فهم انفصال صوماليلاند: تأريخ تشك ل الدولة الصومالية وإخفاقها (1960 - 1991)
الملخّص
تسعى هذه الدراسة لتفهم انفصال صوماليلاند، وتقرأ خلفياته ودوافعه ومبرراته التاريخية والسياسية والقانونية، وتطرح فرضية رئيسة هي أن الانفصال نتيجة موضوعية للعوامل البنيوية والسياسية والثقافية التي أحاطت بنشأة الدولة الصومالية وتوحيدها في فترة ما بعد الاستقلال. وتحاجّ بأن المنظور التاريخي يوفر فهمً ا أفضل ليس في حالة انفصال صوماليلاند فحسب، بل أيض ا لاستيعاب الجذور العميقة لتحوّل الصومال إلى حالة أنموذجية لفشل الدولة الوطنية القطرية. وتنطلق من خلفية عامة حول التشك ل السوسيوتاريخي الحديث لشبه الجزيرة الصومالية. وتحدّد نطاق اشتغالها الزماني والمكاني على أربع مراحل أساسية، تبدأ من تاريخ تكوّن الدولة الحديثة في إقليمَي صوماليلاند البريطاني والصومال الإيطالي، وصولُا إلى قيام الدولة الصومالية الق طرية بصيغتها القومية الموحَّدة، ومن ثم تمرّ إلى تفسير مبررات انفصال صوماليلاند وخلفياته عن باقي الصومال في عام 1991، وكذا تشرح عوائق هذا الانفصال، وتختتم بتقييم مقاربات المجتمع الدولي منه ومواقفها. كلمات مفتاحية: الدولة الوطنية، الاستعمار، الصومال، صوماليلاند. This article seeks to understand the secession of Somaliland by exploring its historical, political and legal motives and rationales. It suggests that the secession is a notable outcome of the structural, political and cultural factors surrounding the emergence and unification of the Somali state post-independence. The article argues that the historical perspective offers a better understanding of not only the secession of Somaliland, but also why Somalia is a textbook case for the failure of the nation-state. The article starts with a general background on the modern socio-historical history of the Somali peninsula and analyses four key moments, starting from the history of the formation of the modern state in British and Italian Somaliland, leading to the establishment of Somalia as a unified nation-state. Accordingly, the article explains the rationale behind the secession of Somaliland from Somalia in 1991 , as well as the obstacles to this secession, and concludes with an evaluation of the attitude and approaches of the international community. Keywords: Nation State, Colonialism, Somalia, Somaliland.
Understanding the Secession of Somaliland: History of the Formation and Failure of the Somali State (1960 - 1991)
مقدمة
يُعدّ انفصال صوماليلاند حالةً فريدةً لها خصوصيات تاريخية عدة، تميّزها من باقي الكيانات ذات المطالب الانفصالية في أفريقيا، ليس من جهة أن الجمهورية المُعلَنة من طرف واحد استطاعت البقاء ذاتيًا وبناء دولة مستقرة وديمقراطية نسبيًا، وتُجرى انتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية على نحو دوري في محيط مضطرب، بل يقوم ادعاؤها السيادة على سردية كونها إقليمً ذا تاريخ سياسي استعماري مختلف عن باقي الصومال. فقد قامت الجمهورية الصومالية ما بعد الاستقلال على حلم بناء دولة قومية تمثل جميع الصوماليين في القرن الأفريقي، وتشكلت هذه الوحدة إبان الاستقلال بين اتحاد إقليمَي "صوماليلاند" Somalialnd الذي نال استقلاله من بريطانيا في 26 حزيران/ يونيو 1960، وإقليم "الصومال الإيطالي" Italiana Somalia الذي استقلّ عن إيطاليا في 1 تموز/ يوليو 1960. لقد اعتمدت الدول الأفريقية غداة نيلها الاستقلال الحدود التي خلّفتها الإدارات الاستعمارية وجعلها حدودًا سياسية لأقاليمها الوطنية. وقد يصحّ القول إن الحالة الصومالية تشكّل استثناءً عن هذا الإجماع الأفريقي على تقديس الحدود الاستعمارية، فالصومال هو إحدى الدولتين الوحيدتين في أفريقيا (إضافة إلى المغرب) اللتين رفضتا قبول الحدود الإقليمية إبان تأسيس دولتيهما الوطنيتين. ورفض الصومال توقيع المعاهدات الإقليمية كلها الرامية إلى حفظ الحدود الاستعمارية، وفي الأخص تلك التي تعيّ حدوده مع إثيوبيا وكينيا، بسبب الترسيمات الحدودية التي تركتها التجربة الاستعمارية في الأراضي الصومالية، حين عمدَ الاستعمار البريطاني إلى توزيع الأراضي الصومالية التاريخية على دول الجوار على شكل هِبات. تبحث هذه الدراسة في الجذور والخلفيات التاريخية والسياسية لانفصال صوماليلاند، من خلال العودة إلى التكوّن التاريخي والسياسي للإقليم من فترة البواكير الاستعمارية، وصولً إلى مطالبته بالانفصال عن الصومال، مرورًا بفترة الوحدة وإنشاء الدولة القومية الصومالية. كما تعالج التجربة الاستعمارية في أربعينيات القرن الماضي، التي أرست أسس الدولة الحديثة، في الصومال الإيطالي وصوماليلاند البريطاني، من خلال إنشاء مجالس محلّية، يرأسها زعماء العشائر، التي قامت بتطوير اقتصاد حديث ومشاريع زراعية وتجارية عبر ربط السوق الصومالية بالأسواق الرأسمالية العالمية. مع ذلك، لم يغيّ الاستعمار، تحديدًا في تجربته البريطانية، البنى الاجتماعية والسياسية، إنما حاول التكيّف، والتعامل معها خدمة لمصالحه الاستعمارية، وهكذا، أنتج الاستعمار النمط العشائري السياسي من العلاقات في أول حكومة حديثة في صوماليلاند، ما ساهم لاحقًا في تقويض التحوّل الديمقراطي في دولة ما بعد الاستقلال في أثناء قيام الجمهورية الصومالية. تتناول الدراسة في المبحث الأول الفترة الاستعمارية وتجربة بناء الدولة الحديثة في المجال الصومالي، عبر تحليل تاريخي للتكوّن السياسي لإقليم صوماليلاند كمحمية استعمارية بريطانية، وسنحاجّ بأن التجربة الاستعمارية البريطانية (والإيطالية على نحو أقلّ) لم تغيّ في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الصومالي. وتعامل الاستعمار مع البنية الاجتماعية العشائرية خدمة لمصالحه السياسية. ومن ثم احتفظ كيان المجتمع بأطره السياسية التقليدية التي سادتها هيمنة الثقافة العشائرية السياسية. ويناقش المبحث الثاني لحظة نشوء الدولة القومية الصومالية بعد الاستقلال، التي قامت من اتحاد إقليمَي صوماليلاند والصومال الإيطالي، ويتفحّص في هذا السياق التحديات السياسية والثقافية والتعقيدات القانونية والفنية التي رافقت تكوّن الدولة الصومالية، ومنها إشكالية ضعف البناء الوطني في التجربة الاستعمارية، إضافة إلى الصراعات الحدودية مع دول الجوار الناجمة عن ترسيمات الاستعمار البريطاني الذي وزّع الأراضي الصومالية على الجيران على شكل هِبات. أما المبحث الثالث، فيناقش مسألة انفصال صوماليلاند، وتقف على خلفيات هذا الانفصال وسياقاته التاريخية على نحو مفصّل، وتحاجّ بأنها نتيجة موضوعية لفشل بناء دولة-أمة صومالية، وبأن الانفصال جاء استجابة مباشرة لإخفاق تجربة الوحدة الصومالية القومية، فضلً عن الانتهاكات الإنسانية التي قامت بها الدولة العسكرية في حق الشماليين، وسنتناول في هذا المبحث، بطريقة نقدية، مختلف الدعاوى السياسية والقانونية المبررة لعملية الانفصال. ويسعى المبحث الرابع لتفسير مواقف القوى الدولية والإقليمية، خصوصًا الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأفريقي، لفهم طبيعة مقارباتهم إزاء انفصال صوماليلاند.
أولا: خلفية سوسيوتاريخية
لم تعرف الأراضي الصومالية تاريخيًا أي سلطة سياسية تفرض الحكم على كامل ترابها تحت سلطة سياسية موحّدة، على الرغم من شيوع العديد من السلطنات الإسلامية والممالك العشائرية في المدن الساحلية الصومالية في فترات تاريخية مختلفة. وكان لهذه السلطنات نُظم سياسية واقتصادية وعلاقات سياسية وتجارية مع الخارج، مثل (سلطنة أوفات) 1 التي استمر حكمها في المدة 1415-1285، وتوصف بأنها أقدم السلطنات
الصومالية الإسلامية، وارتبطت ببعض حواضر العالم الإسلامي من خلال ابتعاث طلاب العلم وتنظيم رحلات الحج. لكنها عاشت في خضم فترات الحروب الدينية التي كانت مشتعلة في المنطقة في تلك القرون بين المسلمين والمسيحيين، واستدعت تدخل القوتين الإمبراطوريتين البرتغالية والعثمانية، بتحالف الأولى مع مسيحيي الحبشة، والثانية مع سلطنة عدل المسلمة. وجرى التغلب على سلطنة أوفات أخيرًا على يد الإمبراطور الحبشي Siyon Adma في عام 1332 2. وتُعدّ سلطنة عدل3 من أبرز السلطنات التي قامت في المناطق الشمالية الصومالية، واستمرت خلال المدة 1577-1415، وكانت تتحكم في طرق التجارة بين الهضاب وسواحل البحر الأحمر والمحيط الهندي، إلّ أنها هي الأخرى، لم تستمر طويلً بسبب الحروب الدينية التي عاشتها مع المملكة الحبشية. وفي المدن الشمالية على ساحل البحر الأحمر، كانت تصدّر مدينة بربرة التجارية جلود الإبل واللحوم والعبيد والعاج والسمن والمنسوجات إلى شبه الجزيرة العربية والهند. وأصبحت خلال القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر تتبع اسميًا الإمبراطورية العثمانية، على غرار إمارات في الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية. قامت في المناطق الجنوبية مملكة أجوران التي ضمّت المدن الساحلية الجنوبية، وسكَنها التجار الهنود والعرب، وامتد حكمها من القرن الرابع عشر إلى القرن الثامن عشر. لكنها هي الأخرى عاشت في تاريخها كله تهديدًا برتغاليًا دائمًا، وكانت ترتبط بعلاقات سياسية وعسكرية مع الإمبراطورية العثمانية. ويعتبرها الباحث عبد الرحمن باديو لبِنَةً أساسية لثقافة الدولة في التاريخ الصومالي ما قبل الاستعمار 4، وتفكّكت أخيرًا إلى سلطنات عشائرية صغيرة بفعل التنافسات الداخلية والتدخلات البرتغالية. وفي مناطق البونت الجنوبية مثّلت سلطنة مجرتين التي قامت في القرن الثامن عشر ما يشبه دولة إقليمية 5. المغزى من ذلك أن شبه الجزيرة الصومالية عرفت أنماط حكم سياسية مختلفة عن بنية النظام الاجتماعي القائم على العشيرة، وكانت تستند إلى التجارة والزراعة. وترتبط بالعالم الخارجي عبر التجارة والتحالفات السياسية والدينية. ولم يكن الصوماليون مجموعة قبائل فحسب، بحسب ما ذهب إليه تقليد الأنثروبولوجيا الاستشراقية في حقل الدراسات الصومالية الحديثة الذي تجاهل التاريخ السياسي لتلك الممالك والسلطنات الصومالية. فقد اهتم هذا التقليد بظاهرة غياب الحكم المركزي في المستعمَرات الأفريقية. وغدت دراسة هذه الظاهرة مثار اهتمام حقول "الأنثروبولوجيا الاجتماعية" و"الأنثروبولوجيا السياسية" التي تطورت في الجامعات البريطانية في النصف الأول من القرن العشرين. واهتمت الأخيرة، على نحو خاص، بظاهرة "مجتمعات اللادولة" الأفريقية. وكرّس المستشرق البريطاني لوآن ميردين لويس 2014-1930() نفسه لدراسة المجتمع الصومالي 6، وأفرد في جلّ أعماله مج لً لدراسة التنظيم الاجتماعي والسياسي الصومالي القائم على الأسس العشائرية، ويفضّ ل في أبحاثه الأنثروبولوجية استخدام لفظة عشيرة Clan بدلً من قبيلة Tribe، للإشارة إلى الجماعية الصومالية 7. فللقبيلة بحسب فهمه نظام وقانون خاص وأراضٍ تنتمي إليها، وعادة ما يكون لديها لغة وثقافة خاصة بها 8. لهذا، فالجماعات الصومالية المقصودة هنا لا تتوافر عندها هذه الخصائص، فلا يتم الانتساب إلى الحيز الجغرافي الذي تعيش فيه، بل يعود الانتماء إلى جد مشترك، سواء أكان حقيقيًا أم متخيّلً، ولها نظام قانوني خاص ينظم الشؤون الداخلية. ويرأسها شخصٌ يُدعى "العاقل" أو "السلطان/ الأوغاز" Ugaas 9. إلّ أنه لم تكن لهذه المناصب صلاحيات سياسية في المجتمع الصومالي ما قبل الاستعمار، بل ازدادت أهميتها السياسية والاجتماعية مع قدوم الاستعمار الذي عمد إلى إعطائهم أدوارًا مركزية لتأسيس حكمه في "محمية صوماليلاند" من خلال الزعامات العشائرية 10.
1. الاستعمار وتشك ل الدولة الحديثة في شبه الجزيرة الصومالية (1884 - 1960)
لقد تشكّلت أراضي شبه الجزيرة الصومالية سياسيًا مع بداية التجربة الاستعمارية الأوروبية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حين تقاسمت أربع قوى استعمارية أراضي شبه الجزيرة في ما بينها في مؤتمر برلين في عام 1884، هي إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وإثيوبيا، وعمدت القوى الأوروبية الثلاث إلى إضفاء طابع الشرعية على مستعمراتها من خلال توقيع اتفاقات مختلفة مع السلطنات والعشائر الصومالية، بينما عمدت إثيوبيا إلى توسيع رقعة إمبراطورية حكمها في اتجاه الشرق، للتمدّد في الأراضي الصومالية. سعت فرنسا وبريطانيا للسيطرة على طرق الإمداد والنقل في القرن الأفريقي لتأمين قناة السويس، بينما أرادت إيطاليا إنشاء مستعمرة مماثلة لمستعمرة كينيا البريطانية، للظهور بين أقرانها الأوروبيين أنها تنتمي أيضًا إلى الدول العظمى من خلال الانضمام إلى نادي القوى المستعمِرة 11. وقد أنشأ البريطانيون حكمهم في الشمال تحت اسم محمية صوماليلاند البريطانية Somaliland British protectorate "" في عام 1887 12، وانتهجوا في إدارتهم حكمً غير مباشر من خلال توقيع عدد من المعاهدات مع عشائر صوماليلاند 13، أوّلها الاتفاقية التي وقّعتها مع سلطنة وارسنغلي التي كان يحكمها محمود علي شيري في عام 1888، وتولّت مستعمرة الهند البريطانية في البداية أمور الحكم في المحمية حتى عام 1898، وبعدها تولّ مكتب الشؤون الخارجية، وخلفه مكتب الشؤون الاستعمارية في عام 1905 14. بعد أعوام من إنشاء المحمية، تنازلت بريطانيا عن معظم أراضي المحمية، ولا سيما مناطق هاود Haud، للإمبراطورية الإثيوبية في محاولة للحصول على مكاسب سياسية من الإمبراطور منليك الثاني)1913-1844(Menelik II15، الذي كان يعيش ذروة قوته السياسية والعسكرية بعد الانتصار في معركة عدوة 16. واحتفظت بريطانيا بشريط ساحلي فحسب، يمتد مسافة مئة كيلومتر في الداخل، اعتبرته كافيًا لحماية إمدادات اللحوم إلى عدن. فباستثناء مدينة بربرة الساحلية، تُركت غالبية مناطق المحمية من دون إدارة استعمارية فعليّة. وخُفضت القوات البريطانية في المحمية إلى الحد الأدنى، حيث كان جهاز الحكومة الأمني يقتصر على ضمان استمرارية خدمة إمدادات ثابتة من اللحوم 17.
يمكن القول إن بريطانيا لم تحكم فعليًا معظم أراضي صوماليلاند، ما عدا المدن الساحلية، وتركت التجربة الاستعمارية هامشَ تأثيرٍ ضعيفًا في مستوى بناء مقوّمات الدولة، كما يلاحظ أندريس ويمر 18، غير أن البريطانيين لجؤوا إلى تعزيز سلطة زعماء العشائر لإدارة المجتمع من خلالهم. ولم تبن الإدارة الاستعمارية مقوّمات الحكم المركزي، مثل البنية التحتية وغيرها لتوفير الخدمات العامة، ولم تبادر بإنشاء سلطة سياسية حديثة إلّ بحلول أربعينيات القرن العشرين.
في نطاق تمدّدها على المدن الساحلية في الشرق الأفريقي، سيطرت بريطانيا على أراضي أقصى شبه الجزيرة الصومالية، التي سُميت لاحقًا "المقاطعة الشمالية الحدودية" Province Eastern North The، والتي تقع في جوار المستعمرة التي أسستها بريطانيا في كينيا 19. أما إيطاليا، فعمدت إلى السيطرة على مناطق جنوب الصومال، عبر عقد اتفاقات مع السلطنات وزعماء القبائل الجنوبية عن طريق شركات تجارية 20. وقد وُقّع أوّل هذه الاتفاقات في بنادر في عام 1888، تحت السيادة الشكلية التي فرضها سلطان زنجبار، السلطان برغش بن سعيد، وتبعتها سلطنة هوبيا بقيادة يوسف كنديد 1972-1889() في العام نفسه، وعُقدت اتفاقية مشابهة مع السلطان عثمان محمود في سلطنة مجرتين في عام 1889، وحلّت إيطاليا اتفاقات الوصاية هذه من طرف واحد في عام 1925، واعتمد البرلمان الإيطالي في 5 نيسان/ أبريل 1908، قانونًا لتوحيد أراضي جنوب الصومال كلها باسم "الصومال الإيطالي" Italiana Somalia، وحوّلها المحافظ ماريا ديل فيكي Maria de vecchiK إلى مستعمرة إيطالية مكتملة الأركان في عام 1927 21. نجح الاستعمار الإيطالي في جنوب الصومال في إنشاء مستعمرة زراعية للمستوطنين الإيطاليين، وعمل على إدخال الأنماط الزراعية الحديثة في المجتمع لرفع الإنتاجية، فضلً عن توفيره الخدمات العامة للمستوطنين الإيطاليين واستثنى من ذلك الصوماليين 22. وكان الحاكم الاستعماري في مقديشو يتولّ مهمّة تعيين رؤساء الأقاليم والمحافظات من السكان الإيطاليين، مع مجلس يتكوّن من شيوخ القبائل، تلخّصت مهماتهم في تقديم المشورة إلى المحافظ الاستعماري. ونتيجة لذلك، ظهر حكمهم أكثر مركزية ومباشرة، مقارنة بالحكم البريطاني في صوماليلاند 23. أما فرنسا، فسيطرت على المنطقة المعروفة حاليًا بجيبوتي، عبر توقيع معاهدات مع سلاطين عيسى وعفر، وأعلنتها مستعمرة فرنسية يحكمها ليونس لاغارد Leonce Lagarde الذي أدّى دورًا بارزًا في توسعة رقعة النفوذ الفرنسي في القرن الأفريقي. وقد أصبحت هذه المستعمرة تُعرف باسم الصومال الفرنسي منذ عام 1896. وبقي هذا الاسم متداولً حتى 3 تموز/ يوليو 1967، حين أطلقت الإدارة الفرنسية عليه اسم "الإقليم الفرنسي للعفر والعيسى" 24. ويشير الباحث عبد الرحمن باديو إلى أن هدف الاستعمار الفرنسي تمثّل في بناء مرافق فحم لسفن فرنسا في البحر الأحمر والمحيط الهندي 25، ولم تحصل جيبوتي على استقلالها إلّ في عام.1977 أخيرًا، كان هناك الإمبراطور منليك الثاني الذي وسّع حدود إمبراطوريته الحبشية عشرة أضعاف، وانتزع أجزاء من الأراضي الصومالية وضمّها إلى ملكه في عام 1897، واستولى على أراضي الإقليم الذي أصبح معروفًا بإقليم الصومال الغربي (ويُعرف بإقليم أوغادين Ogaden بحسب التسمية الاستعمارية.) ولم تكتف التجزئة الاستعمارية بتفتيت الأراضي الصومالية على هذا النحو، بل خلّفت ميراثًا حدوديًا ولّد مزيدًا من التعقيد حين وقّعت بريطانيا اتفاقية تقضي بإلحاق إقليم الصومال الغربي بدولة إثيوبيا في عام 1897، لكنه رجع وأصبح يخضع مؤقتًا للإدارة البريطانية في عام 1947، لكن بريطانيا أعادته إلى إثيوبيا مرة أخرى في عام 1948 ضد رغبة الصوماليين، ويشكّل الإقليم اليوم واحدًا من أقاليم جمهورية إثيوبيا الفدرالية 26. في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تغيّ ت الخريطة الاستعمارية في الأراضي الصومالية بسبب عاملين: تمثّل العامل الأول في تشريع وستنستر في تأسيس الكومنولث البريطاني 1931()، وهو إطار سياسي واقتصادي يضمّ المستعمرات البريطانية 27. بينما تمثّل العامل الثاني في هزيمة نظام موسوليني الفاشي في شرق أفريقيا في وقت مبكرٍ من الحرب العالمية الثانية، ونتيجة لهذين السببين، وضعت الإدارة العسكرية البريطانية يدها على كامل الأراضي الصومالية بحلول عام 1941، وبدأت في تبنّي سياسة أكثر مركزية ومباشرة للحكم، فقد نقلت مقر حكومتها الاستعمارية في صوماليلاند من بربرة إلى هرجيسا تعبيرًا عن الرغبة في حكم الإقليم بأكمله، بدلً من اقتصارها على المدن الساحلية، ووضعت برامج حكومية لتطوير اقتصاد المحمية 28. وأصبح الإصلاح السياسي والتحديث الاقتصادي محل
تركيز جديد للسياسة البريطانية في صوماليلاند 29، فضلً عن توجّه الإدارة الاستعمارية إلى إنشاء مؤسسات سياسية حديثة، وذلك من خلال إنشائها مجلسًا استشاريًا للمحمية في عام 1946، ثم مجالس البلديات 1954-1950()، والمجلس التشريعي 1957()، ومن ثم المجلس الحكومي التنفيذي.)1959(
2. نشوء الدولة الحديثة في صوماليلاند
أخذ الاستعمار البريطاني في أواخر الأربعينيات في تغيير حكمه غير المباشر بوساطة العشائر، حيث مال إلى بناء مؤسسات حديثة تقوم على المؤسسات التقليدية، وذلك بلجوئه إلى إعادة إنتاج العشائرية في المؤسسات الحديثة نفسها، بحجّة ضمان التمثيل المتوازن للعشائر في مؤسسات الدولة. تسبّب هذا التدخل في تركيبة العشائر بإحداث دينامية ستؤثر في تشكّل الدولة الصومالية ما بعد الاستعمارية: حين أصبحت العشائرية السياسية المحدّد السياسي الأبرز للعملية السياسية في البلاد بعد الاستقلال، وأصبحت الأحزاب السياسية تتنافس على الخلفيات العشائرية من أجل الوصول إلى السلطة والموارد المرتبطة بالدولة. لقد بدأ المخطط الاستعماري لبناء الدولة في صوماليلاند في إنشاء مجلس استشاري للمحمية في عام 1946، يتألف من كبار التجار والموظفين المدنيين من جهة، ومن الشيوخ والزعامات العشائرية من جهة أخرى. وعلى هذا النحو، كانت تبدو هذه المجالس باعتبارها تمثّل فئات المجتمع كلها، التقليدية (زعماء العشائر) منها والحديثة (طبقة التجار.) وقام هؤلاء المندوبون بدورهم باختيار أعضاء المجالس البلدية المحلّية في مدن صوماليلاند (بربرة، هرجيسا، ثم في برعو وعيرجابو وبورما ولاسعانود على التوالي.) وكانت تقوم هذه المجالس البلدية على أسس عشائرية أيضًا، ونجحت إلى حدٍ ما في المدن، في حين فشلت في المناطق الريفية التي شهدت مقاومة شرسة ضد توسّع أدوار شيوخ العشائر في أول حكومة استعمارية. يمكن الإشارة إلى محدّدَين رئيسين أدّيا دورًا أساسيًا في تشكّل الدولة في صوماليلاند، وفي المجال الصومالي عمومًا: أولهما بروز الخطاب القومي، وثانيهما المناداة بتوحيد الأراضي الصومالية ضمن دولة واحدة.
أ. بروز الخطاب القومي
لقد تطوَّر الخطاب القومي الصومالي من الظروف التاريخية والتفتيت الاستعماري الذي استهدف النسيج الاجتماعي والاقتصادي للصوماليين في نهاية القرن التاسع عشر. وينجم عن تشظّي الجماعة الإثنية ما يتجاوز تفكيك الروابط الاجتماعية والثقافية ليشمل النشاط الاقتصادي عبر إعاقة حركة الجماعات التي تعتمد في بقائها على نظم بيئية صحراوية، كما يبيّنهما مشاكا وعبدي سمتر30. وتجسّد هذا الخطاب بصعود قويّ للقومية الراديكالية التي ادّعت أن لا سبيل إلى بناء دولة صومالية ما لم تكن تجمع الأراضي الصومالية كلها المكوّنة من الأقاليم الاستعمارية الخمسة: صوماليلاند البريطانية، والصومال الإيطالي، والصومال الفرنسي، والمقاطعة الشمالية الحدودية في كينيا، والصومال الغربي الذي ضمّته إثيوبيا. يمكن إرجاع تطوّر هذ الخطاب إلى الأحزاب والمنظمات المدنية والنقابات الشبابية التي ظهرت مع الحكم البريطاني في صوماليلاند والحكم الإيطالي في الجنوب. فقد تم تأسيس أول منظمة سياسية صوماليلاندية اسمها "الجمعية الإسلامية الصومالية" في بداية العشرينيات في عدن بمساعدة صوماليين مقيمين في اليمن، بغرض تعزيز مناقشة "قضايا المجتمع الصومالي في عدن ومسألة الحكم البريطاني في صوماليلاند" 31. وفي عام أُ 1935 سّست منظمة أخرى باسم "الجمعية الوطنية الصومالية" التي تحوّلت في عام 1951 إلى حزب سياسي اسمه "الرابطة الوطنية الصومالية" League National Somali، المعروف اختصارًا ب SNL. وفي الصومال الإيطالي، أسس ثلاثة عشر شابًا منظمة شبابية اسمها "نادي الشباب الصوماليClub" Youth Somali، في عام 1943، وتحوّلت هذه المنظمة إلى حزب سياسي قومي في عام 1974 اسمه "عصبة الشباب الصومالية" League Youth Somali. وقاد في ما بعد هذان الحزبان SNL(وSYL) الوحدة الصومالية التي قامت بين إقليمَي صوماليلاند والصومال الإيطالي، وأصبح حزب عصبة الشباب الصومالية الحزب الحاكم في الجمهورية الصومالية بعد الاستقلال. جريت أول انتخابات برلمانية في صوماليلاند في شباط/ فبراير أ 1960، بمشاركة عدد من الأحزاب السياسية، من بينها: الرابطة الوطنية الصومالية التي انبثقت من الجمعية الوطنية الصومالية SNS، والجبهة الوطنية الموّحدة NUF، والحزب الصومالي الموحد USP. وفاز حزب
الرابطة الوطنية الصومالية بالانتخابات بأغلبية بثلثي المقاعد 32، وكان هذا الحزب يحمل توجّهات قومية ويعتنق فكرة الوحدة الصومالية. لكن تكمن المفارقة في أنه بات واضحًا من خلال هذه الانتخابات، التناقض القائم بين الخطاب القومي والممارسة السياسية لدى هذه الأحزاب في أثناء الحملة الانتخابية. فمع أن كل الأحزاب المشاركة في الانتخابات كانت تنادي بتوحيد الأراضي الصومالية في دولة موحّدة، فإنّ المرجعيات العشائرية بقيت هي الاختلاف الأساسي والوحيد بين المرشّحين، ما يعني أن وجود تلك الأحزاب كان استمرارًا لشبكة العلاقات والبنية الاجتماعية العشائرية القديمة.
ب. فكرة الوحدة الصومالية
لقد وقعت الأقاليم الصومالية كلها، في نهاية الحرب العالمية الثانية، تحت الحكم البريطاني، باستثناء جيبوتي التي بقيت مستعمرة فرنسية، ومع شعور الصوماليين بالضّ يم من التفتيت الاستعماري لأراضيهم التاريخية، فإن فكرة توحيدهم أو مفهوم "الصومال الكبير" Greater Somalia سياسة رعتها بريطانيا 33. فقد اقترح وزير الخارجية البريطاني إرنست بيفين 1951-1881() في مجلس العموم البريطاني في حزيران/ يونيو 1946 أن "أفضل طريقة لبقاء الرُحّل الصوماليين الرعاة في شبه الجزيرة الصومالية هي السماح لهم بقيام دولة موحدة تحت الإدارة البريطانية" 34. ورفضت القوى الكبرى الأخرى (فرنسا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة) الخطة البريطانية، التي اعتبرت أن هذه الخطة ستقوّض مصالحها في شبه الجزيرة الصومالية 35، كما احتج الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي بشدة على تلك الوحدة 36.
لكن مع حلول عقد الخمسينيات، أصبحت المناداة بدولة موحَّدة للصوماليين خطابًا سائدًا لدى الشعب الصومالي، ويمكن الإشارة إلى ثلاثة أسباب ساهمت في تعزيز هذه الفكرة في جموع الناس، أولً: قيام حزب الرابطة الوطنية الصومالية في صوماليلاند وحزب عصبة الشباب الصومالية في الصومال الإيطالي بحملات سياسية مكثفة تدعو إلى الوحدة الصومالية 37. وثانيًا: اقتراح وزير الخارجية البريطاني السيد بيفين وضع جميع الصوماليين تحت الوصاية البريطانية، في مقابل منحهم الاستقلال دفعة واحدة. وثالثًا: مثّل إلحاق بريطانيا أراضي Area Reserve Hawd الواقعة في حدود محمية صوماليلاند البريطانية، إلى حدود إثيوبيا في عام 1942، وكذلك تنازل البريطانيين عن إقليم الصومال الغربي في عام 1948 لمصلحة إثيوبيا، تهديدًا من أن تقضم الإمبراطورية الإثيوبية الأقاليم الصومالية، كلً على حدة، إذا لم تتّحد في دولة واحدة 38. ونتيجة لذلك، ساد حلم "الصومال الكبير" بين جميع الصوماليين في القرن الأفريقي.
عقد المجلس التشريعي في صوماليلاند، في 6 نيسان/ أبريل 1960، اجتماعًا برئاسة الحاكم البريطاني السير دوغلاس هول، في هرجيسا، لمناقشة بندين، هما استقلال صوماليلاند واتحادها مع الصومال الإيطالي. وجرى دمج البندين ومناقشتهما في جلسة واحدة لارتباطهما الوثيق. وأبدت غالبية أعضاء المجلس حماسة شديدة للاتحاد مع الصومال الإيطالي الذي كان تحت وصاية الأمم المتحدة، لأن مفهوم توحيد جميع الصوماليين هو ما كان يشغلهم، في حين اقترح أعضاء آخرون، مثل غراد علي غراد جامع ومحمد إبراهيم عيقال أن يحصلوا على الاستقلال أولً، وأن ينتظروا فترة قبل الانضمام إلى الصومال الإيطالي 39.
في الفترة 22-16 نيسان/ أبريل، غادر وفد حكومي من صوماليلاند إلى مقديشو، مقرّ حكومة الإقليم الصومالي الإيطالي، الذي كان يخضع لوصاية الأمم المتحدة. وكان الوفد يضمّ ثلاثة أعضاء، هم: محمد عيقال وغراد علي غراد جامع وحاجي إبراهيم نور، يرافقهم الملازم عبد الله آدم 'الكونغو' بصفته مستشارًا لعيقال، وناقشوا مع حكومة عبد الله عيسى محمود (آخر حكومة في فترة الوصاية 1960-1956 في الصومال الإيطالي) فكرة الوحدة بين الإقليمين، واقترحت حكومة محمود علي على وفد حكومة صوماليلاند البقاء مستقلين فترة 40. ووصفوا فكرة الوحدة بأنها "متسررّعة" و"مبكرة" 41. لكن وفد صوماليلاند تمسّك بخيار الاتحاد من دون شروط أو قيود 42. وفي النهاية، تقرّر في هذا المؤتمر دمج صوماليلاند والصومال الإيطالي في دولة واحدة في 1 تموز/ يوليو 1960، يكون مقرّها في مقديشو، عاصمة الإقليم الصومالي الإيطالي 43. من ثم غادر رئيس وزراء حكومة صوماليلاند محمد إبراهيم عيقال في 2 أيار/ مايو 1960 لحضور مؤتمر دستوري في لندن، بمشاركة محافظ المحمية السير دوغلاس هول، وتمّ في هذا اللقاء تحديد موعد استقلال محمية صوماليلاند، في 26 حزيران/ يونيو 1960، وأعرب البريطانيون مرة أخرى عن أنهم يشجّعون على توحيد الإقليمين الصوماليين 44. واستندت حملات حزب الرابطة الوطنية الصومالية الانتخابية إلى وعود تحقيق تلك الوحدة، بما يتماشى مع الرأي الشعبي الذي كان سائدًا في وقتها. حصلت محمية صوماليلاند في 26 حزيران/ يونيو 1960 على الاستقلال كدولة مستقلة من بريطانيا، وقام آخر محافظ بريطاني للمحمية، السير دوغلاس هول، بتسليم الحكم إلى عثمان أحمد حسن، أول محافظ محلي. وصوّت المجلس الحكومي لصوماليلاند في جلسته الأولى بغالبية ساحقة لمصلحة الاتحاد مع إقليم الصومال الإيطالي الذي نال استقلاله بعد أربعة أيام، أي في 1 تموز/ يوليو 1960. وهكذا ظهرت الدولة الصومالية مكوّنة من إقليمين استعماريين مختلفين، وسعت الدولة الصومالية الجديدة لضمّ الأقاليم الباقية، كما يشير إلى ذلك علم الاستقلال الصومالي الذي رُفع من هرجيسا، والذي تتوسطه نجمة خماسية بيضاء، ترمز إلى الأقاليم الصومالية الخمسة.
ثانيًا: ولادة الجمهورية الصومالية ووفاتها (1960 - 1969)
حققت النخب الحزبية القومية حلم إقامة دولة قومية مكوّنة من إقليمي صوماليلاند البريطاني والصومال الإيطالي غداة الاستقلال، وجاء اندماج الإقليمين جزءًا من رؤية تسعى لإقامة الصومال الكبير الذي يشمل الأقاليم الصومالية الخمسة. لكن هذا الحلم اصطدم بمعضلات عدة، منها الواقع الإقليمي الأفريقي الذي يقدّس الحدود الموروثة من الاستعمار، حيث يقع إقليمان من الأقاليم التي تسعى الدولة الصومالية لضمّهما في حدود دول الجوار. وواجهت النخبة السياسية القومية معضلة ملحّة ببناء دولة-أمة، تقوم على المواطنة الديمقراطية في مجتمع منقسم عشائريًا، فضلً عن التحديات الفنية والقانونية الناجمة عن توحيد إدارتين حكوميتين ذواَتَ خلفيتين استعماريتين مختلفتين. وقد استغرق دمج النظامين ثلاثة أعوام بمستوياته الإدارية والقانونية والقضائية ومؤسسات الشرطة والجيش وتوحيد لغة مؤسسات الدولة 45. وقد فاقم مواجهة هذه التحديات غياب البنية التحتية الأساسية؛ حيث لم يكن هناك على سبيل المثال خط هاتف بين الشمال والجنوب، ولا خطوط جوية منتظمة باستثناء طائرات الشرطة 46. نتيجة لتلك التحديات، لم تستطع دولة الاستقلال بناء دولة مستقرة، فقد بقيت الانقسامات العشائرية والصراعات الحدودية مع الجوار مصدر تهديد لبقاء الدولة الصومالية واستمرارها، وهو ملمح استمر طوال فترة الوحدة بين الطرفين. ويمكن الأخذ في الحسبان أن النشأة المأزومة للدولة الصومالية، والتعقيدات الإجرائية والإشكاليات القانونية والسياسية التي صاحبت عملية الوحدة بين صوماليلاند
والصومال، أو بين الشمال والجنوب، بحسب التسمية اللاحقة، شكلّت بذور فشل مشروع الجمهورية الصومالية الموحَّدة. سندرس هذه التعقيدات في هذا المبحث من الدراسة من خلال التساؤل التالي: كيف فشلت النخب القومية في إيجاد هوية وطنية صومالية متخيّلة، تتجاوز الانتماءات العشائرية والبنية الاجتماعية القديمة، تقوده إلى الولاء على النحو الذي فجّر الصراعات المعلنة بين العشائر؟ وهو ما تفاقم بعد سيطرة نظام سياد بري على الحكم عبر انقلاب عسكري، وأنهى وحدة الإقليمين في مطلع التسعينيات بطريقة دموية. وسنتناول هذه التعقيدات في ما يلي:
1. النشأة المأزومة لدولة الوحدة
كانت العشائرية السياسية تضرب في أنساق النخب الصومالية الحزبية في أثناء قيام الجمهورية الصومالية، في الوقت ذاته الذي كانت ترفع الأحزاب السياسية شعارات القومية الصومالية، ويسمي عبد الله منصور العشائرية السياسية "سرطان الدولة الصومالية" 47، وهي كما أشرنا ممارسة تعود إلى النمط السياسي الذي وضع جذوره الاستعمار البريطاني، عندما حاول تطبيق استراتيجية التمثيل العادل للعشائر في الحكومة والمناصب والخدمات العامة في صوماليلاند. لكن لم يفلح في ضمان هذا التوازن، فحصلت بعض العشائر على المناصب المهمة في الإدارة، وعلى نحو أكثر وضوحًا في دولة ما بعد الاستعمار، وهو ما يشير إلى وجود خلل بنيوي في تنظيم العمل السياسي الحديث وفهمه، وفكرة الدولة الحديثة نفسها. ويمكن حصر الإشكالات السياسية والثقافية والقانونية التي واجهتها دولة الاستقلال في الآتي:
أ. التحديات القانونية والدستورية
إشكالية قانون الاتحاد
لقد توصل ممثلو حكومة محمية إقليم صوماليلاند وحكومة إقليم الصومال الإيطالي في المؤتمر الذي عُقد في مقديشو في 16 نيسان/ أبريل 1960 إلى قرار وحدة الإقليمين في 1 تموز/ يوليو 1960 48. واقترح آدم عبد الله، رئيس حكومة الإقليم الصومالي الإيطالي إضافة بندٍ في الدستور ينص على الآتي: "فور توقيع قانون اتحاد الإقليمين الصوماليين (الصومال وصوماليلاند)، تنتخب الجمعية الوطنية الجديدة رئيسًا مؤقتًا للجمهورية" 49. وأقر المجلس التشريعي في صوماليلاند مشروع "قانون اتحاد صوماليلاند والصومال" من طرفٍ واحد 50، وذلك بعد يوم من حصولها على الاستقلال. ويتكوّن من 27 بندًا، ونصّ في المادة الأولى (أ) على أنه "بموجب هذه الاتفاقية تتّحد دولة صوماليلاند مع دولة الصومال، وستبقى موحّدة في جمهورية مستقلة ديمقراطية واحدة، اسمها الجمهورية الصومالية." وأجاز المجلس التشريعي لإقليم الصومال الإيطالي في 30 حزيران/ يونيو 1960، مشروع قانون آخر من صنعه سمّ ه "قانون الاتحاد"، يتكوّن من ثلاثة بنود، وبذلك، أجاز المجلسان التشريعيان وثيقتين مختلفتين. وأعلن رئيس الجمعية الوطنية آدم عبد الله في منتصف ليل 30 حزيران/ يونيو 1960 بصفته الرئيس المؤقت، استقلال الإقليم الجنوبي. وفي الليلة نفسها، أصدر الدستور في مرسوم رئاسي ليدخل حيّز التنفيذ على الفور. في أول جلسة مشتركة لأعضاء المجلس التشريعي في صوماليلاند والصومال، باعتباره أول برلمان موّحد، انتُخب آدم عبد الله رئيسًا مؤقتًا للجمهورية الموحَّدة في 5 تموز/ يوليو 1960، من دون أن يتوافر منافس غيره، بأصوات بلغت 107 من إجمالي البرلمانيَن المُتّحدَين، البالغ 130 مقعدًا. لكن الجدير بالذكر أنه في هذه الجلسة لم يوقَّع أي قانون رسمي للاتحاد، كما ينصّ الدستور 51. مثّل توقيع اتفاقيتين مختلفتين في عملية الوحدة إشكالية قانونية، نظرًا إلى ما يلي: أولً، تمّت صياغة قانون اتحاد صوماليلاند والصومال في شكل اتفاقات ثنائية، لكن لم يوقع ممثلو الإقليمين أيًا منهما؛ ثانيًا، تمّت الموافقة على "قانون الاتحاد الصومالي" الذي أصدرته حكومة الإقليم الصومالي الإيطالي "من حيث المبدأ" principle in، لكن لم يتم تصديقه من أي جهة تشريعية، سواء على نحو أحادي من مجلسه التشريعي، أم من المجلس التشريعي المشترك، وبقي مرسومًا رئاسيًا وقّعه في الأول من حزيران/ يونيو رئيس الجمهورية المؤقت، ولم يتحوّل إلى قانون وفقًا للمادة 36 من الدستور 52. ومن ثم فهو لم يدخل حيّز التنفيذ على نحو رسمي. في محاولة لتجاوز هذه المعضلة القانونية، ألغى المجلس التشريعي المشترك بعد سبعة شهور من تاريخ الاتحاد "قانون اتحاد صوماليلاند
والصومال"، وأصدر بدلً منه قانونًا آخر يحمل اسم "قانون الاتحاد"، رقم 5، المؤرخ في 31 كانون الثاني/ يناير 1961، وتقرّر اعتماده بأثر رجعي بدءًا من 1 تموز/ يوليو 1960 53، ويعترض بعض فقهاء القانون على هذه الخطوة، استنادًا إلى مبدأ "عدم رجعية القانون"، وعدم سريانه على الماضي 54. وكما يكتب الخبير القانوني باولو كونتيني: "لم يكن هناك شك في أنه في الأول من تموز/ يوليو، جرى تشكيل اتحاد كامل وقانوني بإرادة الشعبين في المنطقتين من خلال ممثلين منتخبين. ومع ذلك، لم تكتمل الصياغة القانونية في الوقت المناسب. ولم يكن لقانون اتحاد صوماليلاند والصومال أي شرعية قانونية في الجنوب لأن موافقة الجمعية التشريعية للصومال على مبدأ قانون الاتحاد Act Union of لم تكن كافية لجعل القانون ساريًا في تلك الأراضي" 55.
دستور الوحدة
تبنّى برلمان الوحدة في 21 حزيران/ يونيو 1960 دستورًا دخل حيّز التنفيذ في 1 تموز/ يوليو 1960 بوصفه دستورًا رسميًّا للجمهورية الصومالية. ونصّت المادة الثالثة 1() من بنوده على أنه يجب تقديمه إلى استفتاء شعبي خلال عام واحد. وجرى الاستفتاء عليه في 20 حزيران/ يونيو 1961، وأظهرت نتيجته غالبية ساحقة لمصلحة الدستور، على الرغم من الحملات التي شنّتها الأحزاب السياسية في الشمال لمقاطعة الاستفتاء بحجة أنه لم تتح لهم فرصة للمشاركة في إعداده، وأن مناقشته أتت مقتصرة على الجنوبيين 56. ومن اللافت أن حزب الرابطة الوطنية الصومالية قاد هذه الدعوات إلى المقاطعة 57. تشير التقديرات الحكومية إلى أن عدد سكان الشمال كان يبلغ 506 ألف نسمة في عام 1961؛ شارك منهم في التصويت 100 ألف شخص فقط 58، ما يشير إلى أن نصف المؤهلين للانتخاب على الأقل من أصل الأصوات المئة ألف المسجلة، قاطع الاستفتاء، وصوّتت الغالبية ضد الدستور 59. ومع ذلك، سجّلت الحكومة أكثر من مليون وثمانمئة ألف صوت لمصلحة الدستور. ويفيد التقرير الحكومي أنّ قرية صغيرة تسمى Weyn Wanla، تقع بين مدينتي جوهر وأفجويي قرب مقديشو، سجّلت تصويتًا لمصلحة الدستور أعلى من إجمالي الأصوات الشمالية، وهو ما يدل على حجم التزوير الذي شاب استفتاء الدستور 60.
ب. التحديات الفنية
تكامل المؤسسات
نتج التحدي الثاني في عملية الوحدة من عملية تأسيس دولة موحدة من إقليمين استعماريين مختلفين لديهما خصائص اجتماعية وتاريخية وإدارية متباينة، وظهر هذا التباين في معظم المجالات والأنظمة القانونية والقضائية، وأنظمة الجيش والشرطة، والتشريعات الضريبية والجمركية، وأنظمة العملة والإدارة. وفي هذا الخصوص، بادرت حكومة آدم عبد الله في تشرين الأول/ أكتوبر 1960 إلى تعيين لجنة استشارية دائمة للتكامل 61. ويشير المرسوم الرئاسي إلى ضرورة تعزيز تكامل التشريعات والمؤسسات في الإقليمين، ويحدد مهمة اللجنة بتحويل توصيات الحكومة بشأن الاندماج في شكل مقترحات تشريعية. وضمّت المؤسسات التي تعمل اللجنة الخاصة إلى إحداث التكامل فيها: الأنظمة القضائية والقانونية والجيش والشرطة ووضع ميزانية موحدة للإقليمين وتوحيد العملة ونظام الضرائب 62.
ج. التحديات الثقافية وأزمة البناء الوطني
يُعدّ عدم تمكّن النخب السياسية القومية الصومالية من تأسيس أمة حديثة تقوم على المواطنة وتدين بالولاء لسلطة سياسية مركزية تحديًا ثقافيًا وفكريًا واجهته دولة الوحدة الصومالية، فقد احتفظ المجتمع بمنابع أطره التقليدية. وراهنت الخطابات القومية على عناصر اللغة والدين والعرق لبناء دولة أمة حديثة، لكنها عناصر تضامن آلي ما قبل مجتمعي، ويحتاج سياق الدولة–الأمة إلى تضامن عضوي. وهنا، تكمن محدودية الخطاب القومي الصومالي في تأسيس دولة-أمة حديثة. فقد فشلت النخب الحزبية التي تبّنت الأيديولوجيا القومية الصومالية في إحداث تحولات ثقافية وفكرية في بنى المجتمع الفكرية والثقافية والسياسية، كي تكون القاعدة السياسية مؤسسة على الذات القانونية الشخصية. وهو ما لم تدركه النخب القومية، وتحوّلت، إذّاك، إلى نظم طوباوية وشعبوية، لإفساحها المجال للهويات الفرعية
ليتنافس بعضها مع بعض على السيطرة على مؤسسات الدولة التي تترجم إلى زبونيات سياسية تسعى لإرضاء القاعدة العشائرية.
ليس التكوين القومي كمصدر ولاء مباشر وأساس للفرد مسألة إرادية في سياق العالم المسمى بالثالث، بل، وكما يوضح برهان غليون، تُعدّ القومية مسألة تاريخية، وهي تجسيد لسيرورة اجتماعية تاريخية تتضافر في خلقها الثقافة والاقتصاد والسياسة على حد سواء، والشعوب الأوروبية بما هي واقعة تاريخية، شهدت وحدة هذه السيرورة الخاصة 63. وقد أوضح بندكت أندرسن في أطروحته عن المتخيلات الاجتماعية أن أصول الوعي القومي بزغت في أوروبا مع ظهور آلة الطباعة التي انتشرت في المدة 1550-1500، وطُبع في تلك المدة نحو عشرين مليون كتاب، ما وضع حدًّا للغات المقدسة. وبحثت الرأسمالية عن أسواق جديدة بين الجماهير التي تتحدث اللغات المحلية، وهو ما ساعد في نمو الوعي القومي بين المحليين الذين عمدوا إلى نشر الأدب والشعر بلغتهم. وسرعان ما أدى ذلك إلى تحالف بين البروتستانتية ورأسمالية الطباعة، تحت تأثير مدّ الإصلاح الديني، ونتج من هذا تراجع الكنيسة وظهور أولى الدول الأوروبية المهمة غير الملكية في هولندا 64. يعتبر أندرسن أن ما يسمّيه "قوميات الموجة الأخيرة" التي ظهرت في آسيا وأفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية جاء ردة فعل على الإمبريالية العالمية، ومزجت تلك الأيديولوجيا بين القومية الشعبية والرسمية بسبب الإشكالية الشاذّة للدول التي خلقها الاستعمار بعدما رسم حدودًا اعتباطية مبنيّة على مصالح المستعمر، وليس على البنية الاجتماعية والإثنية للسكان المحليين، وهو ما يسميه البعض "القومية الكولونيالية" 65. ويتأكد لنا إذا نظرنا في كيفية نشوء القومية في المجال الصومالي عبر الاستعمار، مدى شبهها بالمستعمرات البريطانية الأخرى في الهند أو غيرها. ويمكن أن نستند هنا إلى مثال يضربه أندرسن، حيث ينقل عن السياسي البريطاني توماس ماكولي قوله: "إن نظام التعليم الذي يجب إدخاله في الهند من شأنه أن يخلق طبقة من الأشخاص، هنود الدم واللون، لكنهم إنكليزيو الذائقة والرأي والأخلاق والفكر." ويضيف أن القضاة الهنود كانوا يقضون أفضل أعوام مرحلة التشكيل في شبابهم في إنكلترا، وعندما يعودون إلى بلدهم كانوا يتصرفون كالإنكليز، فيغدون منبوذين بين أفراد مجتمعهم أخلاقيًا واجتماعيًا، وكانوا غربيين في أرضهم مثل المستوطنين الأوروبيين في البلد 66. لذا، يمكن القول إن فكرة القومية الصومالية كانت ردة فعل شعواء على الاستعمار، وما أحدثه من تجزئة للأراضي الصومالية، لكن، أتى الفشل من خلال ثقافة النخب السياسية الوطنية في دولة الاستقلال التي لم تستطع أن تقيم أطرًا جديدة قومية وجامعة، بل استمرت في السياسات العشائرية، على نحو كرّس التفتّت والانقسام الاجتماعي. تجسّد ذلك التنافس العشائري للسعي للسيطرة على مؤسسات الدولة ومقدّراتها في فترة ما بعد الاستقلال وتشكيل الدولة الموحدة. وتفاقم هذا الصراع عندما سيطر الجنوبيون على المناصب العليا في الدولة، وشعر الشماليون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، مقارنة بالعشائر الجنوبية، وبدا واضحًا أن هناك ما أثار هواجسهم، وبدأت الأغاني والقصائد تنتقد عملية الوحدة. وتقول كلمات إحدى تلك الأغاني، بعنوان "دعني أذكرك"، صدرت في عام 1964، من تأليف الشاعر ومؤلف الأغاني علي سوغّل 2016-1936() إن الشمال كان سيحقّق مزايا سياسية واقتصادية أفضل لو لم ينضمّ إلى الصومال الجنوبي 67.
د. التحديات السياسية
يتمثل التحدي السياسي الذي برز على السطح في لحظة تأسيس الدولة الصومالية الموحَّدة، في ترتيبات تقاسم السلطة بين الشمال
والجنوب في هيكل الدولة الجديدة. وقد ظهر تفرّد الجنوب بمناصب السلطة العليا في أول حكومة موحَّدة، فقد احتفظ الإقليم الجنوبي بالعاصمة وحصل على ثلثي المقاعد في البرلمان، إضافة إلى حصوله على منصبي رئيس الدولة ورئيس الوزراء معًا. وبقيت اللغة الإدارية هي اللغة الإيطالية، في الوقت الذي تبعُد العاصمة الإدارية الجديدة من مناطق صوماليلاند 2000 ميل، ما يقلّل فرص التوظيف في القطاعات الحكومية العامة للمواطنين من تلك المناطق، خصوصًا في ظل غياب شبكة طرق تربط بين الشمال والجنوب. ونتيجة لذلك، أضحى إقليم صوماليلاند طرفًا مهمّشًا في الدولة الموحَّدة. تتزايد حدّة هذا المشكل نظرًا إلى الثقافة السياسية التي سادت في البلاد، فالأحزاب والقوى السياسية الوطنية كانت تتعامل مع المناصب الحكومية باعتبارها ريعًا يجب توزيعه على الجميع. وعلى الرغم من أن الانتخابات كانت تجري بين الأحزاب السياسية، فإن هذه الأحزاب لم تكن تتنافس على أساس المشاريع الأيديولوجية أو السياسية أو الاقتصادية، بل تتنافس على قدرة كل حزب على تدجين القاعدة العشائرية الناخبة له بالزبائنية والرشاوى ومنحها امتيازات في الوظائف الحكومية والخدمات العامة. في تعبير عن التحديات السياسية لاستمرار الوحدة، شهدت الجمهورية الصومالية في عاميها الأولين حدثين لهما دلالتان خطرتان: تمثل الأول في المحاولة الانقلابية لضباط ينتمون إلى الشمال، في الأول في كانون الأول/ ديسمبر 1961، وهي ثاني محاولة انقلابية عسكرية في أفريقيا السوداء بعد انقلاب الفريق عبود في السودان في عام 681958. وبدأت باندلاع خلافات بين ضباطٍ شماليين من خريجي كلية ساندهيرست البريطانية، مع الضباط الإيطاليين في مقديشو. ويفسرر بعض الباحثين أن تبريرات "الاتحاد المتعجل" 69 كانت تحرك الضباط الشماليين بقيادة الضابط حسن كيد. وكان لهذا الانقلاب العسكري الفاشل أهداف انفصالية لا لبس فيها. واللافت هنا أنه في أثناء محاكمة الضباط الشماليين، استمع القاضي إلى حجج مختلفة، لكنه قرّر تبرئة الضباط على أساس أنه في ظل غياب قانون رسمي للاتحاد، ليس للمحكمة اختصاص على ما حصل في صوماليلاند 70. واعتبُر هذا الحدث إشارة مهمة إلى هشاشة الوحدة بين الإقليمين من الناحية القانونية 71. وتمثّل الثاني في الاستقالة الجماعية لوزراء الشمال في تشرين الأول/ أكتوبر 1962 من حكومة الوحدة، فقد استقال محمد إبراهيم عيقال (وكان يشغل منصب رئيس وزراء صوماليلاند قبل الوحدة) وشكّل حزبًا جديدًا معارضًا هو "المؤتمر الوطني الصومالي" مع السياسي الجنوبي الشيخ علي جمالي 72. وتشير هذه التحركات كلها إلى مدى هشاشة الصيغ القانونية والسياسية في البلاد، وكانت الانتخابات الوطنية في عام 1964 أول انتخابات تجري في البلاد بعد الاستقلال. إلّ أن عيقال وجد أن من الصعب هزيمة الحزب الحاكم بسبب مواقفه وخطابه القومي المعروف، وكذلك نظرًا إلى الموارد المالية المتوافرة لديه، ولذلك انضم بعد فترة وجيزة من انتخابات عام 1964 إلى حزب عصبة الشباب الصومالية الحاكم، ودعم رئيس الوزراء السابق عبد الرشيد علي شيرماركي في منافسته الرئاسية في عام 1967 ضد الرئيس الحاكم وقتذاك، آدم عبد الله عثمان. وبذلك، ترشّح محمد إبراهيم عيقال من الشمال لمنصب رئيس الوزراء في الدولة، باعتباره أول سياسي شمالي يسعى لهذا المنصب، وفاز فيها. بعد عامين من وصوله إلى السلطة، شهدت البلاد انقلابًا عسكريًا، بعد مقتل رئيس البلاد، ووُضع عيقال في السجن مدة عشرة أعوام 73.
2. سنوات الحكم العسكري (جمهورية الصومال الديمقراطية 1969 - 1991)
اغتيل رئيس البلاد عبد الرشيد شيرماركي في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1969 في أثناء زيارته المناطق المنكوبة بالجفاف في شمال شرق البلاد، على يد أحد أعوان الشرطة. وبينما كان مجلس النواب يجتمع في مساء يوم 20 تشرين الأول/ أكتوبر، لاختيار رئيس انتقالي، نفّذ قائد الجيش ووزير الدفاع الجنرال محمد سياد بري خلال الساعات الأولى من يوم 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1969 انقلابًا عسكريًا، حلّ بموجبه المؤسسات الدستورية، وسجن رئيس الوزراء وسياسيين آخرين 74 وأعاد تسمية البلاد باسم جمهورية الصومال الديمقراطية. مع دخول المجتمع في قبضة الحكومة العسكرية، اشتدَّت إعادة إنتاج مظالم الشمال وعدم رضاه عن الوحدة، على الرغم من نجاح الحكومة العسكرية في أعوامها الأولى في اجتذاب قدر من الدعم من الشماليين، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أيديولوجيتها "الاشتراكية العلمية"
التقدمية 75، فإنه يعود أيضًا إلى إحيائها الحلم الصومالي الكبير الذي 76تخلّت عنه الحكومة المدنية في عام.1967 مع ذلك، انتهت طموحات بري بهزيمة كارثية للصومال من جانب إثيوبيا (بمساعدة سوفياتية كبيرة) في حرب القرن الأفريقي بينهما 1978-1977()، وبدأت شعبية النظام واقتصاده في التمزق. وتوجه في حشد الدعم بين أقسام معينة من عشيرة دارود التي ينتمي إليها الرئيس، بما في ذلك توطين 250 ألف شخص من لاجئي حرب أوغادين في الشمال، معظمهم من قبائل أوغادين القاطنة في الإقليم الصومالي الإثيوبي الذين استقروا في مناطق عشائر إسحاق الشمالية 77. كان لهزيمة الصومال أثرٌ كبير في تراجع القومية الصومالية، فقد استخدم نظام بري الأيديولوجيا القومية خطابًا شعبويًا ينفي الصراعات والخلافات العشائرية بين الصوماليين، وتحوّلت إلى غطاء ديماغوجي شعبوي لانعدام المساواة، وكما يشير عزمي بشارة في تقديمه أطروحة بندكت أندرسن السالفة الذكر 78، تعتبر هذه الممارسة سرّ جاذبية القومية وخطرها في الوقت نفسه. ويميّز بشارة بين القومية والأيديولوجيا القومية؛ فالفرد الحديث في رأيه يمكن أن يكون قوميًا في انتمائه، ونقديًا تجاه القومية كأيديولوجيا، وهو ما لا يتوافر في نظام غير ديمقراطي، مثل نظام سياد بري. وفي سياق غير بعيد، يشير بشارة إلى أن النُظم القومية هي الأيديولوجيا القادرة على منافسة القوى الدينية على مستوى الهوية، وهذا ما يمكن رؤيته في خوض سياد بري صراعات مريرة مع الخطابات الإسلامية التي استهدفها بالقمع والإسكات 79. في دلالة على مدى تغلغل الحسّ الشعبوي لدى نظام بري، قام النظام بحركة رمزية بدفن مجسم يرمز إلى "القبيلة"، وأقدم على تجريم استخدام الأسماء العائلية، وشرّع بدلً منها استخدام لقب Jaaalle "رفيق" بين أفراد المجتمع. وصار التخلّص من مظاهر العشائرية أولوية قصوى لدى الحكومة الاشتراكية، ضمن برنامج موسع بعنوان "إقصاء العشائرية" qabyalaadda Dabargoynta. لكن الهزيمة العسكرية أمام إثيوبيا، بدأت تكشف عن تناقضات الخطاب القومي وعجزه في بناء دولة صومالية حديثة وديمقراطية. في الجانب الآخر، لم تقم الحكومة العسكرية بأي نشاط إنمائي يذكر في الشمال، الأمر الذي زاد من النفور من الدولة في تلك المناطق. وأدى التوزيع غير العادل للخدمات العامة إلى اندلاع المعارضة السياسية والعسكرية من الشمال في وقت لاحق. ففي أوائل الثمانينيات أصبح من الواضح أن نظام بري كان يميّز على نحو منهجي ضد قبائل إسحاق الشمالية. وقد توّج الاستياء الشعبي من الدولة بمظاهرات طلابية في هرجيسا في عام 1981، جابهها النظام بالقتل والإعدامات المباشرة 80. وفي وقت لاحق، شُكّلت الحركة الوطنية الصومالية المعروفة ب SNM في عام 1982. وردّت الحكومة على تهديدات الحركة بالانتقام من المدنيين، وارتكبت ممارسات إجرامية في حقهم، بما فيها إعدامات خارج نطاق القضاء 81، وعمليات اختفاء وتعسّف واعتقال واحتجاز وتعذيب 82. تصاعدت هذه الاعتداءات مع تصاعد نشاط الحركة في داخل المناطق الشمالية، واستهدف النظام مدن هرجيسا وبرعو بالقصف الجوي العشوائي الذي أودى بحياة أكثر من خمسين ألف شخص، إلى جانب نزوح أكثر من نصف مليون لاجئ إلى إثيوبيا وتشريد عدد مماثل في الداخل 83. وأدت تلك الممارسات إلى إعادة إنتاج المظلوميات في الشمال من الوحدة والبقاء ضمن كيان الدولة الصومالية.
3. حرب النظام العسكري على المناطق الشمالية
في أعقاب الحرب الإثيوبية – الصومالية في عام 1977، حاول ضباط من الجيش الوطني الصومالي القيام بمحاولة انقلاب عسكري فاشل ضد سياد بري في عام 1978. وتمكن الضباط الانقلابيون بعد فشل عمليتهم من الفرار إلى كينيا، وكان يقودهم الضابط عبد الله يوسف الذي أصبح رئيسًا للصومال في المدة 2008-2004. وانتقل يوسف من كينيا إلى الحدود الإثيوبية ليؤسس هناك أول جبهة معارضة مسلحة تسعى لإسقاط النظام، وهي جبهة الإنقاذ الصومالية الديمقراطية SSDF. وتلاها إعلان الحركة الوطنية الصومالية التي اتخذت من
بريطانيا مقرًّا سياسيًا لها في عام 1981، وسرعان ما قرّرت الانتقال إلى المدن والقرى الصومالية الإثيوبية المحاذية للحدود مع الصومال. في غضون أعوام، أصبح النضال ضد دكتاتورية بري هدفًا مشتركًا للعديد من الفصائل المعارضة المسلّحة. في هذه الفترة، وكنوع من امتداد الحرب الإثيوبية - الصومالية، كان نظامَا سياد بري ومنغيستو مريام يدعمان حركات مسلّحة ضد بعضهما، ووجدت إثيوبيا في هذا السياق الجبهات الصومالية المنافحة ضد حكم بري فرصة لتقويض النظام الحاكم في الصومال، وهكذا استضافت إثيوبيا القواعد العسكرية لتلك الجبهات المسلّحة التي تمركزت في الحدود الإثيوبية - الصومالية الطويلة، ودعمتها إثيوبيا بالسلاح والأموال. التقى، أول مرة، سياد بري ومنغيستو؛ زعيما الصومال وإثيوبيا في المناسبة الأولى لتأسيس الهيئة الحكومية الإقليمية للتنمية (إيغاد) في جيبوتي في كانون الثاني/ يناير 1986، وشرع الطرفان في بدء مفاوضات تهدف إلى تطبيع العلاقات بينهما. وفي عام 1988 تم توقيع اتفاقية بينهما، بموجبها يتخلّ الرئيس سياد بري عن دعمه جبهة تحرير الصومال الغربي WSFL، في مقابل أن تطرد إثيوبيا الحركة الوطنية الصومالية من الأراضي الإثيوبية. لكن، قُبيل تنفيذ الاتفاقية، قرّرت الحركة نقل قواتها إلى الداخل الصومالي وشن هجمات مفاجئة على المواقع الحكومية في المدن الرئيسة في هرجيسا وبرعو. ردًا على ذلك، استخدم سياد بري القصف الجوي والمدفعية الثقيلة. واق فرر جرائم حرب في حق المدنيين الذين اعتبرهم يشكِّلون حاضنات للجبهات، فقصف بالطائرات الحربية مدينة هرجيسا، وتم تدمير 90 في المئة منها 84. وأصبحت إبادة منسية بفعل الحروب الأهلية التي شهدتها البلاد بعد إسقاط النظام. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن عدد الضحايا الذين سقطوا في هذه الحرب يراوح بين خمسين ومئة ألف قتيل 85. وتذهب تقارير أخرى إلى أن عدد القتلى من المدنيين يصل إلى مئتي ألف من المدنيين 86. وأسفرت تلك الإبادة عن إنشاء أكبر مخيم للاجئين في العالم آنذاك بالقرب من 87الحدود الإثيوبية مع صوماليلاند في عام 1988. ووصفت بعض المنظمات الإنسانية الإبادة التي اقترفها النظام هناك ب "هولوكست 88، كما أُطلق عليها مسميات منها "درسدن أفريقيا هرجيسا" " 89، في إشارة إلى مدينة درسدن الألمانية التي قصفها سلاح الطيران البريطاني والأميركي في الحرب العالمية الثانية في عام 1945 90، لكن في نهاية المطاف، أحكمت الحركة الوطنية، بحلول عام 1988، سيطرتها على معظم الأراضي الشمالية. في هذه الأثناء، قامت حركات مسلّحة أخرى في الجنوب تسعى لإسقاط حكم سياد بري، منها حركة المؤتمر الصومالي الموحّد USC، والحركة الصومالية الوطنية SPM، ونجحت أخيرًا في إطاحة حكمه، وفي حدث مفصلي لجأ بري إلى نيجيريا في 16 كانون الثاني/ يناير 1991. وبعدها، أعلنت الحركة الوطنية الصومالية انفصال الشمال من جانب واحد، بينما هوى باقي البلاد في حرب أهلية، تتصارع فيها الجبهات المنتصرة على بري. بعد ذلك الحين، جسّد الصومال مث لً لما أصبح يُعرف ب "الدولة الفاشلة." وليس محل اهتمامنا في هذه الدراسة تناول التاريخ المفصّل لكيفية تفكّك الصومال. لكن ما نودّ تقديمه هو أن الوحدة المأزومة التي قامت بين الشمال والجنوب في لحظة ما بعد الاستقلال، أجهزت عليها الدولة العسكرية بارتكابها مجازر ضد المواطنين في الشمال، وهي ما قادت إلى انفصال الشمال بعدما سيطرت الحركة الوطنية الصومالية عليه، حيث أعلنت استقلالها من طرفٍ واحد والعودة إلى الحدود الاستعمارية البريطانية، وقيام جمهورية صوماليلاند من جديد.
ثًالث ا: انفصال صوماليلاند: السياق والمبررات والعوائق
اشتدّت حدّة النزعة الانفصالية حول العالم في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، ووصلت إلى ذروتها مع انفصال كوسوفو عن صربيا في عام 2008، ثم انفصال جنوب السودان عن شماله في عام 2011، ومؤخرًا اجتذبت عيون العالم مطالبة كتالونيا وكردستان العراق بتقرير مصيريهما وإنشاء كل منهما دولة مستقلة. ويلاحظ ريدي بريكتيب أنه في السياق الأفريقي، تثير الحدود الموروثة من الاستعمار تحديات نظرية وقانونية وأسئلة حول الغموض والتناقض في سلوك
الاتحاد الأفريقي أمام مطالب تغيير الحدود الاستعمارية 91، ففي حين تعتبر حدود صوماليلاند من إنشاء المستعمِر، وحصلت على استقلالها الوطني بوصفها كيانًا مستقلً، قبل أن تخوض وحدة طوعية مع الصومال الجنوبي الذي نال الاستقلال من إيطاليا. ويعني ذلك أنه بعد انسحاب صوماليلاند من الاتحاد، كان من المفترض أن يسهل هذا الاعتراف به، لكن ذلك لم يحدث إلى الآن، في حين جرى الاعتراف بجنوب السودان 92. يقول بريكتيب إنه من منظور نظري، يمكن تفسير هذا التناقض بين الاعتراف الفوري لانفصال جنوب السودان وتجاهل سعي صوماليلاند ثلاثة عقود للوصول إلى الاعتراف من دون نجاح، من خلال تطبيق "نظرية المعاناة والمعالجة" في الحالة السودانية، ذلك أن "نظرية المسافة" عزّزت انفصال الأخير، التي تفترض أيضًا أنه عندما تتوافر مسافة ثقافية - عرقية أو دينية بين الأقاليم المنفصلة والدولة الأم، قد يسهّل هذا إنجاح الانفصال. وهو ما يغيب في حالة صوماليلاند والصومال، حيث إن الصوماليين هم أكثر الشعوب تجانسًا من حيث اللغة والعرق والدين في أفريقيا جنوب الصحراء 93. يقف هذا المبحث من الدراسة عند انفصال صوماليلاند في سياق تاريخي، كما يعرض مختلف التبريرات ودعاوى الانفصال التي تحتج بها السرردية الانفصالية، وإشكالات هذا الانفصال وعوائقه.
1. السياق التاريخي للانفصال وظروفه
ثمة جدل طويل حول أهداف الحركة الوطنية الصومالية، وعمّ إذا كانت تهدف من نشاطها المسلح إلى الاستقلال بوصفه غاية نهائية تسعى لها، أم أنها تسعى لإسقاط النظام العسكري فحسب كباقي الحركات الصومالية المسلحة. والحقيقة أن الحركة قدمت نفسها في البداية من خلال طابع وطني، وتوصّلت بعد تفاهمات مع الحركات والفصائل المسلّحة الجنوبية إلى تبنّي شكلٍ من أشكال الفدرالية بعد إسقاط النظام 94. وكان بعض قيادات الحركة يصرّح بأنه لا يؤيد الانفصال؛ وأنه يروم إسقاط النظام العسكري في البلد فحسب، وليس تقسيمه 95. ومع ذلك، انحازت الحركة إلى خيار الانفصال، بسبب عاملين حاسمين: أولً، وحشية حملة الحكومة العسكرية على إقليم الشمال، ما وحّد صفوف الشماليين تجاه النظام السياسي في مقديشو. وثانيًا، إعلان حكومة وطنية جديدة في العاصمة مقديشو في كانون الثاني/ يناير 1991 من جانب واحد، ومن دون مشاورة الحركة. وكان من شأن هذين العاملين إحداث إجماع في مواقف قيادات الحركة على خيار الانفصال. ونتيجة لذلك، عقدت الحركة سلسلة من الاجتماعات والمؤتمرات لعشائر صوماليلاند، وقد جرى عقد أول مؤتمر وطني في مدينة برعو في أيار/ مايو 1991، وشارك فيه قادة الأجنحة المسلحة في الحركة، وبحضور المشيخات والزعامات العشائرية الشمالية. وأُعلِن في مخرجات المؤتمر ثلاثة بنود رئيسة: أولها، إعلان استقلال صوماليلاند عن الصومال والعودة إلى الحدود الاستعمارية لإقليم صوماليلاند البريطاني. وثانيها، توطيد السلام بين العشائر الشمالية. وثالثها، بناء حكومة انتقالية بإدارة الحركة مدة عامين، مع ضمان التمثيل العادل للعشائر الشمالية فيها 96. الجدير بالإشارة أن النخب السياسية في الجنوب لم تتفاعل مع هذا التطور الخطر القادم من الشمال، ربما باستثناء الحركة الإسلامية في الصومال (الإخوان المسلمون) التي أصدرت بيانًا من مكتبها في كندا
ترفض فيه "محاولات تقسيم البلاد خدمة لأجندة أعداء الأمة" 97. أما باقي البلاد، فكان قد وقع تحت سيطرة أمراء الحرب الذين خرجوا من رحم الجبهات التي أسقطت النظام العسكري، وتفشّت الحروب الأهلية في أنحاء الأقاليم الجنوبية، ولم تقم حكومة في الصومال إلّ بحلول عام 2000، عندما عُقد مؤتمر عرتة في جيبوتي، وانتخب عبد القاسم صلاد أول رئيس انتقالي للصومال بعد إسقاط نظام بري، لكنه لم يفلح في التمركز في العاصمة وتحريرها من الميليشيات العشائرية وأمراء الحرب، وبقي في الخارج حتى انتهاء فترته الانتخابية)، وبعد ذلك أُ2004-2000(جريت انتخابات ثانية في مدينة أغابمتبي الكينية، وبعد مشاورات دامت عامين، اختير العقيد عبد الله يوسف رئيسًا انتقاليًا ثانيًا للبلاد 2008-2004()، وقد تمكّن في فترته من دخول العاصمة مقديشو بمساندة قوات إثيوبية. بالنسبة إلى صوماليلاند، وبانتهاء العامين الانتقالييَن من حكم الحركة الوطنية الصومالية، انتُخبت فيها حكومة مدنية بمشاركة مجلس الغورتي (الشيوخ)؛ وهي مؤسسة تقليدية يبلغ عدد أعضائها 28 شيخًا، يمثلون العشائر الشمالية. واختاروا محمد إبراهيم عيقال رئيسًا جديدًا، حيث وُضع في فترته الدستور الوطني، كما نظّم استفتاءً على الدستور، وتوفّ وهو في سدة الحكم في عام 2002، واعتبر كثيرون وفاته امتحانًا أمام استمرار وضع صوماليلاند بالانفصال وتماسك كيانها السياسي، لكن على الفور تسلّم نائبه طاهر ريالي الحكم وفق الدستور. منذ ذلك الحين، تشهد صوماليلاند انتق لً سلسًا للسلطة، من خلال انتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية مباشرة، ويسودها جوّ من التعددية الحزبية، وتقدم الحكومات المتعاقبة في صوماليلاند ورقة تنظيم انتخابات مباشرة دليلً على نجاح الإقليم وأحقيته في نيل الاعتراف الدولي به دولة مستقلة 98. ويستند الخطاب الرسمي في صوماليلاند إلى التعريف الأكثر شيوعًا للدولة، وإن كان مفرطًا في التبسيط، وهو الذي قدّمته اتفاقية مونتيفيديو في عام 1933 بشأن حقوق الدول وواجباتها. وتشمل أركانه أربعة معايير أساسية؛ سكانًا دائمين، وأراضيَ محدّدة، وحكومة فاعلة، وقدرة على الدخول في علاقات مع دول أخرى. وتحاجّ سردية صوماليلاند الانفصالية بأنها توفّر هذه المعايير، لكن، وكما يوضح العديد من النماذج حول العالم، فإن الوفاء بهذه المعايير لا يمنح تلقائيًا الاعتراف كدولة مستقلة، وتجسّد صوماليلاند مث لً صارخًا لذلك 99.
2. مبررات الانفصال ودعاواه
يعتمد نجاح المساعي الانفصالية على تقييم حسابات المكاسب والخسائر، بمعنى أن نجاح أي عملية انفصالية من عدمها، يقوم بموازنة علاقات الربح والخسارة بين الجهة الانفصالية والدولة الأم 100. وفي هذا النطاق، يعتبر الباحث ماركوس فيرجيل هونه، أن انفصال صوماليلاند - أو كما يحلو للبعض حلّ الاتحاد الطوعي بين صوماليلاند البريطانية والصومال الإيطالي - لم يتبع إجراء تقييم حسابات التكلفة والربح هذه. وأنه على عكس ذلك، جاء إعلان استقلال صوماليلاند الأحادي الجانب، بطريقة غير مدروسة النتائج، ونتيجة حتمية لحالة التفكك والانهيار التي تسبب فيها النظام العسكري في الصومال، الذي تحولّ في مرحلته الأخيرة إلى نظام يرتكب إبادة جماعية ضد أقاليم الشمال ويستهدفها لأسباب عشائرية 101، وكما أشرنا، وفّرت تلك المظالم أساس المطالبة بالانفصال للحركة الوطنية الصومالية. ومن ثم، فالانفصال في هذه الحالة تحديدًا كان نتيجة غير مقصودة لذاتها. نظرًا إلى أن المناداة بالانفصال في أفريقيا لا تأتي على نحو صريح وعلني، فإن مطالبة صوماليلاند بالانفصال تقترن بمبررات تاريخية وقانونية وسياسية بديلة، يمكن حصر تلك المبررات والدعاوى في الآتي:
أ. دعوى استرداد السيادة
يقوم هذا الادّعاء على أنه يحق لإقليم ما إما إحياء حق الشعوب المستعمرة في تقرير المصير وممارسته، وإما استرداد سيادته المفقودة، وهي دعوى الانفصال الإحيائي، كما يسميها الباحث القانوني الدرديري محمد أحمد 102. وتستند هذه الدعوى إلى حجة فحواها
أن صوماليلاند كانت يومًا ما دولة ذات سيادة، ومن ثم يحق لها الانسحاب من الاتحاد مع الصومال واستعادة حدودها الأصلية. تعتبر هذه الدعوى صائبة قانونيًا عند النظر في أن الدولة الأفريقية قامت ضمن الحدود الاستعمارية إبان فترة الاستقلال، حيث اعتبُر كل كيان استعماري وريثًا شرعيًّا للحدود التي تركها الاستعمار. ومن ذلك المنظور، تتفق الآراء، على كون صوماليلاند دولة مستقلة ذات سيادة، نالت استقلالها من الاستعمار البريطاني في 26 حزيران/ يونيو 1960 باعتبارها كيانًا استعماريًا مستقلً. وتؤكد صوماليلاند باستمرار، في خطاباتها الرسمية، أن قضيتها تمثل استنادًا إلى الدولة المستقلة لصوماليلاند في عام 1960 ضمن الحدود المتّفق عليها لدولة عام
لكن، وبحسب بعض فقهاء القانون، تفتقر هذه الحجة إلى أي سند قانوني؛ إذ ليس هناك أساس في القانون الدولي لدعوى "استرداد السيادة" Reversion، أو الزعم أن للدولة التي فقدت سيادتها الحق في استعادتها 103، ويوضح جيمس كراوفورد ذلك بالقول: "أيًّا كانت صحة دعوى استرداد السيادة كمطالبة سياسية، فإنه لا سند لها أو جدوى كدعوى قانونية" 104، فلا يمكن أن تستعيد الدولة سيادتها عندما تندمج مع دولة أخرى، إلّ وفقًا لاتفاقية البلدين المندمجين. كما لا تفقد الدولة التي تكتسب عضوية الأمم المتحدة، حتى لو قررت طوعًا الانسحاب أو الاندماج في دولة أخرى، كما حصل في حالة اندماج سورية مع مصر 105. وعند النظر في حالة صوماليلاند، وبحسب الباحث الدرديري محمد أحمد، كانت ستكتسب بعض الوزن القانوني لو نالت عضوية الأمم المتحدة في أثناء الفترة القصيرة التي تمتّعت فيها بالسيادة 106، فمع أن صوماليلاند حصلت خلال أيام استقلاليتها على اعتراف نحو خمس وثلاثين دولة، بما فيها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن 107، فإنها لم تحصل على مقعد في الأمم المتحدة 108.
ب. دعوى عدم قانونية الاتحاد نفسه
يحتج كثير من مساندي انفصال صوماليلاند على أن الدمج بين إقليمي صوماليلاند والصومال لم يتم أصلً بطريقة قانونية 109، ولاقت هذه الحجة قبولً في التقرير الصادر في عام 2005 عن بعثة تقصّ الحقائق التابعة للاتحاد الأفريقي. فقد كتبت البعثة التي أُرسِلت إلى الإقليم بناء على طلب من حكومة صوماليلاند، تقريرًا جاء فيه: "إن واقعة عدم إجازة الاتحاد أصلً، وكونه لم يعمل على نحو مُرضٍ خلال فترة استمراره بين عامي 1960 و 1990 يجعلان من بحث صوماليلاند عن الاعتراف أمرًا فريدًا ومبرّرًا في التاريخ السياسي الأفريقي، ومن ثم، فإن على الاتحاد الأفريقي أن يبحث عن طريقة خاصة للتعامل مع هذه الحالة الفريدة" 110.
ج. دعوى الانفصال التصحيحي
ثمة أيضًا دعوى تتكرر في خطابات حكومات صوماليلاند المتعاقبة، بأن لها الحق في الانفصال، نظرًا إلى تعرّضها لانتهاكات مفرطة في حقوق الإنسان، مقرونة بعدم التمثيل في الحكومة الوطنية، فلم يجر تمثيل الشمال في حكومة الوحدة التي قامت إبان الاستقلال في عام 1960، كما أوضحنا سابقًا، وتأكد ذلك من خطوات رفض الشماليين استفتاء دستور الوحدة والمحاولة الانقلابية للضباط الشماليين، واستقالة ممثلي الشمال في حكومة الوحدة. وكذلك الحرب التي شنّها النظام العسكري ضد سكان الإقليم، وتستند هذه الدعوى إلى نظرية "المعاناة والمعالجة" التي تفترض أنه إذا خاض إقليم ما حربًا فترة طويلة، عانت خلالها أقليةٌ انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من النظام الحاكم، فمن حق الإقليم إقامة دولته الخاصة والاعتراف بها من المجتمع الدولي كحل علاجي للمعاناة 111، وهي النظرية التي تم تبريرها لانفصال جنوب السودان 112.
د. دعوى الانفصال الدستوري
شهدت صوماليلاند استفتاء شعبيًا على دستور عام 2001، وطلبت ورقة الاق اررع من الناخبين أن يصوتوا بنعم أو لا على سؤال ما إذا "كانوا يوافقون على أن تكون صوماليلاند دولة مستقلة ذات سيادة." وصوت 97 في المئة من المستفتين لمصلحة الاستقلال. وتنص المادة الأولى من الدستور على اعتبار صوماليلاند "دولة ذات سيادة ومستقلة." وعلى الرغم من أن المنتقدين يشككون في نزاهة ذلك الاستفتاء الدستوري، حيث تم من طرف الجهة الانفصالية نفسها، فإنه يمكن حسم هذا الجدل من خلال عقد استفتاء شعبي على الانفصال تحت إشراف دولي. إذًا، يتّضح من خلال هذه الدعاوى السياسية والقانونية والحقوقية، أن انفصال صوماليلاند أكثر تعقيدًا من الحالات الانفصالية الأفريقية الأخرى، ويتداخل فيها التاريخ السياسي الاستعماري للإقليم مع تعقيدات تشكّل الدولة الوطنية في أفريقيا ما بعد الاستعمار، ويجتمع ذلك مع مبادئ حق تقرير المصير المكفولة في القانون الدولي، ما يستدعي انتهاج مقاربة جديدة للتعامل معها.
3. إشكالات الانفصال وعوائقه
تحيط بعملية الانفصال عوائق وإشكاليات عدة غير محسومة، نذكر منها:
أ. النزاع الحدودي على مناطق الشرق
تُعدّ مسألة النزاعات الحدودية إشكالية رئيسة في دولة ما بعد الاستعمار الأفريقية، ويعكس الصراع العسكري المتكرر على حدود صوماليلاند وإقليم بونتلاند الصومالي حول منطقتي سول وسناج في جانب من جوانبه هذا الإشكال غير المحلول. وهو إرث ممتد منذ الاستعمار الأوروبي، ومن تضاعيف انهيار الدولة المركزية وإعلان صوماليلاند الانفصال الأحادي الجانب. وعلى هذا، فهو صراع يدور على مستويات مركبة عدة، ويتقاطع مع الديناميات السياسية والعشائرية والإقليمية والوطنية. يعود تفجر الصراع إلى انهيار الدولة المركزية في الصومال في عام 1991. فقد سلكت صوماليلاند وبونتلاند طرقًا متباينة إزاء الواقع المستجد؛ حيث أعلنت الأولى الاستقلال من جانب واحد في عام 1991، وتأكيد "حقها" في إدارة ما تعتبره أرضًا تحت سيادتها. وفق رؤية تاريخية تنطلق من أن سول وسناج كانتا جزءًا من أراضيها التاريخية. بينما أعلنت بونتلاند نفسها أنها جزء من الفدرالية الصومالية في عام 1998، على الرغم من عدم وجود النظام الفدرالي في الصومال في وقت تأسيسها. وفي حين يقوم ادّعاء صوماليلاند على السيادة على المنطقتين على أساس الحدود الاستعمارية عندما كانت محمية بريطانية، تستند دعوى بونتلاند إلى الروابط العشائرية في المنطقة، باعتبار العشيرتين الرئيستين اللتين تعيشان في سول وسناج، دولبهانتي ووارسانجلي، والعشيرة الرئيسة في بونتلاند مجرتين، تشكلان عشيرة دارود/ الهرتي الأكبر. ولأجل هذا تقوم بونتلاند بتعبئة الولاءات العشائرية ضد الانفصال باعتباره مشروعًا لا يمثل(هم)، إضافة إلى هذا، تقدم بونتلاند نفسها بصورة المدافع عن صومال موحَّد. فقد رفض الرئيس السابق لبونتلاند عبد الولي غاس، في خطاب ألقاه في 23 حزيران/ يونيو 2016 أمام برلمان بونتلاند، شرعية الحدود الاستعمارية حكمً مرجعيًا في النزاع، مضيفًا أنه "واجب مقدس" على بونتلاند "تحرير" المناطق المتنازع عليها بالقوة 113. أدت الخلافات حول المناطق المتنازع عليها إلى بروز انقسامات داخل عشَتَ دولبهانتي ووارسنجلي، ما عقّد مهمة إخضاع سول وسناج لأحد طرفي الصراع. ونتج من ذلك المزيد من عسكرة الصراع داخل العشائر في المنطقة، وارتقى إلى نشوب قتال بين قوات صوماليلاند وبونتلاند 114. فقد شنّت صوماليلاند ابتداء من عام 2007 هجمات عسكرية لتوسيع سلطتها شرقًا، واستولت على سلسلة من البلدات والقرى في سول، منها عاصمة المحافظة، لاس عانود. لكن هذا لم يحسم الصراع، بل فاقمه إلى مستويات جديدة. ويستمر طرفا الصراع في نسج علاقات مع النخب السياسية للعشيرتين، من خلال منحهم مناصب رفيعة في حكومتي غاروي وهرجيسا، إضافة إلى تسجيل الموظفين المدنيين في تلك المناطق، وفي أفراد الجيش. وتتنقل النخب السياسية من العشيرتين ذهابًا وإيابًا بين حكومات صوماليلاند وبونتلاند لمحاولة تحقيق أقصى مكاسب لهم. وقد ظهرت منذ عام 2012 كيانات عشائرية محلّية تطالب الحكم الذاتي، مثل ماخير Maakhir التابعة لعشيرة ورسنغلي، وخاتمو Khaatumo التابعة لعشيرة دولبهانتي، بهدف أساسي هو تقديم خدمات إلى سكان المناطق الحدودية أفضل مما تقدمه حكومات هرجيسا وغاروي. يمثل الوضع الإشكالي وغير المستقر لتلك المناطق تقويضًا لسرردية صوماليلاند وادّعائها الاستناد إلى الحدود التاريخية الاستعمارية. ويؤثر ال اررع الحدودي على نحو مباشر في محافظتها على تلك الحدود. ومن جهة أخرى، سيبقى السياسيون والناشطون المنتمون إلى المناطق الشرقية والرافضون الانفصال، عقبة كأداء أمام عملية انفصال
صوماليلاند في المحافل الخارجية، وبناء عليه، لا يمكن أن يحدث أي حل طويل الأجل على نحو مستدام من دون إيجاد صيغة عادلة ومرضية لسكان المنطقتين، وإشراكهم في العملية السياسية في صوماليلاند، وفي المشاريع التنموية بصورة أفضل. وفي الأحوال كلها، ستبقى هذه الأراضي المكان الذي تتحدد فيه الهوية الوطنية، التي سيتشكل منها النظام السياسي المستقبلي للصومال، إما كدولتين وإما دولة واحدة.
ب. ازدواجية النخب السياسية الشمالية
منذ نهاية الحرب الباردة، أصبح تقاسم السلطة هو النهج المعياري لإنهاء الحرب الأهلية، كما تجادل كاتيا باباجياني 115، فعندما تصل الأطراف المتحاربة إلى مأزق مسدود في البلدان التي توجد فيها انقسامات هوية على الدين والعرق، يتم اللجوء إلى آليات تقاسم السلطة على أساس تلك الهويات. وفي الصومال، اعتُمدت صيغة 4.5 آلية محاصصة لتقاسم السلطة في مؤتمر عرتة للمصالحة في جيبوتي في عام 2000. وتفرض المحاصصة تقاسم المقاعد في البرلمان والمناصب الحكومية المختلفة على أساس تلك الصيغة، ومؤدّاها تقسيم السكان الصوماليين خمس مجموعات عشائرية، أربع منها تُعدّ "عشائر رئيسة"، هي دارود ودير وهويي وديجل وميريفلي (الراحانوين)، بينما تشمل المجموعة الخامسة جميع العشائر والمجتمعات الأخرى الباقية - وتضم المدغان واليبر والبانتو والجاريروين والحمراويين والبرّاوين والبنادريين. أفسحت هذه الصيغة، على الرغم من علّ تها الكثيرة الأخرى 116، أمام الساسة الشماليين المشاركة في محاصصة العملية السياسية الصومالية، حيث يمارس الساسة من المناطق الشرقية المتنازع عليها، ومن بعض المناطق الأخرى في صوماليلاند ازدواجية سياسية في اللعب على الحبال؛ فعندما يخفقون في الحصول على مناصب برلمانية وحزبية في مناطقهم، يغيّ ون وجهتهم بسهولة إلى المشاركة في المحاصصة الجنوبية في مقديشو، حيث تضمن لهم صيغة 4.5 حصة كاملة لتمثيل قبائل الدير الشمالية. ويساعدهم في هذا التحول السوق السياسية التي يحركها المال السياسي وشبكة المصالح الاقتصادية والعلاقات في العملية السياسية الصومالية 117. ومن شأن هذه الممارسة المكيافيلية أن تقوّض ادعاء الانفصال من طرف النخب السياسية في صوماليلاند.
ج. رفض المجتمع الدولي عملية الانفصال
أقدم العديد من دول العالم على افتتاح قنصليات ومكاتب تمثيلية له في هرجيسا عاصمة صوماليلاند، مثل الدنمارك والمملكة المتحدة وجنوب أفريقيا وإثيوبيا وجيبوتي وبلجيكا وجنوب السودان وكينيا والإمارات العربية المتحدة وتايوان، وأعلن بعض من هذه الدول قبوله جوازات السفر الصوماليلاندية، إلّ أنه لم تعلن أي دولة من هذه الدول، أو أي دولة أخرى في العالم اعترافها بصوماليلاند دولة مستقلة. ومن ثم، تُعدّ بحسب العرف الدولي إقليمً تابعًا للصومال، وذلك لأسباب يمكن إجمالها في انحياز القوى الدولية، وأبرزها الولايات المتحدة، إلى استعادة الأمن والاستقرار في الصومال، وتركيزها على مشروع محاربة الإرهاب في العقدين الماضيين، وفي ظن الولايات المتحدة أن الاعتراف باستقلال الإقليم سيُضعف تلك الجهود، علاوة على أنها تعتبر الاعتراف بصوماليلاند شأنًا أفريقيًا، بينما يتخوّف الاتحاد الأفريقي في حال الاعتراف بصوماليلاند من ظهور المزيد من الحالات الانفصالية في القارة، فالخريطة السياسية لأفريقيا لم تشهد على مدى الخمسين عامًا الأخيرة أي تغيير، باستثناء حالتي انفصال إرتيريا في عام 1993، وجنوب السودان في عام 2011. في حين برز إلى الوجود في أوروبا وآسيا أكثر من عشرين دولة خلال ربع القرن الذي أعقب نهاية الحرب الباردة. وفي الحالتين الأفريقيتين؛ إرتيريا وجنوب السودان، فقد انتزعتا سيادتيهما عبر حروب أهلية طويلة.
رابعًا: المجتمع الدولي وانفصال صوماليلاند
تقف الدراسة في هذا المبحث الأخير عند تحليل استجابات القوى الدولية والإقليم من انفصال صوماليلاند، بالتركيز على الولايات المتحدة باعتبارها قوة عظمى، برزت بعد إعلان انفصال صوماليلاند في النظام الدولي، والاتحاد الأفريقي الذي يُعدّ الجسد السياسي المعني بالتغييرات الحدودية والسيادية في القارة.
1. التنافس الأميركي - الصيني وتحولّات النظام الدولي
تزامن إعلان استقلال صوماليلاند مع فترة يمرّ فيها النظام الدولي بتحوّل عميق في هيكلته الدولية، مع وصول نهاية الحرب الباردة، بعد حقبة عمَّرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى سقوط جدار برلين 1989() وسادها الصراع الجيوستراتيجي بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وبدأ عقد التسعينيات من القرن الماضي يتخذ تحولً عميقًا في هيكل تلك القوة في النظام الدولي مع تفكّك الاتحاد
السوفياتي وبروز الولايات المتحدة الأميركية قوةً رئيسة وحيدة في العالم الأحادي القطب. وقد رأى المفكر الأميركي صمويل هنتنغتون في أعقاب انتصار الولايات المتحدة في الحرب الخليجية الأولى أنها حقّقت الريادة في العالم 118. تدخّلت الولايات المتحدة عسكريًا في الصومال، في فترة الجفاف في عامي 1993-1992 باعتبارها "شرطي العالم"، كما وصفتها وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس 119، وأرسلت قوة تعدادها 27 ألف جندي من قوات النظام الدولي الجديد في أعقاب النجاح الساحق في طرد العراق من الكويت في عام 1991 120، وكان في ظنّ الجيش الأميركي أن عملية الصومال ستكون سهلة وسريعة مقارنة بغيرها، وثبت في النهاية أنها كانت ورطة عسكرية 121. وتعززت المقاربة الأمنية الأميركية بشأن الصومال بعد تفجير سفارَتَ الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في آب/ أغسطس 1998 122. وأثارت تلك التفجيرات مخاوف الولايات المتحدة من الحركات الجهادية في شرق أفريقيا، وانصبّ اهتمامها على منع أن يصبح الصومال ملاذًا لقيادات تنظيم القاعدة. وتأكّدت هذه المقاربة الأمنية لديها مع وصول فترة بوش الابن وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 123. أحجمت الولايات المتحدة عن الاعتراف بصوماليلاند، لاعتقادها أنه سيكون له آثار سلبية في عملية استعادة الاستقرار في الصومال، وفي أنه سيُضعف سلطة الحكومات الصومالية الهشّة، واكتفت بالإشادة بما حققته صوماليلاند من استقرار داخلي وتنظيم انتخابات مباشرة وتبنّي نظام حكم ديمقراطي، إلّ أن تلك الإشادة لا ترقى إلى منحها الاع اررف بها دولة مستقلة، وأحالت الولايات المتحدة القضايا المتعلقة بتغير الحدود السيادية في أفريقيا إلى الاتحاد الأفريقي. وتقدمت صوماليلاند في كانون الأول/ ديسمبر 2004 بطلب رسمي للانضمام إلى الأمم المتحدة، لكن الأخيرة ردّت بأن الاعتراف أمرٌ يعني الاتحاد الأفريقي 124. ولهذا، من المستبعد أن تتحرك الولايات المتحدة للاعتراف بصوماليلاند قبل أن يفعل الاتحاد الأفريقي ذلك، أو قبل أن تبادر دول أفريقية رئيسة عدة إلى القيام بذلك 125. مع ظهور إرهاصات جديدة لحدوث تحوّل في بنية النظام الدولي مرة أخرى وتصاعد التنافس الصيني - الأميركي، بدأت سياسة واشنطن المعلنة في التراجع، بانسحابها من أفغانستان والصومال في غضون عام واحد، في مقابل صعود مواجهتها الجيوستراتيجية مع الصين، ونتيجة عوامل عدة، منها الإحباط الأميركي من عملية بناء الدولة في الصومال، باتت تجد مسألة صوماليلاند مقبولية وصدى لدى واشنطن، خصوصًا بعد فترة دونالد ترامب 2021-2017(.) وفي اتساق مع اهتمام إدارة جو بايدن (كانون الثاني/ يناير 2021) في القرن الأفريقي، خصوصًا في أعقاب تدخل الصين في الحرب الإثيوبية، بإرسالها طائرات مسيّة لإنقاذ نظام آبي أحمد الذي اقترب من السقوط بيد التيغراي وحلفائهم في كانون الأول/ ديسمبر 2021؛ زار وفد من الكونغرس الأميركي صوماليلاند في الشهر نفسه، وعقد لقاءً مع الرئيس موسى بيحي الذي قدم استعداده لمناهضة الوجود الصيني في المنطقة. وفي آذار/ مارس 2022، زار بيحي واشنطن، مدة عشرة أيام، التقى خلالها مسؤولين من البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع ولجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، بهدف إحداث تقارب مع إدارة بايدن وتقديم نفسه حليفًا موثوقًا وبديلً من الحكومة الفدرالية، مستفيدًا من الهواجس الأميركية بشأن الوجود الصيني في القرن الأفريقي الذي تزايد في الأعوام الأخيرة. وعلى الرغم من أن الزيارة لم تحقق أي اختراق يذكر على مستوى تحقيق الاعتراف الذي تنشده هرجيسا، فإنها حققت مزايا سياسية عدة، منها كسب أصوات مؤيدة من دوائر القرار الأميركي من خلال تعزيز اللوبي المؤيد لها في الكونغرس والخارجية والدفاع ومراكز صنع القرار الأميركي الأخرى. وقد ألقى الرئيس بيحي محاضرة في مؤسسة هيريتاج فاونديشن التي نشرت في عام 2021 تقريرين يوصيان بمنح الاعتراف الدبلوماسي لصوماليلاند 126، وكرر المدير العام للمؤسسة، ومن ثم خطاب بيحي نفسه، الدعوة إلى دعم الولايات المتحدة لتحقيق الاعتراف باستقلال صوماليلاند.
بالنسبة إلى الصين، فإنها لم تقم بدور رسمي يُذكر في المشهد الصومالي منذ سقوط الحكومة المركزية، لكنها كثّفت في خضمّ دورها المتنامي في أفريقيا في الأعوام الأخيرة علاقتها بالصومال، وذلك في إطار مشروعها "حزام واحد طريق واحدة" الذي يمرّ عبر البحر الأحمر، والذي في أثره أضحت الصين في عام 2015 أكبر شريك تجاري لأفريقيا 127. وتُلقي المواجهة الصينية - الأميركية الجيوستراتيجية ظلالها أفريقيًا على العلاقات التي تقيمها صوماليلاند مع تايوان - وهي ثاني دولة تقيم علاقات دبلوماسية معها في القارة - بعد مملكة إسواتيني الصغيرة. وقد تبادل الطرفان العلاقات الدبلوماسية في عام 2020، وأثار في حينه افتتاح مكتب باسم "تايوان" في هرجيسا حفيظة الصين، بدلً من "تايبيه الصينية" الذي تستخدمه اللجنة الأولمبية الدولية والعديد من الدول الأجنبية لتجنب الإساءة إلى الصين. وقد انتقدت الصين بشدة في مطلع شباط/ فبراير 2022 الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الصوماليلاندي عيسى كايد إلى تايوان، واتهمت تايوان بالسعي لتقويض استقلال الدول الأخرى ووحدتها. وكان لافتًا رد الوزير الصوماليلاندي الذي أوضح في حديثه مع رويترز بلغة متحدية أنه لا يمكن أن تُ لي الصين على صوماليلاند خياراتها، وأن فلسفة العلاقة مع تايوان تتمثل في إبحارهم بالقارب نفسه، وذهب أبعد من هذا بالحديث عن القيم الديمقراطية التي تجمع بلاده مع تايوان لمواجهة "دكتاتورية الصين" 128. غني عن القول، إن تايوان وصوماليلاند تسعيان لتأمين دعم واشنطن وحمايتها لنادي الدول الديمقراطية أمام الزحف الصيني، وذلك لتعزيز مواقفهما السيادية والخروج من العزلة الدولية المفروضة عليهما، خصوصًا أن تايوان شهدت عزلة دبلوماسية متزايدة من الدول الأفريقية، حيث فرضت الصين ضغوطًا مختلفة على الدول كلها التي ترتبط بعلاقات مع تايوان من خلال دبلوماسية القروض التي تستخدمها بيجين سلاحًا للضغط، بل ذهبت في بعض الأحيان إلى أبعد من ذلك، بلجوئها إلى الطلب من الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على بعض أعضائه، كما حصل مع ليتوانيا لإجبارها على غلق سفارة تايوان. وحتى الآن، تحاول بيجين إغراء صوماليلاند بتنفيذ مشاريع تنموية واستثمارية في المطارات والبنية التحتية لغلق مكتب تايوان، لكن صوماليلاند تتمسك بخيار العلاقة مع تايوان لدواع استراتيجية؛ حيث تسعى، إضافة إلى ما سبق، للاستفادة من خبرة الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي منذ أكثر من نصف قرن في إدارة العلاقات الدولية من دون الحصول على مقعد في الأمم المتحدة 129. 2. الاتحاد الأفريقي ومبدأ "السلامة الإقليمية" يعتبر الاتحاد القارّي الجسد السياسي الأبرز والرافض استقلال صوماليلاند 130؛ ذلك لأنه يضمن في مبادئه الأساسية استدامة الحدود الإقليمية من الاستعمار للدول الأفريقية. وينتهج الاتحاد الأفريقي نهجًا صارمًا للحدّ من النزعات الانفصالية في القارة، ويتبع استجابات منوّعة في تحقيق ذلك. ونجد من خلال استقراء تاريخي سريع لتعامله مع الحالات الانفصالية في المنطقة، أن المنظمة أحيانًا تتدخل عسكريًا لمصلحة الدولة الأم، كما حدث في حالة إقليم بيفرا في نيجيريا، حينما اعتبرت المنظمة إعلان انفصاله في نهاية ستينيات القرن الماضي مساسًا بالمصالح الأفريقية 131. وتكرّر الأمر نفسه في جُزر القمر، عندما نصّب محمد باكار نفسه رئيسًا وأعلن انفصال جزيرة أنجوان في عام 2008، وردًّا على ذلك، أعلن الاتحاد الأفريقي خطوة عسكرية ضد الإقليم بمشاركة قوات من السودان وتنزانيا والسنغال، مع دعم لوجستي من ليبيا وفرنسا، ونجح هذا التدخل العسكري في وضع حدٍ لمحاولة الإقليم الانفصال 132. يتبع الاتحاد الأفريقي استراتيجية أخرى، يسميها الباحث الدرديري محمد أحمد "جدار الصمت"، حين يعمد إلى عدم إدراج مطالب الإقليم الانفصالي ضمن جدول الأع لاا الرسمي في اجتماعاته الرسمية، ويعتبر تعامل المنظمة الأفريقية مع الحرب الأهلية السودانية والنضال التحرّري الإرتيري أبرز مثالين على ذلك. حيث تجاهلت المنظمة هاتين الحالتين طويلً، قبل أن تتدخل منظمة أخرى هي منظمة إيغاد لوضع حدٍ لصراع شمال السودان. تُعدّ حالة صوماليلاند مث لً واضحًا على استراتيجية "جدار الصمت" التي تتبعها منظمة الاتحاد الأفريقي لتقويضها، وقد أرسل الاتحاد في عام 2005 بعثة تقصّ حقائق إلى صوماليلاند، بطلب من الرئيس
طاهر ريالي كاهن 133، وقدّمت البعثة توصيات مشجعة لقضية صوماليلاند 134، فورد في تقريرها النهائي أن استقلال صوماليلاند "حالة فريدة في التاريخ السياسي الأفريقي"، وأوصى التقرير بالاعتراف بها بلدًا مستقلً، مشيرًا إلى أنه منذ إعلان استقلالها، أرست صوماليلاند أسس قيام "دولة حديثة"، وأن الوحدة التي قامت في عام 1960 بين صوماليلاند والصومال تسببت في مظالم ومعاناة هائلة لشعب الإقليم 135. إلّ أن ذلك التقرير لم يطرح في المناقشات الوزارية في الاتحاد إلى اليوم، ومن ثم، لم يُغيّ شيئًا من سياسة الاتحاد المعلنة والرافضة أي محاولة انفصالية في القارة، بحجة أنها تفتح صندوق باندورا من الصراعات الحدودية في أنحاء القارة. ثمة انتقادات تخص دور المنظمة الأفريقية في حل الصراعات الأفريقية، هذا الدور يبقى ضعيفًا، وفي مستوى من الفشل، مع أن شعار "حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية" يكاد يتكرر على لسان القادة الأفارقة في شكل خطب وعظية. لكننا في أدنى تقصٍّ لنتائج تطبيق هذا الشعار الطموح في حلّ الصراعات في القارة، نجد أن غالبية الوساطة الأفريقية تنتهي دومًا بالفشل، مقارنة بمثيلاتها الأجنبية. ويبرّر البعض هذا بسبب "الموارد الاقتصادية المحدودة للدول الأفريقية" 136 أو "نقص قدراتها "137. لكن على الجانب الآخر، تتمتع الوساطة الأفريقية ب "الشرعية" في الأوساط الأفريقية مقارنة بغيرها، ويؤكد ذلك تحليل إحصائي مقارن أُجري على محاولات الوساطة الأفريقية والأجنبية في المدة 2017-1960138، ووجد التحليل أن الجهود التي تقودها الدول أو المنظمات الأفريقية في القارة تنجح غالبًا في إقناع أطراف الصراعات الأفريقية. فمثلً في أثناء توسط المنظمة الأفريقية في الحرب الأهلية الأولى في السودان في أوائل السبعينيات، اعتبر رئيس وفد الحكومة السودانية، محمد عمر بشير أن الدبلوماسيين الأفارقة "غرسوا لديه الشعور في أن لا يمسح مؤتمر [السلام] أبدًا بالفشل" 139. وكرّر ممثل الجانب الآخر، أبيل ألير، الأمر نفسه، وأشار إلى كيف جرى إقناعه بالوساطة الأفريقية "لإخراج السودان من نفقه المظلم" 140. وتكرر الأمر نفسه في الحرب الإثيوبية في أواخر عام 2021، حين رفض طرفا الصراع (جبهة التيغراي والحكومة الإثيوبية) قبول الوسطاء الأجانب، بينما حقق مبعوث الاتحاد الأفريقي إولوسيغون أوباسانجو اختراقًا بعقد جلسات مع طرفي الصراع، نقل فيها وجهات النظر للبحث عن تسوية، على الرغم من أن الخيار العسكري حسم أخيرًا تلك الحرب. ويطرح هذا كله إمكان قيام الاتحاد الأفريقي بدور لفك الأزمة العالقة بين صوماليلاند والصومال منذ ثلاثة عقود.
خاتمة
بحثت هذه الدراسة الجذور والخلفيات السياسية لانفصال صوماليلاند، من خلال العودة إلى التكوّن التاريخي والسياسي للإقليم منذ فترة البواكير الاستعمارية، وصولً إلى مطالبته بالاستقلال عن الصومال، ومرورًا بفترة الوحدة وإنشاء الدولة الصومالية القومية.
كما حاججنا، لم يشهد التاريخ الصومالي سلطة سياسية حكمت أراضيه كلها على نحو كامل، فقد بقيت السلطنات الإسلامية والعشائرية تقتصر على رُقع جغرافية محددة في تواريخ معيّنة قبل الاستعمار الأوروبي، وشكّل الاستعمار الأوروبي الحديث، والتدخلات العسكرية
للبرتغال منذ القرن السادس عشر تهديدًا لاستمرار تلك السلطنات. ومن ثم، درسنا في المبحث الثاني، تأسيس الدولة القومية الصومالية الموحَّدة، والمعضلات القانونية والثقافية والسياسية والدستورية التي واجهتها، وأبرزها إشكالية البناء الوطني الذي فشلت فيه النخب القومية والوطنية الأخرى بإرساء أسسها. وحاججنا أن تلك التعقيدات شكلت بذور الفشل السرريع للدولة الصومالية. يضاف إلى ذلك التعقيدات الجيوسياسية التي عاشتها الدولة الصومالية منذ نشأتها إلى لحظة انهيارها، والتي تمثلت بمسألة واقعية الحدود الأفريقية التي لا يمكن المساس بها في المواثيق الإقليمية والقارية في أفريقيا. وهو ما شكّل عقبة كأداء أمام استقرار الدولة الصومالية مع جوارها، وذلك حينما تمسكت الصومال بمطالبة إقليمين يقعان ضمن نطاق سيادة الجارتين كينيا وإثيوبيا، ما تسبب في حروب إقليمية أنهكت القدرات الاقتصادية والعسكرية للدولة الصومالية ما أدى إلى تفكّكها. ومع دخول الدولة الصومالية في قبضة الحكم العسكري، تأججت الانقسامات العشائرية، وخاض سياد بري في فترته، حربًا مدمرة مع إثيوبيا في عام 1997، ومن رحم هذه الحرب، تفجّرت المكوّنات الاجتماعية ضد الدولة. ونتيجة لهذا، برز انفصال صوماليلاند على السطح نتيجة موضوعية لتلك المقدمات. وقد عرضنا على نحو نقدي الدعاوى السياسية والتاريخية والقانونية والحقوقية كلها التي تسوقها النخب والحكومات في صوماليلاند لتبرير عملية الانفصال، وخلصنا إلى أنها حالة تستدعي مقاربة خاصة للتعامل معها. وفي الأخير، حاولنا تفحّص موقف المجتمع الدولي من انفصال صوماليلاند، الذي على الرغم من الثناء الدائم على نموذجها السياسي الديمقراطي، فإنه يقف حائرًا أمام اعترافها أو دفعها إلى الانضمام مرة أخرى إلى الصومال. ونعتقد أن أولوية الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى في المسألة الصومالية هي استعادة دولة فاعلة في الصومال، وهزيمة الجماعات الإرهابية، والتخلّص من الفواعل العنيفة ما دون الدولة في الراهن السياسي الصومالي. ويحيل المجتمع الدولي مسألة الاعتراف باستقلال صوماليلاند إلى الاتحاد الأفريقي. ويتمسّك الأخير بخطّه التقليدي في رفض أي محاولة انفصالية في القارة، ونعتقد أن على الاتحاد الأفريقي إيجاد مقاربة جديدة للتعامل مع قضية صوماليلاند تأخذ في الحسبان تعقيداتها التاريخية والسياسية والقانونية. يمكن الإشارة في الختام إلى أن طرفي صوماليلاند والصومال يُجريان مفاوضات روتينية ومتقطعة منذ ثمانية أعوام، تُعقد في عواصم دول الجوار والإقليم، وفي ظننا أنه في حال عدم تدخّل الاتحاد الأفريقي، لكونه المعني الأساسي بالتغييرات السيادية في القارة، أو أي جهة دولية أخرى لدفع الطرفين إلى التوصل إلى تسوية نهائية، فسيكون هذا الصراع مرشّحًا للاستمرار. وفي هذا الإطار، يطرح بعض فقهاء القانون الدولي، سيناريو توجه صوماليلاند إلى أعلى جهة قضائية في الأمم المتحدة، وهي المحكمة الدولية، للنظر في قضيتها، كما حدث في حالة كوسوفو، ومن الأرجح أن تجد مقبولية لقضيتها إذا استمعت إليها هذه المحكمة. وقد أكد رئيس صوماليلاند موسى بيحي في خطبته الوطنية بمناسبة الاستقلال في عام 2020 أن بلاده مستعدة لعرض قضيتها أمام المحكمة الدولية إذا لم يحقّق لها خيار المفاوضات الاستقلال.
References المراجع
العربية
أحمد، الدرديري محمد. الحدود الأفريقية والانفصال في القانون الدولي. ب وررت: الدار العربية للعلوم؛ مركز الجزيرة للدراسات،.2017 أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. تقديم عزمي بشارة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 عبد الرحمن، صهيب. "المساعي الانفصالية ونظريات حقّ تقرير حفريات المصير: حالة 'صومال لاند' أنموذجًا.". 2018/10/16. فh يttps://bit.ly/2CBToFa: العرب والقرن الأفريقي: جدلية الجوار والانتماء. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 غليون، برهان. نظام الطائفيّة: من الدولة إلى القبيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017
الأجنبية
Adam, Hussein M. "Formation and Recognition of New States: Somaliland in Contrast to Eritrea." Review of African Political Economy. vol. 21, no. 59 (March 1994). Aldrich, Robert. Greater France: A History of French Overseas Expansion. European Studies Series. London: Palgrave, 1996. Alexandrowicz, Charles H. "New and Original States: The Issue of Reversion to Sovereignty." International Affairs (Royal Institute of International Affairs). vol. 45, no. 3 (July 1969). Alier, Abel. Southern Sudan: Too Many Agreements Dishonoured. Reading, Berkshire (UK): Ithaca Press, 1992. Baadiyo, Abdurahman Abdullahi. Making Sense of Somali History. London: Adonis & Abbey Publishers Ltd., 2018. Bereketeab, Redie. "Self-determination and Secession a 21 st century challenge to the post-colonial state in Africa." The Nordic Africa Institute, 2012. Beshir, Mohamed Omer. The Southern Sudan; Background to Conflict. New York: F. A. Praeger, 1968. Bryden, Matt. "The 'Banana Test': Is Somaliland Ready for Recognition?" Annales d'Ethiopie. vol. 19 (January 2003). Buur, Lars & Helene M. Kyed (eds.). State Recognition and Democratization in Sub-Saharan Africa: A New Dawn for Traditional Authorities? Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2007. Chisholm, Hugh (ed.). "A Dictionary of Arts, Sciences, Literature and General Information." The Encyclopedia Britannica. vol. 25 (1911). Contini, Paolo. The Somali Republic: An Experiment in Legal Integration. London: Cass Library of African Law , 1969. Cotran, Eugene. "Legal Problems Arising out of the Formation of the Somali Republic." The International and Comparative Law Quarterly. vol. 12, no. 3 (July 1963). Crawford, James. The Creation of States in International Law. Oxford: Clarendon Press; Oxford University Press, 1979. Crisis Group. "Somaliland: Time for African Union Leadership." Africa Report. no. 110. 23/5/2006. at: https://bit.ly/30YCquL De Waal, Alex. "Somalia's Disassembled State: Clan Unit Formation and the Political Marketplace." Conflict, Security & Development. vol. 20, no. 5 (2020). De Vries, L. et al. (eds.). Secessionism in African Politics. Palgrave Series in African Borderlands Studies. New York: Palgrave Macmillan, 2019.
Duursma, Allard. "African Solutions to African Challenges: The Role of Legitimacy in Mediating Civil Wars in Africa." International Organization. vol. 74, no. 2 (Spring 2020). at: https://bit.ly/3j8BrPl Harper, Mary. Getting Somalia Wrong?: Faith, War and Hope in a Shattered State. London: Zed Books Ltd., 2012. Hess, Robert. Italian Colonialism in Somalia. Chicago: University of Chicago Press, 1967. Ingiriis, Mohamed Haji. "We Swallowed the State as the State Swallowed Us: The Genesis, Genealogies, and Geographies of Genocides in Somalia." African Security. vol. 9, no. 3 (July-September 2016). Jimale, Ali (ed.). The Invention of Somaila. Lawrenceville, NJ: The Red Sea Press, 1995. Jonas , Raymond. The Battle of Adwa: African Victory in the Age of Empire. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2015. Kamanu, Onyeonoro S. "Secession and the Right of Self- Determination: An O.A.U. Dilemma." The Journal of Modern African Studies. vol. 12, no. 3 (1974). Kapteijns, Lidwien & Mursal Farah. "Review of I. M. Lewis 'A Pastoral Democracy'." Africa: Journal of the International African Institute. vol. 71, no. 4
Klarevas, Louis J. "Trends: The United States Peace Operation in Somalia." The Public Opinion Quarterly. vol. 64, no. 4 (2000). Lehman, Dan Van & Omar Eno. The Somali Bantu: Their History and Culture. no. 16. Washington, DC: Center for Applied Linguistics Culture Profiles, 2003. Lewis, I. M. The Modern History of Somaliland: From Nation to State. London: Weidenfeld and Nicolson, 1965. ________. A Pastoral Democracy: A Study of Pastoralism and Politics among the Northern Somali of theHorn of Africa. London: The African International Institute, 1982 [1961]. ________. A Modern History of Somalia: Nation and State in the Horn of Africa. Boulder: Westview Press, 1988. ________. "The Ogaden and the Fragility of Somali Segmentary Nationalism." African Affairs. vol. 88, no. 353 (1989). Lindley, Anna. The Early Morning Phonecall: Somali Refugees' Remittances. New York: Berghahn Books, 2013. Marangio, Rossella. The Somali Crisis: Failed State and International Interventions. Roma: IAI, 2012. Massoud, Mark Fathi. "Islamic Law, Colonialism, and Mecca's Shadow in the Horn of Africa." Journal of Africana Religions (Penn State University Press). vol. 7, no. 1 (2019). Meservey, Joshua. "The U.S. Should Recognize Somaliland." The Heritage Foundation. 19/10/2021. at: https://herit.ag/3sskdmb ________. "Somalilanders' Quest for Independence Isn't "Neocolonial" Plot. It's Self-Determination." The Heritage Foundation. 9/5/2022. at: https://herit.ag/3M7L5zN Mohamed, Adan Ahmed. Danjire Qaybe Iyo Caalamka. Duale Bobe Abdirahman (ed.). Hargeisa: Sagaljet, 2013. Ogden, Richard. "The Commonwealth Prime Ministers' Conference." International Journal. vol. 19, no. 4 (Autumn 1964). Papagianni, Katia. "Power-sharing: A conflict Resolution Tool." Africa Mediators' Retreat , 2007.
Phillips, Sarah G. When There Was No Aid: War and Peace in Somaliland. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2020. "Presidential Decree of October 11, 1960, No. 19." Official Bulletin of the Somali Republic , supplement, no. 1 to no. 4 (1960). Press, Robert M. The New Africa: Dispatches from a Changing Continent. Florida: University Press of Florida, 1999. Rajagopal, B. & Anthony Carroll. "The Case for the Independent Statehood of Somaliland." Mimeographed Report (Washington, DC), 1992. Renders, Marleen. Consider Somaliland State-Building with Traditional Leaders and Institutions. Boston: Leiden, 2012. "Resume: AU Fact Finding Mission to Somaliland (30 April to 4 May 2005)." African Union, 2005. at: https://bit.ly/3uhGHqM Rothchild, Donald S. Managing Ethnic Conflict in Africa: Pressures and Incentives for Cooperation. Washington, DC: Brookings Institution Press, 1997. Rutherford, Ken. Humanitarianism Under Fire: The US and UN Intervention in Somalia. Virginia: Kumarian Press, 2008. Samatar, Abdi Ismail. The State and Rural Transformation in Northern Somalia, 1884-1986. Madison: University of Wisconsin Press, 1989. ________. Africa's First Democrats: Somalia's Aden A. Osman and Abdirazak H. Hussen. Bloomington: Indiana University Press, 2016. Samatar, Abdi Ismail & W. Machaka. Conflict and peace in the Horn of Africa: A Regional Approach. Nairobi: Heinrcih Foundation, 2006. Samatar, Ahmed I. Socialist Somalia: Rhetoric and Reality. London: Zed Books, 1988. Shinn, David H. "Somaliland and U.S. Policy." The Journal of the Anglo-Somali Society. no. 38 (Autumn 2005). Tellander, Ebba. "The Wind That Blows Before the Rain: Acts of Defiance and Care in Northern Somalia in the 1980s." International Institute of Social Studies (ISS), Erasmus University Rotterdam, 2022. Vestal, Theodore M. "Emperor Haile Selassie's First State Visit to The United States in 1954." International Journal of Ethiopian Studies. vol. 1, no. 1 (Summer- Fall 2003). Waterfield, Gordon. "Trouble in the Horn of Africa? The British Somali Case." International Affairs (Royal Institute of International Affairs). vol. 32, no. 1 (January 1956). Wimmer, Andreas. Nation Building: Why some Countries Come Together while Others Fall Apart. Oxford, UK: Princeton University Press, 2018. Zartman, I. William. "Africa as a Subordinate State System in International Relations." International Organization. vol. 21, no. 3 (Summer 1967).