الانتقائيُّ التحليليُّ والنظريات الكبرى:
الملخّص
هذا تعقيبٌ على دراسة سيد أحمد قوجيلي، المنشورة في هذا العدد، عن نقد الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية. وإذ يحاول التعقيبُ الاشتباك مع أبرز الأطروحات الواردة في الدراسة، فإنه يسعى لفتح نقاش معمّ ق ليس في مزايا الانتقائية التحليلية أو حدودها في حقل العلاقات الدولية، فهذه مسألة بُحثت في الأدبيات الآخذة في النمو حديث ا، بل في فهم الانتقائية التحليلية في حد ذاتها؛ أي ما تعنيه، وما تفعله، وما نفعله بها نحن الطلابَ والباحثين في السياسة الدولية؟ وما موقفها من فكرة النظرية الكبرى، ثم علاقتها بنظريات العلاقات الدولية، سواء أصنفت كبرى أم غير ذلك؟ كلمات مفتاحية: الانتقائية التحليلية، نظريات العلاقات الدولية، النظرية الكبرى، البردايمات، التقاليد البحثية. This is a reply to Sid Ahmed Goudjili's article, appearing in this issue, on the critique of analytical eclecticism in IR. The reply attempts to engage with the main, but not all, ideas in the article, it seeks to open an in-depth debate not about the merits or limits of analytical eclecticism in International Relations discipline, which have been widely addressed in the recently growing literature, but rather about understanding analytical eclecticism itself, what it means, what it does, what we as IR students and scholars do with, its position on the idea of the grand theory, and how it relates to International Relations theories. Keywords: Analytical Eclecticism, International Relations Theories, Grand Theory, Paradigms, Research Traditions.
زهَّارٌ أم نحلة؟ "مِن كل بستانٍ زهرة " أم "شرابٌ مختلف ألوانُه فيه شفاءٌ للناس"؟ * *
What Analytical Eclecticists do with Grand Theories:
Collectors or Selectors?
مقدمة
لَشدَّ ما سررتُ وأنا أطالع هذه الدراسة عن نقد الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية1. ولا يقتصر مصدر سروري على موضوع الدراسة فحسب، وإن كان المزيد من تقديمه إلى الجماعة المعرفية العربية في حد ذاته لا يخلو من قيمة ولا ينبغي أن يمر من دون تثمين، بل إنني سررت أيضًا بالنقاش الذي أثارته دراستي عن الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية، الصادرة في دورية سياسات عربية، قبل زهاء خمس سنوات2. اطلعتُ حديثًا على دراسة أعدها باسل صلوخ ومي درويش عن "تدريس العلاقات الدولية في العالم العربي"، ستُنشر قريبًا في الدورية نفسها3؛ وقد صنف الباحثان الانتقائيةَ التحليليةَ نمطًا من بين ثلاثة أنماط لتدريس حقل العلاقات الدولية في العالم العربي. وإن وشى ذلك بشيء، فإنما يشي بأن محاولات جلب الانتقائية التحليلية إلى طاولة النقاش في حقل العلاقات الدولية العربي، مفهومًا وممارسةً، قد بدأت تؤتي أ كُلها. ودراسة قوجيلي هذه، بلا شك، من ذاك الأ كُل. وحين طلب مني الزملاء، في هيئة تحرير سياسات عربية وقوجيلي نفسُه، كتابة تعقيب على هذه الدراسة، انتابني الحماس لإحياء فكرة هذا الركن من الدورية، الذي سُمّي "سج لً "، لأهميته في التأسيس لتقليدٍ يسمح للباحثين بتبادلٍ لوجهات النظر، قائمٍ على النقد (والنقد الذاتي) المتبادل بُغية مراكمة معرفةٍ نقدية في حقَلَ علم السياسة والعلاقات الدولية العربييَن؛ لكنني وأنا أطالع مقدمة الدراسة، ألفيتها قد استبقتْ "أيّ سوء فهم محتمل" لأطروحتها وأهدافها، وأفصحت من البداية عن اتفاقها "مع وجهات النظر التي ترى أنّ 'الانتقائية التحليلية تبشّ بالخير في حقل العلاقات الدولية'، وهي تمثّل، من دون أدنى شك، العمل النظري الأكثر إبداعًا في الحقل خلال العشرة أعوام الأخيرة." أبعد من ذلك، تشجع الدراسة "طلاب العلاقات الدولية، خاصّة في العالم العربي، على إعطاء المزيد من الاهتمام لنظريات المدى المتوسّط وتصاميم البحوث الانتقائية" (ص. 105-106)4. وإذ يؤكد قوجيلي، في المقدمة أيضًا، أننا "نعرف منذ عقود عيوب النظرية الكبرى وحدودها"، وأن "العديد من الباحثين المشتغلين في هذا النوع من التنظير واعون بها"؛ فإنه يسعى لإرسال "رسالة رئيسة[...]إلى المشتغلين بالحقل هي التحذير من استبدال دوغما كلاسيكية بدوغما جديدة"؛ وتحديدًا، "التحذيرُ من عواقب انتشار تفاؤل طوباوي جديد في الحقل، يروّج له أنصار الانتقائية التحليلية"، ويجادل "بأنّ المقاربة لا يمكنها الوفاء بوعودها من دون معالجة العديد من مشكلاتها النظرية" (ص. 106) عند هذا المستوى، يبدو أن الحجاج المتبادل بين الدراسة وهذا التعقيب لن يكون سوى "حوار" Dialogue على أكثر تقدير، بدلً من أن يكون "نقاشًا" Debate أو "سج لً " كما فضّ ل الزملاء في سياسات عربية تسميته: أولً، لأن الانتقائية التحليلية مشروع حديث العهد، وقيد التطوير، وهذا ربما ما يبرر وصف قوجيلي لها بالتيار "الواعد" في نظرية العلاقات الدولية (ص 101 - الملخص.) ولأنها مشروع حديث العهد، فهي بلا شك لا تخلو من "حدود" و"تحديات" و"مشكلات" تطرأ هنا وهناك. تلك طبيعة الأشياء. ولا أعتقد أن ثمة من مؤسسيها أو مطوريها أو مؤيديها من يزعم خلاف ذلك. ثانيًا، في دراستي عن الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية، اكتفيتُ باستعراض الوعود، ولم أناقش الحدود؛ لا إنكارًا لوجودها، لكن الدراسة كانت جزءًا من مشروع أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه عن النقاش الخامس ونظرية التعقد في العلاقات الدولية. وقد كنتُ متحمسًا حينها لأبرز كيف يمكن أن يساهم إقحام فلسفة التعقد في حل إشكالياتٍ نظريةٍ ثلاثٍ تواجه التقدم المعرفي في الحقل، إحداها إشكالية النظرية الكبرى. مع ذلك، فحدود الانتقائية التحليلية طَرقها وتصدى لها مؤيدوها قبل مناوئيها. ويكفي التنويه بأن رودرا سيل وبيتر كاتزنشتاين (اللذَين عَدَّهما قوجيلي رائدَين للانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية)، في كتابهما بعيدًا عن البردايمات: الانتقائية التحليلية في دراسة السياسة العالمية، كرسَا جزءه الأخير لمناقشة بعض مخاطرها ووعودها5؛ حتى إنهما لم يسمياها حدودًا، بل مخاطر. ثم ينتقل قوجيلي ليؤكد أن دراسته "لا تسعى[...]للدفاع عن النظرية الكبرى"، و"لا مناص من الاعتراف بأنّ هذه النظرية تواجه منذ ظهورها في الحقل مشكلات وانتقادات مستديمة، لكن ذلك لا يعني موتها أو أفولها" (ص. 106) وبناء عليه، فهو يشتبك مع ما سماه "سرديات الأفول" الجديدة، باستخدام التنظير العميق، بغرض "إثبات أنّ النظرية الكبرى لا تزال ضرورية لحقل العلاقات الدولية، ولا يمكن الاستغناء عنها." ومن ثمّ، يحاول "إثبات ثلاثة أشياء: أوّلها، أنّ انحسار النظرية الكبرى لا يعني بالضرورة أفولها؛ ثانيها، أنّ الادّعاءات بشأن النظرية الكبرى مبنية على فهم خاطئ لماهية النظرية الكبرى ووظيفتها؛ ثالثها،
أنّ التنظير متوسّط المدى، على الرغم من أهمّيته، فإنه لا يمكن أن يكون بديلً من النظرية الكبرى" (ص. 106) أحاول فيما تبقى من هذا التعقيب المقتضب الاشتباكَ مع الأطروحات الرئيسة في الدراسة، منطلقًا من مسلمتيَن أستقيهما من دراسة قوجيلي نفسها، بل من عنوانها: الأولى مفادها أن النظريات الكبرى (أستعمل صيغة الجمع وأبرر ذلك لاحقًا) تشهد انحسارًا، وأن انحسارها لا يعني أفولها، بل إنني أذهب أبعد مما ذهب إليه، قائلً إن انحسار النظريات الكبرى ينبغي أَّلَّ يعني أفولها بأي حال من الأحوال. أما الثانية، ففحواها أن الانتقائية التحليلية في حاجة إلى مزيد من النقد والتأمل الذاتي، من مناوئيها فضلً عن مؤيديها؛ لكن ذلك لا ينفي أهميتها وتزايد الاهتمام بها6، بل إن نقدها قبل تثمينها، وتغليطها قبل تصويبها، ينبغي أن يشكل جزءًا من هذا الاهتمام المتزايد بها.
أولا: نظرية كبرى أم نظريات كبرى؟ وما النظرية الكبرى التي يعنيها أنصار الانتقائية التحليلية؟
إننا حين نستخدم مصطلح "النظرية الكبرى" في حقل العلاقات الدولية، لا نحيل إلى نظرية كبرى واحدة، بصيغة المفرد، بل إلى نظريات كبرى عديدة. وهذا تحديدًا ما يشير إليه قوجيلي حين يستخدم عبارةً مثل "النظريات الكبرى التي تمثّلها البردايمات الواقعية والليبرالية والبنائية" (ص. 103)؛ بل إنه لاحقًا سيبدو أوضح حين يوسع لائحة ما يعده نظريات كبرى، لتشمل كًّلًّ من "الواقعية، والوظيفية، والنيوليبرالية، والنيوماركسية، والنظام الرأسمالي العالمي، وانتقال القوة، والبنائية الاجتماعية، والنظرية الإنكليزية7، وما بعد الكولونيالية، ونظرية الخيار العقلاني" (ص 114 - الجدول.) لا يهمنا، هنا، فتح سجال بشأن معيار تصنيف النظرية نظريةً كبرى أو نظريةً غير كبرى، وهو سجالٌ لن يفضي إلى نتيجة ذات مغزى، حاله حال السجال التقليدي بشأن المعيار الذي على أساسه يُصنف نقاشٌ نظريٌّ ما في فئة النقاشات الكبرى Debates Great، في حين تستثنى منها أخرى. لكن اللافت للانتباه، في مقاربة قوجيلي لمفهوم النظرية الكبرى، بل المدهش إذا حق لي أن أصفه كذلك، هو تعريفه لها، القائل إن "النظرية الكبرى هي النظرية التي تفرسّ الكثير من القوانين، وليس الكثير من الظواهر" (ص)8 113؛ وحجته في ذلك أن النظرية ينبغي أن تُعرَّف بطريقة بنائها لا بمجال الظواهر التي تدرسها. وتلك، في رأيي، حجة قوية للدفع بتعريف النظرية، لا بتعريف النظرية الكبرى. لكن انشغالي هنا منطقيٌّ بحت: إذا كان "مجال الظواهر التي تتناولها النظرية لا يحدِّد إذا ما كانت نظريةً كبرى أم متوسّطة، و[أنَّ] ما يجعل النظرية كبرى أو متوسّطةً هو طريقة بنائها" (ص)، وإذا كانت النظرية الكبرى هي "التي تفرسّ الكثير 113 من الكثير من الظواهر" (ص القوانين، وليس)11310، فكيف يمكننا قياس الكثرة هنا؟ بعبارة أخرى، ما العتبة؟ ما عدد القوانين التي ينبغي أن تفسررها النظرية كي نَعُدها نظرية كبرى، وما دونه لا نَعُدها كذلك؟ ولكي يثبت أن أنصار الانتقائية التحليلية المناوئين للنظرية الكبرى لا يفهمونها، يأتي على القول إنهم يعرّفون النظرية الكبرى "بأنّها
النظرية التي تسعى لتفسير كلّ شيء"، ثم يسميه التعريف "المُضلّل"، "الذي تدحضه الممارسة البحثية في الحقل" (ص. 114) وإنه لَتعريفٌ "مضلل" بحق، لكن الأشد تضليلً فيه نسبتُه إلى أنصار الانتقائية التحليلية. لا أزعم أنني طالعتُ كل ما كتبه هؤلاء عن تعريفهم للنظرية الكبرى، هذا إن كان جلهم قد تكبد عناء ذلك11؛ لكننا حين نتصفح الأدبيات السائدة، التي استند إليها قوجيلي أو استندتُ إليها في دراستي، خاصة تلك التي نشرها سيل وكاتزنشتاين، نكاد لا نعثر على تعريفٍ واحدٍ يمكن تأويله على هذا النحو. بل إن اهتمامهم انصبّ على النظرية المتوسطة المدى أكثر مما انصب على النظرية الكبرى، وهذا أمرٌ مفهومٌ ما دام أن التنظير المتوسط المدى هو غايتهم النهائية. لدي حدسٌ، قد يبدو ساذجًا، أود مشاركته، يقول إن مصطلحات النظرية الكبرى Theory Grand، والنظرية المتوسطة المدى Theory Middle-range، وحتى النظرية العامة General Theory، ونظرية كل شيء Everything Theory، لم تَعُد في الآونة الأخيرة بذلك القدر من التداخل المُفضي إلى الالتباس المفهومي الذي يدفع أنصار الانتقائية التحليلية للوقوف عنده، خاصة أن مصطلح النظرية الكبرى، تحديدًا، ينسب بمجرد الإتيان على ذكره إلى رايت ميلز ومصطلح النظرية المتوسطة المدى إلى روبرت ميرتون. وهذا ما يشير إليه قوجيلي في دراسته. في مستهل المقدمة، يكتب قوجيلي قائلً: "ذكر عالم الاجتماع رايت ميلز منذ ستّة عقود خلت أربع طرائق أساسية استُقبلت بها 'النظرية الكبرى' في العلوم الاجتماعية: أوّلها الترحيب من مؤيّديها الذين يفهمونها؛ وثانيها الشك من معارضيها الذين يفهمونها؛ وثالثها الافتتان من مؤيّديها الذين لا يفهمونها؛ ورابعها المناوأة من معارضيها الذين لا يفهمونها" (ص. 102) لم يكن ذلك اقتباسًا حرفيًا لما قاله ميلز. لكنني أجد بعض الإفادة في الإعادة، إعادة قراءة ما كتبه ميلز: "إن فهمها [أي النظرية الكبرى] ليس يسيرًا؛ بل ثمة شك بأنها قد لا تكون واضحة كفاية لتُفهم بالكلية. وهذه، من دون شك، ميزة وقائية تحميها، لكنها تعيبها بسبب تركيبها الذي صُمم بغرض التأثير في العادات التي درج عليها الباحثون في العلوم الاجتماعية. لذلك علينا أن نعترف من باب الإقرار بالحقيقة، لا الفكاهة، بأن هؤلاء استقبلوا ما أنتجته بطريقة أو أكثر من الطرائق التالية: بالنسبة إلى بعض من يحبونها ويدعون فهمها، هي أحد أعظم التطورات في تاريخ العلوم الاجتماعية برمته. بالنسبة إلى كثير ممن يدعون فهمها، لكنهم لا يحبونها، هي تأمل طائش لا صلة له بأي شيء (وهؤلاء قلة نادرة، فقط لأن الكراهة وقلة الصبر يحولان بينهم وبين إمعان التفكير وحل ألغازها.) أما بالنسبة إلى أولئك الذين لا يزعمون فهمها، لكنهم يحبونها بشدة – وكثيرٌ ما هم، هي متاهة مثيرة للعجب، والعجب فيها متأتٍ تحديدًا من افتقارها اللافت إلى الوضوح في كثير من الأحيان. أما أولئك الذين لا يدعون فهمها، ولا تروق لهم بأي حال – في حال تحلّوا بشجاعة الإفصاح عن قناعاتهم، فسيرونها حقًا على نحو الإمبراطور مجردًا من ثيابه12. وثمة، بطبيعة الحال، الكثيرون ممن يكيفون وجهات نظرهم، وثمة آخرون كُْثْ يفضلون البقاء محايدين بصبر وأناة، منظرين النتيجة المهنية النهائية، إن وجدت. والفكرة التي قد تكون مروعة هي أن الكثيرين من المشتغلين في العلوم الاجتماعية لا يدرون عنها شيئًا، اللهم إلا القيل والقال"13. قد لا يكون أنصار الانتقائية التحليلية على قلب رجل واحد. لكن ما يجمعهم، أو على الأقل جلهم، هو عدم التعرض لتعريف النظرية الكبرى، لا لأنهم "لا يفهمونها"، وهي التي يسود الشك "بأنها قد لا تكون واضحة كفاية لتُفهم بالكلية" بإقرار ميلز نفسه، بل لأنهم يسلّمون بتعريف الأخير، صاحب المصطلح والمفهوم معًا، ولا يجعلون منه موضوعًا للجدل. وحتى لما يتعلق الأمر بالنظرية متوسطة المدى، فهم يتبنون أيضًا تعريف ميرتون من دون إخضاعه للكثير من الفحص. واللافت للانتباه أن سيل وكاتزنشتاين، في كتابهما المؤسِّس، لم يأتيا على ذكر "النظرية الكبرى" سوى مرة واحدة14، لا بغرض تعريفها، لكن في معرض مناقشته المقاربةَ الانتقائيةَ التي اعتمدها تي. في. بول في كتابه عن عدم استخدام الأسلحة النووية15.
وحتى في كتاب ميلز، قد لا نجد تعريفًا على طراز "س: ما النظرية الكبرى؟ ج: النظرية الكبرى هي كذا وكذا"؛ إنما هي، من وجهة نظري، وسم Label لاتجاهٍ سائدٍ آنذاك16 في إنتاج المعرفة الاجتماعية، خاصة في علم الاجتماع الأميركي؛ والموسومُ بها تحديدًا هو نظرية النظم التي انبثقت من أعمال تالكوت بارسونز. يقول ميلز إنه اتجاه "نحو نظرية نظمية عن 'طبيعة الإنسان والمجتمع'[...]فعلم الاجتماع [ضمن هذا الاتجاه] يتعامل بمفاهيمَ القصدُ منها أن تكون مفيدة في تصنيف كافة العلاقات الاجتماعية وتقديم رؤية عن ميزاتها التي يُفترض أنها ثابتة. باختصار، إنها تعنى بنظرة ثابتة ومجردة لمكونات البنية الاجتماعية على مستوى عالٍ جدًا من العمومية.[...]ويمكن [هنا] التخلي عن التاريخ تمامًا: فتصير النظرية النظمية عن طبيعة الإنسان والمجتمع، وبكل سهولة، [نظريةً] صورية مستفيضة وجافة، حيث يصير تفتيت المفاهيم وإعادة ترتيبها على نحو لا نهاية له هو المسعى المركزي. فعلً، لقد غدت التصورات17 Conceptions، لدى من أسميهم منظري النظري الكبرى، مفاهيم Concepts. وإن أعمال تالكوت بارسونز لَهي المثال المعاصر الرائد في علم الاجتماع الأميركي"18. لقد كان ميلز معاديًا، بالمعنى الحرفي للفظ19، لهذا النوع من التنظير، الذي "يقدم الاهتمام بالتنظيم الشكلي [أو الصوري] للمفاهيم على الاهتمام بفهم العالم الاجتماعي"20، على حد تعبير بروان؛ فضلً عن تنكره للبعد التاريخي؛ ومحاولته "بناء نظرية كبرى أو قانون عام، القصد منها أن تكون قادرة على الارتحال لا عبر السياقات المكانية - الزمانية فحسب، بل أيضًا عبر مجموعة واسعة من المشكلات الجوهرية"21، على حد تعبير سيل وكاتزنشتاين. لنفكرْ، برهةً، في افتراض الواقعيين أن سلوك القوى المُراجعة Revisionist ثابت عبر الزمان والمكان؛ ما يعني أن صعود الصين المعاصرة لن يختلف عن صعود أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد، أو صعود ألمانيا في بداية القرن العشرين22. إذا كان لا بد من تصنيف الانتقائيين التحليليين ضمن واحدة من الطرائق الأربع زائدًا واحدة 1+4()، التي ذكرها ميلز، فأحاجّ بأن جلهم إنما تلقوا النظرية الكبرى بالطريقة الخامسة، أي إنهم يقعون ضمن فئة "من يكيفون وجهات نظرهم." أما المناوأة، بتعبير قوجيلي، فهي موقف نقدي23. وِلِستعملَ المنطقَ نفسه الذي استندت إليه دراسة قوجيلي، يستهدف موقفُ الانتقائيين التحليليين "طريقة بناء النظرية الكبرى"، فلا هي لا تعجبهم، ولا هم مناوئون لها هي في حد ذاتها. لإزالة سوء الفهم هذا، أيْ سوء فهم فهم أنصار الانتقائية التحليلية للنظرية الكبرى24، أقترح العودة إلى أدبياتهم نفسها. لكن، قبل ذلك، لا ضير بخطوة أولى على ما أعده طريقًا مختصرةً لفهم النظرية الكبرى قبل العودة إلى تلك الأدبيات. لِننظرْ في موقع النظرية الكبرى ضمن هرم التنظير في المعرفة الاجتماعية ككل. في المستوى الأول عند قمة الهرم، لدينا النظرية الكبرى بمعنى نظرية العلوم الاجتماعية التي تفسرر طبيعة الانسان والمجتمع (وسلوكه بالنتيجة)؛ وتلك هي التي هاجمها ميلز؛ إذ أشار صراحةً إلى ذلك قائلً: "أيًّا كان العمل الحقيقي الذي يجري إنجازه في تخصصات مثل علم السياسة والاقتصاد والتاريخ والأنثروبولوجيا، فمن الواضح أن ما يُعرف بعلم الاجتماع في الولايات المتحدة قد بات اليوم مركز التفكير حول العلوم الاجتماعية"25. فالاتجاه نحو بناء نظرية كبرى في علم الاجتماع، آنذاك، مثَّل بالنسبة إليه اتجاهًا نحو بناء نظرية كبرى في العلوم الاجتماعية بالكلية. ثم نجد، في المستوى الثاني، النظرية الكبرى في علم معين من العلوم الاجتماعية، مثل النظرية الكبرى في علم الاجتماع أو في علم السياسة أو في "علم" العلاقات الدولية. ثم لاحقًا، قد نجد نظرية يدعي أنصارها أنها نظرية كبرى ضمن بردايم معين من بين البردايمات المتنافسة في علم اجتماعي معين.
في المستوى الثالث هنا، أستعمل "قد" التي تفيد التقليل: أولً، لأن مزاعم النظرية الكبرى لا توجد بالضرورة في كل بردايم من تلك البردايمات المتنافسة (في حقل العلاقات الدولية مثلً، لا يزعم الليبراليون المؤسساتيون ذلك ضمن البردايم الليبرالي، لكن الواقعيين البنيويين ضمن البردايم الواقعي يفعلون)؛ وثانيًا، لأن وجود بردايمات عديدة متنافسة ليس بالضرورة خاصية ملازمة لكل العلوم الاجتماعية، هذا إن كانت كلها تتبنى مفهوم البردايم في تقسيم العمل النظري الذي تقوم به26. أما إذا عُدنا إلى المستوى الثاني، فأدبيات الحقل لا تخلو من عناوين مثل "نظرية السياسة الدولية" (كينيث والتز)27، و"النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية" (ألكسندر ونت)28، و"نظريةٌ ثقافيةٌ للسياسة الدولية" (ريتشارد ناد ليبو)29، و"نظرية ليبرالية للسياسة الدولية" (أندرو مورافتشيك)30. في دراستي، استخدمتُ مصطلح الخطاب، "خطاب النظرية الكبرى"، في معناه الأوسع بوصفه نظامًا اجتماعيًا من التواصل والتداول بين فاعلين ينتجونه وآخرين يستهلكونه، أو بوصفه فضاءً لإنتاج المعنى، أو بوصفه صنوًا للسلطة (لا سلطة من دون خطاب خاص بها، وما من خطاب مهيمن بلا سلطة تنجبه/ تتبناه وترعاه.) يبدو لي أَّلَّ طائل من اجترار النقاش بشأن الارتباط بين خطاب النظرية الكبرى والسلطة في حقل العلاقات الدولية، والواقعية نموذجٌ استُنفد فحصًا31. أما ما تعلق بخطاب النظرية الكبرى بوصفه نظامًا من التواصل والتداول، وفضاءً لإنتاج المعنى، فأحاجّ بأن الكيفية التي يجري بها التواصل بين منتجي الخطاب ومستهلكيه (خاصة الطلاب والباحثين الناشئين) بشأن مكانة النظرية في الحقل المعرفي، والكيفية التي يجري بها تداول أطروحاتها بينهم، قد تسبغها صورةً، ذاتية و بينذاتية، بوصفها نظريةً كبرى، إن لم تكن النظريةَ الكبرى في الحقل المعرفي برمته. في سنة 1961، كتب آرثر لي بيرنز قائلً: "سأكتب كما لو كانت نظرية سياسة القوة المرشح الوحيد الممكن لأن تكون نظرية العلاقات الدولية"32. ليست العبرة بما قاله والتز أو ونت أو ليبو عن نظرياتهم33، كما يجري الاحتجاج به، بل بالطرائق التي تتلقى بها الجماعة المعرفية تلك النظريات، خاصة مطوريها ومؤيديها، وبالطرائق التي يجري بها تدريسها للطلاب وتقديمها للباحثين الناشئين. ينبغي أن نمعن التأمل فيما قاله دايفيد لايك قبل زهاء عشرة أعوام: "لو كانت النظرية الكبرى مَلِكًا، لكانت طاغيةً "[...]34. إن وضع الحقل المعرفي في ظل هيمنةِ نظريةٍ معينةٍ تحيل إلى نفسها على أنها النظرية الكبرى لن يختلف كثيرًا عن وضع مملكةٍ ترزح تحت حكم ملكٍ طاغية لسان حاله "أنا الحقل المعرفي والحقل المعرفي أنا"، تمامًا مثلما كان لسان حال لويس الرابع عشر "أنا الدولة والدولة أنا." ولا مبالغة في الأمر، فالطريقة التي وظف بها الواقعيون، مثلً، مفهوم توماس كُون الصارم للبردايم لم يعنِ شيئًا سوى ذلك، مع أنهم يدركون أن المفهوم لم يُصمم أصلً لأجل العلوم الاجتماعية. لا يسمح المقام بمقال موسع في النظرية الكبرى بوصفها خطابًا تنتج منه آثار مادية بحسب ميشال فوكو، وسأكتفي باستشهادين وتساؤلات ضمنية. أما الاستشهاد الأول فهو عن روبرت كيوهان، الذي أنكر على المقاربات التأملية صفة البرنامج البحثي في العلاقات الدولية، بحجة أن أصحابها "يفتقرون إلى برنامج بحثي واضح، وما داموا غير قادرين على وضع برنامج مماثل، فإنهم سيظلون على هامش الحقل"، أي ما داموا غير قادرين على وضع "نظريات قابلة للاختبار" (على طراز الواقعية والليبرالية مثلً؟)، والتي بدونها سيكون من غير الممكن تقييم برنامجهم البحثي (من يضع معايير التقييم؟.) وأما الاستشهاد الثاني فهو عن ستيفن والت، الذي وسم المقاربات التأملية بالأقلية "المنشقة" التي لا تتقن سوى النقد، والعاجزة عن تقديم بديل "إيجابي" للتيار السائد (ما التيار السائد؟ الواقعية
والليبرالية والنسخة غير التأملية من البنائية؟.) إن لم يكن كل ذلك خطابًا، فما قد يكون؟ وأمَّا آثاره المادية فهي بادية للعيان في مجاليَن على الأقل، أعدهما مجاليَن اجتماعييَن لبناء خطاب النظرية الكبرى: النشر والتدريس35. أعود الآن لأحاول إزالة سوء الفهم عن فهم أنصار الانتقائية التحليلية للنظرية الكبرى. وكما أشرت آنفًا، أقترح العودة إلى أدبياتهم نفسها. إذا كنا سنضع الانتقائية التحليلية مقابلً، لا بديلً، من النظريات الكبرى في حقل العلاقات الدولية؛ فالنظريات الكبرى بهذا المعنى هي التي تقدم نفسها بوصفها بردايمات إذا استعملنا مصطلحات توماس كون، أو برامج بحثية إذا استعملنا مصطلحات إمري لاكاتوش، أو تقاليد بحثية إذا استعملنا مصطلحات لاري لودان. وفي الحالات الثلاث، النظرية الكبرى، سواء سميناها بردايما أو برنامجًا بحثيًا أو تقليدًا بحثيًا، هي عائلة من النظريات36 التي تقتسم إبستيمولوجيَا وأنطولوجيَا مشتركتْي37. يجدر التشديد على مفهوم التقليد البحثي مثلما فعل سيل وكاتزنشتاين38؛ يسميه أيضًا نود إريك يورغنسن تقليدًا نظريًا، لكن نعته بحثيًا أو نظريًا ليس مهمً على أية حال. ما يهم هو تعدديتُه الداخلية (عدة نظريات أو مقاربات نظرية تقتسم الالتزامات الإبستيمولوجية والأنطولوجية نفسها وتتعايش بعضها مع بعض)، وعراقتُه (تراثٌ من الإسهامات قد يكون موغلً في القِدم)، ومن هنا تأتي تسميته تقليدًا39. ومن الواضح أن هذا ينطبق على جل النماذج التي أوردها قوجيلي في لائحته (قد نستثني ما بعد الكولونيالية لافتقارها إلى بُعد العراقة، التي عادة ما تقاس بمئات الأعوام لا بالعشرات منها.) والواقع، في رأيي، أننا كلما كنا أشد صرامة، خاصة في معيار عراقة التفكير في العلاقات بين الكيانات السياسية Polities قبل ظهور الدولة - الأمة، صارت اللائحة أقصر فأقصر، وقد لا نجد في النهاية سوى الواقعية التي تطورت، بحسب ما هو معروف لدينا، على مدار ما يناهز خمسة وعشرين قرنًا. هذا ما يسوغ تركيز سيل وكاتزنشتاين على البردايمات الواقعية والليبرالية والبنائية؛ لكن ثمة المزيد مما يسوغه، خلاف ما يومئ إليه قوجيلي، حين يؤكد مرارًا أن سيل وكاتزنشتاين يحصران البردايمات في الواقعية والليبرالية والبنائية دون غيرها من نظريات العلاقات الدولية، مستشهدًا بالأوراق التي نشرتها دورية كندا لتحليل السياسات العالمية لمناقشة كتابهما، لكنه يتجاهل التعقيب الذي كتبه سيل في نهاية النقاش. اللافت للانتباه أن قوجيلي يستشهد بالاقتباسات نفسها التي أتى عليها سيل وعقّب عليها، لكنه يغفل التعقيب (مع أنه يظهر في قائمة مراجع الدراسة)40. إذًا، النظريات الكبرى هي بمنزلة البردايمات أو التقاليد البحثية؛ وبالنتيجة فإن الانتقائية التحليلية، التي تدعو إلى انشغال أكثر بالنظريات متوسطة المدى وأقل بالنظريات الكبرى، لا تسعى للتحول إلى بردايم، وهو ما ينكره عليها قوجيلي باستخدام التعريف بالنقيض (ص. 106) وقد كان سيل وكاتزنشتاين واضحْيْ تمامًا حين قالا إن "تنوع الممارسات الأكاديمية الانتقائية لَهُو أقوى دفاع ضد أي محاولة مستقبلً لتحويل الانتقائية التحليلية إلى بردايم آخر." ثم أضافا: "سيكون ذلك مثيرًا للسخرية بحق"!41. وفي الوقت نفسه، هي لا تسعى لاستبدال
البردايمات، ومن ثم فهي لا تسعى لاستبدال النظريات الكبرى؛ إذ يشددان على القول إنها "تعتمد إلى حد بعيد على العمل النظري والإمبريقي الذي يجرى إنتاجه ضمن البردايمات والتقاليد البحثية. إن الانتقائية التحليلية لا تسعى لاستبدالها. وليس هدفها التوليف بين البردايمات، أو استيعابها، أو استبدالها"42. وسأنتقل الآن إلى هذه المسألة.
ثانيًا: ما الانتقائية التحليلية؟ وما علاقتها بالنظريات الكبرى؟
ثمة اتجاه شائع في حقل العلاقات الدولية، وفي غيره، يجرنا دومًا إلى الانخراط في الجدال بشأن الوسوم بدلً من الفهوم (بمعنى الجدال لا النقاش:) أتلك نظرية أم مقاربة نظرية؟ بردايم أم برنامج بحثي؟ منهج أم أداة للتحليل؟ أهذا أم ذاك؟ وضمن هذا الاتجاه، جاءت أسئلة قوجيلي عن هوية الانتقائية التحليلية، أي ماهيتها، والتي "أوّل مشكلة تواجهها الانتقائية التحليلية:" "أهي نظرية أم مقاربة بحثية أم تقنية منهجية أم بيان؟" (ص. 106) ثم، بعد الإشارة إلى تعليق فريد تشيرنوف على أن مقاربة سيل وكاتزنشتاين لمفهومَي البردايم والتقليد البحثي يؤدي إلى أحد أشكال "بردايمات التقاليد البحثية"، يقول إنهما – أي سيل وكاتزنشتاين – يستخدمان، بدلً من البردايم والتقليد البحثي، "مصطلح 'المقاربة' أحيانًا، ومصطلح 'النموذج' أحيانًا أخرى. وساهم هذا الارتباك الواضح في تحديد هوية الانتقائية التحليلية، بدوره، في إرباك الباحثين المتحمّسين لها؛ فعلى سبيل المثال، يصفها حمشي باعتبارها 'إطارًا نظريًا' أحيانًا، و'موقفًا إبستيمولوجيًا ومنهجيًا' أحيانًا أخرى، ويصفها لايك ب 'نظرية' تارة، و'مقاربة' و'نموذج' تارة أخرى" (ص. 106-107) لِنعدْ إلى سيل وكاتزنشتاين مرة أخرى، الانتقائية التحليلية، وفقًا لهما، هي أي مقاربة تسعى لاستخراج العناصر التحليلية – المفاهيم والمنطق والآليات والتفسيرات – الخاصة بالنظريات أو السررديات التي جرى تطويرها ضمن بردايمات منفصلة، ونقلها ودمجها بصورة انتقائية، لكن على أن تتناول الجوانب ذات الصلة بمشكلات جوهرية لها أهمية علمية وعملية43. هذا تعريفٌ جليٌّ يقول إنها مقاربةٌ – "أيُّ مقاربةٍ" – لها خصائصُ محددةٌ في التعريف. وإن كان بعضنا يترجم Approach إلى اللغة العربية بالنهج والطريقة، وحتى المنهج، فلا بأس. أما "الارتباك الواضح في تحديد هوية الانتقائية التحليلية" لدى سيل وكاتزنشتاين، فلا أعتقد أنه على هذا القدر من الوضوح الذي يشير إليه قوجيلي، فهما يعدّانها "مقاربة"، ولا أجد أين قدمَّاها "نموذجًا"، على غموض المقصود بالنموذج. أما تقديم ديفيد لايك لها بالنظرية، فهذا لا يخلو من سوء فهم أيضًا؛ لأن لايك حين يتحدث عن "نظرية انتقائية" Theory Eclectic فهو لا يقصد الانتقائية في حد ذاتها، لكنه يقصد النظرية التي تستخدم الانتقائيةَ التحليلية. وقد كان واضحًا كل الوضوح في ملخص المقال، الذي أحال إليه قوجيلي، وفي متنه لاحقًا، أنه يستخدم النظرية الانتقائية بمعنى النظرية المتوسطة المدى، أو المتوسطة المستوى كما يسميها "(نظريات المتوسطة المستوى أو نظريات انتقائية للسياسة العالمية). ويسَرري 44" mid-level or eclectic theories of world politics على لايك، أيضًا، عجزي عن العثور على الموضع الذي قدّم فيه الانتقائية التحليلية "نموذجًا." بالنسبة إلي، لم أق حرر في دراستي تعريفًا للانتقائية التحليلية يقدّمها موقفًا إبستيمولوجيًا، كما يذكر قوجيلي. وقد استخدمتُ لفظ "الموقف" في أكثر من موضع: "تعبّر الانتقائية التحليلية عن موقفٍ نظري ومنهجي يمكن الباحث أن يعتمده أثناء متابعة أعماله البحثية"45؛ "منهجيًا، وعلى غرار الموقف الابستمولوجي للواقعيين النقديين، فإنهم يتبنون موقفًا تعدديًا إزاء الخيارات المنهجية"46؛ "تكمن القيمة المضافة للانتقائية التحليلية، بوصفها موقفًا إبستمولوجيًا ومنهجيًا، في نزع الشرعية عن خطاب 'النظرية الكبرى' في العلاقات الدولية"47، "كما تشدد أيضًا [أي الفلسفة الواقعية النقدية، ومن ثم الانتقائية التحليلية] على ضرورة تبني موقفٍ تعدديّ إزاء الخيارات المنهجية"48. هذه ليست تعريفاتٍ، ولا وسومًا، إنما وصفٌ للرأي والتفكير فيما أسميته، في الدراسة نفسها، "المسألة الإبستمولوجية"49؛ وهو رأي يترتب عليه قرارٌ بشأن جملة من الخيارات، سواء أكانت إبستيمولوجية أو منهجية. وإني لأرجو أَّلَّ أضيف ارتباكًا إلى الارتباك، الذي يشير إليه قوجيلي، حين أقتبس أدناه:
يبدو أن حقل العلاقات الدولية، وعلى الرغم من أنه ما يزال منظم حول تقاليد بحثية محددة، لكلٍّ منها التزاماته الإبستمولوجية ومفرداته النظرية ومعاييره البحثية، شهد في السنوات الأخيرة – وما يزال يشهد – نزعة متزايدة، حتى بين بعض من يُعرَف عنهم التزامُهم بتقاليد بحثية معينة، للإقرار بوجود حاجة ملحَّة إلى إدماج عناصر تحليلية من مقارباتٍ أخرى (مختلفة) من أجل إنتاج معرفةٍ جديدةٍ أشمل وأعمق وأصلح للتوظيف البحثي50. إذًا فقد أسميتُها "نزعة" أيضًا، لكن ذلك ليس في صلب تعريفها. أما وصفي لها "إطارًا نظريًا"، فقد جاء في السياق التالي: "تبقى الانتقائية التحليلية أكثر تواضعًا [بشأن التوليف بين النظريات] لكن أكثر براغماتية في الوقت نفسه. فهي تهدف إلى إنتاج أطرٍ متنوعةٍ ومرنة للبحث، إذ ينتظم كلُّ إطارٍ حول مشكلةٍ بحثيةٍ محددة، على أن تكون هذه المشكلة هي التي تحرك عملية البحث، لا الإطار النظري المختار مسبقًا"51. هذا وصفٌ تقني إذا حق لي تسميته كذلك، لكنه مرة أخرى ليس تعريفًا. وإذا كان لا بد لنا من أن نفهمه على هذا النحو، فهو تعريف وظيفي، أي تعريف الانتقائية التحليلية من خلال وظيفتها، ما تفعله وما نفعله بها في أبحاثنا. يقول مورتن أوغارد: "إذا سألتَ باحثًا عن نظريته في ورقة بحث معينة، لَتلقيتَ الإجابة في أشكال مختلفة. ويمكن أن تكون الإجابة قصةً عن إطار نظري، والمفاهيمِ المركزيةِ والافتراضاتِ الأساسيةِ التي يستند إليها هذا الإطار النظري. ويمكن هذا الإطار أن يكون إما 'نظرية كبرى' أو'نظرية متوسطة المدى' محدودة النطاق"52. إذا قبلنا بهذا الشكل من أشكال الإجابة عن سؤال: ما النظرية التي يوظفها بحثٌ ما؟ لا تصير الانتقائية التحليلية – التي تركز على النظريات المتوسطة المدى – إطارًا نظريًا فحسب، بل مقاربة توجه تصميم إطارٍ نظريٍّ للبحث يدمج مفاهيم مركزية وافتراضات أساسية من نظريات عديدة، خلاف ما يمليه منطق النظرية الكبرى، أو البردايم بالمفهوم التقليدي الصارم الموروث عن توماس كُون. هذا تمامًا ما يعنيه لايك حين يتحدث عن "نظرية انتقائية"، إنها النظرية – وبحسب دراستي، إنها الأطر النظرية – التي توجهها الانتقائية التحليلية. أنتقل للتعقيب بإيجاز على ملاحظةٍ بشأن مقولة سيل إنّ "الغاية المرجوّة من الانتقائية التحليلية هي أن تكون إيثوسية ethos أكثر من كونها منهجًا أو بيانًا"53. فقوجيلي يلاحظ أن "هذا التحديد لا يساعد كثيرًا في إزالة غموض الهوية بسبب صعوبة تعريف مصطلح الإيثوسية المتنازع عليه بشدّة" (ص. 106) أولً، يستخدم سيل لفظ ethos اسمً لا نعتًا، وقد سبق أن استخدمه في كتابه مع كاتزنشتاين وليس وليد الدراسة الحديثة التي أحال إليها قوجيلي54. أستعرض هنا مواضع استخدام سيل وكاتزنشتاين هذا اللفظ، وسأترجمه مبدئيًا "الروح:" "الروح البراغماتية للانتقائية The Pragmatist Ethos of Analytic Eclecticism؛ 55التحليلية " البراغماتية "روح " 56؛ Pragmatism of Ethos The"الروح البراغماتية" 57Pragmatist Teh Ethos؛ "الروح البراغماتية المرنة". لا ينطوي هذا الاستخدام على Flexible Pragmatist Ethos58 أي محاولةٍ لفلسفة اللفظ Philosophising وتحويله إلى مصطلح "متنازع عليه بشدة." لذلك، أعتقد أن فهم ما يقصده سيل وكاتزنشتاين بالانتقائية التحليلية بوصفها إيثوس، أو روحًا أو سمةً أو أخلاقياتٍ، أيًّا كانت الترجمة، ينبغي أن يتوسل بالمعنى المعجمي لا بالمعنى الفلسفي للفظ. ومثلما نرى أعلاه، فالمقصود هو الروح البراغماتية التي يدعو أنصار الانتقائية التحليلية إلى بثها في الأبحاث الانتقائية. وقد أتيتُ على هذا المعنى في دراستي أيضًا59. عن سؤال: ما الانتقائية التحليلية؟ أعود للمرة الأخيرة إلى سيل وكاتزنشتاين، إنها "ليست نموذجًا بديلً للبحث أو أداةً لإزاحة النماذج الحالية والحلول مكانها أو استيعابها. إنها موقف فكري يؤيد بذل الجهد لاستكمال البنى النظرية المتضمنة في التقاليد البحثية المتنافسة، والاشتباك معها، واستخدامها على نحوٍ انتقائي لبناء حجج مركَّبة تأخذ على عاتقها المشكلات الجوهرية التي تهم الباحثين والممارسين على حد سواء"60. ويقودني ذلك إلى السؤال الثاني في هذا الجزء: ما علاقة الانتقائية التحليلية بالنظريات الكبرى؟ أو كيف يتعامل الانتقائي التحليلي مع النظريات الكبرى؟
ندرك، حتى الآن، أن الانتقائية التحليلية ليست نظرية قائمة بذاتها؛ بل إنها ليست نظرية منافسة ولا بديلة من النظريات السائدة، الكبرى منها وغير الكبرى. لذلك، فإن سؤاَلَ قوجيلي "ألا تستطيع الانتقائية التحليلية، باعتبارها مشروعًا تنظيريًا جديدًا في الحقل، النمو والتطوّر بالتعاون مع النظرية الكبرى من دون الصدام معها؟"، و"هل فلسفة 'الانتقاء' و'التحليل'، اللتان سمّيت عليهما المقاربة، قابلتان للانصهار في نظرية متماسكة ومنسجمة منطقيًا؟"، ناجمان كما يبدو عن سوء فهم. لقد أشار سيل وكاتزنشتاين صراحة إلى أن الانتقائية التحليلية تعتمد إلى حد بعيد على العمل النظري والإمبريقي الذي جرى إنتاجه ضمن البردايمات والتقاليد البحثية. "وليس هدفها التوليف بين البردايمات، أو استيعابها، أو استبدالها. إنها تسعى لبيان الأهمية العملية التي تحظى بها النظريات والسررديات التي جرى بناؤها ضمن مقاربات تبدو منفصلة بعضها عن بعض ومن غير الممكن التوفيق بينها، كما تسعى لاستكشاف الروابط الجوهرية بين تلك النظريات والسررديات"61. وقد أشرت في دراستي إلى ضرورة التوكيد "أن الانتقائية التحليلية ليست بديلً من المقاربات المتضمنة في التقاليد البحثية، وأنها ليست متفوقة عليها؛ فدورها لا يتعدى استكمال نقائص هذه المقاربات، كما تعتمد مساهمتها إلى حد بعيد على استمرار التواصل والتبادل المعرفي مع تلك المقاربات"62. وحتى إذا جارينا قوجيلي في استعارته المبسِّطة، لكن المعِّبِّة، القائلة إن الانتقائي التحليلي يقطف "من كل بستان زهرة"، فهو بحكم المنطق في حاجة إلى "بساتين" متعددة حتى يشكّل لنفسه "باقة من الأزهار." النظريات، الكبرى وغير الكبرى، بمنزلة الشرط الوجودي للانتقائية التحليلية، وأعتقد ألاَّ طائل من متابعة الاقتباس والاستشهاد، فالمسألة منطقية خالصة. وحين قدمتُ، في دراستي، بول فايرابند وتعدديته/ لاسلطويته المنهجية مدخلً للانتقائية التحليلية، قدمتُه مناهضًا لتنصيب السلطة المعرفية لمنهج محدد، بل لتنصيب السلطة المعرفية للعلم في حد ذاته؛ فالعلم بالنسبة إليه مجرد نسق ينمو ويزدهر وسط الأنساق المعرفية الأخرى؛ ثم ذكرتُ بوضوح "أن الرفض الذي يدعو إليه فايرابند لا يبتغي نفي العلم، ولكن نفي الطبيعة السلطوية للعلم، وهو اتجاه يكرس نسبية المنهج العلمي، ومن ثم إمكان تطوير مناهج وأنماط معرفية أخرى أقدر على الدفع بالتقدم المعرفي إلى الأمام"63. ولا عجب أن فايرابند نفسه ظل من بين أشد فلاسفة العلم المعاصرين عرضة لسوء الفهم، وغالبًا ما وُسم جهلً بالمعادي للعلم.Anti-science آمل أن تكشف هذه المداخلة المقتضبة الحُجُب عن فحوى مسلّمتي الأولى التي انطلقتُ منها، أن انحسار النظريات الكبرى ينبغي أَّلَّ يعني أفولها بأي حال من الأحوال. أما عن سؤال "هل بناؤها النظري قادرٌ على استيعاب تعدّد وتنوّع القوانين والآليات السببية الموجودة في النظريات الكبرى؟"، فهذا من ذاك. لا تتعلق المسألة باستيعابها جميعًا، أو البعض منها، بل تتعلق باستيعاب ما يتصل منها بالمشكلة موضوع البحث ويساعد في فهمها، أو "تقديم الجواب الأفضل عن سؤال" البحث على حد تعبير سيل وكاتزنشتاين64. وإنها لَفكرةٌ مروعةٌ أن تدّعي الانتقائية التحليلية استيعاب "القوانين والآليات السببية الموجودة في النظريات الكبرى" جميعها65؛ فهذا سيجردها بلا شك من مسوغ تسميتها انتقائيةً، فضلً عن أنه سيجعلها أشد طغيانًا إذا ما استعدنا صورة لايك عن النظرية الكبرى بوصفها "طاغية" (ص. 105)66. وأستدرك بالقول إن منطق الانتقائية التحليلية ليس منطقًا "تسلطيًا"، بمعنى أن الباحث قد لا يلجأ إليها أصلً، إذا ما وجد أن "الجواب الأفضل" يكمن في نظرية واحدة لا غير. هذا عن كيفية تعامل الانتقائي التحليلي مع النظريات الكبرى، فماذا عَّمَّ يفعله بها؟ والأدق، ماذا يفعل بالعناصر التحليلية التي ينتقيها منها؟ يثير قوجيلي نقاشًا حول ما يعده "المنطق الإدماجي" في الانتقائية التحليلية، قائلً إن الانتقائيين التحليليين يستخدمون "مصطلحات مثل 'الدمج' و'المزج' و'الخلط' للإشارة إلى طريقة بناء نظرياتهم"67، في حين يرفضون اعتبارها "توليفًا نظريًا." وبالنسبة إليه، "يثير رفض الانتقائية التحليلية التوليف النظري مشكلات عدّة، أوّلها التلاعب بالمصطلحات؛ فالكاتبان لا يوضّ حان المغزى من
استخدام كلمة 'توليف' في مقابل كلمات مثل الدمج والجمع والمزج إذا كانت جميعها تصف العملية نفسها. وإنّه لمن الغريب أن يرفضا التوليف ويدعوا إلى الدمج؛ فَأ ن تؤلّف شيئين هو أن تدمج بينهما (تجمعهما وتمزجهما معًا.) وكما يُبيّ قاموس ميريام وبستر، فإنّ لكلمات توليف Synthesis، ودمج Integrate، وجمع Combine، ومزج Blending، جذورًا ومعانيَ مترادفةً" (ص. 109) أختلف مع قوجيلي في القول إن هذه الكلمات "جميعها تصف العملية نفسها"، أو إن لها "جذورًا ومعاني مترادفة." بسبب ضيق المساحة، لن أعود إلى المعاجم، بما في ذلك معجم ميريام وبستر، لأبيّ الاختلافات، البائنة والباطنة، في معاني هذه الكلمات؛ وأكتفي بالتساؤل التالي: في عبارة "من كل بستان زهرة"، هل تحمل كلمة البستان، إذا ما قابلناها بكلمات مثل الحديقة والجنة والروضة والمرج، المعاني المترادفة نفسها، حتى نقول إن للتوليف والدمج والجمع والمزج معاني مترادفة؟ ومعروف أننا كلما انتقلنا من المعجمي إلى المصطلحي، زادت حدة الاختلاف في المعنى. مع ذلك، لِنحاولْ فهم موقف الانتقائيين التحليليين من "التوليف بين النظريات." يقول سيل وكاتزنشتاين: "ليست الانتقائية التحليلية توليفةً نظريةً. صحيح أن ما نعتبره 'انتقائية' يشار إليها أحيانًا بوصفها 'توليفة' من الناحية السببية "68. إذًا، فهما يُقرّان بأن الانتقائية التحليلية يمكن أن تكون توليفةً، لكن ليس بين النظريات، بل بين الآليات السببية؛ وهما ليسا سيّان. وعلى خلاف الادعاء إن الانتقائيين التحليليين "لا يوضحون القاعدة النظرية التي تجري على أساسها هذه العمليات"، فقد تناولها سيل وكاتزنشتاين من خلال اقتراح شرطين أساسيين، يذكرهما قوجيلي في دراسته نفسها (ص. 109) وليس الشرط الأول "أن تتجرّد النظريات محلّ التوليف من الفروض الأنطولوجية والإبستيمولوجية الخاصة بها" كما نقله قوجيلي إلى العربية؛ بل هو "الانطلاق من الفروض الأنطولوجية والإبستيمولوجية المركزية الخاصة بالتقاليد البحثية المتنافسة"69. ثمة مسائل كثيرة يمكن الوقوف عندها وإزاحة سوء الفهم عنها ومناقشتها في هذا التعقيب، لكن لمساحته حدودها. فمثلً، أتفق كل الاتفاق مع قوجيلي، ومن يستشهد بهم، بشأن الطبيعة الإشكالية لمعايير الانتقاء في حد ذاته، خاصة على مستوى الممارسة. لكن، ينبغي الانتباه إلى أن الانتقاء ممارسة تقوم على الحجاج Argumentative والإقناع. وقد يهمل الباحث، بحكم تحيزات معينة، عناصر يمكنه انتقاؤها من نظريات أو بردايمات أخرى غير التي انتقى منها، وقد يغفل عن أخرى بحكم حدود الاطلاع أو قصور الفهم، ويؤدي ذلك إلى فساد في الحجاج، ومن ثم إخفاق في الإقناع. وهذا من الطبيعة النسبية للبحث الاجتماعي. مع ذلك، فإن ربطَ هذه المشكلة بمسألة اللامقايسة ربطٌ واهٍ في اعتقادي، وناجم أيضًا عن سوء فهم لما كتبه سيل وكاتزنشتاين. لقد كانا واضحَ نن بشأن تمييزهما بين الانتقائية التحليلية وما سمياه التوليف الموحَّد، أي التوليف بغرض التوحيد 70Synthesis Unifying. فعدم قابلية البردايمات للمقايسة (وهي في نظري الترجمة الأدق) لا تزيد مشكلة الانتقاء تعقيدًا، إلا إذا كان الغرض من الانتقاء التوليف بين البردايمات وتوحيدها. وهي خطوة يحذر الانتقائيون التحليليون من القيام بها، على نحو ما سبق. أبعد من ذلك، فقد سلم سيل وكاتزنشتاين بأن اللامقايسة تمثل تحديًا مهمً للانتقائية التحليلية، لكنه ليس بمنزلة العقبة الكأداء التي يصعب تجاوزها. وكانت تلك هي الرسالة التي حملها عنوان الجزء من الكتاب الذي تناولها بالنقاش: Insurmountable not The Challenge of Incommensurability مشكلة إن ثم. 71 اللامقايسة لم تكن يومًا بلا حل، حتى في حالة النقاش ما بين البردايمات Debate Inter-paradigm نهاية القرن العشرين، الذي يُعدّ أشد النقاشات النظرية ضراوة في حقل العلاقات الدولية، وطالما سمي حربًا بين البردايمات72. أخيرًا، أذكّر بالمسلّمة الثانية التي انطلقتُ منها في البداية: الانتقائية التحليلية في حاجة إلى مزيد من التأمل في الذات والنقد من الآخر، لكن ذلك لا ينفي أهميتها وتزايد الاهتمام بها، بل إن نقدها قبل تثمينها، وتغليطها قبل تصويبها، ينبغي أن يشكّل جزءًا من هذا الاهتمام المتزايد بها. دراسةُ قوجيلي زاخرةٌ بالاستشهادات المقتضبة، والمبتورة أحيانًا، وهي بلا شك تحضُّ على قراءة أوسع وأعمق لما كتبه نقاد الانتقائية التحليلية، لكنها تتطلب أيضًا قراءة بالعمق والاتساع نفسه لما كتبه مؤسسوها ومطوروها، والأهم، موظِّفوها في أبحاثهم. ثمة مسألة أخيرة أود الوقوف عندها في ختام هذا التعقيب. الانتقائية التحليلية ممارسةٌ بحثيةٌ، وقد نقوم بها عن غير وعي، أو عن وعي من دون أن نسمي عملنا انتقائيًا. لذلك، فإن المسح المختصر للأدبيات، الذي يضم عينات بارزة مما نشُر عن الانتقائية التحليلية، وباستخدامها، خلال الأعوام العشرة الأخيرة أو
أقل (ينظر الهامش)6، اقتصر على العناوين التي تضمنت صراحة عبارة "الانتقائية التحليلية"، أي دون أن يأخذ في الحسبان ملخصات المنشورات أو متونها، أو المنشورات التي تهتدي بالانتقائية التحليلية مقاربةً من دون أن تشير إلى ذلك صراحة.
خاتمة
يواجه الطلاب باستمرار، في مرحلة مبكرة من كتابة تكليفاتهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي توجهها المشكلات، سؤال: أي النظريات أنسب لمقاربة تلك القضايا؟74 وهو سؤال تبرره مسألتان. الأولى وفرةُ النظريات بصورة غير مسبوقة75، والارتباك الذي قد يتولد في أنفس الطلاب من جرائها؛ والثانية وعيُهم المتزايد بتعقد القضايا التي يدرسونها وتعدد أبعادها، والمخاوف التي قد يثيرها ذلك لديهم بشأن الإخفاق في إقناع قرائهم، خاصة من المدرّسين الذين يحوزون سلطة منح العلامات الدراسية76، بكفاية فهمهم/ تفسيرهم للقضايا التي بين أيديهم. وغالبًا ما يكون جوابي عن هذا السؤال: كونوا انتقائيين تحليليين! لكنني، بالتأكيد، حريصٌ كل الحرص77 على مسألتين أساسيتين وأنا أوصي الطلاب بالانتقائية التحليلية: الأولى أنهم على اطلاع وافٍ على النظريات المتنافسة في الحقل، كبرى أو غير كبرى؛ والثانية أنهم يدركون أن الانتقاء ليس عملً حدسيًا، لكنه قرارٌ واعٍ يستند إلى المعرفة بالنظريات التي ينتقون من بينها وإلى المعرفة بالمشكلة/ القضية التي يبحثون فيها. لذلك، أحرص على أن يفهموا أن الانتقاء ليس قرارًا قبْليًا (وبحكم المنطق، ليس بَعديًا)، لكنه يواكب سيرورة البحث نفسها، أي سيرورة الإحاطة بالمشكلة/ القضية التي يبحثون فيها. وإَّلَّ، لماذا نوجه طلاب الدراسات العليا لاستغراق فترة كافية لقراءة الأدبيات ذات الصلة ومراجعتها قبل كتابة مقترحات أطروحاتهم؟ هذه الفترة هي مرحلة تصميم الإطار النظري للبحث. وأن يكون الإطار النظري انتقائيًا يعني، من بين ما يعنيه، تحلي الباحث بالروح البراغماتية المرنة التي تنطوي عليها الانتقائية التحليلية، والتي تجعل عملية تصميم الإطار النظري النهائي مواكبة لسيرورة التقدم في البحث نفسه، لا أن يفرضه الباحث على نفسه ناجزًا من البداية. في مقاله الذي وضع له عنوانًا لا يخلو من دلالات ذات صلة بهذا المقام، "في أولوية الفهم على المنهج"، يشدد عزمي بشارة على ما يشبه هذا المعنى؛ إذ يقول سائلً ومجيبًا في آنٍ معًا: "ما المنهج الذي سوف أستخدمه في تحليل الواقع الاجتماعي أو الظاهرة قيد البحث؟ أصدقكم القول إني لا أملك جوابًا قبل أن أخوض التجربة.[...]فما من منهج لاكتشاف منهج البحث غير العقل السليم وتوافر على فكرة ما عن النظريات القائمة". والآن، أستلهمُ من هذا السجال وصية أخرى لأولئك الطلاب الذين يتخذون الانتقائية التحليلية خيارًا منهجيًا في أبحاثهم. تقول الوصية: إذا فهمتم الانتقائية التحليلية جيدًا، وقررتم تبنيها عن وعي، فعليكم أن تتخذوا قرارًا إضافيًا آخر: أتوظفونها على طريقة الزهَّار، المشتغل بقطف الأزهار وبيعها، فتنتقون "من كل بستان زهرة" لتقدموها للمتلقي في باقة "تسرر الناظرين"، ثم تذوي في أيام، أم على طريقة النحلة، المشتغلة بجمع الرحيق من الأزهار، وتحويله إلى "شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس"؟ وتذكروا، إذا ما اخترتم الخيار الثاني، أن النحلة حين تحط على الزهرة لا تمتص منها رحيقًا فحسب، بل يمكن أن تلقّحها بحبوب الطلع التي تأتي بها من أزهار أخرى. وكذلك الانتقائي التحليلي. إنه لا يأخذ من النظرية متغيراتٍ وفروضًا وآلياتٍ سببيةً فحسب، بل يمكن أن يساعدها أيضًا في الوعي بحدودها من خلال ما يجلبه في جعبته التحليلية من النظريات الأخرى، إنه يساهم بطريقة ما في استمرار التواصل والتبادل المعرفي مع النظريات، وبينها.
References المراجع
العربية
تبُّيُّ. مج 8، العدد بشارة، عزمي. "في أولوية الفهم على المنهج." 30 (خريف)2019 حمشي، محمد. "النّقاش الثالث بين نظريات العلاقات الدولية: حدود الاتّصال المعرفي." المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية. العدد 3 (كانون الأول/ يناير.)2014 ____.___ "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية." سياسات عربية. العدد 28 (أيلول/ سبتمبر.)2017 قوجيلي، سيد أحمد. "أفول النظرية الكبرى: نقد الانتقائية التحليلية." سياسات عربية. العدد 56 (أيار/ مايو.)2022
الأجنبية
Borch, Christian. "Functional Eclecticism: On Luhmann's Style of Theorizing." Revue internationale de philosophie. vol. 1, no. 259 (2012). Burns, Arthur Lee. "Prospects for a General Theory of International Relations." World Politics. vol. 14, no. 1 (1961). Chernoff, Fred. "Pragmatism, Pluralism, and Eclecticism: Sil and Katzenstein's 'Analytic eclecticism' in Journal: International Paradigms." Beyond Canada's Journal of Global Policy Analysis. vol. 75, no. 3 (2020). Corvellec, Hervé (ed.). What is theory? Answers from the Social and Cultural Sciences. Copenhagen: Liber, CBS Press, 2013. Lake, David A. "Theory is Dead, Long Live Theory: The End of the Great Debates and the Rise of Eclecticism in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Mills, Wright C. The Sociological Imagination. New York: Oxford University Press, 1959. Paul, T. V. The Tradition of Non-Use of Nuclear Weapons. Stanford, CA: Stanford University Press, 2009. Quentin, Skinner (ed.). The Return of Grand Theory in the Human Sciences. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Sil, Rudra. "Analytic Eclecticism-Continuing the Conversation." International Journal: Canada's Journal of Global Policy Analysis. vol. 75, no. 3 (2020). Sil, Rudra & Peter J. Katzenstein. Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics. New York: Palgrave Macmillan, 2010. _______. "Analytic Eclecticism in the Study of World Politics: Reconfiguring Problems and Mechanisms across Research Traditions." Perspectives on Politics. vol. 8, no. 2 (June 2010). Wendt, Alexander. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.