقد رؤية النظريات الكلاسيكية في فهمها وتفسيرها لهذه العلاقات. واعتمدت النظريات الجديدة في تحليلاتها على العوامل الاجتماعية، حيث ربط روّادها بين ظاهرة العسكرة السياسية وخلفيات الجيش السوسيولوجية والأنثروبولوجية والتاريخية، مؤكّدين أنّ هذه الخلفيات هي التي تحدّد أشكال ردّ فعل العسكر تجاه المؤسسات المدنية 11. وبناءً عليه، فقد ركّزوا في مقارباتهم لفهم طبيعة العلاقات المدنية - العسكرية على دراسة الجيش بوصفه مؤسسة اجتماعية، وعملوا على فهم التأثيرات المتقاطعة بين المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة الأخرى، وتحليلها. ولهذا تتوافق مقارباتهم على فكرة أساسية مفادها أنّ العسكرية يغلب عليها طابع ال العلاقات المدنية -اررع، ولكنّ خضوع العسكريين للمدنيين، أو تجنّب ظاهرة العسكرة يجعلان هذا الصراع محدودًا. ومن أهم روّاد هذه المدارس الجديدة موريس.12جانويتز Mores Janowitz وصمويل فاينر Samuel Fainer ونتيجة للتطور الكبير الذي شهده هذا الحقل، صارت له منطلقات نظرية مختلفة منها نظرية التوافق، ونظرية التبعية التي ينادي بها بيتر فيفر Feaver Peter، ويؤكد روّادها أهمية الطابع التعاقدي في علاقات الجيش بالقيادة السياسية المدنية المنتخبة 13، وأخيرًا نظرية اقتسام المسؤولية التي طرحها دوغلاس بلاند Bland Douglace،
وتؤكد هذه النظرية ضرورة تعاون المدنيين والعسكريين في إطار ما يحدّده الدستور والقانون، وأن المصدر الشرعي للسلطة السياسية هو الإرادة المدنية وليس المؤسسة العسكرية 14. وردًّا على نظرية هنتنغتون ومختلف المقاربات المستوحاة منها والقائلة ب "نظرية الفصل المرتبطة بالسياق الغربي"، فإنّ ريبيكا شيف Rebecca Schifت fقترح نظرية التوافق إطارًا أوسع للعلاقات بين المجتمع والجيش. وتقوم هذه النظرية على مبدأ الشراكة المؤسسية والثقافية والاتفاق بين ثلاثة شركاء، الجيش والنخب السياسية والمواطنين 15، فهي تؤمن بمبدأ التشارك بين المؤسستين العسكرية والمدنية في إدارة النظام السياسي، ولهذا فهي تنتقد فكرة الفصل بين اختصاصات المؤسسات السياسية والعسكرية، وتعدّ الفصل غير واقعي، ومن المستحيل تحقيقه سواء في الديمقراطيات الغربية أو في الدول النامية بالنظر إلى مصالح العسكريين التي تتطلّب التدخل السياسي للحفاظ عليها، وتفضيلاتهم السياسية النابعة من رؤيتهم للمصلحة الوطنية التي قد تتعارض مع توجهات شاغلي السلطة السياسية 16.
ثانيًا: تطور العلاقات المدنية - العسكرية في الأنظمة السياسية المتعاقبة على حكم إثيوبيا
تاريخيًّا، نشأت دولة إثيوبيا المعاصرة نتيجة للتوسعات الإمبراطورية في عهد الإمبراطور منليك الثاني 1913-1844() في أواخر القرن التاسع عشر. وبناءً عليه، يرى كثير من الباحثين في حقل الدراسات الإثيوبية أنّ أسلوب ضم تلك الأقاليم الجديدة من ناحية، واستبداد الأباطرة وسوء معاملتهم مع تلك القوميات الجديدة من ناحية أخرى، أسهما بصورة مباشرة في تعميق شعور تلك العرقيات والقوميات بالتذمر والسخط اللذَين عبّ ت عنهما كثيرًا بإشعال الاحتجاجات والثورات 17. ونتيجة لهذه التطورات التاريخية في المشهد السياسي، بدأت ظاهرة تسييس الجيش وعسكرة السياسة في عهد الإمبراطور منليك؛ إذ أصبحت المؤسسة العسكرية وسيلة لتدعيم مشروع الحكم المطلق للإمبراطور؛ لذا لم تشهد إثيوبيا مشاركة من المنظمات والأحزاب المدنية في أنظمة الحكم طوال تلك الفترة من تاريخها 18. وبهذا برزت ظاهرة العسكرة السياسية19 بوصفها واقعًا معيشًا في جميع الأنظمة السياسية التي حكمت البلاد، وهذا ما تؤكده المعلومات التي تشير إلى جنوح القوات العسكرية نحو السيطرة على السلطة، لفرض نفسها في جميع مشاريع التغيير السياسي والاجتماعي بهدف بناء، أو إعادة، الدولة التي شهدتها إثيوبيا فيما بعد 20.
يرى المتخصصون في مجال العلاقات المدنية - العسكرية أنّ انتشار ظاهرة السيطرة العسكرية في البلدان الأفريقية، كان نتاجًا طبيعيًّا للتدخّل العسكري الطويل والراسخ في الحياة السياسية الأفريقية، ولا سيمّا في حقبة ما بعد الاستعمار، وأنها كانت أبرز مظاهر القوة والترهيب التي تستخدمها المؤسسات العسكرية. ولعل هذا الوضع ينطبق على إثيوبيا التي استمرت فيها الظاهرة العسكرية سنوات طويلة، نظرًا إلى الدور التاريخي للمؤسسة العسكرية في تحديد مسار نظام الحكم المدني الديمقراطي في البلاد 21. وممّ يجدر ذكره أنه على الرغم من مشاركة المؤسسة العسكرية في السياسة، فإنّ سيطرة الإمبراطور منليك الثاني على نظام الحكم، في المدة 1913-1889، كانت مطلقة، مستفيدًا في ذلك من شكل بناء
النظام السياسي في تلك المرحلة، الذي كان يقوم على ثلاث ركائز، هي بالترتيب: الملك الذي يأتي في قمة التسلسل الهرمي، والكنيسة الأرثوذكسية، وطبقة النبلاء التي تسيطر على الجيش 22. وقد تكاملت جميع هذه الركائز فيما بينها لتضمن للنظام الشرعية السياسية اللازمة، فالملك يستمد شرعيته السياسية من قوّته المادية التي تتمثل في الجيش، بينما يستمد قوته المعنوية من نسبه إلى الأسرة السليمانية، وبناءً على ذلك تتكفل الكنيسة بإضفاء الشرعية الدينية على النظام وممارساته، وتؤدّي طبقة النبلاء دورها في تعزيز هيمنة الملك عن طريق مشاركة جيوشها الصغيرة في إدارة الدولة 23. ثم إنّ أهمّ ما يميّز هذه المدة هو السلطة المطلقة للإمبراطور التي مكّنته من السيطرة على الجيش والكنيسة. تميز النظام السياسي في عهد منليك أيضًا بالنزعة المركزية في الحكم؛ لذا انحصرت التطوّرات السياسية والاجتماعية إبّان هذه المرحلة في ثلاثة مكوّنات، هي: الدين، والقومية، والإقليم. وهي مكوّنات رآها الأباطرة إطارًا ضروريًّا لتشكيل هوية الأمة الإثيوبية 24. وربّ ا كان لهذه المكوّنات الثلاثة أثر واضح في عدم ظهور المؤسسات العسكرية والمدنية الحديثة. فلم تشهد إثيوبيا طوال هذه المرحلة إنشاء وزارة مخصّصة للأمن والدفاع، بل كانت تعتمد على طبقة النبلاء في تجميع الجيوش من مناطق نفوذهم المختلفة خاصة في أوقات الأزمات والتهديدات التي تحدق بالدولة. وكان الإمبراطور، في هذه الفترة، هو الذي يقدّر الميزانية العسكرية الخاصة بالإعداد والتسليح وتدريب الجيوش، وذلك بعد التشاور، في الغالب، مع قيادات طبقة النبلاء بشأن احتياجاتهم العسكرية الضرورية. وأخيرًا، سيطرت طبقة النبلاء الموالية للإمبراطور منليك على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، على حدّ سواء؛ وقد يعود هذا إلى قوة نفوذها العسكري والمدني في مناطق سيطرتها 25. وبتلك السياسات أصبح الإمبراطور مسيطرًا سيطرة تامّة على كلّ السلطات وشؤون الدولة؛ فهو الحاكم الأعلى والقائد العام، ولا تخضع سلطته لأيّ قانون أو دستور. وكان الولاء للإمبراطور هو السبيل الوحيد لتعزيز النفوذ السياسي في تلك الفترة التاريخية. وبذلك أصبحت الكيانات المدنية والعسكرية حينها محض مؤسسات تعمل على تحقيق مصالح الإمبراطور الشخصية، ومصالح قومية الأمهرا المادية التي ينتمي إليها الإمبراطور منليك.
1. تطور العلاقات المدنية - العسكرية في عهد هيلا سيلاسي
شهدت العلاقات المدنية - العسكرية في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي 1975-1892()، الذي حكم في الفترة 1974-1930، تطوّرًا ملحوظًا نحو المشاركة السياسية في إدارة الشأن السياسي، في المشروع السياسي الجديد المعروف باسم "نهضة إثيوبيا"، والذي يهدف إلى معالجة جذور المشكلة القومية وتحقيق العدالة بين جميع الأعراق الإثيوبية 26. وبدأ هيلا سيلاسي إصلاحاته السياسية بتطبيق النظام المركزي وتنفيذ المشروعات الاقتصادية التنموية الكبيرة في البلاد. وتنفيذًا لذلك المشروع السياسي، وضع دستورًا جديدًا للبلاد 27، ليكون وثيقة قانونية للانفراد بالسلطة المطلقة، وبصدور هذا الدستور الوطني تقلص الدور السياسي لكلّ من الكنيسة وطبقة النبلاء في إدارة الحكم لصالح المؤسسة العسكرية الجديدة، التي أنشأها هيلا سيلاسي بغرض استخدامها قوةً مادية بديلة من جيوش النبلاء لردع المعارضين لنظامه 28.
شهدت إثيوبيا في هذه المرحلة إنشاء وزارة مخصصة للأمن والدفاع، وأصبحت هذه المؤسسة العسكرية هي المسؤول الأول عن تحديد الميزانية المالية والاحتياجات اللوجستية للجيش الإثيوبي. وكانت
هيئة كبار الضباط الذين ينتمون إلى أقلية الأمهرا المقربة من الإمبراطور هيلا سيلاسي هي التي يحدّد الميزانية العسكرية. ومن الملاحظ أنّ كل الذين شغلوا منصب وزير الدفاع في هذه المرحلة كانوا من القيادات العسكرية الأمهرية التي تلقّت التكوين الحديث في معسكرات التدريب. وكان نظام التجنيد العسكري في هذه الفترة يتفق نوعًا ما مع مشروع النظام المركزي الذي أسّسه الإمبراطور هيلا سيلاسي؛ إذ فتح التجنيد في كل الأقاليم الإثيوبية، وبذلك انضمت مجموعات كبيرة من جميع أقاليم البلاد ذات التكوينات المختلفة، بينما احتفظت القومية التي ينتمي إليها الإمبراطور (الأمهرا) بالقيادة العليا للمؤسسة العسكرية 29. أبقى هيلا سيلاسي على النظام الثيوقراطي القديم على الرغم من هذه الإصلاحات السياسية في نظام الحكم؛ إذ وضع قيودًا وسياسات تقوم على إبعاد الجيش من السلطة أو ممارسة أي نفوذ سياسي في البلاد، ويتّضح هذا من خلال قراراته التي حظرت على أفراد المؤسسة العسكرية الانضمام إلى أي كيانات أو تنظيمات سياسية مدنية. ثمّ جرى، من جهة، توزيع الجيش على أسس طبقية وعرقية وإقليمية، وجرى، كذلك، منع قيام الكيانات والتجمعات والتنظيمات السياسية المدنية من جهة أخرى. وبهذا تمكن هيلا سيلاسي من الانفراد بالسلطة المطلقة في ذلك الوقت 30. وبناءً عليه أصبح الجيش أداة من أدوات الإمبراطور لتحقيق مصالحه الشخصية، وخط الدفاع الأول لحماية المصالح المادية لأقلية الأمهرا في الدولة الإثيوبية. أما فيما يتعلق بالمشاريع التنموية الحديثة، فقد أطلق هيلا سيلاسي العديد من المشروعات التنموية الكبرى، كان معظمها في مناطق تجمّعات قومية الأمهرا التي كانت نخبها تسيطر على أغلب المؤسسات العسكرية والمدنية. وجاءت رؤيته الإصلاحية للنظام السياسي متأثرة بمفاهيم النخب الأمهرية وتصوّراتها للمشروع السياسي الذي ينبغي له أن يسود في البلاد. وكان من أهم نتائج إصلاحاته السياسية تقليص دور القوى التقليدية (الكنيسة، وطبقة النبلاء) لصالح حكم الفرد المطلق 31. واجهت هذه الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتنموية معارضة قوية جدًّا من باقي القوميات الإثيوبية الأخرى؛ ما أسهم بصورة مباشرة في أن تشكّل هذه المجموعات العرقية تنظيماتٍ وأحزابًا وكياناتٍ سياسيةً معارضة لنظام الحكم الشمولي، وتبدأ في العمل المشترك فيما بينها والتنسيق مع صغار ضباط القوات العسكرية المعارضين لنظام الإمبراطور هيلا سيلاسي. توّج هذا العمل المشترك بين المدنيين والعسكريين بظهور معارضة مدنية عسكرية في عام 1974، كانت تنادي بحقّ المشاركة في السلطة، والمساواة في توزيع الثروة بين جميع القوميات الإثيوبية المختلفة على قدم المساواة 32. وجدت هذه المعارضة بيئة خصبة وسط القوميات التي استُبعدت من السلطة، خاصّة في الأقاليم التي هُمِّشت في المشاريع التنموية الكبرى 33. وممّ سبق يتّضح أنّ هذه الفترة شهدت بداية تحالف مدني - عسكري، بهدف تقوية جبهة المعارضة ضد نظام الحكم الإمبراطوري الثيوقراطي. وقد أدّى هذا النشاط المدني العسكري المعارض لنظام هيلا سيلاسي إلى وقوع العديد من المحاولات الانقلابية، وأبرزها ما وقع في الأعوام 1943، و 1947، و 1951، و 1960، ولكنها باءت جميعها بالفشل 34. صحيح أن كل هذه المحاولات الانقلابية فشلت في تحقيق هدفها الأساسي وهو إطاحة نظام الحكم الإمبراطوري القائم آنذاك، إلّ أنها كانت تعبّ عن مدى نجاح المؤسسات المدنية والعسكرية في التفاهم والعمل المشترك ضد نظام الحكم المطلق القائم، وخاصة المحاولة الانقلابية، في عام 1960، التي كانت تحت قيادة عسكرية مدنية. هدفت هذه المحاولة الانقلابية إلى تحويل إثيوبيا إلى ملكية دستورية ليبرالية، غير أنها فشلت بسبب بقاء القسم الأكبر من القوات المسلحة مواليًا للإمبراطور، وكذلك لعدم حصول الانقلابيين على دعم الجماهير، أو حتى السند الخارجي؛ إذ وقفت الولايات المتحدة الأميركية ضد الانقلاب، وعملت على إفشاله بتقديم الدعم المادي للإمبراطور 35. سمح هذا العمل المشترك بين المؤسسات المدنية والعسكرية، فيما بعد، بتجويد عمليات التنسيق السياسي فيما بينها، ويتجلّ هذا الأمر بوضوح في تعاملها مع قضايا الديمقراطية في مواجهة النظام الحاكم المطلق؛ إذ طالبت المؤسسة العسكرية، في منشور لها، في 3 آذار/ مارس 1974، الإمبراطور هيلا سيلاسي بالآتي: حرّية الصحافة، وحرّية الاجتماعات والتظاهر، والإصلاح الزراعي، والسماح بتنظيم الأحزاب السياسية، واعتماد النظام الانتخابي الحرّ، والعمل على إصلاح أوضاع موظفي الدولة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين، وحقّ التعليم
المجاني لكل فرد. وتشكّلت لجنة من القوات العسكرية وموظفي الخدمة المدنية وبعض قيادات التجمعات المدنية والتنظيمات السياسية، بهدف متابعة تنفيذ مطالب الشعب الإثيوبي 36. يعكس هذا المنشور تدخل الجيش بوصفه طرفًا في الأزمة وانحيازه إلى الشعب ضدّ نظام هيلا سيلاسي الذي تدعمه أقلية الأمهرا. وفي خطوة ذات دلالة، أنشأت المؤسسة العسكرية اللجنة التنسيقية بين الوحدات العسكرية والشرطية بهدف ملء الفراغ السياسي. وتحولت فيما بعد إلى المجلس الإداري العسكري المؤقت، بوصفها هيئة حاكمة للبلاد بعد إطاحة الإمبراطور في أيلول/ سبتمبر 1974 37. وبهذا التدخل أصبحت المؤسسة العسكرية الإثيوبية من المؤسسات السياسية الثورية المهمّة التي أسهمت في تحقيق بعضٍ من مطالب الحركات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. حاول الإمبراطور مواجهة الاحتجاجات المدنية - العسكرية بإجراء العديد من الإصلاحات في حكومته بغرض إعادة السيطرة على المؤسسة العسكرية بعيدًا عن صغار الضباط والجنود الذين استولوا على المؤسسة العسكرية عمليًّا؛ إذ أقال وزير الدفاع، وقيادات هيئة القيادة، وقيادات الوحدات الجوية والبحرية، والقيادات الشرطية، وكذلك كبار المسؤولين المدنيين في حكومته. غير أنّ جميع هذه المحاولات باءت بالفشل في تحقيق غايتها بالإبقاء على النظام 38. وربما يعود هذا الفشل إلى قناعة لدى صغار الضباط من القوميات الإثيوبية الأخرى، التي لم تشارك في توزيع الثروة والسلطة، مفادها أن إصلاح نظام السلطة يبدأ بإبعاد الإمبراطور وأسرته وأقلية الأمهرا من السلطة.
2. تطور العلاقات المدنية - العسكرية في ظل حكومة منغستو العسكرية
تتميز هذه المرحلة من تاريخ إثيوبيا السياسي بالخلافات والصراعات بين الكيانات والتنظيمات المدنية ذات الطابع القومي في رؤيتها لإدارة البلاد، وبالتنافس بين القادة العسكريين أيضًا، بهدف السيطرة على المؤسسة العسكرية 39. وبذلك نرى أن في هذا الصراع المدني والتنافس العسكري أثرًا واضحًا في تشكيل المشهد السياسي الإثيوبي في أثناء فترة حكومة العسكر. بعد نجاح الثورة الشعبية في إطاحة الإمبراطور هيلا سيلاسي في عام 1974، سيطرت المؤسسة العسكرية على مفاصل السلطة في البلاد بقيادة الجنرال أمان عندوم الذي استولى على السلطة في أوّل الأمر. وبدأ عندوم بتصفية القيادات العسكرية المنافسة له من القوميات الإثيوبية الأخرى؛ ما أدى إلى ظهور الانقسامات العرقية داخل مؤسسة الجيش، واحتدام الصراع بين قياداتها لتنتهي هذه الأوضاع التنافسية باغتيال عندوم وتولي الجنرال منغستو هيلا مريام الحكم في 12 أيلول/ سبتمبر 1974 40. وبذلك شهدت إثيوبيا نظامًا سياسيًّا جديدًا أهمّ ملامحه التحرّر من حكم الفرد المطلق (حكم الإمبراطور)، وانتقل الشعب الإثيوبي إلى نظام سياسي جديد تسيطر عليه المؤسسة العسكرية وفقًا لمفاهيم الحكم الشمولي الذي يتبنّى الماركسية 41. وبالرغم من ذلك، لم يتمكّن الجنرال منغستو من تثبيت أركان حكمه إلّ في عام 1977، عندما اندلعت الحرب الأهلية بين الحكومة وعناصر الحركة الشعبية الثورية لعموم شعوب إثيوبيا ذات الميول اليسارية. تمكّن الجنرال منغستو، في هذه الحرب، من تصفية رئيس المجلس العسكري الجنرال تفاري بنتي، وعدد كبير من أعضاء المجلس العسكري. وكان السبب الأساسي في هذه التصفية الاختلاف الجوهري في الرؤية؛ فالجنرال تفاري يرى ضرورة وضع مصلحة إثيوبيا فوق مصلحة الاشتراكية، بينما يرى منغستو عكس ذلك. انتهى هذا الخلاف بالتخلّص من تفاري وشركائه العسكريين في عملية قتل جماعي داخل الاجتماع، لينفرد منغستو بقيادة الدولة. وبناءً على هذا الموقف الماركسي وجد منغستو الدعم والسند من الاتّحاد السوفياتي في تثبيت حكمه وتدعيمه، وأيضًا في حربه ضد الأقاليم الانفصالية، حيث جرى دعمه بالسلاح والجنود الكوبيين 42. شهدت إثيوبيا، في هذه المرحلة، تنافسًا محتدمًا بين المؤسسات المدنية والعسكرية للسيطرة على السلطة وال وررة، ويظهر هذا التنافس بصورة واضحة في المطالب المتكررة التي يرفعها العمّ ل والطلّ ب والكيانات السياسية اليسارية، وكانت تتلخص في ضرورة تسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيًّا، وفي المقابل كان المجلس العسكري الحاكم يقول باستحالة تحقيق هذا المطلب في ذلك الوقت؛ لأنّ قيادات المؤسسة العسكرية كانت ترى أن المؤسسات والكيانات المدنية المختلفة فشلت في تقديم م وررع سياسي واقتصادي موحد يخرج إثيوبيا من الظروف الاستثنائية التي كانت
تمر بها، وكانت ترى كذلك أنّ ثمة مخاطر وتهديداتٍ تحدق بوحدة الأمة الإثيوبية وتماسكها 43. في ظل هذا الخلاف المدني - العسكري، نجح الجنرال منغستو في فرض نفسه دكتاتورًا جديدًا لإثيوبيا وفي استبعاد جميع منافسيه من العسكريين والمدنيين من دوائر صنع القرار، وأصبح يدير شؤون البلاد بمفرده. وأنشأ العديد من اللجان الفرعية لمساعدته في الإدارة، وكان جميع أعضائها من شخصيات عسكرية تتوزع بين قيادات الهيئة العسكرية المختلفة، ثمّ عمل على عسكرة الوزارات بتعيين أغلبية المحافظين في حكومته من مؤسسة الجيش. وبهذه الإجراءات سيطرت المؤسسة العسكرية على السلطة الإدارية والسياسية في إثيوبيا 44. ظهرت في عهد الجنرال منغستو القبضة الشمولية ومصادرة الحريات والتضييق على الأحزاب والتنظيمات المدنية. وصدر، في هذا الصدد، العديد من القرارات التعسفية ضدّ مشاركة المؤسسة المدنية في الحكم، منها قرار إغلاق مجلس النواب، ووقف العمل بدستور عام 1955، ومنع أي معارضة مدنية كانت أم عسكرية، ومنع إعلان أي إضراب أو عقد اجتماعات أو تنظيم مظاهرات غير مرخّص لها، أو القيام بأي أعمال من شأنها المساس بالأمن أو السلام العامّ، وإنشاء محكمة عسكرية؛ خاصة (قراراتها غير قابلة للاستئناف) لمحاكمة الذين يخالفون الأوامر السابقة، ولمحاكمة المسؤولين الحكوميين السابقين والحاليين الذين يُتهمون بالفساد وسوء استخدام السلطة 45. من الواضح أن هذه القرارات كانت تصب في صالح المؤسسة العسكرية، بعد أن أبعدت كل الأحزاب والتجمعات المدنية من إدارة البلاد. بهذه الإجراءات انفردت المؤسسة العسكرية بالسلطة وعزز الجيش مكانته السياسية، بعد أن سيطر على المؤسسات العسكرية والمدنية في إثيوبيا. وكانت جميع القيادات العسكرية التي شغلت منصب وزير الدفاع في هذه المرحلة التاريخية تؤمن بمبدأ فرض العسكرة السياسية على نُظم الإدارة والحكم. وكانت الميزانية المالية للمؤسسة العسكرية حينها مفتوحة، وتجري إجازتها عن طريق اجتماع بين هيئة الضباط العليا واللجنة العسكرية الحاكمة 46. ولهذا لم يتبقّ للأحزاب والتنظيمات المدنية الإثيوبية سوى خيار المعارضة، وبالفعل نظم المدنيون تنظيمً جيدًا في سبيل إسقاط هذه الحكومة العسكرية. ونتيجة لهذه المعارضة الشديدة اضطرت حكومة منغستو إلى إجراء بعض الإصلاحات السياسية بهدف امتصاص قوى المعارضة، حيث لجأت الحكومة العسكرية إلى تطبيق النهج الاشتراكي بوصفه نموذجًا "إصلاحيًّا" للمشكلات السياسية والاجتماعية في إثيوبيا. وانطلاقًا من المفهوم الاشتراكي جاءت جلّ تشريعات هذه الحكومة العسكرية متأثرة بتوجهاتها الأيديولوجية، خاصّة تلك المفاهيم التي تتعلق بالعدالة والمساواة ومشكلات الصراع الطبقي والتهميش. وأقرّت هذه الحكومة، ولو ضمنيًا في برامجها السياسية، بحقّ تقرير المصير لكلّ القوميات الإثيوبية، ووسعت من نظام التجنيد العسكري في مؤسسات الجيش الوطني 47، وأصبح من حقّ كل القوميات الإثيوبية المختلفة الدخول في المعاهد والمدارس العسكرية، لكن مع احتفاظ أقليّتَي الأمهرا والتيغراي بالمناصب العليا في هيئة قيادة الضباط 48. ونتيجة لهذا الانفتاح السياسي، ظهر العديد من الكيانات والمنظمات والتجمعات والأحزاب المدنية والعسكرية المسلحة التي تطالب بمدنية النظام السياسي، وبدأ بعض الأحزاب المدنية في مشاركة المؤسسة العسكرية في إدارة الحكم. لكن سرعان ما تقلصت مساحة المشاركة المدنية بعد أن شعرت المؤسسة العسكرية بخطر وجود المؤسسات المدنية في الحكم، حيث فرضت الحكومة العسكرية الوصاية على المكوّنات المدنية وقمعتها لتنفرد بالسلطة 49. وما يؤكد هذه الفرضية الشمولية هو إصدار الجيش عددًا من الإجراءات التعسفية ضدّ الكيانات والمنظمات والأحزاب المدنية ذات الخلفيات اليسارية التي دعمته وساندته للوصول إلى الحكم، وكذلك استخدامه القوة العسكرية لردع الحركات القومية الانفصالية 50. لكنّ المؤسسة العسكرية لم تتمكن من القضاء على الكيانات والمنظمات المدنية، على الرغم من هذه الإجراءات القمعية التي باتت فاعلً أساسيًّا في البلاد. واضطرّت الحكومة العسكرية بقيادة منغستو هيلا مريام الذي حكم البلاد في المدة 1987-1977، إلى إجراء العديد من الإصلاحات السياسية لتصحيح مسار العلاقات المدنية - العسكرية والوصول إلى صيغة سياسية توافقية لإدارة الحكومة. وبهدف طمأنة الأحزاب المدنية أقرت المؤسسة العسكرية بضرورة تأسيس جمهورية مدنية تقوم على أسس دستورية جديدة تضمن الحقوق المتساوية لكل الأقاليم الإثيوبية، عن طريق تفعيل نظام الحكم الذاتي للأقاليم 51.
وعلى الرغم من كلّ هذه التنازلات العسكرية لصالح المؤسسات الحزبية والمدنية، فإنّها كانت أقلّ بكثير من تطلعات هذه المؤسسات في رؤيتها لإدارة شؤون البلاد؛ لأنها كانت تريد إخراج المؤسسة العسكرية بصورة نهائية من المشهد السياسي، والوصول إلى سلطة مدنية كاملة. ولهذا واصلت الأحزاب السياسية دعمها للاحتجاجات الشعبية ضد المؤسسة العسكرية، وخلال هذه الفترة ظهر عدد من المنظمات القومية والعرقية التي أعلنت الكفاح المسلح ضدّ حكومة منغستو العسكرية، وأسست الأحزاب اليسارية في أوائل عام 1975، جبهة تحرير شعب التيغراي، بينما أسست جميع الكيانات والمنظمات المدنية الإثيوبية جبهة موحدة لإطاحة نظام الحكومة العسكرية. ووقّعت هذه الكيانات كذلك وثيقة نظام سياسي مدني جديد يعيد هيكلة المجتمع الإثيوبي بعد إزالة نظام منغستو العسكري 52. واصلت الأحزاب السياسية وبعض أفراد المؤسسة العسكرية معارضة سياسات الحكومة العسكرية، وفي عام 1989، تحالفت جبهة التيغراي مع الحركة الديمقراطية لشعوب إثيوبيا، مكوّنة ما يُعرف ب "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية." أعلنت هذه الجبهة الجديدة تخلّيها عن الأيديولوجية الماركسية، وتبنّت التوجهات الليبرالية بغرض الحصول على الدعم من الدول الغربية. وتمكنت المؤسسة المدنية عمومًا في نهاية المطاف، بمساعدة مجموعة من العسكريين، من تحقيق هدفها السياسي في إطاحة حكومة منغستو العسكرية، واستولت على السلطة في عام 1991 53.
3. تطور العلاقات المدنية - العسكرية في عهد الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية
ألقت الخلافات والصراعات والتنافس على السيطرة على الكيانات والتنظيمات المدنية والعسكرية بين القوميات الإثيوبية المختلفة، في عهد حكومة منغستو العسكرية، بظلالها على المشهد السياسي في البلاد، حيث تفاقمت المشاعر القومية لدى المكوّنات الأخرى المناوئة لهيمنة قومية الأمهرا. وكان من الطبيعي، عند القضاء على سلطة منغستو الذي ينتمي إلى قومية الأمهرا، أن تحلّ قومية أخرى محلّها في الحكم، فقد تمكنت قومية التيغراي من السيطرة على الحكم بقيادة ميليس زيناوي 2012-1955()، الذي عمل على ترسيخ موقع التيغراي في السلطة بإنشاء حزب جديد حلّ محلّ حزب العمال الإثيوبي (الشيوعي) الذي أسّسه منغستو، ويُعرف باسم الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية؛ وهذا الحزب هو ائتلاف يضم مجموعات التمرد القومية 54، وبهذه السيطرة الائتلافية دخلت إثيوبيا مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات المدنية - العسكرية، وما زالت هذه المرحلة لم تتشكّل بعد بصورتها النهائية.
بعد أن تمكنت الجبهة الديمقراطية الثورية من إطاحة الحكومة العسكرية، سعت مباشرة إلى إصلاح الحياة السياسية والعسكرية، خاصة في ظل انهيار مؤسسة الجيش وتفكيكها بعد أن كان يعتمد عليها الجنرال منغستو في إدارة الدولة، والعمل على تحويل قوّات الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي والجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا، لتكون الجيش الوطني الجديد برؤية سياسية جديدة مغايرة تمامًا لرؤية المؤسسة العسكرية السابقة 55. واضح أنّ هذا التحدي والتحديات الداخلية الأخرى 56 كانت تتطلّب موقفًا صلبًا من النخبة السياسية ومؤسسة الجيش الجديدة، كي لا تدخل البلاد في أتون الصراعات الأهلية. وبهذا فرضت هذه الأوضاع الداخلية الحرجة واقعًا سياسيًّا جديدًا يقضي بضرورة تعاون المؤسستين المدنية والعسكرية في العمل السياسي 57. وربما لهذا السبب اتجهت النخبة الجديدة في إثيوبيا إلى عقد مؤتمر جامع حدّدت فيه شكل النظام
السياسي الجديد، وأيضًا الوصول إلى وثيقة دستورية انتقالية تعالج جذور أزمة الهوية الوطنية، وتصلح العلاقات المدنية - العسكرية، ومن أهم نتائج هذا المؤتمر التوافق بشأن وثيقة دستورية قانونية تحكم البلاد، عُرِفت باسم "ميثاق المرحلة الانتقالية." وقد اعترف هذا الميثاق القانوني بحقّ تقرير المصير لجميع الأمم والقوميات في البلاد، وسمح، في الوقت ذاته، لكل جماعة عرقية بإقامة حكم ذاتي، ورسم حدود العلاقة ما بين المؤسسات المدنية والعسكرية في نظام الحكم الجديد، ولهذا يعدّ هذا الميثاق السياسي حجر الزاوية لما عُرف فيما بعد بمشروع الفدرالية الإثنية 58. بناء على ما سبق، فرض هذا الميثاق الدستوري المتوافَق عليه واقعًا سياسيًّا جديدًا ينظّم شكل العلاقة المدنية - العسكرية في أنظمة الحكم والإدارة. وبموجبه جرى التأكيد على ضرورة أن تتولّ منصب وزارة الدفاع شخصية مدنية تسهم في هيكلة العلاقة المدنية - العسكرية وصياغتها وفقًا لأسس احترافية ومهنية تمكّن مؤسسة الجيش من التعامل مع القضايا السياسية بطرق مهنية احترافية أكثر من ذي قبل 59. صحيح أنّ الحكومة لم تلتزم بتعيين شخصيات مدنية خالصة في إدارة وزارة الدفاع في أول الأمر، لكن مع مرور الوقت بدأت الشخصيات المدنية ذات الخلفيات العسكرية ترأس وزارة الدفاع، وما يؤكد هذا الاتجاه الآن هو أن وزارة الدفاع الإثيوبية ترأستها شخصية أكاديمية ذات خلفية عسكرية، وهي قنأ يادتا 60. ومن الواضح أنّ هذا التطوّر في العلاقة بين المؤسستين العسكرية والمدنية أسهم بصورة مباشرة في توسيع مساحة العمل الحزبي الديمقراطي، وهذا ما يتضح من ظهور التكتلات الائتلافية المدنية - العسكرية، أو الائتلافات والتحالفات المدنية العريضة 61. ومن أهمّ هذه الائتلافات التي ظهرت خلال تلك الفترة التاريخية، ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية سِّس في عام، وضمَّ كًّلًّ من جبهة تحرير التيغراي، الذي أ 1994 والحركة الديمقراطية لقومية الأمهرا، والمنظمة الديمقراطية لشعب الأورومو، والحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا 62. كان من أهم أهداف هذا التجمع الائتلافي العمل على قيادة التحوّل الديمقراطي وإصلاح نظام الحكم السياسي. ولتحقيق ذلك طرحت النخبة السياسية لهذا الائتلاف ركيزتين أساسيتين للإصلاح السياسي؛ تتمثل الأولى في ضرورة تبنّي نموذج الفدرالية الإثنية في إثيوبيا، وذلك بغية معالجة جذور الأزمة التاريخية للاندماج القومي في البلاد، ودعمت الدول الغربية التي تدعو إلى تبنّي النظام الديمقراطي، هذا المحور الإصلاحي، واعتبرته حًّلًّ وسطًا يضمن لإثيوبيا وحدتها الوطنية من ناحية، ويحقق لبعض القوميات والعرقيات المختلفة حدًّا مقبولً من طموحات الحكم الذاتي من ناحية أخرى، بينما تتمثّل الركيزة الثانية في ضرورة العمل على تحقيق معدلّات تنموية مقبولة لمعالجة المشكلات الناجمة عن الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة التي كانت سببًا أساسيًّا لتمرّد القوميات والعرقيات المهمشة التي غالبًا ما تنادي بالانفصال 63. على الرغم من الانتقادات العديدة الموجهة إلى الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية في برامجها السياسية والاقتصادية، فإنّها استطاعت أن تحقق النجاح، على مدى يزيد على عقدين من الزمن، في تعزيز الاستقرار السياسي وتقليص الميول الانفصالية للقوميات والعرقيات المختلفة، وأيضًا في تحجيم دائرة العنف المسلّح الذي ساد فترة طويلة، بعد أن زاد عدد قبول القوميات الإثيوبية المختلفة للتجنيد العسكري في المعاهد والمدارس العسكرية الوطنية التي تخرّج الضباط. لكن مع استمرار التفوّق الواضح لقوميّتي الأمهرا والتيغراي في قيادات الهيئة العسكرية، نجحت في رسم سقف العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية. وفي ظل هذه الحكومة انسحبت المؤسسة العسكرية من إدارة أغلب المؤسسات المدنية العامة في الدولة، لكنها احتفظت ببعض المؤسسات المدنية التي يمكن أن تسهم في تقوية الجيش أو قوات الدفاع الوطني. وبهذا الواقع السياسي الجديد صارت مؤسسة الجيش لا تستطيع الانفراد بالسلطة المطلقة 64. وبناءً عليه، نرى أنّ لهذه الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تبنّتها حكومة الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا في رؤيتها الإصلاحية لمسار بناء الدولة الإثيوبية، أثرًا واضحًا في رسم خريطة جديدة لطبيعة العلاقات المدنية - العسكرية، تتّسم بالتوافق والمشاركة في إدارة النظام السياسي الإثيوبي تحت قيادة مدنية.
عمومًا، شهدت إثيوبيا في عهد حكم ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا بقيادة رئيس الوزراء ميليس زيناوي عددًا من المحاولات الإصلاحية في النظم السياسية والقانونية وفي بناء المؤسسات السياسية. وتجلّت فلسفتها في إصلاح النظام السياسي باستحداث نظام التجربة الفدرالية المرتبطة بالقوميات والمجموعات القبلية المتجانسة - أي نظام الفدرالية الإثنية - الذي يُعدّ واحدًا من أبرز تجارب نظم الحكم في القارة الأفريقية، لكونه يعتمد على نظام الفدرالية الإثنية. وبموجب هذا النظام السياسي الجديد قُسّمت إثيوبيا إلى تسعة أقاليم ومدينتين فدراليتين وفقًا للتوزيع الجغرافي للقوميات الموجودة فيها 65. وبهذه الإصلاحات أصبح نظام الحكم يقوم على نظام مجلس النوّاب الفدرالي، وفي هذا النظام السياسي يمارس رئيس الوزراء السلطة التنفيذية من غير أيّ تأثير أو تدخّل من المؤسسة العسكرية التي أصبحت جزءًا من مجلس الوزراء، ويمثلها وزير الدفاع في اجتماعات الحكومة التي يرأسها رئيس الوزراء المدني، كما أصبحت الميزانية العسكرية، بعد أن يتم تحديدها من طرف مؤسسة الجيش، تخضع للمراجعة العامّة، ثم تقدّم للبرلمان المنتخب لإجازتها أو رفضها 66. وبناءً على ما سبق، يتّضح أنّ المشهد السياسي في إثيوبيا، في هذه الفترة، تحوّل من مفهوم نظام الحكم الشمولي إلى مبادئ مفاهيم التعددية الحزبية في إدارة البلاد باعتماد النظام الانتخابي للوصول 67. وفي آب/ أغسطس إلى الحكم 1995، نظّمت أول انتخابات في البلاد - لم تكن المنافسة فيها قوية - فاز فيها ائتلاف الجبهة الثورية الديمقراطية لشعب إثيوبيا، وأصبح زيناوي أول رئيس وزراء منتخب 68. وفي أيار/ مايو في تاريخ إثيوبيا 2005، جرت الانتخابات الثانية، وفازت فيها الجبهة الثورية الديمقراطية بقيادة زيناوي أيضًا. ووصف المراقبون هذه الانتخابات بأنّها ديمقراطية قامت على أسس حقيقية وتنظيم جيد يقود إلى ديمقراطية حقيقية في البلاد. ونافس ائتلاف الوحدة الديمقراطية المعارض لحكومة الجبهة الثورية الديمقراطية منافسة قوية جدًّا؛ إذ نال دعمً كبيرًا في المدن والأقاليم 69. وفي انتخابات أيار/ مايو 2010، فازت الجبهة الثورية الديمقراطية لشعب إثيوبيا بكلّ المقاعد تقريبًا في مجلس نوّاب الشعب المؤلف من 547 مقعدًا. ولعلّ هذا هو سبب الشكّ في نزاهتها، حيث اعتبرت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي أن الانتخابات تفتقر إلى معايير الشفافية الدولية، وبذا فإنّها لم تؤدّ مقصدها بتجسيد مقوّمات النظام الديمقراطي الحقيقي 70. وفي أيار/ مايو 2015، حقّق الائتلاف الحاكم في إثيوبيا فوزًا ساحقًا ومتوقعًا في انتخابات مجلس نواب الشعب الإثيوبي؛ إذ حصل على 442 مقعدًا من أصل 547، وعيّ هايلي مريم ديسالين رئيسًا للوزراء 71. وفي الانتخابات الأخيرة عام 2021، حاز الحزب الحاكم "حزب الازدهار الإثيوبي" غالبيةً واسعة في الانتخابات التشريعية. وبذلك الفوز ضمن رئيس الوزراء آبي أحمد تفويضًا شعبيًّا لإدارة حكم البلاد، حيث حصل الحزب على 410 مقاعد من أصل 436 مقعدًا 72. وبغضّ النظر عن ديمقراطية العملية الانتخابية ونتائجها، فإنّها تشير إلى نجاح حكومة ائتلاف الجبهة الثورية الديمقراطية في التوافق على مستوى العلاقة المدنية - العسكرية، وواضح أنّ هذا التوافق فرضته عدّة عوامل؛ أوّلً: الدستور الإثيوبي الذي وضع أسس هذه العلاقة القائمة على التسلسل البيروقراطي التنظيمي. ثانيًا: العوامل المتعلقة بالخلفيات العرقية والأيديولوجية للحركات السياسية المسلّحة التي شكّلت الجيش الوطني الجديد. ثالثًا: المؤسسة العسكرية التي أصبحت تتميز بقدر معقول من الاحترافية في التعامل مع المؤسسات المدنية، وربّ ا لهذا ازدادت في هذه الفترة نسبة المشاركة والتنسيق بين المؤسستين في إدارة البلاد. رابعًا: حكومة الائتلاف التي نجحت في إصدار قانون يسمح للقيادات العسكرية بالترشّح للانتخابات والوصول إلى الحكم عن طريق العملية الانتخابية، شريطة أن تنزع تلك القيادات البزّة العسكرية قبل العملية الانتخابية، وتترشّح في الانتخابات بثوب المؤسسة المدنية. وبهذا المفهوم السياسي الجديد في نظام الحكم انتقلت إثيوبيا نحو تطبيق مفاهيم الديمقراطية في نظام حكمها، وتقنين مشاركة المؤسسة العسكرية في عملية حكم البلاد بالإجراءات الدستورية 73.
ثالث ا: مستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا
يناقش هذا المحور المحدّدات التي ترتبط بمستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا، وفقًا لمفهوم نظرية التوافق التي تنتقد، كما سبقت الإشارة إليها آنفًا، فكرة الفصل بين اختصاصات المؤسسات المدنية والعسكرية؛ لأنها تعتبر الفصل غير منطقي، ومن المستحيل تحقيقه في دولة مثل إثيوبيا، وخصوصًا إذا نظرنا إلى مصالح المؤسسة العسكرية الإثيوبية التي تتطلب التدخل السياسي للحفاظ على هوية الأمة الإثيوبية، والتي قد تتعارض مع مصالح النخبة السياسية المسيطرة على السلطة 74. وبناءً عليه نتناول هذا المحور من خلال عدة محدّدات.
1. التكوين الاجتماعي للجيش وأثره في طبيعة المحدّد الوظيفي للمؤسسة العسكرية
كانت العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا، ولم تزل، تتأثر بالهيكل الاجتماعي لهيئة القيادة العسكرية العليا، وبذلك يتأثر مستقبل هذه العلاقات بتوجهات النخبة التي تسيطر على هيئة كبار الضبّاط، خاصّة أنّ تاريخ البلاد يشير إلى سيطرة مجموعتَي الأمهرا والتيغراي فقط على هيئة القيادة والأركان العسكرية، بينما همّشت جميع القوميات والعرقيات الإثيوبية الأخرى 75. فإذا استمرت هذه الهيمنة بالتناوب بين هاتين المجموعتين على مؤسسة الجيش مستقبلً، فستتأثر المهمّ ت الوظيفية للجيش برؤية هذه الأقلية من النخبة، وبهذا تصبح المؤسسة العسكرية فاعلً سياسيًّا يُستخدم لحماية المصالح الضيقة للأقلّيات القومية أو النخب التي تسيطر على نظام الحكم 76. وسيؤثر هذا التكوين القبلَي الحالي للجيش مستقبَلً في الأداء الوظيفي والمهني للمؤسسة العسكرية، وحتى في درجة التجانس بين قوّاتها المكوّنة من مجموعات عرقية وقبَلية مختلفة. وللتذكير فإنّ الجيش الإثيوبي عرف صراعًا طبقيًّا بين ثلاث فئات: قياداته العليا التي ترتبط برباط المصاهرة مع الأسرة المالكة، وصغار الضباط من أبناء البرجوازية الصغيرة، وقاعدة الجيش من أبناء الفلّ حين المضطهدين. وكانت هذه التناقضات الاجتماعية أساس روح التذمر والتمرد داخل المؤسسة العسكرية. ومع تأزّم الأوضاع المعيشية في إثيوبيا، في تلك المرحلة، خرج الجيش على الإمبراطور، ووقف ضد نظام حكمه، وأطاحه 77. في إطار سعي حكومة آبي أحمد لمعالجة جذور هذه المشكلة، اتّجهت رؤيته لإصلاح النظام السياسي إلى اعتماد نظام الحكم المركزي، باعتباره الحلّ الأمثل للمشكلات السياسية في إثيوبيا. وربّ ا لهذا السبب لجأ إلى تأسيس نظام مركزي ديمقراطي يستطيع أن يؤثر في طبيعة عمل التنظيمات المدنية والعسكرية بمفهوم مركزي يقوم على مبدأ المواطنة بدلً من المفاهيم العرقية والقبَلية. ويمثّل تنفيذ هذه الرؤية السياسية الجديدة تحدّيًا كبيرًا لحكومته، خاصّة في ظلّ تباين رؤى القوميات الإثيوبية الأخرى حيال مشروع إصلاح النظام السياسي 78. لذا يمكن القول إنّ العلاقات بين المؤسستين المدنية والعسكرية ستتأثر مستقبلً بتلك السياسات المركزية الرامية إلى إرساء نظام سياسي جديد يقوم على المواطنة بدلً من رابطة القومية والعرقية التي تكرّست مع تجربة نظام الفدرالية الإثنية التي أوصلت البلاد إلى حافة التوتر والانهيار والتفكك، بحسب زعم السلطة في أديس أبابا 79. يرى حزب الازدهار الإثيوبي وبعض تيارات المعارضة الأمهرية ذات التوجه المركزي أنّ المشكلة الحقيقية في إثيوبيا هي طبيعة نظام الفدرالية الإثنية؛ لأنّه يعتمد، في تطبيقه، على أسس إثنية بحتة دون اعتماد المواطنة مرجعًا أساسيًّا يُبنَى عليه مفهوم الوطنية الإثيوبية، فضلً عن المشكلات الخاصّة بمثل هذه النظم السياسية عند تطبيقها،
حيث يتجلى العديد من الصعوبات والتحديات التي تفرغ النموذج من محتواه السياسي والإداري. وقد أدّى هذا الأمر إلى إدخال البلاد في عدد من النزاعات القبلية بين القوميات والشعوب التي ظلّت تتعايش مع بعضها طوال عقود من الزمن. وترى هذه الأحزاب الائتلافية أيضًا أنّ هذا المشروع يزيد من خطاب التطرّف في البلاد وسط الأقاليم الطرفية، إذا لم تتبنّ الحكومة الاتحادية سياسات مركزية واضحة 80. سياسيًّا، يعدّ موقف حزب الازدهار الإثيوبي تسويغًا لطرح تصوّر إصلاحي يكون بديلً للفدرالية الإثنية، وليس تقويمًا محكمً لها. فعلى العكس من ذلك، يرى متخصّصون أنّ تجربة الفدرالية الإثنية التي تعيشها إثيوبيا من التجارب المهمّة في تاريخها السياسي لتعبيرها عن تطلعات الملايين من الإثيوبيين الذين يتوقون إلى نظام ديمقراطي أفضل، ولكونها قادرة على معالجة التباين في المشكلات السياسية التي تظهر بين المركز والأقاليم. عمومًا، إذا حاول رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد فرض سياساته المركزية التي تؤمن بمبدأ المواطنة فقط، سيؤدي ذلك، في الغالب، إلى انسداد الأفق السياسي والاضطرابات وتأزّم المواقف المختلفة بين العاصمة الفدرالية والأقاليم، وبذا سيضطر إلى إعادة إنتاج تجارب الأنظمة التسلّطية السابقة التي تتميّز بعسكرة نظمها السياسية، ويصبح الجيش في هذه الحالة وسيلة مهمّة وفعالة في حسم الاحتجاجات والصراعات. وبدأت بوادر هذا الاتجاه تظهر في قمع الاحتجاجات في إقليم الأورومو وبعض الأقاليم الأخرى التي تعارض سياسة المركزية، وكذلك الحرب الأهلية الحالية بين الحكومة المركزية وجبهة تحرير التيغراي 81. واضح أنّ هذه الحرب هي إعادة تدوير للتاريخ السياسي الإثيوبي المتمثل في التنافس بين قوميّتَي الأمهرا والتيغراي للسيطرة على الحكم والدولة، خاصّة إذا أخذنا في الحسبان التحالف بين آبي أحمد وقومية الأمهرا التي تكافح من أجل سلطة سلبتها منها، بحسب اعتقادها، قومية التيغراي. عمومًا، سيتيح استمرار هذه الحرب الأهلية فرصة للقيادات العسكرية لتتصدّر المشهد السياسي على حساب المؤسسات المدنية، وهذا ما سينعكس سلبيًا على العلاقات المدنية - العسكرية. في المقابل، إذا استطاعت الحكومة الحالية إيجاد الحلول والمعالجات الصحيحة ذات الطابع المدني لتلك التحديات السياسية المعقّدة، فإنها ستنجح في رسم خريطة سياسية جديدة لهذه العلاقات تسمح بمواصلة سيطرة المدنييّن على المؤسسة العسكرية التي غالبًا ما تؤدي وظيفتها دون التدخل في شؤون الحكم.
2. العلاقات الخارجية وتأثيرها في احترافية القوات المسلحة الإثيوبية
يرتبط استمرار توافق العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا بمدى تأثير العامل الخارجي في طبيعة العلاقة بين المؤسسات المدنية والقوات المسلحة. وثمّة شواهد تاريخية تشير إلى التدخل الخارجي في شؤون الحكم والإدارة لصالح فئة معيّنة على حساب المكونات الأخرى، ومن الأمثلة على ذلك تدخّل بريطانيا الذي أسهم في استعادة عرش الإمبراطور هيلا سيلاسي وإنهاء الاحتلال الإيطالي لإثيوبيا، وإفشال الانقلابات العسكرية التي حدثت في تلك الفترة التاريخية، وكذلك تدخّل الاتحاد السوفياتي لحماية حكومة منغستو العسكرية من الانقلابات 82. وربّ ا تؤثّر مواقف الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بشأن الأحداث الجارية الآن في إقليمي التيغراي والأورومو، في سير العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا، ويتوقف هذا التأثير على طبيعة مواقف هذه القوى الدولية من الحكومة الحالية. إنّ مستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا رهن لطبيعة المساعدة العسكرية الخارجية في عملية التدريب والتسليح أيضًا، وغالبًا ما تؤدي هذه المساعدات إلى تقوية المؤسسة العسكرية على حساب المؤسسات المدنية. وتعتمد إثيوبيا كثيرًا على المساعدات العسكرية الخارجية في عملية إعداد المؤسسة العسكرية وتسليحها 83. وبناءً عليه، نرى أنّ نتائج هذا الدعم النهائية في مستقبل العلاقات المدنية - العسكرية تكوّن أحد الاتجاهين: إمّا أن تسيطر مؤسسة الجيش على نظام الحكم بدعم من الدول التي تقدّم المساعدات، وإما أن تسهم تلك المساعدات العسكرية في احترافية الجيش الإثيوبي في التعامل مع القضايا السياسية المعقدة، وبذا تتقلص مساحة المشاركة السياسية للمؤسسة العسكرية في السلطة، بالنظر إلى أن شروط المساعدة العسكرية الغربية تكون مرهونة دائمًا بحياد الجيش في الأمور السياسية، من أجل دعم عملية التحوّل الديمقراطي في بلدان العالم الثالث 84. أخيرًا، يتوقف مستقبل العلاقات بين المؤسسات المدنية والعسكرية في إثيوبيا، على طبيعة رؤيتها لسياستها الخارجية، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين السياستين الخارجية والعسكرية. وبناءً عليه يُعدّ حجم التهديدات التي تتعرض لها الدولة في علاقاتها الخارجية، ونوعها، من العوامل المؤثرة في السياسة العسكرية في تحديد دور الجيش بوصفه فاعلً سياسيًّا في الشؤون الداخلية للدولة 85، فعلى سبيل المثال تقوم
سياسة إثيوبيا الخارجية على ثلاث رؤى؛ أولً: اعتمادها على أهمية الارتباط بدولة كبرى من أجل تأمين السلطة الحاكمة وحمايتها من أطماع الدول المجاورة، ثانيًا: ضرورة إيجاد موطئ قدم في ساحل البحر الأحمر بهدف السيطرة على بعض الموانئ المهمّة في التجارة العالمية في المنطقة، ثالثًا: تقليص تأثيرات القومية العربية في الداخل الإثيوبي، حيث تستشعر الأنظمة المتعاقبة على الحكم خطر تأثيرات القومية العربية والتضامن الإسلامي، خاصة أن إثيوبيا تعتبر نفسها جزيرة مسيحية وسط محيط عربي إسلامي له القدرة على التأثير في مكوناتها الداخلية 86. في ضوء ذلك أثّرت هذه الرؤية السياسية للنخب الإثيوبية الحاكمة في تحديد طبيعة العلاقات بين المؤسستين المدنية والعسكرية، وكذلك تمكّنت إثيوبيا من تهيئة الرأي الدولي للتجاوب مع الموقف الإثيوبي وسط هذه المهددات الخارجية التي تحيط بالبلاد من جميع دول الجوار. وبناءً على تلك الرؤية السياسية، نحسب أنّ مستقبل العلاقة المدنية - العسكرية في إثيوبيا رهنٌ لقدرة النظام الحاكم على التعامل مع قضايا السياسة الخارجية ومهدداتها، بما يحقق مصالح الدولة الإثيوبية بأقل الخسائر السياسية.
خاتمة
في ضوء مؤشرات نظرية التوافق في تحليل العلاقة المدنية - العسكرية، تتبّعت هذه الدراسة تطوّر تلك العلاقة في إثيوبيا، وجادلت بأنّ للتنوع الثقافي والعرقي تأثيرًا كبيرًا في ديناميّتها وتحولّات الأنظمة السياسية المتعاقبة. ودلّت الدراسة على أن التركيبة الاجتماعية والتوزيع القبلَي أثّرا في عمليات إصلاح الأنظمة السياسية المتعاقبة؛ إذ إنّهما أسهما بصورة مباشرة في القضاء على نظام الحكم الإمبراطوري المطلق، والحكم العسكري الشمولي، ثمّ ساعدا كثيرًا في إقرار مشروع الإثنية الفدرالية. وإذا كانت الدراسة أثبتت أنّ السيرورة التاريخية توضح توجّه العلاقة المدنية - العسكرية في إثيوبيا نحو التوافق والتشارك في إدارة حكم البلاد، فإنّها تبين أيضًا أنّ حاضر العلاقات. ومستقبلها يواجهان العديد من الصعوبات والتحدّيات القومية والانفصالية التي يمكن أن تؤثر في المحدّد الوظيفي للجيش، وعملية صنع القرار، وطبيعة السياسات الخارجية المتّبعة. أوضحت الدراسة أنّ المؤسسات المدنية والعسكرية لم تشارك في إدارة شؤون إثيوبيا في فترة حكم الإمبراطور منليك الثاني للبلاد، وفي المقابل، بيّنت أنّ المؤسسة العسكرية والتنظيمات والأحزاب المدنية استفادت كثيرًا من هامش الإصلاحات السياسية التي قام بها الإمبراطور هيلا سيلاسي؛ إذ بدأ التنسيق والعمل المشترك إبّان هذه الفترة لإصلاح نظام الحكم الإثيوبي، وأثمرت العلاقات الجيدة بين الطرفين إطاحةَ حكم هيلا سيلاسي. ووضّ حت الدراسة أيضًا انفراد مؤسسة الجيش بالسلطة في زمن حكم منغستو العسكري واستبعاد التنظيمات والأحزاب والتجمّعات المدنية من المشاركة في السلطة سنوات طويلة، على الرغم من دور هذه القوى المدنية في التخلص من النظام الإمبراطوري لهيلا سيلاسي. ثمّ بيّنت حالة التوافق في العلاقة بين المؤسستين المدنية والعسكرية في فترة سيطرة ائتلاف الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا على نظام الحكم في البلاد. وأخيرًا ترى الدراسة أنّ استمرار التوافق في العلاقات المدنية - العسكرية ومواصلة السيطرة المدنية على نظام الحكم في المستقبل مرهونان بمدى صدقية حكومة آبي أحمد في تنفيذ شعارات المركزية والمواطنة بالطرق الديمقراطية والقانونية الصحيحة التي تقوم على مبادئ العدل والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المكوّنات القومية الإثيوبية.
References المراجع
العربية
أبو العينين، محمود. إدارة وحل الصراعات العرقية في أفريقيا. طرابلس: الدار الجامعية للنشر والتوزيع،.2008 أسعيدي، إبراهيم، وراشد محمد النعيمي. "العسكرة مقاربة نظرية لُباب. العدد تأصيلية." 13.)2022(باراني، زولتان. "جنود الجزيرة العربية: لماذا فرضت ثلاث دول سياسات عربية. مج خليجية التجنيد الإلزامي؟." 5، العدد 27 (تموز/ يوليو.)2017 بشارة، عزمي. "الجيش والحكم: إشكاليات نظرية." سياسات عربية. مج 4، العدد 22 (أيلول/ سبتمبر.)2016 بشير، عبد الوهاب الطيب. الأقليات الدينية والعرقية ودورها في التعايش الديني في إثيوبيا: من الإمبراطورية إلى الفدرالية 2007-1930 م. الخرطوم: جامعة أفريقيا العالمية، مركز البحوث والدراسات الأفريقية،.2009 الجبوري، عمار وجيه محمود نجم. أوضاع إثيوبيا: في ظل الاحتلال الإيطالي (1941-1935). القاهرة: بورصة الكتب للتوزيع والنشر،.2018 حجاج، محمد. إشكاليات الحكم في أفريقيا: إثيوبيا ونيجيريا دراسة مقارنة. سلسلة أفريقيات 5. القاهرة: الهيئة المصرية العامّة للكتاب،.2019 تاريخ إثيوبيا. القاهرة: المكتبة الأنجلو مصرية رياض، زاهر.،.1966 زاوي، رابح، وفارس لونيس. "فهم صيرورة العلاقات المدنية العسكرية من خلال صيرورة نظرية التوافق." الناقد للدراسات السياسية. مج 4، العدد 1.)2020(سعدي، محمد. "إمكانيات إصلاح مؤسسة الجيش ورهاناته في العالم سياسات عربية. مج العربي: دراسة أولية مقارنة." 4، العدد 20 (كانون الثاني/ يناير.)2017 عبد الكريم، محمد. إثيوبيا من الهيمنة إلى العزلة. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع،.2022 عبد اللطيف، محمد أحمد. "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية بين الفكر والحركة." رسالة دكتوراه غير منشورة. قسم العلوم السياسية. كلية الدراسات الأفريقية العليا. جامعة القاهرة. القاهرة..2016 علّم، عبد الله فيصل. العلاقات المدنية - العسكرية والتحوّل الديمقراطي في مصر يوليو/ تموز 1952 - يوليو/ تموز 2013. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2018 عودة، عبد الملك. أفريقيا تتحول: كلام في الديمقراطية. القاهرة: مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع،.2010 غماري، طيبي. الجندي والدولة والثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 محمد، محمد أحمد عبد اللطيف. التطوّر السياسي لجبهة تحرير أورومو. القاهرة: المكتب العربي للمعارف،.2015 مصباح، شروق رياض. الأقليات في إثيوبيا: الأنثروبولوجيا الاجتماعية. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2018.
الأجنبية
Abate, Yohannis. "Civil-Military Relations in Ethiopia." Armed Forces & Society. vol. 10, no. 3 (1984). Adejumobi, Saheed A. The History of Ethiopia. London: Greenwood Press, 2007. Assensoh, A. B. & Yvett M. Alex- Assensoh. African Military History and Politics Coups and Ideological Incursions 1900. New York: Palgrave, 2002. Berhe, Mulugeta Gebrehiwot. "The Ethiopian Post-Transition Security Sector Reform Experience: Building a National Army from a Revolutionary Democratic Army." African Security Review. vol. 26, no. 2 (2017). Bland, Douglas L. "A Unified Theory of Civil-Military Relations." Armed Forces & Society. vol. 28, no. 1 (1999). Caforio, Giuseppe. Handbook of the Sociology of the Military. New York: Springer, 2003. Cochran, Charles. Civil-Military Relations: Changing Concepts in the Seventies. New York: Free Press, 1974. Danopoulos, Constantine P. & Cynthia Watson (eds.). The Political Role of the Military: An International Handbook. London: Greenwood Press, 1996.
Decalo, Samuel. Coups and Army Rule in Africa Motivations and Constraints. New York: Yale University, 1990. Diamond, Larry & Marc F. Plattner (eds.). Civil-Military Relations and Democracy. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1996. Ebo, Adedeji. "Towards Code of Conduct for Armed Security Forces in African Opportunities and Challenges." Policy Paper. Geneva Center for the Democratic Control of Armed Forces (DCAF) (2005). at: https://bit.ly/3CIwed0 Goodpaster, Andrew & Samuel Huntington. Civil-Military Relations. Washington, D.C.: American Enterprise Institute for Public Policy Research, 1977. Huntington, Samuel P. The Soldier and the State. New York: Belknap Press, 1957. Johnson, Johnson J. The Role of the Military in Underdevelopment Countries. New Jersey: Prang Cetin University, 1962. Malan, Jannie. Guarding the Guardians: Civil-Military Relations and Democracy in Africa. Durban: African Center for the Constructive Relation of Disputes, 2011. Movoe, Isaac. The Performance of the Soldiers as Governors: Africa Politics an African Military. Washington, D.C.: University Press of America, 1980. Ofcansky, Thomas P. & Laverle Barry. Ethiopia a Country Study, Minnesota; Federal Research Division. Washington: Federal Research Division, Library of Congress, 1993. Ottaway, Marina & David Ottaway. Ethiopia: Empire in Revolution. New York: African Publishing Company, 1987. Schiff, Rebecca L. The Military and Domestic Politics: A Concordance Theory of Civil-Military Relations. New York: Routledge, 2009. Tordoff, William. Government and Politics in Africa. New York: Macmillan, 2002. Willis, John. Civil Society and the State in Africa. New York: Lynne Reiner Publishers, 1997.