تقييم سياسة الهند أثناء الأزمة الخليجية (2017 - 2021)
الملخّص
تعتمد الهند إزاء دول الخليج العربية سياسة حذرة عند ظهور خلافات بين هذه الدول. وتجلت هذه السياسة أثناء الأزمة الخليجية 2017 - 2021، وهي تنطلق من اعتبارات عديدة: أولها، مبدأ عدم الانحياز؛ فرغم تركيز حكومة ناريندرا مودي على الدبلوماسية الفعالة والانخراط النشط في الخارج، فقد عادت إلى مبدأ عدم الانحياز في التعامل مع الأزمة. ثانيها، العلاقة الخاصة بدول الخليج العربية؛ نظرًا إلى عمق الترابط التاريخي، والقرب الجغرافي، وتشابك المصالح الاقتصادية الذي أُعطي الأولوية بسبب حاجة الهند واقتصادها الصاعد إلى الاستثمارات وموارد الطاقة. ثالثها، مواقف الدول الأخرى؛ إذ شجع حياد منافسيْ نيودلهي، الصين وباكستان، على عدم القيام بدور نشط أيض ا. كما شجع دورُ الولايات المتحدة الأساسي في حل الأزمة الهندَ على الحياد، مستفيدة مما تقوم به واشنطن ومن نفوذها في تأمين طرق نقل الطاقة. ومع ذلك، قامت الهند بدور نشط بتزويد قطر بالحاجات الضرورية والمنتجات الغذائية أثناء الأزمة. كلمات مفتاحية: حزب الشعب الهندي، السياسة الحذرة، الدبلوماسية الفعالة، الأزمة الخليجية، المصالحة الخليجية، الهند.
Keywords: BJB, Cautious Policy, Proactive Diplomacy, Gulf Crisis, Gulf Reconciliation, India.
Assessing of India's Policy towards the Gulf Crisis (2017 - 2021)
India adopts a cautious policy towards the GCC states during the emergence of differences between them, such as the Gulf crisis of 2017 - 2021. This stems from many considerations: First, the principle of non-alignment. Despite Narendra Modi's government focus on proactive diplomacy and engagement abroad, it has reverted to the principle of non-alignment and neutrality in dealing with the crisis. Second, the special relationship with the GCC states. Given the depth of historical interdependence, geographic proximity and intertwining of economic interests, these states are India's most important trading partner and are home to the largest overseas Indian community. Third, the roles of other countries. Because the competing countries such as China and Pakistan have remained neutral, this has encouraged India not to take an active role in solving the conflict. United States' key role in mediation encouraged New Delhi to remain neutral, taking advantage of Washington's efforts and its influence in securing energy routes. Nevertheless, India has taken an active role in providing Qatar with essential needs and food products during the crisis.
مقدمة
تعتمد الهند إزاء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية سياسةً حذرةً أثناء ظهور خلافات بين هذه الدول، مثلما حدث خلال الأزمة الخليجية في الفترة 2021-2017. وتنطلق هذه السياسة من اعتبارات عديدة، أولها، مبدأ عدم الانحياز، الذي تقوم عليه سياستها الخارجية، عندما تُؤثِر الحياد تجاه الأزمات التي تقع خارج الدائرة الأولى من أمنها القومي المتمثلة جغرافيًا في جنوب آسيا. فعلى الرغم من تركيز حزب الشعب الهندي (بهارتيا جاناتا) منذ تولى السلطة أول مرة 2004-1998() وفي السنوات الأخيرة -2014() على مكانة الهند بصفتها دولة كبرى، وعلى الدبلوماسية الفعالة والانخراط النشط في الخارج، عوضًا عن سياسة حزب المؤتمر الهندي التقليدية المتمثلة بعدم الانحياز، فإن حكومة ناريندرا مودي منذ عام 2014 عادت إلى هذا المبدأ في التعامل مع الأزمة الخليجية، والتزمت الحياد التام. وقد عبّ بيان وزارة الخارجية الهندية عن هذا الموقف، حيث اعتبر النزاع شأنًا داخليًا بين دول مجلس التعاون، ودعا جميع الأطراف لحل خلافاتهم من خلال عملية حوار، مع اهتمام البيان بالتركيز على استمرار المصالح الحيوية التي يوفرها السلام والاستقرار الإقليميان. بهذا، لم تقم الهند بأي وساطة نشطة عبر خطوات ملموسة لحل النزاع، ولا وساطة سلبية عبر السعي الدبلوماسي من خلال الزيارات المتكررة أثناء تصعيد النزاع، لا سيما في العام الأول شديد التوتر من الأزمة؛ أي عام 2017. ثانيها، العلااقة الخاصة بدول الخليج العربية جميعها؛ نظرًا إلى عمق الارتباط التاريخي، والقرب الجغرافي، والتأثير الثقافي المتبادل، وتشابك المصالح الاقتصادية بوصف هذه الدول أهم شريك تجاري للهند عالميًا، وهي مأوى لأكبر جالية هندية في الخارج. وقد أدت هذه العلاقة إلى ابتعاد الهند عن النزاعات إبّان الأزمة الخليجية؛ فمن جهة، ساهمت علاقاتها بالمنطقة في التعرّف إلى العلاقات البينية الخليجية على مستويَي التعاون والخلافات، وفي إدراكها أن فترات التوتر عابرة. ومن جهة أخرى، أدى التشابك الاقتصادي المتزايد مع دول الخليج جميعها إلى إيلاء المصالح الاقتصادية الأولوية على النزاعات الآنية، نظرًا إلى حاجة الهند واقتصادها الصاعد إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتلبية حاجاتها من النفط والغاز الطبيعي، حيث تعدّ دول الخليج مصدرًا أساسيًا لهما. كما يؤثر توزّع الجاليات الهندية في هذه الدول في سياسة الهند الحذرة، للحفاظ على مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية، ومن ثمّ مصالحها القومية، بوصفهم مصدرًا لنحو نصف التحويلات المالية الخارجية. ثالثها، مواقف القوى الإقليمية والدولية وأدوارها؛ فقد راقبت الهند أدوار دول منافِسة، مثل الصين وباكستان، خشيةَ تقدم نفوذهما في الخليج. ولأن موقفي هاتين الدولتين ظلّ محايدين إزاء الأزمة الخليجية، فقد شجعها ذلك على عدم القيام بدور نشط أيضًا أثناء النزاع. كما شجع دورُ الولايات المتحدة الأميركية الأساسي أثناء الأزمة، وبخاصة عبر دعم وساطة الكويت، الهندَ على اتباع سياستها تلك، مستفيدة مما تقوم به واشنطن ومن نفوذها في المنطقة في تأمين طرق نقل الطاقة، لا سيما أن نيودلهي تحظى بأفضلية لدى الولايات المتحدة في منطقة المحيط الهندي؛ لموازنة الصين، كما ترتبط معها بعلاقات استراتيجية. ومع ذلك، فإن سياسة الهند كانت فعالة في المساهمة في تخفيف آثار الأزمة على قطر، وبخاصة في شهورها الأولى؛ إذ ساهمت، إلى جانب تركيا وإيران، في تزويد الدوحة بالحاجات الضرورية والمنتجات الغذائية عبر شحنها بصورة سريعة وفعالة. تبحث الدراسة في سياسة الهند أثناء الأزمة الخليجية، وتهدف إلى التعرّف إلى سلوكها إزاء دول الخليج العربية أثناء وقوع الأزمة بوصفها تملك علاقات استراتيجية مع أطرافها. فكيف تصرفت الهند؟ وكيف تجاوزت عقبة الانحياز إلى طرف على حساب آخر؟ وهل حاولت حل الأزمة بحكم علاقاتها المتينة مع الجميع؟ أم أنها تجنّبت التدخل كليًا؟ وما تفسير مواقفها وسلوكها أثناء الأزمة؟ تحاول هذه الدراسة تحقيق ذلك الهدف، والإجابة عن التساؤلات المرتبطة به عبر نهح تحليلي لخطابها وبياناتها ومواقفها الرسمية في هذه الفترة، ومن خلال المحاور التالية: أولً، فهم التحولات الأساسية في السياسة الخارجية الهندية التي أسفرت عن تركيزها على سياسة
الانخراط النشط في الخارج والدبلوماسية الفعالة عوضًا عن الالتزام بمبدأ عدم الانحياز والحياد فقط، وفي الوقت نفسه تسعى إلى فهم عودة نيودلهي إلى استخدام هذا المبدأ التقليدي نفسه تجاه الأزمة الخليجية. وتدرس، ثانيًا، مواقف الهند الرسمية وسلوكها السياسي أثناء الأزمة الخليجية، وتسعى لتفسير خياراتها. وتناقش، ثالثًا، العوامل المؤثرة في تلك السياسة، لا سيما العلاقات الاقتصادية والمصالح الحيوية في منطقة الخليج، واستفادة الهند من تجاربها السابقة، وتأثير أدوار دول إقليمية في سياستها أثناء الأزمة، مثل الصين وباكستان، وكذلك الولايات المتحدة. وتخلص في الخاتمة إلى أنّ الهند سوف تستمر في سياستها القياسية المعتادة إزاء منطقة الخليج العربي في ما بعد انتهاء الأزمة الخليجية.
أولا: السياسة الخارجية الهندية وتحولاتها بين عدم الانحياز والدبلوماسية الفعّالة
حاولت السياسة الخارجية الهندية، منذ الاستقلال عام 1947، اتباع نهج محايد، إلى حد بعيد، في ما يتعلق بالصراعات الدولية. وكان من بين الأسباب الرئيسة لاتّباع هذا النهج تجنّب عواقب الانحياز إلى جانب أحد الأطراف في القضايا المتوترة. وفي المقابل، حاولت في العقدين الماضيين الانخراط بنشاط في الخارج وتقديم نفسها لاعبًا دوليًا وقوة اقتصادية ومزودًا للأمن، لا سيما إثر تحالفها مع الولايات المتحدة، وإعلان الأخيرة رغبتها في تقليص وجودها في الشرق الأوسط. ومع ذلك، عملت الهند بجدٍ للحفاظ على سياستها المتعلقة بعدم الانحياز والحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف الدول، وبخاصة في الخليج العربي؛ فلم تنحز، مثلً، إلى أي طرف أثناء الأزمة الخليجية 1، بل لم تبدِ استعدادًا لتأدية أي دور في حل النزاع؛ تجنّبًا لاعتبار مثل هذا الدور غير مرغوبٍ فيه من بعض أطرافه. في الواقع، ترتبط سياسة عدم الانحياز على نحو أساسي بالهند؛ وذلك بسبب الدور الذي قام به جواهر لال نهرو، أول رئيس حكومة بعد الاستقلال –1947(1964)، في تأسيس حركة عدم الانحياز، التي ضمت دولً يُفترض أنها لا ترغب في الانخراط في الاستقطاب الدولي والصراعات بين الغرب والاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة. وقد ضمت هذه الحركة دولً كثيرة في العالم الثالث، وبخاصة في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، على رأسها مصر ويوغوسلافيا السابقة وإندونيسيا، وكانت أغلبيتها دولٌ تحررت حديثًا من الاستعمار الغربي، ومن ثمّ كانت داعمة لحركات التحرر في الدول المُستعمَرَة، لا سيما في أفريقيا وأميركا اللاتينية. ومع أن الهند ودول "حركة عدم الانحياز عمومًا حاولت تقويض فكرة الاختيار البسيط بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي" 2، واعتبرت نفسها غير منحازة، فإنها في النتيجة كانت – عمليًا - تتماشى أحيانًا مع الاتحاد السوفياتي؛ بوصفها معارضةً لهيمنة الغرب ونموذجه الرأسمالي، ومحسوبةً على قوى اليسار وتتبنى النموذج الاشتراكي. بمعنى أن عدم الانحياز هذا لم يكن يعني الحياد التام بالضرورة. قد يكون موقف الهند في تزعّم حركة عدم الانحياز قد أسفر عن مكاسب كبيرة في حمايتها من التورط في معارك باهظة الثمن ومثيرة للانقسام خلال حقبة الحرب الباردة 3، لكن عوامل عديدة أثارت الجدل في الهند حول جدوى سياستها التقليدية. فبعد سياسة الإصلاحات أو التحديثات الأربعة في الصين، التي أُطلقت منذ عام 1978، في الزراعة، والصناعة، والعلوم والتكنولوجيا، والجيش 4، بدأت تنعكس آثارها بشكل ملحوظ على تصاعد قوة الصين ونفوذها الدولي والإقليمي سياسيًا واقتصاديًا. كما تعزز وضع باكستان الاستراتيجي عقب الانسحاب السوفياتي من أفغانستان عام 1989. وأدى انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه عام 1991 إلى خشية الهند من فقدان المصدر الأساسي لتسليح الجيش الهندي والتكنولوجيا العسكرية التي كانت تعتمد عليها 5، وترك انهياره فراغًا جيوستراتيجيًا واسعًا في مناطق قريبة منها في آسيا الوسطى. فضلً عن ذلك، واجهت الهند أزمة اقتصادية في بداية التسعينيات. فبعد أن اتبعت هيكل الاقتصاد المختلط الذي تقوده الدولة - الذي أكد على السياسات الحمائية والتصنيع المخطط مركزيًا والقيود الشديدة على الواردات وتراخيص الأعمال - تراجع الاقتصاد بحلول منتصف الثمانينيات عن غيره في دولٍ اتبعت نموذجًا اقتصاديًا أكثر
تنافسية ومنفتحًا على الاقتصاد العالمي مثل كوريا الجنوبية، وإسبانيا، وسنغافورة، وتايوان. وعلى الرغم من اعتماد بعض السياسات لتشجيع الشركات الخاصة، فإنه بحلول عام 1990 كان الاقتصاد على وشك الإفلاس. وفي صيف 1991، وصلت ديون الهند إلى 07 مليار دولار أميركي 6. لذا بدأ التفكير الاستراتيجي فيها يتمحور حول السياسات الاقتصادية والسياسة الخارجية التي يمكن لها مواجهة التحديات الجديدة. كان هناك تحول ملحوظ في توجه السياسة الخارجية للهند بعد التغيير في نموذج التنمية في البلاد في التسعينيات. وقد نشأت سمة بارزة لهذا التحول تمثلت بالانفتاح المتزايد على قضايا التجارة. وتجلى ذلك في ارتباطاتها مع جميع المناطق الرئيسة في العالم، بما في ذلك منطقة الخليج. ومن الواضح أن الاقتصاد العالمي المعولم الذي بدأ يسود ما بعد الحرب الباردة، قد خلق بيئة مؤاتية للهند تتميز بزيادة تنقل رأس المال والتكنولوجيا، والمنافسة، والتغيرات الهيكلية في التصنيع، وانتشار الاتفاقيات التجارية. كما تمثلت إحدى السمات اللافتة للانخراط في السياسة الخارجية للهند في التزامها المتزايد بالنمط 7العابر للمناطق أو "الإقليمية العابرة" Trans-regionalism، التي تعزز التوسع خارج حدود الإقليم، وتستجيب للاتجاهات المتغيرة في الاقتصاد العالمي. لقد أدركت الهند أن سوق منطقة جنوب آسيا لم تعد كافية لتوسيع رأس المال والتكنولوجيا والتجارة والخدمات، وأن هذه المنطقة لا توفر مناخًا سياسيًا مرنًا يمكن لها من خلاله المضي قدمًا اقتصاديًا وتجاريًا، وأن التجارة البينية الإقليمية فيها تظل صغيرة جدًا، وحتى بعد إنشاء منطقة جنوب آسيا للتجارة الحرة. لذلك، صممت South Asian Free Trade Area, SAFTA""سافتا نيودلهي على إعادة توجيه استراتيجيات التنمية والسياسة الخارجية بحيث تتوافق مع الديناميكيات العالمية المتغيرة 8. فمن أجل تجاوز الأزمة الاقتصادية التي كانت تلوح في الأفق، بدأ رئيس الوزراء ناراسيمها راو –1991(1996) من حزب المؤتمر الهندي ووزير المالية مانموهان سينغ 1996–1991() منذ بداية عام 1991 برنامجًا واسعًا للإصلاح الاقتصادي. فقامت الحكومة بفتح العديد من القطاعات الأساسية أمام الاستثمار الخاص، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحرير قطاع الخدمات، وتخفيض بعض التعريفات الجمركية، إضافة إلى التحرير التدريجي لسياسة التجارة، وتشجيع الصناديق المشتركة الخاصة. وبنهاية العام نفسه، أصبح النمو في الهند ثابتًا ويتجه نحو الارتفاع. وقد انضمت لاحقًا إلى صفوف الاقتصادات الأسرع نموًا في العالم، مما أدى إلى ظهور طبقة متوسطة هندية كبيرة ماهرة تقنيًا. وساد انطباع بأن نجاحها سوف يعتمد على نموذجها التنموي 9.
أما السياسة الخارجية، فإن النقاشات الاستراتيجية الهندية احتدمت بين قوى اليسار المحسوبة على حزب المؤتمر وبين اليمين القومي الهندوسي بزعامة حزب الشعب، أو بين ما يعتبره البعض مثالية خارجية متمثلة بسياسة عدم الانحياز والحياد، وبين الواقعيين المطالبين بالانخراط في النشاط الخارجي والتحالفات وسياسة القوة. وكانت النتيجة بروز سياسة جديدة ترافقت مع وصول ائتلاف يرأسه حزب الشعب إلى الحكم بزعامة أتال بهياري فاجباييي عام 1998، وهو الذي شغل منصب رئيس وزراء الهند في الفترة أيار/ مايو – حزيران/ يونيو 1996، ومن آذار/ مارس 1998 إلى غاية أيار/ مايو 2004. عمليًا، أدخلت حكومة فاجباييي عددًا من التغييرات المهمة أثناء وجودها في السلطة 2004-1998()، أهمها التحول القوي لسياسة الهند النووية من الوضع
السلمي الذي انتهجته رئيسة الوزراء أنديرا غاندي)1977–1966(عام 1974، إلى سياسة القوة التي تجلت بوضوح بالتجارب النووية والصاروخية عام 1998. وبعد أن تسببت هذه التجارب في انتقادات دولية وأميركية، قررت الولايات المتحدة، بعد فترة وجيزة، إشراك الهند في حوار استراتيجي، تعززت على أثره العلاقات الهندية - الأميركية من حيث النطاق والعمق في الشؤون الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية؛ فتوسّع انخراط الهند إلى آسيا كلها، والمحيط الهندي بأكمله، بعد أن كان التركيز على جنوب آسيا والمشكلات الحدودية. وانخرطت الهند في تحالف واسع ممتد من الولايات المتحدة إلى اليابان وأستراليا. وارتبط هذا التحول بسياسة "النظر إلى الشرق" East Look، التي بدا أنها تتوافق مع سياسة تمحور الولايات المتحدة حول آسيا-المحيط الهادي Pivot Asia-Pacific. ومن خلال التحالف مع الولايات المتحدة أيضًا، وكذلك مع حليفتها الجديدة إسرائيل، اللتين طمحت الهند إلى أن يوفرا لها التكنولوجيا العالية والسلاح المتطور والدعم السياسي الدولي، أراد حزب الشعب احتواء التهديدات الحدودية والإقليمية للصين وباكستان والتنافس بالقوة بدلً من قبول أي تفوق لهما في جنوب آسيا 10. كما عمل الحزب في انتخابات عام 2014، التي فاز فيها منفردًا بالحكم، على الترويج لرؤية جديدة تعتمد "الدبلوماسية الفعّالة" Diplomacy Proactive وترتكز على "إعادة توجيه أهداف السياسة الخارجية بطريقة تحدد الانخراط الاستراتيجي عالميًا في نموذج جديد وعلى نطاق أوسع"، بحيث "تؤدي إلى أن تكون الهند أقوى اقتصاديًا، وتستند سياستها الخارجية إلى المصالح الوطنية. وتنشئ شبكة من الحلفاء لتعزيز مصالحها[...]والقيام بدور أكبر دوليًا على مستوى عال"ٍ 11. وفضلً عن ذلك، استمرت الهند في محاولاتها تعزيز دورها الدولي عبر الدعوة إلى توسيع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والحصول على مقعد دائم فيه. يظل انخراط الهند في الخارج ونظرتها الاستراتيجية إلى الشؤون الدولية مرتبطًا بالتنمية بشكل أساسي؛ فهي منشغلة بشكل مكثف بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بها، وهذه الأولوية تتفق عليها الأحزاب المختلفة. فقد ذهب رئيس الوزراء السابق مانموهان سينغ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 إلى أنه "يجب أن يكون الهدف الوحيد الأكثر أهمية لسياستنا الخارجية هو خلق بيئة عالمية تفضي إلى رفاهية بلدنا العظيم"؛ عبر علاقات مستقرة مع الجيران، وتأمين الموارد لمتطلبات الطاقة المتزايدة، وتعزيز القطاع الخاص الهندي المعولم بشكل متزايد، وحماية المواطنين الهنود العاملين في الخارج الذين يمدون البلاد بنحو 17 مليار دولار من التحويلات كل عام 12. بهذا، يمكن فهم منطلقات سياسات الهند وأهدافها في الخارج، والعوامل التي تحرك سلوكها أو تعدّله؛ سواء أكان حيادًا أو تدخلً. أما تجاه منطقة الخليج العربي تحديدًا، فإن فكرة "الإقليمية العابرة" التي أشرنا إليها سابقًا واضحة منذ بداية التسعينيات؛ إذ تعتبر الهند مجلس التعاون لدول الخليج العربية بمنزلة تجمع إقليمي رئيس آخر تحتاج إلى توسيع علاقاتها التجارية معه، لكن النشاط الهندي الخارجي مع دول المجلس تزايد على نحو ملحوظ منذ عودة حزب الشعب الهندي إلى السلطة بزعامة مودي في عام 2014، حيث رفع العلاقات مع أغلبها إلى مستوى استراتيجي عبر عقد اتفاقيات عديدة، كما يبين المحور الثاني.
ثانيًا: موقف الهند وسلوكها أثناء الأزمة الخليجية
) تعدّ الأزمة الخليجية 2021-2017(من أبرز التحديات التي واجهتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكذلك الدول التي لها علاقات راسخة مع المنطقة مثل الهند. فقد وقع النزاع بين دول المجلس نفسها، التي طالما ظهرت بالنسبة إلى حلفائها الخارجيين تكتلً إقليميًا اجتماعيًا واقتصاديًا وأمنيًا متماسكًا يسعى إلى موازنة التهديدات الإقليمية، وإلى ضمان استمرار تدفق النفط والغاز الطبيعي وتأمين طرق نقلهما من المنطقة. لذلك، احتاج هذا التحدي إلى وقفة من جانب الهند، لتقييم الوضع العام المفاجئ، حفاظًا على مصالحها الكبيرة في المنطقة وتقليل التداعيات السلبية. فكيف تعاملت الهند مع هذا التحدي؟ وكيف يفَّسَّ موقفها؟ في 5 حزيران/ يونيو 2017، وبعد قطع السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها بقطر وفرض حظر جوي وبري وبحري عليها، جاء رد الهند الأول بعد يومٍ واحدٍ؛ إذ وصفت وزيرة الشؤون الخارجية سوشما سواراج Swaraj Sushma الأزمة بأنها "مسألة داخلية تخص دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية" 13، يجب حلها من خلال عملية حوار بنّاء ومفاوضات سلمية 14. وفي 10 حزيران/ يونيو، أصدرت الهند البيان الوحيد والمفصّل بشأن الأزمة، ونص على
أنها "تتابع عن كثب الوضع الناشئ في منطقة الخليج"، وترى أنه يجب على جميع الأطراف حل خلافاتهم من خلال عملية حوار بنّاء ومفاوضات سلمية قائمة على المبادئ الدولية الراسخة للاحترام المتبادل والسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وذكر البيان كذلك أن "الهند تؤمن بأن السلام والأمن في الخليج لهما أهمية قصوى لاستمرار التقدم والازدهار لدول المنطقة" وأن لديها "مصالح حيوية في السلام والاستقرار الإقليميين" 15.
من الناحية العملية، ساهمت الهند إلى جانب تركيا وإيران في التخفيف من آثار الأزمة على قطر بسبب انخفاض الواردات التي كانت السعودية والإمارات تساهمان في جزء كبير منها. فمع إنشاء قطر قنوات جديدة لسلاسل التوريد على نحو سريع وفعال، أطلقت مع الهند "الخدمة الهندية القطرية السرريعة" لشحن المنتجات الغذائية وغيرها من الضروريات إلى قطر 16. ونتيجة تداعيات الأزمة، سعى البلدان إلى التأكيد على أهمية العمالة الهندية في اقتصاد قطر 17. لا شك في أن الهند بحثت في خيارات سياساتها إزاء الأزمة الخليجية وكيفية التعامل مع تداعياتها. ويوضح النقاش والتوصيات التي تصدى لها أحد أهم التقارير السنوية الشاملة، المتعلقة بمتابعة شؤون الخليج وسياسة الهند، طريقة التفكير إزاء الأزمات الخطيرة في منطقة الخليج. فقد ذهب التقرير، الذي يتعلق بهذه الفترة، إلى أن "تفاقم الخلاف بين دول الخليج العربية يعدّ خبرًا سيئًا للهند[...] ففي وقت سابق، كان على الهند أن تهتم بالحساسيات العربية أثناء التعامل مع إيران. لكن مع الانقسام الجديد داخل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، سيتعين على نيودلهي أن تكون حذرة بشأن حساسيات جميع أعضاء مجلس التعاون[...]ستكون الإمارات والبحرين والمملكة العربية السعودية متيقظة إذا حاولت الهند بناء شراكات وثيقة مع قطر. وفي الوقت نفسه، قد تنفر قطر إذا تجاهلت الهند الدوحة. بالنظر إلى هذا، فالتوازن الدقيق ضروري. وفي حين أن الانحياز إلى طرف ليس واردًا، سيتعين على الهند أن تدرك أن قدرتها على متابعة مصلحتها في الخليج لا تعتمد على تقسيم علاقاتها، بل على الاعتراف بالتوترات والتنافس داخل المنطقة واستيعابها." وتخلص توصيات التقرير إلى أنه: "يتعين على الهند تجنب الانحياز إلى أي طرف، وتجنب أي اقتراحات للوساطة، مع تكثيف مشاركتها مع جميع الأطراف دون استعداء أي منها" 18. بهذا، آثرت الهند اتخاذ موقف دقيق ومتوازن من الأزمة، فحثّت جميع الأطراف على حل الخلافات من خلال المفاوضات والحوار مع ضرورة عدم التصعيد. لكنها في الوقت نفسه أكدت على الحياد وعدم التدخل 19. وتشير هذه المواقف إجمالً إلى عدم رغبة الهند في التدخل لحل النزاع رغم وزنها الإقليمي والدولي وعِظم مصالحها في المنطقة، مع اهتمامها بعودة سريعة للعلاقات الخليجية الودية ربما عبر وسطاء دوليين مثل الولايات المتحدة، ولكن ليس عبر وساطتها هي؛ سواء الإيجابية التي قد تعني ممارسة الضغط على الأطراف المتنازعة من أجل إدارة النزاع وحلّه، أو السلبية التي قد تتضمن السعي الدبلوماسي بين الأطراف من خلال الزيارات المتكررة أثناء تصعيد النزاع لحلّه 20. وإذا كان من الممكن تفهّم عدم القيام بالوساطة النشطة، فإن تجنّب حكومة حزب الشعب الهندي الوساطة السلبية التي لا تعدو كونها مساعيَ دبلوماسية تساهم في الحل يحتاج إلى تفسير.
علاوة على العوامل المفِّسِّة المفصَّلة في المحور الثالث تاليًا، قد يكون موقف الهند متعلقًا بإدراكها لشدة التصعيد من قبل السعودية والإمارات والبحرين في بداية الأزمة وسعيهم للحصول على تأييد خطواتهم بدلً من تخفيف الأزمة؛ إذ قد ينعكس تدخلها لحل النزاع سلبيًا على مصالحها. وقد يفَّسَّ عدم قيامها بأي زيارات رسمية إلى دول الخليج العربية خلال عام الأزمة الأول)2017(- بعكس نشاطها السابق رفيع المستوى المتمثل بزياراتها في الفترة 2016-2014 21 - على أنه تطبيق عملي لسياستها تلك في بداية الأزمة، حيث التوتر كان على أشده. إن الابتعاد عن زيارة الدول المعنية بالأزمة لم يكن ناتجًا من انعدام الزيارات الهندية رفيعة المستوى للمنطقة بشكل عام، فقد شهد عام 2017 نفسه زيارات مهمة للمسؤولين الهنود إلى دول أخرى؛ مثل زيارة مودي إسرائيل في تموز/ يوليو 2017؛ ليصبح بذلك أول رئيس حكومة هندية يزورها، وكذلك زيارة وزيرة الشؤون الخارجية سوشما سواراج 2019-2014() لإيران في نهاية العام نفسه 22. بعد عام 2017، ودخول الأزمة الخليجية مرحلة الوساطة التي قادتها الكويت، ودعمتها الإدارة الأميركية، حلّ الجمود محل التصعيد الخطير الذي كان مفتوحًا على كل الاحتمالات. فاستمرت بذلك الأزمة لكن من دون توتر شديد يهدد مصالح الدول الخارجية في المنطقة. لذلك، لم تشهد هذه الفترة أيّ تحرك هندي ملحوظ، علني على الأقل، يتعلق بالأزمة. فرغم أن رئيس الوزراء مودي قام بزيارات إلى سلطنة عمان في شباط/ فبراير 2018، حيث وقّع البلدان أثناءها سبع اتفاقيات تعاون ثنائي 23، وإلى الإمارات والبحرين في آب/ أغسطس 2019، حيث أكدت البلدان الثلاثة على تعزيز العلاقات القائمة في الفترة المقبلة 24، وإلى السعودية في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، التي أكد فيها الطرفان على العلاقات الاستراتيجية في المجالات كافة وتأسيس مجلس الشراكة الاستراتيجية 25. لكن لم تشُر البيانات المشتركة الصادرة عن هذه الأطراف إلى الأزمة الخليجية، حتى تحت البند المتعلق بالأمن الإقليمي. لقد استمرت هذه الحالة نحو ثلاث سنوات، حتى حدث الانفراج عبر انعقاد قمة المصالحة الخليجية في مدينة العلُا بالسعودية، في 5 كانون الثاني/ يناير 2021 26، والتي أسفرت عن اتفاق جميع الأطراف على حلّ الأزمة وعودة العلاقات الطبيعية بينها.
جاء موقف الهند مرحّبًا بالمصالحة الخليجية، أم في تعزيز الاستقرار، وكذلك الشراكات مع جميع دول المنطقة. فقد قال المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية الهندية أنوراغ سريفاستافا Srivastava Anurag: "يسررّنا أن نلاحظ التطورات الإيجابية في قمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي اختتمت مؤخرًا في العلُا بالسعودية. نرحب بالمصالحة والتقارب بين دول المنطقة." وأعاد التأكيد على أن "الهند تشترك بعلاقة ممتازة مع جميع دول مجلس التعاون، التي تقع في جوارنا الممتد ونأمل أن تؤدي هذه التطورات المشجعة إلى تعزيز السلام والتقدم والاستقرار في المنطقة." وأضاف: "سنواصل العمل مع دول مجلس التعاون لتعزيز تعاوننا الثنائي. كما نتطلع إلى تعزيز حوارنا المؤسسي وشراكتنا مع دول المجلس" 27.
ثًالث ا: العوامل المؤثرة في سياسة الهند أثناء الأزمة الخليجية
لا شك في أن هناك عوامل أساسية عديدة قد تفرسّ الموقف الرسمي الحذر للهند أثناء الأزمة الخليجية، وسلوكها القائم على الابتعاد عن الخلافات في المنطقة وعن حل النزاع. ويمكن إجمال أهمها بالآتي: أولً، لا يشكل الخليج العربي مجرد مجموعة أو كتلة من الدول القريبة جغرافيًا وتاريخيًا وتجاريًا من الهند فحسب، بل ارتبطت دوله أيضًا بأحد أهم محركات سياسة الهند الخارجية الجديدة؛ أي التنمية الاقتصادية، وما ينجم عنها من تقدمٍ محلي لنيودلهي وصعود
إقليمي ودولي. ففي الفترة 2017-2016، أي عند اندلاع الأزمة الخليجية، بلغت تجارة الهند مع دول الخليج العربية 123 مليار دولار أميركي أو 18 في المئة من إجمالي تجارتها الخارجية. وبلغت وراداتها من دول الخليج 77 مليار دولار أميركي، مثلت الطاقة 56 مليار دولار أميركي منها أو ما يصل إلى 27 في المئة. فمنطقة الخليج إجمالً توفر ما يقرب من 55 في المئة من إجمالي واردات الهند من الطاقة 28، وتتزايد أهميتها في المستقبل نظرًا إلى توقّع زيادة طلب نيودلهي على الطاقة الهيدروكربونية المستوردة إلى نحو 92 في المئة بحلول عام 2030 29. وتستضيف دول الخليج العربية أكثر من.8 5 ملايين من الجالية الهندية يقومون بتحويل نحو 30 مليار دولار أميركي إلى الوطن، وهو يقارب نصف المبلغ الذي تلقته الهند من جالياتها في العالم في تلك السنة 30. من ثمّ، أخذت السياسة الهندية إزاء الأزمة الخليجية في الاعتبار مصالحها الاستراتيجية لدى جانبَي الانقسام. فمن بين أكبر خمسة شركاء تجاريين للهند في العالم، تأتي الإمارات في المرتبة الثالثة، والسعودية في المرتبة الخامسة، وتأتي قطر ضمن أفضل 25 شريكًا تجاريًا، وتحديدًا في المرتبة الرابعة والعشرين 31. بالنسبة إلى الإمارات، تشهد التجارة والاستثمار مع الهند نموًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، فقد بلغت قيمة العلاقات التجارية أكثر من 06 مليار دولار أميركي، تتطلع الهند إلى زيادتها خلال خمس سنوات إلى 100 مليار دولار أميركي. أما الجانب الاستثماري، فتأمل الهند في الحصول على المزيد من الاستثمارات من الإمارات، بعد أن تم تحديد هدف 57 مليار دولار أميركي لصندوق استثمار مشترك في عام 2015 32. وتعبيرًا عن عمق العلاقات الجديدة التي توليها الهند اهتمامًا كبيرًا نظرًا إلى حجمها الكبير وانعكاساتها على الاقتصاد الهندي، فقد دعت رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان -2022()، عندما كان وليًا لعهد أبوظبي كضيف رئيس في احتفالات يوم الجمهورية في كانون الثاني/ يناير 2018 33. أما السعودية، التي أرسى إعلان الرياض عام 2010 الأساس للشراكة الاستراتيجية مع الهند، فقد وقّع البلدان مذكرة تفاهم في الشؤون الدفاعية في شباط/ فبراير 2014، شملت تبادل المعلومات والتعاون في الأمن والإمداد والتدريب والتعليم العسكري 34، كما أسّسا مجلس الشراكة الاستراتيجية، كما بينّا سابقًا، وبلغ التبادل التجاري بينهما في 2017-2016 نحو 25 مليار دولار أميركي 35. أما العلاقات مع قطر، فقد وصل التبادل التجاري إلى 17 مليار دولار أميركي في عام 2018، ويُعد الغاز الطبيعي المسال أهم عنصر في هذه العلاقة التجارية، حيث تستحوذ قطر على 07 في المئة من إمداداته إلى الهند، بموجب اتفاق طويل الأجل حتى عام 2028، لتوريد 57. ملايين طن سنويًا 36. لقد أظهر مسار الأزمة الخليجية أنّ مصالح الهند في التجارة والطاقة مع دول الخليج العربية خارج نطاق التهديد، وأنّ هناك أزمات إقليمية أكبر - مثل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد التوتر بين السعودية وإيران في الخليج واليمن – تمثل تهديدًا أكبر وأوسع لمصالحها. ولو كانت للأزمة تداعيات سلبية على مصالحها، فما من شك في أنّ نهج الهند سيكون أكثر نشاطًا وتدخلً. ثانيًا، تظل انعكاسات أزمة الخليج 1991-1990 حاضرةً لدى الهند عند تقييم موقفها إزاء أي تطورات خطيرة في المنطقة. فقد أدى الغزو العراقي للكويت، والحرب التي تبعته لتحريرها، إلى إجلاء 150 ألف هندي من البلاد 37. كما أدى الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على تصدير النفط من العراق والكويت، والاضطرابات وعدم الاستقرار في المنطقة، إلى تعرّض الهند لنقص كبير في مخزون الطاقة؛ إذ كانت من بين الدول التي تعتمد كثيرًا على الواردات النفطية من الكويت 38. لذا خرجت الهند بموقف محايد ودقيق في عام 2017؛ كي لا تؤثر الأزمة الخليجية في علاقاتها التجارية وإمدادات الطاقة، أو تؤدي إلى إجبارها على إجلاء الآلاف أو الملايين من جاليتها، في حال تفاقم النزاع أو انحيازها إلى أي طرف على حساب الطرف المقابل. إن الخوف من السيناريو المتعلق بطرد هؤلاء أو إجلائهم ثبت أنه لا يلوح في الأفق
أثناء الأزمة الخليجية مع إظهار دول الخليج العربية حرصها على العلاقات الجيدة مع الهند. وبحسب تقرير لمعهد الشرق الأوسط في واشنطن The Washington Institute for Near East Policy، فإنه "لو تعرض المغتربون الهنود لمثل هذا الضغط أو التهديد بالانتقام الجماعي، فإن وزارة الشؤون الخارجية الهندية كانت ستتدخل بلا شك للتوسط في الأزمة وتجنّب هذه التداعيات (التي كانت ستفرض تكاليف باهظة في الهند") 39. لذا، فإن وجود هذا العدد الكبير من المهاجرين الهنود في جميع دول الخليج العربية يؤثر في خيارات الهند وسياساتها تجاه المنطقة، لتكون خطواتها محسوبة ومتوازنة بدقة. ثالثًا، في المناطق التي تقع خارج النطاق الجغرافي المباشر40، يتأثر موقف الهند وتدخلها، إلى حدٍ ما، بموقفَي الصين وباكستان وسلوكهما. بالنسبة إلى الصين، فقد ظل انخراطها الرسمي في الأزمة الخليجية منخفض المستوى. وبطبيعة الحال، بالنظر إلى حياد الصين الطويل الأمد تجاه ما تعتبره "أمورًا داخلية" للدول الأخرى، فلا يُتوقع منها إدخال نفسها في مفاوضات حول حلٍّ متعدد الأطراف للأزمة الخليجية 41. شجع هذا الموقف الهند على سياستها الحذرة وإعلان حيادها؛ فالصين هي المنافس الأكبر للهند في جوارها، وفيما وراء البحار، لا سيما على الطرق التجارية الرئيسة في المحيط الهندي ومنطقة الخليج العربي. أما باكستان، فترتبط بجميع أطراف الأزمة الخليجية بعلاقات تقليدية قوية. لكن مع اندلاع الأزمة، عرضت باكستان مساعيها الحميدة للوساطة من خلال زيارات رفيعة المستوى واتصالات ورسائل حسن نية قامت بها. ومن بين ذلك، استقبال باكستان وزير خارجية قطر ونائب رئيس مجلس الوزراء، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني -2017()، في 18 تموز/ يوليو 2017، حيث عرضت إسلام أباد على الدوحة الوساطة، فقبلت بذلك، لكن السعودية رفضتها، حيث كانت تأمل أن تنضم إليها باكستان بدلً من القيام بالوساطة 42. ويضاف الحضور التركي، الذي برز أثناء الأزمة، إلى التحديات التي يمكن أن تأخذها الهند في الاعتبار، وبخاصة تأسيس القاعدة العسكرية التركية وتعميق العلاقات الاستراتيجية مع قطر. لكن لم ينعكس هذا الأمر سلبيًا على علاقة الهند مع قطر أو تركيا. فمن الملاحظ أن الهند لم تشر مطلقًا إلى هذا الحضور ولم تعلّق على إعلان تأسيس القاعدة التركية. وربما يأتي هذا الموقف في سياق عدم إبدائها أي موقف إزاء القواعد الأجنبية عامة في المنطقة، مع أنه لا يتوقع منها أن يكون موقفها كذلك لو قامت الصين أو باكستان بتأسيس قواعد في هذه المنطقة. رابعًا، اعتماد الهند على الولايات المتحدة في أمن الخليج والطرق البحرية للطاقة؛ إذ تستفيد نيودلهي من نفوذ الولايات المتحدة وقواعدها العسكرية في المنطقة، في توفير مظلة أمنية مجانية لمصالحها الحيوية ضد أخطار التصعيد من جانب إيران، أو بين دول الخليج العربية نفسها. بمعنى أنها قد تعدّ نسبيًا "راكبًا مجانيًا" 43. فنظرًا إلى العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الهند بالولايات المتحدة، كما أسلفنا، تعطي الأخيرة أفضلية للهند للانخراط في شؤون منطقة الشرق الأوسط بعامة، والخليج العربي بخاصة، لموازنة أي نفوذ مستقبلي
محتمل للصين 44، في إطار ما تسمى "الحرب الباردة الجديدة "45. ومن أمثلة ذلك، دعم واشنطن لتعزيز علاقات الهند الاستراتيجية مع إسرائيل، وتقديم إعفاءات لنيودلهي من العقوبات المشددة على إيران 46، وبخاصة بعد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي. ولأن الولايات المتحدة قامت بالدور الأكبر إبان الأزمة الخليجية، وبخاصة دعمها لحل النزاع من خلال وساطة الكويت، فلم تشعر نيودلهي بالحاجة إلى التدخل ما دامت تلك الجهود تصب في مصلحتها، وتوفر عليها التكاليف الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتجنّبها ردة فعل أحد أطراف النزاع في الأزمة الخليجية.
خاتمة
مع أن سياسة الهند إزاء الأزمة الخليجية تبدو ظاهريًا إيجابية من حيث عدم انحيازها لأحد أطراف الأزمة، واعتبارها، عبر بيان وزارة الخارجية، شأنًا داخليًا في ما بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مع حثّ الأطراف على عدم التصعيد، فإن تقييم هذه السياسة يظهر عدم قيامها بدور جوهري يتناسب مع وزنها وتصوّرها لنفسها في ظل سياستها الخارجية النشطة الجديدة، ولا يتناسب كذلك مع حجم مصالحها الكبيرة وعمق روابطها مع دول الخليج العربية. كما توضح مواقف الهند الرسمية وسلوكها السياسي أثناء الأزمة الخليجية أنّ حكومة حزب الشعب الهندي لجأت إلى المبدأ التقليدي في السياسة الخارجية المتمثل في الحياد وعدم الانحياز، والذي كان العلامة المميزة لنهج نهرو وحزب المؤتمر الهندي، وذلك على عكس سياستها الجديدة المرتكزة على "الدبلوماسية الفعّالة"؛ إذ لم تقم بأي نوع من الوساطة أو الجهود الدبلوماسية الملموسة لحل النزاع. ومع ذلك، قامت بدور مهم بتزويد قطر ببعض الاحتياجات الضرورية في بداية الأزمة، وذلك إلى جانب دول أخرى، كما بينّا سابقًا. ويمكن فهم دبلوماسية الهند إزاء الأزمة الخليجية في أن مصالحها، من الطاقة والاستثمارات والتحويلات المالية من دول مجلس التعاون جميعها، لم تتعرض للتهديد والخطر، ولم تكن الأزمة في نطاق جوارها الجغرافي المباشر؛ أي في جنوب آسيا حيث الاستقرار فيها يعدّ أولوية للأمن القومي الهندي. كما لم يختلف موقفَا المنافسيَن الأهم للهند؛ أي الصين وباكستان، عن موقفها تجاه الأزمة، ولم يتقدم دورهما ومصالحهما في المنطقة على دورها ومصالحها، ولذلك ظل عنصر التنافس بعيدًا عن سياسات هذه الدول الثلاث أثناء الأزمة؛ ما جعل الهند مطمئنة إلى خياراتها. وفضلً عن ذلك، آثرت الهند سياسة الانتظار لما تسفر عنه مبادرات ووساطات أطراف إقليمية ودولية أخرى، مع الاستمرار في مراقبة أي تداعيات للأزمة قد تؤثر في مصالحها؛ فساهم انخراط الولايات المتحدة، تحديدًا، وهي حليف رئيس للهند، في سياسة نيودلهي المحايدة وفي عدم مبادرتها في القيام بأي جهود للوساطة وحل النزاع. في الواقع، لم تمثل الأزمة الخليجية بالنسبة إلى الهند خروجًا عن سياستها القياسية الاعتيادية تجاه منطقة الخليج العربي، بل حافظت على هذه السياسة عبر المزاوجة بين مبدأ عدم الانحياز التي ابتدعها حزب المؤتمر الهندي منذ الاستقلال، حتى تجاه الأزمات الإقليمية، وبين مبدأ الفاعلية الدبلوماسية والانخراط النشط في الخارج الذي ابتدعه حزب الشعب الهندي. فهذا المبدأ الأخير جرى التعامل به من جانبه التعاوني فحسب، أي بتعزيز العلاقات القائمة مع دول الخليج العربية عبر الزيارات الرسمية التي يؤطرها توقيع اتفاقيات في المجالات كافة. لكن، بالتأكيد، لم يجرِ التعامل بهذا المبدأ بوصفه سياسةً نشطةً تتطلب حل الخلافات الحادة التي كانت تهدد إحدى أهم المناطق أهمية بالنسبة إلى الهند، لأنه تبين لها في الشهور الأولى من الأزمة أن مصالحها لن تتعرض للتهديد أو الضرر على الأغلب. لذلك، ستظل سياسة الهند إزاء منطقة الخليج في المستقبل
هي نفسها التي كانت قائمة قبل الأزمة الخليجية وأثناءَها 47؛ أي الاهتمام باستمرار المصالح الأساسية الأربع: الطاقة وأمن ممرات نقلها، والتجارة والاستثمارات، والجاليات الهندية وتحويلاتها، وضمان عدم تقدم نفوذ منافسيها.
References المراجع
العربية
قدورة، عماد. "الأهمية الجيوبولتيكية للخليج في استراتيجية الهند." سياسات عربية. العدد 44، مج 8 (أيار/ مايو.)2020 مجلس التعاون لدول الخليج العربية. البيان الختامي الصادر عن المجلس الأعلى في دورته الحادية والأربعين. 2021/1/5، في: https://bit.ly/2PqFpbD
الأجنبية
Abbas, Khurram. "Passive Mediation in Persian Gulf Conflicts: An Analysis of Pakistan's Peace Initiatives." Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies. vol. 13, no. 4 (2019). Agnew, John. Geopolitics: Re-visioning World Politics. 2 nd ed. London/ New York: Routledge, 2003. Antoniades, Alexis, Rafia Al-Jassim & Khalique Gharatkar. "The Blockade Against Qatar: A Blessing in Disguise?" Journal of Arabian Studies. vol. 11, no. 1 (2021). Bharatiya Janata Party (BJP). Election Manifesto 2014. at: https://bit.ly/3BJgA0a Brands, Hal & John Lewis Gaddis. "The New Cold War America, China, and the Echoes of History." Foreign Affairs. (November-December 2021). Chakraborthy. Sumit. "Gulf Qatar Rift: How the Crisis Will Affect India; Here's All You Need to know." Financial Express. 6/6/2017. at: https://bit.ly/3mmqjSz Edens, Rob. "The China Wildcard in the Qatar Crisis." The Diplomat. 9/8/2017. at: https://bit.ly/3jMBCSl Gompert, David & Richard Kugler. "Free-Rider Redux NATO Needs to Project Power (And Europe Can Help)." Foreign Affairs. vol. 74, no. 1 (January- February 1995).
Gupta, Ranjit. "India and the Gulf: Looking beyond Energy, Islam and the Diaspora." Institute of Peace and Conflict Studies. 26/11/2013. at: https://bit.ly/2I19eKx Kapur, Ashok. India – From Regional to World Power. New York/ London: Routledge, 2006. Kumaraswamy, P.R., Md. Muddassir Quamar & Manjari Singh. Persian Gulf 2018: India's Relations with the Region. Singapore: Palgrave Macmillan, 2019. Mason, David. "China's Four Modernizations: Blueprint for Development or Prelude to Turmoil?" Asian Affairs: An American Review. vol. 11, no. 3 (Fall
Mohan, C. Raja. "India and the Balance of Power." Foreign Affairs. vol. 85, no. 4 (July-August 2006). Monhanty, Arun. "A Landmark Indo-Russian Summit." Russia Beyond. 18/12/2008, at: https://bit.ly/3mp4qlD Niblock, Tim & Monica Malik (eds.). Asia-Gulf Economic Relations in the 21 st Century. Berlin: Gerlach Press, 2013. Panda, Ankit. "India and Saudi Arabia Sign Defense Cooperation Pact." The Diplomat. 27/2/2014. at: http://bit.ly/1PpgNV8 Piccone, Ted. Five Rising Democracies and the Fate of the International Liberal Order. Washington, D.C.: Brookings Institution Press, 2016. Siyech, Mohammed Sinan. "India-Qatar Relations: Navigating Turbulent Seas." Middle East Institute. Washington. 9/4/2019. at: https://bit.ly/3BpVuk5 _________. "Understanding India's Neutrality in the Israel Palestine Issue." Al-Sharq Strategic Research. 29/7/2021. at: https://bit.ly/3bjPGy0 Sonal, Shruti. "Qatar crisis: Why India Failed to Move Beyond Short-term Concerns." Observer Research Foundation. 24/4/2018. at: https://bit.ly/3EnWerN The White House. "National Security Strategy of the United States of America." (December 2017). at: https://bit.ly/2CzLLd7 Verleger, Philip K. "Understanding the 1990 Oil Crisis." The Energy Journal. vol. 11, no. 4 (1990). World Bank. National Accounts Data. "GDP (Current US$) – India." 2020. at: https://bit.ly/3pSRDdm