وثائق التحول الديمقراطي في الوطن العربي
الملخّص
ب. الفدرالية والنظام اللامركزي
على نظام المحاصصة القبلية 4.5 1. يضاف إلى ذلك أن سيرورة تشكل الثقافة السياسية في الصومال تحمل في نواتها ما يمثل عقبة أساسية أمام بناء مؤسسات الدولة. وتتمثل هذه العقبة في كون العشائرية والقبلية تعملان ضد بناء مؤسسات سياسية رسمية وترسيخها، يتساوى لديها الجميع بغض النظر عن الانتماء القبلي والعشائري. وتحتاج هذه العقبة إلى آليات ووسائل تحدّ من سيطرتها وانتشارها، وليس إلى تقنينها وشرعنتها كما حصل في اعتماد سياسة المحاصصة القبلية.4.5
بالرجوع إلى أدبيات حقل بناء الدول، نجد أن مشروع بناء الدولة في الصومال بتبنّيه سياسة المحاصصة القبلية تسبب في تجذير سياسات تعرقل عملية بناء دولة؛ نظرًا إلى ارتباط عمليات البناء بوجود سياسات تنموية يتساوى عندها جميع أفراد المجتمع، ولا تكتنز في ثناياها أي أفكار إقصائية لأحد الأطراف. يعتمد بناء الدولة أساسًا على الاستثمار في رأس المال الاجتماعي والبشري، وعلى مدى قدرة القادة السياسيين على تقديم مُثل وقيم سياسية يتوافق فيها أفراد المجتمع، ومن ثم تعميم هذه القيم والمثل وإضفاء الطابع الاجتماعي العام عليها؛ وذلك في سبيل تكوين أرضية مشتركة لأفراد المجتمع 2. وهو ما لا يمكن تصور وجوده مع العمل بنظام المحاصصة القبلية 4.5، والذي يستبعد المجتمع الصومالي من المعادلة السياسية بصفة متعسفة، ويكاد يحصرها في شيوخ القبائل والممثلين السياسيين للقبيلة 3. وهذا ما يحتم ضرورة اعتماد بدائل وآليات تضمن انخراط المجتمع بفئاته المختلفة في العملية السياسية، إلى جانب اعتماد سياسات تعزز زرع الهوية الوطنية الجامعة بين أفراد المجتمع.
أدت نتائج الحرب الأهلية في الصومال إلى تشكل مجموعة من الولايات التي تتعامل فيما بينها على أساس أنها دول متجاورة 4، وبعد اعتماد النظام الفدرالي في البلاد صبغ ذلك هذه الانقسامات بصبغة رسمية 5، من دون النظر في أساس تكوّن هذه الولايات. وجرت صياغة الأسس الرئيسة لتطبيق الفدرالية في الصومال في محادثات السلام في كينيا عام 2004، واعتبرت من المخرجات الأساسية لتلك المحادثات، في حين بدأ العمل بها عام 2012 6. لم يكن خيار الفدرالية ملائمًا للمجتمع الصومالي، لعدم وجود دواعٍ لذلك 7، وعدم انسجام البنية الاجتماعية للمجتمع مع خيار الفدرالية؛ لكون المجتمع مبنيًا على النظام العشائري والقبلي، والذي لا يمكن أن يجري التعامل معه بمنطق الإثنيات والقوميات المختلفة كما هو معمول به في العديد من دول العالم، ثمّ إن هذه القبائل والعشائر لا تنتشر في رقع جغرافية محددة، يمكن من خلالها تحديد مساحة معينة لكل قبيلة. من الناحية الاقتصادية، تأثرت البلاد كثيرًا بتعدد المستويات الإدارية والسياسية فيها؛ فلكل ولاية رئيسها ووزراؤها وبرلمانها الخاص، وهو ما لا تتحمله ميزانية البلاد في الأساس 8. كما أنه جرى اعتماد النظام الفدرالي مع وجود العديد من المناطق في البلاد كانت تُدار بعيدًا عن العاصمة منذ سقوط الحكومة؛ بمعنى أن قرار تطبيق الفدرالية قد اتُخذ بحكم الأمر الواقع 9، وليس بقرار صادر بناءً على توافقات سياسية، أو أسس دستورية واضحة. فما زال غياب الأطر الدستورية الواضحة لصلاحية
الحكومة المركزية وصلاحية حكومات الولايات يمثل العقبة الأساسية في تحقيق جدوى اعتماد الفدرالية. لقد تسبب هذا الخيار في بلقنة الصومال، ومثّل تحديًا لتشكيل هوية صومالية جامعة لأفراد المجتمع، إضافة إلى منحه الدول المجاورة الفرصة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، عبر استقطاب حكومات الولايات ودعمها 10، وشكّل أيضًا عائقًا أمام تحقيق الاستقرار والتنمية 11. مثّل خيار الفدرالية تحديًا أمنيًا للبلاد على المستوى القومي، بسبب التدخلات الخارجية عن طريق الحكومات المحلية، وتوسع نفوذ العديد من الدول في هذه الحكومات؛ ما أدى إلى إضعاف قدرة الولايات الفدرالية على التعامل مع الحكومة المركزية، وفيما بينها وهو ما يولّد صراعات بصفة متكررة 12. يضاف إلى ذلك، أن خيار اعتماد الفدرالية في البلاد لم يكن نابعًا من وجدان المجتمع الصومالي أساسًا، بل دعمته العديد من دول الجوار 13. كما أنه في إطار هذا الخيار أمكن احتواء مجموعة من أمراء الحرب السابقين؛ وهو ما مثل إشكالية حقيقية في عملية بناء الدولة 14، ولعنة على عملية التنمية في البلاد 15. تعتبر إشكالية رفض العديد من الولايات الفدرالية في الصومال للنظام المركزي نابعة من الأفكار الكامنة في المخيال الصومالي. فهو يتحرّز من تكرار تجربة الحرب الأهلية، التي كان القتال فيها على أسس قبلية وعشائرية، وكانت الدولة المركزية وقتها تمثل الأساس في الحرب؛ ما أدى إلى التحرّز الدائم من كل ما قد يمثل تهديدًا وجوديًا 16. فنتج من ذلك سعي هذه الولايات لوضع حدود بينها وبين الحكومة المركزية في العاصمة، وقد تجلى ذلك في شكل صراعات وتجاذبات سياسية متكررة، إلى جانب كون طبيعة العلاقة في الأساس هشة، وتفتقر إلى الثقة المتبادلة، نظرًا إلى الإرث التاريخي الذي تَشكَّل طوال فترة سقوط الدولة 17. لقد ساهم النظام الفدرالي المعمول به حاليًا في شرعنة العشائرية السياسية وإضفاء الطابع المؤسسي عليها 18، إضافة إلى التعامل السياسي على أسس قبلية واضحة بين الولايات وفيما بينها؛ فأعطى أبعادًا جديدة للصراعات القبلية. فبدلً من أن تسعى الدولة لخلق هوية تجمع أفراد الشعب وتعمل على تحييد كل ما قد يؤثر في تماسك المجتمع، أدى النظام الفدرالي إلى تعميق الفجوة بين مكونات المجتمع الصومالي 19؛ وهو ما أدى إلى صعوبة بناء مؤسسات دولة وطنية ناجحة. ثمّ إن الولاء للولايات الفدرالية، المبنية في الأساس على أسس قبلية وعشائرية، أدى إلى زيادة التعصب القبلي لأفراد المجتمع؛ فتسبب كل ذلك في تنامي حالات الصراع على الحدود بين الولايات، وأثر سلبيًا في طبيعة العلاقة بينها، وارتفاع معدلات خطاب الكراهية بين أفراد المجتمع الصومالي 20. تشير الأدبيات إلى دور الاستقرار والنظام المركزي السابق في نجاح تطبيق الفدرالية وتحقيقها لأهدافها. فعلى سبيل المثال، يجادل الباحث بول هاتشكرفت بأن الفدرالية واللامركزية تمتلكان فرصًا أكبر للنجاح لتحقيق النتائج المرجوة في دول تمتعت بتجربة مركزية مستقرة سابقة قبل تبنّي النظام الفدرالي اللامركزي 21. وهو ما لم ينطبق على الصومال؛ فكما أشرنا سابقًا، اعتبرت هذه الولايات ولايات فدرالية بحكم الأمر الواقع بعد انتهاء الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من عقدين من الزمن، وخلقت واقعًا جديدًا منفصلً عن التجربة المركزية السابقة تحت الحكم العسكري، واعتُمد هذا النظام في محاولة لامتصاص الصراعات وحالة التشرذم التي كانت تعانيها البلاد وقتها. يضاف إلى ذلك أن الهوية المشتركة المشكّلة للمجتمع الصومالي لا تستدعي وجود نظام فدرالي، على عكس العديد من دول العالم التي تتبنى هذا النظام. وللخروج من هذه المعضلة، في إمكان الصومال اعتماد نظام موحد لامركزي، يحصر الجوانب السيادية المختلفة والصلاحيات الدستورية في يد الحكومة المركزية، في مقابل تفويض صلاحيات إدارية ومالية إلى أجهزة حكومية في مختلف المدن والأقاليم 22.
2. البعد الاجتماعي ودور المجتمع المدني
تكاد الدراسات المتخصصة تُجمع على الدور الأساسي الذي يؤديه المجتمع المدني في عمليات التنمية والتغيير، وكون التنمية عملية تحتاج إلى دمج مختلف أصحاب المصالح لتحقيق أهدافها، إضافة إلى أهمية الدعم الاجتماعي الذي تقدمه منظمات المجتمع المدني
في عمليات بناء الدولة ومؤسساتها، ويعتبر فقدانه أحد العوامل الأساسية في فشل البناء 23. تشكّل بعد الاستقلال في الصومال نموذج مبسط من منظمات المجتمع المدني المنخرطة في عمليات التنمية 24، تلا ذلك تراجع في دور هذه المنظمات بعد انقلاب بري، الذي قضى فيه على أي دور حقيقي للمجتمع المدني، في ظل السياسة الشمولية التي انتهجها في إدارة البلاد وقتها 25. ومع بدء الحرب الأهلية عام 1991، عادت منظمات المجتمع المدني في التشكّل والبروز، لملء الفراغ الذي أعقب سقوط الحكومة، وساهمت أساسًا بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية الدولية والإقليمية في تقديم المساعدات لآلاف المهاجرين. وانخرطت هذه المنظمات أيضًا مع تراجع حدة الحرب في عمليات إعادة الإعمار، وتقديم خدمات مثل: التعليم، والصحة، وإمدادات المياه 26. لقد أدت المنظمات غير الحكومية دورًا محوريًا في الحرب الأهلية التي عايشتها البلاد في التسعينيات من القرن الماضي، وتركز دورها وقتها في المساعدات الإنسانية والأعمال الإغاثية، ثم مساهمتها في إدارة الشؤون المتعلقة بالخدمات العامة في الدولة 27، إلا أنه لم يكن للمجتمع المدني الصومالي دور كبير في عمليات بناء الدولة؛ بسبب تحجيم دوره، وحصر مشاركته في جوانب ضيقة 28. نجد أن ما يحجّم دور المجتمع المدني في التأثير في عملية التنمية، والمساهمة على نحوٍ فعال في إعادة بناء مؤسسات الدولة، هو ارتباطه الجذري بالقبيلة، واعتماده في كثير من الأحيان على الآليات القبلية في أداء مهماته الأساسية. فصعوبة انفصال القبيلة عن تشكّل منظمات المجتمع المدني في الصومال ساهمت مباشرة في فشل تلك المنظمات في تحقيق أحد أهدافها الأساسية، المتمثل في خلق هوية وطنية جامعة بين أبناء الشعب، وزيادة معدلات الحوكمة في البلاد 29. فعلى عكس المطلوب، ساهمت هذه المنظمات بطريقة غير مباشرة في تعميق القبلية في المجتمع؛ نظرًا إلى إبرازها صعوبة تكوين تجمع صومالي لا يستند إلى القبيلة وشرعيته مكونًا أساسيًا. يتحتم على منظمات المجتمع المدني في الصومال على مختلف توجهاتها استحضار دورها الأساسي في التنمية، وأهمية تعزيز الهوية المشتركة بين أفراد المجتمع عبر الوسائل المتاحة، وزرع ثقافة التطوع بينهم، واستثمار الهوية الاجتماعية المشتركة في البلاد، والتي تتمثل في التشارك في اللغة والدين والثقافة، والقومية 30. إن خلق الهوية الوطنية الجامعة، وتعزيز قيم المواطنة، يقتضيان تفعيل أداء منظمات المجتمع المدني؛ وذلك لضمان دمج أفراد المجتمع بمختلف شرائحهم في عملية التنمية، وتساهم كذلك هذه المنظمات في امتصاص الحاجة النفسية إلى الانتماء، وتقديم المساعدة، والرغبة في الاندماج في الحياة العامة، والتي تشكل القبيلة المقدم الوحيد لهذه الخدمات في الصومال حاليًا. إضافة إلى ذلك، على منظمات المجتمع المدني التركيز على دور الشباب عن طريق دعم المبادرات الشبابية، بمختلف أنواعها؛ سعيًا للاستفادة من طاقاتهم، والتي إن لم تستثمر على الوجه الصحيح استُغلت في جوانب أخرى تقوض بنيان المجتمع. في إمكان منظمات المجتمع المدني، في سبيل تعزيز الهوية الوطنية في المجتمع، الاستفادة من الوسائل المتاحة لها، كالإعلام والتعليم. فالإعلام يمثل الآلية التي تجري عن طريقها هندسة المجتمعات، وتغيير مفاهيمها، وأفكارها، إضافة إلى زرع الأفكار، وتعزيز التوجهات الإيجابية ودعمها. أما التعليم، فيعتبر دوره محوريًا في عمليات بناء الدولة، وخلق الهوية المشتركة بين أفراد المجتمع، خاصة في دول ما بعد الصراعات 31. ولتحقيق ذلك، لا بد من وجود خطط واضحة 32.
3. البعد الاقتصادي
أ. المصالح التجارية للتجار
تُعتبر معركة الفساد من أهم المعارك التي تواجه البلدان النامية، ويرتبط مستوى التقدم والنهضة في كل دولة بمدى الوعي والدعم الذي يقدمه كبار المسؤولين وعموم الجمهور للمعركة ضد الفساد 33. في الفترة التي عاشت فيها الدولة مرحلة هشاشة وضعف، تكوّن
في الصومال قطاع تجاري واسع، يديره رجال أعمال يمتلكون رؤوس أموال ضخمة، ويعمل هذا القطاع بعيدًا عن أي تدخلات حكومية، سواء تنظيمية أو حتى فيما يتعلق بفرض الضرائب والرسوم التجارية المختلفة. ساهم هذا القطاع أساسًا في الحفاظ على النشاط الاقتصادي وتوفير سبل الحياة الأساسية لأفراد المجتمع. لكن في المقابل، نتج من ذلك تغلغل طبقة رجال الأعمال في مفاصل الدولة 34. إن بروز دور الدولة من جديد في الصومال، وإعادة بناء مؤسساتها بصفة كاملة، سينتج من ذلك مأسسة القطاع التجاري في البلاد، والبدء في تحصيل الضرائب وغيرها من الإجراءات الاقتصادية، إضافة إلى إعادة ضبط السياسة المالية والنقدية في البلاد، وهو ما لا يتسق مع مصالح رجال الأعمال؛ إذ إن نفوذهم في البلاد يصل إلى التأثير في القرارات السياسية والإدارية المتخذة 35، وهو ما يشكل حجر عثرة أمام إقرار أي سياسة تتعارض مع مصالحهم التجارية. ويتجلى ذلك أيضًا في تحول الشعب الصومالي إلى استخدام الدولار بدلً من العملة المحلية في المعاملات التجارية اليومية؛ ما أدى إلى معاناة البلد بصفة دائمة موجات التضخم، مع الارتفاع في الأسعار بسبب القيمة المرتفعة للدولار. ويعود ذلك أساسًا إلى سعي طبقة التجار لتلافي إشكالية عدم استقرار العملة المحلية، ورغبتهم في تحقيق الأرباح من دون أن يأخذوا في الاعتبار الأثر السلبي لهذا الخيار في أفراد المجتمع 36؛ ويؤكد كل ذلك حاجة القطاع الاقتصادي في الصومال إلى إعادة هندسة كاملة.
ب. المساعدات الخارجية
رغم أن المساعدات الخارجية تؤدي بعض الأدوار الإيجابية في أوقات الأزمات، وفي تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية في الصومال، فإن طبيعة الدعم المالي الخارجي المخصص لمشروع بناء الدولة تثير جدلً كبيرًا، ويعتبرها الكثير من النقاد أحد المعوقات الأساسية لهذه العملية؛ نظرًا إلى السياسات الفاشلة التي انتهجها المجتمع الدولي في إدارة هذه المساعدات والبرامج التي تدعمها. تتعدد سياسات الفشل هذه، ولكن يمكن حصرها في الآتي: -1 إضفاء هذه المساعدات الطابع المؤسسي على التعامل مع القبائل والعشائر والجماعات المسلحة، بصفتها كيانات قائمة بذاتها ومنفصلة بعضها عن بعض، بل تعميقها لهذه الانقسامات عبر التواصل الرسمي مع شيوخ القبائل بلا داع حقيقي في كثير من الحالات؛ -2 دعم فصيل سياسي ضد آخر؛ -3 التعامل قبل ذلك مع أمراء الحرب وتأمينهم في الحرب الأهلية؛ -4 تقويض بناء مؤسسات الدولة عبر عدم الوضوح في سياسات الدعم للحكومة المركزية والحكومات الفدرالية وخلق نوع من التجاذب بصفة دائمة؛ -5 عدم وجود آليات مساءلة للجهات التي يجري دعمها؛ مما تسبب في انتشار الفساد 37. وتثبت المشاهدات استشراء الفساد في المساعدات الخارجية المقدمة للصومال، وذلك بسبب وقوع العديد من هذه المساعدات في الأيادي الخطأ؛ وهو ما يؤدي إلى عدم وصولها إلى الفئات المستهدفة كما هو محدد ومخطط له. وتعتبر هذه الإشكالية نتاجًا لعدم التعامل المباشر مع الجهات الشرعية المناسبة، أو فقدان آليات التقييم والمتابعة التصحيحية. واستخدمت هذه المساعدات أيضًا في كثير من الأحيان لتأجيج الصراعات 38، أو لتحقيق مختلف الفرقاء السياسيين لمصالح سياسية، أو دعم فصيل سياسي مقابل آخر، في حين أنه كان من المفترض أن يجري صرفها في بناء الدولة ومؤسساتها 39. وتعتبر ظاهرة التدخل في الصراعات الداخلية، ودعم فصيل ضد آخر متكررة في المشهد الصومالي 40. بالرجوع إلى أدبيات حقل بناء الدول، نجد أن مشروع بناء الدولة في الصومال أغفل، بتبنيه لسياسات اقتصادية مثيرة للجدل، التركيزَ على الآليات التي تساهم في مأسسة هذه المساعدات، وتضمن الاستفادة منها بالطريقة الصحيحة. أضف إلى ذلك أهمية ربط هذه المساعدات بمشاريع لها وجود حقيقي على أرض الواقع، وتأكيد ضرورة وجود معايير ومؤشرات واضحة لقياس مدى تحقيق هذه المساعدات لأهدافها 41.
خاتمة
عملت هذه الدراسة على بلورة الأبعاد الأساسية للفجوات البنيوية التي يعانيها مشروع بناء الدولة في الصومال، في سعيها لاستكمال بناء مؤسسات الدولة المختلفة. وبناء على المراجعة الأدبية الشاملة لأدبيات بناء الدولة والواقع الحالي في الصومال توصلت إلى أن هذه الفجوات تنحصر في ثلاثة أبعاد، وهي: بعد سياسي، يتمثل في نظام المحاصصة القبلية 4.5 والنظام الفدرالي المتبع في البلاد،
وبعد اجتماعي، يتمثل في دور المجتمع المدني في عملية بناء الدولة، وبعد اقتصادي، يتمثل في المصالح التجارية لرجال الأعمال، وأثر المساعدات الخارجية. وتناولت الدراسة بالتفصيل أهمية الإرادة المحلية من جانب ومراعاة السياق الجغرافي من جانب آخر في عملية بناء الدولة، إضافة إلى عدم نجاعة الاستلاب للحلول الخارجية. وسلطت الضوء على دور تحديد حدة الصراع الذي سبق السلام في الدولة، وكذلك طبيعة النظام السابق، وبنية المجتمع، والطبيعة الجغرافية للبلد، إضافة إلى النطاق الجيوبوليتيكي الذي تقع فيه الدولة في سير عملية بناء الدولة وتحديد محدداتها الأساسية. واستعرضت نشوء الدولة وانهيارها في الصومال، وأوضحت أنه ما زال يعاني آثار الاحتراب الأهلي في تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب تعقد التركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد من جراء ذلك. ووثّقت الدراسة أن مؤتمرات المصالحة التي تتابعت في تلك الفترة جرى فيها إغفال الحديث عن مجموعة من الجوانب الأساسية التي تمس مختلف أفراد المجتمع، كمحاسبة أمراء الحرب، وتعويض المتضررين، وغيرهما من القضايا التي ما زالت البلاد تدفع ثمن تأجيلها عبر بروز هذه القضايا بأشكال واستجابات مختلفة. ثم أكدت الدراسة أنه من المهم، عند الحديث عن بناء الدولة ومؤسساتها، أن يراعى كون هذه العملية تتم على مراحل متعددة، ويجري تحقيق أهدافها على مدى طويل نسبيًا؛ ما يحتم ضرورة وجود آليات واضحة لقياس مدى التقدم المحقق، هذا إضافة إلى ضرورة حل إشكالية الطابع المؤسسي الذي أُضفي على العشائرية السياسية في الصومال، فبدلً من تنمية الهوية الوطنية بين أفراد المجتمع، يتسبب هيكل الدولة الحالي المتمثل في نظام المحاصصة القبلية 4.5، والفدرالية المبنية على أسس قبلية وعشائرية، في تقويض جميع الجهود الهادفة إلى تقوية الهوية الوطنية. وتحرم مثل هذه الخيارات الجهود الرامية إلى بناء الدولة ومؤسساتها من وجود إحدى أهم ركائز هذه العملية، المتمثلة في وجود الثقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، والتي تعتبر نتيجةً لوجود هوية وطنية جامعة، وهو ما يبرز أهمية دور المجتمع المدني في تعزيز هذه الهوية وتقويتها. ختامًا، استعرضت الدراسة الفجوات البنيوية في مشروع بناء الدولة في الصومال، وأكدت كذلك في الوقت نفسه أهمية البحث في سبل سد الفجوات البنيوية في هذا المشروع، إلى جانب أهمية إجراء مقارنات بالدول الشبيهة بالحالة التي عايشها الصومال، وذلك في الدراسات المستقبلية.
References المراجع
العربية
أحمد، حسن الحاج علي وعديلة تبار. "الأمننة والديمقراطية في القرن الأفريقي: حالات جيبوتي والصومال والسودان." سياسات عربية. العدد).2019(39 جيدي، عبد القادر معلم محمد. "الفدرالية في الصومال: دراسة متابعات إفريقية. العدد تقييمية." 3.)2020(عبد الله، عبد الرحمن معلم. تاريخ الصومال: رؤية تحليلية جديدة. ترجمة بيسان فايز الحلاق. إسطنبول: مكتبة خواطر للطباعة والنشر،.2021 عرفة، محمد. "أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية." سياسات عربية. العدد). 2020(42 علمي، أفياري. "نظام موحد لامركزي: نموذج ممكن لأرضية وسطية سياسات عربية. العدد في الصومال". 15.)2015(عمر، صالح معلم أبوبكر. دور مؤسسات المجتمع المدني في التنمية الاجتماعية والسياسية في الصومال. لندن: مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية، 2012. عيسى، عبد الرحمن محمود علي. "قراءة في المشهد السياسي والانتخابي في الصومال: تطلعات وتوقعات." تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. محمود، أحمد إبراهيم. الصومال بين انهيار الدولة والمصالحة الوطنية: دراسة في آليات تسوية الصراعات في أفريقيا. القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 2005.
الأجنبية
Abdullahi, Abdurahman. "Somali Elite Political Culture: Conceptions, Structures, and Historical Evolution." Somali Studies. vol. 5 (2020). Ahmed, Nasteha Mohamud. "Somalia's Struggle to Integrate Traditional and Modern Governance Systems: The 4.5 Formula and the 2012 Provisional Constitution." Journal of Somali Studies. vol. 6, no. 1 (2019).
Balthasar, Dominik. "State-making in Somalia and Somaliland: Understanding War, Nationalism and State Trajectories as Processes of Institutional and Socio-cognitive Standardization." PhD Dissertation. The London School of Economics and Political Science, 2012. Battera, Federico. "Some Considerations on State Building in Divided Societies and the Role of the 'International Community': Somaliland and Somalia Compared." Northeast African Studies. vol. 10, no. 3 (January 2003). Castañeda, Ernesto & Cathy Lisa Schneider (eds.). Collective Violence, Contentious Politics, and Social Change. A Charles Tilly Reader. London: Routledge, 2017. Chesterman, Simon. "From State Failure to State-building: Problems and Prospects for a United Nations Peacebuilding Commission." Journal of International Law & International Relations. vol. 2, no. 1 (2005). Dahir, Abdinor & Ali Yassin Sheikh. "Federalism in Post-conflict Somalia: A Critical Review of its Reception and Governance Challenges." Regional & Federal Studies (2021). Edwards, Lucy Morgan. "State-building in Afghanistan: A Case Showing the Limits?" International Review of the Red Cross. vol. 92, no. 880 (December 2010). Elmi, Afyare Abdi. Understanding the Somalia Conflagration: Identity, Islam and Peacebuilding. London: Pluto Press, 2010. Eno, Mohamed A., & Abdi M. Kusow. "Racial and Caste Prejudice in Somalia." Journal of Somali Studies. vol. 1, no. 2 (2014). Eriksen, Stein Sundstøl. "State Effects and the Effects of State Building: Institution Building and the Formation of State-centred Societies." Third World Quarterly. vol. 38, no. 4 (2017). Fokwa, Mbanwi Honore. Promoting Democracy in Cameroon: The Role of Civil Society. PhD Dissertation. University of Johannesburg (South Africa), 2019. Fritz, Verena & A. Rocha Menocal. "Understanding State-building from a Political Economy Perspective." Report for DFID's Effective and Fragile States Teams. no. 21. Overseas Development Institute (September 2007). Fukuyama, Francis. State-Building, Governance and the New World Order in the 21 st Century. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2004. Haile, Yohannes. "State Breakdown and the Rise of Somaliland, Puntland and Somalia: Understanding the Organizing Principles and Dynamics of Howard Dissertation. PhD Nationhood. " University. 2012. Handa, Susan. "Examining Fragility and Aid in Somalia." Journal of Somali Studies. vol. 8, no. 2 (2021). Harper, Mary. Getting Somalia Wrong? Faith, War and Hope in a Shattered State. London: Zed Books, 2012. Hashi, Mohamed. "The Dynamics of Political Legitimacy and the Politics of Clan-federalism: Can the Current Neotrusteeship Promise a Durable Somali State?" Journal of Somali Studies. vol. 4, no. 1-2 (2017). Hutchcroft, Paul D. "Centralization and Decentralization in Administration and Politics: Assessing Territorial Dimensions of Authority and Power." Governance. vol. 14, no. 1 (2001). Ingiriis, Mohamed Haji. "Politics as a Profitable Business: Patronage, Patrimony, Predatation, and Primordial Power in Contemporary Somalia." Journal of Somali Studies. vol. 2, no. 1-2 (2015). _______. "'We Swallowed the State as the State Swallowed Us': The Genesis, Genealogies, and Geographies of Genocides in Somalia." African Security. vol. 9, no. 3 (2016).
_______. "Who Assassinated the Somali President in October 1969? The Cold War, the Clan Connection, or the Coup d'État." African Security. vol. 10, no. 2 (2017). _______. "Profiting from the Failed State of Somalia: The Violent Political Marketplace and Insecurity in Contemporary Mogadishu." Journal of Contemporary African Studies. vol. 38, no. 3 (2020). _______. "Being and Becoming a State: The Statebuilding and Peacebuilding Conversations in Southern Somalia and Somaliland." Journal of Contemporary African Studies. vol. 39, no. 1 (2021). Johnson, Martha C. & Meg Smaker. "State Building in de Facto States: Somaliland and Puntland Compared." Africa Today. vol. 60, no. 4 (2014). Jüde, Johannes. "The Possibility of State Formation and the Limitations of Liberal International State-building." Journal of International Relations and Development vol. 23, no. 1 (2020). Lake, David A. The Statebuilder's Dilemma: On the Limits of Foreign Intervention. London/ Ithaca: Cornell University Press, 2016. Lemay-Hébert, Nicolas. "Statebuilding Without Nation- building? Legitimacy, State Failure and the Limits of the Institutionalist Approach." Journal of Intervention and Statebuilding. vol. 3, no. 1 (2009). Lewis, Ioan Myrddin. Understanding Somalia and Somaliland: Culture, History, Society. New York: Columbia University Press, 2008. Menkhaus, Ken. "Governance without Government in Somalia: Spoilers, State Building, and the Politics of Coping." International Security. vol. 31, no. 3 (2006). _______. "State Failure, State-building, and Prospects for a 'Functional Failed State' in Somalia." The Annals of the American Academy of Political and Social Science. vol. 656, no. 1 (2014). Miguel, Edward. "Tribe or Nation? Nation Building and Public Goods in Kenya Versus Tanzania." World Politics. vol. 56, no. 3 (2004). Mwangi, Oscar Gakuo. "Jubaland: Somalia's New Security Dilemma and State-Building Efforts." Africa Review. vol. 8, no. 2 (2016). OECD, DAC. International Engagement in Fragile States: Can't we do Better. Paris: OECD Publishing, 2011. OECD. "Concepts and Dilemmas of State Building in Fragile Situations: From Fragility to Resilience." OECD Journal on Development. vol. 9, no. 3 (2009). _______. Do no Harm: International Support for Statebuilding, Conflict and Fragility. Paris: OECD Publishing, 2010. Ogun, Mehmet Nesip & Murat Aslan. "Theory and Practice of State Building in the Middle East: A Constitutional Perspective on Iraq and Afghanistan." Journal of Applied Security Research. vol. 8, no. 3 (2013). Paris, Roland & Timothy D. Sisk (eds.). The Dilemmas of Statebuilding: Confronting the Contradictions of Postwar Peace Operations. New York: Routledge, 2009. Penna Filho, Pio & Henrique Oliveira da Motta. "Democracy in Africa: The Outstanding Case of Somaliland." Brazilian Journal of African Studies. vol. 6, no. 11 (2021). Pherali, Tejendra & Alexandra Lewis. "Developing Global Partnerships in Higher Education for Peacebuilding: A Strategy for Pathways to Impact." Higher Education. vol. 78, no. 4 (2019). Qaas, Said & Akon Baker. "Power-sharing Mechanism in Post Conflict Countries: A Comparative Case Study of Iraq and Somalia." Master Dissertation. Linnaeus University, 2021.
Richmond, Oliver P. "Failed Statebuilding Versus Peace Formation." Cooperation and Conflict. vol. 48, no. 3 (2013). Rocha Menocal, Alina. "State Building for Peace: A New Paradigm for International Engagement in Post- conflict Fragile States?" Third World Quarterly. vol. 32, no. 10 (2011). Samatar, Abdi Ismail & Ahmed I. Samatar. "Transition and Leadership: An Editorial." Bildhaan: An International Journal of Somali Studies. vol. 5, no. 6
Samatar, Abdi Ismail. "Faithless Power as Fratricide: Is There an Alternative in Somalia?" Bildhaan: An International Journal of Somali Studies. vol. 9 (2009). _______. Africa's First Democrats: Somalia's Aden A. Osman and Abdirazak H. Hussen. Indiana: Indiana University Press, 2016. The World Bank. "Mobile Money in Somalia: Household Survey and Market Analysis." April 2017. at: https://bit.ly/3xNdfeY Tian, Wenlin. "State-building Process from the View of Nationalism: A Case Study on Postcolonial Arab Countries." Journal of Middle Eastern and Islamic Studies (in Asia). vol. 3, no. 4 (2009). Wolff, Stefan. "Post-Conflict State Building: The Debate on Institutional Choice." Third World Quarterly. vol. 32, no. 10 (2011).
* Madoukh Ajmi Al-Otaibi مدوّخ عجمي العتيبي |
تطوّر العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا
The Development of Civil-Military Relations in Ethiopia
ل هذه الدراسة تطوّر العلاقات المدنية العسكرية في إثيوبيا وكيفية تأث تحل -رها بطبيعة المكوّنات السياسية والثقافية والعرقية، بالاعتماد على نظرية التوافق. وتحاول مناقشة إشكالية أساسية، هي: إلى أيّ مدى يؤثر التنوع العرقي والثقافي في توجيه بوصلة العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا؟ وتنطلق من فرضية فحواها أنّ مصالح العسكريين وتفضيلاتهم السياسية النابعة من رؤيتهم لمصلحة الدولة الوطنية، التي قد تتعارض مع توجهات المؤسسات المدنية، تجعل الفصل بين اختصاصات المؤسستين المدنية والعسكرية مسألة صعبة جدًّا. وقد دل ت الدراسة على أنّ التركيبة الاجتماعية والتوزيع القبلي أث را في عمليات إصلاح الأنظمة السياسية المتعاقبة في إثيوبيا، ثمّ خلصت إلى أن استمرار التوافق في العلاقات المدنية - العسكرية، ومواصلة السيطرة المدنية على الحكم في المستقبل، مرهونان بمدى صدقية تنفيذ شعارات المركزية والمواطنة بالطرائق القانونية والديمقراطية التي تقوم على مبادئ العدل والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المكوّنات. كلمات مفتاحية: العلاقات المدنية - العسكرية، التحوّل الديمقراطي، المؤسسة العسكرية، المجتمع المدني، إثيوبيا. This article analyses the development of civil-military relations in Ethiopia and how they are affected by politics, culture and ethnicity whilst drawing on compatibility theory. It explores a fundamental issue: to what extent does ethnic and cultural diversity influence civil-military relations in Ethiopia? The article begins with the hypothesis that the military's interests and political affiliations arise from their vision of the nation-state's interest, and may conflict with the attitudes of civil institutions, complicating the separation between civil and military institutional mandates. The article demonstrates how the social structure and distribution of tribes has had an impact on the reform processes of successive political systems in Ethiopia. Moreover, it concludes that consensus in civil-military relations and civilian control of government will continue in the future if slogans of centralization and citizenship are actualized through legal and democratic methods based on the principles of justice and equality in rights and duties among all constituents.
Keywords: Civil-military Relations, Democratic Transition, Military Administration, Civil Society, Ethiopia.
مقدمة
يتميّز موضوع العلاقات المدنية - العسكرية بالمرونة والتنوّع في القضايا التي يتناولها، فهو يحاول دراسة شبكة التفاعلات بين المكوّنيَن المدني والعسكري وفهمها في ظلّ الأنظمة الديمقراطية، بهدف تقوية السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية بوصف هذه السيطرة إحدى ركائز الحكم الديمقراطي. أمّا في حالة الدول التي لم تزل في مراحل التحوّل الديمقراطي، فتسعى دراسة العلاقة المدنية - العسكرية إلى فهم مكامن قوة المؤسسة العسكرية في سياق يغيب عنه تمامًا مفهوم السيطرة المدنية، في ظل مؤسسات عسكرية كان لها الفضل في تأسيس الدولة القومية الحديثة، أو في صونها من التفكك والانهيار. يشير مفهوم العلاقات المدنية - العسكرية، في معناه الواسع، إلى العلاقة بين المجتمع المدني والمؤسسة العسكرية أو المؤسسات التي أُنشِئَت من أجل حمايته. فهي تشير إلى العلاقة بين السلطة المدنية في مجتمع معيّ والسلطة العسكرية 42. ويعرّفها بعضهم بأنها شبكة العلاقات بين المؤسسة العسكرية والمجتمع الذي تعمل فيه، والذي تعتبر بالضرورة جزءًا منه. وتشمل تلك العلاقات كل الجوانب المتعلقة بدور المؤسسة العسكرية، بوصفها مؤسسة سياسية واجتماعية واقتصادية محترفة، في الحياة العامّة بصورها المختلفة، تضم القضايا المتعلقة بسلوك الجيش تجاه المجتمع المدني، وإدراكات المجتمع المدني وسلوكه تجاه الجيش، والدور الذي تؤديه القوات المسلحة في علاقتها بالدولة 43. وثمة فريق آخر يعرّفها بأنها التفاعلات التي تصف العلاقة بين شعب الدولة ومؤسساتها وجيشها، والتفاعلات التي تنشأ بين العسكريين والفواعل المدنية، وهذه التفاعلات متعلقة بسلطة اتخاذ القرارات السياسية 44. وعلى الرغم من تطوّر دراسات العلاقات المدنية - العسكرية وتوسّعها، فإنّ بعض الحالات لم تحظ بدراسة كافية، على غرار الحالة الإثيوبية، فقليلة هي الدراسات التي خُصّصت لها بالرغم من الاهتمام المبكر نسبيًّا بها 45. فمثلً، تتبّعت دراسة جين شيريل التطوّر التاريخي للعلاقات المدنية - العسكرية مميّزةً بين مرحلتين: ما قبل عام 1941 وما بعده، مبيّنةً مشكلة عدم التجانس في المؤسسة العسكرية. أما دراسة يوهانيس أبات، فانطلقت من فرضية أساسية مفادها أن التنافس بين العسكريين والمدنيين للسيطرة على السلطة والثروة في إثيوبيا أثّر في مسار تطوّر المشهد السياسي فيها. وأثبتت الدراسة إلى حدّ بعيد صحة هذه الفرضية. وثمة دراسات أخرى تطرّقت إلى جوانب تخص موضوع العلاقات المدنية - العسكرية 46. أمّا بالنسبة إلى الدراسات باللغة العربية، فلعلّ دراستنا هذه هي الأولى من نوعها، على حدّ علمنا، بشأن هذا الموضوع بالتحديد 47. تسعى هذه الدراسة إلى فهم مدى تأثير طبيعة المحرّكات السياسية والثقافية والعرقية في توجيه بوصلة العلاقات المدنية - العسكرية في جمهورية إثيوبيا الفدرالية الديمقراطية، معتمدة على التوافق إطارًا نظريًّا. وبناءً عليه، تفحص ذلك التأثير وتحلّله بناء على فرضيات نظرية التوافق في تحليل العلاقات المدنية - العسكرية وفهمها؛ إذ تجمع بين مستوى التحليل الجزئي للعقيدة العسكرية وتنظيمها الهيكلي، ومستوى التحليل الكلّ للدولة الذي يتمثل في تركيبة المكونات العرقية والاجتماعية والثقافية؛ فضلً عن محورها الذي يؤكد على أهمية دراسة المتغيّ ات الخارجية التي تؤثر في تطوّر هذه العلاقات. ومن هنا، فإنّنا نعتمد على هذه النظرية التي تفترض أن السياسة العامة للدولة تُرسم بوساطة ثلاثة شركاء: المؤسسة العسكرية، والنخب السياسية، والمواطنون. وتؤكد على ضرورة التوافق بين الشركاء لأنّ التوافق يؤدي إلى الحدّ من ظاهرة العسكرة السياسية في الدول التي يسودها التنوع العرقي والثقافي والتفاوت الطبقي الذي يؤثر في النظام السياسي القائم فيها. وإثيوبيا واحدة من الدول التي تتميز بهذه الظاهرة؛ لذا فهي حالة جديرة بالدراسة. وحسبنا أنّ نظرية التوافق، كما سيتبيّ، أنسب لتحليل الحالة الإثيوبية؛ لأنها تقوم على مبدأ التوافق/ الشراكة الذي يمكن أن يكون عاملً محدّدًا للعلاقات المدنية - العسكرية في سياق التنوع المعقّد، يحول دون سيطرة العسكر على السلطة. تحاول الدراسة الإجابة عن السؤال التالي: إلى أيّ مدى يؤثر التنوع العرقي والحضاري والثقافي المتباين في توجيه بوصلة العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا؟ تستند منهجية الدراسة إلى ثلاثة
محاور متكاملة: نظرية التوافق بوصفها إطارًا نظريًّا لتحليل الحالة موضوع الدراسة، استنادًا إلى المنهج التاريخي، من خلال تتبّع تطوّر العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا في مختلف فترات الحكم منذ عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي. ولإعداد هذه الدراسة استندنا إلى بعض الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، وإلى ما أمكننا ملاحظته خلال زيارتنا إثيوبيا لأغراض بحثية. لمناقشة إشكالية الدراسة وفحص فرضيّتها، قسمناها جزأين؛ يتتبع الأول تطوّر العلاقات المدنية - العسكرية في الأنظمة السياسية المتعاقبة على الحكم في إثيوبيا لمحاولة رصد طبيعتها ومحدّداتها. بينما يحاول الثاني رصد مآلات هذه العلاقات بالاستناد إلى ما توصّل إليه الرصد التاريخي لتطوّرها وإلى واقعها الراهن، مركّزًا على عاملين أساسيين: التكوين الاجتماعي للجيش وأثره في طبيعة المحدّد الوظيفي للمؤسسة العسكرية الإثيوبية، وتأثير العلاقات الخارجية في احترافية الجيش وعلاقته بالسلطة. من خلال هذين الجزأين بيّنت الدراسة تأثيرات التنوّع العرقي والحضاري والثقافي والجهوي في مسار تطوّر العلاقات المدنية - العسكرية في الأنظمة السياسية المتعاقبة على إثيوبيا. وتوصّلت إلى استنتاج أساسي مفاده أنّ تطوّر ظاهرتَي العسكرة السياسية والتوجه نحو النظام الديمقراطي في إثيوبيا يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالاختلاف أو التوافق بين جميع النخب السياسية الممثلة للمكوّنات الاجتماعية في البلاد، أو أغلبيتها. فمثلً، إذا اختلفت هذه النخب السياسية فيما بينها حول رؤية محدّدة لإدارة النظام السياسي في البلاد، فإنّ ظاهرة العسكرة السياسية تطفو على السطح مباشرة في المشهد الإثيوبي. وكذلك إذا توافقت هذه النخب، فإنّ السجال السياسي بشأن النظام السياسي في البلاد يتّجه نحو مفاهيم الديمقراطية والتعددية الحزبية في إدارة نظام الحكم.
أولا: التوافق إطارًا نظريًّا لدراسة العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا
حظيت قضية العسكرة السياسية باهتمام كبير من الباحثين عند تناولهم العلاقات المدنية - العسكرية، بل إنها كانت تعتبر الباعث الأساسي وراء ظهور نظرية صمويل هنتنغتون الساعية لفهم طبيعة هذه العلاقات في الدول وأنظمتها السياسية المختلفة 48. اعتمد هنتنغتون، الذي حاول أن يؤسّس إطارًا نظريًّا للعلاقات المدنية - العسكرية، نظرية الرقابة المدنية على المؤسسة العسكرية، مفترضًا أنّ السيطرة المدنية ستقود إلى بروز مؤسسة عسكرية مهنية محترفة 49، وذلك في نظريته القائلة بمبدأ سيادة السلطة المدنية على المؤسسة العسكرية، من أجل وضع قواعد تفرسّ خطورة اعتداء المؤسسة العسكرية على الحكم المدني وعدم شرعية الانقلابات العسكرية في البلدان النامية 50. ولهذا، ربّا، يرى الكثير من المتخصّصين أنّ هنتنغتون هو صاحب النص التأسيسي لحقل الدراسات التي نشأت حول العلاقات المدنية - العسكرية 51. ونتيجةً لتطوّر مختلف جوانب دراسة العلاقات المدنية - العسكرية، ظهرت أدبيات جديدة تنتقد رؤية النظريات الكلاسيكية في فهمها وتفسيرها لهذه العلاقات. واعتمدت النظريات الجديدة في تحليلاتها على العوامل الاجتماعية، حيث ربط روّادها بين ظاهرة العسكرة السياسية وخلفيات الجيش السوسيولوجية والأنثروبولوجية والتاريخية، مؤكّدين أنّ هذه الخلفيات هي التي تحدّد أشكال ردّ فعل العسكر تجاه المؤسسات المدنية 52. وبناءً عليه، فقد ركّزوا في مقارباتهم لفهم طبيعة العلاقات المدنية - العسكرية على دراسة الجيش بوصفه مؤسسة اجتماعية، وعملوا على فهم التأثيرات المتقاطعة بين المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة الأخرى، وتحليلها. ولهذا تتوافق مقارباتهم على فكرة أساسية مفادها أنّ العسكرية يغلب عليها طابع ال العلاقات المدنية -اررع، ولكنّ خضوع العسكريين للمدنيين، أو تجنّب ظاهرة العسكرة يجعلان هذا الصراع محدودًا. ومن أهم روّاد هذه المدارس الجديدة موريس.53جانويتز Mores Janowitz وصمويل فاينر Samuel Fainer ونتيجة للتطور الكبير الذي شهده هذا الحقل، صارت له منطلقات نظرية مختلفة منها نظرية التوافق، ونظرية التبعية التي ينادي بها بيتر فيفر Feaver Peter، ويؤكد روّادها أهمية الطابع التعاقدي في علاقات الجيش بالقيادة السياسية المدنية المنتخبة 54، وأخيرًا نظرية اقتسام المسؤولية التي طرحها دوغلاس بلاند Bland Douglace،
وتؤكد هذه النظرية ضرورة تعاون المدنيين والعسكريين في إطار ما يحدّده الدستور والقانون، وأن المصدر الشرعي للسلطة السياسية هو الإرادة المدنية وليس المؤسسة العسكرية 55. وردًّا على نظرية هنتنغتون ومختلف المقاربات المستوحاة منها والقائلة ب "نظرية الفصل المرتبطة بالسياق الغربي"، فإنّ ريبيكا شيف Rebecca Schifت fقترح نظرية التوافق إطارًا أوسع للعلاقات بين المجتمع والجيش. وتقوم هذه النظرية على مبدأ الشراكة المؤسسية والثقافية والاتفاق بين ثلاثة شركاء، الجيش والنخب السياسية والمواطنين 56، فهي تؤمن بمبدأ التشارك بين المؤسستين العسكرية والمدنية في إدارة النظام السياسي، ولهذا فهي تنتقد فكرة الفصل بين اختصاصات المؤسسات السياسية والعسكرية، وتعدّ الفصل غير واقعي، ومن المستحيل تحقيقه سواء في الديمقراطيات الغربية أو في الدول النامية بالنظر إلى مصالح العسكريين التي تتطلّب التدخل السياسي للحفاظ عليها، وتفضيلاتهم السياسية النابعة من رؤيتهم للمصلحة الوطنية التي قد تتعارض مع توجهات شاغلي السلطة السياسية 57.
ثانيًا: تطور العلاقات المدنية - العسكرية في الأنظمة السياسية المتعاقبة على حكم إثيوبيا
تاريخيًّا، نشأت دولة إثيوبيا المعاصرة نتيجة للتوسعات الإمبراطورية في عهد الإمبراطور منليك الثاني 1913-1844() في أواخر القرن التاسع عشر. وبناءً عليه، يرى كثير من الباحثين في حقل الدراسات الإثيوبية أنّ أسلوب ضم تلك الأقاليم الجديدة من ناحية، واستبداد الأباطرة وسوء معاملتهم مع تلك القوميات الجديدة من ناحية أخرى، أسهما بصورة مباشرة في تعميق شعور تلك العرقيات والقوميات بالتذمر والسخط اللذَين عبّ ت عنهما كثيرًا بإشعال الاحتجاجات والثورات 58. ونتيجة لهذه التطورات التاريخية في المشهد السياسي، بدأت ظاهرة تسييس الجيش وعسكرة السياسة في عهد الإمبراطور منليك؛ إذ أصبحت المؤسسة العسكرية وسيلة لتدعيم مشروع الحكم المطلق للإمبراطور؛ لذا لم تشهد إثيوبيا مشاركة من المنظمات والأحزاب المدنية في أنظمة الحكم طوال تلك الفترة من تاريخها 59. وبهذا برزت ظاهرة العسكرة السياسية60 بوصفها واقعًا معيشًا في جميع الأنظمة السياسية التي حكمت البلاد، وهذا ما تؤكده المعلومات التي تشير إلى جنوح القوات العسكرية نحو السيطرة على السلطة، لفرض نفسها في جميع مشاريع التغيير السياسي والاجتماعي بهدف بناء، أو إعادة، الدولة التي شهدتها إثيوبيا فيما بعد 61.
يرى المتخصصون في مجال العلاقات المدنية - العسكرية أنّ انتشار ظاهرة السيطرة العسكرية في البلدان الأفريقية، كان نتاجًا طبيعيًّا للتدخّل العسكري الطويل والراسخ في الحياة السياسية الأفريقية، ولا سيمّا في حقبة ما بعد الاستعمار، وأنها كانت أبرز مظاهر القوة والترهيب التي تستخدمها المؤسسات العسكرية. ولعل هذا الوضع ينطبق على إثيوبيا التي استمرت فيها الظاهرة العسكرية سنوات طويلة، نظرًا إلى الدور التاريخي للمؤسسة العسكرية في تحديد مسار نظام الحكم المدني الديمقراطي في البلاد 62. وممّ يجدر ذكره أنه على الرغم من مشاركة المؤسسة العسكرية في السياسة، فإنّ سيطرة الإمبراطور منليك الثاني على نظام الحكم، في المدة 1913-1889، كانت مطلقة، مستفيدًا في ذلك من شكل بناء
النظام السياسي في تلك المرحلة، الذي كان يقوم على ثلاث ركائز، هي بالترتيب: الملك الذي يأتي في قمة التسلسل الهرمي، والكنيسة الأرثوذكسية، وطبقة النبلاء التي تسيطر على الجيش 63. وقد تكاملت جميع هذه الركائز فيما بينها لتضمن للنظام الشرعية السياسية اللازمة، فالملك يستمد شرعيته السياسية من قوّته المادية التي تتمثل في الجيش، بينما يستمد قوته المعنوية من نسبه إلى الأسرة السليمانية، وبناءً على ذلك تتكفل الكنيسة بإضفاء الشرعية الدينية على النظام وممارساته، وتؤدّي طبقة النبلاء دورها في تعزيز هيمنة الملك عن طريق مشاركة جيوشها الصغيرة في إدارة الدولة 64. ثم إنّ أهمّ ما يميّز هذه المدة هو السلطة المطلقة للإمبراطور التي مكّنته من السيطرة على الجيش والكنيسة. تميز النظام السياسي في عهد منليك أيضًا بالنزعة المركزية في الحكم؛ لذا انحصرت التطوّرات السياسية والاجتماعية إبّان هذه المرحلة في ثلاثة مكوّنات، هي: الدين، والقومية، والإقليم. وهي مكوّنات رآها الأباطرة إطارًا ضروريًّا لتشكيل هوية الأمة الإثيوبية 65. وربّ ا كان لهذه المكوّنات الثلاثة أثر واضح في عدم ظهور المؤسسات العسكرية والمدنية الحديثة. فلم تشهد إثيوبيا طوال هذه المرحلة إنشاء وزارة مخصّصة للأمن والدفاع، بل كانت تعتمد على طبقة النبلاء في تجميع الجيوش من مناطق نفوذهم المختلفة خاصة في أوقات الأزمات والتهديدات التي تحدق بالدولة. وكان الإمبراطور، في هذه الفترة، هو الذي يقدّر الميزانية العسكرية الخاصة بالإعداد والتسليح وتدريب الجيوش، وذلك بعد التشاور، في الغالب، مع قيادات طبقة النبلاء بشأن احتياجاتهم العسكرية الضرورية. وأخيرًا، سيطرت طبقة النبلاء الموالية للإمبراطور منليك على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، على حدّ سواء؛ وقد يعود هذا إلى قوة نفوذها العسكري والمدني في مناطق سيطرتها 66. وبتلك السياسات أصبح الإمبراطور مسيطرًا سيطرة تامّة على كلّ السلطات وشؤون الدولة؛ فهو الحاكم الأعلى والقائد العام، ولا تخضع سلطته لأيّ قانون أو دستور. وكان الولاء للإمبراطور هو السبيل الوحيد لتعزيز النفوذ السياسي في تلك الفترة التاريخية. وبذلك أصبحت الكيانات المدنية والعسكرية حينها محض مؤسسات تعمل على تحقيق مصالح الإمبراطور الشخصية، ومصالح قومية الأمهرا المادية التي ينتمي إليها الإمبراطور منليك.
1. تطور العلاقات المدنية - العسكرية في عهد هيلا سيلاسي
شهدت العلاقات المدنية - العسكرية في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي 1975-1892()، الذي حكم في الفترة 1974-1930، تطوّرًا ملحوظًا نحو المشاركة السياسية في إدارة الشأن السياسي، في المشروع السياسي الجديد المعروف باسم "نهضة إثيوبيا"، والذي يهدف إلى معالجة جذور المشكلة القومية وتحقيق العدالة بين جميع الأعراق الإثيوبية 67. وبدأ هيلا سيلاسي إصلاحاته السياسية بتطبيق النظام المركزي وتنفيذ المشروعات الاقتصادية التنموية الكبيرة في البلاد. وتنفيذًا لذلك المشروع السياسي، وضع دستورًا جديدًا للبلاد 68، ليكون وثيقة قانونية للانفراد بالسلطة المطلقة، وبصدور هذا الدستور الوطني تقلص الدور السياسي لكلّ من الكنيسة وطبقة النبلاء في إدارة الحكم لصالح المؤسسة العسكرية الجديدة، التي أنشأها هيلا سيلاسي بغرض استخدامها قوةً مادية بديلة من جيوش النبلاء لردع المعارضين لنظامه 69.
شهدت إثيوبيا في هذه المرحلة إنشاء وزارة مخصصة للأمن والدفاع، وأصبحت هذه المؤسسة العسكرية هي المسؤول الأول عن تحديد الميزانية المالية والاحتياجات اللوجستية للجيش الإثيوبي. وكانت
هيئة كبار الضباط الذين ينتمون إلى أقلية الأمهرا المقربة من الإمبراطور هيلا سيلاسي هي التي يحدّد الميزانية العسكرية. ومن الملاحظ أنّ كل الذين شغلوا منصب وزير الدفاع في هذه المرحلة كانوا من القيادات العسكرية الأمهرية التي تلقّت التكوين الحديث في معسكرات التدريب. وكان نظام التجنيد العسكري في هذه الفترة يتفق نوعًا ما مع مشروع النظام المركزي الذي أسّسه الإمبراطور هيلا سيلاسي؛ إذ فتح التجنيد في كل الأقاليم الإثيوبية، وبذلك انضمت مجموعات كبيرة من جميع أقاليم البلاد ذات التكوينات المختلفة، بينما احتفظت القومية التي ينتمي إليها الإمبراطور (الأمهرا) بالقيادة العليا للمؤسسة العسكرية 70. أبقى هيلا سيلاسي على النظام الثيوقراطي القديم على الرغم من هذه الإصلاحات السياسية في نظام الحكم؛ إذ وضع قيودًا وسياسات تقوم على إبعاد الجيش من السلطة أو ممارسة أي نفوذ سياسي في البلاد، ويتّضح هذا من خلال قراراته التي حظرت على أفراد المؤسسة العسكرية الانضمام إلى أي كيانات أو تنظيمات سياسية مدنية. ثمّ جرى، من جهة، توزيع الجيش على أسس طبقية وعرقية وإقليمية، وجرى، كذلك، منع قيام الكيانات والتجمعات والتنظيمات السياسية المدنية من جهة أخرى. وبهذا تمكن هيلا سيلاسي من الانفراد بالسلطة المطلقة في ذلك الوقت 71. وبناءً عليه أصبح الجيش أداة من أدوات الإمبراطور لتحقيق مصالحه الشخصية، وخط الدفاع الأول لحماية المصالح المادية لأقلية الأمهرا في الدولة الإثيوبية. أما فيما يتعلق بالمشاريع التنموية الحديثة، فقد أطلق هيلا سيلاسي العديد من المشروعات التنموية الكبرى، كان معظمها في مناطق تجمّعات قومية الأمهرا التي كانت نخبها تسيطر على أغلب المؤسسات العسكرية والمدنية. وجاءت رؤيته الإصلاحية للنظام السياسي متأثرة بمفاهيم النخب الأمهرية وتصوّراتها للمشروع السياسي الذي ينبغي له أن يسود في البلاد. وكان من أهم نتائج إصلاحاته السياسية تقليص دور القوى التقليدية (الكنيسة، وطبقة النبلاء) لصالح حكم الفرد المطلق 72. واجهت هذه الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتنموية معارضة قوية جدًّا من باقي القوميات الإثيوبية الأخرى؛ ما أسهم بصورة مباشرة في أن تشكّل هذه المجموعات العرقية تنظيماتٍ وأحزابًا وكياناتٍ سياسيةً معارضة لنظام الحكم الشمولي، وتبدأ في العمل المشترك فيما بينها والتنسيق مع صغار ضباط القوات العسكرية المعارضين لنظام الإمبراطور هيلا سيلاسي. توّج هذا العمل المشترك بين المدنيين والعسكريين بظهور معارضة مدنية عسكرية في عام 1974، كانت تنادي بحقّ المشاركة في السلطة، والمساواة في توزيع الثروة بين جميع القوميات الإثيوبية المختلفة على قدم المساواة 73. وجدت هذه المعارضة بيئة خصبة وسط القوميات التي استُبعدت من السلطة، خاصّة في الأقاليم التي هُمِّشت في المشاريع التنموية الكبرى 74. وممّ سبق يتّضح أنّ هذه الفترة شهدت بداية تحالف مدني - عسكري، بهدف تقوية جبهة المعارضة ضد نظام الحكم الإمبراطوري الثيوقراطي. وقد أدّى هذا النشاط المدني العسكري المعارض لنظام هيلا سيلاسي إلى وقوع العديد من المحاولات الانقلابية، وأبرزها ما وقع في الأعوام 1943، و 1947، و 1951، و 1960، ولكنها باءت جميعها بالفشل 75. صحيح أن كل هذه المحاولات الانقلابية فشلت في تحقيق هدفها الأساسي وهو إطاحة نظام الحكم الإمبراطوري القائم آنذاك، إلّ أنها كانت تعبّ عن مدى نجاح المؤسسات المدنية والعسكرية في التفاهم والعمل المشترك ضد نظام الحكم المطلق القائم، وخاصة المحاولة الانقلابية، في عام 1960، التي كانت تحت قيادة عسكرية مدنية. هدفت هذه المحاولة الانقلابية إلى تحويل إثيوبيا إلى ملكية دستورية ليبرالية، غير أنها فشلت بسبب بقاء القسم الأكبر من القوات المسلحة مواليًا للإمبراطور، وكذلك لعدم حصول الانقلابيين على دعم الجماهير، أو حتى السند الخارجي؛ إذ وقفت الولايات المتحدة الأميركية ضد الانقلاب، وعملت على إفشاله بتقديم الدعم المادي للإمبراطور 76. سمح هذا العمل المشترك بين المؤسسات المدنية والعسكرية، فيما بعد، بتجويد عمليات التنسيق السياسي فيما بينها، ويتجلّ هذا الأمر بوضوح في تعاملها مع قضايا الديمقراطية في مواجهة النظام الحاكم المطلق؛ إذ طالبت المؤسسة العسكرية، في منشور لها، في 3 آذار/ مارس 1974، الإمبراطور هيلا سيلاسي بالآتي: حرّية الصحافة، وحرّية الاجتماعات والتظاهر، والإصلاح الزراعي، والسماح بتنظيم الأحزاب السياسية، واعتماد النظام الانتخابي الحرّ، والعمل على إصلاح أوضاع موظفي الدولة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين، وحقّ التعليم
المجاني لكل فرد. وتشكّلت لجنة من القوات العسكرية وموظفي الخدمة المدنية وبعض قيادات التجمعات المدنية والتنظيمات السياسية، بهدف متابعة تنفيذ مطالب الشعب الإثيوبي 77. يعكس هذا المنشور تدخل الجيش بوصفه طرفًا في الأزمة وانحيازه إلى الشعب ضدّ نظام هيلا سيلاسي الذي تدعمه أقلية الأمهرا. وفي خطوة ذات دلالة، أنشأت المؤسسة العسكرية اللجنة التنسيقية بين الوحدات العسكرية والشرطية بهدف ملء الفراغ السياسي. وتحولت فيما بعد إلى المجلس الإداري العسكري المؤقت، بوصفها هيئة حاكمة للبلاد بعد إطاحة الإمبراطور في أيلول/ سبتمبر 1974 78. وبهذا التدخل أصبحت المؤسسة العسكرية الإثيوبية من المؤسسات السياسية الثورية المهمّة التي أسهمت في تحقيق بعضٍ من مطالب الحركات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. حاول الإمبراطور مواجهة الاحتجاجات المدنية - العسكرية بإجراء العديد من الإصلاحات في حكومته بغرض إعادة السيطرة على المؤسسة العسكرية بعيدًا عن صغار الضباط والجنود الذين استولوا على المؤسسة العسكرية عمليًّا؛ إذ أقال وزير الدفاع، وقيادات هيئة القيادة، وقيادات الوحدات الجوية والبحرية، والقيادات الشرطية، وكذلك كبار المسؤولين المدنيين في حكومته. غير أنّ جميع هذه المحاولات باءت بالفشل في تحقيق غايتها بالإبقاء على النظام 79. وربما يعود هذا الفشل إلى قناعة لدى صغار الضباط من القوميات الإثيوبية الأخرى، التي لم تشارك في توزيع الثروة والسلطة، مفادها أن إصلاح نظام السلطة يبدأ بإبعاد الإمبراطور وأسرته وأقلية الأمهرا من السلطة.
2. تطور العلاقات المدنية - العسكرية في ظل حكومة منغستو العسكرية
تتميز هذه المرحلة من تاريخ إثيوبيا السياسي بالخلافات والصراعات بين الكيانات والتنظيمات المدنية ذات الطابع القومي في رؤيتها لإدارة البلاد، وبالتنافس بين القادة العسكريين أيضًا، بهدف السيطرة على المؤسسة العسكرية 80. وبذلك نرى أن في هذا الصراع المدني والتنافس العسكري أثرًا واضحًا في تشكيل المشهد السياسي الإثيوبي في أثناء فترة حكومة العسكر. بعد نجاح الثورة الشعبية في إطاحة الإمبراطور هيلا سيلاسي في عام 1974، سيطرت المؤسسة العسكرية على مفاصل السلطة في البلاد بقيادة الجنرال أمان عندوم الذي استولى على السلطة في أوّل الأمر. وبدأ عندوم بتصفية القيادات العسكرية المنافسة له من القوميات الإثيوبية الأخرى؛ ما أدى إلى ظهور الانقسامات العرقية داخل مؤسسة الجيش، واحتدام الصراع بين قياداتها لتنتهي هذه الأوضاع التنافسية باغتيال عندوم وتولي الجنرال منغستو هيلا مريام الحكم في 12 أيلول/ سبتمبر 1974 81. وبذلك شهدت إثيوبيا نظامًا سياسيًّا جديدًا أهمّ ملامحه التحرّر من حكم الفرد المطلق (حكم الإمبراطور)، وانتقل الشعب الإثيوبي إلى نظام سياسي جديد تسيطر عليه المؤسسة العسكرية وفقًا لمفاهيم الحكم الشمولي الذي يتبنّى الماركسية 82. وبالرغم من ذلك، لم يتمكّن الجنرال منغستو من تثبيت أركان حكمه إلّ في عام 1977، عندما اندلعت الحرب الأهلية بين الحكومة وعناصر الحركة الشعبية الثورية لعموم شعوب إثيوبيا ذات الميول اليسارية. تمكّن الجنرال منغستو، في هذه الحرب، من تصفية رئيس المجلس العسكري الجنرال تفاري بنتي، وعدد كبير من أعضاء المجلس العسكري. وكان السبب الأساسي في هذه التصفية الاختلاف الجوهري في الرؤية؛ فالجنرال تفاري يرى ضرورة وضع مصلحة إثيوبيا فوق مصلحة الاشتراكية، بينما يرى منغستو عكس ذلك. انتهى هذا الخلاف بالتخلّص من تفاري وشركائه العسكريين في عملية قتل جماعي داخل الاجتماع، لينفرد منغستو بقيادة الدولة. وبناءً على هذا الموقف الماركسي وجد منغستو الدعم والسند من الاتّحاد السوفياتي في تثبيت حكمه وتدعيمه، وأيضًا في حربه ضد الأقاليم الانفصالية، حيث جرى دعمه بالسلاح والجنود الكوبيين 83. شهدت إثيوبيا، في هذه المرحلة، تنافسًا محتدمًا بين المؤسسات المدنية والعسكرية للسيطرة على السلطة وال وررة، ويظهر هذا التنافس بصورة واضحة في المطالب المتكررة التي يرفعها العمّ ل والطلّ ب والكيانات السياسية اليسارية، وكانت تتلخص في ضرورة تسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيًّا، وفي المقابل كان المجلس العسكري الحاكم يقول باستحالة تحقيق هذا المطلب في ذلك الوقت؛ لأنّ قيادات المؤسسة العسكرية كانت ترى أن المؤسسات والكيانات المدنية المختلفة فشلت في تقديم م وررع سياسي واقتصادي موحد يخرج إثيوبيا من الظروف الاستثنائية التي كانت
تمر بها، وكانت ترى كذلك أنّ ثمة مخاطر وتهديداتٍ تحدق بوحدة الأمة الإثيوبية وتماسكها 84. في ظل هذا الخلاف المدني - العسكري، نجح الجنرال منغستو في فرض نفسه دكتاتورًا جديدًا لإثيوبيا وفي استبعاد جميع منافسيه من العسكريين والمدنيين من دوائر صنع القرار، وأصبح يدير شؤون البلاد بمفرده. وأنشأ العديد من اللجان الفرعية لمساعدته في الإدارة، وكان جميع أعضائها من شخصيات عسكرية تتوزع بين قيادات الهيئة العسكرية المختلفة، ثمّ عمل على عسكرة الوزارات بتعيين أغلبية المحافظين في حكومته من مؤسسة الجيش. وبهذه الإجراءات سيطرت المؤسسة العسكرية على السلطة الإدارية والسياسية في إثيوبيا 85. ظهرت في عهد الجنرال منغستو القبضة الشمولية ومصادرة الحريات والتضييق على الأحزاب والتنظيمات المدنية. وصدر، في هذا الصدد، العديد من القرارات التعسفية ضدّ مشاركة المؤسسة المدنية في الحكم، منها قرار إغلاق مجلس النواب، ووقف العمل بدستور عام 1955، ومنع أي معارضة مدنية كانت أم عسكرية، ومنع إعلان أي إضراب أو عقد اجتماعات أو تنظيم مظاهرات غير مرخّص لها، أو القيام بأي أعمال من شأنها المساس بالأمن أو السلام العامّ، وإنشاء محكمة عسكرية؛ خاصة (قراراتها غير قابلة للاستئناف) لمحاكمة الذين يخالفون الأوامر السابقة، ولمحاكمة المسؤولين الحكوميين السابقين والحاليين الذين يُتهمون بالفساد وسوء استخدام السلطة 86. من الواضح أن هذه القرارات كانت تصب في صالح المؤسسة العسكرية، بعد أن أبعدت كل الأحزاب والتجمعات المدنية من إدارة البلاد. بهذه الإجراءات انفردت المؤسسة العسكرية بالسلطة وعزز الجيش مكانته السياسية، بعد أن سيطر على المؤسسات العسكرية والمدنية في إثيوبيا. وكانت جميع القيادات العسكرية التي شغلت منصب وزير الدفاع في هذه المرحلة التاريخية تؤمن بمبدأ فرض العسكرة السياسية على نُظم الإدارة والحكم. وكانت الميزانية المالية للمؤسسة العسكرية حينها مفتوحة، وتجري إجازتها عن طريق اجتماع بين هيئة الضباط العليا واللجنة العسكرية الحاكمة 87. ولهذا لم يتبقّ للأحزاب والتنظيمات المدنية الإثيوبية سوى خيار المعارضة، وبالفعل نظم المدنيون تنظيمً جيدًا في سبيل إسقاط هذه الحكومة العسكرية. ونتيجة لهذه المعارضة الشديدة اضطرت حكومة منغستو إلى إجراء بعض الإصلاحات السياسية بهدف امتصاص قوى المعارضة، حيث لجأت الحكومة العسكرية إلى تطبيق النهج الاشتراكي بوصفه نموذجًا "إصلاحيًّا" للمشكلات السياسية والاجتماعية في إثيوبيا. وانطلاقًا من المفهوم الاشتراكي جاءت جلّ تشريعات هذه الحكومة العسكرية متأثرة بتوجهاتها الأيديولوجية، خاصّة تلك المفاهيم التي تتعلق بالعدالة والمساواة ومشكلات الصراع الطبقي والتهميش. وأقرّت هذه الحكومة، ولو ضمنيًا في برامجها السياسية، بحقّ تقرير المصير لكلّ القوميات الإثيوبية، ووسعت من نظام التجنيد العسكري في مؤسسات الجيش الوطني 88، وأصبح من حقّ كل القوميات الإثيوبية المختلفة الدخول في المعاهد والمدارس العسكرية، لكن مع احتفاظ أقليّتَي الأمهرا والتيغراي بالمناصب العليا في هيئة قيادة الضباط 89. ونتيجة لهذا الانفتاح السياسي، ظهر العديد من الكيانات والمنظمات والتجمعات والأحزاب المدنية والعسكرية المسلحة التي تطالب بمدنية النظام السياسي، وبدأ بعض الأحزاب المدنية في مشاركة المؤسسة العسكرية في إدارة الحكم. لكن سرعان ما تقلصت مساحة المشاركة المدنية بعد أن شعرت المؤسسة العسكرية بخطر وجود المؤسسات المدنية في الحكم، حيث فرضت الحكومة العسكرية الوصاية على المكوّنات المدنية وقمعتها لتنفرد بالسلطة 90. وما يؤكد هذه الفرضية الشمولية هو إصدار الجيش عددًا من الإجراءات التعسفية ضدّ الكيانات والمنظمات والأحزاب المدنية ذات الخلفيات اليسارية التي دعمته وساندته للوصول إلى الحكم، وكذلك استخدامه القوة العسكرية لردع الحركات القومية الانفصالية 91. لكنّ المؤسسة العسكرية لم تتمكن من القضاء على الكيانات والمنظمات المدنية، على الرغم من هذه الإجراءات القمعية التي باتت فاعلً أساسيًّا في البلاد. واضطرّت الحكومة العسكرية بقيادة منغستو هيلا مريام الذي حكم البلاد في المدة 1987-1977، إلى إجراء العديد من الإصلاحات السياسية لتصحيح مسار العلاقات المدنية - العسكرية والوصول إلى صيغة سياسية توافقية لإدارة الحكومة. وبهدف طمأنة الأحزاب المدنية أقرت المؤسسة العسكرية بضرورة تأسيس جمهورية مدنية تقوم على أسس دستورية جديدة تضمن الحقوق المتساوية لكل الأقاليم الإثيوبية، عن طريق تفعيل نظام الحكم الذاتي للأقاليم 92.
وعلى الرغم من كلّ هذه التنازلات العسكرية لصالح المؤسسات الحزبية والمدنية، فإنّها كانت أقلّ بكثير من تطلعات هذه المؤسسات في رؤيتها لإدارة شؤون البلاد؛ لأنها كانت تريد إخراج المؤسسة العسكرية بصورة نهائية من المشهد السياسي، والوصول إلى سلطة مدنية كاملة. ولهذا واصلت الأحزاب السياسية دعمها للاحتجاجات الشعبية ضد المؤسسة العسكرية، وخلال هذه الفترة ظهر عدد من المنظمات القومية والعرقية التي أعلنت الكفاح المسلح ضدّ حكومة منغستو العسكرية، وأسست الأحزاب اليسارية في أوائل عام 1975، جبهة تحرير شعب التيغراي، بينما أسست جميع الكيانات والمنظمات المدنية الإثيوبية جبهة موحدة لإطاحة نظام الحكومة العسكرية. ووقّعت هذه الكيانات كذلك وثيقة نظام سياسي مدني جديد يعيد هيكلة المجتمع الإثيوبي بعد إزالة نظام منغستو العسكري 93. واصلت الأحزاب السياسية وبعض أفراد المؤسسة العسكرية معارضة سياسات الحكومة العسكرية، وفي عام 1989، تحالفت جبهة التيغراي مع الحركة الديمقراطية لشعوب إثيوبيا، مكوّنة ما يُعرف ب "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية." أعلنت هذه الجبهة الجديدة تخلّيها عن الأيديولوجية الماركسية، وتبنّت التوجهات الليبرالية بغرض الحصول على الدعم من الدول الغربية. وتمكنت المؤسسة المدنية عمومًا في نهاية المطاف، بمساعدة مجموعة من العسكريين، من تحقيق هدفها السياسي في إطاحة حكومة منغستو العسكرية، واستولت على السلطة في عام 1991 94.
3. تطور العلاقات المدنية - العسكرية في عهد الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية
ألقت الخلافات والصراعات والتنافس على السيطرة على الكيانات والتنظيمات المدنية والعسكرية بين القوميات الإثيوبية المختلفة، في عهد حكومة منغستو العسكرية، بظلالها على المشهد السياسي في البلاد، حيث تفاقمت المشاعر القومية لدى المكوّنات الأخرى المناوئة لهيمنة قومية الأمهرا. وكان من الطبيعي، عند القضاء على سلطة منغستو الذي ينتمي إلى قومية الأمهرا، أن تحلّ قومية أخرى محلّها في الحكم، فقد تمكنت قومية التيغراي من السيطرة على الحكم بقيادة ميليس زيناوي 2012-1955()، الذي عمل على ترسيخ موقع التيغراي في السلطة بإنشاء حزب جديد حلّ محلّ حزب العمال الإثيوبي (الشيوعي) الذي أسّسه منغستو، ويُعرف باسم الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية؛ وهذا الحزب هو ائتلاف يضم مجموعات التمرد القومية 95، وبهذه السيطرة الائتلافية دخلت إثيوبيا مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات المدنية - العسكرية، وما زالت هذه المرحلة لم تتشكّل بعد بصورتها النهائية.
بعد أن تمكنت الجبهة الديمقراطية الثورية من إطاحة الحكومة العسكرية، سعت مباشرة إلى إصلاح الحياة السياسية والعسكرية، خاصة في ظل انهيار مؤسسة الجيش وتفكيكها بعد أن كان يعتمد عليها الجنرال منغستو في إدارة الدولة، والعمل على تحويل قوّات الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي والجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا، لتكون الجيش الوطني الجديد برؤية سياسية جديدة مغايرة تمامًا لرؤية المؤسسة العسكرية السابقة 96. واضح أنّ هذا التحدي والتحديات الداخلية الأخرى 97 كانت تتطلّب موقفًا صلبًا من النخبة السياسية ومؤسسة الجيش الجديدة، كي لا تدخل البلاد في أتون الصراعات الأهلية. وبهذا فرضت هذه الأوضاع الداخلية الحرجة واقعًا سياسيًّا جديدًا يقضي بضرورة تعاون المؤسستين المدنية والعسكرية في العمل السياسي 98. وربما لهذا السبب اتجهت النخبة الجديدة في إثيوبيا إلى عقد مؤتمر جامع حدّدت فيه شكل النظام
السياسي الجديد، وأيضًا الوصول إلى وثيقة دستورية انتقالية تعالج جذور أزمة الهوية الوطنية، وتصلح العلاقات المدنية - العسكرية، ومن أهم نتائج هذا المؤتمر التوافق بشأن وثيقة دستورية قانونية تحكم البلاد، عُرِفت باسم "ميثاق المرحلة الانتقالية." وقد اعترف هذا الميثاق القانوني بحقّ تقرير المصير لجميع الأمم والقوميات في البلاد، وسمح، في الوقت ذاته، لكل جماعة عرقية بإقامة حكم ذاتي، ورسم حدود العلاقة ما بين المؤسسات المدنية والعسكرية في نظام الحكم الجديد، ولهذا يعدّ هذا الميثاق السياسي حجر الزاوية لما عُرف فيما بعد بمشروع الفدرالية الإثنية 99. بناء على ما سبق، فرض هذا الميثاق الدستوري المتوافَق عليه واقعًا سياسيًّا جديدًا ينظّم شكل العلاقة المدنية - العسكرية في أنظمة الحكم والإدارة. وبموجبه جرى التأكيد على ضرورة أن تتولّ منصب وزارة الدفاع شخصية مدنية تسهم في هيكلة العلاقة المدنية - العسكرية وصياغتها وفقًا لأسس احترافية ومهنية تمكّن مؤسسة الجيش من التعامل مع القضايا السياسية بطرق مهنية احترافية أكثر من ذي قبل 100. صحيح أنّ الحكومة لم تلتزم بتعيين شخصيات مدنية خالصة في إدارة وزارة الدفاع في أول الأمر، لكن مع مرور الوقت بدأت الشخصيات المدنية ذات الخلفيات العسكرية ترأس وزارة الدفاع، وما يؤكد هذا الاتجاه الآن هو أن وزارة الدفاع الإثيوبية ترأستها شخصية أكاديمية ذات خلفية عسكرية، وهي قنأ يادتا 101. ومن الواضح أنّ هذا التطوّر في العلاقة بين المؤسستين العسكرية والمدنية أسهم بصورة مباشرة في توسيع مساحة العمل الحزبي الديمقراطي، وهذا ما يتضح من ظهور التكتلات الائتلافية المدنية - العسكرية، أو الائتلافات والتحالفات المدنية العريضة 102. ومن أهمّ هذه الائتلافات التي ظهرت خلال تلك الفترة التاريخية، ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية سِّس في عام، وضمَّ كًّلًّ من جبهة تحرير التيغراي، الذي أ 1994 والحركة الديمقراطية لقومية الأمهرا، والمنظمة الديمقراطية لشعب الأورومو، والحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا 103. كان من أهم أهداف هذا التجمع الائتلافي العمل على قيادة التحوّل الديمقراطي وإصلاح نظام الحكم السياسي. ولتحقيق ذلك طرحت النخبة السياسية لهذا الائتلاف ركيزتين أساسيتين للإصلاح السياسي؛ تتمثل الأولى في ضرورة تبنّي نموذج الفدرالية الإثنية في إثيوبيا، وذلك بغية معالجة جذور الأزمة التاريخية للاندماج القومي في البلاد، ودعمت الدول الغربية التي تدعو إلى تبنّي النظام الديمقراطي، هذا المحور الإصلاحي، واعتبرته حًّلًّ وسطًا يضمن لإثيوبيا وحدتها الوطنية من ناحية، ويحقق لبعض القوميات والعرقيات المختلفة حدًّا مقبولً من طموحات الحكم الذاتي من ناحية أخرى، بينما تتمثّل الركيزة الثانية في ضرورة العمل على تحقيق معدلّات تنموية مقبولة لمعالجة المشكلات الناجمة عن الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة التي كانت سببًا أساسيًّا لتمرّد القوميات والعرقيات المهمشة التي غالبًا ما تنادي بالانفصال 104. على الرغم من الانتقادات العديدة الموجهة إلى الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية في برامجها السياسية والاقتصادية، فإنّها استطاعت أن تحقق النجاح، على مدى يزيد على عقدين من الزمن، في تعزيز الاستقرار السياسي وتقليص الميول الانفصالية للقوميات والعرقيات المختلفة، وأيضًا في تحجيم دائرة العنف المسلّح الذي ساد فترة طويلة، بعد أن زاد عدد قبول القوميات الإثيوبية المختلفة للتجنيد العسكري في المعاهد والمدارس العسكرية الوطنية التي تخرّج الضباط. لكن مع استمرار التفوّق الواضح لقوميّتي الأمهرا والتيغراي في قيادات الهيئة العسكرية، نجحت في رسم سقف العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية. وفي ظل هذه الحكومة انسحبت المؤسسة العسكرية من إدارة أغلب المؤسسات المدنية العامة في الدولة، لكنها احتفظت ببعض المؤسسات المدنية التي يمكن أن تسهم في تقوية الجيش أو قوات الدفاع الوطني. وبهذا الواقع السياسي الجديد صارت مؤسسة الجيش لا تستطيع الانفراد بالسلطة المطلقة 105. وبناءً عليه، نرى أنّ لهذه الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تبنّتها حكومة الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا في رؤيتها الإصلاحية لمسار بناء الدولة الإثيوبية، أثرًا واضحًا في رسم خريطة جديدة لطبيعة العلاقات المدنية - العسكرية، تتّسم بالتوافق والمشاركة في إدارة النظام السياسي الإثيوبي تحت قيادة مدنية.
عمومًا، شهدت إثيوبيا في عهد حكم ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا بقيادة رئيس الوزراء ميليس زيناوي عددًا من المحاولات الإصلاحية في النظم السياسية والقانونية وفي بناء المؤسسات السياسية. وتجلّت فلسفتها في إصلاح النظام السياسي باستحداث نظام التجربة الفدرالية المرتبطة بالقوميات والمجموعات القبلية المتجانسة - أي نظام الفدرالية الإثنية - الذي يُعدّ واحدًا من أبرز تجارب نظم الحكم في القارة الأفريقية، لكونه يعتمد على نظام الفدرالية الإثنية. وبموجب هذا النظام السياسي الجديد قُسّمت إثيوبيا إلى تسعة أقاليم ومدينتين فدراليتين وفقًا للتوزيع الجغرافي للقوميات الموجودة فيها 106. وبهذه الإصلاحات أصبح نظام الحكم يقوم على نظام مجلس النوّاب الفدرالي، وفي هذا النظام السياسي يمارس رئيس الوزراء السلطة التنفيذية من غير أيّ تأثير أو تدخّل من المؤسسة العسكرية التي أصبحت جزءًا من مجلس الوزراء، ويمثلها وزير الدفاع في اجتماعات الحكومة التي يرأسها رئيس الوزراء المدني، كما أصبحت الميزانية العسكرية، بعد أن يتم تحديدها من طرف مؤسسة الجيش، تخضع للمراجعة العامّة، ثم تقدّم للبرلمان المنتخب لإجازتها أو رفضها 107. وبناءً على ما سبق، يتّضح أنّ المشهد السياسي في إثيوبيا، في هذه الفترة، تحوّل من مفهوم نظام الحكم الشمولي إلى مبادئ مفاهيم التعددية الحزبية في إدارة البلاد باعتماد النظام الانتخابي للوصول 108. وفي آب/ أغسطس إلى الحكم 1995، نظّمت أول انتخابات في البلاد - لم تكن المنافسة فيها قوية - فاز فيها ائتلاف الجبهة الثورية الديمقراطية لشعب إثيوبيا، وأصبح زيناوي أول رئيس وزراء منتخب 109. وفي أيار/ مايو في تاريخ إثيوبيا 2005، جرت الانتخابات الثانية، وفازت فيها الجبهة الثورية الديمقراطية بقيادة زيناوي أيضًا. ووصف المراقبون هذه الانتخابات بأنّها ديمقراطية قامت على أسس حقيقية وتنظيم جيد يقود إلى ديمقراطية حقيقية في البلاد. ونافس ائتلاف الوحدة الديمقراطية المعارض لحكومة الجبهة الثورية الديمقراطية منافسة قوية جدًّا؛ إذ نال دعمً كبيرًا في المدن والأقاليم 110. وفي انتخابات أيار/ مايو 2010، فازت الجبهة الثورية الديمقراطية لشعب إثيوبيا بكلّ المقاعد تقريبًا في مجلس نوّاب الشعب المؤلف من 547 مقعدًا. ولعلّ هذا هو سبب الشكّ في نزاهتها، حيث اعتبرت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي أن الانتخابات تفتقر إلى معايير الشفافية الدولية، وبذا فإنّها لم تؤدّ مقصدها بتجسيد مقوّمات النظام الديمقراطي الحقيقي 111. وفي أيار/ مايو 2015، حقّق الائتلاف الحاكم في إثيوبيا فوزًا ساحقًا ومتوقعًا في انتخابات مجلس نواب الشعب الإثيوبي؛ إذ حصل على 442 مقعدًا من أصل 547، وعيّ هايلي مريم ديسالين رئيسًا للوزراء 112. وفي الانتخابات الأخيرة عام 2021، حاز الحزب الحاكم "حزب الازدهار الإثيوبي" غالبيةً واسعة في الانتخابات التشريعية. وبذلك الفوز ضمن رئيس الوزراء آبي أحمد تفويضًا شعبيًّا لإدارة حكم البلاد، حيث حصل الحزب على 410 مقاعد من أصل 436 مقعدًا 113. وبغضّ النظر عن ديمقراطية العملية الانتخابية ونتائجها، فإنّها تشير إلى نجاح حكومة ائتلاف الجبهة الثورية الديمقراطية في التوافق على مستوى العلاقة المدنية - العسكرية، وواضح أنّ هذا التوافق فرضته عدّة عوامل؛ أوّلً: الدستور الإثيوبي الذي وضع أسس هذه العلاقة القائمة على التسلسل البيروقراطي التنظيمي. ثانيًا: العوامل المتعلقة بالخلفيات العرقية والأيديولوجية للحركات السياسية المسلّحة التي شكّلت الجيش الوطني الجديد. ثالثًا: المؤسسة العسكرية التي أصبحت تتميز بقدر معقول من الاحترافية في التعامل مع المؤسسات المدنية، وربّ ا لهذا ازدادت في هذه الفترة نسبة المشاركة والتنسيق بين المؤسستين في إدارة البلاد. رابعًا: حكومة الائتلاف التي نجحت في إصدار قانون يسمح للقيادات العسكرية بالترشّح للانتخابات والوصول إلى الحكم عن طريق العملية الانتخابية، شريطة أن تنزع تلك القيادات البزّة العسكرية قبل العملية الانتخابية، وتترشّح في الانتخابات بثوب المؤسسة المدنية. وبهذا المفهوم السياسي الجديد في نظام الحكم انتقلت إثيوبيا نحو تطبيق مفاهيم الديمقراطية في نظام حكمها، وتقنين مشاركة المؤسسة العسكرية في عملية حكم البلاد بالإجراءات الدستورية 114.
ثالث ا: مستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا
يناقش هذا المحور المحدّدات التي ترتبط بمستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا، وفقًا لمفهوم نظرية التوافق التي تنتقد، كما سبقت الإشارة إليها آنفًا، فكرة الفصل بين اختصاصات المؤسسات المدنية والعسكرية؛ لأنها تعتبر الفصل غير منطقي، ومن المستحيل تحقيقه في دولة مثل إثيوبيا، وخصوصًا إذا نظرنا إلى مصالح المؤسسة العسكرية الإثيوبية التي تتطلب التدخل السياسي للحفاظ على هوية الأمة الإثيوبية، والتي قد تتعارض مع مصالح النخبة السياسية المسيطرة على السلطة 115. وبناءً عليه نتناول هذا المحور من خلال عدة محدّدات.
1. التكوين الاجتماعي للجيش وأثره في طبيعة المحدّد الوظيفي للمؤسسة العسكرية
كانت العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا، ولم تزل، تتأثر بالهيكل الاجتماعي لهيئة القيادة العسكرية العليا، وبذلك يتأثر مستقبل هذه العلاقات بتوجهات النخبة التي تسيطر على هيئة كبار الضبّاط، خاصّة أنّ تاريخ البلاد يشير إلى سيطرة مجموعتَي الأمهرا والتيغراي فقط على هيئة القيادة والأركان العسكرية، بينما همّشت جميع القوميات والعرقيات الإثيوبية الأخرى 116. فإذا استمرت هذه الهيمنة بالتناوب بين هاتين المجموعتين على مؤسسة الجيش مستقبلً، فستتأثر المهمّ ت الوظيفية للجيش برؤية هذه الأقلية من النخبة، وبهذا تصبح المؤسسة العسكرية فاعلً سياسيًّا يُستخدم لحماية المصالح الضيقة للأقلّيات القومية أو النخب التي تسيطر على نظام الحكم 117. وسيؤثر هذا التكوين القبلَي الحالي للجيش مستقبَلً في الأداء الوظيفي والمهني للمؤسسة العسكرية، وحتى في درجة التجانس بين قوّاتها المكوّنة من مجموعات عرقية وقبَلية مختلفة. وللتذكير فإنّ الجيش الإثيوبي عرف صراعًا طبقيًّا بين ثلاث فئات: قياداته العليا التي ترتبط برباط المصاهرة مع الأسرة المالكة، وصغار الضباط من أبناء البرجوازية الصغيرة، وقاعدة الجيش من أبناء الفلّ حين المضطهدين. وكانت هذه التناقضات الاجتماعية أساس روح التذمر والتمرد داخل المؤسسة العسكرية. ومع تأزّم الأوضاع المعيشية في إثيوبيا، في تلك المرحلة، خرج الجيش على الإمبراطور، ووقف ضد نظام حكمه، وأطاحه 118. في إطار سعي حكومة آبي أحمد لمعالجة جذور هذه المشكلة، اتّجهت رؤيته لإصلاح النظام السياسي إلى اعتماد نظام الحكم المركزي، باعتباره الحلّ الأمثل للمشكلات السياسية في إثيوبيا. وربّ ا لهذا السبب لجأ إلى تأسيس نظام مركزي ديمقراطي يستطيع أن يؤثر في طبيعة عمل التنظيمات المدنية والعسكرية بمفهوم مركزي يقوم على مبدأ المواطنة بدلً من المفاهيم العرقية والقبَلية. ويمثّل تنفيذ هذه الرؤية السياسية الجديدة تحدّيًا كبيرًا لحكومته، خاصّة في ظلّ تباين رؤى القوميات الإثيوبية الأخرى حيال مشروع إصلاح النظام السياسي 119. لذا يمكن القول إنّ العلاقات بين المؤسستين المدنية والعسكرية ستتأثر مستقبلً بتلك السياسات المركزية الرامية إلى إرساء نظام سياسي جديد يقوم على المواطنة بدلً من رابطة القومية والعرقية التي تكرّست مع تجربة نظام الفدرالية الإثنية التي أوصلت البلاد إلى حافة التوتر والانهيار والتفكك، بحسب زعم السلطة في أديس أبابا 120. يرى حزب الازدهار الإثيوبي وبعض تيارات المعارضة الأمهرية ذات التوجه المركزي أنّ المشكلة الحقيقية في إثيوبيا هي طبيعة نظام الفدرالية الإثنية؛ لأنّه يعتمد، في تطبيقه، على أسس إثنية بحتة دون اعتماد المواطنة مرجعًا أساسيًّا يُبنَى عليه مفهوم الوطنية الإثيوبية، فضلً عن المشكلات الخاصّة بمثل هذه النظم السياسية عند تطبيقها،
حيث يتجلى العديد من الصعوبات والتحديات التي تفرغ النموذج من محتواه السياسي والإداري. وقد أدّى هذا الأمر إلى إدخال البلاد في عدد من النزاعات القبلية بين القوميات والشعوب التي ظلّت تتعايش مع بعضها طوال عقود من الزمن. وترى هذه الأحزاب الائتلافية أيضًا أنّ هذا المشروع يزيد من خطاب التطرّف في البلاد وسط الأقاليم الطرفية، إذا لم تتبنّ الحكومة الاتحادية سياسات مركزية واضحة 121. سياسيًّا، يعدّ موقف حزب الازدهار الإثيوبي تسويغًا لطرح تصوّر إصلاحي يكون بديلً للفدرالية الإثنية، وليس تقويمًا محكمً لها. فعلى العكس من ذلك، يرى متخصّصون أنّ تجربة الفدرالية الإثنية التي تعيشها إثيوبيا من التجارب المهمّة في تاريخها السياسي لتعبيرها عن تطلعات الملايين من الإثيوبيين الذين يتوقون إلى نظام ديمقراطي أفضل، ولكونها قادرة على معالجة التباين في المشكلات السياسية التي تظهر بين المركز والأقاليم. عمومًا، إذا حاول رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد فرض سياساته المركزية التي تؤمن بمبدأ المواطنة فقط، سيؤدي ذلك، في الغالب، إلى انسداد الأفق السياسي والاضطرابات وتأزّم المواقف المختلفة بين العاصمة الفدرالية والأقاليم، وبذا سيضطر إلى إعادة إنتاج تجارب الأنظمة التسلّطية السابقة التي تتميّز بعسكرة نظمها السياسية، ويصبح الجيش في هذه الحالة وسيلة مهمّة وفعالة في حسم الاحتجاجات والصراعات. وبدأت بوادر هذا الاتجاه تظهر في قمع الاحتجاجات في إقليم الأورومو وبعض الأقاليم الأخرى التي تعارض سياسة المركزية، وكذلك الحرب الأهلية الحالية بين الحكومة المركزية وجبهة تحرير التيغراي 122. واضح أنّ هذه الحرب هي إعادة تدوير للتاريخ السياسي الإثيوبي المتمثل في التنافس بين قوميّتَي الأمهرا والتيغراي للسيطرة على الحكم والدولة، خاصّة إذا أخذنا في الحسبان التحالف بين آبي أحمد وقومية الأمهرا التي تكافح من أجل سلطة سلبتها منها، بحسب اعتقادها، قومية التيغراي. عمومًا، سيتيح استمرار هذه الحرب الأهلية فرصة للقيادات العسكرية لتتصدّر المشهد السياسي على حساب المؤسسات المدنية، وهذا ما سينعكس سلبيًا على العلاقات المدنية - العسكرية. في المقابل، إذا استطاعت الحكومة الحالية إيجاد الحلول والمعالجات الصحيحة ذات الطابع المدني لتلك التحديات السياسية المعقّدة، فإنها ستنجح في رسم خريطة سياسية جديدة لهذه العلاقات تسمح بمواصلة سيطرة المدنييّن على المؤسسة العسكرية التي غالبًا ما تؤدي وظيفتها دون التدخل في شؤون الحكم.
2. العلاقات الخارجية وتأثيرها في احترافية القوات المسلحة الإثيوبية
يرتبط استمرار توافق العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا بمدى تأثير العامل الخارجي في طبيعة العلاقة بين المؤسسات المدنية والقوات المسلحة. وثمّة شواهد تاريخية تشير إلى التدخل الخارجي في شؤون الحكم والإدارة لصالح فئة معيّنة على حساب المكونات الأخرى، ومن الأمثلة على ذلك تدخّل بريطانيا الذي أسهم في استعادة عرش الإمبراطور هيلا سيلاسي وإنهاء الاحتلال الإيطالي لإثيوبيا، وإفشال الانقلابات العسكرية التي حدثت في تلك الفترة التاريخية، وكذلك تدخّل الاتحاد السوفياتي لحماية حكومة منغستو العسكرية من الانقلابات 123. وربّ ا تؤثّر مواقف الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بشأن الأحداث الجارية الآن في إقليمي التيغراي والأورومو، في سير العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا، ويتوقف هذا التأثير على طبيعة مواقف هذه القوى الدولية من الحكومة الحالية. إنّ مستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في إثيوبيا رهن لطبيعة المساعدة العسكرية الخارجية في عملية التدريب والتسليح أيضًا، وغالبًا ما تؤدي هذه المساعدات إلى تقوية المؤسسة العسكرية على حساب المؤسسات المدنية. وتعتمد إثيوبيا كثيرًا على المساعدات العسكرية الخارجية في عملية إعداد المؤسسة العسكرية وتسليحها 124. وبناءً عليه، نرى أنّ نتائج هذا الدعم النهائية في مستقبل العلاقات المدنية - العسكرية تكوّن أحد الاتجاهين: إمّا أن تسيطر مؤسسة الجيش على نظام الحكم بدعم من الدول التي تقدّم المساعدات، وإما أن تسهم تلك المساعدات العسكرية في احترافية الجيش الإثيوبي في التعامل مع القضايا السياسية المعقدة، وبذا تتقلص مساحة المشاركة السياسية للمؤسسة العسكرية في السلطة، بالنظر إلى أن شروط المساعدة العسكرية الغربية تكون مرهونة دائمًا بحياد الجيش في الأمور السياسية، من أجل دعم عملية التحوّل الديمقراطي في بلدان العالم الثالث 125. أخيرًا، يتوقف مستقبل العلاقات بين المؤسسات المدنية والعسكرية في إثيوبيا، على طبيعة رؤيتها لسياستها الخارجية، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين السياستين الخارجية والعسكرية. وبناءً عليه يُعدّ حجم التهديدات التي تتعرض لها الدولة في علاقاتها الخارجية، ونوعها، من العوامل المؤثرة في السياسة العسكرية في تحديد دور الجيش بوصفه فاعلً سياسيًّا في الشؤون الداخلية للدولة 126، فعلى سبيل المثال تقوم
سياسة إثيوبيا الخارجية على ثلاث رؤى؛ أولً: اعتمادها على أهمية الارتباط بدولة كبرى من أجل تأمين السلطة الحاكمة وحمايتها من أطماع الدول المجاورة، ثانيًا: ضرورة إيجاد موطئ قدم في ساحل البحر الأحمر بهدف السيطرة على بعض الموانئ المهمّة في التجارة العالمية في المنطقة، ثالثًا: تقليص تأثيرات القومية العربية في الداخل الإثيوبي، حيث تستشعر الأنظمة المتعاقبة على الحكم خطر تأثيرات القومية العربية والتضامن الإسلامي، خاصة أن إثيوبيا تعتبر نفسها جزيرة مسيحية وسط محيط عربي إسلامي له القدرة على التأثير في مكوناتها الداخلية 127. في ضوء ذلك أثّرت هذه الرؤية السياسية للنخب الإثيوبية الحاكمة في تحديد طبيعة العلاقات بين المؤسستين المدنية والعسكرية، وكذلك تمكّنت إثيوبيا من تهيئة الرأي الدولي للتجاوب مع الموقف الإثيوبي وسط هذه المهددات الخارجية التي تحيط بالبلاد من جميع دول الجوار. وبناءً على تلك الرؤية السياسية، نحسب أنّ مستقبل العلاقة المدنية - العسكرية في إثيوبيا رهنٌ لقدرة النظام الحاكم على التعامل مع قضايا السياسة الخارجية ومهدداتها، بما يحقق مصالح الدولة الإثيوبية بأقل الخسائر السياسية.
خاتمة
في ضوء مؤشرات نظرية التوافق في تحليل العلاقة المدنية - العسكرية، تتبّعت هذه الدراسة تطوّر تلك العلاقة في إثيوبيا، وجادلت بأنّ للتنوع الثقافي والعرقي تأثيرًا كبيرًا في ديناميّتها وتحولّات الأنظمة السياسية المتعاقبة. ودلّت الدراسة على أن التركيبة الاجتماعية والتوزيع القبلَي أثّرا في عمليات إصلاح الأنظمة السياسية المتعاقبة؛ إذ إنّهما أسهما بصورة مباشرة في القضاء على نظام الحكم الإمبراطوري المطلق، والحكم العسكري الشمولي، ثمّ ساعدا كثيرًا في إقرار مشروع الإثنية الفدرالية. وإذا كانت الدراسة أثبتت أنّ السيرورة التاريخية توضح توجّه العلاقة المدنية - العسكرية في إثيوبيا نحو التوافق والتشارك في إدارة حكم البلاد، فإنّها تبين أيضًا أنّ حاضر العلاقات. ومستقبلها يواجهان العديد من الصعوبات والتحدّيات القومية والانفصالية التي يمكن أن تؤثر في المحدّد الوظيفي للجيش، وعملية صنع القرار، وطبيعة السياسات الخارجية المتّبعة. أوضحت الدراسة أنّ المؤسسات المدنية والعسكرية لم تشارك في إدارة شؤون إثيوبيا في فترة حكم الإمبراطور منليك الثاني للبلاد، وفي المقابل، بيّنت أنّ المؤسسة العسكرية والتنظيمات والأحزاب المدنية استفادت كثيرًا من هامش الإصلاحات السياسية التي قام بها الإمبراطور هيلا سيلاسي؛ إذ بدأ التنسيق والعمل المشترك إبّان هذه الفترة لإصلاح نظام الحكم الإثيوبي، وأثمرت العلاقات الجيدة بين الطرفين إطاحةَ حكم هيلا سيلاسي. ووضّ حت الدراسة أيضًا انفراد مؤسسة الجيش بالسلطة في زمن حكم منغستو العسكري واستبعاد التنظيمات والأحزاب والتجمّعات المدنية من المشاركة في السلطة سنوات طويلة، على الرغم من دور هذه القوى المدنية في التخلص من النظام الإمبراطوري لهيلا سيلاسي. ثمّ بيّنت حالة التوافق في العلاقة بين المؤسستين المدنية والعسكرية في فترة سيطرة ائتلاف الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا على نظام الحكم في البلاد. وأخيرًا ترى الدراسة أنّ استمرار التوافق في العلاقات المدنية - العسكرية ومواصلة السيطرة المدنية على نظام الحكم في المستقبل مرهونان بمدى صدقية حكومة آبي أحمد في تنفيذ شعارات المركزية والمواطنة بالطرق الديمقراطية والقانونية الصحيحة التي تقوم على مبادئ العدل والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المكوّنات القومية الإثيوبية.
References المراجع
العربية
أبو العينين، محمود. إدارة وحل الصراعات العرقية في أفريقيا. طرابلس: الدار الجامعية للنشر والتوزيع،.2008 أسعيدي، إبراهيم، وراشد محمد النعيمي. "العسكرة مقاربة نظرية لُباب. العدد تأصيلية." 13.)2022(باراني، زولتان. "جنود الجزيرة العربية: لماذا فرضت ثلاث دول سياسات عربية. مج خليجية التجنيد الإلزامي؟." 5، العدد 27 (تموز/ يوليو.)2017 بشارة، عزمي. "الجيش والحكم: إشكاليات نظرية." سياسات عربية. مج 4، العدد 22 (أيلول/ سبتمبر.)2016 بشير، عبد الوهاب الطيب. الأقليات الدينية والعرقية ودورها في التعايش الديني في إثيوبيا: من الإمبراطورية إلى الفدرالية 2007-1930 م. الخرطوم: جامعة أفريقيا العالمية، مركز البحوث والدراسات الأفريقية،.2009 الجبوري، عمار وجيه محمود نجم. أوضاع إثيوبيا: في ظل الاحتلال الإيطالي (1941-1935). القاهرة: بورصة الكتب للتوزيع والنشر،.2018 حجاج، محمد. إشكاليات الحكم في أفريقيا: إثيوبيا ونيجيريا دراسة مقارنة. سلسلة أفريقيات 5. القاهرة: الهيئة المصرية العامّة للكتاب،.2019 تاريخ إثيوبيا. القاهرة: المكتبة الأنجلو مصرية رياض، زاهر.،.1966 زاوي، رابح، وفارس لونيس. "فهم صيرورة العلاقات المدنية العسكرية من خلال صيرورة نظرية التوافق." الناقد للدراسات السياسية. مج 4، العدد 1.)2020(سعدي، محمد. "إمكانيات إصلاح مؤسسة الجيش ورهاناته في العالم سياسات عربية. مج العربي: دراسة أولية مقارنة." 4، العدد 20 (كانون الثاني/ يناير.)2017 عبد الكريم، محمد. إثيوبيا من الهيمنة إلى العزلة. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع،.2022 عبد اللطيف، محمد أحمد. "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية بين الفكر والحركة." رسالة دكتوراه غير منشورة. قسم العلوم السياسية. كلية الدراسات الأفريقية العليا. جامعة القاهرة. القاهرة..2016 علّم، عبد الله فيصل. العلاقات المدنية - العسكرية والتحوّل الديمقراطي في مصر يوليو/ تموز 1952 - يوليو/ تموز 2013. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2018 عودة، عبد الملك. أفريقيا تتحول: كلام في الديمقراطية. القاهرة: مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع،.2010 غماري، طيبي. الجندي والدولة والثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 محمد، محمد أحمد عبد اللطيف. التطوّر السياسي لجبهة تحرير أورومو. القاهرة: المكتب العربي للمعارف،.2015 مصباح، شروق رياض. الأقليات في إثيوبيا: الأنثروبولوجيا الاجتماعية. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2018.
الأجنبية
Abate, Yohannis. "Civil-Military Relations in Ethiopia." Armed Forces & Society. vol. 10, no. 3 (1984). Adejumobi, Saheed A. The History of Ethiopia. London: Greenwood Press, 2007. Assensoh, A. B. & Yvett M. Alex- Assensoh. African Military History and Politics Coups and Ideological Incursions 1900. New York: Palgrave, 2002. Berhe, Mulugeta Gebrehiwot. "The Ethiopian Post-Transition Security Sector Reform Experience: Building a National Army from a Revolutionary Democratic Army." African Security Review. vol. 26, no. 2 (2017). Bland, Douglas L. "A Unified Theory of Civil-Military Relations." Armed Forces & Society. vol. 28, no. 1 (1999). Caforio, Giuseppe. Handbook of the Sociology of the Military. New York: Springer, 2003. Cochran, Charles. Civil-Military Relations: Changing Concepts in the Seventies. New York: Free Press, 1974. Danopoulos, Constantine P. & Cynthia Watson (eds.). The Political Role of the Military: An International Handbook. London: Greenwood Press, 1996.
Decalo, Samuel. Coups and Army Rule in Africa Motivations and Constraints. New York: Yale University, 1990. Diamond, Larry & Marc F. Plattner (eds.). Civil-Military Relations and Democracy. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1996. Ebo, Adedeji. "Towards Code of Conduct for Armed Security Forces in African Opportunities and Challenges." Policy Paper. Geneva Center for the Democratic Control of Armed Forces (DCAF) (2005). at: https://bit.ly/3CIwed0 Goodpaster, Andrew & Samuel Huntington. Civil-Military Relations. Washington, D.C.: American Enterprise Institute for Public Policy Research, 1977. Huntington, Samuel P. The Soldier and the State. New York: Belknap Press, 1957. Johnson, Johnson J. The Role of the Military in Underdevelopment Countries. New Jersey: Prang Cetin University, 1962. Malan, Jannie. Guarding the Guardians: Civil-Military Relations and Democracy in Africa. Durban: African Center for the Constructive Relation of Disputes, 2011. Movoe, Isaac. The Performance of the Soldiers as Governors: Africa Politics an African Military. Washington, D.C.: University Press of America, 1980. Ofcansky, Thomas P. & Laverle Barry. Ethiopia a Country Study, Minnesota; Federal Research Division. Washington: Federal Research Division, Library of Congress, 1993. Ottaway, Marina & David Ottaway. Ethiopia: Empire in Revolution. New York: African Publishing Company, 1987. Schiff, Rebecca L. The Military and Domestic Politics: A Concordance Theory of Civil-Military Relations. New York: Routledge, 2009. Tordoff, William. Government and Politics in Africa. New York: Macmillan, 2002. Willis, John. Civil Society and the State in Africa. New York: Lynne Reiner Publishers, 1997.
* Suhaib Mahmoud صهيب محمود |
فهم انفصال صوماليلاند: تأريخ تشك ل الدولة الصومالية وإخفاقها (1960 - 1991)
Understanding the Secession of Somaliland: History of the Formation and Failure of the Somali State (1960 - 1991)
تسعى هذه الدراسة لتفهم انفصال صوماليلاند، وتقرأ خلفياته ودوافعه ومبرراته التاريخية والسياسية والقانونية، وتطرح فرضية رئيسة هي أن الانفصال نتيجة موضوعية للعوامل البنيوية والسياسية والثقافية التي أحاطت بنشأة الدولة الصومالية وتوحيدها في فترة ما بعد الاستقلال. وتحاجّ بأن المنظور التاريخي يوفر فهمً ا أفضل ليس في حالة انفصال صوماليلاند فحسب، بل أيض ا لاستيعاب الجذور العميقة لتحوّل الصومال إلى حالة أنموذجية لفشل الدولة الوطنية القطرية. وتنطلق من خلفية عامة حول التشك ل السوسيوتاريخي الحديث لشبه الجزيرة الصومالية. وتحدّد نطاق اشتغالها الزماني والمكاني على أربع مراحل أساسية، تبدأ من تاريخ تكوّن الدولة الحديثة في إقليمَي صوماليلاند البريطاني والصومال الإيطالي، وصولُا إلى قيام الدولة الصومالية الق طرية بصيغتها القومية الموحَّدة، ومن ثم تمرّ إلى تفسير مبررات انفصال صوماليلاند وخلفياته عن باقي الصومال في عام 1991، وكذا تشرح عوائق هذا الانفصال، وتختتم بتقييم مقاربات المجتمع الدولي منه ومواقفها. كلمات مفتاحية: الدولة الوطنية، الاستعمار، الصومال، صوماليلاند. This article seeks to understand the secession of Somaliland by exploring its historical, political and legal motives and rationales. It suggests that the secession is a notable outcome of the structural, political and cultural factors surrounding the emergence and unification of the Somali state post-independence. The article argues that the historical perspective offers a better understanding of not only the secession of Somaliland, but also why Somalia is a textbook case for the failure of the nation-state. The article starts with a general background on the modern socio-historical history of the Somali peninsula and analyses four key moments, starting from the history of the formation of the modern state in British and Italian Somaliland, leading to the establishment of Somalia as a unified nation-state. Accordingly, the article explains the rationale behind the secession of Somaliland from Somalia in 1991 , as well as the obstacles to this secession, and concludes with an evaluation of the attitude and approaches of the international community. Keywords: Nation State, Colonialism, Somalia, Somaliland.
مقدمة
يُعدّ انفصال صوماليلاند حالةً فريدةً لها خصوصيات تاريخية عدة، تميّزها من باقي الكيانات ذات المطالب الانفصالية في أفريقيا، ليس من جهة أن الجمهورية المُعلَنة من طرف واحد استطاعت البقاء ذاتيًا وبناء دولة مستقرة وديمقراطية نسبيًا، وتُجرى انتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية على نحو دوري في محيط مضطرب، بل يقوم ادعاؤها السيادة على سردية كونها إقليمً ذا تاريخ سياسي استعماري مختلف عن باقي الصومال. فقد قامت الجمهورية الصومالية ما بعد الاستقلال على حلم بناء دولة قومية تمثل جميع الصوماليين في القرن الأفريقي، وتشكلت هذه الوحدة إبان الاستقلال بين اتحاد إقليمَي "صوماليلاند" Somalialnd الذي نال استقلاله من بريطانيا في 26 حزيران/ يونيو 1960، وإقليم "الصومال الإيطالي" Italiana Somalia الذي استقلّ عن إيطاليا في 1 تموز/ يوليو 1960. لقد اعتمدت الدول الأفريقية غداة نيلها الاستقلال الحدود التي خلّفتها الإدارات الاستعمارية وجعلها حدودًا سياسية لأقاليمها الوطنية. وقد يصحّ القول إن الحالة الصومالية تشكّل استثناءً عن هذا الإجماع الأفريقي على تقديس الحدود الاستعمارية، فالصومال هو إحدى الدولتين الوحيدتين في أفريقيا (إضافة إلى المغرب) اللتين رفضتا قبول الحدود الإقليمية إبان تأسيس دولتيهما الوطنيتين. ورفض الصومال توقيع المعاهدات الإقليمية كلها الرامية إلى حفظ الحدود الاستعمارية، وفي الأخص تلك التي تعيّ حدوده مع إثيوبيا وكينيا، بسبب الترسيمات الحدودية التي تركتها التجربة الاستعمارية في الأراضي الصومالية، حين عمدَ الاستعمار البريطاني إلى توزيع الأراضي الصومالية التاريخية على دول الجوار على شكل هِبات. تبحث هذه الدراسة في الجذور والخلفيات التاريخية والسياسية لانفصال صوماليلاند، من خلال العودة إلى التكوّن التاريخي والسياسي للإقليم من فترة البواكير الاستعمارية، وصولً إلى مطالبته بالانفصال عن الصومال، مرورًا بفترة الوحدة وإنشاء الدولة القومية الصومالية. كما تعالج التجربة الاستعمارية في أربعينيات القرن الماضي، التي أرست أسس الدولة الحديثة، في الصومال الإيطالي وصوماليلاند البريطاني، من خلال إنشاء مجالس محلّية، يرأسها زعماء العشائر، التي قامت بتطوير اقتصاد حديث ومشاريع زراعية وتجارية عبر ربط السوق الصومالية بالأسواق الرأسمالية العالمية. مع ذلك، لم يغيّ الاستعمار، تحديدًا في تجربته البريطانية، البنى الاجتماعية والسياسية، إنما حاول التكيّف، والتعامل معها خدمة لمصالحه الاستعمارية، وهكذا، أنتج الاستعمار النمط العشائري السياسي من العلاقات في أول حكومة حديثة في صوماليلاند، ما ساهم لاحقًا في تقويض التحوّل الديمقراطي في دولة ما بعد الاستقلال في أثناء قيام الجمهورية الصومالية. تتناول الدراسة في المبحث الأول الفترة الاستعمارية وتجربة بناء الدولة الحديثة في المجال الصومالي، عبر تحليل تاريخي للتكوّن السياسي لإقليم صوماليلاند كمحمية استعمارية بريطانية، وسنحاجّ بأن التجربة الاستعمارية البريطانية (والإيطالية على نحو أقلّ) لم تغيّ في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الصومالي. وتعامل الاستعمار مع البنية الاجتماعية العشائرية خدمة لمصالحه السياسية. ومن ثم احتفظ كيان المجتمع بأطره السياسية التقليدية التي سادتها هيمنة الثقافة العشائرية السياسية. ويناقش المبحث الثاني لحظة نشوء الدولة القومية الصومالية بعد الاستقلال، التي قامت من اتحاد إقليمَي صوماليلاند والصومال الإيطالي، ويتفحّص في هذا السياق التحديات السياسية والثقافية والتعقيدات القانونية والفنية التي رافقت تكوّن الدولة الصومالية، ومنها إشكالية ضعف البناء الوطني في التجربة الاستعمارية، إضافة إلى الصراعات الحدودية مع دول الجوار الناجمة عن ترسيمات الاستعمار البريطاني الذي وزّع الأراضي الصومالية على الجيران على شكل هِبات. أما المبحث الثالث، فيناقش مسألة انفصال صوماليلاند، وتقف على خلفيات هذا الانفصال وسياقاته التاريخية على نحو مفصّل، وتحاجّ بأنها نتيجة موضوعية لفشل بناء دولة-أمة صومالية، وبأن الانفصال جاء استجابة مباشرة لإخفاق تجربة الوحدة الصومالية القومية، فضلً عن الانتهاكات الإنسانية التي قامت بها الدولة العسكرية في حق الشماليين، وسنتناول في هذا المبحث، بطريقة نقدية، مختلف الدعاوى السياسية والقانونية المبررة لعملية الانفصال. ويسعى المبحث الرابع لتفسير مواقف القوى الدولية والإقليمية، خصوصًا الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأفريقي، لفهم طبيعة مقارباتهم إزاء انفصال صوماليلاند.
أولا: خلفية سوسيوتاريخية
لم تعرف الأراضي الصومالية تاريخيًا أي سلطة سياسية تفرض الحكم على كامل ترابها تحت سلطة سياسية موحّدة، على الرغم من شيوع العديد من السلطنات الإسلامية والممالك العشائرية في المدن الساحلية الصومالية في فترات تاريخية مختلفة. وكان لهذه السلطنات نُظم سياسية واقتصادية وعلاقات سياسية وتجارية مع الخارج، مثل (سلطنة أوفات) 128 التي استمر حكمها في المدة 1415-1285، وتوصف بأنها أقدم السلطنات
الصومالية الإسلامية، وارتبطت ببعض حواضر العالم الإسلامي من خلال ابتعاث طلاب العلم وتنظيم رحلات الحج. لكنها عاشت في خضم فترات الحروب الدينية التي كانت مشتعلة في المنطقة في تلك القرون بين المسلمين والمسيحيين، واستدعت تدخل القوتين الإمبراطوريتين البرتغالية والعثمانية، بتحالف الأولى مع مسيحيي الحبشة، والثانية مع سلطنة عدل المسلمة. وجرى التغلب على سلطنة أوفات أخيرًا على يد الإمبراطور الحبشي Siyon Adma في عام 1332 129. وتُعدّ سلطنة عدل130 من أبرز السلطنات التي قامت في المناطق الشمالية الصومالية، واستمرت خلال المدة 1577-1415، وكانت تتحكم في طرق التجارة بين الهضاب وسواحل البحر الأحمر والمحيط الهندي، إلّ أنها هي الأخرى، لم تستمر طويلً بسبب الحروب الدينية التي عاشتها مع المملكة الحبشية. وفي المدن الشمالية على ساحل البحر الأحمر، كانت تصدّر مدينة بربرة التجارية جلود الإبل واللحوم والعبيد والعاج والسمن والمنسوجات إلى شبه الجزيرة العربية والهند. وأصبحت خلال القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر تتبع اسميًا الإمبراطورية العثمانية، على غرار إمارات في الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية. قامت في المناطق الجنوبية مملكة أجوران التي ضمّت المدن الساحلية الجنوبية، وسكَنها التجار الهنود والعرب، وامتد حكمها من القرن الرابع عشر إلى القرن الثامن عشر. لكنها هي الأخرى عاشت في تاريخها كله تهديدًا برتغاليًا دائمًا، وكانت ترتبط بعلاقات سياسية وعسكرية مع الإمبراطورية العثمانية. ويعتبرها الباحث عبد الرحمن باديو لبِنَةً أساسية لثقافة الدولة في التاريخ الصومالي ما قبل الاستعمار 131، وتفكّكت أخيرًا إلى سلطنات عشائرية صغيرة بفعل التنافسات الداخلية والتدخلات البرتغالية. وفي مناطق البونت الجنوبية مثّلت سلطنة مجرتين التي قامت في القرن الثامن عشر ما يشبه دولة إقليمية 132. المغزى من ذلك أن شبه الجزيرة الصومالية عرفت أنماط حكم سياسية مختلفة عن بنية النظام الاجتماعي القائم على العشيرة، وكانت تستند إلى التجارة والزراعة. وترتبط بالعالم الخارجي عبر التجارة والتحالفات السياسية والدينية. ولم يكن الصوماليون مجموعة قبائل فحسب، بحسب ما ذهب إليه تقليد الأنثروبولوجيا الاستشراقية في حقل الدراسات الصومالية الحديثة الذي تجاهل التاريخ السياسي لتلك الممالك والسلطنات الصومالية. فقد اهتم هذا التقليد بظاهرة غياب الحكم المركزي في المستعمَرات الأفريقية. وغدت دراسة هذه الظاهرة مثار اهتمام حقول "الأنثروبولوجيا الاجتماعية" و"الأنثروبولوجيا السياسية" التي تطورت في الجامعات البريطانية في النصف الأول من القرن العشرين. واهتمت الأخيرة، على نحو خاص، بظاهرة "مجتمعات اللادولة" الأفريقية. وكرّس المستشرق البريطاني لوآن ميردين لويس 2014-1930() نفسه لدراسة المجتمع الصومالي 133، وأفرد في جلّ أعماله مج لً لدراسة التنظيم الاجتماعي والسياسي الصومالي القائم على الأسس العشائرية، ويفضّ ل في أبحاثه الأنثروبولوجية استخدام لفظة عشيرة Clan بدلً من قبيلة Tribe، للإشارة إلى الجماعية الصومالية 134. فللقبيلة بحسب فهمه نظام وقانون خاص وأراضٍ تنتمي إليها، وعادة ما يكون لديها لغة وثقافة خاصة بها 135. لهذا، فالجماعات الصومالية المقصودة هنا لا تتوافر عندها هذه الخصائص، فلا يتم الانتساب إلى الحيز الجغرافي الذي تعيش فيه، بل يعود الانتماء إلى جد مشترك، سواء أكان حقيقيًا أم متخيّلً، ولها نظام قانوني خاص ينظم الشؤون الداخلية. ويرأسها شخصٌ يُدعى "العاقل" أو "السلطان/ الأوغاز" Ugaas 136. إلّ أنه لم تكن لهذه المناصب صلاحيات سياسية في المجتمع الصومالي ما قبل الاستعمار، بل ازدادت أهميتها السياسية والاجتماعية مع قدوم الاستعمار الذي عمد إلى إعطائهم أدوارًا مركزية لتأسيس حكمه في "محمية صوماليلاند" من خلال الزعامات العشائرية 137.
1. الاستعمار وتشك ل الدولة الحديثة في شبه الجزيرة الصومالية (1884 - 1960)
لقد تشكّلت أراضي شبه الجزيرة الصومالية سياسيًا مع بداية التجربة الاستعمارية الأوروبية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حين تقاسمت أربع قوى استعمارية أراضي شبه الجزيرة في ما بينها في مؤتمر برلين في عام 1884، هي إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وإثيوبيا، وعمدت القوى الأوروبية الثلاث إلى إضفاء طابع الشرعية على مستعمراتها من خلال توقيع اتفاقات مختلفة مع السلطنات والعشائر الصومالية، بينما عمدت إثيوبيا إلى توسيع رقعة إمبراطورية حكمها في اتجاه الشرق، للتمدّد في الأراضي الصومالية. سعت فرنسا وبريطانيا للسيطرة على طرق الإمداد والنقل في القرن الأفريقي لتأمين قناة السويس، بينما أرادت إيطاليا إنشاء مستعمرة مماثلة لمستعمرة كينيا البريطانية، للظهور بين أقرانها الأوروبيين أنها تنتمي أيضًا إلى الدول العظمى من خلال الانضمام إلى نادي القوى المستعمِرة 138. وقد أنشأ البريطانيون حكمهم في الشمال تحت اسم محمية صوماليلاند البريطانية Somaliland British protectorate "" في عام 1887 139، وانتهجوا في إدارتهم حكمً غير مباشر من خلال توقيع عدد من المعاهدات مع عشائر صوماليلاند 140، أوّلها الاتفاقية التي وقّعتها مع سلطنة وارسنغلي التي كان يحكمها محمود علي شيري في عام 1888، وتولّت مستعمرة الهند البريطانية في البداية أمور الحكم في المحمية حتى عام 1898، وبعدها تولّ مكتب الشؤون الخارجية، وخلفه مكتب الشؤون الاستعمارية في عام 1905 141. بعد أعوام من إنشاء المحمية، تنازلت بريطانيا عن معظم أراضي المحمية، ولا سيما مناطق هاود Haud، للإمبراطورية الإثيوبية في محاولة للحصول على مكاسب سياسية من الإمبراطور منليك الثاني)1913-1844(Menelik II142، الذي كان يعيش ذروة قوته السياسية والعسكرية بعد الانتصار في معركة عدوة 143. واحتفظت بريطانيا بشريط ساحلي فحسب، يمتد مسافة مئة كيلومتر في الداخل، اعتبرته كافيًا لحماية إمدادات اللحوم إلى عدن. فباستثناء مدينة بربرة الساحلية، تُركت غالبية مناطق المحمية من دون إدارة استعمارية فعليّة. وخُفضت القوات البريطانية في المحمية إلى الحد الأدنى، حيث كان جهاز الحكومة الأمني يقتصر على ضمان استمرارية خدمة إمدادات ثابتة من اللحوم .
يمكن القول إن بريطانيا لم تحكم فعليًا معظم أراضي صوماليلاند، ما عدا المدن الساحلية، وتركت التجربة الاستعمارية هامشَ تأثيرٍ ضعيفًا في مستوى بناء مقوّمات الدولة، كما يلاحظ أندريس ويمر ، غير أن البريطانيين لجؤوا إلى تعزيز سلطة زعماء العشائر لإدارة المجتمع من خلالهم. ولم تبن الإدارة الاستعمارية مقوّمات الحكم المركزي، مثل البنية التحتية وغيرها لتوفير الخدمات العامة، ولم تبادر بإنشاء سلطة سياسية حديثة إلّ بحلول أربعينيات القرن العشرين.
في نطاق تمدّدها على المدن الساحلية في الشرق الأفريقي، سيطرت بريطانيا على أراضي أقصى شبه الجزيرة الصومالية، التي سُميت لاحقًا "المقاطعة الشمالية الحدودية" Province Eastern North The، والتي تقع في جوار المستعمرة التي أسستها بريطانيا في كينيا . أما إيطاليا، فعمدت إلى السيطرة على مناطق جنوب الصومال، عبر عقد اتفاقات مع السلطنات وزعماء القبائل الجنوبية عن طريق شركات تجارية . وقد وُقّع أوّل هذه الاتفاقات في بنادر في عام 1888، تحت السيادة الشكلية التي فرضها سلطان زنجبار، السلطان برغش بن سعيد، وتبعتها سلطنة هوبيا بقيادة يوسف كنديد 1972-1889() في العام نفسه، وعُقدت اتفاقية مشابهة مع السلطان عثمان محمود في سلطنة مجرتين في عام 1889، وحلّت إيطاليا اتفاقات الوصاية هذه من طرف واحد في عام 1925، واعتمد البرلمان الإيطالي في 5 نيسان/ أبريل 1908، قانونًا لتوحيد أراضي جنوب الصومال كلها باسم "الصومال الإيطالي" Italiana Somalia، وحوّلها المحافظ ماريا ديل فيكي Maria de vecchiK إلى مستعمرة إيطالية مكتملة الأركان في عام 1927 . نجح الاستعمار الإيطالي في جنوب الصومال في إنشاء مستعمرة زراعية للمستوطنين الإيطاليين، وعمل على إدخال الأنماط الزراعية الحديثة في المجتمع لرفع الإنتاجية، فضلً عن توفيره الخدمات العامة للمستوطنين الإيطاليين واستثنى من ذلك الصوماليين . وكان الحاكم الاستعماري في مقديشو يتولّ مهمّة تعيين رؤساء الأقاليم والمحافظات من السكان الإيطاليين، مع مجلس يتكوّن من شيوخ القبائل، تلخّصت مهماتهم في تقديم المشورة إلى المحافظ الاستعماري. ونتيجة لذلك، ظهر حكمهم أكثر مركزية ومباشرة، مقارنة بالحكم البريطاني في صوماليلاند . أما فرنسا، فسيطرت على المنطقة المعروفة حاليًا بجيبوتي، عبر توقيع معاهدات مع سلاطين عيسى وعفر، وأعلنتها مستعمرة فرنسية يحكمها ليونس لاغارد Leonce Lagarde الذي أدّى دورًا بارزًا في توسعة رقعة النفوذ الفرنسي في القرن الأفريقي. وقد أصبحت هذه المستعمرة تُعرف باسم الصومال الفرنسي منذ عام 1896. وبقي هذا الاسم متداولً حتى 3 تموز/ يوليو 1967، حين أطلقت الإدارة الفرنسية عليه اسم "الإقليم الفرنسي للعفر والعيسى" . ويشير الباحث عبد الرحمن باديو إلى أن هدف الاستعمار الفرنسي تمثّل في بناء مرافق فحم لسفن فرنسا في البحر الأحمر والمحيط الهندي ، ولم تحصل جيبوتي على استقلالها إلّ في عام.1977 أخيرًا، كان هناك الإمبراطور منليك الثاني الذي وسّع حدود إمبراطوريته الحبشية عشرة أضعاف، وانتزع أجزاء من الأراضي الصومالية وضمّها إلى ملكه في عام 1897، واستولى على أراضي الإقليم الذي أصبح معروفًا بإقليم الصومال الغربي (ويُعرف بإقليم أوغادين Ogaden بحسب التسمية الاستعمارية.) ولم تكتف التجزئة الاستعمارية بتفتيت الأراضي الصومالية على هذا النحو، بل خلّفت ميراثًا حدوديًا ولّد مزيدًا من التعقيد حين وقّعت بريطانيا اتفاقية تقضي بإلحاق إقليم الصومال الغربي بدولة إثيوبيا في عام 1897، لكنه رجع وأصبح يخضع مؤقتًا للإدارة البريطانية في عام 1947، لكن بريطانيا أعادته إلى إثيوبيا مرة أخرى في عام 1948 ضد رغبة الصوماليين، ويشكّل الإقليم اليوم واحدًا من أقاليم جمهورية إثيوبيا الفدرالية . في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تغيّ ت الخريطة الاستعمارية في الأراضي الصومالية بسبب عاملين: تمثّل العامل الأول في تشريع وستنستر في تأسيس الكومنولث البريطاني 1931()، وهو إطار سياسي واقتصادي يضمّ المستعمرات البريطانية . بينما تمثّل العامل الثاني في هزيمة نظام موسوليني الفاشي في شرق أفريقيا في وقت مبكرٍ من الحرب العالمية الثانية، ونتيجة لهذين السببين، وضعت الإدارة العسكرية البريطانية يدها على كامل الأراضي الصومالية بحلول عام 1941، وبدأت في تبنّي سياسة أكثر مركزية ومباشرة للحكم، فقد نقلت مقر حكومتها الاستعمارية في صوماليلاند من بربرة إلى هرجيسا تعبيرًا عن الرغبة في حكم الإقليم بأكمله، بدلً من اقتصارها على المدن الساحلية، ووضعت برامج حكومية لتطوير اقتصاد المحمية . وأصبح الإصلاح السياسي والتحديث الاقتصادي محل
تركيز جديد للسياسة البريطانية في صوماليلاند ، فضلً عن توجّه الإدارة الاستعمارية إلى إنشاء مؤسسات سياسية حديثة، وذلك من خلال إنشائها مجلسًا استشاريًا للمحمية في عام 1946، ثم مجالس البلديات 1954-1950()، والمجلس التشريعي 1957()، ومن ثم المجلس الحكومي التنفيذي.)1959(
2. نشوء الدولة الحديثة في صوماليلاند
أخذ الاستعمار البريطاني في أواخر الأربعينيات في تغيير حكمه غير المباشر بوساطة العشائر، حيث مال إلى بناء مؤسسات حديثة تقوم على المؤسسات التقليدية، وذلك بلجوئه إلى إعادة إنتاج العشائرية في المؤسسات الحديثة نفسها، بحجّة ضمان التمثيل المتوازن للعشائر في مؤسسات الدولة. تسبّب هذا التدخل في تركيبة العشائر بإحداث دينامية ستؤثر في تشكّل الدولة الصومالية ما بعد الاستعمارية: حين أصبحت العشائرية السياسية المحدّد السياسي الأبرز للعملية السياسية في البلاد بعد الاستقلال، وأصبحت الأحزاب السياسية تتنافس على الخلفيات العشائرية من أجل الوصول إلى السلطة والموارد المرتبطة بالدولة. لقد بدأ المخطط الاستعماري لبناء الدولة في صوماليلاند في إنشاء مجلس استشاري للمحمية في عام 1946، يتألف من كبار التجار والموظفين المدنيين من جهة، ومن الشيوخ والزعامات العشائرية من جهة أخرى. وعلى هذا النحو، كانت تبدو هذه المجالس باعتبارها تمثّل فئات المجتمع كلها، التقليدية (زعماء العشائر) منها والحديثة (طبقة التجار.) وقام هؤلاء المندوبون بدورهم باختيار أعضاء المجالس البلدية المحلّية في مدن صوماليلاند (بربرة، هرجيسا، ثم في برعو وعيرجابو وبورما ولاسعانود على التوالي.) وكانت تقوم هذه المجالس البلدية على أسس عشائرية أيضًا، ونجحت إلى حدٍ ما في المدن، في حين فشلت في المناطق الريفية التي شهدت مقاومة شرسة ضد توسّع أدوار شيوخ العشائر في أول حكومة استعمارية. يمكن الإشارة إلى محدّدَين رئيسين أدّيا دورًا أساسيًا في تشكّل الدولة في صوماليلاند، وفي المجال الصومالي عمومًا: أولهما بروز الخطاب القومي، وثانيهما المناداة بتوحيد الأراضي الصومالية ضمن دولة واحدة.
أ. بروز الخطاب القومي
لقد تطوَّر الخطاب القومي الصومالي من الظروف التاريخية والتفتيت الاستعماري الذي استهدف النسيج الاجتماعي والاقتصادي للصوماليين في نهاية القرن التاسع عشر. وينجم عن تشظّي الجماعة الإثنية ما يتجاوز تفكيك الروابط الاجتماعية والثقافية ليشمل النشاط الاقتصادي عبر إعاقة حركة الجماعات التي تعتمد في بقائها على نظم بيئية صحراوية، كما يبيّنهما مشاكا وعبدي سمتر. وتجسّد هذا الخطاب بصعود قويّ للقومية الراديكالية التي ادّعت أن لا سبيل إلى بناء دولة صومالية ما لم تكن تجمع الأراضي الصومالية كلها المكوّنة من الأقاليم الاستعمارية الخمسة: صوماليلاند البريطانية، والصومال الإيطالي، والصومال الفرنسي، والمقاطعة الشمالية الحدودية في كينيا، والصومال الغربي الذي ضمّته إثيوبيا. يمكن إرجاع تطوّر هذ الخطاب إلى الأحزاب والمنظمات المدنية والنقابات الشبابية التي ظهرت مع الحكم البريطاني في صوماليلاند والحكم الإيطالي في الجنوب. فقد تم تأسيس أول منظمة سياسية صوماليلاندية اسمها "الجمعية الإسلامية الصومالية" في بداية العشرينيات في عدن بمساعدة صوماليين مقيمين في اليمن، بغرض تعزيز مناقشة "قضايا المجتمع الصومالي في عدن ومسألة الحكم البريطاني في صوماليلاند" . وفي عام أُ 1935 سّست منظمة أخرى باسم "الجمعية الوطنية الصومالية" التي تحوّلت في عام 1951 إلى حزب سياسي اسمه "الرابطة الوطنية الصومالية" League National Somali، المعروف اختصارًا ب SNL. وفي الصومال الإيطالي، أسس ثلاثة عشر شابًا منظمة شبابية اسمها "نادي الشباب الصوماليClub" Youth Somali، في عام 1943، وتحوّلت هذه المنظمة إلى حزب سياسي قومي في عام 1974 اسمه "عصبة الشباب الصومالية" League Youth Somali. وقاد في ما بعد هذان الحزبان SNL(وSYL) الوحدة الصومالية التي قامت بين إقليمَي صوماليلاند والصومال الإيطالي، وأصبح حزب عصبة الشباب الصومالية الحزب الحاكم في الجمهورية الصومالية بعد الاستقلال. جريت أول انتخابات برلمانية في صوماليلاند في شباط/ فبراير أ 1960، بمشاركة عدد من الأحزاب السياسية، من بينها: الرابطة الوطنية الصومالية التي انبثقت من الجمعية الوطنية الصومالية SNS، والجبهة الوطنية الموّحدة NUF، والحزب الصومالي الموحد USP. وفاز حزب
الرابطة الوطنية الصومالية بالانتخابات بأغلبية بثلثي المقاعد ، وكان هذا الحزب يحمل توجّهات قومية ويعتنق فكرة الوحدة الصومالية. لكن تكمن المفارقة في أنه بات واضحًا من خلال هذه الانتخابات، التناقض القائم بين الخطاب القومي والممارسة السياسية لدى هذه الأحزاب في أثناء الحملة الانتخابية. فمع أن كل الأحزاب المشاركة في الانتخابات كانت تنادي بتوحيد الأراضي الصومالية في دولة موحّدة، فإنّ المرجعيات العشائرية بقيت هي الاختلاف الأساسي والوحيد بين المرشّحين، ما يعني أن وجود تلك الأحزاب كان استمرارًا لشبكة العلاقات والبنية الاجتماعية العشائرية القديمة.
ب. فكرة الوحدة الصومالية
لقد وقعت الأقاليم الصومالية كلها، في نهاية الحرب العالمية الثانية، تحت الحكم البريطاني، باستثناء جيبوتي التي بقيت مستعمرة فرنسية، ومع شعور الصوماليين بالضّ يم من التفتيت الاستعماري لأراضيهم التاريخية، فإن فكرة توحيدهم أو مفهوم "الصومال الكبير" Greater Somalia سياسة رعتها بريطانيا . فقد اقترح وزير الخارجية البريطاني إرنست بيفين 1951-1881() في مجلس العموم البريطاني في حزيران/ يونيو 1946 أن "أفضل طريقة لبقاء الرُحّل الصوماليين الرعاة في شبه الجزيرة الصومالية هي السماح لهم بقيام دولة موحدة تحت الإدارة البريطانية" . ورفضت القوى الكبرى الأخرى (فرنسا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة) الخطة البريطانية، التي اعتبرت أن هذه الخطة ستقوّض مصالحها في شبه الجزيرة الصومالية ، كما احتج الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي بشدة على تلك الوحدة .
لكن مع حلول عقد الخمسينيات، أصبحت المناداة بدولة موحَّدة للصوماليين خطابًا سائدًا لدى الشعب الصومالي، ويمكن الإشارة إلى ثلاثة أسباب ساهمت في تعزيز هذه الفكرة في جموع الناس، أولً: قيام حزب الرابطة الوطنية الصومالية في صوماليلاند وحزب عصبة الشباب الصومالية في الصومال الإيطالي بحملات سياسية مكثفة تدعو إلى الوحدة الصومالية . وثانيًا: اقتراح وزير الخارجية البريطاني السيد بيفين وضع جميع الصوماليين تحت الوصاية البريطانية، في مقابل منحهم الاستقلال دفعة واحدة. وثالثًا: مثّل إلحاق بريطانيا أراضي Area Reserve Hawd الواقعة في حدود محمية صوماليلاند البريطانية، إلى حدود إثيوبيا في عام 1942، وكذلك تنازل البريطانيين عن إقليم الصومال الغربي في عام 1948 لمصلحة إثيوبيا، تهديدًا من أن تقضم الإمبراطورية الإثيوبية الأقاليم الصومالية، كلً على حدة، إذا لم تتّحد في دولة واحدة . ونتيجة لذلك، ساد حلم "الصومال الكبير" بين جميع الصوماليين في القرن الأفريقي.
عقد المجلس التشريعي في صوماليلاند، في 6 نيسان/ أبريل 1960، اجتماعًا برئاسة الحاكم البريطاني السير دوغلاس هول، في هرجيسا، لمناقشة بندين، هما استقلال صوماليلاند واتحادها مع الصومال الإيطالي. وجرى دمج البندين ومناقشتهما في جلسة واحدة لارتباطهما الوثيق. وأبدت غالبية أعضاء المجلس حماسة شديدة للاتحاد مع الصومال الإيطالي الذي كان تحت وصاية الأمم المتحدة، لأن مفهوم توحيد جميع الصوماليين هو ما كان يشغلهم، في حين اقترح أعضاء آخرون، مثل غراد علي غراد جامع ومحمد إبراهيم عيقال أن يحصلوا على الاستقلال أولً، وأن ينتظروا فترة قبل الانضمام إلى الصومال الإيطالي .
في الفترة 22-16 نيسان/ أبريل، غادر وفد حكومي من صوماليلاند إلى مقديشو، مقرّ حكومة الإقليم الصومالي الإيطالي، الذي كان يخضع لوصاية الأمم المتحدة. وكان الوفد يضمّ ثلاثة أعضاء، هم: محمد عيقال وغراد علي غراد جامع وحاجي إبراهيم نور، يرافقهم الملازم عبد الله آدم 'الكونغو' بصفته مستشارًا لعيقال، وناقشوا مع حكومة عبد الله عيسى محمود (آخر حكومة في فترة الوصاية 1960-1956 في الصومال الإيطالي) فكرة الوحدة بين الإقليمين، واقترحت حكومة محمود علي على وفد حكومة صوماليلاند البقاء مستقلين فترة . ووصفوا فكرة الوحدة بأنها "متسررّعة" و"مبكرة" . لكن وفد صوماليلاند تمسّك بخيار الاتحاد من دون شروط أو قيود . وفي النهاية، تقرّر في هذا المؤتمر دمج صوماليلاند والصومال الإيطالي في دولة واحدة في 1 تموز/ يوليو 1960، يكون مقرّها في مقديشو، عاصمة الإقليم الصومالي الإيطالي . من ثم غادر رئيس وزراء حكومة صوماليلاند محمد إبراهيم عيقال في 2 أيار/ مايو 1960 لحضور مؤتمر دستوري في لندن، بمشاركة محافظ المحمية السير دوغلاس هول، وتمّ في هذا اللقاء تحديد موعد استقلال محمية صوماليلاند، في 26 حزيران/ يونيو 1960، وأعرب البريطانيون مرة أخرى عن أنهم يشجّعون على توحيد الإقليمين الصوماليين . واستندت حملات حزب الرابطة الوطنية الصومالية الانتخابية إلى وعود تحقيق تلك الوحدة، بما يتماشى مع الرأي الشعبي الذي كان سائدًا في وقتها. حصلت محمية صوماليلاند في 26 حزيران/ يونيو 1960 على الاستقلال كدولة مستقلة من بريطانيا، وقام آخر محافظ بريطاني للمحمية، السير دوغلاس هول، بتسليم الحكم إلى عثمان أحمد حسن، أول محافظ محلي. وصوّت المجلس الحكومي لصوماليلاند في جلسته الأولى بغالبية ساحقة لمصلحة الاتحاد مع إقليم الصومال الإيطالي الذي نال استقلاله بعد أربعة أيام، أي في 1 تموز/ يوليو 1960. وهكذا ظهرت الدولة الصومالية مكوّنة من إقليمين استعماريين مختلفين، وسعت الدولة الصومالية الجديدة لضمّ الأقاليم الباقية، كما يشير إلى ذلك علم الاستقلال الصومالي الذي رُفع من هرجيسا، والذي تتوسطه نجمة خماسية بيضاء، ترمز إلى الأقاليم الصومالية الخمسة.
ثانيًا: ولادة الجمهورية الصومالية ووفاتها (1960 - 1969)
حققت النخب الحزبية القومية حلم إقامة دولة قومية مكوّنة من إقليمي صوماليلاند البريطاني والصومال الإيطالي غداة الاستقلال، وجاء اندماج الإقليمين جزءًا من رؤية تسعى لإقامة الصومال الكبير الذي يشمل الأقاليم الصومالية الخمسة. لكن هذا الحلم اصطدم بمعضلات عدة، منها الواقع الإقليمي الأفريقي الذي يقدّس الحدود الموروثة من الاستعمار، حيث يقع إقليمان من الأقاليم التي تسعى الدولة الصومالية لضمّهما في حدود دول الجوار. وواجهت النخبة السياسية القومية معضلة ملحّة ببناء دولة-أمة، تقوم على المواطنة الديمقراطية في مجتمع منقسم عشائريًا، فضلً عن التحديات الفنية والقانونية الناجمة عن توحيد إدارتين حكوميتين ذواَتَ خلفيتين استعماريتين مختلفتين. وقد استغرق دمج النظامين ثلاثة أعوام بمستوياته الإدارية والقانونية والقضائية ومؤسسات الشرطة والجيش وتوحيد لغة مؤسسات الدولة . وقد فاقم مواجهة هذه التحديات غياب البنية التحتية الأساسية؛ حيث لم يكن هناك على سبيل المثال خط هاتف بين الشمال والجنوب، ولا خطوط جوية منتظمة باستثناء طائرات الشرطة . نتيجة لتلك التحديات، لم تستطع دولة الاستقلال بناء دولة مستقرة، فقد بقيت الانقسامات العشائرية والصراعات الحدودية مع الجوار مصدر تهديد لبقاء الدولة الصومالية واستمرارها، وهو ملمح استمر طوال فترة الوحدة بين الطرفين. ويمكن الأخذ في الحسبان أن النشأة المأزومة للدولة الصومالية، والتعقيدات الإجرائية والإشكاليات القانونية والسياسية التي صاحبت عملية الوحدة بين صوماليلاند
والصومال، أو بين الشمال والجنوب، بحسب التسمية اللاحقة، شكلّت بذور فشل مشروع الجمهورية الصومالية الموحَّدة. سندرس هذه التعقيدات في هذا المبحث من الدراسة من خلال التساؤل التالي: كيف فشلت النخب القومية في إيجاد هوية وطنية صومالية متخيّلة، تتجاوز الانتماءات العشائرية والبنية الاجتماعية القديمة، تقوده إلى الولاء على النحو الذي فجّر الصراعات المعلنة بين العشائر؟ وهو ما تفاقم بعد سيطرة نظام سياد بري على الحكم عبر انقلاب عسكري، وأنهى وحدة الإقليمين في مطلع التسعينيات بطريقة دموية. وسنتناول هذه التعقيدات في ما يلي:
1. النشأة المأزومة لدولة الوحدة
كانت العشائرية السياسية تضرب في أنساق النخب الصومالية الحزبية في أثناء قيام الجمهورية الصومالية، في الوقت ذاته الذي كانت ترفع الأحزاب السياسية شعارات القومية الصومالية، ويسمي عبد الله منصور العشائرية السياسية "سرطان الدولة الصومالية" ، وهي كما أشرنا ممارسة تعود إلى النمط السياسي الذي وضع جذوره الاستعمار البريطاني، عندما حاول تطبيق استراتيجية التمثيل العادل للعشائر في الحكومة والمناصب والخدمات العامة في صوماليلاند. لكن لم يفلح في ضمان هذا التوازن، فحصلت بعض العشائر على المناصب المهمة في الإدارة، وعلى نحو أكثر وضوحًا في دولة ما بعد الاستعمار، وهو ما يشير إلى وجود خلل بنيوي في تنظيم العمل السياسي الحديث وفهمه، وفكرة الدولة الحديثة نفسها. ويمكن حصر الإشكالات السياسية والثقافية والقانونية التي واجهتها دولة الاستقلال في الآتي:
أ. التحديات القانونية والدستورية
إشكالية قانون الاتحاد
لقد توصل ممثلو حكومة محمية إقليم صوماليلاند وحكومة إقليم الصومال الإيطالي في المؤتمر الذي عُقد في مقديشو في 16 نيسان/ أبريل 1960 إلى قرار وحدة الإقليمين في 1 تموز/ يوليو 1960 . واقترح آدم عبد الله، رئيس حكومة الإقليم الصومالي الإيطالي إضافة بندٍ في الدستور ينص على الآتي: "فور توقيع قانون اتحاد الإقليمين الصوماليين (الصومال وصوماليلاند)، تنتخب الجمعية الوطنية الجديدة رئيسًا مؤقتًا للجمهورية" . وأقر المجلس التشريعي في صوماليلاند مشروع "قانون اتحاد صوماليلاند والصومال" من طرفٍ واحد ، وذلك بعد يوم من حصولها على الاستقلال. ويتكوّن من 27 بندًا، ونصّ في المادة الأولى (أ) على أنه "بموجب هذه الاتفاقية تتّحد دولة صوماليلاند مع دولة الصومال، وستبقى موحّدة في جمهورية مستقلة ديمقراطية واحدة، اسمها الجمهورية الصومالية." وأجاز المجلس التشريعي لإقليم الصومال الإيطالي في 30 حزيران/ يونيو 1960، مشروع قانون آخر من صنعه سمّ ه "قانون الاتحاد"، يتكوّن من ثلاثة بنود، وبذلك، أجاز المجلسان التشريعيان وثيقتين مختلفتين. وأعلن رئيس الجمعية الوطنية آدم عبد الله في منتصف ليل 30 حزيران/ يونيو 1960 بصفته الرئيس المؤقت، استقلال الإقليم الجنوبي. وفي الليلة نفسها، أصدر الدستور في مرسوم رئاسي ليدخل حيّز التنفيذ على الفور. في أول جلسة مشتركة لأعضاء المجلس التشريعي في صوماليلاند والصومال، باعتباره أول برلمان موّحد، انتُخب آدم عبد الله رئيسًا مؤقتًا للجمهورية الموحَّدة في 5 تموز/ يوليو 1960، من دون أن يتوافر منافس غيره، بأصوات بلغت 107 من إجمالي البرلمانيَن المُتّحدَين، البالغ 130 مقعدًا. لكن الجدير بالذكر أنه في هذه الجلسة لم يوقَّع أي قانون رسمي للاتحاد، كما ينصّ الدستور . مثّل توقيع اتفاقيتين مختلفتين في عملية الوحدة إشكالية قانونية، نظرًا إلى ما يلي: أولً، تمّت صياغة قانون اتحاد صوماليلاند والصومال في شكل اتفاقات ثنائية، لكن لم يوقع ممثلو الإقليمين أيًا منهما؛ ثانيًا، تمّت الموافقة على "قانون الاتحاد الصومالي" الذي أصدرته حكومة الإقليم الصومالي الإيطالي "من حيث المبدأ" principle in، لكن لم يتم تصديقه من أي جهة تشريعية، سواء على نحو أحادي من مجلسه التشريعي، أم من المجلس التشريعي المشترك، وبقي مرسومًا رئاسيًا وقّعه في الأول من حزيران/ يونيو رئيس الجمهورية المؤقت، ولم يتحوّل إلى قانون وفقًا للمادة 36 من الدستور . ومن ثم فهو لم يدخل حيّز التنفيذ على نحو رسمي. في محاولة لتجاوز هذه المعضلة القانونية، ألغى المجلس التشريعي المشترك بعد سبعة شهور من تاريخ الاتحاد "قانون اتحاد صوماليلاند
والصومال"، وأصدر بدلً منه قانونًا آخر يحمل اسم "قانون الاتحاد"، رقم 5، المؤرخ في 31 كانون الثاني/ يناير 1961، وتقرّر اعتماده بأثر رجعي بدءًا من 1 تموز/ يوليو 1960 ، ويعترض بعض فقهاء القانون على هذه الخطوة، استنادًا إلى مبدأ "عدم رجعية القانون"، وعدم سريانه على الماضي . وكما يكتب الخبير القانوني باولو كونتيني: "لم يكن هناك شك في أنه في الأول من تموز/ يوليو، جرى تشكيل اتحاد كامل وقانوني بإرادة الشعبين في المنطقتين من خلال ممثلين منتخبين. ومع ذلك، لم تكتمل الصياغة القانونية في الوقت المناسب. ولم يكن لقانون اتحاد صوماليلاند والصومال أي شرعية قانونية في الجنوب لأن موافقة الجمعية التشريعية للصومال على مبدأ قانون الاتحاد Act Union of لم تكن كافية لجعل القانون ساريًا في تلك الأراضي" .
دستور الوحدة
تبنّى برلمان الوحدة في 21 حزيران/ يونيو 1960 دستورًا دخل حيّز التنفيذ في 1 تموز/ يوليو 1960 بوصفه دستورًا رسميًّا للجمهورية الصومالية. ونصّت المادة الثالثة 1() من بنوده على أنه يجب تقديمه إلى استفتاء شعبي خلال عام واحد. وجرى الاستفتاء عليه في 20 حزيران/ يونيو 1961، وأظهرت نتيجته غالبية ساحقة لمصلحة الدستور، على الرغم من الحملات التي شنّتها الأحزاب السياسية في الشمال لمقاطعة الاستفتاء بحجة أنه لم تتح لهم فرصة للمشاركة في إعداده، وأن مناقشته أتت مقتصرة على الجنوبيين . ومن اللافت أن حزب الرابطة الوطنية الصومالية قاد هذه الدعوات إلى المقاطعة . تشير التقديرات الحكومية إلى أن عدد سكان الشمال كان يبلغ 506 ألف نسمة في عام 1961؛ شارك منهم في التصويت 100 ألف شخص فقط ، ما يشير إلى أن نصف المؤهلين للانتخاب على الأقل من أصل الأصوات المئة ألف المسجلة، قاطع الاستفتاء، وصوّتت الغالبية ضد الدستور . ومع ذلك، سجّلت الحكومة أكثر من مليون وثمانمئة ألف صوت لمصلحة الدستور. ويفيد التقرير الحكومي أنّ قرية صغيرة تسمى Weyn Wanla، تقع بين مدينتي جوهر وأفجويي قرب مقديشو، سجّلت تصويتًا لمصلحة الدستور أعلى من إجمالي الأصوات الشمالية، وهو ما يدل على حجم التزوير الذي شاب استفتاء الدستور .
ب. التحديات الفنية
تكامل المؤسسات
نتج التحدي الثاني في عملية الوحدة من عملية تأسيس دولة موحدة من إقليمين استعماريين مختلفين لديهما خصائص اجتماعية وتاريخية وإدارية متباينة، وظهر هذا التباين في معظم المجالات والأنظمة القانونية والقضائية، وأنظمة الجيش والشرطة، والتشريعات الضريبية والجمركية، وأنظمة العملة والإدارة. وفي هذا الخصوص، بادرت حكومة آدم عبد الله في تشرين الأول/ أكتوبر 1960 إلى تعيين لجنة استشارية دائمة للتكامل . ويشير المرسوم الرئاسي إلى ضرورة تعزيز تكامل التشريعات والمؤسسات في الإقليمين، ويحدد مهمة اللجنة بتحويل توصيات الحكومة بشأن الاندماج في شكل مقترحات تشريعية. وضمّت المؤسسات التي تعمل اللجنة الخاصة إلى إحداث التكامل فيها: الأنظمة القضائية والقانونية والجيش والشرطة ووضع ميزانية موحدة للإقليمين وتوحيد العملة ونظام الضرائب .
ج. التحديات الثقافية وأزمة البناء الوطني
يُعدّ عدم تمكّن النخب السياسية القومية الصومالية من تأسيس أمة حديثة تقوم على المواطنة وتدين بالولاء لسلطة سياسية مركزية تحديًا ثقافيًا وفكريًا واجهته دولة الوحدة الصومالية، فقد احتفظ المجتمع بمنابع أطره التقليدية. وراهنت الخطابات القومية على عناصر اللغة والدين والعرق لبناء دولة أمة حديثة، لكنها عناصر تضامن آلي ما قبل مجتمعي، ويحتاج سياق الدولة–الأمة إلى تضامن عضوي. وهنا، تكمن محدودية الخطاب القومي الصومالي في تأسيس دولة-أمة حديثة. فقد فشلت النخب الحزبية التي تبّنت الأيديولوجيا القومية الصومالية في إحداث تحولات ثقافية وفكرية في بنى المجتمع الفكرية والثقافية والسياسية، كي تكون القاعدة السياسية مؤسسة على الذات القانونية الشخصية. وهو ما لم تدركه النخب القومية، وتحوّلت، إذّاك، إلى نظم طوباوية وشعبوية، لإفساحها المجال للهويات الفرعية
ليتنافس بعضها مع بعض على السيطرة على مؤسسات الدولة التي تترجم إلى زبونيات سياسية تسعى لإرضاء القاعدة العشائرية.
ليس التكوين القومي كمصدر ولاء مباشر وأساس للفرد مسألة إرادية في سياق العالم المسمى بالثالث، بل، وكما يوضح برهان غليون، تُعدّ القومية مسألة تاريخية، وهي تجسيد لسيرورة اجتماعية تاريخية تتضافر في خلقها الثقافة والاقتصاد والسياسة على حد سواء، والشعوب الأوروبية بما هي واقعة تاريخية، شهدت وحدة هذه السيرورة الخاصة . وقد أوضح بندكت أندرسن في أطروحته عن المتخيلات الاجتماعية أن أصول الوعي القومي بزغت في أوروبا مع ظهور آلة الطباعة التي انتشرت في المدة 1550-1500، وطُبع في تلك المدة نحو عشرين مليون كتاب، ما وضع حدًّا للغات المقدسة. وبحثت الرأسمالية عن أسواق جديدة بين الجماهير التي تتحدث اللغات المحلية، وهو ما ساعد في نمو الوعي القومي بين المحليين الذين عمدوا إلى نشر الأدب والشعر بلغتهم. وسرعان ما أدى ذلك إلى تحالف بين البروتستانتية ورأسمالية الطباعة، تحت تأثير مدّ الإصلاح الديني، ونتج من هذا تراجع الكنيسة وظهور أولى الدول الأوروبية المهمة غير الملكية في هولندا . يعتبر أندرسن أن ما يسمّيه "قوميات الموجة الأخيرة" التي ظهرت في آسيا وأفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية جاء ردة فعل على الإمبريالية العالمية، ومزجت تلك الأيديولوجيا بين القومية الشعبية والرسمية بسبب الإشكالية الشاذّة للدول التي خلقها الاستعمار بعدما رسم حدودًا اعتباطية مبنيّة على مصالح المستعمر، وليس على البنية الاجتماعية والإثنية للسكان المحليين، وهو ما يسميه البعض "القومية الكولونيالية" . ويتأكد لنا إذا نظرنا في كيفية نشوء القومية في المجال الصومالي عبر الاستعمار، مدى شبهها بالمستعمرات البريطانية الأخرى في الهند أو غيرها. ويمكن أن نستند هنا إلى مثال يضربه أندرسن، حيث ينقل عن السياسي البريطاني توماس ماكولي قوله: "إن نظام التعليم الذي يجب إدخاله في الهند من شأنه أن يخلق طبقة من الأشخاص، هنود الدم واللون، لكنهم إنكليزيو الذائقة والرأي والأخلاق والفكر." ويضيف أن القضاة الهنود كانوا يقضون أفضل أعوام مرحلة التشكيل في شبابهم في إنكلترا، وعندما يعودون إلى بلدهم كانوا يتصرفون كالإنكليز، فيغدون منبوذين بين أفراد مجتمعهم أخلاقيًا واجتماعيًا، وكانوا غربيين في أرضهم مثل المستوطنين الأوروبيين في البلد . لذا، يمكن القول إن فكرة القومية الصومالية كانت ردة فعل شعواء على الاستعمار، وما أحدثه من تجزئة للأراضي الصومالية، لكن، أتى الفشل من خلال ثقافة النخب السياسية الوطنية في دولة الاستقلال التي لم تستطع أن تقيم أطرًا جديدة قومية وجامعة، بل استمرت في السياسات العشائرية، على نحو كرّس التفتّت والانقسام الاجتماعي. تجسّد ذلك التنافس العشائري للسعي للسيطرة على مؤسسات الدولة ومقدّراتها في فترة ما بعد الاستقلال وتشكيل الدولة الموحدة. وتفاقم هذا الصراع عندما سيطر الجنوبيون على المناصب العليا في الدولة، وشعر الشماليون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، مقارنة بالعشائر الجنوبية، وبدا واضحًا أن هناك ما أثار هواجسهم، وبدأت الأغاني والقصائد تنتقد عملية الوحدة. وتقول كلمات إحدى تلك الأغاني، بعنوان "دعني أذكرك"، صدرت في عام 1964، من تأليف الشاعر ومؤلف الأغاني علي سوغّل 2016-1936() إن الشمال كان سيحقّق مزايا سياسية واقتصادية أفضل لو لم ينضمّ إلى الصومال الجنوبي .
د. التحديات السياسية
يتمثل التحدي السياسي الذي برز على السطح في لحظة تأسيس الدولة الصومالية الموحَّدة، في ترتيبات تقاسم السلطة بين الشمال
والجنوب في هيكل الدولة الجديدة. وقد ظهر تفرّد الجنوب بمناصب السلطة العليا في أول حكومة موحَّدة، فقد احتفظ الإقليم الجنوبي بالعاصمة وحصل على ثلثي المقاعد في البرلمان، إضافة إلى حصوله على منصبي رئيس الدولة ورئيس الوزراء معًا. وبقيت اللغة الإدارية هي اللغة الإيطالية، في الوقت الذي تبعُد العاصمة الإدارية الجديدة من مناطق صوماليلاند 2000 ميل، ما يقلّل فرص التوظيف في القطاعات الحكومية العامة للمواطنين من تلك المناطق، خصوصًا في ظل غياب شبكة طرق تربط بين الشمال والجنوب. ونتيجة لذلك، أضحى إقليم صوماليلاند طرفًا مهمّشًا في الدولة الموحَّدة. تتزايد حدّة هذا المشكل نظرًا إلى الثقافة السياسية التي سادت في البلاد، فالأحزاب والقوى السياسية الوطنية كانت تتعامل مع المناصب الحكومية باعتبارها ريعًا يجب توزيعه على الجميع. وعلى الرغم من أن الانتخابات كانت تجري بين الأحزاب السياسية، فإن هذه الأحزاب لم تكن تتنافس على أساس المشاريع الأيديولوجية أو السياسية أو الاقتصادية، بل تتنافس على قدرة كل حزب على تدجين القاعدة العشائرية الناخبة له بالزبائنية والرشاوى ومنحها امتيازات في الوظائف الحكومية والخدمات العامة. في تعبير عن التحديات السياسية لاستمرار الوحدة، شهدت الجمهورية الصومالية في عاميها الأولين حدثين لهما دلالتان خطرتان: تمثل الأول في المحاولة الانقلابية لضباط ينتمون إلى الشمال، في الأول في كانون الأول/ ديسمبر 1961، وهي ثاني محاولة انقلابية عسكرية في أفريقيا السوداء بعد انقلاب الفريق عبود في السودان في عام 1958. وبدأت باندلاع خلافات بين ضباطٍ شماليين من خريجي كلية ساندهيرست البريطانية، مع الضباط الإيطاليين في مقديشو. ويفسرر بعض الباحثين أن تبريرات "الاتحاد المتعجل" كانت تحرك الضباط الشماليين بقيادة الضابط حسن كيد. وكان لهذا الانقلاب العسكري الفاشل أهداف انفصالية لا لبس فيها. واللافت هنا أنه في أثناء محاكمة الضباط الشماليين، استمع القاضي إلى حجج مختلفة، لكنه قرّر تبرئة الضباط على أساس أنه في ظل غياب قانون رسمي للاتحاد، ليس للمحكمة اختصاص على ما حصل في صوماليلاند . واعتبُر هذا الحدث إشارة مهمة إلى هشاشة الوحدة بين الإقليمين من الناحية القانونية . وتمثّل الثاني في الاستقالة الجماعية لوزراء الشمال في تشرين الأول/ أكتوبر 1962 من حكومة الوحدة، فقد استقال محمد إبراهيم عيقال (وكان يشغل منصب رئيس وزراء صوماليلاند قبل الوحدة) وشكّل حزبًا جديدًا معارضًا هو "المؤتمر الوطني الصومالي" مع السياسي الجنوبي الشيخ علي جمالي . وتشير هذه التحركات كلها إلى مدى هشاشة الصيغ القانونية والسياسية في البلاد، وكانت الانتخابات الوطنية في عام 1964 أول انتخابات تجري في البلاد بعد الاستقلال. إلّ أن عيقال وجد أن من الصعب هزيمة الحزب الحاكم بسبب مواقفه وخطابه القومي المعروف، وكذلك نظرًا إلى الموارد المالية المتوافرة لديه، ولذلك انضم بعد فترة وجيزة من انتخابات عام 1964 إلى حزب عصبة الشباب الصومالية الحاكم، ودعم رئيس الوزراء السابق عبد الرشيد علي شيرماركي في منافسته الرئاسية في عام 1967 ضد الرئيس الحاكم وقتذاك، آدم عبد الله عثمان. وبذلك، ترشّح محمد إبراهيم عيقال من الشمال لمنصب رئيس الوزراء في الدولة، باعتباره أول سياسي شمالي يسعى لهذا المنصب، وفاز فيها. بعد عامين من وصوله إلى السلطة، شهدت البلاد انقلابًا عسكريًا، بعد مقتل رئيس البلاد، ووُضع عيقال في السجن مدة عشرة أعوام .
2. سنوات الحكم العسكري (جمهورية الصومال الديمقراطية 1969 - 1991)
اغتيل رئيس البلاد عبد الرشيد شيرماركي في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1969 في أثناء زيارته المناطق المنكوبة بالجفاف في شمال شرق البلاد، على يد أحد أعوان الشرطة. وبينما كان مجلس النواب يجتمع في مساء يوم 20 تشرين الأول/ أكتوبر، لاختيار رئيس انتقالي، نفّذ قائد الجيش ووزير الدفاع الجنرال محمد سياد بري خلال الساعات الأولى من يوم 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1969 انقلابًا عسكريًا، حلّ بموجبه المؤسسات الدستورية، وسجن رئيس الوزراء وسياسيين آخرين وأعاد تسمية البلاد باسم جمهورية الصومال الديمقراطية. مع دخول المجتمع في قبضة الحكومة العسكرية، اشتدَّت إعادة إنتاج مظالم الشمال وعدم رضاه عن الوحدة، على الرغم من نجاح الحكومة العسكرية في أعوامها الأولى في اجتذاب قدر من الدعم من الشماليين، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أيديولوجيتها "الاشتراكية العلمية"
التقدمية ، فإنه يعود أيضًا إلى إحيائها الحلم الصومالي الكبير الذي تخلّت عنه الحكومة المدنية في عام.1967 مع ذلك، انتهت طموحات بري بهزيمة كارثية للصومال من جانب إثيوبيا (بمساعدة سوفياتية كبيرة) في حرب القرن الأفريقي بينهما 1978-1977()، وبدأت شعبية النظام واقتصاده في التمزق. وتوجه في حشد الدعم بين أقسام معينة من عشيرة دارود التي ينتمي إليها الرئيس، بما في ذلك توطين 250 ألف شخص من لاجئي حرب أوغادين في الشمال، معظمهم من قبائل أوغادين القاطنة في الإقليم الصومالي الإثيوبي الذين استقروا في مناطق عشائر إسحاق الشمالية . كان لهزيمة الصومال أثرٌ كبير في تراجع القومية الصومالية، فقد استخدم نظام بري الأيديولوجيا القومية خطابًا شعبويًا ينفي الصراعات والخلافات العشائرية بين الصوماليين، وتحوّلت إلى غطاء ديماغوجي شعبوي لانعدام المساواة، وكما يشير عزمي بشارة في تقديمه أطروحة بندكت أندرسن السالفة الذكر ، تعتبر هذه الممارسة سرّ جاذبية القومية وخطرها في الوقت نفسه. ويميّز بشارة بين القومية والأيديولوجيا القومية؛ فالفرد الحديث في رأيه يمكن أن يكون قوميًا في انتمائه، ونقديًا تجاه القومية كأيديولوجيا، وهو ما لا يتوافر في نظام غير ديمقراطي، مثل نظام سياد بري. وفي سياق غير بعيد، يشير بشارة إلى أن النُظم القومية هي الأيديولوجيا القادرة على منافسة القوى الدينية على مستوى الهوية، وهذا ما يمكن رؤيته في خوض سياد بري صراعات مريرة مع الخطابات الإسلامية التي استهدفها بالقمع والإسكات . في دلالة على مدى تغلغل الحسّ الشعبوي لدى نظام بري، قام النظام بحركة رمزية بدفن مجسم يرمز إلى "القبيلة"، وأقدم على تجريم استخدام الأسماء العائلية، وشرّع بدلً منها استخدام لقب Jaaalle "رفيق" بين أفراد المجتمع. وصار التخلّص من مظاهر العشائرية أولوية قصوى لدى الحكومة الاشتراكية، ضمن برنامج موسع بعنوان "إقصاء العشائرية" qabyalaadda Dabargoynta. لكن الهزيمة العسكرية أمام إثيوبيا، بدأت تكشف عن تناقضات الخطاب القومي وعجزه في بناء دولة صومالية حديثة وديمقراطية. في الجانب الآخر، لم تقم الحكومة العسكرية بأي نشاط إنمائي يذكر في الشمال، الأمر الذي زاد من النفور من الدولة في تلك المناطق. وأدى التوزيع غير العادل للخدمات العامة إلى اندلاع المعارضة السياسية والعسكرية من الشمال في وقت لاحق. ففي أوائل الثمانينيات أصبح من الواضح أن نظام بري كان يميّز على نحو منهجي ضد قبائل إسحاق الشمالية. وقد توّج الاستياء الشعبي من الدولة بمظاهرات طلابية في هرجيسا في عام 1981، جابهها النظام بالقتل والإعدامات المباشرة . وفي وقت لاحق، شُكّلت الحركة الوطنية الصومالية المعروفة ب SNM في عام 1982. وردّت الحكومة على تهديدات الحركة بالانتقام من المدنيين، وارتكبت ممارسات إجرامية في حقهم، بما فيها إعدامات خارج نطاق القضاء ، وعمليات اختفاء وتعسّف واعتقال واحتجاز وتعذيب . تصاعدت هذه الاعتداءات مع تصاعد نشاط الحركة في داخل المناطق الشمالية، واستهدف النظام مدن هرجيسا وبرعو بالقصف الجوي العشوائي الذي أودى بحياة أكثر من خمسين ألف شخص، إلى جانب نزوح أكثر من نصف مليون لاجئ إلى إثيوبيا وتشريد عدد مماثل في الداخل . وأدت تلك الممارسات إلى إعادة إنتاج المظلوميات في الشمال من الوحدة والبقاء ضمن كيان الدولة الصومالية.
3. حرب النظام العسكري على المناطق الشمالية
في أعقاب الحرب الإثيوبية – الصومالية في عام 1977، حاول ضباط من الجيش الوطني الصومالي القيام بمحاولة انقلاب عسكري فاشل ضد سياد بري في عام 1978. وتمكن الضباط الانقلابيون بعد فشل عمليتهم من الفرار إلى كينيا، وكان يقودهم الضابط عبد الله يوسف الذي أصبح رئيسًا للصومال في المدة 2008-2004. وانتقل يوسف من كينيا إلى الحدود الإثيوبية ليؤسس هناك أول جبهة معارضة مسلحة تسعى لإسقاط النظام، وهي جبهة الإنقاذ الصومالية الديمقراطية SSDF. وتلاها إعلان الحركة الوطنية الصومالية التي اتخذت من
بريطانيا مقرًّا سياسيًا لها في عام 1981، وسرعان ما قرّرت الانتقال إلى المدن والقرى الصومالية الإثيوبية المحاذية للحدود مع الصومال. في غضون أعوام، أصبح النضال ضد دكتاتورية بري هدفًا مشتركًا للعديد من الفصائل المعارضة المسلّحة. في هذه الفترة، وكنوع من امتداد الحرب الإثيوبية - الصومالية، كان نظامَا سياد بري ومنغيستو مريام يدعمان حركات مسلّحة ضد بعضهما، ووجدت إثيوبيا في هذا السياق الجبهات الصومالية المنافحة ضد حكم بري فرصة لتقويض النظام الحاكم في الصومال، وهكذا استضافت إثيوبيا القواعد العسكرية لتلك الجبهات المسلّحة التي تمركزت في الحدود الإثيوبية - الصومالية الطويلة، ودعمتها إثيوبيا بالسلاح والأموال. التقى، أول مرة، سياد بري ومنغيستو؛ زعيما الصومال وإثيوبيا في المناسبة الأولى لتأسيس الهيئة الحكومية الإقليمية للتنمية (إيغاد) في جيبوتي في كانون الثاني/ يناير 1986، وشرع الطرفان في بدء مفاوضات تهدف إلى تطبيع العلاقات بينهما. وفي عام 1988 تم توقيع اتفاقية بينهما، بموجبها يتخلّ الرئيس سياد بري عن دعمه جبهة تحرير الصومال الغربي WSFL، في مقابل أن تطرد إثيوبيا الحركة الوطنية الصومالية من الأراضي الإثيوبية. لكن، قُبيل تنفيذ الاتفاقية، قرّرت الحركة نقل قواتها إلى الداخل الصومالي وشن هجمات مفاجئة على المواقع الحكومية في المدن الرئيسة في هرجيسا وبرعو. ردًا على ذلك، استخدم سياد بري القصف الجوي والمدفعية الثقيلة. واق فرر جرائم حرب في حق المدنيين الذين اعتبرهم يشكِّلون حاضنات للجبهات، فقصف بالطائرات الحربية مدينة هرجيسا، وتم تدمير 90 في المئة منها . وأصبحت إبادة منسية بفعل الحروب الأهلية التي شهدتها البلاد بعد إسقاط النظام. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن عدد الضحايا الذين سقطوا في هذه الحرب يراوح بين خمسين ومئة ألف قتيل . وتذهب تقارير أخرى إلى أن عدد القتلى من المدنيين يصل إلى مئتي ألف من المدنيين . وأسفرت تلك الإبادة عن إنشاء أكبر مخيم للاجئين في العالم آنذاك بالقرب من الحدود الإثيوبية مع صوماليلاند في عام 1988. ووصفت بعض المنظمات الإنسانية الإبادة التي اقترفها النظام هناك ب "هولوكست ، كما أُطلق عليها مسميات منها "درسدن أفريقيا هرجيسا" " ، في إشارة إلى مدينة درسدن الألمانية التي قصفها سلاح الطيران البريطاني والأميركي في الحرب العالمية الثانية في عام 1945 ، لكن في نهاية المطاف، أحكمت الحركة الوطنية، بحلول عام 1988، سيطرتها على معظم الأراضي الشمالية. في هذه الأثناء، قامت حركات مسلّحة أخرى في الجنوب تسعى لإسقاط حكم سياد بري، منها حركة المؤتمر الصومالي الموحّد USC، والحركة الصومالية الوطنية SPM، ونجحت أخيرًا في إطاحة حكمه، وفي حدث مفصلي لجأ بري إلى نيجيريا في 16 كانون الثاني/ يناير 1991. وبعدها، أعلنت الحركة الوطنية الصومالية انفصال الشمال من جانب واحد، بينما هوى باقي البلاد في حرب أهلية، تتصارع فيها الجبهات المنتصرة على بري. بعد ذلك الحين، جسّد الصومال مث لً لما أصبح يُعرف ب "الدولة الفاشلة." وليس محل اهتمامنا في هذه الدراسة تناول التاريخ المفصّل لكيفية تفكّك الصومال. لكن ما نودّ تقديمه هو أن الوحدة المأزومة التي قامت بين الشمال والجنوب في لحظة ما بعد الاستقلال، أجهزت عليها الدولة العسكرية بارتكابها مجازر ضد المواطنين في الشمال، وهي ما قادت إلى انفصال الشمال بعدما سيطرت الحركة الوطنية الصومالية عليه، حيث أعلنت استقلالها من طرفٍ واحد والعودة إلى الحدود الاستعمارية البريطانية، وقيام جمهورية صوماليلاند من جديد.
ثًالث ا: انفصال صوماليلاند: السياق والمبررات والعوائق
اشتدّت حدّة النزعة الانفصالية حول العالم في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، ووصلت إلى ذروتها مع انفصال كوسوفو عن صربيا في عام 2008، ثم انفصال جنوب السودان عن شماله في عام 2011، ومؤخرًا اجتذبت عيون العالم مطالبة كتالونيا وكردستان العراق بتقرير مصيريهما وإنشاء كل منهما دولة مستقلة. ويلاحظ ريدي بريكتيب أنه في السياق الأفريقي، تثير الحدود الموروثة من الاستعمار تحديات نظرية وقانونية وأسئلة حول الغموض والتناقض في سلوك
الاتحاد الأفريقي أمام مطالب تغيير الحدود الاستعمارية ، ففي حين تعتبر حدود صوماليلاند من إنشاء المستعمِر، وحصلت على استقلالها الوطني بوصفها كيانًا مستقلً، قبل أن تخوض وحدة طوعية مع الصومال الجنوبي الذي نال الاستقلال من إيطاليا. ويعني ذلك أنه بعد انسحاب صوماليلاند من الاتحاد، كان من المفترض أن يسهل هذا الاعتراف به، لكن ذلك لم يحدث إلى الآن، في حين جرى الاعتراف بجنوب السودان . يقول بريكتيب إنه من منظور نظري، يمكن تفسير هذا التناقض بين الاعتراف الفوري لانفصال جنوب السودان وتجاهل سعي صوماليلاند ثلاثة عقود للوصول إلى الاعتراف من دون نجاح، من خلال تطبيق "نظرية المعاناة والمعالجة" في الحالة السودانية، ذلك أن "نظرية المسافة" عزّزت انفصال الأخير، التي تفترض أيضًا أنه عندما تتوافر مسافة ثقافية - عرقية أو دينية بين الأقاليم المنفصلة والدولة الأم، قد يسهّل هذا إنجاح الانفصال. وهو ما يغيب في حالة صوماليلاند والصومال، حيث إن الصوماليين هم أكثر الشعوب تجانسًا من حيث اللغة والعرق والدين في أفريقيا جنوب الصحراء . يقف هذا المبحث من الدراسة عند انفصال صوماليلاند في سياق تاريخي، كما يعرض مختلف التبريرات ودعاوى الانفصال التي تحتج بها السرردية الانفصالية، وإشكالات هذا الانفصال وعوائقه.
1. السياق التاريخي للانفصال وظروفه
ثمة جدل طويل حول أهداف الحركة الوطنية الصومالية، وعمّ إذا كانت تهدف من نشاطها المسلح إلى الاستقلال بوصفه غاية نهائية تسعى لها، أم أنها تسعى لإسقاط النظام العسكري فحسب كباقي الحركات الصومالية المسلحة. والحقيقة أن الحركة قدمت نفسها في البداية من خلال طابع وطني، وتوصّلت بعد تفاهمات مع الحركات والفصائل المسلّحة الجنوبية إلى تبنّي شكلٍ من أشكال الفدرالية بعد إسقاط النظام . وكان بعض قيادات الحركة يصرّح بأنه لا يؤيد الانفصال؛ وأنه يروم إسقاط النظام العسكري في البلد فحسب، وليس تقسيمه . ومع ذلك، انحازت الحركة إلى خيار الانفصال، بسبب عاملين حاسمين: أولً، وحشية حملة الحكومة العسكرية على إقليم الشمال، ما وحّد صفوف الشماليين تجاه النظام السياسي في مقديشو. وثانيًا، إعلان حكومة وطنية جديدة في العاصمة مقديشو في كانون الثاني/ يناير 1991 من جانب واحد، ومن دون مشاورة الحركة. وكان من شأن هذين العاملين إحداث إجماع في مواقف قيادات الحركة على خيار الانفصال. ونتيجة لذلك، عقدت الحركة سلسلة من الاجتماعات والمؤتمرات لعشائر صوماليلاند، وقد جرى عقد أول مؤتمر وطني في مدينة برعو في أيار/ مايو 1991، وشارك فيه قادة الأجنحة المسلحة في الحركة، وبحضور المشيخات والزعامات العشائرية الشمالية. وأُعلِن في مخرجات المؤتمر ثلاثة بنود رئيسة: أولها، إعلان استقلال صوماليلاند عن الصومال والعودة إلى الحدود الاستعمارية لإقليم صوماليلاند البريطاني. وثانيها، توطيد السلام بين العشائر الشمالية. وثالثها، بناء حكومة انتقالية بإدارة الحركة مدة عامين، مع ضمان التمثيل العادل للعشائر الشمالية فيها . الجدير بالإشارة أن النخب السياسية في الجنوب لم تتفاعل مع هذا التطور الخطر القادم من الشمال، ربما باستثناء الحركة الإسلامية في الصومال (الإخوان المسلمون) التي أصدرت بيانًا من مكتبها في كندا
ترفض فيه "محاولات تقسيم البلاد خدمة لأجندة أعداء الأمة" . أما باقي البلاد، فكان قد وقع تحت سيطرة أمراء الحرب الذين خرجوا من رحم الجبهات التي أسقطت النظام العسكري، وتفشّت الحروب الأهلية في أنحاء الأقاليم الجنوبية، ولم تقم حكومة في الصومال إلّ بحلول عام 2000، عندما عُقد مؤتمر عرتة في جيبوتي، وانتخب عبد القاسم صلاد أول رئيس انتقالي للصومال بعد إسقاط نظام بري، لكنه لم يفلح في التمركز في العاصمة وتحريرها من الميليشيات العشائرية وأمراء الحرب، وبقي في الخارج حتى انتهاء فترته الانتخابية)، وبعد ذلك أُ2004-2000(جريت انتخابات ثانية في مدينة أغابمتبي الكينية، وبعد مشاورات دامت عامين، اختير العقيد عبد الله يوسف رئيسًا انتقاليًا ثانيًا للبلاد 2008-2004()، وقد تمكّن في فترته من دخول العاصمة مقديشو بمساندة قوات إثيوبية. بالنسبة إلى صوماليلاند، وبانتهاء العامين الانتقالييَن من حكم الحركة الوطنية الصومالية، انتُخبت فيها حكومة مدنية بمشاركة مجلس الغورتي (الشيوخ)؛ وهي مؤسسة تقليدية يبلغ عدد أعضائها 28 شيخًا، يمثلون العشائر الشمالية. واختاروا محمد إبراهيم عيقال رئيسًا جديدًا، حيث وُضع في فترته الدستور الوطني، كما نظّم استفتاءً على الدستور، وتوفّ وهو في سدة الحكم في عام 2002، واعتبر كثيرون وفاته امتحانًا أمام استمرار وضع صوماليلاند بالانفصال وتماسك كيانها السياسي، لكن على الفور تسلّم نائبه طاهر ريالي الحكم وفق الدستور. منذ ذلك الحين، تشهد صوماليلاند انتق لً سلسًا للسلطة، من خلال انتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية مباشرة، ويسودها جوّ من التعددية الحزبية، وتقدم الحكومات المتعاقبة في صوماليلاند ورقة تنظيم انتخابات مباشرة دليلً على نجاح الإقليم وأحقيته في نيل الاعتراف الدولي به دولة مستقلة . ويستند الخطاب الرسمي في صوماليلاند إلى التعريف الأكثر شيوعًا للدولة، وإن كان مفرطًا في التبسيط، وهو الذي قدّمته اتفاقية مونتيفيديو في عام 1933 بشأن حقوق الدول وواجباتها. وتشمل أركانه أربعة معايير أساسية؛ سكانًا دائمين، وأراضيَ محدّدة، وحكومة فاعلة، وقدرة على الدخول في علاقات مع دول أخرى. وتحاجّ سردية صوماليلاند الانفصالية بأنها توفّر هذه المعايير، لكن، وكما يوضح العديد من النماذج حول العالم، فإن الوفاء بهذه المعايير لا يمنح تلقائيًا الاعتراف كدولة مستقلة، وتجسّد صوماليلاند مث لً صارخًا لذلك .
2. مبررات الانفصال ودعاواه
يعتمد نجاح المساعي الانفصالية على تقييم حسابات المكاسب والخسائر، بمعنى أن نجاح أي عملية انفصالية من عدمها، يقوم بموازنة علاقات الربح والخسارة بين الجهة الانفصالية والدولة الأم . وفي هذا النطاق، يعتبر الباحث ماركوس فيرجيل هونه، أن انفصال صوماليلاند - أو كما يحلو للبعض حلّ الاتحاد الطوعي بين صوماليلاند البريطانية والصومال الإيطالي - لم يتبع إجراء تقييم حسابات التكلفة والربح هذه. وأنه على عكس ذلك، جاء إعلان استقلال صوماليلاند الأحادي الجانب، بطريقة غير مدروسة النتائج، ونتيجة حتمية لحالة التفكك والانهيار التي تسبب فيها النظام العسكري في الصومال، الذي تحولّ في مرحلته الأخيرة إلى نظام يرتكب إبادة جماعية ضد أقاليم الشمال ويستهدفها لأسباب عشائرية ، وكما أشرنا، وفّرت تلك المظالم أساس المطالبة بالانفصال للحركة الوطنية الصومالية. ومن ثم، فالانفصال في هذه الحالة تحديدًا كان نتيجة غير مقصودة لذاتها. نظرًا إلى أن المناداة بالانفصال في أفريقيا لا تأتي على نحو صريح وعلني، فإن مطالبة صوماليلاند بالانفصال تقترن بمبررات تاريخية وقانونية وسياسية بديلة، يمكن حصر تلك المبررات والدعاوى في الآتي:
أ. دعوى استرداد السيادة
يقوم هذا الادّعاء على أنه يحق لإقليم ما إما إحياء حق الشعوب المستعمرة في تقرير المصير وممارسته، وإما استرداد سيادته المفقودة، وهي دعوى الانفصال الإحيائي، كما يسميها الباحث القانوني الدرديري محمد أحمد . وتستند هذه الدعوى إلى حجة فحواها
أن صوماليلاند كانت يومًا ما دولة ذات سيادة، ومن ثم يحق لها الانسحاب من الاتحاد مع الصومال واستعادة حدودها الأصلية. تعتبر هذه الدعوى صائبة قانونيًا عند النظر في أن الدولة الأفريقية قامت ضمن الحدود الاستعمارية إبان فترة الاستقلال، حيث اعتبُر كل كيان استعماري وريثًا شرعيًّا للحدود التي تركها الاستعمار. ومن ذلك المنظور، تتفق الآراء، على كون صوماليلاند دولة مستقلة ذات سيادة، نالت استقلالها من الاستعمار البريطاني في 26 حزيران/ يونيو 1960 باعتبارها كيانًا استعماريًا مستقلً. وتؤكد صوماليلاند باستمرار، في خطاباتها الرسمية، أن قضيتها تمثل استنادًا إلى الدولة المستقلة لصوماليلاند في عام 1960 ضمن الحدود المتّفق عليها لدولة عام
لكن، وبحسب بعض فقهاء القانون، تفتقر هذه الحجة إلى أي سند قانوني؛ إذ ليس هناك أساس في القانون الدولي لدعوى "استرداد السيادة" Reversion، أو الزعم أن للدولة التي فقدت سيادتها الحق في استعادتها ، ويوضح جيمس كراوفورد ذلك بالقول: "أيًّا كانت صحة دعوى استرداد السيادة كمطالبة سياسية، فإنه لا سند لها أو جدوى كدعوى قانونية" ، فلا يمكن أن تستعيد الدولة سيادتها عندما تندمج مع دولة أخرى، إلّ وفقًا لاتفاقية البلدين المندمجين. كما لا تفقد الدولة التي تكتسب عضوية الأمم المتحدة، حتى لو قررت طوعًا الانسحاب أو الاندماج في دولة أخرى، كما حصل في حالة اندماج سورية مع مصر . وعند النظر في حالة صوماليلاند، وبحسب الباحث الدرديري محمد أحمد، كانت ستكتسب بعض الوزن القانوني لو نالت عضوية الأمم المتحدة في أثناء الفترة القصيرة التي تمتّعت فيها بالسيادة ، فمع أن صوماليلاند حصلت خلال أيام استقلاليتها على اعتراف نحو خمس وثلاثين دولة، بما فيها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ، فإنها لم تحصل على مقعد في الأمم المتحدة .
ب. دعوى عدم قانونية الاتحاد نفسه
يحتج كثير من مساندي انفصال صوماليلاند على أن الدمج بين إقليمي صوماليلاند والصومال لم يتم أصلً بطريقة قانونية ، ولاقت هذه الحجة قبولً في التقرير الصادر في عام 2005 عن بعثة تقصّ الحقائق التابعة للاتحاد الأفريقي. فقد كتبت البعثة التي أُرسِلت إلى الإقليم بناء على طلب من حكومة صوماليلاند، تقريرًا جاء فيه: "إن واقعة عدم إجازة الاتحاد أصلً، وكونه لم يعمل على نحو مُرضٍ خلال فترة استمراره بين عامي 1960 و 1990 يجعلان من بحث صوماليلاند عن الاعتراف أمرًا فريدًا ومبرّرًا في التاريخ السياسي الأفريقي، ومن ثم، فإن على الاتحاد الأفريقي أن يبحث عن طريقة خاصة للتعامل مع هذه الحالة الفريدة" .
ج. دعوى الانفصال التصحيحي
ثمة أيضًا دعوى تتكرر في خطابات حكومات صوماليلاند المتعاقبة، بأن لها الحق في الانفصال، نظرًا إلى تعرّضها لانتهاكات مفرطة في حقوق الإنسان، مقرونة بعدم التمثيل في الحكومة الوطنية، فلم يجر تمثيل الشمال في حكومة الوحدة التي قامت إبان الاستقلال في عام 1960، كما أوضحنا سابقًا، وتأكد ذلك من خطوات رفض الشماليين استفتاء دستور الوحدة والمحاولة الانقلابية للضباط الشماليين، واستقالة ممثلي الشمال في حكومة الوحدة. وكذلك الحرب التي شنّها النظام العسكري ضد سكان الإقليم، وتستند هذه الدعوى إلى نظرية "المعاناة والمعالجة" التي تفترض أنه إذا خاض إقليم ما حربًا فترة طويلة، عانت خلالها أقليةٌ انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من النظام الحاكم، فمن حق الإقليم إقامة دولته الخاصة والاعتراف بها من المجتمع الدولي كحل علاجي للمعاناة ، وهي النظرية التي تم تبريرها لانفصال جنوب السودان .
د. دعوى الانفصال الدستوري
شهدت صوماليلاند استفتاء شعبيًا على دستور عام 2001، وطلبت ورقة الاق اررع من الناخبين أن يصوتوا بنعم أو لا على سؤال ما إذا "كانوا يوافقون على أن تكون صوماليلاند دولة مستقلة ذات سيادة." وصوت 97 في المئة من المستفتين لمصلحة الاستقلال. وتنص المادة الأولى من الدستور على اعتبار صوماليلاند "دولة ذات سيادة ومستقلة." وعلى الرغم من أن المنتقدين يشككون في نزاهة ذلك الاستفتاء الدستوري، حيث تم من طرف الجهة الانفصالية نفسها، فإنه يمكن حسم هذا الجدل من خلال عقد استفتاء شعبي على الانفصال تحت إشراف دولي. إذًا، يتّضح من خلال هذه الدعاوى السياسية والقانونية والحقوقية، أن انفصال صوماليلاند أكثر تعقيدًا من الحالات الانفصالية الأفريقية الأخرى، ويتداخل فيها التاريخ السياسي الاستعماري للإقليم مع تعقيدات تشكّل الدولة الوطنية في أفريقيا ما بعد الاستعمار، ويجتمع ذلك مع مبادئ حق تقرير المصير المكفولة في القانون الدولي، ما يستدعي انتهاج مقاربة جديدة للتعامل معها.
3. إشكالات الانفصال وعوائقه
تحيط بعملية الانفصال عوائق وإشكاليات عدة غير محسومة، نذكر منها:
أ. النزاع الحدودي على مناطق الشرق
تُعدّ مسألة النزاعات الحدودية إشكالية رئيسة في دولة ما بعد الاستعمار الأفريقية، ويعكس الصراع العسكري المتكرر على حدود صوماليلاند وإقليم بونتلاند الصومالي حول منطقتي سول وسناج في جانب من جوانبه هذا الإشكال غير المحلول. وهو إرث ممتد منذ الاستعمار الأوروبي، ومن تضاعيف انهيار الدولة المركزية وإعلان صوماليلاند الانفصال الأحادي الجانب. وعلى هذا، فهو صراع يدور على مستويات مركبة عدة، ويتقاطع مع الديناميات السياسية والعشائرية والإقليمية والوطنية. يعود تفجر الصراع إلى انهيار الدولة المركزية في الصومال في عام 1991. فقد سلكت صوماليلاند وبونتلاند طرقًا متباينة إزاء الواقع المستجد؛ حيث أعلنت الأولى الاستقلال من جانب واحد في عام 1991، وتأكيد "حقها" في إدارة ما تعتبره أرضًا تحت سيادتها. وفق رؤية تاريخية تنطلق من أن سول وسناج كانتا جزءًا من أراضيها التاريخية. بينما أعلنت بونتلاند نفسها أنها جزء من الفدرالية الصومالية في عام 1998، على الرغم من عدم وجود النظام الفدرالي في الصومال في وقت تأسيسها. وفي حين يقوم ادّعاء صوماليلاند على السيادة على المنطقتين على أساس الحدود الاستعمارية عندما كانت محمية بريطانية، تستند دعوى بونتلاند إلى الروابط العشائرية في المنطقة، باعتبار العشيرتين الرئيستين اللتين تعيشان في سول وسناج، دولبهانتي ووارسانجلي، والعشيرة الرئيسة في بونتلاند مجرتين، تشكلان عشيرة دارود/ الهرتي الأكبر. ولأجل هذا تقوم بونتلاند بتعبئة الولاءات العشائرية ضد الانفصال باعتباره مشروعًا لا يمثل(هم)، إضافة إلى هذا، تقدم بونتلاند نفسها بصورة المدافع عن صومال موحَّد. فقد رفض الرئيس السابق لبونتلاند عبد الولي غاس، في خطاب ألقاه في 23 حزيران/ يونيو 2016 أمام برلمان بونتلاند، شرعية الحدود الاستعمارية حكمً مرجعيًا في النزاع، مضيفًا أنه "واجب مقدس" على بونتلاند "تحرير" المناطق المتنازع عليها بالقوة . أدت الخلافات حول المناطق المتنازع عليها إلى بروز انقسامات داخل عشَتَ دولبهانتي ووارسنجلي، ما عقّد مهمة إخضاع سول وسناج لأحد طرفي الصراع. ونتج من ذلك المزيد من عسكرة الصراع داخل العشائر في المنطقة، وارتقى إلى نشوب قتال بين قوات صوماليلاند وبونتلاند . فقد شنّت صوماليلاند ابتداء من عام 2007 هجمات عسكرية لتوسيع سلطتها شرقًا، واستولت على سلسلة من البلدات والقرى في سول، منها عاصمة المحافظة، لاس عانود. لكن هذا لم يحسم الصراع، بل فاقمه إلى مستويات جديدة. ويستمر طرفا الصراع في نسج علاقات مع النخب السياسية للعشيرتين، من خلال منحهم مناصب رفيعة في حكومتي غاروي وهرجيسا، إضافة إلى تسجيل الموظفين المدنيين في تلك المناطق، وفي أفراد الجيش. وتتنقل النخب السياسية من العشيرتين ذهابًا وإيابًا بين حكومات صوماليلاند وبونتلاند لمحاولة تحقيق أقصى مكاسب لهم. وقد ظهرت منذ عام 2012 كيانات عشائرية محلّية تطالب الحكم الذاتي، مثل ماخير Maakhir التابعة لعشيرة ورسنغلي، وخاتمو Khaatumo التابعة لعشيرة دولبهانتي، بهدف أساسي هو تقديم خدمات إلى سكان المناطق الحدودية أفضل مما تقدمه حكومات هرجيسا وغاروي. يمثل الوضع الإشكالي وغير المستقر لتلك المناطق تقويضًا لسرردية صوماليلاند وادّعائها الاستناد إلى الحدود التاريخية الاستعمارية. ويؤثر ال اررع الحدودي على نحو مباشر في محافظتها على تلك الحدود. ومن جهة أخرى، سيبقى السياسيون والناشطون المنتمون إلى المناطق الشرقية والرافضون الانفصال، عقبة كأداء أمام عملية انفصال
صوماليلاند في المحافل الخارجية، وبناء عليه، لا يمكن أن يحدث أي حل طويل الأجل على نحو مستدام من دون إيجاد صيغة عادلة ومرضية لسكان المنطقتين، وإشراكهم في العملية السياسية في صوماليلاند، وفي المشاريع التنموية بصورة أفضل. وفي الأحوال كلها، ستبقى هذه الأراضي المكان الذي تتحدد فيه الهوية الوطنية، التي سيتشكل منها النظام السياسي المستقبلي للصومال، إما كدولتين وإما دولة واحدة.
ب. ازدواجية النخب السياسية الشمالية
منذ نهاية الحرب الباردة، أصبح تقاسم السلطة هو النهج المعياري لإنهاء الحرب الأهلية، كما تجادل كاتيا باباجياني ، فعندما تصل الأطراف المتحاربة إلى مأزق مسدود في البلدان التي توجد فيها انقسامات هوية على الدين والعرق، يتم اللجوء إلى آليات تقاسم السلطة على أساس تلك الهويات. وفي الصومال، اعتُمدت صيغة 4.5 آلية محاصصة لتقاسم السلطة في مؤتمر عرتة للمصالحة في جيبوتي في عام 2000. وتفرض المحاصصة تقاسم المقاعد في البرلمان والمناصب الحكومية المختلفة على أساس تلك الصيغة، ومؤدّاها تقسيم السكان الصوماليين خمس مجموعات عشائرية، أربع منها تُعدّ "عشائر رئيسة"، هي دارود ودير وهويي وديجل وميريفلي (الراحانوين)، بينما تشمل المجموعة الخامسة جميع العشائر والمجتمعات الأخرى الباقية - وتضم المدغان واليبر والبانتو والجاريروين والحمراويين والبرّاوين والبنادريين. أفسحت هذه الصيغة، على الرغم من علّ تها الكثيرة الأخرى ، أمام الساسة الشماليين المشاركة في محاصصة العملية السياسية الصومالية، حيث يمارس الساسة من المناطق الشرقية المتنازع عليها، ومن بعض المناطق الأخرى في صوماليلاند ازدواجية سياسية في اللعب على الحبال؛ فعندما يخفقون في الحصول على مناصب برلمانية وحزبية في مناطقهم، يغيّ ون وجهتهم بسهولة إلى المشاركة في المحاصصة الجنوبية في مقديشو، حيث تضمن لهم صيغة 4.5 حصة كاملة لتمثيل قبائل الدير الشمالية. ويساعدهم في هذا التحول السوق السياسية التي يحركها المال السياسي وشبكة المصالح الاقتصادية والعلاقات في العملية السياسية الصومالية . ومن شأن هذه الممارسة المكيافيلية أن تقوّض ادعاء الانفصال من طرف النخب السياسية في صوماليلاند.
ج. رفض المجتمع الدولي عملية الانفصال
أقدم العديد من دول العالم على افتتاح قنصليات ومكاتب تمثيلية له في هرجيسا عاصمة صوماليلاند، مثل الدنمارك والمملكة المتحدة وجنوب أفريقيا وإثيوبيا وجيبوتي وبلجيكا وجنوب السودان وكينيا والإمارات العربية المتحدة وتايوان، وأعلن بعض من هذه الدول قبوله جوازات السفر الصوماليلاندية، إلّ أنه لم تعلن أي دولة من هذه الدول، أو أي دولة أخرى في العالم اعترافها بصوماليلاند دولة مستقلة. ومن ثم، تُعدّ بحسب العرف الدولي إقليمً تابعًا للصومال، وذلك لأسباب يمكن إجمالها في انحياز القوى الدولية، وأبرزها الولايات المتحدة، إلى استعادة الأمن والاستقرار في الصومال، وتركيزها على مشروع محاربة الإرهاب في العقدين الماضيين، وفي ظن الولايات المتحدة أن الاعتراف باستقلال الإقليم سيُضعف تلك الجهود، علاوة على أنها تعتبر الاعتراف بصوماليلاند شأنًا أفريقيًا، بينما يتخوّف الاتحاد الأفريقي في حال الاعتراف بصوماليلاند من ظهور المزيد من الحالات الانفصالية في القارة، فالخريطة السياسية لأفريقيا لم تشهد على مدى الخمسين عامًا الأخيرة أي تغيير، باستثناء حالتي انفصال إرتيريا في عام 1993، وجنوب السودان في عام 2011. في حين برز إلى الوجود في أوروبا وآسيا أكثر من عشرين دولة خلال ربع القرن الذي أعقب نهاية الحرب الباردة. وفي الحالتين الأفريقيتين؛ إرتيريا وجنوب السودان، فقد انتزعتا سيادتيهما عبر حروب أهلية طويلة.
رابعًا: المجتمع الدولي وانفصال صوماليلاند
تقف الدراسة في هذا المبحث الأخير عند تحليل استجابات القوى الدولية والإقليم من انفصال صوماليلاند، بالتركيز على الولايات المتحدة باعتبارها قوة عظمى، برزت بعد إعلان انفصال صوماليلاند في النظام الدولي، والاتحاد الأفريقي الذي يُعدّ الجسد السياسي المعني بالتغييرات الحدودية والسيادية في القارة.
1. التنافس الأميركي - الصيني وتحولّات النظام الدولي
تزامن إعلان استقلال صوماليلاند مع فترة يمرّ فيها النظام الدولي بتحوّل عميق في هيكلته الدولية، مع وصول نهاية الحرب الباردة، بعد حقبة عمَّرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى سقوط جدار برلين 1989() وسادها الصراع الجيوستراتيجي بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وبدأ عقد التسعينيات من القرن الماضي يتخذ تحولً عميقًا في هيكل تلك القوة في النظام الدولي مع تفكّك الاتحاد
السوفياتي وبروز الولايات المتحدة الأميركية قوةً رئيسة وحيدة في العالم الأحادي القطب. وقد رأى المفكر الأميركي صمويل هنتنغتون في أعقاب انتصار الولايات المتحدة في الحرب الخليجية الأولى أنها حقّقت الريادة في العالم . تدخّلت الولايات المتحدة عسكريًا في الصومال، في فترة الجفاف في عامي 1993-1992 باعتبارها "شرطي العالم"، كما وصفتها وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس ، وأرسلت قوة تعدادها 27 ألف جندي من قوات النظام الدولي الجديد في أعقاب النجاح الساحق في طرد العراق من الكويت في عام 1991 ، وكان في ظنّ الجيش الأميركي أن عملية الصومال ستكون سهلة وسريعة مقارنة بغيرها، وثبت في النهاية أنها كانت ورطة عسكرية . وتعززت المقاربة الأمنية الأميركية بشأن الصومال بعد تفجير سفارَتَ الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في آب/ أغسطس 1998 . وأثارت تلك التفجيرات مخاوف الولايات المتحدة من الحركات الجهادية في شرق أفريقيا، وانصبّ اهتمامها على منع أن يصبح الصومال ملاذًا لقيادات تنظيم القاعدة. وتأكّدت هذه المقاربة الأمنية لديها مع وصول فترة بوش الابن وأحداث الحادي عشر من سبتمبر . أحجمت الولايات المتحدة عن الاعتراف بصوماليلاند، لاعتقادها أنه سيكون له آثار سلبية في عملية استعادة الاستقرار في الصومال، وفي أنه سيُضعف سلطة الحكومات الصومالية الهشّة، واكتفت بالإشادة بما حققته صوماليلاند من استقرار داخلي وتنظيم انتخابات مباشرة وتبنّي نظام حكم ديمقراطي، إلّ أن تلك الإشادة لا ترقى إلى منحها الاع اررف بها دولة مستقلة، وأحالت الولايات المتحدة القضايا المتعلقة بتغير الحدود السيادية في أفريقيا إلى الاتحاد الأفريقي. وتقدمت صوماليلاند في كانون الأول/ ديسمبر 2004 بطلب رسمي للانضمام إلى الأمم المتحدة، لكن الأخيرة ردّت بأن الاعتراف أمرٌ يعني الاتحاد الأفريقي . ولهذا، من المستبعد أن تتحرك الولايات المتحدة للاعتراف بصوماليلاند قبل أن يفعل الاتحاد الأفريقي ذلك، أو قبل أن تبادر دول أفريقية رئيسة عدة إلى القيام بذلك . مع ظهور إرهاصات جديدة لحدوث تحوّل في بنية النظام الدولي مرة أخرى وتصاعد التنافس الصيني - الأميركي، بدأت سياسة واشنطن المعلنة في التراجع، بانسحابها من أفغانستان والصومال في غضون عام واحد، في مقابل صعود مواجهتها الجيوستراتيجية مع الصين، ونتيجة عوامل عدة، منها الإحباط الأميركي من عملية بناء الدولة في الصومال، باتت تجد مسألة صوماليلاند مقبولية وصدى لدى واشنطن، خصوصًا بعد فترة دونالد ترامب 2021-2017(.) وفي اتساق مع اهتمام إدارة جو بايدن (كانون الثاني/ يناير 2021) في القرن الأفريقي، خصوصًا في أعقاب تدخل الصين في الحرب الإثيوبية، بإرسالها طائرات مسيّة لإنقاذ نظام آبي أحمد الذي اقترب من السقوط بيد التيغراي وحلفائهم في كانون الأول/ ديسمبر 2021؛ زار وفد من الكونغرس الأميركي صوماليلاند في الشهر نفسه، وعقد لقاءً مع الرئيس موسى بيحي الذي قدم استعداده لمناهضة الوجود الصيني في المنطقة. وفي آذار/ مارس 2022، زار بيحي واشنطن، مدة عشرة أيام، التقى خلالها مسؤولين من البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع ولجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، بهدف إحداث تقارب مع إدارة بايدن وتقديم نفسه حليفًا موثوقًا وبديلً من الحكومة الفدرالية، مستفيدًا من الهواجس الأميركية بشأن الوجود الصيني في القرن الأفريقي الذي تزايد في الأعوام الأخيرة. وعلى الرغم من أن الزيارة لم تحقق أي اختراق يذكر على مستوى تحقيق الاعتراف الذي تنشده هرجيسا، فإنها حققت مزايا سياسية عدة، منها كسب أصوات مؤيدة من دوائر القرار الأميركي من خلال تعزيز اللوبي المؤيد لها في الكونغرس والخارجية والدفاع ومراكز صنع القرار الأميركي الأخرى. وقد ألقى الرئيس بيحي محاضرة في مؤسسة هيريتاج فاونديشن التي نشرت في عام 2021 تقريرين يوصيان بمنح الاعتراف الدبلوماسي لصوماليلاند ، وكرر المدير العام للمؤسسة، ومن ثم خطاب بيحي نفسه، الدعوة إلى دعم الولايات المتحدة لتحقيق الاعتراف باستقلال صوماليلاند.
بالنسبة إلى الصين، فإنها لم تقم بدور رسمي يُذكر في المشهد الصومالي منذ سقوط الحكومة المركزية، لكنها كثّفت في خضمّ دورها المتنامي في أفريقيا في الأعوام الأخيرة علاقتها بالصومال، وذلك في إطار مشروعها "حزام واحد طريق واحدة" الذي يمرّ عبر البحر الأحمر، والذي في أثره أضحت الصين في عام 2015 أكبر شريك تجاري لأفريقيا . وتُلقي المواجهة الصينية - الأميركية الجيوستراتيجية ظلالها أفريقيًا على العلاقات التي تقيمها صوماليلاند مع تايوان - وهي ثاني دولة تقيم علاقات دبلوماسية معها في القارة - بعد مملكة إسواتيني الصغيرة. وقد تبادل الطرفان العلاقات الدبلوماسية في عام 2020، وأثار في حينه افتتاح مكتب باسم "تايوان" في هرجيسا حفيظة الصين، بدلً من "تايبيه الصينية" الذي تستخدمه اللجنة الأولمبية الدولية والعديد من الدول الأجنبية لتجنب الإساءة إلى الصين. وقد انتقدت الصين بشدة في مطلع شباط/ فبراير 2022 الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الصوماليلاندي عيسى كايد إلى تايوان، واتهمت تايوان بالسعي لتقويض استقلال الدول الأخرى ووحدتها. وكان لافتًا رد الوزير الصوماليلاندي الذي أوضح في حديثه مع رويترز بلغة متحدية أنه لا يمكن أن تُ لي الصين على صوماليلاند خياراتها، وأن فلسفة العلاقة مع تايوان تتمثل في إبحارهم بالقارب نفسه، وذهب أبعد من هذا بالحديث عن القيم الديمقراطية التي تجمع بلاده مع تايوان لمواجهة "دكتاتورية الصين" . غني عن القول، إن تايوان وصوماليلاند تسعيان لتأمين دعم واشنطن وحمايتها لنادي الدول الديمقراطية أمام الزحف الصيني، وذلك لتعزيز مواقفهما السيادية والخروج من العزلة الدولية المفروضة عليهما، خصوصًا أن تايوان شهدت عزلة دبلوماسية متزايدة من الدول الأفريقية، حيث فرضت الصين ضغوطًا مختلفة على الدول كلها التي ترتبط بعلاقات مع تايوان من خلال دبلوماسية القروض التي تستخدمها بيجين سلاحًا للضغط، بل ذهبت في بعض الأحيان إلى أبعد من ذلك، بلجوئها إلى الطلب من الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على بعض أعضائه، كما حصل مع ليتوانيا لإجبارها على غلق سفارة تايوان. وحتى الآن، تحاول بيجين إغراء صوماليلاند بتنفيذ مشاريع تنموية واستثمارية في المطارات والبنية التحتية لغلق مكتب تايوان، لكن صوماليلاند تتمسك بخيار العلاقة مع تايوان لدواع استراتيجية؛ حيث تسعى، إضافة إلى ما سبق، للاستفادة من خبرة الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي منذ أكثر من نصف قرن في إدارة العلاقات الدولية من دون الحصول على مقعد في الأمم المتحدة . 2. الاتحاد الأفريقي ومبدأ "السلامة الإقليمية" يعتبر الاتحاد القارّي الجسد السياسي الأبرز والرافض استقلال صوماليلاند ؛ ذلك لأنه يضمن في مبادئه الأساسية استدامة الحدود الإقليمية من الاستعمار للدول الأفريقية. وينتهج الاتحاد الأفريقي نهجًا صارمًا للحدّ من النزعات الانفصالية في القارة، ويتبع استجابات منوّعة في تحقيق ذلك. ونجد من خلال استقراء تاريخي سريع لتعامله مع الحالات الانفصالية في المنطقة، أن المنظمة أحيانًا تتدخل عسكريًا لمصلحة الدولة الأم، كما حدث في حالة إقليم بيفرا في نيجيريا، حينما اعتبرت المنظمة إعلان انفصاله في نهاية ستينيات القرن الماضي مساسًا بالمصالح الأفريقية . وتكرّر الأمر نفسه في جُزر القمر، عندما نصّب محمد باكار نفسه رئيسًا وأعلن انفصال جزيرة أنجوان في عام 2008، وردًّا على ذلك، أعلن الاتحاد الأفريقي خطوة عسكرية ضد الإقليم بمشاركة قوات من السودان وتنزانيا والسنغال، مع دعم لوجستي من ليبيا وفرنسا، ونجح هذا التدخل العسكري في وضع حدٍ لمحاولة الإقليم الانفصال . يتبع الاتحاد الأفريقي استراتيجية أخرى، يسميها الباحث الدرديري محمد أحمد "جدار الصمت"، حين يعمد إلى عدم إدراج مطالب الإقليم الانفصالي ضمن جدول الأع لاا الرسمي في اجتماعاته الرسمية، ويعتبر تعامل المنظمة الأفريقية مع الحرب الأهلية السودانية والنضال التحرّري الإرتيري أبرز مثالين على ذلك. حيث تجاهلت المنظمة هاتين الحالتين طويلً، قبل أن تتدخل منظمة أخرى هي منظمة إيغاد لوضع حدٍ لصراع شمال السودان. تُعدّ حالة صوماليلاند مث لً واضحًا على استراتيجية "جدار الصمت" التي تتبعها منظمة الاتحاد الأفريقي لتقويضها، وقد أرسل الاتحاد في عام 2005 بعثة تقصّ حقائق إلى صوماليلاند، بطلب من الرئيس
طاهر ريالي كاهن ، وقدّمت البعثة توصيات مشجعة لقضية صوماليلاند ، فورد في تقريرها النهائي أن استقلال صوماليلاند "حالة فريدة في التاريخ السياسي الأفريقي"، وأوصى التقرير بالاعتراف بها بلدًا مستقلً، مشيرًا إلى أنه منذ إعلان استقلالها، أرست صوماليلاند أسس قيام "دولة حديثة"، وأن الوحدة التي قامت في عام 1960 بين صوماليلاند والصومال تسببت في مظالم ومعاناة هائلة لشعب الإقليم . إلّ أن ذلك التقرير لم يطرح في المناقشات الوزارية في الاتحاد إلى اليوم، ومن ثم، لم يُغيّ شيئًا من سياسة الاتحاد المعلنة والرافضة أي محاولة انفصالية في القارة، بحجة أنها تفتح صندوق باندورا من الصراعات الحدودية في أنحاء القارة. ثمة انتقادات تخص دور المنظمة الأفريقية في حل الصراعات الأفريقية، هذا الدور يبقى ضعيفًا، وفي مستوى من الفشل، مع أن شعار "حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية" يكاد يتكرر على لسان القادة الأفارقة في شكل خطب وعظية. لكننا في أدنى تقصٍّ لنتائج تطبيق هذا الشعار الطموح في حلّ الصراعات في القارة، نجد أن غالبية الوساطة الأفريقية تنتهي دومًا بالفشل، مقارنة بمثيلاتها الأجنبية. ويبرّر البعض هذا بسبب "الموارد الاقتصادية المحدودة للدول الأفريقية" أو "نقص قدراتها ". لكن على الجانب الآخر، تتمتع الوساطة الأفريقية ب "الشرعية" في الأوساط الأفريقية مقارنة بغيرها، ويؤكد ذلك تحليل إحصائي مقارن أُجري على محاولات الوساطة الأفريقية والأجنبية في المدة 2017-1960، ووجد التحليل أن الجهود التي تقودها الدول أو المنظمات الأفريقية في القارة تنجح غالبًا في إقناع أطراف الصراعات الأفريقية. فمثلً في أثناء توسط المنظمة الأفريقية في الحرب الأهلية الأولى في السودان في أوائل السبعينيات، اعتبر رئيس وفد الحكومة السودانية، محمد عمر بشير أن الدبلوماسيين الأفارقة "غرسوا لديه الشعور في أن لا يمسح مؤتمر [السلام] أبدًا بالفشل" . وكرّر ممثل الجانب الآخر، أبيل ألير، الأمر نفسه، وأشار إلى كيف جرى إقناعه بالوساطة الأفريقية "لإخراج السودان من نفقه المظلم" . وتكرر الأمر نفسه في الحرب الإثيوبية في أواخر عام 2021، حين رفض طرفا الصراع (جبهة التيغراي والحكومة الإثيوبية) قبول الوسطاء الأجانب، بينما حقق مبعوث الاتحاد الأفريقي إولوسيغون أوباسانجو اختراقًا بعقد جلسات مع طرفي الصراع، نقل فيها وجهات النظر للبحث عن تسوية، على الرغم من أن الخيار العسكري حسم أخيرًا تلك الحرب. ويطرح هذا كله إمكان قيام الاتحاد الأفريقي بدور لفك الأزمة العالقة بين صوماليلاند والصومال منذ ثلاثة عقود.
خاتمة
بحثت هذه الدراسة الجذور والخلفيات السياسية لانفصال صوماليلاند، من خلال العودة إلى التكوّن التاريخي والسياسي للإقليم منذ فترة البواكير الاستعمارية، وصولً إلى مطالبته بالاستقلال عن الصومال، ومرورًا بفترة الوحدة وإنشاء الدولة الصومالية القومية.
كما حاججنا، لم يشهد التاريخ الصومالي سلطة سياسية حكمت أراضيه كلها على نحو كامل، فقد بقيت السلطنات الإسلامية والعشائرية تقتصر على رُقع جغرافية محددة في تواريخ معيّنة قبل الاستعمار الأوروبي، وشكّل الاستعمار الأوروبي الحديث، والتدخلات العسكرية
للبرتغال منذ القرن السادس عشر تهديدًا لاستمرار تلك السلطنات. ومن ثم، درسنا في المبحث الثاني، تأسيس الدولة القومية الصومالية الموحَّدة، والمعضلات القانونية والثقافية والسياسية والدستورية التي واجهتها، وأبرزها إشكالية البناء الوطني الذي فشلت فيه النخب القومية والوطنية الأخرى بإرساء أسسها. وحاججنا أن تلك التعقيدات شكلت بذور الفشل السرريع للدولة الصومالية. يضاف إلى ذلك التعقيدات الجيوسياسية التي عاشتها الدولة الصومالية منذ نشأتها إلى لحظة انهيارها، والتي تمثلت بمسألة واقعية الحدود الأفريقية التي لا يمكن المساس بها في المواثيق الإقليمية والقارية في أفريقيا. وهو ما شكّل عقبة كأداء أمام استقرار الدولة الصومالية مع جوارها، وذلك حينما تمسكت الصومال بمطالبة إقليمين يقعان ضمن نطاق سيادة الجارتين كينيا وإثيوبيا، ما تسبب في حروب إقليمية أنهكت القدرات الاقتصادية والعسكرية للدولة الصومالية ما أدى إلى تفكّكها. ومع دخول الدولة الصومالية في قبضة الحكم العسكري، تأججت الانقسامات العشائرية، وخاض سياد بري في فترته، حربًا مدمرة مع إثيوبيا في عام 1997، ومن رحم هذه الحرب، تفجّرت المكوّنات الاجتماعية ضد الدولة. ونتيجة لهذا، برز انفصال صوماليلاند على السطح نتيجة موضوعية لتلك المقدمات. وقد عرضنا على نحو نقدي الدعاوى السياسية والتاريخية والقانونية والحقوقية كلها التي تسوقها النخب والحكومات في صوماليلاند لتبرير عملية الانفصال، وخلصنا إلى أنها حالة تستدعي مقاربة خاصة للتعامل معها. وفي الأخير، حاولنا تفحّص موقف المجتمع الدولي من انفصال صوماليلاند، الذي على الرغم من الثناء الدائم على نموذجها السياسي الديمقراطي، فإنه يقف حائرًا أمام اعترافها أو دفعها إلى الانضمام مرة أخرى إلى الصومال. ونعتقد أن أولوية الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى في المسألة الصومالية هي استعادة دولة فاعلة في الصومال، وهزيمة الجماعات الإرهابية، والتخلّص من الفواعل العنيفة ما دون الدولة في الراهن السياسي الصومالي. ويحيل المجتمع الدولي مسألة الاعتراف باستقلال صوماليلاند إلى الاتحاد الأفريقي. ويتمسّك الأخير بخطّه التقليدي في رفض أي محاولة انفصالية في القارة، ونعتقد أن على الاتحاد الأفريقي إيجاد مقاربة جديدة للتعامل مع قضية صوماليلاند تأخذ في الحسبان تعقيداتها التاريخية والسياسية والقانونية. يمكن الإشارة في الختام إلى أن طرفي صوماليلاند والصومال يُجريان مفاوضات روتينية ومتقطعة منذ ثمانية أعوام، تُعقد في عواصم دول الجوار والإقليم، وفي ظننا أنه في حال عدم تدخّل الاتحاد الأفريقي، لكونه المعني الأساسي بالتغييرات السيادية في القارة، أو أي جهة دولية أخرى لدفع الطرفين إلى التوصل إلى تسوية نهائية، فسيكون هذا الصراع مرشّحًا للاستمرار. وفي هذا الإطار، يطرح بعض فقهاء القانون الدولي، سيناريو توجه صوماليلاند إلى أعلى جهة قضائية في الأمم المتحدة، وهي المحكمة الدولية، للنظر في قضيتها، كما حدث في حالة كوسوفو، ومن الأرجح أن تجد مقبولية لقضيتها إذا استمعت إليها هذه المحكمة. وقد أكد رئيس صوماليلاند موسى بيحي في خطبته الوطنية بمناسبة الاستقلال في عام 2020 أن بلاده مستعدة لعرض قضيتها أمام المحكمة الدولية إذا لم يحقّق لها خيار المفاوضات الاستقلال.
References المراجع
العربية
أحمد، الدرديري محمد. الحدود الأفريقية والانفصال في القانون الدولي. ب وررت: الدار العربية للعلوم؛ مركز الجزيرة للدراسات،.2017 أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. تقديم عزمي بشارة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 عبد الرحمن، صهيب. "المساعي الانفصالية ونظريات حقّ تقرير حفريات المصير: حالة 'صومال لاند' أنموذجًا.". 2018/10/16. فh يttps://bit.ly/2CBToFa: العرب والقرن الأفريقي: جدلية الجوار والانتماء. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 غليون، برهان. نظام الطائفيّة: من الدولة إلى القبيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017
الأجنبية
Adam, Hussein M. "Formation and Recognition of New States: Somaliland in Contrast to Eritrea." Review of African Political Economy. vol. 21, no. 59 (March 1994). Aldrich, Robert. Greater France: A History of French Overseas Expansion. European Studies Series. London: Palgrave, 1996. Alexandrowicz, Charles H. "New and Original States: The Issue of Reversion to Sovereignty." International Affairs (Royal Institute of International Affairs). vol. 45, no. 3 (July 1969). Alier, Abel. Southern Sudan: Too Many Agreements Dishonoured. Reading, Berkshire (UK): Ithaca Press, 1992. Baadiyo, Abdurahman Abdullahi. Making Sense of Somali History. London: Adonis & Abbey Publishers Ltd., 2018. Bereketeab, Redie. "Self-determination and Secession a 21 st century challenge to the post-colonial state in Africa." The Nordic Africa Institute, 2012. Beshir, Mohamed Omer. The Southern Sudan; Background to Conflict. New York: F. A. Praeger, 1968. Bryden, Matt. "The 'Banana Test': Is Somaliland Ready for Recognition?" Annales d'Ethiopie. vol. 19 (January 2003). Buur, Lars & Helene M. Kyed (eds.). State Recognition and Democratization in Sub-Saharan Africa: A New Dawn for Traditional Authorities? Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2007. Chisholm, Hugh (ed.). "A Dictionary of Arts, Sciences, Literature and General Information." The Encyclopedia Britannica. vol. 25 (1911). Contini, Paolo. The Somali Republic: An Experiment in Legal Integration. London: Cass Library of African Law , 1969. Cotran, Eugene. "Legal Problems Arising out of the Formation of the Somali Republic." The International and Comparative Law Quarterly. vol. 12, no. 3 (July 1963). Crawford, James. The Creation of States in International Law. Oxford: Clarendon Press; Oxford University Press, 1979. Crisis Group. "Somaliland: Time for African Union Leadership." Africa Report. no. 110. 23/5/2006. at: https://bit.ly/30YCquL De Waal, Alex. "Somalia's Disassembled State: Clan Unit Formation and the Political Marketplace." Conflict, Security & Development. vol. 20, no. 5 (2020). De Vries, L. et al. (eds.). Secessionism in African Politics. Palgrave Series in African Borderlands Studies. New York: Palgrave Macmillan, 2019.
Duursma, Allard. "African Solutions to African Challenges: The Role of Legitimacy in Mediating Civil Wars in Africa." International Organization. vol. 74, no. 2 (Spring 2020). at: https://bit.ly/3j8BrPl Harper, Mary. Getting Somalia Wrong?: Faith, War and Hope in a Shattered State. London: Zed Books Ltd., 2012. Hess, Robert. Italian Colonialism in Somalia. Chicago: University of Chicago Press, 1967. Ingiriis, Mohamed Haji. "We Swallowed the State as the State Swallowed Us: The Genesis, Genealogies, and Geographies of Genocides in Somalia." African Security. vol. 9, no. 3 (July-September 2016). Jimale, Ali (ed.). The Invention of Somaila. Lawrenceville, NJ: The Red Sea Press, 1995. Jonas , Raymond. The Battle of Adwa: African Victory in the Age of Empire. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2015. Kamanu, Onyeonoro S. "Secession and the Right of Self- Determination: An O.A.U. Dilemma." The Journal of Modern African Studies. vol. 12, no. 3 (1974). Kapteijns, Lidwien & Mursal Farah. "Review of I. M. Lewis 'A Pastoral Democracy'." Africa: Journal of the International African Institute. vol. 71, no. 4
Klarevas, Louis J. "Trends: The United States Peace Operation in Somalia." The Public Opinion Quarterly. vol. 64, no. 4 (2000). Lehman, Dan Van & Omar Eno. The Somali Bantu: Their History and Culture. no. 16. Washington, DC: Center for Applied Linguistics Culture Profiles, 2003. Lewis, I. M. The Modern History of Somaliland: From Nation to State. London: Weidenfeld and Nicolson, 1965. ________. A Pastoral Democracy: A Study of Pastoralism and Politics among the Northern Somali of theHorn of Africa. London: The African International Institute, 1982 [1961]. ________. A Modern History of Somalia: Nation and State in the Horn of Africa. Boulder: Westview Press, 1988. ________. "The Ogaden and the Fragility of Somali Segmentary Nationalism." African Affairs. vol. 88, no. 353 (1989). Lindley, Anna. The Early Morning Phonecall: Somali Refugees' Remittances. New York: Berghahn Books, 2013. Marangio, Rossella. The Somali Crisis: Failed State and International Interventions. Roma: IAI, 2012. Massoud, Mark Fathi. "Islamic Law, Colonialism, and Mecca's Shadow in the Horn of Africa." Journal of Africana Religions (Penn State University Press). vol. 7, no. 1 (2019). Meservey, Joshua. "The U.S. Should Recognize Somaliland." The Heritage Foundation. 19/10/2021. at: https://herit.ag/3sskdmb ________. "Somalilanders' Quest for Independence Isn't "Neocolonial" Plot. It's Self-Determination." The Heritage Foundation. 9/5/2022. at: https://herit.ag/3M7L5zN Mohamed, Adan Ahmed. Danjire Qaybe Iyo Caalamka. Duale Bobe Abdirahman (ed.). Hargeisa: Sagaljet, 2013. Ogden, Richard. "The Commonwealth Prime Ministers' Conference." International Journal. vol. 19, no. 4 (Autumn 1964). Papagianni, Katia. "Power-sharing: A conflict Resolution Tool." Africa Mediators' Retreat , 2007.
Phillips, Sarah G. When There Was No Aid: War and Peace in Somaliland. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2020. "Presidential Decree of October 11, 1960, No. 19." Official Bulletin of the Somali Republic , supplement, no. 1 to no. 4 (1960). Press, Robert M. The New Africa: Dispatches from a Changing Continent. Florida: University Press of Florida, 1999. Rajagopal, B. & Anthony Carroll. "The Case for the Independent Statehood of Somaliland." Mimeographed Report (Washington, DC), 1992. Renders, Marleen. Consider Somaliland State-Building with Traditional Leaders and Institutions. Boston: Leiden, 2012. "Resume: AU Fact Finding Mission to Somaliland (30 April to 4 May 2005)." African Union, 2005. at: https://bit.ly/3uhGHqM Rothchild, Donald S. Managing Ethnic Conflict in Africa: Pressures and Incentives for Cooperation. Washington, DC: Brookings Institution Press, 1997. Rutherford, Ken. Humanitarianism Under Fire: The US and UN Intervention in Somalia. Virginia: Kumarian Press, 2008. Samatar, Abdi Ismail. The State and Rural Transformation in Northern Somalia, 1884-1986. Madison: University of Wisconsin Press, 1989. ________. Africa's First Democrats: Somalia's Aden A. Osman and Abdirazak H. Hussen. Bloomington: Indiana University Press, 2016. Samatar, Abdi Ismail & W. Machaka. Conflict and peace in the Horn of Africa: A Regional Approach. Nairobi: Heinrcih Foundation, 2006. Samatar, Ahmed I. Socialist Somalia: Rhetoric and Reality. London: Zed Books, 1988. Shinn, David H. "Somaliland and U.S. Policy." The Journal of the Anglo-Somali Society. no. 38 (Autumn 2005). Tellander, Ebba. "The Wind That Blows Before the Rain: Acts of Defiance and Care in Northern Somalia in the 1980s." International Institute of Social Studies (ISS), Erasmus University Rotterdam, 2022. Vestal, Theodore M. "Emperor Haile Selassie's First State Visit to The United States in 1954." International Journal of Ethiopian Studies. vol. 1, no. 1 (Summer- Fall 2003). Waterfield, Gordon. "Trouble in the Horn of Africa? The British Somali Case." International Affairs (Royal Institute of International Affairs). vol. 32, no. 1 (January 1956). Wimmer, Andreas. Nation Building: Why some Countries Come Together while Others Fall Apart. Oxford, UK: Princeton University Press, 2018. Zartman, I. William. "Africa as a Subordinate State System in International Relations." International Organization. vol. 21, no. 3 (Summer 1967).
دراسات Articles
* Emad Kaddorah عماد قدورة |
تقييم سياسة الهند أثناء الأزمة الخليجية (2017 - 2021)
Assessing of India's Policy towards the Gulf Crisis (2017 - 2021)
تعتمد الهند إزاء دول الخليج العربية سياسة حذرة عند ظهور خلافات بين هذه الدول. وتجلت هذه السياسة أثناء الأزمة الخليجية 2017 - 2021، وهي تنطلق من اعتبارات عديدة: أولها، مبدأ عدم الانحياز؛ فرغم تركيز حكومة ناريندرا مودي على الدبلوماسية الفعالة والانخراط النشط في الخارج، فقد عادت إلى مبدأ عدم الانحياز في التعامل مع الأزمة. ثانيها، العلاقة الخاصة بدول الخليج العربية؛ نظرًا إلى عمق الترابط التاريخي، والقرب الجغرافي، وتشابك المصالح الاقتصادية الذي أُعطي الأولوية بسبب حاجة الهند واقتصادها الصاعد إلى الاستثمارات وموارد الطاقة. ثالثها، مواقف الدول الأخرى؛ إذ شجع حياد منافسيْ نيودلهي، الصين وباكستان، على عدم القيام بدور نشط أيض ا. كما شجع دورُ الولايات المتحدة الأساسي في حل الأزمة الهندَ على الحياد، مستفيدة مما تقوم به واشنطن ومن نفوذها في تأمين طرق نقل الطاقة. ومع ذلك، قامت الهند بدور نشط بتزويد قطر بالحاجات الضرورية والمنتجات الغذائية أثناء الأزمة. كلمات مفتاحية: حزب الشعب الهندي، السياسة الحذرة، الدبلوماسية الفعالة، الأزمة الخليجية، المصالحة الخليجية، الهند.
India adopts a cautious policy towards the GCC states during the emergence of differences between them, such as the Gulf crisis of 2017 - 2021. This stems from many considerations: First, the principle of non-alignment. Despite Narendra Modi's government focus on proactive diplomacy and engagement abroad, it has reverted to the principle of non-alignment and neutrality in dealing with the crisis. Second, the special relationship with the GCC states. Given the depth of historical interdependence, geographic proximity and intertwining of economic interests, these states are India's most important trading partner and are home to the largest overseas Indian community. Third, the roles of other countries. Because the competing countries such as China and Pakistan have remained neutral, this has encouraged India not to take an active role in solving the conflict. United States' key role in mediation encouraged New Delhi to remain neutral, taking advantage of Washington's efforts and its influence in securing energy routes. Nevertheless, India has taken an active role in providing Qatar with essential needs and food products during the crisis.
Keywords: BJB, Cautious Policy, Proactive Diplomacy, Gulf Crisis, Gulf Reconciliation, India.
مقدمة
تعتمد الهند إزاء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية سياسةً حذرةً أثناء ظهور خلافات بين هذه الدول، مثلما حدث خلال الأزمة الخليجية في الفترة 2021-2017. وتنطلق هذه السياسة من اعتبارات عديدة، أولها، مبدأ عدم الانحياز، الذي تقوم عليه سياستها الخارجية، عندما تُؤثِر الحياد تجاه الأزمات التي تقع خارج الدائرة الأولى من أمنها القومي المتمثلة جغرافيًا في جنوب آسيا. فعلى الرغم من تركيز حزب الشعب الهندي (بهارتيا جاناتا) منذ تولى السلطة أول مرة 2004-1998() وفي السنوات الأخيرة -2014() على مكانة الهند بصفتها دولة كبرى، وعلى الدبلوماسية الفعالة والانخراط النشط في الخارج، عوضًا عن سياسة حزب المؤتمر الهندي التقليدية المتمثلة بعدم الانحياز، فإن حكومة ناريندرا مودي منذ عام 2014 عادت إلى هذا المبدأ في التعامل مع الأزمة الخليجية، والتزمت الحياد التام. وقد عبّ بيان وزارة الخارجية الهندية عن هذا الموقف، حيث اعتبر النزاع شأنًا داخليًا بين دول مجلس التعاون، ودعا جميع الأطراف لحل خلافاتهم من خلال عملية حوار، مع اهتمام البيان بالتركيز على استمرار المصالح الحيوية التي يوفرها السلام والاستقرار الإقليميان. بهذا، لم تقم الهند بأي وساطة نشطة عبر خطوات ملموسة لحل النزاع، ولا وساطة سلبية عبر السعي الدبلوماسي من خلال الزيارات المتكررة أثناء تصعيد النزاع، لا سيما في العام الأول شديد التوتر من الأزمة؛ أي عام 2017. ثانيها، العلااقة الخاصة بدول الخليج العربية جميعها؛ نظرًا إلى عمق الارتباط التاريخي، والقرب الجغرافي، والتأثير الثقافي المتبادل، وتشابك المصالح الاقتصادية بوصف هذه الدول أهم شريك تجاري للهند عالميًا، وهي مأوى لأكبر جالية هندية في الخارج. وقد أدت هذه العلاقة إلى ابتعاد الهند عن النزاعات إبّان الأزمة الخليجية؛ فمن جهة، ساهمت علاقاتها بالمنطقة في التعرّف إلى العلاقات البينية الخليجية على مستويَي التعاون والخلافات، وفي إدراكها أن فترات التوتر عابرة. ومن جهة أخرى، أدى التشابك الاقتصادي المتزايد مع دول الخليج جميعها إلى إيلاء المصالح الاقتصادية الأولوية على النزاعات الآنية، نظرًا إلى حاجة الهند واقتصادها الصاعد إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتلبية حاجاتها من النفط والغاز الطبيعي، حيث تعدّ دول الخليج مصدرًا أساسيًا لهما. كما يؤثر توزّع الجاليات الهندية في هذه الدول في سياسة الهند الحذرة، للحفاظ على مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية، ومن ثمّ مصالحها القومية، بوصفهم مصدرًا لنحو نصف التحويلات المالية الخارجية. ثالثها، مواقف القوى الإقليمية والدولية وأدوارها؛ فقد راقبت الهند أدوار دول منافِسة، مثل الصين وباكستان، خشيةَ تقدم نفوذهما في الخليج. ولأن موقفي هاتين الدولتين ظلّ محايدين إزاء الأزمة الخليجية، فقد شجعها ذلك على عدم القيام بدور نشط أيضًا أثناء النزاع. كما شجع دورُ الولايات المتحدة الأميركية الأساسي أثناء الأزمة، وبخاصة عبر دعم وساطة الكويت، الهندَ على اتباع سياستها تلك، مستفيدة مما تقوم به واشنطن ومن نفوذها في المنطقة في تأمين طرق نقل الطاقة، لا سيما أن نيودلهي تحظى بأفضلية لدى الولايات المتحدة في منطقة المحيط الهندي؛ لموازنة الصين، كما ترتبط معها بعلاقات استراتيجية. ومع ذلك، فإن سياسة الهند كانت فعالة في المساهمة في تخفيف آثار الأزمة على قطر، وبخاصة في شهورها الأولى؛ إذ ساهمت، إلى جانب تركيا وإيران، في تزويد الدوحة بالحاجات الضرورية والمنتجات الغذائية عبر شحنها بصورة سريعة وفعالة. تبحث الدراسة في سياسة الهند أثناء الأزمة الخليجية، وتهدف إلى التعرّف إلى سلوكها إزاء دول الخليج العربية أثناء وقوع الأزمة بوصفها تملك علاقات استراتيجية مع أطرافها. فكيف تصرفت الهند؟ وكيف تجاوزت عقبة الانحياز إلى طرف على حساب آخر؟ وهل حاولت حل الأزمة بحكم علاقاتها المتينة مع الجميع؟ أم أنها تجنّبت التدخل كليًا؟ وما تفسير مواقفها وسلوكها أثناء الأزمة؟ تحاول هذه الدراسة تحقيق ذلك الهدف، والإجابة عن التساؤلات المرتبطة به عبر نهح تحليلي لخطابها وبياناتها ومواقفها الرسمية في هذه الفترة، ومن خلال المحاور التالية: أولً، فهم التحولات الأساسية في السياسة الخارجية الهندية التي أسفرت عن تركيزها على سياسة
الانخراط النشط في الخارج والدبلوماسية الفعالة عوضًا عن الالتزام بمبدأ عدم الانحياز والحياد فقط، وفي الوقت نفسه تسعى إلى فهم عودة نيودلهي إلى استخدام هذا المبدأ التقليدي نفسه تجاه الأزمة الخليجية. وتدرس، ثانيًا، مواقف الهند الرسمية وسلوكها السياسي أثناء الأزمة الخليجية، وتسعى لتفسير خياراتها. وتناقش، ثالثًا، العوامل المؤثرة في تلك السياسة، لا سيما العلاقات الاقتصادية والمصالح الحيوية في منطقة الخليج، واستفادة الهند من تجاربها السابقة، وتأثير أدوار دول إقليمية في سياستها أثناء الأزمة، مثل الصين وباكستان، وكذلك الولايات المتحدة. وتخلص في الخاتمة إلى أنّ الهند سوف تستمر في سياستها القياسية المعتادة إزاء منطقة الخليج العربي في ما بعد انتهاء الأزمة الخليجية.
أولا: السياسة الخارجية الهندية وتحولاتها بين عدم الانحياز والدبلوماسية الفعّالة
حاولت السياسة الخارجية الهندية، منذ الاستقلال عام 1947، اتباع نهج محايد، إلى حد بعيد، في ما يتعلق بالصراعات الدولية. وكان من بين الأسباب الرئيسة لاتّباع هذا النهج تجنّب عواقب الانحياز إلى جانب أحد الأطراف في القضايا المتوترة. وفي المقابل، حاولت في العقدين الماضيين الانخراط بنشاط في الخارج وتقديم نفسها لاعبًا دوليًا وقوة اقتصادية ومزودًا للأمن، لا سيما إثر تحالفها مع الولايات المتحدة، وإعلان الأخيرة رغبتها في تقليص وجودها في الشرق الأوسط. ومع ذلك، عملت الهند بجدٍ للحفاظ على سياستها المتعلقة بعدم الانحياز والحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف الدول، وبخاصة في الخليج العربي؛ فلم تنحز، مثلً، إلى أي طرف أثناء الأزمة الخليجية ، بل لم تبدِ استعدادًا لتأدية أي دور في حل النزاع؛ تجنّبًا لاعتبار مثل هذا الدور غير مرغوبٍ فيه من بعض أطرافه. في الواقع، ترتبط سياسة عدم الانحياز على نحو أساسي بالهند؛ وذلك بسبب الدور الذي قام به جواهر لال نهرو، أول رئيس حكومة بعد الاستقلال –1947(1964)، في تأسيس حركة عدم الانحياز، التي ضمت دولً يُفترض أنها لا ترغب في الانخراط في الاستقطاب الدولي والصراعات بين الغرب والاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة. وقد ضمت هذه الحركة دولً كثيرة في العالم الثالث، وبخاصة في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، على رأسها مصر ويوغوسلافيا السابقة وإندونيسيا، وكانت أغلبيتها دولٌ تحررت حديثًا من الاستعمار الغربي، ومن ثمّ كانت داعمة لحركات التحرر في الدول المُستعمَرَة، لا سيما في أفريقيا وأميركا اللاتينية. ومع أن الهند ودول "حركة عدم الانحياز عمومًا حاولت تقويض فكرة الاختيار البسيط بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي" ، واعتبرت نفسها غير منحازة، فإنها في النتيجة كانت – عمليًا - تتماشى أحيانًا مع الاتحاد السوفياتي؛ بوصفها معارضةً لهيمنة الغرب ونموذجه الرأسمالي، ومحسوبةً على قوى اليسار وتتبنى النموذج الاشتراكي. بمعنى أن عدم الانحياز هذا لم يكن يعني الحياد التام بالضرورة. قد يكون موقف الهند في تزعّم حركة عدم الانحياز قد أسفر عن مكاسب كبيرة في حمايتها من التورط في معارك باهظة الثمن ومثيرة للانقسام خلال حقبة الحرب الباردة ، لكن عوامل عديدة أثارت الجدل في الهند حول جدوى سياستها التقليدية. فبعد سياسة الإصلاحات أو التحديثات الأربعة في الصين، التي أُطلقت منذ عام 1978، في الزراعة، والصناعة، والعلوم والتكنولوجيا، والجيش ، بدأت تنعكس آثارها بشكل ملحوظ على تصاعد قوة الصين ونفوذها الدولي والإقليمي سياسيًا واقتصاديًا. كما تعزز وضع باكستان الاستراتيجي عقب الانسحاب السوفياتي من أفغانستان عام 1989. وأدى انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه عام 1991 إلى خشية الهند من فقدان المصدر الأساسي لتسليح الجيش الهندي والتكنولوجيا العسكرية التي كانت تعتمد عليها ، وترك انهياره فراغًا جيوستراتيجيًا واسعًا في مناطق قريبة منها في آسيا الوسطى. فضلً عن ذلك، واجهت الهند أزمة اقتصادية في بداية التسعينيات. فبعد أن اتبعت هيكل الاقتصاد المختلط الذي تقوده الدولة - الذي أكد على السياسات الحمائية والتصنيع المخطط مركزيًا والقيود الشديدة على الواردات وتراخيص الأعمال - تراجع الاقتصاد بحلول منتصف الثمانينيات عن غيره في دولٍ اتبعت نموذجًا اقتصاديًا أكثر
تنافسية ومنفتحًا على الاقتصاد العالمي مثل كوريا الجنوبية، وإسبانيا، وسنغافورة، وتايوان. وعلى الرغم من اعتماد بعض السياسات لتشجيع الشركات الخاصة، فإنه بحلول عام 1990 كان الاقتصاد على وشك الإفلاس. وفي صيف 1991، وصلت ديون الهند إلى 07 مليار دولار أميركي . لذا بدأ التفكير الاستراتيجي فيها يتمحور حول السياسات الاقتصادية والسياسة الخارجية التي يمكن لها مواجهة التحديات الجديدة. كان هناك تحول ملحوظ في توجه السياسة الخارجية للهند بعد التغيير في نموذج التنمية في البلاد في التسعينيات. وقد نشأت سمة بارزة لهذا التحول تمثلت بالانفتاح المتزايد على قضايا التجارة. وتجلى ذلك في ارتباطاتها مع جميع المناطق الرئيسة في العالم، بما في ذلك منطقة الخليج. ومن الواضح أن الاقتصاد العالمي المعولم الذي بدأ يسود ما بعد الحرب الباردة، قد خلق بيئة مؤاتية للهند تتميز بزيادة تنقل رأس المال والتكنولوجيا، والمنافسة، والتغيرات الهيكلية في التصنيع، وانتشار الاتفاقيات التجارية. كما تمثلت إحدى السمات اللافتة للانخراط في السياسة الخارجية للهند في التزامها المتزايد بالنمط العابر للمناطق أو "الإقليمية العابرة" Trans-regionalism، التي تعزز التوسع خارج حدود الإقليم، وتستجيب للاتجاهات المتغيرة في الاقتصاد العالمي. لقد أدركت الهند أن سوق منطقة جنوب آسيا لم تعد كافية لتوسيع رأس المال والتكنولوجيا والتجارة والخدمات، وأن هذه المنطقة لا توفر مناخًا سياسيًا مرنًا يمكن لها من خلاله المضي قدمًا اقتصاديًا وتجاريًا، وأن التجارة البينية الإقليمية فيها تظل صغيرة جدًا، وحتى بعد إنشاء منطقة جنوب آسيا للتجارة الحرة. لذلك، صممت South Asian Free Trade Area, SAFTA""سافتا نيودلهي على إعادة توجيه استراتيجيات التنمية والسياسة الخارجية بحيث تتوافق مع الديناميكيات العالمية المتغيرة . فمن أجل تجاوز الأزمة الاقتصادية التي كانت تلوح في الأفق، بدأ رئيس الوزراء ناراسيمها راو –1991(1996) من حزب المؤتمر الهندي ووزير المالية مانموهان سينغ 1996–1991() منذ بداية عام 1991 برنامجًا واسعًا للإصلاح الاقتصادي. فقامت الحكومة بفتح العديد من القطاعات الأساسية أمام الاستثمار الخاص، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحرير قطاع الخدمات، وتخفيض بعض التعريفات الجمركية، إضافة إلى التحرير التدريجي لسياسة التجارة، وتشجيع الصناديق المشتركة الخاصة. وبنهاية العام نفسه، أصبح النمو في الهند ثابتًا ويتجه نحو الارتفاع. وقد انضمت لاحقًا إلى صفوف الاقتصادات الأسرع نموًا في العالم، مما أدى إلى ظهور طبقة متوسطة هندية كبيرة ماهرة تقنيًا. وساد انطباع بأن نجاحها سوف يعتمد على نموذجها التنموي .
أما السياسة الخارجية، فإن النقاشات الاستراتيجية الهندية احتدمت بين قوى اليسار المحسوبة على حزب المؤتمر وبين اليمين القومي الهندوسي بزعامة حزب الشعب، أو بين ما يعتبره البعض مثالية خارجية متمثلة بسياسة عدم الانحياز والحياد، وبين الواقعيين المطالبين بالانخراط في النشاط الخارجي والتحالفات وسياسة القوة. وكانت النتيجة بروز سياسة جديدة ترافقت مع وصول ائتلاف يرأسه حزب الشعب إلى الحكم بزعامة أتال بهياري فاجباييي عام 1998، وهو الذي شغل منصب رئيس وزراء الهند في الفترة أيار/ مايو – حزيران/ يونيو 1996، ومن آذار/ مارس 1998 إلى غاية أيار/ مايو 2004. عمليًا، أدخلت حكومة فاجباييي عددًا من التغييرات المهمة أثناء وجودها في السلطة 2004-1998()، أهمها التحول القوي لسياسة الهند النووية من الوضع
السلمي الذي انتهجته رئيسة الوزراء أنديرا غاندي)1977–1966(عام 1974، إلى سياسة القوة التي تجلت بوضوح بالتجارب النووية والصاروخية عام 1998. وبعد أن تسببت هذه التجارب في انتقادات دولية وأميركية، قررت الولايات المتحدة، بعد فترة وجيزة، إشراك الهند في حوار استراتيجي، تعززت على أثره العلاقات الهندية - الأميركية من حيث النطاق والعمق في الشؤون الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية؛ فتوسّع انخراط الهند إلى آسيا كلها، والمحيط الهندي بأكمله، بعد أن كان التركيز على جنوب آسيا والمشكلات الحدودية. وانخرطت الهند في تحالف واسع ممتد من الولايات المتحدة إلى اليابان وأستراليا. وارتبط هذا التحول بسياسة "النظر إلى الشرق" East Look، التي بدا أنها تتوافق مع سياسة تمحور الولايات المتحدة حول آسيا-المحيط الهادي Pivot Asia-Pacific. ومن خلال التحالف مع الولايات المتحدة أيضًا، وكذلك مع حليفتها الجديدة إسرائيل، اللتين طمحت الهند إلى أن يوفرا لها التكنولوجيا العالية والسلاح المتطور والدعم السياسي الدولي، أراد حزب الشعب احتواء التهديدات الحدودية والإقليمية للصين وباكستان والتنافس بالقوة بدلً من قبول أي تفوق لهما في جنوب آسيا . كما عمل الحزب في انتخابات عام 2014، التي فاز فيها منفردًا بالحكم، على الترويج لرؤية جديدة تعتمد "الدبلوماسية الفعّالة" Diplomacy Proactive وترتكز على "إعادة توجيه أهداف السياسة الخارجية بطريقة تحدد الانخراط الاستراتيجي عالميًا في نموذج جديد وعلى نطاق أوسع"، بحيث "تؤدي إلى أن تكون الهند أقوى اقتصاديًا، وتستند سياستها الخارجية إلى المصالح الوطنية. وتنشئ شبكة من الحلفاء لتعزيز مصالحها[...]والقيام بدور أكبر دوليًا على مستوى عال"ٍ . وفضلً عن ذلك، استمرت الهند في محاولاتها تعزيز دورها الدولي عبر الدعوة إلى توسيع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والحصول على مقعد دائم فيه. يظل انخراط الهند في الخارج ونظرتها الاستراتيجية إلى الشؤون الدولية مرتبطًا بالتنمية بشكل أساسي؛ فهي منشغلة بشكل مكثف بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بها، وهذه الأولوية تتفق عليها الأحزاب المختلفة. فقد ذهب رئيس الوزراء السابق مانموهان سينغ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 إلى أنه "يجب أن يكون الهدف الوحيد الأكثر أهمية لسياستنا الخارجية هو خلق بيئة عالمية تفضي إلى رفاهية بلدنا العظيم"؛ عبر علاقات مستقرة مع الجيران، وتأمين الموارد لمتطلبات الطاقة المتزايدة، وتعزيز القطاع الخاص الهندي المعولم بشكل متزايد، وحماية المواطنين الهنود العاملين في الخارج الذين يمدون البلاد بنحو 17 مليار دولار من التحويلات كل عام . بهذا، يمكن فهم منطلقات سياسات الهند وأهدافها في الخارج، والعوامل التي تحرك سلوكها أو تعدّله؛ سواء أكان حيادًا أو تدخلً. أما تجاه منطقة الخليج العربي تحديدًا، فإن فكرة "الإقليمية العابرة" التي أشرنا إليها سابقًا واضحة منذ بداية التسعينيات؛ إذ تعتبر الهند مجلس التعاون لدول الخليج العربية بمنزلة تجمع إقليمي رئيس آخر تحتاج إلى توسيع علاقاتها التجارية معه، لكن النشاط الهندي الخارجي مع دول المجلس تزايد على نحو ملحوظ منذ عودة حزب الشعب الهندي إلى السلطة بزعامة مودي في عام 2014، حيث رفع العلاقات مع أغلبها إلى مستوى استراتيجي عبر عقد اتفاقيات عديدة، كما يبين المحور الثاني.
ثانيًا: موقف الهند وسلوكها أثناء الأزمة الخليجية
) تعدّ الأزمة الخليجية 2021-2017(من أبرز التحديات التي واجهتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكذلك الدول التي لها علاقات راسخة مع المنطقة مثل الهند. فقد وقع النزاع بين دول المجلس نفسها، التي طالما ظهرت بالنسبة إلى حلفائها الخارجيين تكتلً إقليميًا اجتماعيًا واقتصاديًا وأمنيًا متماسكًا يسعى إلى موازنة التهديدات الإقليمية، وإلى ضمان استمرار تدفق النفط والغاز الطبيعي وتأمين طرق نقلهما من المنطقة. لذلك، احتاج هذا التحدي إلى وقفة من جانب الهند، لتقييم الوضع العام المفاجئ، حفاظًا على مصالحها الكبيرة في المنطقة وتقليل التداعيات السلبية. فكيف تعاملت الهند مع هذا التحدي؟ وكيف يفَّسَّ موقفها؟ في 5 حزيران/ يونيو 2017، وبعد قطع السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها بقطر وفرض حظر جوي وبري وبحري عليها، جاء رد الهند الأول بعد يومٍ واحدٍ؛ إذ وصفت وزيرة الشؤون الخارجية سوشما سواراج Swaraj Sushma الأزمة بأنها "مسألة داخلية تخص دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية" ، يجب حلها من خلال عملية حوار بنّاء ومفاوضات سلمية . وفي 10 حزيران/ يونيو، أصدرت الهند البيان الوحيد والمفصّل بشأن الأزمة، ونص على
أنها "تتابع عن كثب الوضع الناشئ في منطقة الخليج"، وترى أنه يجب على جميع الأطراف حل خلافاتهم من خلال عملية حوار بنّاء ومفاوضات سلمية قائمة على المبادئ الدولية الراسخة للاحترام المتبادل والسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وذكر البيان كذلك أن "الهند تؤمن بأن السلام والأمن في الخليج لهما أهمية قصوى لاستمرار التقدم والازدهار لدول المنطقة" وأن لديها "مصالح حيوية في السلام والاستقرار الإقليميين" .
من الناحية العملية، ساهمت الهند إلى جانب تركيا وإيران في التخفيف من آثار الأزمة على قطر بسبب انخفاض الواردات التي كانت السعودية والإمارات تساهمان في جزء كبير منها. فمع إنشاء قطر قنوات جديدة لسلاسل التوريد على نحو سريع وفعال، أطلقت مع الهند "الخدمة الهندية القطرية السرريعة" لشحن المنتجات الغذائية وغيرها من الضروريات إلى قطر . ونتيجة تداعيات الأزمة، سعى البلدان إلى التأكيد على أهمية العمالة الهندية في اقتصاد قطر . لا شك في أن الهند بحثت في خيارات سياساتها إزاء الأزمة الخليجية وكيفية التعامل مع تداعياتها. ويوضح النقاش والتوصيات التي تصدى لها أحد أهم التقارير السنوية الشاملة، المتعلقة بمتابعة شؤون الخليج وسياسة الهند، طريقة التفكير إزاء الأزمات الخطيرة في منطقة الخليج. فقد ذهب التقرير، الذي يتعلق بهذه الفترة، إلى أن "تفاقم الخلاف بين دول الخليج العربية يعدّ خبرًا سيئًا للهند[...] ففي وقت سابق، كان على الهند أن تهتم بالحساسيات العربية أثناء التعامل مع إيران. لكن مع الانقسام الجديد داخل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، سيتعين على نيودلهي أن تكون حذرة بشأن حساسيات جميع أعضاء مجلس التعاون[...]ستكون الإمارات والبحرين والمملكة العربية السعودية متيقظة إذا حاولت الهند بناء شراكات وثيقة مع قطر. وفي الوقت نفسه، قد تنفر قطر إذا تجاهلت الهند الدوحة. بالنظر إلى هذا، فالتوازن الدقيق ضروري. وفي حين أن الانحياز إلى طرف ليس واردًا، سيتعين على الهند أن تدرك أن قدرتها على متابعة مصلحتها في الخليج لا تعتمد على تقسيم علاقاتها، بل على الاعتراف بالتوترات والتنافس داخل المنطقة واستيعابها." وتخلص توصيات التقرير إلى أنه: "يتعين على الهند تجنب الانحياز إلى أي طرف، وتجنب أي اقتراحات للوساطة، مع تكثيف مشاركتها مع جميع الأطراف دون استعداء أي منها" . بهذا، آثرت الهند اتخاذ موقف دقيق ومتوازن من الأزمة، فحثّت جميع الأطراف على حل الخلافات من خلال المفاوضات والحوار مع ضرورة عدم التصعيد. لكنها في الوقت نفسه أكدت على الحياد وعدم التدخل . وتشير هذه المواقف إجمالً إلى عدم رغبة الهند في التدخل لحل النزاع رغم وزنها الإقليمي والدولي وعِظم مصالحها في المنطقة، مع اهتمامها بعودة سريعة للعلاقات الخليجية الودية ربما عبر وسطاء دوليين مثل الولايات المتحدة، ولكن ليس عبر وساطتها هي؛ سواء الإيجابية التي قد تعني ممارسة الضغط على الأطراف المتنازعة من أجل إدارة النزاع وحلّه، أو السلبية التي قد تتضمن السعي الدبلوماسي بين الأطراف من خلال الزيارات المتكررة أثناء تصعيد النزاع لحلّه . وإذا كان من الممكن تفهّم عدم القيام بالوساطة النشطة، فإن تجنّب حكومة حزب الشعب الهندي الوساطة السلبية التي لا تعدو كونها مساعيَ دبلوماسية تساهم في الحل يحتاج إلى تفسير.
علاوة على العوامل المفِّسِّة المفصَّلة في المحور الثالث تاليًا، قد يكون موقف الهند متعلقًا بإدراكها لشدة التصعيد من قبل السعودية والإمارات والبحرين في بداية الأزمة وسعيهم للحصول على تأييد خطواتهم بدلً من تخفيف الأزمة؛ إذ قد ينعكس تدخلها لحل النزاع سلبيًا على مصالحها. وقد يفَّسَّ عدم قيامها بأي زيارات رسمية إلى دول الخليج العربية خلال عام الأزمة الأول)2017(- بعكس نشاطها السابق رفيع المستوى المتمثل بزياراتها في الفترة 2016-2014 - على أنه تطبيق عملي لسياستها تلك في بداية الأزمة، حيث التوتر كان على أشده. إن الابتعاد عن زيارة الدول المعنية بالأزمة لم يكن ناتجًا من انعدام الزيارات الهندية رفيعة المستوى للمنطقة بشكل عام، فقد شهد عام 2017 نفسه زيارات مهمة للمسؤولين الهنود إلى دول أخرى؛ مثل زيارة مودي إسرائيل في تموز/ يوليو 2017؛ ليصبح بذلك أول رئيس حكومة هندية يزورها، وكذلك زيارة وزيرة الشؤون الخارجية سوشما سواراج 2019-2014() لإيران في نهاية العام نفسه . بعد عام 2017، ودخول الأزمة الخليجية مرحلة الوساطة التي قادتها الكويت، ودعمتها الإدارة الأميركية، حلّ الجمود محل التصعيد الخطير الذي كان مفتوحًا على كل الاحتمالات. فاستمرت بذلك الأزمة لكن من دون توتر شديد يهدد مصالح الدول الخارجية في المنطقة. لذلك، لم تشهد هذه الفترة أيّ تحرك هندي ملحوظ، علني على الأقل، يتعلق بالأزمة. فرغم أن رئيس الوزراء مودي قام بزيارات إلى سلطنة عمان في شباط/ فبراير 2018، حيث وقّع البلدان أثناءها سبع اتفاقيات تعاون ثنائي ، وإلى الإمارات والبحرين في آب/ أغسطس 2019، حيث أكدت البلدان الثلاثة على تعزيز العلاقات القائمة في الفترة المقبلة ، وإلى السعودية في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، التي أكد فيها الطرفان على العلاقات الاستراتيجية في المجالات كافة وتأسيس مجلس الشراكة الاستراتيجية . لكن لم تشُر البيانات المشتركة الصادرة عن هذه الأطراف إلى الأزمة الخليجية، حتى تحت البند المتعلق بالأمن الإقليمي. لقد استمرت هذه الحالة نحو ثلاث سنوات، حتى حدث الانفراج عبر انعقاد قمة المصالحة الخليجية في مدينة العلُا بالسعودية، في 5 كانون الثاني/ يناير 2021 ، والتي أسفرت عن اتفاق جميع الأطراف على حلّ الأزمة وعودة العلاقات الطبيعية بينها.
جاء موقف الهند مرحّبًا بالمصالحة الخليجية، أم في تعزيز الاستقرار، وكذلك الشراكات مع جميع دول المنطقة. فقد قال المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية الهندية أنوراغ سريفاستافا Srivastava Anurag: "يسررّنا أن نلاحظ التطورات الإيجابية في قمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي اختتمت مؤخرًا في العلُا بالسعودية. نرحب بالمصالحة والتقارب بين دول المنطقة." وأعاد التأكيد على أن "الهند تشترك بعلاقة ممتازة مع جميع دول مجلس التعاون، التي تقع في جوارنا الممتد ونأمل أن تؤدي هذه التطورات المشجعة إلى تعزيز السلام والتقدم والاستقرار في المنطقة." وأضاف: "سنواصل العمل مع دول مجلس التعاون لتعزيز تعاوننا الثنائي. كما نتطلع إلى تعزيز حوارنا المؤسسي وشراكتنا مع دول المجلس" .
ثًالث ا: العوامل المؤثرة في سياسة الهند أثناء الأزمة الخليجية
لا شك في أن هناك عوامل أساسية عديدة قد تفرسّ الموقف الرسمي الحذر للهند أثناء الأزمة الخليجية، وسلوكها القائم على الابتعاد عن الخلافات في المنطقة وعن حل النزاع. ويمكن إجمال أهمها بالآتي: أولً، لا يشكل الخليج العربي مجرد مجموعة أو كتلة من الدول القريبة جغرافيًا وتاريخيًا وتجاريًا من الهند فحسب، بل ارتبطت دوله أيضًا بأحد أهم محركات سياسة الهند الخارجية الجديدة؛ أي التنمية الاقتصادية، وما ينجم عنها من تقدمٍ محلي لنيودلهي وصعود
إقليمي ودولي. ففي الفترة 2017-2016، أي عند اندلاع الأزمة الخليجية، بلغت تجارة الهند مع دول الخليج العربية 123 مليار دولار أميركي أو 18 في المئة من إجمالي تجارتها الخارجية. وبلغت وراداتها من دول الخليج 77 مليار دولار أميركي، مثلت الطاقة 56 مليار دولار أميركي منها أو ما يصل إلى 27 في المئة. فمنطقة الخليج إجمالً توفر ما يقرب من 55 في المئة من إجمالي واردات الهند من الطاقة ، وتتزايد أهميتها في المستقبل نظرًا إلى توقّع زيادة طلب نيودلهي على الطاقة الهيدروكربونية المستوردة إلى نحو 92 في المئة بحلول عام 2030 . وتستضيف دول الخليج العربية أكثر من.8 5 ملايين من الجالية الهندية يقومون بتحويل نحو 30 مليار دولار أميركي إلى الوطن، وهو يقارب نصف المبلغ الذي تلقته الهند من جالياتها في العالم في تلك السنة . من ثمّ، أخذت السياسة الهندية إزاء الأزمة الخليجية في الاعتبار مصالحها الاستراتيجية لدى جانبَي الانقسام. فمن بين أكبر خمسة شركاء تجاريين للهند في العالم، تأتي الإمارات في المرتبة الثالثة، والسعودية في المرتبة الخامسة، وتأتي قطر ضمن أفضل 25 شريكًا تجاريًا، وتحديدًا في المرتبة الرابعة والعشرين . بالنسبة إلى الإمارات، تشهد التجارة والاستثمار مع الهند نموًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، فقد بلغت قيمة العلاقات التجارية أكثر من 06 مليار دولار أميركي، تتطلع الهند إلى زيادتها خلال خمس سنوات إلى 100 مليار دولار أميركي. أما الجانب الاستثماري، فتأمل الهند في الحصول على المزيد من الاستثمارات من الإمارات، بعد أن تم تحديد هدف 57 مليار دولار أميركي لصندوق استثمار مشترك في عام 2015 . وتعبيرًا عن عمق العلاقات الجديدة التي توليها الهند اهتمامًا كبيرًا نظرًا إلى حجمها الكبير وانعكاساتها على الاقتصاد الهندي، فقد دعت رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان -2022()، عندما كان وليًا لعهد أبوظبي كضيف رئيس في احتفالات يوم الجمهورية في كانون الثاني/ يناير 2018 . أما السعودية، التي أرسى إعلان الرياض عام 2010 الأساس للشراكة الاستراتيجية مع الهند، فقد وقّع البلدان مذكرة تفاهم في الشؤون الدفاعية في شباط/ فبراير 2014، شملت تبادل المعلومات والتعاون في الأمن والإمداد والتدريب والتعليم العسكري ، كما أسّسا مجلس الشراكة الاستراتيجية، كما بينّا سابقًا، وبلغ التبادل التجاري بينهما في 2017-2016 نحو 25 مليار دولار أميركي . أما العلاقات مع قطر، فقد وصل التبادل التجاري إلى 17 مليار دولار أميركي في عام 2018، ويُعد الغاز الطبيعي المسال أهم عنصر في هذه العلاقة التجارية، حيث تستحوذ قطر على 07 في المئة من إمداداته إلى الهند، بموجب اتفاق طويل الأجل حتى عام 2028، لتوريد 57. ملايين طن سنويًا . لقد أظهر مسار الأزمة الخليجية أنّ مصالح الهند في التجارة والطاقة مع دول الخليج العربية خارج نطاق التهديد، وأنّ هناك أزمات إقليمية أكبر - مثل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد التوتر بين السعودية وإيران في الخليج واليمن – تمثل تهديدًا أكبر وأوسع لمصالحها. ولو كانت للأزمة تداعيات سلبية على مصالحها، فما من شك في أنّ نهج الهند سيكون أكثر نشاطًا وتدخلً. ثانيًا، تظل انعكاسات أزمة الخليج 1991-1990 حاضرةً لدى الهند عند تقييم موقفها إزاء أي تطورات خطيرة في المنطقة. فقد أدى الغزو العراقي للكويت، والحرب التي تبعته لتحريرها، إلى إجلاء 150 ألف هندي من البلاد . كما أدى الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على تصدير النفط من العراق والكويت، والاضطرابات وعدم الاستقرار في المنطقة، إلى تعرّض الهند لنقص كبير في مخزون الطاقة؛ إذ كانت من بين الدول التي تعتمد كثيرًا على الواردات النفطية من الكويت . لذا خرجت الهند بموقف محايد ودقيق في عام 2017؛ كي لا تؤثر الأزمة الخليجية في علاقاتها التجارية وإمدادات الطاقة، أو تؤدي إلى إجبارها على إجلاء الآلاف أو الملايين من جاليتها، في حال تفاقم النزاع أو انحيازها إلى أي طرف على حساب الطرف المقابل. إن الخوف من السيناريو المتعلق بطرد هؤلاء أو إجلائهم ثبت أنه لا يلوح في الأفق
أثناء الأزمة الخليجية مع إظهار دول الخليج العربية حرصها على العلاقات الجيدة مع الهند. وبحسب تقرير لمعهد الشرق الأوسط في واشنطن The Washington Institute for Near East Policy، فإنه "لو تعرض المغتربون الهنود لمثل هذا الضغط أو التهديد بالانتقام الجماعي، فإن وزارة الشؤون الخارجية الهندية كانت ستتدخل بلا شك للتوسط في الأزمة وتجنّب هذه التداعيات (التي كانت ستفرض تكاليف باهظة في الهند") . لذا، فإن وجود هذا العدد الكبير من المهاجرين الهنود في جميع دول الخليج العربية يؤثر في خيارات الهند وسياساتها تجاه المنطقة، لتكون خطواتها محسوبة ومتوازنة بدقة. ثالثًا، في المناطق التي تقع خارج النطاق الجغرافي المباشر، يتأثر موقف الهند وتدخلها، إلى حدٍ ما، بموقفَي الصين وباكستان وسلوكهما. بالنسبة إلى الصين، فقد ظل انخراطها الرسمي في الأزمة الخليجية منخفض المستوى. وبطبيعة الحال، بالنظر إلى حياد الصين الطويل الأمد تجاه ما تعتبره "أمورًا داخلية" للدول الأخرى، فلا يُتوقع منها إدخال نفسها في مفاوضات حول حلٍّ متعدد الأطراف للأزمة الخليجية . شجع هذا الموقف الهند على سياستها الحذرة وإعلان حيادها؛ فالصين هي المنافس الأكبر للهند في جوارها، وفيما وراء البحار، لا سيما على الطرق التجارية الرئيسة في المحيط الهندي ومنطقة الخليج العربي. أما باكستان، فترتبط بجميع أطراف الأزمة الخليجية بعلاقات تقليدية قوية. لكن مع اندلاع الأزمة، عرضت باكستان مساعيها الحميدة للوساطة من خلال زيارات رفيعة المستوى واتصالات ورسائل حسن نية قامت بها. ومن بين ذلك، استقبال باكستان وزير خارجية قطر ونائب رئيس مجلس الوزراء، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني -2017()، في 18 تموز/ يوليو 2017، حيث عرضت إسلام أباد على الدوحة الوساطة، فقبلت بذلك، لكن السعودية رفضتها، حيث كانت تأمل أن تنضم إليها باكستان بدلً من القيام بالوساطة . ويضاف الحضور التركي، الذي برز أثناء الأزمة، إلى التحديات التي يمكن أن تأخذها الهند في الاعتبار، وبخاصة تأسيس القاعدة العسكرية التركية وتعميق العلاقات الاستراتيجية مع قطر. لكن لم ينعكس هذا الأمر سلبيًا على علاقة الهند مع قطر أو تركيا. فمن الملاحظ أن الهند لم تشر مطلقًا إلى هذا الحضور ولم تعلّق على إعلان تأسيس القاعدة التركية. وربما يأتي هذا الموقف في سياق عدم إبدائها أي موقف إزاء القواعد الأجنبية عامة في المنطقة، مع أنه لا يتوقع منها أن يكون موقفها كذلك لو قامت الصين أو باكستان بتأسيس قواعد في هذه المنطقة. رابعًا، اعتماد الهند على الولايات المتحدة في أمن الخليج والطرق البحرية للطاقة؛ إذ تستفيد نيودلهي من نفوذ الولايات المتحدة وقواعدها العسكرية في المنطقة، في توفير مظلة أمنية مجانية لمصالحها الحيوية ضد أخطار التصعيد من جانب إيران، أو بين دول الخليج العربية نفسها. بمعنى أنها قد تعدّ نسبيًا "راكبًا مجانيًا" . فنظرًا إلى العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الهند بالولايات المتحدة، كما أسلفنا، تعطي الأخيرة أفضلية للهند للانخراط في شؤون منطقة الشرق الأوسط بعامة، والخليج العربي بخاصة، لموازنة أي نفوذ مستقبلي
محتمل للصين ، في إطار ما تسمى "الحرب الباردة الجديدة ". ومن أمثلة ذلك، دعم واشنطن لتعزيز علاقات الهند الاستراتيجية مع إسرائيل، وتقديم إعفاءات لنيودلهي من العقوبات المشددة على إيران ، وبخاصة بعد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي. ولأن الولايات المتحدة قامت بالدور الأكبر إبان الأزمة الخليجية، وبخاصة دعمها لحل النزاع من خلال وساطة الكويت، فلم تشعر نيودلهي بالحاجة إلى التدخل ما دامت تلك الجهود تصب في مصلحتها، وتوفر عليها التكاليف الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتجنّبها ردة فعل أحد أطراف النزاع في الأزمة الخليجية.
خاتمة
مع أن سياسة الهند إزاء الأزمة الخليجية تبدو ظاهريًا إيجابية من حيث عدم انحيازها لأحد أطراف الأزمة، واعتبارها، عبر بيان وزارة الخارجية، شأنًا داخليًا في ما بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مع حثّ الأطراف على عدم التصعيد، فإن تقييم هذه السياسة يظهر عدم قيامها بدور جوهري يتناسب مع وزنها وتصوّرها لنفسها في ظل سياستها الخارجية النشطة الجديدة، ولا يتناسب كذلك مع حجم مصالحها الكبيرة وعمق روابطها مع دول الخليج العربية. كما توضح مواقف الهند الرسمية وسلوكها السياسي أثناء الأزمة الخليجية أنّ حكومة حزب الشعب الهندي لجأت إلى المبدأ التقليدي في السياسة الخارجية المتمثل في الحياد وعدم الانحياز، والذي كان العلامة المميزة لنهج نهرو وحزب المؤتمر الهندي، وذلك على عكس سياستها الجديدة المرتكزة على "الدبلوماسية الفعّالة"؛ إذ لم تقم بأي نوع من الوساطة أو الجهود الدبلوماسية الملموسة لحل النزاع. ومع ذلك، قامت بدور مهم بتزويد قطر ببعض الاحتياجات الضرورية في بداية الأزمة، وذلك إلى جانب دول أخرى، كما بينّا سابقًا. ويمكن فهم دبلوماسية الهند إزاء الأزمة الخليجية في أن مصالحها، من الطاقة والاستثمارات والتحويلات المالية من دول مجلس التعاون جميعها، لم تتعرض للتهديد والخطر، ولم تكن الأزمة في نطاق جوارها الجغرافي المباشر؛ أي في جنوب آسيا حيث الاستقرار فيها يعدّ أولوية للأمن القومي الهندي. كما لم يختلف موقفَا المنافسيَن الأهم للهند؛ أي الصين وباكستان، عن موقفها تجاه الأزمة، ولم يتقدم دورهما ومصالحهما في المنطقة على دورها ومصالحها، ولذلك ظل عنصر التنافس بعيدًا عن سياسات هذه الدول الثلاث أثناء الأزمة؛ ما جعل الهند مطمئنة إلى خياراتها. وفضلً عن ذلك، آثرت الهند سياسة الانتظار لما تسفر عنه مبادرات ووساطات أطراف إقليمية ودولية أخرى، مع الاستمرار في مراقبة أي تداعيات للأزمة قد تؤثر في مصالحها؛ فساهم انخراط الولايات المتحدة، تحديدًا، وهي حليف رئيس للهند، في سياسة نيودلهي المحايدة وفي عدم مبادرتها في القيام بأي جهود للوساطة وحل النزاع. في الواقع، لم تمثل الأزمة الخليجية بالنسبة إلى الهند خروجًا عن سياستها القياسية الاعتيادية تجاه منطقة الخليج العربي، بل حافظت على هذه السياسة عبر المزاوجة بين مبدأ عدم الانحياز التي ابتدعها حزب المؤتمر الهندي منذ الاستقلال، حتى تجاه الأزمات الإقليمية، وبين مبدأ الفاعلية الدبلوماسية والانخراط النشط في الخارج الذي ابتدعه حزب الشعب الهندي. فهذا المبدأ الأخير جرى التعامل به من جانبه التعاوني فحسب، أي بتعزيز العلاقات القائمة مع دول الخليج العربية عبر الزيارات الرسمية التي يؤطرها توقيع اتفاقيات في المجالات كافة. لكن، بالتأكيد، لم يجرِ التعامل بهذا المبدأ بوصفه سياسةً نشطةً تتطلب حل الخلافات الحادة التي كانت تهدد إحدى أهم المناطق أهمية بالنسبة إلى الهند، لأنه تبين لها في الشهور الأولى من الأزمة أن مصالحها لن تتعرض للتهديد أو الضرر على الأغلب. لذلك، ستظل سياسة الهند إزاء منطقة الخليج في المستقبل
هي نفسها التي كانت قائمة قبل الأزمة الخليجية وأثناءَها ؛ أي الاهتمام باستمرار المصالح الأساسية الأربع: الطاقة وأمن ممرات نقلها، والتجارة والاستثمارات، والجاليات الهندية وتحويلاتها، وضمان عدم تقدم نفوذ منافسيها.
References المراجع
العربية
قدورة، عماد. "الأهمية الجيوبولتيكية للخليج في استراتيجية الهند." سياسات عربية. العدد 44، مج 8 (أيار/ مايو.)2020 مجلس التعاون لدول الخليج العربية. البيان الختامي الصادر عن المجلس الأعلى في دورته الحادية والأربعين. 2021/1/5، في: https://bit.ly/2PqFpbD
الأجنبية
Abbas, Khurram. "Passive Mediation in Persian Gulf Conflicts: An Analysis of Pakistan's Peace Initiatives." Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies. vol. 13, no. 4 (2019). Agnew, John. Geopolitics: Re-visioning World Politics. 2 nd ed. London/ New York: Routledge, 2003. Antoniades, Alexis, Rafia Al-Jassim & Khalique Gharatkar. "The Blockade Against Qatar: A Blessing in Disguise?" Journal of Arabian Studies. vol. 11, no. 1 (2021). Bharatiya Janata Party (BJP). Election Manifesto 2014. at: https://bit.ly/3BJgA0a Brands, Hal & John Lewis Gaddis. "The New Cold War America, China, and the Echoes of History." Foreign Affairs. (November-December 2021). Chakraborthy. Sumit. "Gulf Qatar Rift: How the Crisis Will Affect India; Here's All You Need to know." Financial Express. 6/6/2017. at: https://bit.ly/3mmqjSz Edens, Rob. "The China Wildcard in the Qatar Crisis." The Diplomat. 9/8/2017. at: https://bit.ly/3jMBCSl Gompert, David & Richard Kugler. "Free-Rider Redux NATO Needs to Project Power (And Europe Can Help)." Foreign Affairs. vol. 74, no. 1 (January- February 1995).
Gupta, Ranjit. "India and the Gulf: Looking beyond Energy, Islam and the Diaspora." Institute of Peace and Conflict Studies. 26/11/2013. at: https://bit.ly/2I19eKx Kapur, Ashok. India – From Regional to World Power. New York/ London: Routledge, 2006. Kumaraswamy, P.R., Md. Muddassir Quamar & Manjari Singh. Persian Gulf 2018: India's Relations with the Region. Singapore: Palgrave Macmillan, 2019. Mason, David. "China's Four Modernizations: Blueprint for Development or Prelude to Turmoil?" Asian Affairs: An American Review. vol. 11, no. 3 (Fall
Mohan, C. Raja. "India and the Balance of Power." Foreign Affairs. vol. 85, no. 4 (July-August 2006). Monhanty, Arun. "A Landmark Indo-Russian Summit." Russia Beyond. 18/12/2008, at: https://bit.ly/3mp4qlD Niblock, Tim & Monica Malik (eds.). Asia-Gulf Economic Relations in the 21 st Century. Berlin: Gerlach Press, 2013. Panda, Ankit. "India and Saudi Arabia Sign Defense Cooperation Pact." The Diplomat. 27/2/2014. at: http://bit.ly/1PpgNV8 Piccone, Ted. Five Rising Democracies and the Fate of the International Liberal Order. Washington, D.C.: Brookings Institution Press, 2016. Siyech, Mohammed Sinan. "India-Qatar Relations: Navigating Turbulent Seas." Middle East Institute. Washington. 9/4/2019. at: https://bit.ly/3BpVuk5 _________. "Understanding India's Neutrality in the Israel Palestine Issue." Al-Sharq Strategic Research. 29/7/2021. at: https://bit.ly/3bjPGy0 Sonal, Shruti. "Qatar crisis: Why India Failed to Move Beyond Short-term Concerns." Observer Research Foundation. 24/4/2018. at: https://bit.ly/3EnWerN The White House. "National Security Strategy of the United States of America." (December 2017). at: https://bit.ly/2CzLLd7 Verleger, Philip K. "Understanding the 1990 Oil Crisis." The Energy Journal. vol. 11, no. 4 (1990). World Bank. National Accounts Data. "GDP (Current US$) – India." 2020. at: https://bit.ly/3pSRDdm
| صـدر حديـث ًا | ||||||
| ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ت أليف | ||||||
| تـأليف: .؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ تـرجمة:؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.. ة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ا تـأليف: كريم مصلوح | ||||||
| مراجعة:؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟. سياسة الدفاع الأوروبي صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب سياسة الدفاع الأوروبي. تأليف كريم مصلوح، يتألف من 448 صفحة، ويشتمل على ببليوغرافية وفهرس عام. | ||||||
* Samer Bakkour سامر بكور | * * Rama Sahtout راما سحتوت |
الاستراتيجية الإقصائية والتطييف السياسي في محافظة إدلب في سورية
Exclusion Strategy and Sectarianization of the Idlib Governorate in Syria
يمكن أن يؤدي تقسيم الفصائل أو إعادة تسميتها أو اندماجها إلى بدء تنافسات جديدة، أو في بعض الحالات إلى إنهاء المنافسات القائمة. وقد يرث الفصيل الجديد المنافسات السابقة للمجموعة الأم مع المجموعات الأخرى، وإذا ما أدى تغيير اسم فصيلٍ ما إلى إعادة هيكلة شاملة، فقد يشير ذلك إلى انتهاء التنافس. لكن هذا لا ينطبق على تغيير جبهة النصرة اسمها إلى جبهة فتح الشام، ثم إلى هيئة تحرير الشام، فهو تغيير "تجميلي" شكلي لم يشمل هيكليتها لت عتبر كيان ا جديدًا. تسعى الدراسة لإبراز السياسة الإقصائية والنتائج السياسية للصناعة الطائفية التي أنتجتها بعض الحركات الجهادية، مثل جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حاليًا)، ما يمنحنا الفرصة لتحليل ممارساتها، ولا سيما مع الأقليات والطرق المذهبية الموجودة في محافظة إدلب، والتي ول دت في نهاية المطاف إقصاء قسمٍ كبير من هؤلاء وفرارهم إلى خًارج المحافظة. وفي ظل وجود فصائل المعارضة، تحاول الدراسة أيض ا أن تلقي الضوء على أدوار القوى الإقليمية والدولية في إدلب، ومدى تأثير قوتها المادية والأيديولوجية في القوى الإسلامية التي سهّلت، في فترات كثيرة، عمليات النزوح ضمن المحافظة وخارجها.
كلمات مفتاحية: إدلب، هيئة تحرير الشام، أحرار الشام، الطائفية، الإخوان المسلمون.
The splitting, renaming and merging of factions can lead to the start of new rivalries, or in some cases, end existing ones. A new faction may inherit the original faction's previous rivalries with other groups, and if a faction name change results in a total restructure, it may signal the end of the rivalry. However, this was not the case when Jabhat al-Nusra renamed itself Jabhat Fatah al-Sham, and later Tahrir al-Sham. It was considered a 'cosmetic' and superficial change because it did not develop a new structure. This article will shed light on exclusionary politics and the political ramifications of sectarianism caused by certain jihadist movements, such as Jabhat al-Nusra (presently known as Tahrir al-Sham), enabling us to analyse its practices, especially towards minorities, and sectarian ideologies present in Idlib, and which ultimately led to the expulsion of many who fled outside the governorate. The article also calls attention to the roles of regional and international powers in Idlib against the backdrop of opposition factions, and their physical and ideological influence on Islamist forces that frequently facilitated displacement within and outside the city.
Keywords: Idlib, Tahrir al-Sham, Ahrar al-Sham (Islamic Movement of the Freemen of the Levant), Sectarianism, Muslim Brotherhood.
مقدمة
لم تحظَ دراسة النزاعات والصراعات بين الجهات الفاعلة المسلحة داخل الدول التي تشهد حروبًا واقتتالات داخلية باهتمام كافٍ، مقارنة بما حظيت به دراسة الصراعات والتنافسات بين الدول . لكن بعد أن نشر كوينتان فيكتوروفيتش كتابه الفعالية الإسلامية، برز تحرك في دراسة الحركات الإسلامية، لأنها أصبحت تمثّل فهمً لدور الدولة في النزاع . وفي المقابل، درس آخرون الجماعات والحركات الإسلامية وتكيّفها مع بيئاتها المتغيرة، وتفسير العنف من خلال العديد من الآليات السببية التي تجعلها تتبنّى ذخيرة جديدة بأطر وتفاعلات وعمليات بناء أيديولوجية جديدة . انخرطت المجموعات المعارضة، مثل الجيش السوري الحر وحركة أحرار الشام وجبهة النصرة (هيئة تحرير الشام بمسمّ ها الحالي) في منافسة، وضمّ كل طرف مجموعة أخرى متحزّبة مصلحيًا معه. وفي هذا الإطار، تكمن أهمية دراسة التنافس المسلّح والصراعات بين هذه الفصائل في محافظة إدلب بما خلّفته من زعزعة استقرار المحافظة وفرار قسم من الفصائل والأهالي إلى مناطق أخرى آمنة. وقد استغلت قوات النظام معارك النزاع من أجل سيطرة النصرة على أراضي الجيش السوري الحر في أواخر عام 2015 في عام، ثمّ اقتتال حركة أحرار الشام مع جند الأقصى 2016، ومن ثمّ سيطرة جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) على كل مناطق أحرار الشام في محافظة إدلب بين عامي 2017 و 2019، وشنّت هجمات مكّنتها من دخول حدود المحافظة الإدارية، والسيطرة على منطقة الجنوب الشرقي من المحافظة وغرب حلب. في حين يركز الباحثون الذين يشددون على المحدّدات التنظيمية للعنف أو الاقتتال بين الفصائل المسلحة في منطقة السيطرة الواحدة على دينامياتها وأيديولوجياتها (في إدلب مثلً: فصائل الجيش الحر، وجبهة النصرة، وحركة أحرار الشام)، وطرق تجنيدها وتكويناتها الاجتماعية، وكيف تتطوّر المعايير التنظيمية المتعلقة باستخدام العنف، وكيف يمكن أن يشكّل أيديولوجيو الجماعات السياسية العمليات التنظيمية . لكن هذه الدراسات تغفل دراسة كيفية ارتباط الخصائص التنظيمية والأيديولوجية للفصائل المسلّحة بالمجتمعات المحلية. يجادل جيرمي فينشتاين ، في كتابه ضمن المتمرد، بأن الجماعات المسلّحة تُحدّد خصائصها التنظيمية، بما في ذلك هيكلية القيادة والسيطرة؛ فالمجموعات المسلحة التي لديها التزام ودوافع أيديولوجية، وإمكانية الوصول أيضًا إلى الموارد الخارجية واستغلالها لإحكام شوكتها، تجذب الأفراد ذوي الولاء من مجموعات أخرى. فمثلً من أهم الأسباب التي دفعت إلى الاقتتال بين هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام الإسلامية هو جذب الهيئة لواء شهداء البارة الذي يتبع أحرار الشام .
يناقش عزمي بشارة أن ظهور مصطلح الطائفية في سورية لم ينبثق من ثقافة الشعب السوري وطوائفه، بل اشتعل من الوضع المزري الذي آلت إليه الطوائف نفسها، ومن واقع دورها في منظومة السلطة الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث لم يجد النظام بدًّا من استخدام استراتيجية الاستقطاب الطائفي التي بدورها تُقسّم الرأي العام وتحرف الأنظار عن المنحى السياسي للصراع وتخفف الضغط عنه . والجدير ذكره أنه حينما اندلعت الثورة السورية، في 15 آذار/ مارس 2011، لم يكن لديها خطاب طائفي، بل نادت مظاهراتها بنداء "الشعب السوري واحد واحد"، إذ إنها قامت أساسًا ردًّا على المظالم السياسية والاجتماعية، وعلى نتائج سياسات النظام النيوليبرالية السلبية التي كان لها بالغ الأثر في الفئات الاجتماعية الفقيرة والمحدودة الدخل. ردّت قوات النظام بالعنف ضد المتظاهرين، وحينها بدأ يتغير الاتجاه السياسي العام وتطفو مظاهر عسكرة الثورة في العديد من المحافظات السورية، وبدأت مفاهيم تسخير الطائفية والدعوة إلى العنف تبرز، فتحوّلت الثورة السورية إلى حرب أهلية، وبدأ فيها النظام ممارساته باستخدام ورقة الطائفية Sectarianism، كونها سبيلً لحماية حكمه، وذلك بإثارة مخاوف بعض الأقليات من وصول السنّة إلى سدة الحكم. وفي المقابل، تبنّى معظم المتظاهرين السوريين خطابًا غير طائفي من أجل تمهيد الطريق للحرية التي نادوا بها، ومع ذلك فقد ساد لاحقًا الخطاب الطائفي Discourse Sectarian في الصراع. وبعد الشهور التسعة الأولى من الاحتجاجات، أصبحت الهوية الطائفية عنصرًا مهمً في تفسير العنف، وظهرت الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية في المحافظات كافة، من خلال تأليب سكان الريف على سكان المدن، وإظهار الفوارق بين المجتمعات الحضرية والمتوسطة والمعدومة. أدّى انتشار العنف في مناطق النزاع إلى موجات نزوح متواصلة، وفي هذا الصدد ركّزت دراسات عدة على سبب فرار الناس من الحرب، وحصر تحليله في "التطهير" العرقي أو السياسي ، ولم تأخذ في الاعتبار دور أيديولوجية الجماعات المعارضة في النزوح ، الذي يُسمّيه غرين هيل "النزوح الاستراتيجي" ؛ ذلك أن العوامل الأيديولوجية هي سببٌ في العنف والإقصاء . وتشير بعض الدراسات إلى أن تهجير جماعة لأخرى غير موالية لها سياسيًا هو شكل من أشكال العقاب الجماعي . وفي إطار هذا الفهم للطائفية في محافظة إدلب، باعتبارها حالة ناتجة من التفاعلات والصراعات بين القوى والفصائل المختلفة، يمكن تفسير ما جرى فيها بأنه صراع بين نُخَبٍ فصائلية حاكمة ومجتمعات وقوى فصائلية مهمّشة؛ إذ تُقصي فيها النخب الفصائلية الحاكمة الفصائلَ المعارضة وتُرغمها على النزوح إلى مناطق أخرى. وتطرح هذه الحالة أسئلة عن عوامل التصعيد في التنافس بين الفاعلين، وعن دور التطييف Sectarianization السياسي في عمليات الاقتتال في منطقة ما، ومثل هذه الأسئلة مهم لفهم عمليات الصراع بين الحركات الإسلامية في محافظة إدلب. تناقش هذه الدراسة عمليات الإقصاء في محافظة إدلب على نحو مختلف؛ ذلك أن النزوح بين الجماعات المسلحة فيها اكتسب بعد التطييف السياسي، حيث ارتكز الصراع بين التنظيمات الإسلامية، خاصة، تبعًا لأجندة تبنّاها كل تنظيم طائفيًا وسياسيًا، ما أصبح يمثّل هاجسًا أمنيًا بالنسبة إليه، لتتحول قضية التهجير بتداعياتها وتأثيراتها إلى ظاهرة "أمننة" Securitization. وتقدّم الدراسة أدلة جديدة يمكن أن تساعد في تفسير التباين بين الفصائل في استخدامه عبر الصراعات، وتُحلّل أن أنواعًا مختلفة من النزاعات تُظهر أشك لً مختلفة من النزوح، وهو إقصاء المقاتلين والقوى. ومع ذلك، تهدف مسألة الانزياحات إلى معرفة ما الفصائل غير المرغوب فيها، لذلك نوضح أن مشكلات تحديد الهوية والمصلحة يمكن أن تؤدي بالفصيل المنتصر إلى إجبار مقاتلين، أو طائفة ما، إلى الفرار قسررًا. تستند الدراسة إلى المنهج الكيفي، وتعتمد على المصادر الأولية الناتجة من إجراء الباحثين مجموعة واسعة من المقابلات النوعية Qualitative Interviews في مناطق محافظة إدلب كافة، شملت ناشطين وباحثين ومقاتلين. وتعتمد أيضًا على عدد من المصادر والأدبيات والتقارير الإخبارية والكتب والمجلات العربية والإنكليزية. وكون الدراسة تدخل ضمن الدراسات السياسية والاجتماعية، فقد اعتمدت توظيف المنهج الوصفي الذي يسمح بتحليل القضية وتحولاتها، ومن ثم التركيز على حالة نزوح معيّنة، من دون وصف ومناقشة حالات النزوح التي قَدِمت من مناطق ومحافظات أخرى.
أولا: سيطرة الفصائل الإسلامية على إدلب
تعود عسكرة الثورة في سورية إلى طبيعة النظام السوري، وردّة فعل قوات الأمن والجيش التي بقيت تحت سيطرة النخبة الحاكمة والضباط العلويين . كان النظام منفصلً عن السكان، ولم يكن لديه قابلية لاستيعاب المطالب الشعبية . وتفاقمت العسكرة بسبب تحالف النظام مع إيران ودعم حزب الله له وقتاله إلى جانبه ، في الوقت الذي قدّمت روسيا أيضًا دعمها السياسي، ثم العسكري لتعزيز وجودها في المنطقة . وبعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية، أدى الصراع المسلح إلى خلق تغييرات في بنية المجتمع وتركيبته، تكاد تكون جذرية في بعض المحافظات السورية، ومنها محافظة إدلب . ووفقًا لسجلات الأحوال المدنية في عام 2010، بلغ عدد السكان في محافظة إدلب في عام 2010 نحو 1500000 نسمة، مسجلين على خمس مناطق إدارية: منطقة إدلب 459000()، ومعرّة النعمان 440000()، وحارم 209000()، وأريحا 209000()، وجسرر الشغور)174000( . تنوعت أسباب احتجاجات محافظة إدلب، منها: تدنّ مؤشرات التنمية، وآثار السياسات الحكومية الاقتصادية -الاجتماعية التسلّطية التي زادت من البطالة وعمّقت الفجوات في توزيع الدخل ، فضلً عن عوامل مباشرة تتعلق باعتقال أطفال درعا، وأخيرًا الدور العشائري الإيجابي في تشجيع الثوار، حيث وجهّ وجهاء عشائر البوشعبان والموالي والحديديون والنعيم والعقيدات والبكارة وغيرها شبابها للانخراط في العمل الثوري . ولإيمانها بقيمة الثورة، فقد توحّدت أيضًا غالبية القوى السياسية في ميدان واحد، سواء كان المنتمون إليها من الشباب الناصريين أو الشيوعيين أو غيرهم من الإسلاميين؛ فقد نزل شباب سراقب المتحزّبون سياسيًا، وأبناء جبل الزاوية (سرجة وكنصفرة وبزابور وبسامس وبلشون وغيرها) التي كانت حاضنة كثيرين من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين للحراك. وإضافة إلى هذا كله، كان هناك وعي تغييري لدى عدد كبير من المثقفين والمتعلمين الذين وجّهوا الاحتجاجات في تلك الفترة، مثل أهالي بلدة كفرنبل التي تركت إرثًا في معارضة النظام . تدريجيًا، تتابعت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة على محافظة إدلب، فبحلول نهاية عام 2012 كانت فصائل الجيش الحر وجبهة النصرة وحركة أحرار الشام، قد سيطرت على منطقتي حارم (سلقين، وكفر تخاريم... إلخ) والمعرة (حاس، وكفرنبل... إلخ.) ثم نجح تحالف جيش الفتح ، في نهايات أيار/ مايو 2015، بأغلبية فصائله الإسلامية، في إلحاق هزيمة استراتيجية بقوات النظام من خلال سيطرة شبه تامة على محافظة إدلب، وبذلك، يكون النظام قد خسرر جميع معاقله هناك، باستثناء مطار أبو الظهور العسكري وبلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين. بعد التحرير، أصبحت الهوية، سواء أكانت وطنية أم دينية، وسيلةً يجري من خلالها تحقيق الأهداف
والمصالح ، حيث أرادت الفصائل، كل على حدة، أن تفرض نموذجها الأيديولوجي بالقوة، وكانت تنوي تحقيق ذلك من خلال ما تسميه "نموذج التمكين" Empowerment، الذي بدأ بسيطرة بعض الفصائل الإسلامية السلفية، التي أخذت تحلّ ماديًا وأيديولوجيًا مكان فصائل الجيش الحر. وقد بدت فصائل مثل جبهة النصرة وأحرار الشام فاعلة في أرض المحافظة، ولم تستطع أيّ جهة الحيلولة دون تقدّمها وسيطرتها على المناطق، لذا فقد نصّبت هذه الفصائل الجهادية نفسها على إدارتها، واعتمدت أسلوب التودد إلى الأهالي، ثم انطلقت إلى التقرب من الأهالي والتمكين، مستغلةًالسذاجة الدينية لقسم من أبنائهم والتأثير في اتجاهاتهم من منظور ديني، وأكثرت من دورات التكوين الأيديولوجي الديني، ومن دورات تحفيظ قرآن ودروس وعظات، فيرحب السكان بهم، ثم ينتقل الفصيل إلى المرحلة الثانية، وهي استراتيجية التوطيد.Localism
ثانيًا: بوادر التطييف السياسي
أدخل الباحثون في العلوم السياسية مفاهيم مختلفة للتعرف إلى أنواع من الاستقطابات المصطلحية غير الأيديولوجية، بما في ذلك "الاستقطاب الاجتماعي" . وقدّم باحثون في علم النفس وغيره من التخصصات العديد من التركيبات المفهومية البنيوية، مثل "القبلية"، وذلك من أجل تجسيد خصائصها الاجتماعية والنفسية، واقتراح بنية أخرى يمثّلها التطييف السياسي الذي يميل إلى التماهي الأخلاقي مع مجموعة سياسية ضد أخرى . ومن حيث إن العوامل التأسيسية للقبيلة هي صلة القرابة، يشذّ التطييف السياسي عن هذا الاصطلاح ليرتبط بالدين، لكن تبقى الهوية السياسية أساسية. ففي محافظة إدلب، وعلى الرغم من انتماء قسم كبير من الفصائل إلى الطائفة نفسها، فإن الانقسام فيما بينها هو أيضًا سياسي. يتكوّن التطييف السياسي من ثلاثة مكونات أساسية: الأول هو الآخر الذي يمثل نزعة الميل إلى رؤية المعارضين على أنهم مختلفون على نحو بعيد، والثاني هو النفور الذي يمثل نزعة الميل إلى كره المعارضين وعدم الثقة بهم مهما كان انتماؤهم، وأخيرًا المكون الخلُقي الذي ينزع إلى رؤية المعارضين على أنهم ظالمون. والتقاء هذه المكوّنات هو الذي يجعل مفهوم التطييف شديد التآكل في المجال السياسي، ويمكن أن تبدو الخسائر السياسية كأنها تهديدات وجودية يجب تجنّبها مهما كان الثمن . نظّر بشارة لهذا المفهوم عندما أوضح أن الدين لا يُ ارَس إلّ في جماعة، وأن الانتماء إلى الدين لا يُعدّ طائفيًا، بل تظهر الطائفية عندما يبدأ الانتماء إلى الجماعة وليس إلى المذهب، وهنا يشير بشارة إلى أنها بهذا المبدأ لا تختلف عن العشائرية التي هي بمعناها تعصّب لجماعة من البشر. وينشأ التطييف السياسي من محاولة تحويل الجماعة التي برزت لها عصبية، بغضّ النظر عن المذهب، إلى عصبية سياسية .
باستثناء بعض المناطق التي كانت من معاقل الإخوان المسلمين، كجسرر الشغور وقرى جبل الزاوية، فإن ظهور التطييف كان طارئًا في مناطق محافظة إدلب الأخرى التي تميزت سابقًا بالتنوع الاجتماعي والديني. والجدير بالذكر أن إدلب كانت موطنًا تاريخيًا للعديد من الأقليات الدرزية والشيعية والمسيحية. وفي بداية الثورة، حاول النظام التكيّف مع نمو الجماعات الإسلامية المتشددة من خلال تطبيق سياسة الاحتواء أو الجذب، واستتبع هذا بالحصول على دعم الطائفة السُنّية المعتدلة الموجودة في المحافظة، وذلك لخوف ممثليها من العلمانية والإسلامية الجهادية على حد سواء. ومن هنا، وضع النظام نفسه أداةً ظاهرية وهمية لدعم الإسلام المعتدل وبديلً من التطرف .
تصاعد التطييف السياسي في محافظة إدلب بعد سيطرة فصائل جيش الفتح عليها في نهاية أيار/ مايو 2015؛ ذلك أن الفصائل الإسلامية كانت قد رتّبت نفسها في مناطق سيطرتها تبعًا لهويتها الأيديولوجية السياسية المصلحية (النصرة، وأحرار الشام، وصقور الشام، وفيلق الشام... إلخ.) ويمكن القول إن التطييف السياسي قد يصلح لفهم واقع إدلب، لأنها أصبحت قائمة على المجتمع الذي ارتكز في الأصل على نظريات وأيديولوجيات المعارضة الإسلامية المسيطرة؛ ذلك أن التطييف السياسي، كما أشار بشارة، كان قد أنتج طوائف متخيّلة . وقد اعتمدت الفصائل المسيطرة في إدلب التطييف السياسي وأدارت إدلب بموجبه، حيث طوّرت فرضية خاصة بها، ما أدى إلى تحوّل المجتمع المتديّن وإعادة تشكيله . وعلى اعتبار أنّ التطييف السياسي في إدلب ارتكز على الدين والمذهب، فقد واجهت المنطقة صراعات بين الفصائل، حيث سعى كل فصيل على حدة لإنشاء كيان أيديولوجي طائفي مناطقي، يتطلّب لعضويته مجموعة من المحددات، وهكذا برزت التيارات الدينية التي كانت تسعى لإقامة "إمارات طائفية"، على النحو الوارد في جبهة النصرة وأحرار الشام وغيرهما. وأصبح كل فصيل يسعى لإقامة كيان خاص به، ويستقطب كتائب توافق أيديولوجيته ومصالحه، الأمر الذي فتح باب المعارك بين الفصائل في إدلب نتيجة عدم تقبّل كل فصيل للآخر، ما خلّف إقصاء العديد من الفصائل ونزوح قسم كبير من الأهالي من المناطق التي احتدم فيها النزاع. وتمثّل هذا النزاع في المعارك بين حركة أحرار الشام الإسلامية وحلفائها من جهة، وجند الأقصى من جهة أخرى في كانون الثاني/ يناير 2017 . وفي حرب إخوة المنهج بين حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام في تموز/ يوليو 2017 ، وكذلك في حرب النسخ الجهادية في شباط/ فبراير 2019 ، على الساحة الإدلبية بين هيئة تحرير الشام وجند الأقصى. وقد انعكس تشكيلُ الكيانات الطائفية ومعاركها واستقطاب حركات مختلفة ومتباينة الأيديولوجيا والمصلحة على مجرى الصراع، وأدى إلى موجة نزوح مباشرة بين الفصائل.
ثًالث ا: التطييف السياسي ونزوح الأقليات
1. موقف الفصائل الإسلامية من المسيحيين
عاش المسيحيون في إدلب قبل الثورة بسلام، ووصل عددهم في عام 2010 إلى 10500 نسمة تقريبًا، توزّعوا على مذاهب عدة: روم أرثوذكس ولاتين وأرمن وبروتستانت ومتجددون من البروتستانت "المعمدانية"، وقطن معظمهم في منطقتين، الأولى في مدينة إدلب بعدد لا يتجاوز 1300 شخص ، والثانية في منطقة جسرر الشغور بعدد وصل إلى 9 آلاف نسمة. وعقب سيطرة المجموعات الجهادية على المحافظة، نزح الآلاف منهم، خوفًا من الاضطهاد الذي مارسته بعض التنظيمات المتشددة . وقد أعطى ظهور التنظيمات الإسلامية الجهادية للنظام مسوّغًا لدعم روايته عن الإرهاب وتهجيرهم المسيحيين، مستدًّلًّ على ذلك بإقامة "الإمارات الإسلامية" وتحويل الكنائس إلى مقرات عسكرية أو سجون أو مقابر جماعية؛ فقد حوّل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية الغسانية، في كانون الثاني/ يناير 2013، إلى معتقل جماعي، وعندما رحل عنها في شباط/ فبراير 2014 تبيّ أن الكنيسة تحوّلت إلى مقبرة جماعية . كذلك أدت سيطرة جبهة النصرة، مع دخول الفصائل الإسلامية إلى ريف جسرر الشغور في عام 2014، إلى تهجير سكان قريتي حلوز والغسانية، وتملّك بعض الفصائل الجهادية المتطرفة قسمً كبيرًا من أراضيهم، فضلً عن تكسير صُلبان الكنائس والتضييق على سكان القنية واليعقوبية والجديدة المسيحية، وفرض قيود على أبناء الطائفة المسيحية مثل منع قرع أجراس الكنائس وإجبار السيدات المسيحيات على وضع الحجاب في حال خرجن من منازلهن مكشوفات الرأس . بعد سقوط مدينة إدلب في عام 2015 في أيدي مختلف الجماعات المسلحة المعارضة، تعرّض قسم من الممتلكات العامة والخاصة فيها للنهب ، وما عادت المدينة آمنة، فنزح منها المسيحيون إلى محافظات أخرى، مثل اللاذقية وطرطوس؛ ففقدت إدلب معظم
سكانها المسيحيين . أما عن باقي السكان في منطقة جسرر الشغور مثلً، فقد اختار قسم منهم اللجوء إلى دول أخرى، حيث غادر قسم كبير من سكان قرية اليعقوبية الأرمنية جماعيًا إلى منطقة ناغورني قرة باغ الواقعة بين شرق أرمينيا وجنوب غرب أذربيجان . وبدورها صادرت وزارة الإدارة المحلية ل "حكومة الإنقاذ"، التي تدار من هيئة تحرير الشام، قسمً من ممتلكات المسيحيين في محافظة إدلب، وألغت الضمانات الممنوحة لهم، فما عاد أيّ معنى لمن بقي في المحافظة من العائلات المسيحية، ما اضطرها إلى النزوح خارجها. واستمرارًا لنهجها في إجبار هذه العائلات على النزوح، أعلنت هيئة تحرير الشام أن ما بقي من الممتلكات المسيحية هي غنائم حرب، ما أجبر أبناء الطائفة المسيحية، أو من يشغلون ممتلكات يملكها مسيحيون، على أن يتركوا المحافظة حتى لا يُعاقبوا، أو يُفرض عليهم التعهد بدفع ضريبة شهرية على الممتلكات التي يشغلها المقيم . وفي جسرر الشغور، سيطر تنظيم "حراس الدين" ، بمشاركة الحزب التركستاني (الإيغور) ، على بعض القرى المسيحية، مُجبرين قاطنيها من العائلات المسيحية على التفكير مليًّا في النزوح بعد حوادث القتل وعمليات النهب والمصادرة الممنهجة للمنازل والأراضي الزراعية . أعطت عملياتُ النزوح والتهجير لما بقي من عائلات مسيحية، النظامَ ومن خلفه الروس ذريعةً لقصف إدلب، حيث أكد ألكسندر إيفانوف، المتحدث باسم قاعدة حميميم الروسية في سورية، أن وجود قوات بلاده في سورية وقصفها إدلب، خاصة جسرر الشغور وما حولها، يهدف إلى حماية المسيحيين فحسب. وعلاوة على ذلك، ادّعى إيفانوف أن العمليات العسكرية في إدلب ردّ على قصف المعارضة للمسيحيين الأرثوذكس في بلدة محردة في مدينة حماة . ونتيجة الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها العائلات المسيحية في إدلب التي، أُكان يصل تعداد أفرادها إلى عشرة آلاف في عام 2010 رغمت على مغادرتها، ولم يبق سوى عدد قليل من كبار السن الذين لم يتجاوز عددهم 200 شخص، والذين غادر معظمهم بدوره .
2. الحركات الإسلامية الجهادية والدروز الموحدون
اتخذ الدروز "منطقة باريشا الجبلية"، التي تعرف ب "جبل السماق"، والواقعة شمال غرب مدينة إدلب بنحو 20 كيلومترًا، موطنًا آمنًا لهم. ويتكون هذا الجبل من قريتين مختلطتين، سُنّة ودروز، و 18 قرية درزية خالصة، وصل عدد سكانها إلى 30 ألف نسمة في عام 2010. وإبان الثورة السورية، سعى النظام لاستغلال موقع الدروز في إدلب، كونهم حلقة وصل بين شمال وجنوب غرب إدلب، وذلك من خلال محاولة تسليحهم وحثّهم على قمع المظاهرات السلمية في القرى المحيطة بإدلب، لكنهم رفضوا ذلك، بل على النقيض حوّلوا قراهم إلى أماكن آمنة، احتمت فيها فصائل المعارضة، ما أدى إلى استهداف النظام قراهم بالقصف العشوائي . واحتضنت قرى جبل السماق العديد من النازحين من القرى المجاورة التي شهدت احتجاجات وعمليات عسكرية، ومنذ بداية الأزمة، ثبت أن مقاتلي الجيش الحر لم يدخلوا هذه القرى أو هدّدوا أهلها، لعلمهم أن أبناء الطائفة الدرزية لم يقفوا إلى جانب النظام، وأن جزءًا من النازحين من مناطق أخرى يعيشون في هذه القرى آمنين، لذا تجنبوا تثوير الجبل، أو حتى نقل المعارك إليه، ليبقى ملاذًا آمنًا. وفي مرحلة سيطرة داعش على قرى الجبل، اعتاد التنظيم أن يطالب كل قرية تقع تحت سيطرته بإعلان ولائها له، والقرية التي تلتزم
وتُعلن ولاءها له لا يصيبها ضيم، فلم يتعرض "أمراء" داعش للقرى الدرزية، لمعرفتهم أن الدروز لم ينحازوا إلى النظام السوري. لكن سرعان ما تغيّ ت سياستهم ليصل الأمر بالهيئة الشرعية أن تطلب من الدروز الالتزام بالأحكام الشرعية و"إشهار إسلامهم." وفي حين خضع عدد منهم قسرريًا وظاهريًا، نزح قسم آخر إلى بعض الجيوب التي لم تكن تحت سيطرة التنظيم في غرب المحافظة، أو غادر قسم منهم إلى تركيا . وفي إطار سياسة "الترهيب"، وفي آخر مرحلة من حكم داعش في جبل السماق، أصدر التنظيم بيانات وصفت الدروز ب "الكفار"، وأن معتقداتهم لا علاقة لها بالإسلام . إلا أن طرد الجبهة الإسلامية لداعش من الجبل مثّل طوقَ نجاة مرحليًا للدروز، لتسود بعدها فترةٌ قصيرة من الهدوء النسبي، قبل أن تقتحم قوات جبهة النصرة، في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2014، الجبل وتسيطر عليه. سلّمت جبهة النصرة مهمات الجبل لوحدات الحزب التركستاني (الإيغور)، لتنعكس تبعاتها السلبية على السكان الدروز . وبدأت في نشر تديّنها السلفي المتشدد، وأجبرت الدروز على الالتزام بقواعد "الأخلاق" العامّة على حدّ زعمهم ، وحاول بعض قادتها الزواج بفتيات درزيات، الأمر الذي لم ترض به غالبية الدروز ، ما اضطر بعضهم إلى النزوح، لكن هذه المرة إلى معقلهم في محافظة السويداء، أو إلى خارجها إلى لبنان وتركيا . حقيقةً، لم تخفَ حوادث القتل التي قام بها أفراد النصرة في حق بعض الدروز في قلب لوزة في إدلب، ومنها حادثة قتل 23 فردًا من الطائفة الدرزية في 10 حزيران/ يونيو 2015، ما أطلق سباق الاستثمار للنظام السوري الذي كان يطرح نفسه للعالم مدافعًا عن الأقليات، ولإسرائيل التي أعرب رئيسها، رؤوفين ريفلين، للولايات المتحدة عن "قلقه بشأن مصير الأقلية الدرزية"، قائلً إنهم "مهددون من قبل متشددين إسلاميين"، وتلاه وزير الأمن نفتالي بينيت مخاطبًا "المجتمع الدولي:" "قفوا معنا واعترفوا بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان الآن"، وهي مرتفعات سورية معظم سكانها من الدروز. وكان لهذه الحادثة أيضًا دور كبير في تحريك اللاعبين الصغار، مثل السياسي الدرزي اللبناني، وئام وهّاب، الذي كان أحد متعهدي توريط الدروز السوريين في التسلح للمشاركة في حرب النظام السوري، في حين نبّه الزعيم اللبناني وليد جنبلاط إلى حملة التحريض المنظمة ودورها في إذكاء الفتنة . في نهاية المطاف، عُزي انحسار الكتلة البشرية للدروز إلى عوامل كثيرة، أهمها اشتداد الضغط الأمني والرقابة الدينية من جبهة النصرة، وفقدان مصادر الرزق وإغلاق المعابر الحدودية وانتشار الفقر والبطالة؛ لذلك شهدت قرى المنطقة حركة نزوح واسعة إلى تركيا ولبنان وجنوب سورية، لينخفض عدد سكان الطائفة في إدلب إلى أقل من النصف 15(ألفًا) في نهاية عام 2015، بمن فيهم النازحون القادمون إليها .
3. تهجير أهالي كفريا والفوعة الشيعيتين وقرية اشتبرق العلوية
توجد بعض عائلات الطائفة الشيعية في عدة بلدات في محافظة إدلب، مثل قرية زرزور في ريف جسرر الشغور، لكن الوجود الأكبر لها في إدلب يتمثل في بلدتي كفريا والفوعة، اللتين بلغ عدد سكانهما قبل اندلاع الثورة السورية نحو 50 ألف نسمة، ليتقلّص إلى 21 ألفًا في عام 2015؛ منهم 13 ألفًا في الفوعة و 8 آلاف في كفريا . تتبع البلدتان إداريًا لناحية بنش، واعتاد سكانهما تسيير حياتهم في بنش على نحو أكبر في السابق، لكنهم حُرموا من دخولها مع انطلاق الثورة، لانحيازهم المباشر إلى النظام السوري. وتشير شهادات لأهالي البلدتين إلى أن النزاع الذي حدث إبان تظاهرات بلدة بنش ضد النظام لم يأخذ صبغة سياسية فحسب، لكنه كان يحمل في طياته أيضًا بعدًا طائفيًا، من خلال بعض الشعارات التي أطلقها بعض المتظاهرين
المناهضة لحزب الله وإيران ؛ إذ عبّ أهالي البلدتين الشيعيتين عن ارتباطهم الديني المذهبي والعسكري المباشر بإيران، واستقبلت البلدتان وحدات كبيرة من الأحزاب والميليشيات الشيعية العسكرية المنتشرة في لبنان والعراق، سعيًا لقمع الاحتجاجات الشعبية المناهضة للنظام، وقد كان لها دور مهم في حشد السكان وتعبئتهم مذهبيًا. نفّذت الوحدات الطائفية في كلتا البلدتين عمليات وهجمات ممنهجة، هدفت إلى الانتقام من المدن في محيطها، مثل بنش وتفتناز، ومنها أيضًا التوغل في أراضي مدينة معرّة مصرين وقطع الطريق الرابط بينها وبين إدلب، وكذلك الطريق الدولية الواصلة بين معبر باب الهوى ومدينة إدلب لمسافة تقارب 10 كيلومترات . وفي منتصف عام 2012، بدأت هذه السياسة تؤتي ثمارها عندما شُكّل ما يسمى "حزب الله السوري" في مدينة الفوعة في إدلب. لقد أدى النظام دورًا خطرًا بإقناع أفراد هذه الأقلية بأنه إذا ما تم القضاء على الدولة، فسيتم القضاء عليهم، فقام في سبيل ذلك بصهر هذه الأقلية لتتماشى معه، وتحويل أفرادها إلى رجال أمن وميليشيات. فرضت جبهة النصرة مع حركة أحرار الشام الإسلامية حصارًا على البلدتين نتيجة موقفهما من الثورة السورية، وردًّا على حصار طائفي ضارٍ كان قد فرضه النظام على مضايا والزبداني في محافظة ريف دمشق. لم تخفَ أهداف إيران عن أحد، فقد كانت تسعى لإحداث تغيير في الخريطة الديموغرافية المذهبية السورية، وهذا ما وضح في إدلب من خلال خطوات استكمالها مع حزب الله لخلق الهلال الشيعي الذي يمتد من إيران إلى العراق، ليدخل البوكمال السورية ويتابع طريقه إلى حمص، فلبنان، حيث يقبع حليفها حزب الله، وما تهجير سكان الزبداني ومضايا واستبدال أهاليهما بقسم من شيعة كفريا والفوعة إلّ استكمال للتهجير الطائفي العرقي والعزف على وتر الطائفية . في عام 2018، ونتيجة عمليات الضغط من جانب المعارضة في إدلب وتضييق الخناق على بلدتي الفوعة وكفريا، استكملت إيران مفاوضاتها مع المعارضة المسلحة لرفع الحصار عن البلدتين، في مقابل رفع الحصار عن قريتي الزبداني ومضايا السنّيتين في دمشق. توصلت روسيا وتركيا إلى اتفاق لإجلاء السكان ومغادرة الميليشيات الإيرانية واللبنانية التابعة للنظام السوري من كلتا القريتين في مقابل إطلاق سراح مئات المعتقلين والسجناء من سجون النظام . كان اتفاق المدن الأربع (الزبداني ومضايا - كفريا والفوعة) خطوة لتوسيع دائرة التغيير الديموغرافي بين السوريين، وإشعال النار في حملة عسكرية روسية وشيكة في إدلب . وفُرسّت عملية تهجير أهالي البلدتين الشيعيتين من إدلب في عام 2018 بما وقع في الأيام؛ إذ أُالأخيرة من عام 2019 شرك عدد كبير من مهجري البلدتين في الميليشيات الإيرانية وميليشيات حزب الله اللبنانية في معارك النظام السوري في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، حيث قاتلوا في إدلب انتقامًا من ساكنيها الذين قاموا بتهجيرهم، وأيضًا لتغطية النقص البشري في ميليشيات النظام، وحماية الخط الأول من جبهة المعسكرات الإيرانية الذي تم إنشاؤه في جنوب شرق إدلب . وربط البعض الإنهاء الطائفي لملف الفوعة وكفريا الشيعيتين بمبدأ استراتيجي إيراني بتهجير السُنّة الذين رفضوا حكم آل الأسد وإبعادهم عن العاصمة دمشق، ثم تشويه صورتهم بوصف هذا الكانتون السُنّي الذي يحتضنهم بالإرهابيين، تمهيدًا للتخلّص منهم . أما عن عملية تهجير أهالي قرية اشتبرق العلوية، فقد أخذت طريقها بعد سيطرة جيش الفتح على مدينة إدلب وجسرر الشغور في 25 نيسان/ أبريل 2015، وذلك بعد أن بدأت سلسلة أخرى من العمليات للسيطرة على كل أراضي المحافظة. وكان من ضمن النقاط العسكرية المهمة والاستراتيجية الأولى التي سيطر عليها جيش الفتح ما كان يُسمى "حاجز غانية" الذي أنشأته القوات الحكومية في حزيران/ يونيو 2011، ليفصل مدينة جسرر الشغور عن قرية اشتبرق، إضافة إلى معبر أساسي لطريق حلب - اللاذقية M4. إذًا، أصبحت الطريق مفتوحة أمام قوات جيش الفتح للهجوم على قرية اشتبرق العلوية، علمً أن القوات الحكومية لم تستقدم أيّ تعزيزات عسكرية لتدعيم نقاطها العسكرية في محيط القرية، وكان ذلك أحد الأسباب التي أثارت سخط الأهالي بعد وقوع المجزرة. كان عدد الأهالي الموجودين في قرية اشتبرق في أثناء الهجوم، في 26 نيسان/ أبريل 2015، نحو 007 شخص، أما باقي السكان ويقدّر عددهم ب 400 شخص فقد نزحوا على نحو رئيس في اتجاه قرية
جورين شمال سهل الغاب وقرى في ريف اللاذقية. كانت حصيلة هجوم جيش الفتح على المنطقة مجزرة راح ضحيتها حوالى 200 شخص بين قتيل ومفقود من المدنيين والعسكريين، وأسر 58 مدنيًا، معظمهم أطفال ونساء . كذلك نزح القسم الباقي من أهالي قرية اشتبرق في اتجاه منطقتين رئيستين: القرى المنتشرة شمال سهل الغاب، خاصة قرقور والسررمانية والزيارة وجورين، وريف ومدينة اللاذقية، وفي الحالتين كان سبب اختيار منطقة النزوح، في الغالب، هو وجود علاقات قرابة عائلية بين الأهالي . ومن أجل بث الرعب والخوف في نفوس أهالي هذه الطائفة، وبأنهم أصبحوا غير مرحّب بهم، فجّرت مجموعة "أنصار الدين" جميع مقامات "الأضرحة" في القرية ، وبعدها بأيام قليلة، هرب المئات من العائلات العلوية والمرشدية من قرى الجيد والكريم في سهل الغاب وجورين وشطحة غرب سهل الغاب، خوفًا من وصول بطش جيش الفتح إليها بعد إعلانه "معركة تحرير" ما بقي من ريف إدلب الغربي وسهل الغاب .
رابعًا: معارك الإقصاء للحركات الإسلامية الجهادية
1. الصوفية مع خيار النزوح أو النأي بالنفس
في العقد الأول من هذا القرن، كانت المدن الصغرى، مثل إدلب، قد حصلت على نوع من الاستقلال النسبي عن الدولة في الأمور الدينية، شريطة ارتباطها بالمؤسسة الأمنية، فأصبح الدين أكثر محليةً، حيث تحوّل الشيوخ المعتمدون من تلك المؤسسة إلى أئمة الصف الأول أو قادة العبادة، وكان هذا ينطبق فعلً على الطرق الصوفية في المحافظة، وكان لهذا التوطين الديني المتنامي تأثير كبير بعد الثورة، فجعلها تنأى بنفسها أو تنزح إلى مناطق بعيدة عن الحركات الإسلامية السلفية المسيطرة. ركّزت سياسات النظام في إدلب على الدين والطائفة، وتم التعبير عن التعايش بين علمانية حزب البعث العربي الاشتراكي والإسلام المتحرر للحركات الصوفية، وذلك في المدى الذي وفّره النظام للطرق الصوفية . إضافةً إلى ذلك، أثبتت عناصر من الحركة الصوفية القدرة على التكيّف مع قانون الطوارئ والاستفادة من ميزات حكم حزب البعث، ويعكس هذا جزئيًا حقيقة أن الصوفيين لم يسعَوا لوضع أنفسهم بوصفهم مجموعة/ حزبًا أيديولوجيًا أو سياسيًا أو دينيًا خاصًا. وقد أكدت أعمالهم غلبة البعد الاجتماعي للسياسة وتركيزها على العمل الديني والتعليمي، مع وضع النظام السياسي المنشود ضمن إطار مرجعي مختلف . لم يكن للثورة صدى بين الصوفيين الذين ظلوا مدينين لطرقهم، مثل الطريقة الشاذلية والرفاعية وغيرهما، حيث إن من أهم مبادئها الطاعة العمياء للشيخ. ومنذ بداية الثورة، مالت الصوفية إلى إلغاء المشاعر الثورية من خلال وصفها بالفتنة التي يجب عدم الاشتراك فيها، ووفقًا لذلك، سعى الصوفيون للابتعاد عن الأحداث الثورية، وعلى الأخص التمسك بالمبدأ الصوفي الذي يثبت أن "ممارسة السياسة تفسد الدين." خلال الأعوام الأولى من حكمه في إدلب، اعتقل تنظيم داعش عددًا من أتباع الطرق الصوفية واتهمهم بالسحر وتشويه الدين . واتَّهمت أيضًا العناصرُ السلفية، وأبرزها جبهة النصرة، في إدلب الصوفيةَ بالتخلّ عن الثورة من خلال تبنّي موقف الحياد والامتعاض
من كلمة الجهاد، لذا حاربت النصرة الصوفيين، وطردتهم من المساجد وأنزلتهم من على المنابر، وسعت لتبرير تصرّفاتها على أساس أن الصوفيين ما هم إلّ عملاء للنظام. إضافةً إلى ذلك، سعى الأيديولوجيون المتطرفون في جبهة النصرة لزيادة استغلال الأزمة السورية عن طريق تأجيج التوترات بإحساس الاعتدال المشبع الموجود في التصوف. وإبان السيطرة على إدلب، شدّد جيش الفتح أيضًا القبضة الإسلامية السلفية على إدلب، مع الحرص على إبعاد "الهرطقات" الأخرى كلها، بما فيها الصوفية ومحاربتها . دفعت محاربة السلفيين للصوفيين في إدلب واتهامهم بالتواطؤ مع النظام وإقصاؤهم من ممارسة مهماتهم الدينية، وملاحقة شيوخهم، بالعديد من العوائل إلى النزوح إلى أراضي النظام، أو إلى الدول المجاورة، بعد أن أخذوا الإذن من شيوخهم بالهجرة درءًا، على حد زعمهم، للفتنة.
2. الإخوان المسلمون مع خيار وسط بين النزوح والقبول
أوضح الصراع في عامي 1977 و 1982 أن الهوية المسيّسة لم تكن مصدرًا للعنف الجماعي فحسب، بل يمكن أيضًا توليدها أو تفعيلها أو تقويتها عن طريق العنف. وحينما اندلعت الانتفاضة، كان رد النظام على الإسلاميين مفرطًا وعنيفًا ، ومن شدة حنقه على تنظيم الإخوان المسلمين، اعتبر أن مجرد العضوية فيه جريمة يُعاقب عليها بالإعدام . وحينما قامت الثورة السورية، بقيت تجربة العنف وضحاياها حاضرة في الذكريات الفردية والجماعية لأهالي حماة وإدلب ، لكن سرعان ما بدأ الإخوان المسلمون في إدلب في التحرك، فكان لهم حضورهم التنظيمي وتمثيلهم العسكري، لكن مجددًا عقّدت العوامل الاجتماعية والدينية والاقتصادية محاولاتهم لمواكبة نمو السلفية الجهادية في إدلب التي وصّفها محمد جمال باروت بالتدين الشعبي الشبابي الاحتجاجي أو الاعتراضي الذي يقع في فضاء التدين السلفي الشعبوي العام . وردًّا على قمع النظام للاحتجاجات السلمية، بدأت مجموعة من الفصائل المسلحة تدور في فلك الإخوان المسلمين، حيث تمركز جزء كبير منها في إدلب. وفي كانون الثاني/ يناير 2013، جمع الإخوان مقاتليهم تحت اسم "هيئة دروع الثورة"، واكتفى قادتهم، في العلن، بالإقرار ب "التقارب العقائدي" بين هيئة دروع الثورة وجماعة الإخوان المسلمين، والثقة التي تمنحها الأولى للثانية . سعى الإخوان على المستوى المحلي لإظهار النيات الحسنة، وإشراك غير الأعضاء، وإحياء الشبكات القديمة عن طريق استغلال الروابط العائلية، للحصول على بعض الدعم من دول مثل تركيا وغيرها بوصفها معتدلة. لكن مال أيضًا بعض الأعضاء في جماعة الإخوان إلى العمل تحت قيادة مجموعات مسلحة بارزة، مثل الجبهة الوطنية للتحرير وفيلق الشام. ومع ذلك، فشل الإخوان في تجديد صفوفهم بجيل جديد من الأعضاء، أو في إعادة تأسيس أنفسهم على نحو قوي، إضافةً إلى ذلك، لم تُحلّ النزاعات الداخلية بالكامل؛ ذلك أن سياستهم كانت المحافظة على الحل الوسط، من أجل تجنّب مصير المعارك مع الفصائل الجهادية المسيطرة على إدلب، علمً أنهم ضمنيًا كانوا يرون أن المستقبل السياسي سيكون خارج دائرة الجهاديين السلفيين في إدلب. لم ينفع الحل الوسط الذي اتبعه الإخوان مع هذه الفصائل ولا سيما هيئة تحرير الشام المسيطرة على إدلب (بعد كانون الثاني/ يناير 2017)؛ إذ سرعان ما تبخّرت التفاهمات التي كانت قائمة بينهما، وتغيّ ت عندما شنّت الأخيرة حرب الإلغاء والسيطرة على إدلب، الأمر الذي نجم عنه نزوح قسم من عناصر الإخوان وفيلق الشام وآخرين إلى مناطق درع الفرات وغصن الزيتون الواقعة تحت السيطرة التركية . كان الاقتتال الفصائلي الذي حصل في محافظة إدلب مسألة وقتية، حيث كان واضحًا أن كل طرف لن يقبل الآخر، وذلك نتيجة الصراع على المصالح التجارية (السيطرة على المعابر الاستراتيجية مثلً)، والسياسية (التمثيل في المؤتمرات)، والفجوة العقائدية الناتجة من عقلية طائفية سياسية تقوم في المقام الأول على إنكار الغير. لقد أثبتت الجبهة الوطنية للتحرير، وفيلق الشام الذي هو جزء منها، أنهما غير قادرين على الصمود ماديًا أو أيديولوجيًا أمام هيئة تحرير الشام. ويمكن القول إنه لم تنجح حتى الآن في إدلب الفصائل الأخرى التي ليس لها مضمون جهادي في الاستمرار، حيث اضطر معظمها إلى الانحلال أو النزوح.
3. حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام في إدلب
بدأت دراسات عدة تهتم بالجماعات السلفية الجهادية: ماهر)2016(، وفيكتوروفيتش 2006(، وباسيلس) ) 2015(؛ إذ يُعتبر هذا النوع من الدراسات ذا أهمية لتتبّع تطور الاتجاه الأيديولوجي في حالات عامة ومحددة. والتركيز على الراديكالية الجهادية السلفية شائع في الدراسات التجريبية لسورية ، لكن تطرف التيار السلفي الجهادي ليس سوى جانب واحد من القصة. في سورية، وعلى عكس تنظيم داعش، تبنّى الكثير من الجماعات المعارضة الرئيسة المرتبطة جزئيًا بهذا الاتجاه الأيديولوجي مواقف براغماتية، بدلً من زيادة التطرف، ولم تطبق أشد العقوبات الجنائية المرتبطة ببعض أبعاد الشريعة الإسلامية مثل داعش. وبعد عامين من بدء الانتفاضة، خضعت المحافظة لسيطرة معارضة معقدة، معظمها مختلف أيديولوجيًا، وكانت أكبر الجماعات المسلحة في إدلب من الإسلاميين (صقور الشام، وأحرار الشام، وجبهة النصرة)، قد همّشت الفصائل التابعة للجيش السوري الحر. برزت في إدلب حركتان سلفيتان جهاديتان، لكنهما مختلفتان في انتماءاتهما الأيديولوجية. الأولى حركة أحرار الشام التي تعتبر واحدة من أهم الجهات الفاعلة التي نأت بنفسها عن الراديكالية الجهادية السلفية خلال الصراع السوري . وهدفت على المدى الطويل إلى بناء مجتمع إسلامي، لكنها رفضت مرارًا وتكرارًا مبدأ الديمقراطية العلمانية الشاملة وممارستها، وحاولت التوفيق بين الحرية السياسية والقانون الشرعي وتصوّرها كأساس للحكم. وُصفت الحركة بأنها أكثر نجاحًا نسبيًا من الجماعات الإسلامية الأخرى، وذلك بفضل توطيدها من القاعدة إلى القمة، الذي بطبيعته أضفى الطابع المؤسسي على هياكلها التنظيمية بمرور الوقت . يتبع كثيرون من أعضاء حركة أحرار الشام الجهاديةَ السلفية المحافظة، ومع ذلك، فقد كانت نيّة الحركة أن ترث عباءة الإخوان المسلمين، مع مراعاة رفضهم فكرة الجهاد العالمي كونهم يتلقون دعم دول خارجية ترفض هذه الفكرة. وبعد مقتل قادتها في أيلول/ سبتمبر 2014، استأنفت الحركة مسارها المؤسسي، لكنها لم تغير تكوينها المتعدد المراكز، وأعادت في نهاية المطاف تشكيل مكاتبها السياسية والدينية لتهميش الأصوات الدينية المتطرفة التي عارضت التوجهات الاستراتيجية الجديدة ، ولا سيما إمكانية تشكيل تحالف استراتيجي مع تركيا. وفي الوقت نفسه، كانت هناك أسباب جوهرية أخرى كثيرًا ما أثّرت في وحدة الحركة وتماسكها، حيث أضرّت الصراعات الأيديولوجية والاستراتيجية داخلها بوحدتها وساهمت في تفككها، ومن ثم نزوح عناصرها إما إلى جهات تسيطر عليها حركات متشددة، وإما إلى خارج مناطق إدارتها على نحو دائم. وقد زادت هذه الصراعات التوتر بين البراغماتيين والمتشددين في الحركة، ما أفقدها مركزيتها، ومن ثم قوتها وعناصرها الذين فضّ ل قسم منهم النزوح إلى مناطق النفوذ التركي شمال حلب، أو حتى الالتحاق بهيئة تحرير الشام . أما المجموعة الثانية فهي جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام بمسمّ ها الحالي)، التي قدّمت نفسها على أنها ممثلة للإسلام السلفي الصارم ؛ فهي لا تعترف بمبدأ الدولة القومية الحديثة أو حدودها المعترف بها دوليًا، وتؤمن بدلً من ذلك بالدولة الإسلامية الرشيدة، وإمكانية
تحقيق ذلك من خلال التسييس الواسع للدين. ومنذ البداية، أعلن زعيمها أبو محمد الجولاني أن هدفه هو النظام السوري وحلفاؤه ووكلاؤه . النصرة التي أرادت الحصول على أرض تتمدد منها، كانت قد وجدتها منذ سيطرتها على بلدة الدانا في محافظة إدلب، وذلك بعد طرد تنظيم داعش من هناك في كانون الثاني/ يناير 2014، ومن الريف الغربي كله للمحافظة. ومن حينها، اعتبرت النصرة نفسها وريثًا شرعيًا لداعش في المناطق التي خضعت له، الأمر الذي وضعها في مواجهة فصائل من الجيش الحر، ومنها حركة حزم الموجودة في أطراف المنطقة. أصبحت للنصرة أرض تحتضنها، لذا توافرت الأسباب المصلحية والأيديولوجية كلها لتوليد صراع بينها وبين الفصائل، خاصة في ظل دعم الولايات المتحدة لبعض فصائل الجيش الحر، وتصنيف الولايات المتحدة للجبهة على أنها منظمة إرهابية، لذا أصبح القتال بين النصرة والفصائل الأخرى في المحافظة شبه حتمي، فوجب عليها البحث عن سياسات براغماتية تُ كّنها من استقطاب فصائل إسلامية أخرى فاعلة على الأرض وتساعدها في هذه المهمة، ونجحت في فترات مختلفة في استقطاب العديد من الفصائل، في الوقت الذي دعمت فيه سيطرة الإسلاميين والسلفيين للتمدد والانتشار في مختلف مناطق إدلب. بهذه السياسة، وبعد برهة من الوقت، أصبحت جبهة النصرة ممثل السلفية الجهادية في المحافظة، حيث تمكّنت من إقصاء فصائل عدة (الجيش السوري الحر، وحركة أحرار الشام، وغيرهما) من مناطق كثيرة في غرب إدلب وجنوبها، ونزوح كثير من عناصر هذه الفصائل إما ضمن المحافظة أو إلى خارجها. وحاولت هيئة تحرير الشام، بأسلوبها بتطوير حكم مَرِن وقابل للتكيّف، يجمع بين السيطرة الإكراهية والهيمنة الأيديولوجية، فرضَ رؤيتها السياسية، في الوقت الذي اعتقدت أن توفيرها بعض الخدمات الاجتماعية، سيُمكّنها من توطيد نفسها على نحو راسخ داخل المحافظة، لكنها لم تدرك أن هذه الأيديولوجيا كانت سببًا في خلق حروب مع قوى وأقليات أخرى في المحافظة لا ترضى بهذا الحكم، وهذا ما ولّد نزوحًا حقيقيًا، وأدركت لاحقًا عبث محاولة فرض رؤيتها السياسية على مجتمع مضيف . تؤكد بعض تفسيرات النزوح الاستراتيجي في زمن النزاع أن المعتقدات الإقصائية تُحفّز قادة زمن الحرب على تطهير الجماعات غير المرغوب فيها وإنشاء مناطق أيديولوجية متجانسة . ويجادل ستراوس، على سبيل المثال، أن العنف الانتقائي الجماعي هو نتاج "السررديات التأسيسية" التي تروّج لها النخبة، والتي تستبعد الآخرين من السلطة . وفي هذا الإطار، دخل أكبر تنظيمين في المحافظة في معارك طويلة، حيث أدّت الأسباب السياسية المحلية، بما فيها رفض هيئة تحرير الشام علم الاستقلال الأخضر الذي اتخذته حركة أحرار الشام، ثم مبادرة الحركة لإنشاء إدارة مدنية في الشمال السوري، دورًا كبيرًا في إذكاء الصراع. بدورها، استغلت هيئة تحرير الشام الاختلافات الأيديولوجية التي عصفت بحركة أحرار الشام، في غياب المنظّرين، والتي ساهمت في تشظّيها وتفتتها، فضلً عن الانتشار الفضفاض للحركة، والتخبط الداخلي، والبُنية المركزية الضعيفة التي كانت قد ظهرت في جسمها، وعوامل أخرى. اتخذ القتال بين الطرفين، في منتصف تموز/ يوليو 2017، منحى غير مسبوق بسبب دخول السلاح الثقيل في المعارك واتساع خط المواجهات، ليشمل معظم مناطق الشمال الغربي والجنوب الشرقي من إدلب. وفي الحصيلة، استطاعت هيئة تحرير الشام ابتلاع حركة أحرار الشام بعد توغّلها وسيطرتها على معظم محافظة إدلب، وإجبار مقاتلي أحرار الشام مع عوائلهم على الفرار إلى مناطق أخرى في غرب إدلب، أو إلى مناطق النفوذ التركي في شمال حلب وشرقها، في الوقت الذي استغل النظام هذه المعارك بين الطرفين للدخول مرة أخرى واستعادة الطريق الدولية.M5-M4
خامسًا: دور القوى الإقليمية والدولية في نزوح الفصائل
دعمت حكومات خارجية، إقليمية ودولية، فصائل وميليشيات متعددة في سورية. وفي إدلب ساعد الدعم الخارجي لبعض الحركات في ظهور الجهات الفاعلة الرئيسة في ال اررع وتطويرها، وأدى في الوقت نفسه إلى تغيير موازين القوى . موّل بعضٌ من هذه الدول رواتب وأجور الفصائل القريبة منها، أو التي تدين بالولاء لها، وكان الدعم واضحًا، سواء كان قصير المدى أم بعيد المدى. وقد ظهرت طبيعة الأيديولوجيا والطائفية السياسية في تفاهمات تلك القوى الإقليمية واضحة، فأتى اتفاق المدن الأربع (كفريا والفوعة - الزبداني ومضايا) على خلفية طائفية سياسية، مخلّفًا تغييرًا ديموغرافيًا
في محافظة إدلب . وأُعيد استخدام الأهداف الأيديولوجية هنا وتدويرها، لتصبح مقابل المال أو لأغراض استراتيجية أخرى، حيث أصبح النزوح هدفًا ماديًا يمكن بيعه وشراؤه، أو هو عبارة عن ورقة رابحة يمكن استخدامها مرارًا وتكرارًا. برز الدور الإقليمي التركي في محافظة إدلب بسبب الحدود الطويلة المشتركة بينهما، ما يُعيد إلى الأذهان ملاحظة ليندسي وإنترلاين في أن للحروب التي تحدث على مقربة شديدة من الحدود تأثيرًا سببيًا في بعضها . ويضاف إلى ذلك أن إدلب هي من أولويات الاستراتيجية القومية التركية كون المحافظة تحتضن هيئة تحرير الشام الموضوعة على قائمة الإرهاب الأميركية، وهذا يشكّل خطرًا عليها. من جهتها، اعتبرت هيئة تحرير الشام، وبعد السيطرة على المحافظة وتشكيل "حكومة الإنقاذ"، أن إقامة حكومة تكنوقراطية تحافظ على الاستقرار الداخلي وتحظى بقبول تركي يمثّل مفتاح استمرارها، وسيوفر هذا أيضًا طمأنة لتركيا أن المحافظة التي تسيطر عليها لن تكون إمارة إسلامية متشددة . وبعد عمليتي تركيا العسكريتين في شمال حلب وشرقها (درع الفرات وغصن الزيتون)، وما كان بينهما وبعدهما من مؤتمرات سوتشي وأستانة، حصلت تركيا على مزايا الحفاظ على العديد من نقاط التفتيش العسكرية التركية في إدلب . كان دور إيران في إدلب واضحًا أيضًا، خاصة قبل عملية تهجير سكان كفريا والفوعة الشيعيتين، وكانت تدخلاتها في المحافظة مدفوعة أساسًا بالأيديولوجيا، حيث سعت لدعم البلدتين، بعد أن نما نفوذ القوات العسكرية للحرس الثوري الإيراني على صنع القرار هناك، وتم الاعتراف بكلتا البلدتين على أنهما ركائز النفوذ الإيراني في إدلب. بدأت قوات النظام والميليشيات الإيرانية محاصرة مضايا والزبداني (في ريف دمشق) في آذار/ مارس 2015، وأصبح السكان ورقة مساومة، واستخدم الطرفان مصير بلدات (مضايا والزبداني - كفريا والفوعة) لتحقيق مصالحهم الاستراتيجية خلال المفاوضات . وردًّا على هذه التطورات، رعت تركيا مفاوضات أفرزت هدنة بين إيران وحركة أحرار الشام وغيرها، ورفع الحصار، وحدث تهجير قسرري من البلدات الأربع (مضايا والزبداني - كفريا والفوعة) على مراحل عدة، انتهى في تموز/ يوليو.2018 وكان الدور الروسي في إدلب ملموسًا أيضًا، حيث دفع الخوف من الإسلاميين إلى أن تتبنى روسيا موقفًا حيال الحركات الإسلامية الجهادية، خاصة مع سيطرة هيئة تحرير الشام في إدلب. ويمكن القول هنا إن عمليات النزوح التي رعتها روسيا من المدن السورية كافة في اتجاه إدلب ما كانت إلّ ضمن هدف استراتيجي في الدرجة الأولى، لحشر أعداء النظام فيما قد يمكن اعتباره "قندهار" إدلبية، تمهيدًا لتصفيتها . حتى على المدى الطويل، فروسيا قلقة من نمو التطرف الذي ربما يمتد إلى أراضيها، ولها تجربة مباشرة في هذا المضمار، وها هي إدلب وفق هذا المنظور قد أصبحت واحدة من أكبر "قندهارات" العالم من خلال احتضان جميع أنواع الإسلاميين، ولا سيما الردايكاليين منهم، والمسلحين عمومًا . أما الولايات المتحدة الأميركية، فلا تستطيع تخليص نفسها تمامًا من الإرث السوري، خاصة أنها أشرفت تدريبيًا على بعض القوى المعتدلة مثل "حركة حزم" ودعمتها عسكريًا. ووُجد العامل الأيديولوجي في سياسة الولايات المتحدة أيضًا، وبدورها احتاجت إلى الحفاظ على منظور استراتيجي، الأمر الذي أصبح أشد صعوبة بسبب حجم الكارثة الإنسانية في سورية والتهديد الجهادي للأمن القومي الأميركي . أظهر الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، سياسة غير آبهة بالقصف الذي نفّذه الروس والنظام على إدلب، وأن قضية الولايات المتحدة هي هزيمة داعش والإرهاب، ومن ثم فهو غير مكترث لما يؤول إليه نزوح السكان من سورية عمومًا، ومن إدلب خصوصًا، وهذا إرث الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما؛ فمدحه الصريح ل "الحرب ضد داعش" المزعومة من جانب بوتين والأسد، كان قد أوحى بدور أميركا المضاد للثورة . وقد أمكننا القول إن قضايا الإقصاء
الفصائلي أو النزوح غير واردة في مفردات البيت الأبيض، أو في قرارات البنتاغون؛ فالبيت الأبيض يخضع لخطط وزارة الدفاع الأميركية التي توصلت نظريًا إلى اتفاق مع روسيا وإيران باقتسام النفوذ في سورية، وليس اقتسام النازحين.
خاتمة
ركزت الدراسة على مناقشة جزء من عمليات الإقصاء والنزوح الناتجين من عنف التطييف السياسي في محافظة إدلب، نتيجة سيطرة بعض الفصائل الإسلامية على المحافظة. وقد أشارت الدراسة إلى أن الاستقطاب الديني والتطييف كانا نتيجة "طبيعية" للصراع الجاري في إدلب، حيث تبنّت الفصائل المختلفة مبدأ التطييف لأغراضها الخاصة، مجبرةً فصائل أخرى على الإقصاء، وبعضًا من الأهالي على النزوح. وليس من المستغرب أن يؤدي انتشار التطييف السياسي في إدلب إلى زيادة المسافة الاجتماعية بين هيئة تحرير الشام الحاكمة والأهالي، حيث أصبح سكان المحافظة اليوم أكثر معارضة للهيئة نتيجة سياساتها؛ كما أنهم قلقون من استمرار حكمها وسياساتها الأيديولوجية. إن ما يميز التطييف السياسي في إدلب - بما يتجاوز أساسها الثيولوجي إلى حد بعيد - هو إلحاح قادتها على غرس روابطها بالحكم؛ نظرًا إلى أن الهيئة لا تقبل بفصيل آخر حاكم معها. وقد ولّد استخدام التطييف وممارسته مشاعر الاستياء لدى الجميع في المحافظة، وذلك بسبب نظام العسكرة المؤدلجة، ونظام التطييف القائم أصلً على نحو مباشر على مصادرة الممتلكات والدخول في الدين الإسلامي السُنّي للأقليات الذي ترعاه هيئة تحرير الشام، ما يجعل مهمتها شبه مستحيلة في عملية اندماج الأهالي في الحياة الاجتماعية في إدلب. سئم الناس الحدّة في تصاعد التطييف السياسي، الأمر الذي يوجب على الهيئة مراعاته، وأن تضع الجهود للتخفيف من حدة هذه الظاهرة، أو للتخلّص من المنتفعين والباحثين عن الفوضى التي يخلقها تأجيج التطييف. أيضًا ينبغي للهيئة أن تخفف من حدة التطييف ببذل الجهود في فهم المعارضين بغضّ النظر عن انتماءاتهم، والتركيز على القواسم المشتركة، بدلً من الاختلافات. هنا، يمكن أن تشجع جهود تصحيح المفاهيم الخاطئة الناسَ على الانخراط في تفاعلات بين الأطراف، أو التفكير في تجاربهم الإيجابية مع المعارضين.
References المراجع
العربية
أبا زيد، أحمد. "رهان إدلب غير المحسوم." منتدى العلاقات العربية https://bit.ly/3OKNdy3:والدولية. في أبو رمان، محمد [وآخرون.] وسائل منع ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي الغرب. عمان: فريديش إيبرت شتيفتونك،.2016 أستون-وارد، ألكساندر. "عوامل بقاء الأسد حتى الآن في الحرب السورية: منظور تاريخي." مركز حرمون للدراسات المعاصرة. 2017/10/24 في https://bit.ly/3n9fR1B:. بشارة، عزمي. سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 ________. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018. ديوان. مركز مالكوم الحاج علي، مهنّد. "التقاط ما تبقى؟." - كير كارنيغي للشرق الأوسط 2019/4/9. في http://bit.ly/3aeag34:. لوفيفر، رافاييل وعلي اليسير. "الإخوان المسلمون في سورية وسؤال الميليشيات." صدى. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (تشرين الأول/ أكتوبر 2013:.) في https://bit.ly/3bEnNUQ
الأجنبية
Adraoui, Mohamad. "The Case of Jabhat Al-Nusra in the Syrian conflict 2011-2016: Towards a Strategy of Nationalization." Mediterranean Politics. vol. 24, no. 2 (2020). Appadurai, Arjun. "Dead Certainty: Ethnic Violence in the Era of Globalization." Development and Change. vol. 29, no. 4 (October 1998). Ashour, Omar. The De-radicalization of Jihadists: Transforming Armed Islamist Movements. Abingdon: Routledge, 2009. Bacelles, Lia. "Understanding Jihadi Proto-States." Perspectives on Terrorism. vol. 9, no. 4 (2015).
Balcells, Laia & Abbey Steele. "Warfare, Political Identities, and Displacement in Spain and Colombia." Political Geography. vol. 51 (2016). Balch-Lindsay, Dylan & Andrew J. Enterline. "Killing Time: The World Politics of Civil War Duration, 1820-1992." International Studies Quarterly. vol. 44, no. 4 (December 2000). Bano, M. & A. al Saud (eds.). Salafi Social and Political Movements: National and Transnational Contexts. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021. Borshchevskaya, Anna. "Russia in Syria (Part 1): Declining Military Capabilities will not hold Moscow Back." Policy Analysis. The Washington Institute for Near East Policy (September 2015). at: http://bit.ly/2SlOz8O Carenzi, Silvia. "A Downward Scale Shift? The Case of Hay'at Tahrir al-Sham." Perspectives on Terrorism. vol. 14, no. 6 (2020). Christia, Fotini. Alliance Formation in Civil Wars. New York: Cambridge University Press, 2012. Daher, Joseph. "Revolution and Counter-revolution in Syria: Origins and Developments." PhD. Dissertation. Faculte des Sciences Sociales et Politiques. University of Lausanne. Vaud, Switzerland, 2018. Dam, Nickolaos Van. Destroying A Nation: The Civil War in Syria. London: Bloomsbury Publishing, 2017. Drevon, Jermoe. "The Consolidation of a (Post-jihadi) Technocratic State-let in Idlib." The Project on Middle East Political Science (November 2020). at: https://bit.ly/3xYcZbl Finkel, Elie J. et al. "Political Sectarianism in America." Science. vol. 370, no. 6516 (October 2020). Gade, Emily, Maher Hafez & Michael Gabbay. "Fratricide in Rebel Movements: A Network Analysis of Syrian Militant Infighting." Journal of Peace Research. vol. 56, no. 3 (2019). Gilbert, Victoria. "Identity in the Wake of the State: Local, National, and Supranational Dynamics of the Syrian Conflict." PhD. Dissertation. University of Pennsylvania. Pennsylvania, 2019. Goodarzi, Jubin. Syria and Iran: Diplomatic Alliance and Power Politics in the Middle East. London: I. B. Tauris, 2009. Greenhill, Kelly. "Strategic Engineered Migration as a Weapon of War." Civil Wars. vol. 10, no. 1 (2008). Hafez, Mohammed M. "Fratricidal Rebels: Ideological Extremity and Warring Factionalism in Civil Wars." Terrorism and Political Violence. vol. 32, no. 3 (2017). Hamilton, Robert, Chris Miller & Aaron Stein. Russia's War in Syria: Assessing Russian Military Capabilities and Lessons Learned. Pennsylvania: Foreign Policy Research Institute, 2020. Hassan, Hassan. "Two Houses Divided: How Conflict in Syria Shaped the Future of Jihadism." CTC Sentinel. vol. 11, no. 9 (2018). Hinnebusch, Raymond. "Syria: From 'Authoritarian Upgrading' to Revolution?" International Affairs. vol. 88, no. 1 (2012). Holmquist, Erika. "What's in a Name? Jabhat Al-Nusra's Rreasons for 'Disassociating' from Al-Qaeda." Asian and Middle Eastern Security Program. Swedish Defence Research Agency (October 2016). at: http://bit.ly/2PPT2yP Işıksal , Husyen & Goksel Oğuzhan. Turkey's Relations with the Middle East Political Encounters after the Arab Spring. Cham, Switzerland: Springer, 2018. Kalyvas, Stathis N. "Micro-level Studies of Violence in Civil War: Refining and Extending the Control-
collaboration Model." Terrorism and Political Violence. vol. 24, no. 4 (2012). Lefèvre, Rafael. Jihad in the City: Militant Islam and Contentious Politics in Tripoli. Cambridge: Cambridge University Press, 2021. Lefèvre, Raphael. "The Muslim Brotherhood Papers for A Comeback in Syria." The Carnegie Papers. Carnegie Endowment for International Peace (May 2013). at: http://bit.ly/2ZjLPtX Lund, Around. "Syria's Salafi Insurgents: The Rise of the Syrian Islamic Front." UI Occasional Papers. The Swedish Institute of International Affairs (March 2013). Maher, Shiraz. Salafi-Jihadism: The History of an Idea. Oxford: Oxford University Press, 2016. Mann, Michael. The Dark Side of Democracy: Explaining Cambridge Cambridge: Cleansing. Ethnic University Press, 2005. Mason, Lilliana. Uncivil Agreement: How Politics Became Our Identity. Chicago: University of Chicago Press, 2018. Osserian, Hashem. "How Sectarianism can Help Understand the Syrian War." Deeply Humanitarian. 1/3/2018. at: http://bit.ly/39bQhj8 Powell, Stephen & Adrian Florea. "Introducing the Armed Non state Actor Rivalry Dataset (ANARD)." Civil Wars. vol. 23, no. 2 (2021). Qatrib, Samer & Hadya Yahia. "Curriculum v. Ideology: The War in the Classroom." Deeply Humanitarian. 18/5/2016. at: http://bit.ly/2EMBWeR Roman, Mohammad. Islamists, Religion and Revolution in Syria. Amman: Friedrich-Ebert-Stiftung, 2013. Seale, Patrick. Assad: The Struggle for the Middle East. Berkeley: California University Press, 1988. Sen, Amartya. Identity and Violence: The Illusion of Destiny. New York: W. W. Norton & Co., 2006. Sinno, Abdulkader H. Organisations at War in Afghanistan and Beyond. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2008. Straus, Scott. Making and Unmaking Nations: War, Leadership, and Genocide in Modern Africa. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2015. United Nations Office for the Coordination of Governorate: "Idlib Affairs. Humanitarian Reference Map." at: https://bit.ly/3fgPkZx Weidmann, Nils. "Violence 'From Above' or 'From Below'? The Role of Ethnicity in Bosnia's Civil War." The Journal of Politics. vol. 73, no. 4 (2011). Weinstein, Jeremy. Inside Rebellion: The Politics of Insurgent Violence. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. Wiktorowicz, Quintan (ed.). Islamic Activism: A Social Movement Theory Approach. Bloomington, IN: Indiana University Press, 2004. Wiktorowicz, Quintan. "Anatomy of the Salafi Movement." Studies in Conflict & Terrorism. vol. 29, no. 3 (2006).
سجال Debate
* Sidahmed Goudjili سيد أحمد قوجيلي |
أفول النظرية الكبرى
نقد الانتقائية التحليلية في العلاقات الدولية
The Decline of Grand Theory
A Critique of Analytical Eclecticism in International Relations
ظهرت الانتقائية التحليلية في الأعوام الأخيرة تيارًا نظريًا واعدًا في نظرية العلاقات الدولية، واستقطبت اهتمامًا كبيرًا من الباحثين والمشتغلين في الحقل. تقوم الانتقائية التحليلية على ثّثاا ركائز، وهي: الدعوة إلى التنوع والتعددية النظريين من خلال تبن ي المنهجية الانتقائية، ومعارضة هيمنة البردايمات الكلاسيكية (الواقعية والنيوليبرالية والبنائية) على نظرية العلاقات الدولية، والقول بانحسار النظرية الكبرى وأفولها، والدعوة إلى الاستعاضة عنها بنظريات المدى المتوسط. تقدّم هذه الدراسة مراجعة نقدية لهذه الركائز، وتبيّن أنّ المنطق الانتقائي الذي تُبنى عليه الانتقائية التحليلية يشوبه بعض التناقض، وأنّ انتقاداتها للنظرية الكبرى مستندة إلى فهم غير مكتمل لماهيتها ووظيفتها، وأنّ النزعة الانتقائية ليست موضوعا جديدًا في حقل العلاقات الدولية، وأنّ انحسار النظرية الكبرى لا يعني بالضرورة أفولها. كلمات مفتاحية: الانتقائية التحليلية، النظرية الكبرى، نظرية العلاقات الدولية. In recent years, Analytical Eclecticism has emerged as a promising theoretical trend and has attracted great attention from researchers and practitioners of international relations theory. Analytical Eclecticism is based on the following three pillars: the call for theoretical diversity and pluralism by adopting Eclectic methodology; challenging the dominance of classical paradigms (realism, neoliberalism, constructivism) over international relations theory; and to advocate for the replacement of Grand Theory with middle range theories following its decline. The article presents a critical review of these pillars to demonstrate that the rationale upon which analytical Eclecticism is based is tainted by some contradictions; its criticisms of Grand Theory are built on an incomplete understanding of what it and its function are. Moreover, analytical eclecticism is not a new subject in the discipline of international relations, and the decline of Grand Theory does not necessarily signify its disappearance. Keywords: Analytical Selectivity, Grand Theory, International Relations Theory.
مقدمة: أفول النظرية الكبرى؟
ذكر عالم الاجتماع رايت ميلز منذ ستّة عقود خلت أربع طرائق أساسية استُقبلت بها "النظرية الكبرى" Theory Grand في العلوم الاجتماعية: أوّلها الترحيب من مؤيّديها الذين يفهمونها؛ وثانيها الشك من معارضيها الذين يفهمونها؛ وثالثها الافتتان من مؤيّديها الذين لا يفهمونها؛ ورابعها مناوَأة معارضيها الذين لا يفهمونها . ينطبق هذا التصنيف إلى حدّ بعيد على حقل العلاقات الدولية؛ ففي هذا الحقل، انحصر النقاش بشأن النظرية الكبرى أعوامًا عدّة بين الباحثين الذين ينتمون إلى الفئتين الأوليين: المؤيّدين والمناوئين الذين يفهمونها. ضمّت الفئة الأولى العلماء الذين دعوا إلى بناء أطر نظرية كلّية لتفسير الظواهر الدولية، وكان أبرزهم كوينسي رايت ووليام فوكس وكينيث والتز وديفيد سينغر وبول نيتز وجون بيرتن ، إضافة إلى علماء نظرية الأنساق العامّة، مثل تشارلز ماكيليلاند وكارل دويتش وريتشارد روزكرانس . أمّا المناوئون، فكانوا خليطًا غير متجانس من المدارس، ضمّ علماء من الواقعية الكلاسيكية، مثل هانز مورغانثو وريمون آرون وبعض أنصار المدرسة السلوكية، مثل مورتن كابلان وآرثر لي بيرنز وأعضاء "اللجنة البريطانية لنظرية السياسة الدولية" . وعلى الرغم من التباين الواضح في مواقف كلا الفريقين، فإنّ الفجوة بينهما لم تكن واسعة جدًّا إلى الحدّ الذي يمنع مورغانثو وآرون وكابلان، على سبيل المثال، من طرح نظريات كبرى في أثناء سعيهم لتفسير ظواهر السياسة الدولية . بدأت الكفّة تميل في أواخر السبعينيات ميلً طفيفًا إلى مصلحة معسكر المؤيّدين الذين استفادوا ممّ سُمّي حينها "عودة النظرية الكبرى في العلوم الاجتماعية" . وقد ساهم عاملان أساسيان في عودتها إلى حقل العلاقات الدولية: أوّلهما بلوغ حركة ما بعد السلوكية Post-Behaviorism مرحلة النضج النظري ؛ وثانيهما نشر كينيث والتز كتابه نظرية السياسة الدولية. كان هناك تطوّر ثالث ساهم في تعزيز مكانة النظرية الكبرى في الحقل، وهو وصول البنائية الاجتماعية في أواخر الثمانينيات، وازدهار ما أصبح يعرف ب: النقاشات البردايمية Debates Inter-Paradigm التي بلغت ذروتها في منتصف التسعينيات 1996(تحديدًا) . عاد النقاش في شأن النظرية الكبرى إلى الواجهة خلال العقدين الأوّلين من القرن الحادي والعشرين تحت قيادة، أوّل مرّة، الفئة الرابعة: مناوئو النظرية الكبرى الذين لا يفهمونها. نشر الباحثون المنتمون إلى هذه الفئة مجموعة من المقالات في العقد الأخير، أسّسوا من خلالها ما بات يعرف بتيّار أفول النظرية الكبرى. بدأ هذا التيّار بمقالة كريستين سيلفستر المثيرة للجدل: "هل بلغت نظرية العلاقات
الدولية نهايتها؟" ، وبلغ ذروته في العدد الخاص الذي أصدرته المجلّة الأوروبية للعلاقات الدولية في عام 2013 . اختار كريس براون عنوانًا موحيًا، هو "بؤس النظرية الكبرى"، لتلخيص الاستنتاج المشترك الذي توصّلت إليه تلك البحوث . ويمكننا تلخيص أوجه التشابه بينها في ثلاث سمات رئيسة: 1) حملت أغلب عناوينها إشارة إلى "نهاية" نظرية العلاقات الدولية؛ 2) أعلنت عمّ سمّته "أزمة) بشّالنظرية الكبرى"؛ و 3 ت ب "موت البردايمات" ونقاشاتها الكبرى. Great Debates على عكس مناوئي النظرية الكبرى الذين يفهمونها جيّدًا، يستشهد مناوئوها الذين لا يفهمونها بحال الحقل خلال الأعوام الماضية للإعلان عن استيائهم من هيمنة النظريات الكبرى التي تمثّلها البردايمات الواقعية والليبرالية والبنائية . وفي مقابل ذلك، هم يجادلون في أنّ الأمور بدأت في التغيّ في الآونة الأخيرة، وأنّ الحقل يشهد انتق لً بنيويًا من هيمنة النظرية الكبرى إلى الانتشار الواسع للنظريات متوسّطة المدى Theories Range Middle. يرصد المناوئون المعاصرون مؤشّات عدة على هذا الانتقال، لكنّهم يركّزون بخاصة على مؤشّ واحد يعتبرونه الأهم، وهو انحسار "النقاشات البردايمية" داخل الحقل في العقدين الأخيرين. على سبيل المثال، لمس تيم دان ومعاوناه تراجع النقاشات البردايمية خلال الفترة التي عملوا فيها محرّرين للمجلة الأوروبية للعلاقات الدولية)2013-2008(، ووجد آيدو أورن مؤشّات مهمة على انحسارها في الولايات المتحدة الأميركية أيضًا . أيّد بعض الدراسات التجريبية التي أُجريت خلال العقد الماضي اتّجاه الانحسار؛ فعلى سبيل المثال، أظهرت الاستطلاعات الشهيرة التي قام بها دانيال مالينياك وزميلاه ضمن مشروع "التدريس والبحث والسياسة الدولية" TRIP() أنّ نسبة علماء العلاقات الدولية الذين لا يستخدمون التحليل البردايمي في عملهم جاوزت 22 في المئة، في مقابل 5 في المئة فقط لا يزالون يعتمدون عليه . وتماهيًا مع هذه النتائج، اعترف بعض مؤيّدي النظرية الكبرى بأنّ الاتّجاهات البحثية السائدة في الحقل، خاصّة تراجع البحوث الساعية ل "بناء النظرية Building Theory في مقابل نمو البحوث من فئة "اختبار النظرية" Testing Theory، هو مؤشّ على انحسار الاهتمام بالنظرية الكبرى في الحقل . في مقابل ذلك، رحّب نقّاد النظرية الكبرى بهذا التحوّل البحثي واعتبروه نتيجة طبيعية لتراجع النقاشات البردايمية ، وبعثوا بتطمينات إلى الباحثين، أنّ "لا داعي للحزن على نهاية النظرية الكبرى إذا كانت تعني النقاشات الكبرى في العلاقات الدولية" . وبصفة عامة، أصبحت مقولة أفول النظرية الكبرى في العلاقات الدولية تعني شيئين: أوّلهما أنّ البردايمات الكبرى في العلاقات الدولية
فقدت سطوعها باعتبارها نقطة مركزية للهوية العلمية ؛ وثانيهما أنّ عهد "الحروب البردايمية" قد ولّ وحلّ محلّه "السلام النظري" . انتقلت مقولة أفول النظرية الكبرى مؤخّرًا إلى الأعمال المكتوبة باللّغة العربية أيضًا. في العدد 28 سياسات عربية من مجلة 2017()، نشر محمد حمشي دراسة مهمة في الموضوع، خلص فيها إلى "أنّ منطق 'النظرية الكبرى' في حقل العلاقات الدولية يتّجه نحو حافة إفلاس نظري وفلسفي حاد" . وعلى غرار سائر دُعاة أطروحة الأفول، بنى حمشي استنتاجه على التناظر الذي يختزل النظرية الكبرى في النقاشات البردايمية في نظرية العلاقات الدولية. وعلى الرغم من ذلك، فإن حمشي لم يُخف اقتناعه بأنّ أزمة/ ركود التحليل البردايمي ليست دليلً على أنّ البردايمات الواقعية والليبرالية والبنائية ما عادت تصلح للتعامل مع بيانات السياسة الدولية/ العالمية، إنّ ا هي دليل على أنّها ما عادت قادرة على القيام بذلك بمفردها وبمعزل بعضها عن بعض. واستنادًا إلى هذا المنطق، يدعونا حمشي إلى الانتقال من النقاشات العقيمة إلى دراسة مشكلات محدّدة (أو قضايا "معقّدة)"، وذلك من خلال الاستعانة بمتغيّ ات (أو آليات سببية) مستقاة من نظريات/ بردايمات عدّة. تسمّى هذه المقاربة الانتقائية التحليلية Eclecticism Analytic، و"هي تَعِد" "بخلق نقاشات تكاملية وغير إقصائية، من دون أن يكون المقصود هو النقاش في حدّ ذاته، إنّ ا توظيف ما هو أهمّ من بين مساهمات كلّ نظرية/ مقارَبة" . تعدّ "الانتقائية التحليلية" تقليدًا قديمًا في الدراسات الدولية، أُعيد بعثه في العقد الماضي من رودرا سيل وبيتر كاتزنشتاين . تُعدّ هذه المقاربة محاولةً جديدةً لإحياء تيّار "التعدّدية النظرية" الذي ظهر في تسعينيات Theoretical Pluralism القرن العشرين ، وتحوّلت على أيدي سيل وكاتزنشتاين إلى مشروع نظري مكتمل ومتجانس في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. أثارت الانتقائية التحليلية منذ ظهورها في عام 2009 جدلً نظريًا واسعًا؛ ما دفع المجلّة الأرووبية للعلاقات الدولية إلى تخصيص عدد لمناقشتها في عام 2013 . كما أصدرت المجلة الدولية، العدد 57 2020() حديثًا مجموعة منوّعة من البحوث أعادت استكشاف وعود المقاربة وحدودها . يُعرّف سيل وكاتزنشتاين الانتقائية التحليلية بأنّها "أيّمقاربة تسعى لاستخراج، وتفسير ودمج بشكل انتقائي العناصر التحليلية المفاهيم والآليات والتفسيرات للنظريات أو السررديات التي تمّ تطويرها ضمن بردايمات منفصلة، لكنّها تعالج جوانب مترابطة من المشكلات الجوهرية المهمة علميًا وعمليًا" . يبيّ هذا التعريف أنّ الانتقائية التحليلية، من الناحية النظرية على الأقل، هي مقاربة لتوليد تفسيرات جديدة من النظريات الموجودة، بالاعتماد على الانتقاء والدّمج الموجّهين بحلّ المشكلات. ويمكن تحديد عناصرها الأساسية كما وردت في عمل سيل وكاتزنشتاين في العناصر الخمسة الآتية: هي عبارة عن عملية "انتقاء" عناصر نظرية متجانسة ومترابطة منطقيًا من بردايمات مختلفة، ثمّ "تجميعها" في نموذج نظري واحد . قد تكون هذه العناصر عبارة عن مفاهيم نظرية، أو متغيّ ات/ فروض تفسيرية، أو قوانين إمبريقية. تقوم فكرة الدمج الأساسية على منطق "قابلية تبادل" المكوّنات النظرية بين مختلف النظريات، حيث "يمكن اعتبار مكوّن مأخوذ من نظرية
واحدة كيانًا يمكن تفسيره في نظرية أخرى" . لكن دمج العناصر النظرية لا يعني "التوليف" بين البردايمات، لأنّ سيل وكاتزنشتاين يحذّران من عواقب توحيد النظريات الذي من شأنه أن ينقل تركيز الانتقائية التحليلية من المشكلات المحدّدة نحو الانشغال بالمشكلات العامّة الشائعة في البردايمات. تؤكّد الانتقائية التحليلية أنّ البردايمات ليست الإطار المناسب لإجراء البحوث في الحقل لأنّها: 1) صدامية: تشجّع على التنافس والصراع ولا تروّج لقيم التعاون والتسامح؛ 2) تؤكّد ذاتها: تركّز على القضايا التي تبرع فيها أو تؤيّد فروضها وتُهمل القضايا الأخرى التي لا تؤيّدها؛ 3) متحيّزة: تميل إلى معالجة المشكلات/ القضايا الكبرى على حساب القضايا/ المشكلات الجزئية التي تنطبق في سياقات محدّدة . لهذه الأسباب يدعو سيل وكاتزنشتاين الباحثين إلى تجاوز البردايمات والاستعاضة عنها ب "التقاليد البحثية" Traditions Research التي: 1) يتعايش ويتفاعل بعضها مع بعض؛ 2) لا يُقصي أو يستثني بعضها بعضًا؛ 3) تمكّن العلماء من الاشتغال في عدد كبير منها . لكن تبنّي إطار البرامج البحثية لا يخلو من التحدّيات؛ إذ يعترف أنصار الانتقائية التحليلية بأنّ استعارة العناصر النظرية من تقليد بحثي معيّ ودمجها في تقليد آخر يطرحان مشكلة "اللامقايسة" Incommensurability الكلاسيكية التي تجادل بعدم وجود مرجعيات أو معايير علمية محايدة لتقييم النظريات والحكم على صحّتها. ويعترف سيل وكاتزنشتاين بأنّ مشكلة اللامقايسة تشكّل أكبر تحدٍّ للانتقائية التحليلية، ومع ذلك يقللّان من أهمّيتها لسببين: أوّلهما "إنّها ضرورية في عملية تقييم النظريات فحسب، وهي أقل أهمّيةعندما يتعلّق الأمر بدمج عناصر منها" ؛ وثانيهما أنّ الانتقائية التحليلية تركّز على "المرجعيات الإمبريقية" التي من شأنها أن تكشف عن وجود نقاط تقارب بين التقاليد البحثية وتضيّق نطاق الخلاف بينها . إنّ أفضل وسيلة لاندماج النظريات وتكاملها هو التركيز على آلياتها السببية. ليست Mechanisms Causalالآليات/ العمليات السببية نظريات، إنّ ا هي أحد مكوّناتها التي يمكن استخدامها في نظريات عدّة. وكما تشتغل الآليات السببية في نظريات منوّعة، قد تحتوي النظرية الواحدة على آليات سببية عديدة ومنوّعة. ويساعد تفاعل الآليات السببية الباحثين على عبور مستويات التحليل، وتجاوز الفجوة بين البنية/ الفاعل والعوامل المادية/ الفكرية . بما أنّ الانتقائية التحليلية تعتمد على التنظير المستند إلى الآليات السببية فإنّها: 1) لا تُنتج نظريات كبرى/ عامّة/ كونية، إنّ ا تُنتج نظريات متوسّطة المدى، مصمّمة في أغلب الأحيان لتناول ظواهر دولية محدّدة؛ 2) نتائجها غير قابلة للتعميم على ظواهر عالمية أخرى. يسعى هذا النوع من النظريات، كما يقول سيل وكاتزنشتاين: "لتقديم قصّة سببية يمكن أن تمثّل مجموعة من النتائج عبر مجموعة محدودة من السياقات المقارنة" . الانتقائية التحليلية هي مقاربة موجّهة بالمشكلة Problem-driven Approach. وتتبنّى مقاربة "براغماتية" تتجاوز الحدود الصارمة والهيراركية في إنتاج المعرفة؛ وتتجاوز الصرامة الميتاثيورية Metatheoretical Rigor لمصلحة معالجة المشكلات المهمّة سياسيًا واجتماعيًا . تكشف العناصر الخمسة المذكورة سابقًا أنّ الانتقائية التحليلية هي مقاربة مناهضة لهيمنة البردايمات وفكرة "النظرية الكبرى" في حقل العلاقات الدولية. يثير هذا الموقف التحليلي حزمة من الأسئلة المهمة: ألا تستطيع الانتقائية التحليلية، باعتبارها مشروعًا تنظيريًا جديدًا في الحقل، النمو والتطوّر بالتعاون مع النظرية الكبرى من دون الصدام معها؟ هل بناؤها النظري قادرٌ على استيعاب تعدّد وتنوّع القوانين والآليات السببية الموجودة في النظريات الكبرى؟ هل فلسفة "الانتقاء" و"التحليل"، التي سمّيت عليهما المقاربة، قابلان للانصهار في نظرية متماسكة ومنسجمة منطقيًا؟ على الرغم من أنّه من الصعب تقديم إجابات جازمة عن هذه الأسئلة في الوقت الراهن، فإن الاشتباك معها هو أمر غاية في الأهمّية لطلاب العلاقات الدولية لاستكشاف مدى الخيارات النظرية المُتاحة لهم لإنجاز بحوث تجريبية مستندة إلى التكامل النظري.
يجب توضيح مسألتين استباقًا لأيّ سوء فهم محتمل لأطروحة الدراسة وأهدافها. أولً، تتّفق هذه الدراسة مع وجهات النظر التي ترى أنّ "الانتقائية التحليلية تبشّ بالخير في حقل العلاقات الدولية" ، وهي تمثّل، من دون أدنى شك، العمل النظري الأكثر إبداعًا في الحقل خلال العشرة أعوام الأخيرة. كما أنّنا نشجّع طلاب العلاقات الدولية، خاصّة في العالم العربي، على إعطاء المزيد من الاهتمام لنظريات المدى المتوسّط وتصاميم البحوث الانتقائية. لكنّنا في الوقت نفسه، نتشارك في شكوك الباحثين الذين أبدوا تحفّظات حيال بعض مضامين المقاربة ووعودها الإصلاحية، ونعتقد أنّ تلك التحفّظات مشروعة. إنّ الرسالة الرئيسة التي تسعى هذه الدراسة لإرسالها إلى المشتغلين بالحقل هي التحذير من استبدال دوغما كلاسيكية بدوغما جديدة. نحن نعرف منذ عقود عيوب النظرية الكبرى وحدودها، والعديد من الباحثين المشتغلين في هذا النوع من التنظير واعون بها. ما نسعى له تحديدًا هو التحذير من عواقب انتشار تفاؤل طوباوي جديد في الحقل، يروّج له أنصار الانتقائية التحليلية؛ إذ نجادل بأنّ المقاربة لا يمكنها الوفاء بوعودها من دون معالجة العديد من مشكلاتها النظرية. من ناحية أخرى، لا تسعى الدراسة للدفاع عن النظرية الكبرى باعتبارها شكلَ التنظير الأمثل. لا مناص من الاعتراف بأنّ هذه النظرية تواجه منذ ظهورها في الحقل مشكلات وانتقادات مستديمة، لكن ذلك لا يعني موتها أو أفولها. ستحاول هذه الدراسة الاشتباك مع "سرديات الأفول" الجديدة باستخدام التنظير العميق Deep Theorizing، والغرض من ذلك هو إثبات أنّ النظرية الكبرى لا تزال ضرورية لحقل العلاقات الدولية، ولا يمكن الاستغناء عنها. وبالبناء على مقولة فليكس بيرينسكوتر أنّ "التنظير الكبير يتطلّب النفاذ إلى العمق" ، ستحاول الدراسة إثبات ثلاثة أشياء: أوّلها أنّ انحسار النظرية الكبرى لا يعني بالضرورة أفولها؛ ثانيها أنّ الادّعاءات في شأن النظرية الكبرى مبنية على فهم خاطئ لماهية النظرية الكبرى ووظيفتها؛ ثالثها أنّ التنظير متوسّط المدى، على الرغم من أهمّيته، فإنه لا يمكن أن يكون بديلً من النظرية الكبرى.
أولا: حدود الانتقائية التحليلية
إنّ أوّل مشكلة تواجهها الانتقائية التحليلية "هويتها:" أهي نظرية، أم مقاربة بحثية، أم تقنية منهجية، أم بيان Manifesto؟ لم يقدّم سيل وكاتزنشتاين تحديدًا دقيقًا في هذا الشأن، ويبدو أنّهما فضّ لا ترك مسألة الهوية مفتوحة للتأويل. أشار سيل في دراسة حديثة له إلى أنّ "الغاية المرجوّة من الانتقائية التحليلية هي أن تكون إيثوسية ethos أكثر من كونها منهجًا أو بيانًا" . لكن هذا التحديد لا يساعد كثيرًا في إزالة غموض الهوية بسبب صعوبة تعريف مصطلح الإيثوسية المتنازع عليه بشدّة. يمكن اتّباع استراتيجية التعريف بالنقيض، ومن ثمّ قد يصلح القول إنّ الانتقائية التحليلية يمكن أن تكون أيّ شي ما عدا بردايم. وحتّى في هذه الحالة، فإنّ الغموض في تحديد الهوية لا يمكن أن يختفي كليًّا بسبب طريقة استخدام سيل وكاتزنشتاين لمصطلح "البردايم." يؤكّد المؤلّفان أنّهما لا يتّبعان تعريف توماس كُون الصارم لهذا المصطلح، بل يفضّ لان استخدامه بمرونة لنقل فكرة لاري لودان عن "تقاليد البحث العلمي" . اختيار سيل وكاتزنشتاين مفهوم "غير كُوني" - نسبة إلى كون - للبردايم جعلهما يتوصلّان إلى خليط شاذ دعاه فريد شيرنوف "بردايمات التقاليد البحثية" . وما زاد الطين بلّة هو تنازل الكاتبيَن عن مُكوَّنَ هذا الخليط وتغييرهما بتغيّ السياق، حيث يستخدمان بدلً منهما مصطلح "المقاربة" أحيانًا، ومصطلح "النموذج" أحيانًا أخرى . وساهم هذا الارتباك الواضح في تحديد هوية الانتقائية التحليلية، بدوره، في إرباك الباحثين المتحمّسين لها؛ فعلى سبيل المثال، يصفها حمشي باعتبارها "إطارًا
نظريًا" أحيانًا، و"موقفًا إبستيمولوجيًا ومنهجيًا" أحيانًا أخرى ، ويصفها لايك ب "نظرية" تارة، و"مقاربة" و"نموذج" تارة أخرى . من الواضح أنّ الانتقائية التحليلية ليست نظرية بالمعنى المتعارف عليه في فلسفة العلوم الاجتماعية. فما هي إذًا؟ عملً بنصيحة راندل شويللر "لا تدع أعداءك يعرّفونك" ، لن أجازف هنا بمحاولة تحديد هوية الانتقائية التحليلية، بينما أنا في طريقي إلى الاشتباك معها نقديًّا، لذلك سأتعامل معها باعتبارها منطقًا لتوليد النظرية. يُردّد الانتقائيون باستمرار عبارات مثل "إنتاج" و"توليد" و"خلق" و"بناء" للإشارة إلى هذا المنطق والوظائف التي يؤدّيها: توليد/ إنتاج/ خلق/ بناء نظرية (متوسّطة المدى) من نظريات عدّة. تقودنا هذه المنزلة المتنازع عليها للانتقائية التحليلية إلى بنية المقاربة العميقة، وهي
تتكوّن من ثلاث طبقات أساسية: 1) المنطق الانتقائي - الاندماجي؛ 2) التنظير السببي المتوسّط المدى؛ 3) المرجعية البراغماتية . سنقوم بتفكيك هذه الطبقات نقديًا لمعرفة إذا ما كانت البنية العميقة للانتقائية التحليلية متماسكة ومنسجمة منطقيًا.
1. من كل بستان زهرة: المنطق الانتقائي - الاندماجي
إذا كُنتُ أفهم الانتقائية التحليلية جيّدًا، فإنّ منطقها الانتقائي - الاندماجي هو أقرب إلى مقولة: "من كلّ بستان زهرة." يتيح هذا المنطق للباحث إمكان الانتقاء، بحسب حاجته البحثية، باقة من الأزهار المقطوفة من بساتين عدّة. وعلى الرغم من أنّ سيل وكاتزنشتاين لم يحصرا الانتقاء في بردايمات بعينها، فإنّهما ركّزا بشكل كبير على البردايمات الثلاثة: الواقعية (القوّة المادية)، والليبرالية المؤسّساتية (التعاون المؤسسّي) والبنائية (البنى الفكرية) . كتب سيل وكاتزنشتاين في ذلك: "تفترض المقاربة الانتقائية وجود تفاعلات معقّدة بين توزيع القدرات المادية (التي يركّز عليها الواقعيون)، والمكاسب التي يسعى لها الفاعلون الفرديون والجماعيون (التي يشدّد عليها الليبراليون)، ودور الأفكار والمعايير والهويات في تشكيل فهم الفاعلين للعالم وأدوارهم داخله (التي يشدّد عليها البنائيون") . تظهر البراغماتية النظرية على نحوٍ واضح في عملية الانتقاء: إنّ الباقة المُنتقاة من أفضل الأزهار التي تجود بها بساتين العلاقات الدولية، هي أفضل من باقة مشكّلة من زهرة واحدة. يتناسب هذا الفهم، كما لاحظ أندرو بينيت، مع تعريف قاموس ميريام وبستر لمصطلح "الانتقائي" باعتباره "اختيار ما يبدو الأفضل من بين المذاهب والمناهج والأساليب المختلفة" . تبدو التكتيكات النظرية التي تستند إليها الانتقائية مقنعةً من الناحية المنطقية على الأقل؛ فالنظرية المكوّنة من أفضل الآليات السببية المُستقاة من نظريات عدّة هي بلا شك أفضل من النظرية المكوّنة من آلية سببية وحيدة. لكن هذه الحجّة تدفعنا إلى طرح ثلاث قضايا في شأن المنطق الاندماجي Combinatorial Logic الذي تقوم عليه الانتقائية التحليلية، وهي: الانتقاء والدمج والشمولية. تتعلّق القضية الأولى بالسؤال الآتي: ما المعايير التي يستند إليها الباحثون الانتقائيون عند انتقاء العناصر النظرية من مختلف النظريات الكبرى؟ على الرغم من تأكيد سيل وكاتزنشتاين أنّ الانتقائية التحليلية لا تعني أنّ "أيّ شيء يفي بالغرض" Goes Anything ، فإنّهما لم يقدّما معايير واضحةً يستند إليها الباحثون في عملية الانتقاء. والواقع أنّ غياب معايير موضوعية وواضحة للانتقاء، يمثّل مشكلة حقيقية لمقاربة الانتقائية التحليلية؛ لأنّ عملية انتقاء عناصر
نظرية من نظريات عدّة يبقى خيارًا ذاتيًا، يختلف من باحث إلى آخر؛ فما يراه أحدهم انتقاءً مُنتِجًا، قد يراه آخر انتقاءً عقيمً. وحتّى في تلك الحالات التي يدّعي فيها أنصار الانتقائية التحليلية أنّ من شأن انطلاق التحليل من مشكلات محدّدة وملموسة أن يحدّد الآليات السببية التي سيتمّ انتقاؤها، فإنّه لا يزال عليهم الإجابة عن السؤال: "لماذا تُستخدم بعض النظريات أو المقاربات في التحليل البراغماتي الموجّه بالمشكلة، بينما تُستثنى أخرى" . يبدو أنّ الانتقائية التحليلية لا تقدّم إجابة قاطعة عن السؤال، ويعترف سيل وكاتزنشتاين بعدم مناقشتهما هذه المسألة . على الرغم من ذلك، حاول بعض العلماء المتحمّسين للانتقائية التحليلية الالتفاف عليها؛ فعلى سبيل المثال، يعترف تيم دان ومعاوناه بأنّ الانتقائية التحليلية (التعدّدية التكاملية كما يسمّونها) "قد تؤدّي أحيانًا إلى رفض بعض النظريات في نهاية المطاف"، إلّ أنّهم يعتقدون أنّ عملية إدراج النظريات أو استبعادها "هي مسألة لا يمكن حلّها بوساطة النقاش الميتاثيوري فحسب" . أثارت مشكلة غياب معايير الانتقاء سؤال: ما المسوّغات التي اعتمد عليها سيل وكاتزنشتاين لانتقاء النظريات الواقعية والليبرالية والبنائية دون سواها من نظريات العلاقات الدولية؟ ، على الرغم من اعتراف الكاتبيَن بوجود بردايمات أخرى (ذكرا الماركسية والمدرسة الإنكليزية كأمثلة)، فإنّهما يعتقدان أنّ التنافس على منزلة البردايم المهيمن محصور بين البردايمات الثلاثة المذكورة فقط . إذا سلّمنا بأنّ الانتقائية التحليلية هي مقاربة تهدف إلى فتح الحقل في وجه ما دعاه دان ومعاوناه التعدّدية التكاملية Pluralism Integrative، فإنّ اقتصارها على البردايمات الثلاثة لا يخدم الأهداف التي تنشدها تلك التعدّدية؛ بل على العكس تمامًا، هو يشير إلى إغلاقها الباب في وجه البردايمات الأخرى . يردّد الباحثون الانتقائيّون القول إنّه لا يوجد سبب منطقي يمنع الانتقائية التحليلية من دمج البردايمات الأخرى . لكن حتى إذا صدّقنا هذا القول، فإنّ متغيّ ات مثل المركز - المحيط (النيوماركسية) والجندر (النظرية النسوية) والانتهاك البيئي (النظرية الخضراء) ستحتلّ على الأرجح منزلة ثانوية، مقارنة بمتغيّ ات القوّة المادية والتفضيلات المؤسّساتية والبنى الفكرية. إنّ غياب معايير مضبوطة للانتقاء يضع الانتقائييّن أمام مشكلة "التحيّز التحليلي" الكلاسيكية: انتقاء العناصر النظرية (سواء أكانت متغيّ ات أم فروضًا أو آليات سببية) التي تؤيّد النظرية، وحذف تلك التي تدحضها أو تتجاهلها. والطريف في مشكلة "التحيّز التحليلي" أنّها تعرّض الانتقائية التحليلية للنقد نفسه الذي يوجّهه أنصارها إلى البردايمات: "تؤكّد نفسها من خلال دراسة ما تبرع به وتتجاهل المواضيع التي لا تتوافق مع توقّعاتها" . يواجه الانتقائيون تهمة أخرى متعلّقة بإساءة استخدام البراغماتية؛ فعلى سبيل المثال، يرى شيرنوف أنّ مفهوم البراغماتية في الانتقائية التحليلية يحتاج إلى أن يكون أكثر اكتمالً وصرامةً إذا أرادت هذه المقاربة زيادة فهمنا للقيمة العملية للبحث التجريبي . وأشارت جيسيكا بيت إلى أنّ الانتقائية التحليلية تتبنّى "براغماتية غير نقدية" تجعلها تَنزع نحو الشمولية، وتفضّ ل الإجماع على الاختلاف، وتهمل ديناميات السلطة . وقد انتقد جيرمي كورنوت استغلال سيل وكاتزنشتاين البراغماتية الموجّهة بالمشكلة من أجل الظهور بمظهر التعدديين، لكنّهما في اعتقاده خلقا في الوقت نفسه (بحصرهما مصادر الانتقاء في ثالوث البردايمات فحسب) حدودًا تخصّصية صارمة تُعيد إنتاج تحدّيات التيّار السائد غير الشرعي .
القضية الثانية مرتبطة بالأولى، لكنّها حول المنطق الاندماجي نفسه. يستخدم الانتقائيون التحليليّون مصطلحات مثل "الدمج" و"المزج" و"الخلط" للإشارة إلى طريقة بناء نظرياتهم ، لكنّهم لا يوضحون القاعدة النظرية التي تجري على أساسها هذه العمليات. يميل علماء العلاقات الدولية في معظم الأحيان إلى التعامل مع مثل هذه العمليات على أنّها "توليف" . لكن سيل وكاتزنشتاين يرفضان قاطعيًا اعتبارها "توليفًا نظريًا"، على الرغم من اعترافهما بأنّها يُشار إليها أحيانًا بهذا الاسم . وهما يزعمان أنّ التوليف يتطلّب شرطين لا يمكن توافرهما: أوّلهما أن تتجرّد النظريات محلّ التوليف من الفروض الأنطولوجية والإبستيمولوجية الخاصة بها، وثانيهما أن تتقارب حول مجموعة جديدة من الفروض الموجّهة لمعالجة قضايا ومشكلات محدّدة . يثير رفض الانتقائية التحليلية التوليف النظري مشكلات عدّة. أوّلها التلاعب بالمصطلحات؛ فالكاتبان لا يوضّ حان المغزى من استخدام كلمة "توليف" في مقابل كلمات مثل الدمج والجمع والمزج إذا كانت جميعها تصف العملية نفسها. وإنّه لمن الغريب أن يرفضا التوليف ويدعوا إلى الدمج؛ فَأ ن تؤلّف شيئين هو أن تدمج بينهما (تجمعهما وتمزجهما قاموس ميريام وبستر، فإنّ لكلمات توليف معًا.) وكما يُبيّ Synthesis ودمج Integrate وجمع Combine ومزج Blending جذورًا ومعانيَ مترادفة . المشكلة الثانية، أشار إليها فرانك هارفي وجويل كوب، ومفادها أنّ التعامل مع الانتقاء على مستوى عالٍ من التجريد، قد يحجب التعارض أو التنافر الموجود بين العناصر المدمجة. يحدث هذا عندما تؤدّي عملية دمج نظريات أو آليات سببية من بردايمات منوّعة إلى فرض تجانس مصطنع وزائف على فروض أو أفكار غير متجانسة. "إنّ المستوى العالي من التجريد لا يُخفي التنافر في العناصر المدمجة فحسب"، يقول الكاتبان: "بل يؤثّر سلبيًا في طريقة فهمنا الظواهر المعقّدة الملموسة على أرض الواقع" . ومن ناحية أخرى، لاحظ شيرنوف وآخرون أنّ الانتقائية التحليلية مذنبة بالتجريد الميتاثيوري أيضًا ، وأنّ طريقة دمج العوامل التفسيرية يمكن أن تؤدي إلى مشكلة عدم الاتّساق . اعترف سيل وكاتزنشتاين بهذه المعضلة، لكنّهما اختزلاها في مسألة اللامقايسة التي أشرنا إليها سابقًا . هناك مشكلات أخرى متعلّقة بالمنطق الاندماجي للانتقائية التحليلية، من بينها أنّ هذا المنطق متحيّز إلى التعاون على حساب المنافسة؛ فعلى سبيل المثال، أشار غرايك بارسونز إلى أنّ "المنعطف الانتقائي" Turn Eclectic يميل، على نحو غريب، إلى تجاهل عنصر المنافسة بين البردايمات ، وذكر بيت أنّ الانتقائيين يفضّ لون الإجماع على الاختلاف . تعاني الانتقائية التحليلية مشكلة التحديد المفرط أيضًا Overspecification. على سبيل المثال، لاحظ جوزيف غرايكو وجود توتّر بين التزامها بأنطولوجيا واسعة وشاملة من ناحية، وإبستيمولوجيا موجّهة نحو خصوصية السياق من ناحية أخرى. وفقًا لهذه الملاحظة، يتبنّى الباحث الانتقائي قصصًا سببية معقّدة لحدث معيّ، ويكون التحليل الناتج مصمّمً لملاءمة خصوصية ذلك الحدث، وهذا ما يجعله غير قادر على تفسير الأحداث الأخرى، وغير قابل للتعميم على حالات أو ظروف مشابهة . لذلك فإنّ مشكلة التحديد المفرط يمكن أن تضيّق نطاق تفسير الانتقائية التحليلية، وقد تجعلها غير مؤهّلة للإجابة عمّ سمّ ه روبرت كيوهان "الأسئلة الكبرى" التي تثيرها السياسة العالمية . المشكلة الثالثة هي مشكلة الهيمنة. يرى بعض النقّاد أنّ المنطق الاندماجي في الانتقائية التحليلية هو منطق "شمولي" وقد يُنتج سرديات جديدة للهيمنة الحقلية. على سبيل المثال، حذّر كورنوت من أنّ "انتقاء المقاربات النظرية يمكن أن يكون انتقاءً تعسّفيًا في
أحسن الأحوال، أو مشروع هيمنة وإقصائيًا واستيعابيًا في أسوئها" . والواقع أنّ لإعراب الباحثين عن مخاوفهم من الطابع الشمولي للانتقائية التحليلية ما يبرّره، فهي: 1) تُلغي المنافسة بين البردايمات كما ذكرنا سابقًا؛ 2) تعطي لنفسها الحقّ في تجاوز الحدود البردايمية والاشتغال في الحقل بأكمله؛ 3) لا تتأمّل في ذاتها فحسب (كما تفعل البردايمات)، بل تتأمّل في طبيعة الحقل وحدود اختصاصه أيضًا؛ 4) لا تسافر جيّدًا خارج سياقاتها الجغرافية، ولا تعالج مشكلة التمثيل والهيمنة/ المركزية الغربية . حاول سيل وكاتزنشتاين استباق هذه الانتقادات بالتحذير من أنّ التوليف قد يؤدّي إلى إنتاج ما سمّياه "مشاريع هيمنة فكرية" . لكنّهما لم يقدّما أيّ ضمانات بأن لا تتحوّل الانتقائية التحليلية إلى مشروع هيمني أو "دوكسا" Doxa جديدة في الحقل .
2. التنظير السببي متوسّ ط المدى
الأساس الثاني الذي تُبنى عليه الانتقائية التحليلية هو التنظير متوسّط المدى القائم على السببية. أشرنا في المقدّمة إلى أنّ الانتقائية التحليلية هي نزعة مناهضة للنظرية الكبرى من حيث إنّها لا تسعى لإنتاج نظريات عامّة أو كونية. وأشرنا أيضًا إلى أنّ الطريق نحو إنتاج نظريات متوسّطة المدى يكون من خلال التركيز على الآليات السببية. تعاني الانتقائية التحليلية هنا مشكلتين: تتعلّق الأولى بمجال النظرية Domain Theory، هل يتحدّد مجال النظرية الانتقائية، سواء أكانت كبرى أم متوسّطة، بالظواهر التي تتناولها بالضرورة (ظواهر عامّة أو خاصّة أو محدّدة)؟ أمّا المشكلة الثانية، فتتعلّق بالمقاربة البراغماتية المستخدمة في تفسير السببية. يستلهم سيل وكاتزنشتاين نظرية المدى المتوسّط من روبرت ميرتون. يعرّف ميرتون نظريات المدى المتوسّط بأنّها: "النظريات التي تقع بين الفروض الإجرائية الثانوية التي تنمو بكثرة خلال البحث اليومي، والجهود المنسّقة الشاملة لتطوير نظرية موحّدة تفرسّ جميع الاتّساق الملاحظ في السلوك الاجتماعي والتنظيم الاجتماعي والتغيّ الاجتماعي" . يثير هذا التعريف ملاحظتين: أولاهما أن عبارة "متوسّطة" تشير إلى أنّ هذا النوع من النظريات يحتلّ موقعًا وسطًا بين النظريات الكبرى، أو "النظريات العامّة للأنساق الطاعنة في التعميم والتجريد"، والنظريات الصغرى Meso-theories، أو تلك التي يصفها ميرتون بأنّها "أوصاف منّمقة مُغرقة في التفاصيل والحيثيات غير القابلة للتعميم" . وثانيتهما أنّ إشارة ميرتون إلى إمكان تطوير الفروض، من خلال مزاولة البحث اليومي، تعني أنّ "نظرية المدى المتوسّط"، كما كتب في جملة مشهورة، "تُستخدم في علم الاجتماع أساسًا لتوجيه التحقيق الإمبريقي [وهي] تتعامل مع سمات محدّدة من الظواهر الاجتماعية . يردّد علماء الانتقائية التحليلية التعريف نفسه تقريبًا، حيث يرون أنّ نظرياتهم "مخصّصة لتناول ظواهر إمبريقية محدّدة ونتائجها غير قابلة للتعميم على ظواهر عالمية أخرى" . لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: هل هذا هو المعيار الذي يحدّد نظرية المدى المتوسّط؟ هل اختصاص النظرية يتحدّد بمجال الظواهر التي تتناولها؟ لقد أثبتت الانتقادات المبكرة التي وُجّهت إلى ميرتون عُقم هذه المقاربة. وربّ ا كان علماء الاقتصاد أوّل من تجاوز مسألة اختزال النظرية في مجالها عبر تعريف النظرية الاقتصادية الجزئية بأنّها الطريقة التي تُبنى بها النظرية، وليس مجال الظواهر المتّصلة بها . هذا الموقف الإبستيمولوجي مهم، وسنعود إليه أدناه. تبدو النزعة الميرتونية أكثر وضوحًا عند الانتقائييّن في ادّعائهم أنّ التنظير متوسّط المدى كان، ولا يزال، منتجًا ومثمرًا في حقل العلاقات الدولية، وأنّه شرط تطوّره وتقدّمه العلمي في المستقبل. على سبيل المثال، أشار سيل وكاتزنشتاين في مواقع عدّة في كتابهما إلى أنّ نظرية المدى المتوسّط تشكّل أساسًا لمقاربة أكثر تقدّمية وانتقائية للعلاقات الدولية ، ووصفها لايك، بكلمات مشابهة، بأنّها "يمكن أن تشكّل الأساس لتقدّم حقل العلاقات الدولية الذي لم تقدّمه البردايمات قط" . تعيد مثل هذه الاقتباسات إلى الأذهان مقولة ميرتون المثيرة للجدل بأنّ "علم الاجتماع سيُكتب له التقدّم ما دام انشغاله الرئيس
(لكن ليس الخاصّ) هو تطوير نظريات متوسّطة المدى، وسيتخلّف إذا تمحور انتباهه الأساسي على الأنظمة الاجتماعية الكلّية" . يصوغ أنصار الانتقائية التحليلية ادّعاءً مشابهًا في حقل العلاقات الدولية، لكنّهم لا يقدّمون أيّ أدلّة تدعمه، سواء أكانت إمبريقية أم منطقية، باستثناء الاستناد إلى قراءة تاريخية متحيّزة وانتقائية لتراث النظرية الاجتماعية. هناك مسألة أخرى مهمة مرتبطة بالتنظير متوسّط المدى، وهي التنظير السببي (المستند إلى الآليات السببية.) يعتقد الانتقائيون أنّ "النظريات القائمة على الآلية" Theories Mechanism-based تؤدّي على نحوٍ أفضل من النظريات الكبرى في اقتفاء الأسباب الكامنة وراء الظواهر. وبما أنّ مسألة تحديد الآلية السببية تخضع للخلفية الإبستيمولوجية التي ينطلق منها الكاتب، فإنّ أغلب الانتقائيين يتبنّون تعريف الواقعية العلمية للآلية السببية، وذلك باعتبارها كيانات غير قابلة للملاحظة، تولّد آثارًا (نتائج) قابلة للملاحظة . لكن الأمر المثير للجدل في التنظير السببي لدى الانتقائييّن هو تبنّي التعدّدية السببية (التي تحلّ محلّ الأحادية السببية في النظرية الكبرى) من دون حلّ مشكلة "النهاية المتكافئة" Equifinality، التي تعني وجود أسباب متعدّدة تؤدّي إلى نتيجة واحدة . إنّ استهداف التعدّد غايةً في ذاته (وليس تكتيكًا نظريًا) قد يجعل الآليات السببية المتعدّدة غير قادرة على تحديد السبب الأهم والأكثر إسهامًا في إنتاج النتيجة. يعي الانتقائيون أبعاد هذه المشكلة جيّدًا، لكنهم يفضّ لون تجاهلها. لكن تجاهلهم مشكلة النهاية المتكافئة يولّد لهم مشكلة أخرى هي "مشكلة الصندوق الأسود." تشير هذه المشكلة، الشائعة في البحوث السببية التي لا تستخدم النظرية الكبرى، إلى صعوبة تفسير تأثير متغيّ سببي معيّ في متغيّ نتيجة معيّ. بناءً على هذه المشكلة، يواجه الباحثون الانتقائيون صعوبة في تحديد العلاقة بين السبب والنتيجة، والتأكّد إذا ما كان ارتباط معيّ يعكس سببًا حقيقيًا أو هو ارتباط زائف ناتج من متغيّ سابق غير معروف . تحافظ الانتقائية التحليلية على الصندوق الأسود مغلقًا بسبب صعوبة تحديد المتغيّ ات المستقلّة الناتجة من تعدّد الآليات السببية.
ثانيًا: عسل جديد وجرّة قديمة
هناك ثلاثة أسباب، نعرضها في هذا المبحث، تجعل احتفاء بعض العلماء بوصول الانتقائية التحليلية إلى الحقل وحلولها محل النظريات الكبرى أمرًا مبالغًا فيه: أوّلها أنّ البحوث الانتقائية كانت سمة ملازمة لحقل العلاقات الدولية منذ سنواته الأولى؛ وثانيها أنّ ادّعاءات أفول النظرية الكبرى ليست ظاهرة جديدة؛ وثالثها أنّ المنهجية الانتقائية كانت تكتيكًا نظريًا استخدمه منظّرو النظريات الكبرى أيضًا. باختصار، الانتقائية التحليلية ليست شيئًا جديدًا . كان الباحثون الانتقائيون موجودين في حقل العلاقات الدولية منذ زمن بعيد. كان الحقل مأهولً بعدد كبير من العلماء الذين لم تُصنّف أعمالهم ضمن أيّ نظرية بعينها؛ مثل كوينسي رايت وإدوارد غوليك وجورج شوارزنبرغر وديفيد سينغر وكلوس كنور وهندريك ومارغريت سبراوت وتشارلز أوزغود ونازلي شكري وروبرت تاكر، من بين آخرين. هذا معناه أنّ "النظرية الانتقائية ليست جديدة" كما يعترف أحد أنصارها المعاصرين . وهناك العديد من الأدلة التي تثبت ذلك؛ فعلى سبيل المثال، قبل نصف قرن تقريبًا، وجد أولي هولستي في المسح الحقلي الذي قام به الكثير من النظريات الانتقائية: "كان الاتّجاه الأهم في الحقل"، يقول هولستي: "هو زيادة التركيز على البحث في مناطق ومشكلات وعمليات منتقاة" . نَسَب هولستي إلى البحوث الانتقائية في ستينيات القرن العشرين الخصائص والسمات نفسها التي يتكلّم عنها الانتقائيون المعاصرون، وقد كتب في وصف تلك الحقبة: "اقترحت الأعمال الإمبريقية في العقد الأخير وظائف للنظرية مختلفة جدًّا عن الوظائف التي اقترحها مورغانثو وورثته. كان الانشغال الرئيس للمنظّرين في أثناء العقد الماضي هو استكشاف مشكلات معيّنة، وصوغ فروض أو تعميمات تفرسّ عددًا محدودًا من الظواهر، والحصول على بيانات لاختبار تلك الفروض" . إنّ التشكيك في النظرية الكبرى وادّعاء أفولها ليست أشياء جديدة أيضًا . ذكرنا في مقدّمة الدراسة أنّه كانت هناك فئةٌ من العلماء تعارض أو تُشكّك في إمكان بناء هذا النوع من النظرية. ضمّت هذه
الفئة العديد من علماء الواقعية، ويروق خصومها (ربّ ا الانتقائيين أيضًا) تذكير أنصارها بمناهضة إدوارد كار للعقلانية العلمية، وشكوك هانز مورغانثو الدائمة تجاه النظرية العلمية وإمكان بنائها . وقد أشار ريمون آرون، وهو واقعي محافظ أيضًا، إلى مجموعة منوّعة من المشكلات في حقل العلاقات الدولية التي تُعيق بناء نظرية كبرى للسياسة الدولية . واقترح كوينسي رايت ستّة شروط لبناء النظرية الكبرى، استنتج من خلالها أنّه لا يمكن أيّ نظرية استيفاؤها جميعًا بأيّ حال من الأحوال . وكان موقف كابلان الأشدّ تطرّفًا حين رأى أنّ من الحكمة أن يفقد الباحثون الأمل في بناء نظرية علمية للسياسة الدولية . كما وصف هولستي جهود العلماء لبناء نظريات كبرى في العلاقات الدولية باليوتوبيا .
كان الجيل الثاني من العلماء أشدّ تطرفًا في رفض، ليس النظرية الكبرى فحسب، بل مشروع النظرية العلمية بأكمله. على سبيل المثال، جادل دونالد بوشالا في مقالته "ويلٌ لأيتام الثورة العلمية" بعدم وجود نظرية للعلاقات الدولية ، وأعلن جون لويس غاديس فشل مشروع التنظير في العلاقات الدولية كليًّا . واتّفق أنصار المدرستين النقدية، وما بعد الحداثة في العلاقات الدولية، على رفض النظرية والنزعة العلمية باعتبارهما أيديولوجيا. قصارى القول: لم يسبق أن كان هناك عصر ذهبي للنظرية الكبرى (أو النظرية بعامة)، ولا يُتوقّع أن يأتي هذا العصر يومًا ما في المستقبل. كان هذا المشروع محاطًا دائمًا بخليط من الإنجازات والإخفاقات، والفرص والتحدّيات. إنّ المقاربة الانتقائية ليست حكرًا على منظّري المدى المتوسّط فحسب، بل استعان بها أيضًا المشتغلون على النظريات الكبرى. واستخدمت الواقعية والنيوليبرالية المؤسساتية فروضًا ومتغيّ ات وآليات سببية منتقاة من نظريات أخرى، ولا سيمّا في حقليهما الفرعييّن: الدراسات الأمنية والمنظمّات الدولية (إضافة إلى برنامج بحث السلام الديمقراطي.) على سبيل المثال، قام علماء الواقعية، مثل ستيفن والت وجاك سنايدر وستيفن فان افييرا وباري بوزن ومعاونيه بانتقاء متغيّ النيّات من النظريات الإدراكية لتفسير تشكّل التحالفات والإمبريالية والحرب والبنى الدولية . حتّى نقّاد الواقعية يعترفون باستعانة الواقعييّن بالمتغيّ ات غير الواقعية؛ فعلى سبيل المثال، اتّهم ريتشارد آشلي الواقعييّن البنيوييّن بانتقاء الحجج والأدلة التي تناسب أغراضهم . وانتقد أندرو مورافسيك وجيفري ليغرو وجون فاسكيز انتقاء الواقعييّن عددًا لا بأس به من المتغيّ ات والآليات السببية من النظريتين النيوليبرالية والبنائية . تحرّكت النزعة الانتقائية في الاتّجاه المعاكس أيضًا. وانتقى روبرت كيوهان متغيّ ات نظرية الاستقرار الهيمني من الواقعية لتفسير الترتيبات التعاونية بعد الحرب . وانتقت مارثا فينيمور وكاثرين سيكينك
متغيّ ات عقلانية لتفسير تطوّر المعايير الدولية لحقوق الإنسان . كان انتقاء الأفكار الخلّ قة والمبدعة من النظريات الأخرى أمرًا عاديًا وسليمً في الحقل، ولم يجد العلماء (بمن فيهم أنصار النظريات الكبرى) أيّ حرج في اقتناء متغيّ ات وآليات سببية من نظريات أخرى لتفسير الظواهر التي يدرسونها .
ثًالث ا: الفهم الخاطئ للنظرية الكبرى
يجب الاعتراف بأنّ بعض الانتقادات التي وجّهها أنصار الانتقائية التحليلية إلى النظرية الكبرى جديرٌ بالاهتمام؛ فعلى سبيل المثال، انقسام هذه الانتقادات الداخلي إلى فروع متنافسة، واتّساع نطاقها التحليلي، وغموض مرجعياتها الإبستيمولوجية والأنطولوجية، وادّعاؤها الملكية الحصرية على متغيّ اتها، وانخفاض صلتها السياسية Relevance Political، هي مسائل يمكن قبولها ومناقشتها باعتبارها مشكلات لهذه النظرية . هذه المشكلات ليست حكرًا على حقل العلاقات الدولية، وقد أشار إليها العديد من علماء السياسة والاجتماع منذ زمن بعيد . على الرغم من ذلك، فإنّ جزءًا كبيرًا من الانتقادات الموجّهة إلى النظرية الكبرى في حقل العلاقات الدولية ناتج من سوء فهم ماهيتها ومجالها. النظرية الكبرى ليست النظرية التي تتناول كلّ شيء، أو التي تسعى لتفسير الظواهر الدولية الكلّية. إنّ مجال الظواهر التي تتناولها النظرية لا يحدِّد إذا ما كانت كبرى أم متوسّطة. فما يجعل النظرية كبرى أو متوسّطة هو طريقة بنائها. لتوضيح هذه الفكرة ينبغي لنا أوّلً تعريف النظرية ووظيفتها بدقّة. يقول عالم الاجتماع أبراهام كابلان إنّ "النظرية هي نظام القوانين" . تتكوّن النظرية من قوانين، ووظيفتها هي تفسير تلك القوانين (القانون هو الارتباط المثبت بين متغيّ ين أو ظاهرتين.) على سبيل المثال، نظرية آينشتاين النسبية تفرسّ قانون نيوتن للجاذبية الأرضية، ونظريات أرسطو وغاليليو ونيوتن (بتبايناتها العديدة) تفرسّ قانون الحركة (الارتباط بين قوّة دفع الجسم وحركته.) أمّا في العلاقات الدولية، فثمّة نظريات عدة تُفرسّ مجموعة من قوانين السياسة الدولية. لدينا مثال بارز في هذا الشأن للتوضيح. كانت نظرية توازن القوى عنصرًا أساسيًا في أعمال مورتن كابلان ومورغانثو ووالتز، حيث اتّفق هؤلاء الثلاثة على "القانون" الذي تستند إليه النظرية، والذي يفيد بأنّ "الدول تميل دائمًا إلى الاصطفاف مع الدولة الأضعف ضدّ الدولة الأقوى في النظام الدولي." يعمل قانون توازن القوى كالآتي: "إذا" ظهرت دولة تفُوق قوتها جميع الدول المنافسة لها، وكانت تسعى للهيمنة عليهم، "فإنّ" الدول الأخرى الأقل قوّة منها ستشكّل تحالفًا موازنًا لاحتوائها. لكن على الرغم من اتّفاق كابلان ومورغانثو ووالتز على أنّ الأسباب نفسها (ظهور الدولة الساعية للهيمنة) تؤدّي إلى النتائج نفسها (تشكل التوازنات)، فإنهم اختلفوا في تفسيراتهم لهذا القانون؛ ما أسفر عن ثلاث نظريات مختلفة لتوازن القوى. لدينا اليوم نظريات عدّة منوّعة لتوازن القوى تختلف في تفسيراتها للقانون، مثل ميزان التهديد وميزان المصالح والمسايرة وغيرها . إنّ النظرية الكبرى هي النظرية التي تفرسّ الكثير من القوانين، وليس الكثير من الظواهر. وفقًا لهذا التعريف، فإنّ الواقعية هي نظرية كبرى لأنّها تفرسّ العديد من قوانين السياسة الدولية، مثل قانون توازن القوى وقانون الاصطفاف (التحالف) وقانون المساومة وقانون الردع وقانون سباق التسلّح، وغير ذلك. وفقًا لهذا التعريف أيضًا، فإنّ الواقعية لا تستطيع تفسير قانون الاندماج الإقليمي والتعلّم الوظيفي والتعاون الدولي والفشل المؤسّساتي، وسواها من قوانين النيوليبرالية المؤسساتية، وهو ما يُثبت أنّها ليست نظرية كلّ شيء وفق التعريف الاختزالي للنظرية الكبرى الذي تتبنّاه الانتقائية التحليلية. يُجنّبنا تعريف النظرية بوظيفتها (تفسير القوانين) الوقوع في خطأ اختزال النظرية في مجال الظواهر التي تدرسها، وهو يحدّد مجالها وحدودها بطريقة بنائها. يساعد هذا التعريف الباحثين على إدراك الفرق الموجود بين القوانين والنظريات؛ حيث يمكن الحصول على الأولى بوساطة الاكتشاف، والثانية بوساطة البناء . إنّ تعريف
النظرية الكبرى بهذه الطريقة يعني أنّ النظريات الكبرى في حقل العلاقات الدولية قليلة جدًّا (ينظر الجدول)، وهي تشمل النظريات التي تفرسّ مجموعة منوّعة من القوانين فحسب. ومن ناحية أخرى، فإنّ تعريف النظرية باعتبارها نظامًا للقوانين، يميّزها بوضوح من البردايم والبرنامج البحثي والتقليد البحثي، ويجعلها أكثر تماسكًا ووضوحًا، مقارنة بالمرونة التعريفية التي تتّسم بها الأطر المذكورة. إنّ التحديد الدقيق يجنّب الباحثين أخطاء التصنيف الشائعة المستندة إلى تلك الأطر الميتاثيورية؛ مثل تلك التي قادت شيبين تانغ، على سبيل المثال، إلى القول، استنادًا إلى معايير لاكاتوش الخاصّة بالبرامج البحثية، إنّ النظريات الكبرى الوحيدة في الحقل هي الواقعية الهجومية، والواقعية الدفاعية، والنيوليبرالية ! يُبيّ الجدول أنّ تعريف النظرية، باعتبارها نظامًا للقوانين، يمنحنا تصنيفًا مغايرًا وأقرب إلى التصنيف الشائع للمدارس الكبرى في نظرية العلاقات الدولية. جدول يعرض النظريات الكبرى في العلاقات الدولية
الواقعية الوظيفية النيوليبرالية النيوماركسية النظام الرأسمالي العالمي انتقال القوة البنائية الاجتماعية النظرية الإنكليزية ما بعد-الكولونيالية نظرية الخيار العقلاني
إنّ تعريف أنصار الانتقائية التحليلية للنظرية الكبرى، بأنّها النظرية التي تسعى لتفسير كلّ شيء، هو تعريف مُضلّل، وتدحضه الممارسة البحثية في الحقل. على سبيل المثال، اعترف والتز، وهو مصمّم إحدى النظريات الكبرى المؤثّرة في الحقل، بأنّ نظريته المدعوة بالواقعية البنيوية Realism Structural هي نظرية للسياسة الدولية، وليست نظرية للسياسة الخارجية . وقد اشتهر والتز بانتقاده الشديد لتعريف النظرية الكبرى بمجالها التفسيري، وهو الذي أشار مرارًا وتكرارًا إلى أنّ "نقّاد النظرية النيوواقعية لا يفهمون أنّ النظرية ليست صورة عن كلّ شيء مهم في الحياة السياسية الدولية، إنّ ا هي بناء تفسير محدود بالضرورة" . وقد انتقد راندل شويللر، أحد روّاد الواقعية النيوكلاسيكية، فكرة النظرية الكبرى التوحيدية للعلاقات الدولية، ووصفها بالطوباوية والمستحيلة؛ "فمن ذا الذي يستطيع"، بحسب قوله، "تخيّل وجود نظرية تفرسّ جذور الحروب والأزمات وتسوياتها، إضافة إلى قضايا التجارة الدولية والمالية؟ والتي يمكن أن تفرسّ التحالف النازي - السوفياتي في عام 1939، فضلً عن إصلاح سياسة المجموعة الأوروبية الزراعية؟" .
رابعًا: لماذا لا نستغني عن النظرية الكبرى؟
لا شكّ في أنّ والتز وشويللر وغيرهما من العلماء محقّون في القول إنّه لا توجد نظرية كبرى تستطيع التعامل مع جميع المشكلات الدولية، ويمكن الاتّفاق أيضًا مع الانتقائييّ على أنّ نظريات المدى المتوسّط ضرورية لتسليط الضوء على تفاصيل بعض القضايا والظواهر المحدّدة. لكن من المنطقي القول أيضًا إنّ البحث العلمي لا يمكن أن ينحصر في القضايا الجزئية، ويترك القضايا العامّة موضع إهمال. نحتاج إلى نظريات تستطيع أن تمدّنا بالصورة الكلّية للأشياء، ما أمكنها ذلك. والواقع أنّ هناك خمسة أسباب تجعل النظرية الكبرى لا غنى عنها في حقل العلاقات الدولية: تتناول النظرية الكبرى الظواهر الدولية العامّة — وليس بالضرورة مج لً واسعًا من الظواهر. وعلى الرغم من أنّ هذا النوع من النظرية لا يفرسّ كلّ شيء، فإنّه يساعدنا على طرح "الأسئلة الكبرى"، ويمنحنا القدرة على النظر إلى الظواهر من المنظور الكلّ ني Perspective Holistic وتفسير ما دعاه والتز "الأنماط
الكبرى والمهمة والدائمة" . لهذه الأسباب يفضّ ل بعض العلماء تسمية النظرية الكبرى النظرية العامّة Theory General. النظرية الكبرى هي نظرية استنباطية . قد يكون من البدهي القول إنّ حقل العلاقات الدولية (أو أيّ حقل دراسي آخر) لن يكون حقلً دراسيًا سليمً، إذا أصبح الاستقراء هو المنهج الوحيد لبناء النظرية. وهناك رأي مقبول على نطاق واسع في فلسفة العلوم الاجتماعية، يرى أنّ النظرية الكبرى أكثر نجاعة في توليد الفروض واشتقاقها، بينما نظرية المدى المتوسّط أكثر فائدة في اختبارها . وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الاستنباط والاستقراء منهجان متساندان لخلق المعرفة واختبارها، وطغيان أحدهما على الآخر في أيّ حقل دراسي لن يكون مفيدًا لتطوّره المعرفي. لا شكّ في أنّ وليام والاس محقّ في القول إنّ "من الصعب إجراء نقاش بردايمي من دون توافر دراسات إمبريقية لاختبار بردايم ضدّ آخر" . لكن من الصعب أيضًا إنتاج دراسات إمبريقية من دون توافر بردايمات تكون موضع اختبار. إنّ إعلان أنصار الانتقائية التحليلية عن نهاية النظرية الكبرى هو بمنزلة الإعلان عن نهاية المنهج الاستنباطي في حقل العلاقات الدولية، وانحصاره (أي الحقل) في اختبار النظريات فحسب . النظرية الكبرى هي شرط أساسي لوجود الانتقائية التحليلية والنظرية متوسّطة المدى بعامة. لن تستطيع النظرية متوسّطة المدى التطوّر والنجاح في غياب النظرية الكبرى؛ فهذه الأخيرة هي المصنع الذي يمدّها بالمواد الأوّلية (الفروض والمتغيّ ات) اللازمة لاشتغالها. على سبيل المثال، نظريات متوسّطة المدى مثل المنفعة المتوقّعة، وتكاليف Expected Utility Theory الجمهور Audience Costs، ومساومة الأزمة Crisis Bargaining، ولعبة المستويين Game Two-level، لا يمكنها العمل من دون الفروض المشتقة من نظرية الخيار العقلاني. هناك تفسير آخر لهذه التبعية النظرية. يمكن أن نلاحظ أنّ أيّ نظرية متوسّطة المدى يمكن أن تتوصّل إلى نتائج إمبريقية متباينة (أو ربّ ا متناقضة) بسبب اختلاف النظريات الكبرى التي اشتُقّت منها فروضها الإمبريقية. وعلى سبيل المثال فإنّ نظرية الحرب الاستباقية Preemptive War ستقدّم تفسيرات متباينة تبعًا لما إذا كانت فروضها مشتقّة من نظرية "انتقال القوة" أم نظرية "حرب الهيمنة" أم نظرية "تفاضلات القوة ". إنّ النظرية الكبرى ضرورية في جميع هذه الحالات لعمل النظرية متوسّطة المدى وتأدية اختباراتها الإمبريقية. النظريات الكبرى لديها فائدة عالية في مجال التعليم الأكاديمي للعلاقات الدولية. لا تخلو مقرّرات التدريس من النظريات الكبرى، وهي فصل ضروري في جميع المناهج الدراسية. يرى بعض الباحثين أنّ تلقين الطلاب الجدد النظريات الكبرى ونقاشاتها هو أفضل مدخل يُ كّنهم من فهم العلاقات الدولية علمً وممارسة، ويجادل آخرون بأنّ النقاشات البردايمية أثبتت نجاعتها في مجال التدريس. على سبيل المثال، يعترف بينيت بأنّ "تأطير الحقل حول المدارس النظرية ثبت أنّه اختصار مفيد للتدريس في الفصول الدراسية" . ويرى أولي ويفر أنّ النقاشات البردايمية اخُتُ عت أساسًا بغرض التدريس والتأمّل الذاتي النقدي . وهناك من ذهب إلى حدّ اعتبار أنّ "الحروب البردايمية" كانت "قيّمة وتقدّمية" وسهّلت التطوّر النظري في الحقل . لقد كان اختبار النظريات الكبرى بعضها ضدّ بعض من ناحية، وضد العالم الواقعي من ناحية أخرى، منهجيةً مثمرةً في قيادة البحث في العلاقات الدولية منذ عقود طويلة، ولا يزال يراه أساتذة الحقل وسيلةً ناجعةً في تنشئة أجيال من الباحثين المتمرّسين وإعدادهم. هذا القول لا يعني أنّ نظريات المدى المتوسّط لا تناسب (أو تحقّق) الأهداف التعليمية، إنّ ا معناه أنّ النظريات الكبرى قد تكون مناسبة جدًّا لإنجاز تلك الأهداف، لأنّها تعرض الطابع الجدالي الذي يُ يّز النقاش في شأن المسائل الكلّية في السياسة الدولية.
النظرية الكبرى دليل عملي لصنع القرار. فهي تقدّم توجيهًا إلى رجال الدولة بشأن القضايا والفرص والتحدّيات التي يواجهونها وكيفية التعامل معها. يميل المستشارون والمخطّطون الاستراتيجيون إلى الإصغاء إلى ما تقوله النظريات الكبرى عن التفاعلات الدولية والفاعلين والديناميات، وعن البيانات والمواقف التي يجب أخذها في الحسبان في أثناء اتّخاذ القرار، أو في مرحلة تخطيط السياسات وتنفيذها. تختلف قرارات رجال الدولة وسياساتهم باختلاف العدسة النظرية التي ينظرون من خلالها إلى المشكلات والحلول؛ فصانع القرار الذي ينظر إلى العالم، باعتباره مكانًا أناركيًا تسعى فيه الدول للبقاء أو الهيمنة، سيسعى جاهدًا لتأمين نفسه واتّباع سياسات العون الذاتي (التسلّح وإبرام التحالفات.) أمّا رجل الدولة الذي ينظر إلى العالم، باعتباره شبكة دولية من الاعتمادية المتبادلة، فسيسعى لتعزيز التعاون العالمي المؤسّساتي والتعدّدية الدولية . إضافة إلى ما سبق، فإنّ لدى النظريات الكبرى جذورًا عميقةً في التقاليد الفلسفية الكبرى ، حيث تعكس تلك الفلسفات طرائق معيّنة لتفسير العالم، مشبعة بالتاريخ والتفضيلات السياسية. لهذا السبب يرى بعض الباحثين أنّ قوّة النظرية الكبرى تكمن في اشتغالها كأيديولوجيا أو عقيدة، أو نسق معياري لوصف ما يجب أن تكون عليه الأشياء . في مقابل ذلك، تُنتقد الانتقائية التحليلية بأنّها غير مجهّزة للتعامل مع التفكير المعياري، ومن ثمّ هي غير قادرة على إنتاج معرفة ذات صلة بالممارسة السياسية كما تدّعي .
خاتمة
النظرية الكبرى بعيدة عن الأفول لحسن الحظ ، ولا يزال الانتقائيون التحليليون نادرين في الحقل . كان الهدف الأساسي لهذه الدراسة هو تفنيد ادّعاءات الانتقائية التحليلية في شأن أفول النظرية الكبرى في العلاقات الدولية، وقد أثبتت المباحث السابقة أربعة أشياء: أولً، أنّ المنطق الانتقائي - الاندماجي الذي تُبنى عليه الانتقائية التحليلية غير منسجم ويشوبه الكثير من التناقضات؛ ثانيًا، أنّ التنظير السببي متوسّط المدى مستند إلى فهم خاطئ لماهية النظرية الكبرى ووظيفتها؛ ثالثًا، أنّ النزعة الانتقائية ليست شيئًا جديدًا في حقل العلاقات الدولية؛ رابعًا، أنّ انحسار النظرية الكبرى لا يعني بالضرورة أفولها. قد تكون الحروب البردايمية قد انتهت، لكن البردايمات في حدّ ذاتها لم تنته . على الرغم من هذه النتائج، فإنّ الدراسة لا تدّعي تفوّق نمط معيّ من التنظير على آخر. فالنظرية الكبرى ومتوسّطة المدى ضروريتان لتغطية النطاق الواسع للظواهر الدولية، ولا بدّ من أن تسيرا يدًا بيد نحو مقاربة تكاملية لتفسيرهما. لا يمكن الجزم بما هو الشكل الذي ستأخذه هذه المقاربة، لكن الأكيد أنّها لن تكون شمولية - هيمنية ولا تعدّدية - فوضوية. لكن في الوقت نفسه يجب ألّ نبالغ في آمالنا وتطلّعاتنا نحو نظرية موحّدة للنظريات الكبرى والمتوسّطة. الاختصاص المجالي وتقسيم العمل النظري أمران صحّيان لأي حقل دراسي، ويجب ألّ نقلق من انصهار الحدود بين المجالات النظرية وانتشار الاعتمادية إذا كان التعاون النظري هو القاعدة بدلً من التنافس.
References المراجع
العربية
حمشي، محمد. "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية." سياسات عربية. مج 5، العدد 28 (أيلول/ سبتمبر.)2017 _______. مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 دان، تيم، وميليا كوركي وستيف سميث. نظرية العلاقات الدولية: التخصص والتنوّع. ترجمة ديما الخضرا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 قوجيلي، سيد أحمد. الصراع على تفسير الحرب والسلم: دراسات في منطق التحقيق العلمي في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019
الأجنبية
Acharya, Amitave & Barry Buzan (eds.). Non- Western International Relations Theory. London: Routledge, 2010. Aron, Raymond. "Qu'est-ce qu'une théorie des relations internationales?" Revue française de science politique. vol. 17, no. 5 (1967). _______. Paix et guerre entre les nations. Paris: Calmann-Levy, 1962. Ashley, Richard K. "The Poverty of Neorealism." International Organization. vol. 38, no. 2 (1984). Banks, Michael. "General Theory in International Relations: New Directions." Millennium: Journal of International Studies. vol. 8, no. 3 (1979). Bennett, Andrew. "The Mother of All Isms: Causal Mechanisms and Structured Pluralism in International Relations Theory." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Berenskötter, Felix. "Deep Theorizing in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 24, no. 4 (2018). Naturalism: of Possibility The Roy. Bhaskar, A Philosophical Critique of the Contemporary Human Sciences. Brighton: Harvester Press, 1979. Brown, Chris. "The Poverty of Grand Theory." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013). Burns, Arthur Lee. "Prospects for a General Theory of International Relations." World Politics. vol. 14, no. 1 (1961). Burton, John W. International Relations: A General Theory. Cambridge: Cambridge University Press, 1965. Buzan, Barry, Charles Jones & Richard Little. The Logic of Anarchy: Neorealism to Structural Realism. New York: Columbia University Press,1993. Carlsnaes, Walter, Thomas Risse & Beth A. Simmons (eds.). Handbook of International Relations. London: SAGE, 2012. Carr, Edward H. The Twenty Years' Crisis, 1919-1939: An Introduction to the Study of International Relations. 2 nd ed. London: Macmillan, 1946. Chernoff, Fred, Jérémie Cornut & Patrick James. "Analytic Eclecticism and International Relations: Promises and Pitfalls." International Journal. vol. 75, no. 3 (2020). Chernoff, Fred. "Pragmatism, Pluralism, and Eclecticism: Sil and Katzenstein's 'Analytic eclecticism' in Beyond Paradigms." International Journal. vol. 75, no. 3 (2020). Christensen, Thomas J. & Jack Snyder. "Chain Gangs and Passed Bucks: Predicting Alliance Patterns in Multipolarity." International Organization. vol. 44, no. 2 (Spring 1990).
Copeland, Dale C. The Origins of Major War. Ithaca: Cornell University Press, 2000. Cornut, Jérémie. "Analytic Eclecticism in Practice: A Method for Combining International Relations Theories." International Studies Perspectives. vol. 16 (2015). Cox, Robert W. "Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory." Millennium: Journal of International Studies. vol. 10, no. 2 (1981). Deutsch, Karl W. The Nerves of Government: Models of Political Communication and Control. New York: Free Pr., 1963. Dunne, Tim, Lene Hansen & Colin Wight. "The End of International Relations Theory?" European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013). Evera, Stephen Van. Causes of War: Power and the Roots of Conflict. Ithaca: Cornell University Press, 1999. Ferguson, Yale H. "Diversity in IR Theory: Pluralism as an Opportunity for Understanding Global Politics." International Studies Perspectives. vol. 16, no. 1 (2015). Finnemore, Martha & Kathryn Sikkink. "International Norms Dynamics and Political Change." International Organization. vol. 52 (1998). Fox, Wiliam T.R. (ed.). Theoretical Aspects of International Relations. Notre Dame: University of Notre Dame Press,1959. Gaddis, John Lewis. "International Relations Theory and the End of the Cold War." International Security. vol. 17, no. 3 (1992/ 1993). Gilpin, Robert. War and Change in World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1981. Grieco, Joseph M. "The Schools of Thought Problem in International Relations." International Studies Review. vol. 21, no. 3 (2019). Guzzini, Stefano. "The Ends of International Relations Theory: Stages of Reflexivity and Modes of Theorizing." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Harvey, Frank & Joel Cobb. "Multiple Dialogues, Layered Syntheses, and the Limits of Expansive Cumulation." International Studies Review. vol. 5, no. 1 (2003). Hellmann, Gunther (ed.). "The Forum: Are Dialogue and Synthesis Possible in International Relations?" International Studies Review. vol. 5, no. 1 (2003). Hoffmann, Stanley H. "International Relations: The Long Road to Theory." World Politics. vol. 11, no. 3 (1959). Holsti, K. J. "Retreat from Utopia: International Relations Theory, 1945-70." Canadian Journal of Political Science. vol. 4, no. 2 (June 1971). Jackson, Patrick Thaddeus & Daniel H. Nexon. "International Theory in a Post-paradigmatic Era: From Substantive Wagers to Scientific Ontologies." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Jedlicka, Petr. "Against Grand Theories: A (Cautionary) Tale of Two Disciplines." Theory of Sciences. vol. 42, no. 2 (2020). Kaplan, Abraham. The Conduct of Inquiry: Methodology for Behavioral Science. New Brunswick: Transaction Publishers, 1998 [1964]. Kaplan, Morton A. "Problems of Theory Building and Theory Confirmation in International Politics." World Politics. vol. 14, no. 1 (1961). ________. System and Process in International Politics. Colchester: John Wiley and sons, INC, 1957.
Keohane, Robert O. After Hegemony: Cooperation and Discord in The World Political Economy. Princeton: Princeton University Press, 1984. King, Gary, Robert O. Keohane & Sidney Verba. Designing Social Inquiry: Scientific Inference in Qualitiative Research. Princeton: Princeton University Press, 1994. Lake, David A. "Theory is Dead, Long Live Theory: The End of the Great Debates and the Rise of Eclecticism in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). _______. "Why 'isms' Are Evil: Theory, Epistemology, and Academic Sects as Impediments to Understanding and Progress." International Studies Quarterly. vol. 55, no. 2 (June 2011). Laudan, Larry. Progress, and Its Problems: Towards a Theory of Scientific Growth. Berkeley: University of California Press, 1978. Legro, Jeffrey W. & Andrew Moravcsik. "Is Anybody Still a Realist?" International Security. vol. 24, no. 2 (1999). Lepgold, Joseph & Miroslav Nincic. Beyond the Ivory Tower: International Relations Theory and the Issue of Policy Relevance. New York: Columbia University Press, 2001. Levine, Daniel J. & Alexander D. Barder. "The Closing of the American Mind: 'American School' International Relations and the State of Grand Theory." European Journal of International Relations. vol. 20, no. 4 (2014). Mahoney, James. "Revisiting General Theory in Historical Sociology." Social Forces. vol. 83, no. 2 (2004). Maliniak, Daniel, Susan Peterson & Michael J. Tierney. "TRIP Around the World: Teaching, Research and Policy Views of International Relations Faculty in 20 Countries." The College of William and Mary Williamsburg (Virginia) (May 2012). at: https://bit.ly/3uaOcA0 McClelland, Charles A. Theory, and the International System. New York: Macmillan, 1966. McGlinchey, Stephen, Rosie Walters & Christian Scheinpflug (eds.). International Relations Theory. Bristol: E-International Relations Publishing, 2017. Mearsheimer, John J. & Stephen M. Walt. "Leaving Theory Behind: Why Hypothesis Testing Has Become Bad for International Relations." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013). Merton, Robert K. Social Theory and Social Structure. New York: The Free Press, 1968. Mills, C. Wright. The Sociological Imagination. New York: Oxford University Press, 1959. Moravcsik, Andrew. "Theory Synthesis in International Relations: Real Not Metaphysical." International Studies Review. vol. 5, no. 1 (2003). Morgenthau, Hans J. Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace. New York: Alfred A. Knopf, 1948. _______. Scientific Man vs. Power Politics. London: Latimer House Limited, 1946. Myat, Sint Sint. "Explaining Myanmar's Policy of Non- Alignment: An Analytic Eclecticism Approach." Journal of Current Southeast Asian Affairs. vol. 40, no. 3 (2021). Nau, Henry R. "No Alternative to 'Isms'." International Studies Quarterly. vol. 55, no. 2 (June 2011). Oren, Ido. "A Sociological Analysis of the Decline of American IR Theory." International Studies Review. vol. 18, no. 4 (2016). Organski, A.F.K. & Jacek Kugler. The War Ledger. Chicago: University of Chicago Press, 1980.
Parsons, Craig. "Before Eclecticism: Competing Research." Constructivist in Alternatives International Theory. vol. 7, no. 3 (2015). Peet, Jessica. "Eclecticism or Exclusivity? The (Critical) Pragmatist Ethos of (Intersectional) Analytic Eclecticism." International Journal. vol. 75, no. 3 (2020). Pohl, Benjamin & Niels van Willigen. "Analytic Eclecticism and EU Foreign Policy (In) action." Global Society. vol. 29, no. 2 (2015). Puchala, Donald J. "Woe to the Orphans of the Scientific Revolution." Journal of International Affairs. vol. 44, no. 1 (1990). Reus-Smit, Christian & Duncan Snidal (eds.). The Oxford Handbook of International Relations. Oxford: Oxford University Press, 2008. Reus-Smit, Christian. "Beyond Metatheory?" European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3: End of International Relations Theory? A Special Issue (2013). Rosecrance, Richard N. Action and Reaction in World Politics: International Systems in Perspective. Boston: Little Brown, 1963. Saideman, Stephen M. "The Apparent Decline of the IR Paradigms: Examining Patterns of Publications, Perceptions, and Citations." International Studies Review. vol. 20, no. 4 (2018). Schweller, Randall L. "Correspondence: Brother, Can You Spare a Paradigm? (Or Was Anybody Ever a Realist?)." International Security. vol. 25, no. 1 (Summer 2000). ________. Deadly Imbalances: Tripolarity and Hitler's Strategy of World Conquest. New York: Columbia University Press, 1998. Sil, Rudra & Peter J. Katzenstein. "Analytical Eclecticism in the Study of World Politics: Reconfiguring Problems and Mechanisms across Research Traditions." Perspectives on Politics. vol. 8, no. 2 (2010). ________. Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics. New York: Palgrave Macmillan, 2010. Sil, Rudra. "Analytic Eclecticism-Continuing the Conversation." International Journal. vol. 75 (2020). ________. "Simplifying Pragmatism: From Social Theory to Problem-driven Eclecticism." International Studies Review. vol. 11, no. 3 (2009). Singer, J. David. "The Level-of-Analysis Problem in International Relations." World Politics. vol. 14, no. 1 (October 1961). Skinner, Quentin (ed.). The Return of Grand Theory in the Human Sciences. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Smith, Steve, Ken Booth & Marysia Zalewski (eds.). International Theory: Positivism and Beyond. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. Snyder, Jack. Myths of Empire: Domestic Politics and International Ambition. Ithaca: Cornell University Press,1991. Swedberg, Richard. "Theorizing in Sociology and Social Science: Turning to The Context of Discovery." Theory and Society. vol. 41, no. 1 (2012). ________. "Before Theory Comes Theorizing or How to Make Social Science More Interesting." The British Journal of Sociology. vol. 67, no. 1 (2016). Sylvester, Christine. "Experiencing the End and Afterlives of International Relations/Theory." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3
________. "Whither the International at the End of IR." European Journal of International Relations. vol. 35, no. 3 (2007).
Tang, Shipping. A Theory of Security Strategy for Our Time: Defensive Realism. New York: Palgrave Macmillan, 2010. Tickner, Arlene B. & Ole Wæver (eds.). International Relations Scholarship Around the World. London: Routledge, 2009. Vasquez, John A. "The Realist Paradigm and Degenerative versus Progressive Research Programs: An Appraisal of Neotraditional Research on Waltz's Balancing Proposition." American Political Science Review. vol. 91, no. 4: International Organization at Fifty: Exploration and Contestation in the Study of World Politics (Autumn 1997). Vigezzi, Brunello. The British Committee on the Theory of International Politics (1954-1985): The Rediscovery of History. Ian Harvey (trans.). Milano: Edizioni Unicopli, 2005. Wallace, William. "Truth and Power, Monks and Technocrats: Theory and Practice in International Relations." Review of International Studies. vol. 22 (1996). Walt, Stephen M. The Origins of Alliances. Ithaca: Cornell University Press, 1987. Waltz, Kenneth N. "International Politics Is Not Foreign Policy." Security Studies. vol. 6, no. 1 (1996). ________. "Realist Thought and Neorealist Theory." Journal of International Affairs. vol. 44, no. 1 (Spring 1990). ________. Theory of International Politics. Reading, Mass.: Addison-Wesley, 1979. Wemheuer-Vogelaar, Wiebke, et al. "The IR of the Beholder: Examining Global IR Using the 2014 TRIP Survey." International Studies Review. vol. 18 (2016). Wright, Quincy. The Study of International Relations. New York: Appleton-century-crofts, 1955.
* Mohammed Hemchi محمد حمشي |
الانتقائيُّ التحليليُّ والنظريات الكبرى:
زهَّارٌ أم نحلة؟ "مِن كل بستانٍ زهرة " أم "شرابٌ مختلف ألوانُه فيه شفاءٌ للناس"؟ * *
What Analytical Eclecticists do with Grand Theories:
Collectors or Selectors?
هذا تعقيبٌ على دراسة سيد أحمد قوجيلي، المنشورة في هذا العدد، عن نقد الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية. وإذ يحاول التعقيبُ الاشتباك مع أبرز الأطروحات الواردة في الدراسة، فإنه يسعى لفتح نقاش معمّ ق ليس في مزايا الانتقائية التحليلية أو حدودها في حقل العلاقات الدولية، فهذه مسألة بُحثت في الأدبيات الآخذة في النمو حديث ا، بل في فهم الانتقائية التحليلية في حد ذاتها؛ أي ما تعنيه، وما تفعله، وما نفعله بها نحن الطلابَ والباحثين في السياسة الدولية؟ وما موقفها من فكرة النظرية الكبرى، ثم علاقتها بنظريات العلاقات الدولية، سواء أصنفت كبرى أم غير ذلك؟ كلمات مفتاحية: الانتقائية التحليلية، نظريات العلاقات الدولية، النظرية الكبرى، البردايمات، التقاليد البحثية. This is a reply to Sid Ahmed Goudjili's article, appearing in this issue, on the critique of analytical eclecticism in IR. The reply attempts to engage with the main, but not all, ideas in the article, it seeks to open an in-depth debate not about the merits or limits of analytical eclecticism in International Relations discipline, which have been widely addressed in the recently growing literature, but rather about understanding analytical eclecticism itself, what it means, what it does, what we as IR students and scholars do with, its position on the idea of the grand theory, and how it relates to International Relations theories. Keywords: Analytical Eclecticism, International Relations Theories, Grand Theory, Paradigms, Research Traditions.
مقدمة
لَشدَّ ما سررتُ وأنا أطالع هذه الدراسة عن نقد الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية. ولا يقتصر مصدر سروري على موضوع الدراسة فحسب، وإن كان المزيد من تقديمه إلى الجماعة المعرفية العربية في حد ذاته لا يخلو من قيمة ولا ينبغي أن يمر من دون تثمين، بل إنني سررت أيضًا بالنقاش الذي أثارته دراستي عن الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية، الصادرة في دورية سياسات عربية، قبل زهاء خمس سنوات. اطلعتُ حديثًا على دراسة أعدها باسل صلوخ ومي درويش عن "تدريس العلاقات الدولية في العالم العربي"، ستُنشر قريبًا في الدورية نفسها؛ وقد صنف الباحثان الانتقائيةَ التحليليةَ نمطًا من بين ثلاثة أنماط لتدريس حقل العلاقات الدولية في العالم العربي. وإن وشى ذلك بشيء، فإنما يشي بأن محاولات جلب الانتقائية التحليلية إلى طاولة النقاش في حقل العلاقات الدولية العربي، مفهومًا وممارسةً، قد بدأت تؤتي أ كُلها. ودراسة قوجيلي هذه، بلا شك، من ذاك الأ كُل. وحين طلب مني الزملاء، في هيئة تحرير سياسات عربية وقوجيلي نفسُه، كتابة تعقيب على هذه الدراسة، انتابني الحماس لإحياء فكرة هذا الركن من الدورية، الذي سُمّي "سج لً "، لأهميته في التأسيس لتقليدٍ يسمح للباحثين بتبادلٍ لوجهات النظر، قائمٍ على النقد (والنقد الذاتي) المتبادل بُغية مراكمة معرفةٍ نقدية في حقَلَ علم السياسة والعلاقات الدولية العربييَن؛ لكنني وأنا أطالع مقدمة الدراسة، ألفيتها قد استبقتْ "أيّ سوء فهم محتمل" لأطروحتها وأهدافها، وأفصحت من البداية عن اتفاقها "مع وجهات النظر التي ترى أنّ 'الانتقائية التحليلية تبشّ بالخير في حقل العلاقات الدولية'، وهي تمثّل، من دون أدنى شك، العمل النظري الأكثر إبداعًا في الحقل خلال العشرة أعوام الأخيرة." أبعد من ذلك، تشجع الدراسة "طلاب العلاقات الدولية، خاصّة في العالم العربي، على إعطاء المزيد من الاهتمام لنظريات المدى المتوسّط وتصاميم البحوث الانتقائية" (ص. 105-106). وإذ يؤكد قوجيلي، في المقدمة أيضًا، أننا "نعرف منذ عقود عيوب النظرية الكبرى وحدودها"، وأن "العديد من الباحثين المشتغلين في هذا النوع من التنظير واعون بها"؛ فإنه يسعى لإرسال "رسالة رئيسة[...]إلى المشتغلين بالحقل هي التحذير من استبدال دوغما كلاسيكية بدوغما جديدة"؛ وتحديدًا، "التحذيرُ من عواقب انتشار تفاؤل طوباوي جديد في الحقل، يروّج له أنصار الانتقائية التحليلية"، ويجادل "بأنّ المقاربة لا يمكنها الوفاء بوعودها من دون معالجة العديد من مشكلاتها النظرية" (ص. 106) عند هذا المستوى، يبدو أن الحجاج المتبادل بين الدراسة وهذا التعقيب لن يكون سوى "حوار" Dialogue على أكثر تقدير، بدلً من أن يكون "نقاشًا" Debate أو "سج لً " كما فضّ ل الزملاء في سياسات عربية تسميته: أولً، لأن الانتقائية التحليلية مشروع حديث العهد، وقيد التطوير، وهذا ربما ما يبرر وصف قوجيلي لها بالتيار "الواعد" في نظرية العلاقات الدولية (ص 101 - الملخص.) ولأنها مشروع حديث العهد، فهي بلا شك لا تخلو من "حدود" و"تحديات" و"مشكلات" تطرأ هنا وهناك. تلك طبيعة الأشياء. ولا أعتقد أن ثمة من مؤسسيها أو مطوريها أو مؤيديها من يزعم خلاف ذلك. ثانيًا، في دراستي عن الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية، اكتفيتُ باستعراض الوعود، ولم أناقش الحدود؛ لا إنكارًا لوجودها، لكن الدراسة كانت جزءًا من مشروع أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه عن النقاش الخامس ونظرية التعقد في العلاقات الدولية. وقد كنتُ متحمسًا حينها لأبرز كيف يمكن أن يساهم إقحام فلسفة التعقد في حل إشكالياتٍ نظريةٍ ثلاثٍ تواجه التقدم المعرفي في الحقل، إحداها إشكالية النظرية الكبرى. مع ذلك، فحدود الانتقائية التحليلية طَرقها وتصدى لها مؤيدوها قبل مناوئيها. ويكفي التنويه بأن رودرا سيل وبيتر كاتزنشتاين (اللذَين عَدَّهما قوجيلي رائدَين للانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية)، في كتابهما بعيدًا عن البردايمات: الانتقائية التحليلية في دراسة السياسة العالمية، كرسَا جزءه الأخير لمناقشة بعض مخاطرها ووعودها؛ حتى إنهما لم يسمياها حدودًا، بل مخاطر. ثم ينتقل قوجيلي ليؤكد أن دراسته "لا تسعى[...]للدفاع عن النظرية الكبرى"، و"لا مناص من الاعتراف بأنّ هذه النظرية تواجه منذ ظهورها في الحقل مشكلات وانتقادات مستديمة، لكن ذلك لا يعني موتها أو أفولها" (ص. 106) وبناء عليه، فهو يشتبك مع ما سماه "سرديات الأفول" الجديدة، باستخدام التنظير العميق، بغرض "إثبات أنّ النظرية الكبرى لا تزال ضرورية لحقل العلاقات الدولية، ولا يمكن الاستغناء عنها." ومن ثمّ، يحاول "إثبات ثلاثة أشياء: أوّلها، أنّ انحسار النظرية الكبرى لا يعني بالضرورة أفولها؛ ثانيها، أنّ الادّعاءات بشأن النظرية الكبرى مبنية على فهم خاطئ لماهية النظرية الكبرى ووظيفتها؛ ثالثها،
أنّ التنظير متوسّط المدى، على الرغم من أهمّيته، فإنه لا يمكن أن يكون بديلً من النظرية الكبرى" (ص. 106) أحاول فيما تبقى من هذا التعقيب المقتضب الاشتباكَ مع الأطروحات الرئيسة في الدراسة، منطلقًا من مسلمتيَن أستقيهما من دراسة قوجيلي نفسها، بل من عنوانها: الأولى مفادها أن النظريات الكبرى (أستعمل صيغة الجمع وأبرر ذلك لاحقًا) تشهد انحسارًا، وأن انحسارها لا يعني أفولها، بل إنني أذهب أبعد مما ذهب إليه، قائلً إن انحسار النظريات الكبرى ينبغي أَّلَّ يعني أفولها بأي حال من الأحوال. أما الثانية، ففحواها أن الانتقائية التحليلية في حاجة إلى مزيد من النقد والتأمل الذاتي، من مناوئيها فضلً عن مؤيديها؛ لكن ذلك لا ينفي أهميتها وتزايد الاهتمام بها، بل إن نقدها قبل تثمينها، وتغليطها قبل تصويبها، ينبغي أن يشكل جزءًا من هذا الاهتمام المتزايد بها.
أولا: نظرية كبرى أم نظريات كبرى؟ وما النظرية الكبرى التي يعنيها أنصار الانتقائية التحليلية؟
إننا حين نستخدم مصطلح "النظرية الكبرى" في حقل العلاقات الدولية، لا نحيل إلى نظرية كبرى واحدة، بصيغة المفرد، بل إلى نظريات كبرى عديدة. وهذا تحديدًا ما يشير إليه قوجيلي حين يستخدم عبارةً مثل "النظريات الكبرى التي تمثّلها البردايمات الواقعية والليبرالية والبنائية" (ص. 103)؛ بل إنه لاحقًا سيبدو أوضح حين يوسع لائحة ما يعده نظريات كبرى، لتشمل كًّلًّ من "الواقعية، والوظيفية، والنيوليبرالية، والنيوماركسية، والنظام الرأسمالي العالمي، وانتقال القوة، والبنائية الاجتماعية، والنظرية الإنكليزية، وما بعد الكولونيالية، ونظرية الخيار العقلاني" (ص 114 - الجدول.) لا يهمنا، هنا، فتح سجال بشأن معيار تصنيف النظرية نظريةً كبرى أو نظريةً غير كبرى، وهو سجالٌ لن يفضي إلى نتيجة ذات مغزى، حاله حال السجال التقليدي بشأن المعيار الذي على أساسه يُصنف نقاشٌ نظريٌّ ما في فئة النقاشات الكبرى Debates Great، في حين تستثنى منها أخرى. لكن اللافت للانتباه، في مقاربة قوجيلي لمفهوم النظرية الكبرى، بل المدهش إذا حق لي أن أصفه كذلك، هو تعريفه لها، القائل إن "النظرية الكبرى هي النظرية التي تفرسّ الكثير من القوانين، وليس الكثير من الظواهر" (ص) 113؛ وحجته في ذلك أن النظرية ينبغي أن تُعرَّف بطريقة بنائها لا بمجال الظواهر التي تدرسها. وتلك، في رأيي، حجة قوية للدفع بتعريف النظرية، لا بتعريف النظرية الكبرى. لكن انشغالي هنا منطقيٌّ بحت: إذا كان "مجال الظواهر التي تتناولها النظرية لا يحدِّد إذا ما كانت نظريةً كبرى أم متوسّطة، و[أنَّ] ما يجعل النظرية كبرى أو متوسّطةً هو طريقة بنائها" (ص)، وإذا كانت النظرية الكبرى هي "التي تفرسّ الكثير 113 من الكثير من الظواهر" (ص القوانين، وليس)113، فكيف يمكننا قياس الكثرة هنا؟ بعبارة أخرى، ما العتبة؟ ما عدد القوانين التي ينبغي أن تفسررها النظرية كي نَعُدها نظرية كبرى، وما دونه لا نَعُدها كذلك؟ ولكي يثبت أن أنصار الانتقائية التحليلية المناوئين للنظرية الكبرى لا يفهمونها، يأتي على القول إنهم يعرّفون النظرية الكبرى "بأنّها
النظرية التي تسعى لتفسير كلّ شيء"، ثم يسميه التعريف "المُضلّل"، "الذي تدحضه الممارسة البحثية في الحقل" (ص. 114) وإنه لَتعريفٌ "مضلل" بحق، لكن الأشد تضليلً فيه نسبتُه إلى أنصار الانتقائية التحليلية. لا أزعم أنني طالعتُ كل ما كتبه هؤلاء عن تعريفهم للنظرية الكبرى، هذا إن كان جلهم قد تكبد عناء ذلك؛ لكننا حين نتصفح الأدبيات السائدة، التي استند إليها قوجيلي أو استندتُ إليها في دراستي، خاصة تلك التي نشرها سيل وكاتزنشتاين، نكاد لا نعثر على تعريفٍ واحدٍ يمكن تأويله على هذا النحو. بل إن اهتمامهم انصبّ على النظرية المتوسطة المدى أكثر مما انصب على النظرية الكبرى، وهذا أمرٌ مفهومٌ ما دام أن التنظير المتوسط المدى هو غايتهم النهائية. لدي حدسٌ، قد يبدو ساذجًا، أود مشاركته، يقول إن مصطلحات النظرية الكبرى Theory Grand، والنظرية المتوسطة المدى Theory Middle-range، وحتى النظرية العامة General Theory، ونظرية كل شيء Everything Theory، لم تَعُد في الآونة الأخيرة بذلك القدر من التداخل المُفضي إلى الالتباس المفهومي الذي يدفع أنصار الانتقائية التحليلية للوقوف عنده، خاصة أن مصطلح النظرية الكبرى، تحديدًا، ينسب بمجرد الإتيان على ذكره إلى رايت ميلز ومصطلح النظرية المتوسطة المدى إلى روبرت ميرتون. وهذا ما يشير إليه قوجيلي في دراسته. في مستهل المقدمة، يكتب قوجيلي قائلً: "ذكر عالم الاجتماع رايت ميلز منذ ستّة عقود خلت أربع طرائق أساسية استُقبلت بها 'النظرية الكبرى' في العلوم الاجتماعية: أوّلها الترحيب من مؤيّديها الذين يفهمونها؛ وثانيها الشك من معارضيها الذين يفهمونها؛ وثالثها الافتتان من مؤيّديها الذين لا يفهمونها؛ ورابعها المناوأة من معارضيها الذين لا يفهمونها" (ص. 102) لم يكن ذلك اقتباسًا حرفيًا لما قاله ميلز. لكنني أجد بعض الإفادة في الإعادة، إعادة قراءة ما كتبه ميلز: "إن فهمها [أي النظرية الكبرى] ليس يسيرًا؛ بل ثمة شك بأنها قد لا تكون واضحة كفاية لتُفهم بالكلية. وهذه، من دون شك، ميزة وقائية تحميها، لكنها تعيبها بسبب تركيبها الذي صُمم بغرض التأثير في العادات التي درج عليها الباحثون في العلوم الاجتماعية. لذلك علينا أن نعترف من باب الإقرار بالحقيقة، لا الفكاهة، بأن هؤلاء استقبلوا ما أنتجته بطريقة أو أكثر من الطرائق التالية: بالنسبة إلى بعض من يحبونها ويدعون فهمها، هي أحد أعظم التطورات في تاريخ العلوم الاجتماعية برمته. بالنسبة إلى كثير ممن يدعون فهمها، لكنهم لا يحبونها، هي تأمل طائش لا صلة له بأي شيء (وهؤلاء قلة نادرة، فقط لأن الكراهة وقلة الصبر يحولان بينهم وبين إمعان التفكير وحل ألغازها.) أما بالنسبة إلى أولئك الذين لا يزعمون فهمها، لكنهم يحبونها بشدة – وكثيرٌ ما هم، هي متاهة مثيرة للعجب، والعجب فيها متأتٍ تحديدًا من افتقارها اللافت إلى الوضوح في كثير من الأحيان. أما أولئك الذين لا يدعون فهمها، ولا تروق لهم بأي حال – في حال تحلّوا بشجاعة الإفصاح عن قناعاتهم، فسيرونها حقًا على نحو الإمبراطور مجردًا من ثيابه. وثمة، بطبيعة الحال، الكثيرون ممن يكيفون وجهات نظرهم، وثمة آخرون كُْثْ يفضلون البقاء محايدين بصبر وأناة، منظرين النتيجة المهنية النهائية، إن وجدت. والفكرة التي قد تكون مروعة هي أن الكثيرين من المشتغلين في العلوم الاجتماعية لا يدرون عنها شيئًا، اللهم إلا القيل والقال". قد لا يكون أنصار الانتقائية التحليلية على قلب رجل واحد. لكن ما يجمعهم، أو على الأقل جلهم، هو عدم التعرض لتعريف النظرية الكبرى، لا لأنهم "لا يفهمونها"، وهي التي يسود الشك "بأنها قد لا تكون واضحة كفاية لتُفهم بالكلية" بإقرار ميلز نفسه، بل لأنهم يسلّمون بتعريف الأخير، صاحب المصطلح والمفهوم معًا، ولا يجعلون منه موضوعًا للجدل. وحتى لما يتعلق الأمر بالنظرية متوسطة المدى، فهم يتبنون أيضًا تعريف ميرتون من دون إخضاعه للكثير من الفحص. واللافت للانتباه أن سيل وكاتزنشتاين، في كتابهما المؤسِّس، لم يأتيا على ذكر "النظرية الكبرى" سوى مرة واحدة، لا بغرض تعريفها، لكن في معرض مناقشته المقاربةَ الانتقائيةَ التي اعتمدها تي. في. بول في كتابه عن عدم استخدام الأسلحة النووية.
وحتى في كتاب ميلز، قد لا نجد تعريفًا على طراز "س: ما النظرية الكبرى؟ ج: النظرية الكبرى هي كذا وكذا"؛ إنما هي، من وجهة نظري، وسم Label لاتجاهٍ سائدٍ آنذاك في إنتاج المعرفة الاجتماعية، خاصة في علم الاجتماع الأميركي؛ والموسومُ بها تحديدًا هو نظرية النظم التي انبثقت من أعمال تالكوت بارسونز. يقول ميلز إنه اتجاه "نحو نظرية نظمية عن 'طبيعة الإنسان والمجتمع'[...]فعلم الاجتماع [ضمن هذا الاتجاه] يتعامل بمفاهيمَ القصدُ منها أن تكون مفيدة في تصنيف كافة العلاقات الاجتماعية وتقديم رؤية عن ميزاتها التي يُفترض أنها ثابتة. باختصار، إنها تعنى بنظرة ثابتة ومجردة لمكونات البنية الاجتماعية على مستوى عالٍ جدًا من العمومية.[...]ويمكن [هنا] التخلي عن التاريخ تمامًا: فتصير النظرية النظمية عن طبيعة الإنسان والمجتمع، وبكل سهولة، [نظريةً] صورية مستفيضة وجافة، حيث يصير تفتيت المفاهيم وإعادة ترتيبها على نحو لا نهاية له هو المسعى المركزي. فعلً، لقد غدت التصورات Conceptions، لدى من أسميهم منظري النظري الكبرى، مفاهيم Concepts. وإن أعمال تالكوت بارسونز لَهي المثال المعاصر الرائد في علم الاجتماع الأميركي". لقد كان ميلز معاديًا، بالمعنى الحرفي للفظ، لهذا النوع من التنظير، الذي "يقدم الاهتمام بالتنظيم الشكلي [أو الصوري] للمفاهيم على الاهتمام بفهم العالم الاجتماعي"، على حد تعبير بروان؛ فضلً عن تنكره للبعد التاريخي؛ ومحاولته "بناء نظرية كبرى أو قانون عام، القصد منها أن تكون قادرة على الارتحال لا عبر السياقات المكانية - الزمانية فحسب، بل أيضًا عبر مجموعة واسعة من المشكلات الجوهرية"، على حد تعبير سيل وكاتزنشتاين. لنفكرْ، برهةً، في افتراض الواقعيين أن سلوك القوى المُراجعة Revisionist ثابت عبر الزمان والمكان؛ ما يعني أن صعود الصين المعاصرة لن يختلف عن صعود أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد، أو صعود ألمانيا في بداية القرن العشرين. إذا كان لا بد من تصنيف الانتقائيين التحليليين ضمن واحدة من الطرائق الأربع زائدًا واحدة 1+4()، التي ذكرها ميلز، فأحاجّ بأن جلهم إنما تلقوا النظرية الكبرى بالطريقة الخامسة، أي إنهم يقعون ضمن فئة "من يكيفون وجهات نظرهم." أما المناوأة، بتعبير قوجيلي، فهي موقف نقدي. وِلِستعملَ المنطقَ نفسه الذي استندت إليه دراسة قوجيلي، يستهدف موقفُ الانتقائيين التحليليين "طريقة بناء النظرية الكبرى"، فلا هي لا تعجبهم، ولا هم مناوئون لها هي في حد ذاتها. لإزالة سوء الفهم هذا، أيْ سوء فهم فهم أنصار الانتقائية التحليلية للنظرية الكبرى، أقترح العودة إلى أدبياتهم نفسها. لكن، قبل ذلك، لا ضير بخطوة أولى على ما أعده طريقًا مختصرةً لفهم النظرية الكبرى قبل العودة إلى تلك الأدبيات. لِننظرْ في موقع النظرية الكبرى ضمن هرم التنظير في المعرفة الاجتماعية ككل. في المستوى الأول عند قمة الهرم، لدينا النظرية الكبرى بمعنى نظرية العلوم الاجتماعية التي تفسرر طبيعة الانسان والمجتمع (وسلوكه بالنتيجة)؛ وتلك هي التي هاجمها ميلز؛ إذ أشار صراحةً إلى ذلك قائلً: "أيًّا كان العمل الحقيقي الذي يجري إنجازه في تخصصات مثل علم السياسة والاقتصاد والتاريخ والأنثروبولوجيا، فمن الواضح أن ما يُعرف بعلم الاجتماع في الولايات المتحدة قد بات اليوم مركز التفكير حول العلوم الاجتماعية". فالاتجاه نحو بناء نظرية كبرى في علم الاجتماع، آنذاك، مثَّل بالنسبة إليه اتجاهًا نحو بناء نظرية كبرى في العلوم الاجتماعية بالكلية. ثم نجد، في المستوى الثاني، النظرية الكبرى في علم معين من العلوم الاجتماعية، مثل النظرية الكبرى في علم الاجتماع أو في علم السياسة أو في "علم" العلاقات الدولية. ثم لاحقًا، قد نجد نظرية يدعي أنصارها أنها نظرية كبرى ضمن بردايم معين من بين البردايمات المتنافسة في علم اجتماعي معين.
في المستوى الثالث هنا، أستعمل "قد" التي تفيد التقليل: أولً، لأن مزاعم النظرية الكبرى لا توجد بالضرورة في كل بردايم من تلك البردايمات المتنافسة (في حقل العلاقات الدولية مثلً، لا يزعم الليبراليون المؤسساتيون ذلك ضمن البردايم الليبرالي، لكن الواقعيين البنيويين ضمن البردايم الواقعي يفعلون)؛ وثانيًا، لأن وجود بردايمات عديدة متنافسة ليس بالضرورة خاصية ملازمة لكل العلوم الاجتماعية، هذا إن كانت كلها تتبنى مفهوم البردايم في تقسيم العمل النظري الذي تقوم به. أما إذا عُدنا إلى المستوى الثاني، فأدبيات الحقل لا تخلو من عناوين مثل "نظرية السياسة الدولية" (كينيث والتز)، و"النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية" (ألكسندر ونت)، و"نظريةٌ ثقافيةٌ للسياسة الدولية" (ريتشارد ناد ليبو)، و"نظرية ليبرالية للسياسة الدولية" (أندرو مورافتشيك). في دراستي، استخدمتُ مصطلح الخطاب، "خطاب النظرية الكبرى"، في معناه الأوسع بوصفه نظامًا اجتماعيًا من التواصل والتداول بين فاعلين ينتجونه وآخرين يستهلكونه، أو بوصفه فضاءً لإنتاج المعنى، أو بوصفه صنوًا للسلطة (لا سلطة من دون خطاب خاص بها، وما من خطاب مهيمن بلا سلطة تنجبه/ تتبناه وترعاه.) يبدو لي أَّلَّ طائل من اجترار النقاش بشأن الارتباط بين خطاب النظرية الكبرى والسلطة في حقل العلاقات الدولية، والواقعية نموذجٌ استُنفد فحصًا. أما ما تعلق بخطاب النظرية الكبرى بوصفه نظامًا من التواصل والتداول، وفضاءً لإنتاج المعنى، فأحاجّ بأن الكيفية التي يجري بها التواصل بين منتجي الخطاب ومستهلكيه (خاصة الطلاب والباحثين الناشئين) بشأن مكانة النظرية في الحقل المعرفي، والكيفية التي يجري بها تداول أطروحاتها بينهم، قد تسبغها صورةً، ذاتية و بينذاتية، بوصفها نظريةً كبرى، إن لم تكن النظريةَ الكبرى في الحقل المعرفي برمته. في سنة 1961، كتب آرثر لي بيرنز قائلً: "سأكتب كما لو كانت نظرية سياسة القوة المرشح الوحيد الممكن لأن تكون نظرية العلاقات الدولية". ليست العبرة بما قاله والتز أو ونت أو ليبو عن نظرياتهم، كما يجري الاحتجاج به، بل بالطرائق التي تتلقى بها الجماعة المعرفية تلك النظريات، خاصة مطوريها ومؤيديها، وبالطرائق التي يجري بها تدريسها للطلاب وتقديمها للباحثين الناشئين. ينبغي أن نمعن التأمل فيما قاله دايفيد لايك قبل زهاء عشرة أعوام: "لو كانت النظرية الكبرى مَلِكًا، لكانت طاغيةً "[...]. إن وضع الحقل المعرفي في ظل هيمنةِ نظريةٍ معينةٍ تحيل إلى نفسها على أنها النظرية الكبرى لن يختلف كثيرًا عن وضع مملكةٍ ترزح تحت حكم ملكٍ طاغية لسان حاله "أنا الحقل المعرفي والحقل المعرفي أنا"، تمامًا مثلما كان لسان حال لويس الرابع عشر "أنا الدولة والدولة أنا." ولا مبالغة في الأمر، فالطريقة التي وظف بها الواقعيون، مثلً، مفهوم توماس كُون الصارم للبردايم لم يعنِ شيئًا سوى ذلك، مع أنهم يدركون أن المفهوم لم يُصمم أصلً لأجل العلوم الاجتماعية. لا يسمح المقام بمقال موسع في النظرية الكبرى بوصفها خطابًا تنتج منه آثار مادية بحسب ميشال فوكو، وسأكتفي باستشهادين وتساؤلات ضمنية. أما الاستشهاد الأول فهو عن روبرت كيوهان، الذي أنكر على المقاربات التأملية صفة البرنامج البحثي في العلاقات الدولية، بحجة أن أصحابها "يفتقرون إلى برنامج بحثي واضح، وما داموا غير قادرين على وضع برنامج مماثل، فإنهم سيظلون على هامش الحقل"، أي ما داموا غير قادرين على وضع "نظريات قابلة للاختبار" (على طراز الواقعية والليبرالية مثلً؟)، والتي بدونها سيكون من غير الممكن تقييم برنامجهم البحثي (من يضع معايير التقييم؟.) وأما الاستشهاد الثاني فهو عن ستيفن والت، الذي وسم المقاربات التأملية بالأقلية "المنشقة" التي لا تتقن سوى النقد، والعاجزة عن تقديم بديل "إيجابي" للتيار السائد (ما التيار السائد؟ الواقعية
والليبرالية والنسخة غير التأملية من البنائية؟.) إن لم يكن كل ذلك خطابًا، فما قد يكون؟ وأمَّا آثاره المادية فهي بادية للعيان في مجاليَن على الأقل، أعدهما مجاليَن اجتماعييَن لبناء خطاب النظرية الكبرى: النشر والتدريس. أعود الآن لأحاول إزالة سوء الفهم عن فهم أنصار الانتقائية التحليلية للنظرية الكبرى. وكما أشرت آنفًا، أقترح العودة إلى أدبياتهم نفسها. إذا كنا سنضع الانتقائية التحليلية مقابلً، لا بديلً، من النظريات الكبرى في حقل العلاقات الدولية؛ فالنظريات الكبرى بهذا المعنى هي التي تقدم نفسها بوصفها بردايمات إذا استعملنا مصطلحات توماس كون، أو برامج بحثية إذا استعملنا مصطلحات إمري لاكاتوش، أو تقاليد بحثية إذا استعملنا مصطلحات لاري لودان. وفي الحالات الثلاث، النظرية الكبرى، سواء سميناها بردايما أو برنامجًا بحثيًا أو تقليدًا بحثيًا، هي عائلة من النظريات التي تقتسم إبستيمولوجيَا وأنطولوجيَا مشتركتْي. يجدر التشديد على مفهوم التقليد البحثي مثلما فعل سيل وكاتزنشتاين؛ يسميه أيضًا نود إريك يورغنسن تقليدًا نظريًا، لكن نعته بحثيًا أو نظريًا ليس مهمً على أية حال. ما يهم هو تعدديتُه الداخلية (عدة نظريات أو مقاربات نظرية تقتسم الالتزامات الإبستيمولوجية والأنطولوجية نفسها وتتعايش بعضها مع بعض)، وعراقتُه (تراثٌ من الإسهامات قد يكون موغلً في القِدم)، ومن هنا تأتي تسميته تقليدًا. ومن الواضح أن هذا ينطبق على جل النماذج التي أوردها قوجيلي في لائحته (قد نستثني ما بعد الكولونيالية لافتقارها إلى بُعد العراقة، التي عادة ما تقاس بمئات الأعوام لا بالعشرات منها.) والواقع، في رأيي، أننا كلما كنا أشد صرامة، خاصة في معيار عراقة التفكير في العلاقات بين الكيانات السياسية Polities قبل ظهور الدولة - الأمة، صارت اللائحة أقصر فأقصر، وقد لا نجد في النهاية سوى الواقعية التي تطورت، بحسب ما هو معروف لدينا، على مدار ما يناهز خمسة وعشرين قرنًا. هذا ما يسوغ تركيز سيل وكاتزنشتاين على البردايمات الواقعية والليبرالية والبنائية؛ لكن ثمة المزيد مما يسوغه، خلاف ما يومئ إليه قوجيلي، حين يؤكد مرارًا أن سيل وكاتزنشتاين يحصران البردايمات في الواقعية والليبرالية والبنائية دون غيرها من نظريات العلاقات الدولية، مستشهدًا بالأوراق التي نشرتها دورية كندا لتحليل السياسات العالمية لمناقشة كتابهما، لكنه يتجاهل التعقيب الذي كتبه سيل في نهاية النقاش. اللافت للانتباه أن قوجيلي يستشهد بالاقتباسات نفسها التي أتى عليها سيل وعقّب عليها، لكنه يغفل التعقيب (مع أنه يظهر في قائمة مراجع الدراسة). إذًا، النظريات الكبرى هي بمنزلة البردايمات أو التقاليد البحثية؛ وبالنتيجة فإن الانتقائية التحليلية، التي تدعو إلى انشغال أكثر بالنظريات متوسطة المدى وأقل بالنظريات الكبرى، لا تسعى للتحول إلى بردايم، وهو ما ينكره عليها قوجيلي باستخدام التعريف بالنقيض (ص. 106) وقد كان سيل وكاتزنشتاين واضحْيْ تمامًا حين قالا إن "تنوع الممارسات الأكاديمية الانتقائية لَهُو أقوى دفاع ضد أي محاولة مستقبلً لتحويل الانتقائية التحليلية إلى بردايم آخر." ثم أضافا: "سيكون ذلك مثيرًا للسخرية بحق"!. وفي الوقت نفسه، هي لا تسعى لاستبدال
البردايمات، ومن ثم فهي لا تسعى لاستبدال النظريات الكبرى؛ إذ يشددان على القول إنها "تعتمد إلى حد بعيد على العمل النظري والإمبريقي الذي يجرى إنتاجه ضمن البردايمات والتقاليد البحثية. إن الانتقائية التحليلية لا تسعى لاستبدالها. وليس هدفها التوليف بين البردايمات، أو استيعابها، أو استبدالها". وسأنتقل الآن إلى هذه المسألة.
ثانيًا: ما الانتقائية التحليلية؟ وما علاقتها بالنظريات الكبرى؟
ثمة اتجاه شائع في حقل العلاقات الدولية، وفي غيره، يجرنا دومًا إلى الانخراط في الجدال بشأن الوسوم بدلً من الفهوم (بمعنى الجدال لا النقاش:) أتلك نظرية أم مقاربة نظرية؟ بردايم أم برنامج بحثي؟ منهج أم أداة للتحليل؟ أهذا أم ذاك؟ وضمن هذا الاتجاه، جاءت أسئلة قوجيلي عن هوية الانتقائية التحليلية، أي ماهيتها، والتي "أوّل مشكلة تواجهها الانتقائية التحليلية:" "أهي نظرية أم مقاربة بحثية أم تقنية منهجية أم بيان؟" (ص. 106) ثم، بعد الإشارة إلى تعليق فريد تشيرنوف على أن مقاربة سيل وكاتزنشتاين لمفهومَي البردايم والتقليد البحثي يؤدي إلى أحد أشكال "بردايمات التقاليد البحثية"، يقول إنهما – أي سيل وكاتزنشتاين – يستخدمان، بدلً من البردايم والتقليد البحثي، "مصطلح 'المقاربة' أحيانًا، ومصطلح 'النموذج' أحيانًا أخرى. وساهم هذا الارتباك الواضح في تحديد هوية الانتقائية التحليلية، بدوره، في إرباك الباحثين المتحمّسين لها؛ فعلى سبيل المثال، يصفها حمشي باعتبارها 'إطارًا نظريًا' أحيانًا، و'موقفًا إبستيمولوجيًا ومنهجيًا' أحيانًا أخرى، ويصفها لايك ب 'نظرية' تارة، و'مقاربة' و'نموذج' تارة أخرى" (ص. 106-107) لِنعدْ إلى سيل وكاتزنشتاين مرة أخرى، الانتقائية التحليلية، وفقًا لهما، هي أي مقاربة تسعى لاستخراج العناصر التحليلية – المفاهيم والمنطق والآليات والتفسيرات – الخاصة بالنظريات أو السررديات التي جرى تطويرها ضمن بردايمات منفصلة، ونقلها ودمجها بصورة انتقائية، لكن على أن تتناول الجوانب ذات الصلة بمشكلات جوهرية لها أهمية علمية وعملية. هذا تعريفٌ جليٌّ يقول إنها مقاربةٌ – "أيُّ مقاربةٍ" – لها خصائصُ محددةٌ في التعريف. وإن كان بعضنا يترجم Approach إلى اللغة العربية بالنهج والطريقة، وحتى المنهج، فلا بأس. أما "الارتباك الواضح في تحديد هوية الانتقائية التحليلية" لدى سيل وكاتزنشتاين، فلا أعتقد أنه على هذا القدر من الوضوح الذي يشير إليه قوجيلي، فهما يعدّانها "مقاربة"، ولا أجد أين قدمَّاها "نموذجًا"، على غموض المقصود بالنموذج. أما تقديم ديفيد لايك لها بالنظرية، فهذا لا يخلو من سوء فهم أيضًا؛ لأن لايك حين يتحدث عن "نظرية انتقائية" Theory Eclectic فهو لا يقصد الانتقائية في حد ذاتها، لكنه يقصد النظرية التي تستخدم الانتقائيةَ التحليلية. وقد كان واضحًا كل الوضوح في ملخص المقال، الذي أحال إليه قوجيلي، وفي متنه لاحقًا، أنه يستخدم النظرية الانتقائية بمعنى النظرية المتوسطة المدى، أو المتوسطة المستوى كما يسميها "(نظريات المتوسطة المستوى أو نظريات انتقائية للسياسة العالمية). ويسَرري " mid-level or eclectic theories of world politics على لايك، أيضًا، عجزي عن العثور على الموضع الذي قدّم فيه الانتقائية التحليلية "نموذجًا." بالنسبة إلي، لم أق حرر في دراستي تعريفًا للانتقائية التحليلية يقدّمها موقفًا إبستيمولوجيًا، كما يذكر قوجيلي. وقد استخدمتُ لفظ "الموقف" في أكثر من موضع: "تعبّر الانتقائية التحليلية عن موقفٍ نظري ومنهجي يمكن الباحث أن يعتمده أثناء متابعة أعماله البحثية"؛ "منهجيًا، وعلى غرار الموقف الابستمولوجي للواقعيين النقديين، فإنهم يتبنون موقفًا تعدديًا إزاء الخيارات المنهجية"؛ "تكمن القيمة المضافة للانتقائية التحليلية، بوصفها موقفًا إبستمولوجيًا ومنهجيًا، في نزع الشرعية عن خطاب 'النظرية الكبرى' في العلاقات الدولية"، "كما تشدد أيضًا [أي الفلسفة الواقعية النقدية، ومن ثم الانتقائية التحليلية] على ضرورة تبني موقفٍ تعدديّ إزاء الخيارات المنهجية". هذه ليست تعريفاتٍ، ولا وسومًا، إنما وصفٌ للرأي والتفكير فيما أسميته، في الدراسة نفسها، "المسألة الإبستمولوجية"؛ وهو رأي يترتب عليه قرارٌ بشأن جملة من الخيارات، سواء أكانت إبستيمولوجية أو منهجية. وإني لأرجو أَّلَّ أضيف ارتباكًا إلى الارتباك، الذي يشير إليه قوجيلي، حين أقتبس أدناه:
يبدو أن حقل العلاقات الدولية، وعلى الرغم من أنه ما يزال منظم حول تقاليد بحثية محددة، لكلٍّ منها التزاماته الإبستمولوجية ومفرداته النظرية ومعاييره البحثية، شهد في السنوات الأخيرة – وما يزال يشهد – نزعة متزايدة، حتى بين بعض من يُعرَف عنهم التزامُهم بتقاليد بحثية معينة، للإقرار بوجود حاجة ملحَّة إلى إدماج عناصر تحليلية من مقارباتٍ أخرى (مختلفة) من أجل إنتاج معرفةٍ جديدةٍ أشمل وأعمق وأصلح للتوظيف البحثي. إذًا فقد أسميتُها "نزعة" أيضًا، لكن ذلك ليس في صلب تعريفها. أما وصفي لها "إطارًا نظريًا"، فقد جاء في السياق التالي: "تبقى الانتقائية التحليلية أكثر تواضعًا [بشأن التوليف بين النظريات] لكن أكثر براغماتية في الوقت نفسه. فهي تهدف إلى إنتاج أطرٍ متنوعةٍ ومرنة للبحث، إذ ينتظم كلُّ إطارٍ حول مشكلةٍ بحثيةٍ محددة، على أن تكون هذه المشكلة هي التي تحرك عملية البحث، لا الإطار النظري المختار مسبقًا". هذا وصفٌ تقني إذا حق لي تسميته كذلك، لكنه مرة أخرى ليس تعريفًا. وإذا كان لا بد لنا من أن نفهمه على هذا النحو، فهو تعريف وظيفي، أي تعريف الانتقائية التحليلية من خلال وظيفتها، ما تفعله وما نفعله بها في أبحاثنا. يقول مورتن أوغارد: "إذا سألتَ باحثًا عن نظريته في ورقة بحث معينة، لَتلقيتَ الإجابة في أشكال مختلفة. ويمكن أن تكون الإجابة قصةً عن إطار نظري، والمفاهيمِ المركزيةِ والافتراضاتِ الأساسيةِ التي يستند إليها هذا الإطار النظري. ويمكن هذا الإطار أن يكون إما 'نظرية كبرى' أو'نظرية متوسطة المدى' محدودة النطاق". إذا قبلنا بهذا الشكل من أشكال الإجابة عن سؤال: ما النظرية التي يوظفها بحثٌ ما؟ لا تصير الانتقائية التحليلية – التي تركز على النظريات المتوسطة المدى – إطارًا نظريًا فحسب، بل مقاربة توجه تصميم إطارٍ نظريٍّ للبحث يدمج مفاهيم مركزية وافتراضات أساسية من نظريات عديدة، خلاف ما يمليه منطق النظرية الكبرى، أو البردايم بالمفهوم التقليدي الصارم الموروث عن توماس كُون. هذا تمامًا ما يعنيه لايك حين يتحدث عن "نظرية انتقائية"، إنها النظرية – وبحسب دراستي، إنها الأطر النظرية – التي توجهها الانتقائية التحليلية. أنتقل للتعقيب بإيجاز على ملاحظةٍ بشأن مقولة سيل إنّ "الغاية المرجوّة من الانتقائية التحليلية هي أن تكون إيثوسية ethos أكثر من كونها منهجًا أو بيانًا". فقوجيلي يلاحظ أن "هذا التحديد لا يساعد كثيرًا في إزالة غموض الهوية بسبب صعوبة تعريف مصطلح الإيثوسية المتنازع عليه بشدّة" (ص. 106) أولً، يستخدم سيل لفظ ethos اسمً لا نعتًا، وقد سبق أن استخدمه في كتابه مع كاتزنشتاين وليس وليد الدراسة الحديثة التي أحال إليها قوجيلي. أستعرض هنا مواضع استخدام سيل وكاتزنشتاين هذا اللفظ، وسأترجمه مبدئيًا "الروح:" "الروح البراغماتية للانتقائية The Pragmatist Ethos of Analytic Eclecticism؛ التحليلية " البراغماتية "روح " ؛ Pragmatism of Ethos The"الروح البراغماتية" Pragmatist Teh Ethos؛ "الروح البراغماتية المرنة". لا ينطوي هذا الاستخدام على Flexible Pragmatist Ethos أي محاولةٍ لفلسفة اللفظ Philosophising وتحويله إلى مصطلح "متنازع عليه بشدة." لذلك، أعتقد أن فهم ما يقصده سيل وكاتزنشتاين بالانتقائية التحليلية بوصفها إيثوس، أو روحًا أو سمةً أو أخلاقياتٍ، أيًّا كانت الترجمة، ينبغي أن يتوسل بالمعنى المعجمي لا بالمعنى الفلسفي للفظ. ومثلما نرى أعلاه، فالمقصود هو الروح البراغماتية التي يدعو أنصار الانتقائية التحليلية إلى بثها في الأبحاث الانتقائية. وقد أتيتُ على هذا المعنى في دراستي أيضًا. عن سؤال: ما الانتقائية التحليلية؟ أعود للمرة الأخيرة إلى سيل وكاتزنشتاين، إنها "ليست نموذجًا بديلً للبحث أو أداةً لإزاحة النماذج الحالية والحلول مكانها أو استيعابها. إنها موقف فكري يؤيد بذل الجهد لاستكمال البنى النظرية المتضمنة في التقاليد البحثية المتنافسة، والاشتباك معها، واستخدامها على نحوٍ انتقائي لبناء حجج مركَّبة تأخذ على عاتقها المشكلات الجوهرية التي تهم الباحثين والممارسين على حد سواء". ويقودني ذلك إلى السؤال الثاني في هذا الجزء: ما علاقة الانتقائية التحليلية بالنظريات الكبرى؟ أو كيف يتعامل الانتقائي التحليلي مع النظريات الكبرى؟
ندرك، حتى الآن، أن الانتقائية التحليلية ليست نظرية قائمة بذاتها؛ بل إنها ليست نظرية منافسة ولا بديلة من النظريات السائدة، الكبرى منها وغير الكبرى. لذلك، فإن سؤاَلَ قوجيلي "ألا تستطيع الانتقائية التحليلية، باعتبارها مشروعًا تنظيريًا جديدًا في الحقل، النمو والتطوّر بالتعاون مع النظرية الكبرى من دون الصدام معها؟"، و"هل فلسفة 'الانتقاء' و'التحليل'، اللتان سمّيت عليهما المقاربة، قابلتان للانصهار في نظرية متماسكة ومنسجمة منطقيًا؟"، ناجمان كما يبدو عن سوء فهم. لقد أشار سيل وكاتزنشتاين صراحة إلى أن الانتقائية التحليلية تعتمد إلى حد بعيد على العمل النظري والإمبريقي الذي جرى إنتاجه ضمن البردايمات والتقاليد البحثية. "وليس هدفها التوليف بين البردايمات، أو استيعابها، أو استبدالها. إنها تسعى لبيان الأهمية العملية التي تحظى بها النظريات والسررديات التي جرى بناؤها ضمن مقاربات تبدو منفصلة بعضها عن بعض ومن غير الممكن التوفيق بينها، كما تسعى لاستكشاف الروابط الجوهرية بين تلك النظريات والسررديات". وقد أشرت في دراستي إلى ضرورة التوكيد "أن الانتقائية التحليلية ليست بديلً من المقاربات المتضمنة في التقاليد البحثية، وأنها ليست متفوقة عليها؛ فدورها لا يتعدى استكمال نقائص هذه المقاربات، كما تعتمد مساهمتها إلى حد بعيد على استمرار التواصل والتبادل المعرفي مع تلك المقاربات". وحتى إذا جارينا قوجيلي في استعارته المبسِّطة، لكن المعِّبِّة، القائلة إن الانتقائي التحليلي يقطف "من كل بستان زهرة"، فهو بحكم المنطق في حاجة إلى "بساتين" متعددة حتى يشكّل لنفسه "باقة من الأزهار." النظريات، الكبرى وغير الكبرى، بمنزلة الشرط الوجودي للانتقائية التحليلية، وأعتقد ألاَّ طائل من متابعة الاقتباس والاستشهاد، فالمسألة منطقية خالصة. وحين قدمتُ، في دراستي، بول فايرابند وتعدديته/ لاسلطويته المنهجية مدخلً للانتقائية التحليلية، قدمتُه مناهضًا لتنصيب السلطة المعرفية لمنهج محدد، بل لتنصيب السلطة المعرفية للعلم في حد ذاته؛ فالعلم بالنسبة إليه مجرد نسق ينمو ويزدهر وسط الأنساق المعرفية الأخرى؛ ثم ذكرتُ بوضوح "أن الرفض الذي يدعو إليه فايرابند لا يبتغي نفي العلم، ولكن نفي الطبيعة السلطوية للعلم، وهو اتجاه يكرس نسبية المنهج العلمي، ومن ثم إمكان تطوير مناهج وأنماط معرفية أخرى أقدر على الدفع بالتقدم المعرفي إلى الأمام". ولا عجب أن فايرابند نفسه ظل من بين أشد فلاسفة العلم المعاصرين عرضة لسوء الفهم، وغالبًا ما وُسم جهلً بالمعادي للعلم.Anti-science آمل أن تكشف هذه المداخلة المقتضبة الحُجُب عن فحوى مسلّمتي الأولى التي انطلقتُ منها، أن انحسار النظريات الكبرى ينبغي أَّلَّ يعني أفولها بأي حال من الأحوال. أما عن سؤال "هل بناؤها النظري قادرٌ على استيعاب تعدّد وتنوّع القوانين والآليات السببية الموجودة في النظريات الكبرى؟"، فهذا من ذاك. لا تتعلق المسألة باستيعابها جميعًا، أو البعض منها، بل تتعلق باستيعاب ما يتصل منها بالمشكلة موضوع البحث ويساعد في فهمها، أو "تقديم الجواب الأفضل عن سؤال" البحث على حد تعبير سيل وكاتزنشتاين. وإنها لَفكرةٌ مروعةٌ أن تدّعي الانتقائية التحليلية استيعاب "القوانين والآليات السببية الموجودة في النظريات الكبرى" جميعها؛ فهذا سيجردها بلا شك من مسوغ تسميتها انتقائيةً، فضلً عن أنه سيجعلها أشد طغيانًا إذا ما استعدنا صورة لايك عن النظرية الكبرى بوصفها "طاغية" (ص. 105). وأستدرك بالقول إن منطق الانتقائية التحليلية ليس منطقًا "تسلطيًا"، بمعنى أن الباحث قد لا يلجأ إليها أصلً، إذا ما وجد أن "الجواب الأفضل" يكمن في نظرية واحدة لا غير. هذا عن كيفية تعامل الانتقائي التحليلي مع النظريات الكبرى، فماذا عَّمَّ يفعله بها؟ والأدق، ماذا يفعل بالعناصر التحليلية التي ينتقيها منها؟ يثير قوجيلي نقاشًا حول ما يعده "المنطق الإدماجي" في الانتقائية التحليلية، قائلً إن الانتقائيين التحليليين يستخدمون "مصطلحات مثل 'الدمج' و'المزج' و'الخلط' للإشارة إلى طريقة بناء نظرياتهم"، في حين يرفضون اعتبارها "توليفًا نظريًا." وبالنسبة إليه، "يثير رفض الانتقائية التحليلية التوليف النظري مشكلات عدّة، أوّلها التلاعب بالمصطلحات؛ فالكاتبان لا يوضّ حان المغزى من
استخدام كلمة 'توليف' في مقابل كلمات مثل الدمج والجمع والمزج إذا كانت جميعها تصف العملية نفسها. وإنّه لمن الغريب أن يرفضا التوليف ويدعوا إلى الدمج؛ فَأ ن تؤلّف شيئين هو أن تدمج بينهما (تجمعهما وتمزجهما معًا.) وكما يُبيّ قاموس ميريام وبستر، فإنّ لكلمات توليف Synthesis، ودمج Integrate، وجمع Combine، ومزج Blending، جذورًا ومعانيَ مترادفةً" (ص. 109) أختلف مع قوجيلي في القول إن هذه الكلمات "جميعها تصف العملية نفسها"، أو إن لها "جذورًا ومعاني مترادفة." بسبب ضيق المساحة، لن أعود إلى المعاجم، بما في ذلك معجم ميريام وبستر، لأبيّ الاختلافات، البائنة والباطنة، في معاني هذه الكلمات؛ وأكتفي بالتساؤل التالي: في عبارة "من كل بستان زهرة"، هل تحمل كلمة البستان، إذا ما قابلناها بكلمات مثل الحديقة والجنة والروضة والمرج، المعاني المترادفة نفسها، حتى نقول إن للتوليف والدمج والجمع والمزج معاني مترادفة؟ ومعروف أننا كلما انتقلنا من المعجمي إلى المصطلحي، زادت حدة الاختلاف في المعنى. مع ذلك، لِنحاولْ فهم موقف الانتقائيين التحليليين من "التوليف بين النظريات." يقول سيل وكاتزنشتاين: "ليست الانتقائية التحليلية توليفةً نظريةً. صحيح أن ما نعتبره 'انتقائية' يشار إليها أحيانًا بوصفها 'توليفة' من الناحية السببية ". إذًا، فهما يُقرّان بأن الانتقائية التحليلية يمكن أن تكون توليفةً، لكن ليس بين النظريات، بل بين الآليات السببية؛ وهما ليسا سيّان. وعلى خلاف الادعاء إن الانتقائيين التحليليين "لا يوضحون القاعدة النظرية التي تجري على أساسها هذه العمليات"، فقد تناولها سيل وكاتزنشتاين من خلال اقتراح شرطين أساسيين، يذكرهما قوجيلي في دراسته نفسها (ص. 109) وليس الشرط الأول "أن تتجرّد النظريات محلّ التوليف من الفروض الأنطولوجية والإبستيمولوجية الخاصة بها" كما نقله قوجيلي إلى العربية؛ بل هو "الانطلاق من الفروض الأنطولوجية والإبستيمولوجية المركزية الخاصة بالتقاليد البحثية المتنافسة". ثمة مسائل كثيرة يمكن الوقوف عندها وإزاحة سوء الفهم عنها ومناقشتها في هذا التعقيب، لكن لمساحته حدودها. فمثلً، أتفق كل الاتفاق مع قوجيلي، ومن يستشهد بهم، بشأن الطبيعة الإشكالية لمعايير الانتقاء في حد ذاته، خاصة على مستوى الممارسة. لكن، ينبغي الانتباه إلى أن الانتقاء ممارسة تقوم على الحجاج Argumentative والإقناع. وقد يهمل الباحث، بحكم تحيزات معينة، عناصر يمكنه انتقاؤها من نظريات أو بردايمات أخرى غير التي انتقى منها، وقد يغفل عن أخرى بحكم حدود الاطلاع أو قصور الفهم، ويؤدي ذلك إلى فساد في الحجاج، ومن ثم إخفاق في الإقناع. وهذا من الطبيعة النسبية للبحث الاجتماعي. مع ذلك، فإن ربطَ هذه المشكلة بمسألة اللامقايسة ربطٌ واهٍ في اعتقادي، وناجم أيضًا عن سوء فهم لما كتبه سيل وكاتزنشتاين. لقد كانا واضحَ نن بشأن تمييزهما بين الانتقائية التحليلية وما سمياه التوليف الموحَّد، أي التوليف بغرض التوحيد Synthesis Unifying. فعدم قابلية البردايمات للمقايسة (وهي في نظري الترجمة الأدق) لا تزيد مشكلة الانتقاء تعقيدًا، إلا إذا كان الغرض من الانتقاء التوليف بين البردايمات وتوحيدها. وهي خطوة يحذر الانتقائيون التحليليون من القيام بها، على نحو ما سبق. أبعد من ذلك، فقد سلم سيل وكاتزنشتاين بأن اللامقايسة تمثل تحديًا مهمً للانتقائية التحليلية، لكنه ليس بمنزلة العقبة الكأداء التي يصعب تجاوزها. وكانت تلك هي الرسالة التي حملها عنوان الجزء من الكتاب الذي تناولها بالنقاش: Insurmountable not The Challenge of Incommensurability مشكلة إن ثم. اللامقايسة لم تكن يومًا بلا حل، حتى في حالة النقاش ما بين البردايمات Debate Inter-paradigm نهاية القرن العشرين، الذي يُعدّ أشد النقاشات النظرية ضراوة في حقل العلاقات الدولية، وطالما سمي حربًا بين البردايمات. أخيرًا، أذكّر بالمسلّمة الثانية التي انطلقتُ منها في البداية: الانتقائية التحليلية في حاجة إلى مزيد من التأمل في الذات والنقد من الآخر، لكن ذلك لا ينفي أهميتها وتزايد الاهتمام بها، بل إن نقدها قبل تثمينها، وتغليطها قبل تصويبها، ينبغي أن يشكّل جزءًا من هذا الاهتمام المتزايد بها. دراسةُ قوجيلي زاخرةٌ بالاستشهادات المقتضبة، والمبتورة أحيانًا، وهي بلا شك تحضُّ على قراءة أوسع وأعمق لما كتبه نقاد الانتقائية التحليلية، لكنها تتطلب أيضًا قراءة بالعمق والاتساع نفسه لما كتبه مؤسسوها ومطوروها، والأهم، موظِّفوها في أبحاثهم. ثمة مسألة أخيرة أود الوقوف عندها في ختام هذا التعقيب. الانتقائية التحليلية ممارسةٌ بحثيةٌ، وقد نقوم بها عن غير وعي، أو عن وعي من دون أن نسمي عملنا انتقائيًا. لذلك، فإن المسح المختصر للأدبيات، الذي يضم عينات بارزة مما نشُر عن الانتقائية التحليلية، وباستخدامها، خلال الأعوام العشرة الأخيرة أو
أقل (ينظر الهامش)6، اقتصر على العناوين التي تضمنت صراحة عبارة "الانتقائية التحليلية"، أي دون أن يأخذ في الحسبان ملخصات المنشورات أو متونها، أو المنشورات التي تهتدي بالانتقائية التحليلية مقاربةً من دون أن تشير إلى ذلك صراحة.
خاتمة
يواجه الطلاب باستمرار، في مرحلة مبكرة من كتابة تكليفاتهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي توجهها المشكلات، سؤال: أي النظريات أنسب لمقاربة تلك القضايا؟ وهو سؤال تبرره مسألتان. الأولى وفرةُ النظريات بصورة غير مسبوقة، والارتباك الذي قد يتولد في أنفس الطلاب من جرائها؛ والثانية وعيُهم المتزايد بتعقد القضايا التي يدرسونها وتعدد أبعادها، والمخاوف التي قد يثيرها ذلك لديهم بشأن الإخفاق في إقناع قرائهم، خاصة من المدرّسين الذين يحوزون سلطة منح العلامات الدراسية، بكفاية فهمهم/ تفسيرهم للقضايا التي بين أيديهم. وغالبًا ما يكون جوابي عن هذا السؤال: كونوا انتقائيين تحليليين! لكنني، بالتأكيد، حريصٌ كل الحرص على مسألتين أساسيتين وأنا أوصي الطلاب بالانتقائية التحليلية: الأولى أنهم على اطلاع وافٍ على النظريات المتنافسة في الحقل، كبرى أو غير كبرى؛ والثانية أنهم يدركون أن الانتقاء ليس عملً حدسيًا، لكنه قرارٌ واعٍ يستند إلى المعرفة بالنظريات التي ينتقون من بينها وإلى المعرفة بالمشكلة/ القضية التي يبحثون فيها. لذلك، أحرص على أن يفهموا أن الانتقاء ليس قرارًا قبْليًا (وبحكم المنطق، ليس بَعديًا)، لكنه يواكب سيرورة البحث نفسها، أي سيرورة الإحاطة بالمشكلة/ القضية التي يبحثون فيها. وإَّلَّ، لماذا نوجه طلاب الدراسات العليا لاستغراق فترة كافية لقراءة الأدبيات ذات الصلة ومراجعتها قبل كتابة مقترحات أطروحاتهم؟ هذه الفترة هي مرحلة تصميم الإطار النظري للبحث. وأن يكون الإطار النظري انتقائيًا يعني، من بين ما يعنيه، تحلي الباحث بالروح البراغماتية المرنة التي تنطوي عليها الانتقائية التحليلية، والتي تجعل عملية تصميم الإطار النظري النهائي مواكبة لسيرورة التقدم في البحث نفسه، لا أن يفرضه الباحث على نفسه ناجزًا من البداية. في مقاله الذي وضع له عنوانًا لا يخلو من دلالات ذات صلة بهذا المقام، "في أولوية الفهم على المنهج"، يشدد عزمي بشارة على ما يشبه هذا المعنى؛ إذ يقول سائلً ومجيبًا في آنٍ معًا: "ما المنهج الذي سوف أستخدمه في تحليل الواقع الاجتماعي أو الظاهرة قيد البحث؟ أصدقكم القول إني لا أملك جوابًا قبل أن أخوض التجربة.[...]فما من منهج لاكتشاف منهج البحث غير العقل السليم وتوافر على فكرة ما عن النظريات القائمة". والآن، أستلهمُ من هذا السجال وصية أخرى لأولئك الطلاب الذين يتخذون الانتقائية التحليلية خيارًا منهجيًا في أبحاثهم. تقول الوصية: إذا فهمتم الانتقائية التحليلية جيدًا، وقررتم تبنيها عن وعي، فعليكم أن تتخذوا قرارًا إضافيًا آخر: أتوظفونها على طريقة الزهَّار، المشتغل بقطف الأزهار وبيعها، فتنتقون "من كل بستان زهرة" لتقدموها للمتلقي في باقة "تسرر الناظرين"، ثم تذوي في أيام، أم على طريقة النحلة، المشتغلة بجمع الرحيق من الأزهار، وتحويله إلى "شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس"؟ وتذكروا، إذا ما اخترتم الخيار الثاني، أن النحلة حين تحط على الزهرة لا تمتص منها رحيقًا فحسب، بل يمكن أن تلقّحها بحبوب الطلع التي تأتي بها من أزهار أخرى. وكذلك الانتقائي التحليلي. إنه لا يأخذ من النظرية متغيراتٍ وفروضًا وآلياتٍ سببيةً فحسب، بل يمكن أن يساعدها أيضًا في الوعي بحدودها من خلال ما يجلبه في جعبته التحليلية من النظريات الأخرى، إنه يساهم بطريقة ما في استمرار التواصل والتبادل المعرفي مع النظريات، وبينها.
References المراجع
العربية
تبُّيُّ. مج 8، العدد بشارة، عزمي. "في أولوية الفهم على المنهج." 30 (خريف)2019 حمشي، محمد. "النّقاش الثالث بين نظريات العلاقات الدولية: حدود الاتّصال المعرفي." المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية. العدد 3 (كانون الأول/ يناير.)2014 ____.___ "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية." سياسات عربية. العدد 28 (أيلول/ سبتمبر.)2017 قوجيلي، سيد أحمد. "أفول النظرية الكبرى: نقد الانتقائية التحليلية." سياسات عربية. العدد 56 (أيار/ مايو.)2022
الأجنبية
Borch, Christian. "Functional Eclecticism: On Luhmann's Style of Theorizing." Revue internationale de philosophie. vol. 1, no. 259 (2012). Burns, Arthur Lee. "Prospects for a General Theory of International Relations." World Politics. vol. 14, no. 1 (1961). Chernoff, Fred. "Pragmatism, Pluralism, and Eclecticism: Sil and Katzenstein's 'Analytic eclecticism' in Journal: International Paradigms." Beyond Canada's Journal of Global Policy Analysis. vol. 75, no. 3 (2020). Corvellec, Hervé (ed.). What is theory? Answers from the Social and Cultural Sciences. Copenhagen: Liber, CBS Press, 2013. Lake, David A. "Theory is Dead, Long Live Theory: The End of the Great Debates and the Rise of Eclecticism in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Mills, Wright C. The Sociological Imagination. New York: Oxford University Press, 1959. Paul, T. V. The Tradition of Non-Use of Nuclear Weapons. Stanford, CA: Stanford University Press, 2009. Quentin, Skinner (ed.). The Return of Grand Theory in the Human Sciences. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Sil, Rudra. "Analytic Eclecticism-Continuing the Conversation." International Journal: Canada's Journal of Global Policy Analysis. vol. 75, no. 3 (2020). Sil, Rudra & Peter J. Katzenstein. Beyond Paradigms: Analytic Eclecticism in the Study of World Politics. New York: Palgrave Macmillan, 2010. _______. "Analytic Eclecticism in the Study of World Politics: Reconfiguring Problems and Mechanisms across Research Traditions." Perspectives on Politics. vol. 8, no. 2 (June 2010). Wendt, Alexander. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.
المؤشر العربي Arab Opinion Index
* Hicham Raïq هشام رائق |
الفجوة الرقمية والعزوف عن المشاركة السياسية
تحليل انحدار لوجستي ثنائي الاستجابة لعيّنة من بيانات المؤشر العربي
The Digital Divide and Political Apathy:
A Multivariate Logistic Regression Analysis of a Sample of Arab Opinion Index Data
تركز هذه الورقة على قياس الفجوة الرقمية ومدى تأثيرها في المشاركة السياسية في مجموعة من الدول العربية، وتهدف إلى تقييم الدور الذي تؤديه المحددات الديموغرافية والسوسيو-اقتصادية في الحد من الوصول إلى الإنترنت. جرى استخدام منهج تحليل الانحدار اللوجستي Logistic Regression المتعدد المتغيرات للتنبؤ بالمشاركة السياسية التي تؤثر في المحددات السوسيو-اقتصادية واستخدام الإنترنت. وتشير نتائج التحليل، استنادًا إلى بيانات "المؤشر العربي"، الذي يصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إلى أن محددات المكانة الاجتماعية (الجنس والعمر والدخل والمستوى التعليمي) لا تزال تؤدي دورًا رئيسا في التأثير في مستوى الوصول إلى الإنترنت. وأظهرت النتائج أن الغرض من استخدام الإنترنت يحدد احتمالية المشاركة السياسية، كما أظهرت أيض ا ارتفاع احتمالية العزوف عن المشاركة السياسية لدى الفئات الاجتماعية الهشة. كلمات مفتاحية: الفجوة الرقمية، المشاركة السياسية، الانحدار اللوجستي، الفوارق الاجتماعية، الإنترنت. This study seeks to measure the digital divide and its impact on political participation in selected Arab countries. It focuses in particular on assessing the role of demographic and socio-economic status (SES) in unequal access to the Internet. A multivariate logistic regression analysis was used to predict political participation based on SES and internet use. Based on Arab Index data, the results of the analysis indicate that SES (gender, age, income and educational level) plays a major role in the level of Internet access, and that the purpose for which the Internet is used determines the likelihood of political participation. The results also indicate that vulnerable social groups are more reluctant to participate in political activities. Keywords: Digital Divide, Logistic Regression, Political Participation, Social Inequality, Internet.
مقدمة
ترى عدة دراسات أنّ الفجوة الرقمية ارتبطت بعدم التساوي بين البلدان المتقدمة الثرية والبلدان النامية الفقيرة في إمكانية الحصول على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة. واهتمت هذه الدراسات أيضًا بالفوارق بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية، واختلاف الأعمار والنوع والدخل ومستويات التعليم، وغيرها من المؤثرات في الحصول على التكنولوجيا الحديثة وخصوصًا استخدام الإنترنت . انطلاقًا من هذا المنظور تفيد آخر إحصائيات الاتحاد الدولي للاتصالات)2021( أن 2.9 مليار نسمة في العالم لا يزالون غير موصولين بالإنترنت. فالمجتمعات الأشد فقرًا تعاني أكثر من غيرها ضُ عفَ البنى التحتية في مجال وسائل التواصل الحديثة ومن ثم، لا تستفيد من الفرص العديدة المتاحة لإدماج مختلف الفئات الاجتماعية وإشراكها في التنمية. ولم تكن جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) لتساعد في تقليص الفجوة بين الدول، بل تفاقمت هذه الفوارق في ظل تحديات التواصل والتعليم عن بعد، علمً أنّ أكثر من نصف ساكنة الدول العربية لا تتوافر لديه الإنترنت في المنزل ، خصوصًا في دول مثل السودان وموريتانيا واليمن. ولا يختلف هذا الوضع عمّ يجري في مناطق أخرى تُعتبر من بين الأشد فقرًا في العالم . تقول المؤشرات المتوافرة لدى الاتحاد الدولي للاتصالات 2021() إن نسبة مستخدمي الإنترنت ارتفعت من %15 سنة 2005 إلى %63 سنة 2021. لكن هذا لا يعني أنّ كل الدول استفادت بالوتيرة نفسها. ففي الدول العربية، تمثل هذه النسبة حاليًا %66، وهي تقل عن النسبة المسجلة في القارة الأوروبية %87() أو القارة الأميركية %81(.) ولكن نسبة مستخدمي الإنترنت في الدول العربية أعلى من النسبة المسجلة في الدول الأشد فقرًا، والتي لا تتجاوز %27. يتضح من خلال هذه الأرقام أن هناك فجوة رقمية بين مناطق العالم من حيث استخدام الإنترنت، وتحتل الدول العربية مرتبة مشرفة إلى حد ما مقارنة بمناطق أخرى. لكن نسبة مستخدمي الإنترنت المسجلة في العالم العربي لا تُظهِر واقع الفوارق الموجودة بين دول هذه المنطقة. يشير تقرير الأمم المتحدة لسنة 2021 إلى فوارق كبيرة بين الدول العربية. ففي موريتانيا واليمن لا تتجاوز نسبة مستخدمي الإنترنت %30 من مجموع السكان ولا تتجاوز هذه النسبة %35 في السودان وسورية. في حين تسجل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أعلى النسب؛ إذ إن أكثر من %90 من ساكنة هذه الدول تستخدم الإنترنت. يبدو من خلال معطيات هذا التقرير أن الفجوة بين الدول العربية تصل إلى أقصى المستويات بين دولة مثل قطر التي تمثل أعلى نسبة %99.7() وموريتانيا التي تسجل أدنى نسبة %20.8(.) ويمكن أن تكون الفوارق أخطر من ذلك عندما نقارن المناطق القروية أن نسبة بالمناطق الحضرية. ويفيد الاتحاد الدولي للاتصالات %88 من المناطق الحضرية في العالم العربي تشتمل على تغطية بشبكة الهاتف المحمول من نوع 4 جيجابايت (مما يسمح بالوصول إلى الإنترنت اللاسلكي بسررعة أعلى بكثير)، في حين لا تتجاوز هذه التغطية %55 في المناطق القروية. تجدر الإشارة إلى أنّ مسألة الفجوة الرقمية لا ترتبط فقط بالفوارق بين الدول والمناطق بل تشمل أيضًا الفوارق بين الفئات الاجتماعية. وتشير بيانات تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات على الصعيد العالمي إلى أن نسبة استخدام الإنترنت لدى الذكور تمثل %62، وهي مرتفعة مقارنة بالإناث %57(.) وتتسع هذه الفجوة على الصعيد العربي بحيث تسجل نسبة استخدام الإنترنت لدى الذكور %68 ولدى الإناث %56. ويشير التقرير نفسه إلى أن الشباب 24-15(سنة) هم الفئة الأكثر استخدامًا للإنترنت %71() عبر العالم مقارنة بالفئات العمرية الأخرى %60(.) وتقترب هذه النسب من واقع العالم العربي حيث يسجل الشباب نسبة %73 مقارنة بالفئات العمرية الأخرى %60(.) من المؤكد أن إمكانية الوصول إلى الإنترنت لها فوائد كثيرة، وأن عدم توافرها له عواقب سلبية. بدأت الأبحاث حول الفجوة الرقمية تنتقل اليوم من دراسة المؤشرات المتعلقة بوجود اتصال بالإنترنت (يشار إليه باسم الفجوة الرقمية من المستوى الأول) إلى مؤشرات الفجوة الرقمية من مستويات أخرى، مثل المهارات في استخدام الإنترنت
ونتائج هذا الاستخدام من حيث الفوائد الملموسة . وفي هذا السياق، يمكن طرح إشكالية الفجوة الرقمية؛ ليس فقط عبر نسبة الموصولين بالإنترنت، بل أيضًا بوصفها مؤشرًا أساسيًا لفهم الفوارق بين المجتمعات العربية من حيث الاندماج الاجتماعي عبر المشاركة في مجالات متعددة كالمشاركة السياسية. لذلك، نعتبر أن الفجوة الرقمية ترتبط أساسًا بإمكانية التحكم في أساليب المعرفة الرقمية وأدوات استغلالها للتعبير عن المواطنة عبر المشاركة الحقيقية في مختلف النشاطات ذات الصلة بتنمية المجتمعات العربية. وباعتبار البيانات المتوافرة (التي سنعرضها فيما بعد) واستحالة تغطية كل المجالات، سنقتصر على بعض أنواع المشاركة السياسية ومدى العزوف عنها بتأثير من الفجوة الرقمية. من هذا المنطلق نطرح التساؤل الأول: إذا كانت هناك فوارق بين الدول العربية من حيث الوصول إلى الإنترنت، فما تأثير ذلك في المشاركة السياسية؟ وهل تنخفض نسبة استخدام الإنترنت في المجتمع كلما انخفضت المشاركة؟ قد تتداخل العلاقة بين هاتين الظاهرتين مع إشكالية أخرى مرتبطة بالفوارق الاجتماعية على نحو عام، خصوصًا وقد تبيّ من خلال عدة دراسات أن مستوى استخدام الإنترنت وأغراضه قد يختلفان بحسب الخصائص الاجتماعية، مثل النوع والعمر والدخل والمستوى التعليمي . من هنا نطرح التساؤل الثاني: ما علاقة المحددات السوسيو-اقتصادية والديموغرافية باستخدام الإنترنت؟ سنناقش من خلال الإجابة عن هذا السؤال واقع الفجوة الرقمية؛ ليس فقط بين الدول، بل أيضًا بين الفئات الاجتماعية. وقد تختلف هذه الفجوة باختلاف التوجهات الاقتصادية والسياسية، وحتى طبيعة المجتمعات العربية. وفي سياق الفجوة الرقمية، نطرح التساؤل الثالث: ما تأثير الفوارق الاجتماعية في المشاركة السياسية؟ سيمكّننا هذا التساؤل من التعمق في تحليل الاختلاف بين الفئات الاجتماعية والتحقق من الفئات الأكثر عزوفًا أو مشاركةً في النشاطات السياسية. تكمن أهمية الدراسة في استخدام بيانات المؤشر العربي التي توفر متغيرات لقياس مستوى استخدام الإنترنت في علاقته بالمشاركة السياسية في عدد من الدول العربية.
أولا: منهجية الانحدار اللوجستي للتنبؤ بالمشاركة السياسية
تتجلى أهمية البحث من الناحية المنهجية في كيفية استعمال أدوات متقدمة في المناهج الكمية لدراسة مدى تأثير الفجوة الرقمية في المشاركة السياسية، خصوصًا مع توافر بيانات متناسقة لمجموعة من الدول العربية. اهتمت الدراسة بعشر دول عربية (الأردن، وتونس، والسودان، والعراق، وفلسطين، والكويت، ولبنان، ومصر، والمغرب، وموريتانيا) . وقد اختيرت هذه الدول بحسب البيانات المتوافرة في مسح المؤشر العربي 2018 /2017 الذي يشمل عيّنة تمثل 16500 مستجيب من الدول المذكورة.
1. المتغيرات المستخدمة في التحليل
أ. متغيرات ذات صلة باستخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي
تتكون هذه المجموعة (كمتغيرات مستقلة) من متغير رئيس مرتبط باستخدام الإنترنت عمومًا. جرى قياس هذا المتغير من خلال تقييم أفراد العينة لمستوى استخدام الإنترنت على سلّم من 1 (لا يستخدم الإنترنت) إلى 5 (استخدام الإنترنت عدة مرات في اليوم.) واستُعمل هذا المتغير لمقارنة الدول وترتيبها بحسب مستوى استخدام الإنترنت، ثم تقييم الفجوة الرقمية عبر العلاقة بين "استخدام الإنترنت" والمتغيرات الديموغرافية والسوسيو-اقتصادية. إضافة إلى ذلك، جرى اختيار مجموعة مكونة من تسعة متغيرات متوافرة في المؤشر العربي 2018 /2017 ومرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وقد جرى قياسها في سلم من 1 إلى 5. تشير هذه المتغيرات إلى غرض استخدام الإنترنت عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ونظرًا إلى الارتباط المرتفع بين المتغيرات حول غرض استخدام الإنترنت، جرى تقليص العدد عن طريق منهجية التحليل العاملي Factor Analysis . وأظهرت نتائج هذا التحليل إمكانية تحويل المتغيرات التسعة إلى محورين (تجميعيين يختزلان المتغيرات التسعة) كما يدل على ذلك الجدول 1() المستخرج من نتائج التحليل العاملي. ويرتبط
المتغير بالمحور لما يتجاوز معامل التحميل 0.4 ، ويمثل كل محور مجموعة منسجمة على العموم من حيث الاتساق الداخلي . نفهم من خلال الجدول 1() أن المحور الأول يركز أساسًا على العائلة والأصدقاء والتعرف إلى الناس والنشاطات الثقافية والاجتماعية. فهو يقيس، إلى حدٍّ ما، مستوى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من دون توجه حقيقي نحو قضايا الشأن العام. في حين يقيس المحور الثاني مستوى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مع توجّه نحو قضايا الشأن العام، بحيث يشمل الحصول على معلومات سياسية والتفاعل مع قضايا اجتماعية وسياسية بما في ذلك تنظيم نشاطات. وقد دُمجت متغيرات المحور الأول في متغير واحد يمثل متوسط المتغيرات الأربعة. ودُمجت ليكون في سلّم من 1 إلى 5 متغيرات المحور الثاني في متغير واحد يمثل متوسط المتغيرات الخمسة ليكون في سلّم من 1 إلى 5. الجدول 1() المحاور بحسب غرض استخدام وسائل التواصل الاجتماعي
| المتغيرات حول استخدام وسائل التواصل الاجتماعي | المحور 1 معامل التحميل | المحور 2 معامل التحميل |
|---|---|---|
| مع العائلة والأصدقاء | 0.593 | |
| للتعرف إلى أناس جدد | 0.651 | |
| للتعرف إلى نشاطات/ أحداث ثقافية اجتماعية | 0.644 | |
| للتعرف إلى الحديث السائد عند الناس | 0.572 | |
| للحصول على أخبار/ معلومات سياسية | 0.436 | |
| من أجل أن أعبر عن رأيي في أحداث سياسية جارية | 0.708 | |
| من أجل التفاعل مع قضية اجتماعية | 0.694 | |
| من أجل التفاعل مع قضية سياسية | 0.894 | |
| من أجل تنظيم نشاط مطلبي أو سياسي/ قضية عامة | 0.740 |
ب. المتغيرات الديموغرافية والسوسيو-اقتصادية
تتكون هذه المجموعة (كمتغيرات مستقلة) من متغيرات النوع والعمر والدخل والمستوى الدراسي. وتعتبر هذه المتغيرات أساسية لقياس الفجوة والفوارق الاجتماعية من حيث استخدام الإنترنت.
ج. المتغيرات ذات الصلة بالمشاركة السياسية
تتوفر بيانات المؤشر العربي على مجموعة من المتغيرات لقياس المشاركة السياسية (كمتغير تابع.) وقد أشارت دراسة جوكيم إيكمان وإريك أمنة إلى أنّ نوعًا من المشاركة مرتبط بالنشاطات القائمة على حركات من جانب ناشطين للتعبير عن موقف وجعل صوت المواطن مسموعًا، ويمكن تصنيفها ضمن المشاركة السياسية غير الرسمية . تتوفر بيانات المؤشر العربي على متغيرات حول هذا الموضوع عبر الأسئلة التالية: 1. "خلال الإثني عشر شهرًا الماضية، هل قمت بالمشاركة في توقيع عريضة أو رسالة أو وثيقة احتجاج"، 2. "خلال الإثني عشر شهرًا الماضية، هل قمت بالمشاركة في مظاهرة/ مسيرة سلمية أو اعتصام"، 3. "خلال الإثني عشر شهرًا الماضية، هل قمت بالمشاركة في الانضمام إلى مجموعة ناشطة تعمل على الضغط/ الدعم/ الحشد من أجل قضية ما (قضية عامة أو مجتمعية.") كانت إجابة أفراد العينة في سلم ثنائي الاستجابة (نعم/ لا.) وقد جرى جمع هذه الأسئلة عبر تكوين متغير جديد ثنائي الاستجابة (مشاركة غير رسمية) على النحو التالي: 1: الإجابة بنعم على الأقل في سؤال من الأسئلة الثلاثة المذكورة، 0: عدم المشاركة في أي نشاط من النشاطات الثلاثة المذكورة. بحسب تصنيف إيكمان وأمنة، هناك أيضًا المشاركة السياسية الرسمية عبر نشاطات لها علاقة مباشرة بالتصويت في الانتخابات والانتماء الحزبي. تتوفر بيانات المؤشر العربي على أسئلة لقياس هذا الجانب: 1. هل تنوي أن تصوّت في الانتخابات النيابية/ التشريعية القادمة؟ 2. هل أنت منتسب إلى حزب/ تجمع/ تيار سياسي/ أو مجموعة سياسية؟ 3. هل تنوي الانتساب إلى حزب/ تجمع/ تيار سياسي/ أو مجموعة سياسية في المستقبل؟ كانت إجابة أفراد العينة في سلّم ثنائي الاستجابة (نعم/ لا.) وقد جُمعت هذه الأسئلة عبر تكوين متغير جديد (المشاركة الرسمية) ثنائي الاستجابة على النحو التالي: 1: الإجابة بنعم على الأقل في سؤال من الأسئلة الثلاثة المذكورة، 0: عدم المشاركة في أي نشاط من النشاطات المذكورة.
د. نموذج الانحدار اللوجستي
تتكون المتغيرات المستقلة في هذه الدراسة من: 1. محددات استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ثم 2. المحددات الديموغرافية والسوسيو-اقتصادية. وقد استُخدم نموذج الانحدار اللوجستي أداةً إحصائية لدراسة مدى تأثير مدخلات مستقلة في المخرج المطلوب توقّعه (وهو المشاركة السياسية.) وفي جدول النتائج، جرى عرض نسب الأفضلية Odds Ratio لتحديد القوة التنبئية للمتغيرات المستقلة ومدى تأثيرها في المشاركة السياسية عبر نموذجين للتحليل اللوجستي: في نموذج أول، نستخدم "المشاركة غير الرسمية" كمتغير تابع، وفي النموذج الثاني نستخدم "المشاركة الرسمية" كمتغير تابع. وقد تم الحصول على نسب الأفضلية بعد تحويل معامل الانحدار اللوجستي إلى قيم تنبئية قابلة لتفسير وتحليل المشاركة (أو العزوف عن المشاركة) بطريقة أكثر دقة وانسجامًا مع واقع الدراسة وخصائص البيانات المتوافرة. وللرفع من أداء النموذج وجعله أكثر قابلية للتفسير، جرى الاحتفاظ في النموذج النهائي بالمتغيرات المستقلة ذات الدلالة الإحصائية. وجرى الحصول على هذه المتغيرات وفقًا لطريقة الاستبعاد الخلفي . وهكذا، سيقوم النموذج في كل مرة بإزالة المتغير الأقل دلالة حتى يصل إلى نموذج نهائي متوازن يحتوي فقط على المتغيرات المستقلة المهمة. من جهة أخرى، جرى استعمال متغير الترجيح لتصحيح أخطاء أخذ العيّنات.
ثانيًا: الفرص الرقمية والطبيعة المتعددة الأبعاد للمشاركة السياسية
كما جاء في مقال منشور في موقع جامعة ميونخ الألمانية ، قد يكون أحد أفضل تعريفات المشاركة السياسية هو التعليق القديم للقائد اليوناني بريكليس ، الذي يرى أن المواطن لا يهمل الدولة مهما كانت الانشغالات الأسرية، وأنّ أصحاب التجارة والأعمال أيضًا لديهم فكرة جيدة عن السياسة ومدى تأثيرها في المجتمع. في هذا السياق، ينتقل المواطن من مجرد فاعل داخل مجال الحياة الخاصة إلى مواطن مهتم بالحياة العامة لوطنه. فلا يمكن فصل تأثير السياسة عن الواقع اليومي لكل فرد، كما أنه لا يمكن فصل تأثير الممارسات اليومية للأفراد عن الحياة السياسية للدولة عمومًا. في ذلك الزمن، كان بريكليس متحمسًا في خطاباته لتحفيز المواطنين على المشاركة الفعالة في الشأن العام، حتى إنه كان يقدِّم رواتب لمن يساهم في خدمات ذات منفعة عامة. وكان الغرض من ذلك هو تفعيل بعض الأفكار الديمقراطية وفتح المجال أمام مشاركة فئات مجتمعية جديدة. لا نبتعد اليوم عن هذه المعاني، بحيث يرتبط مفهوم المشاركة السياسية في المجتمعات المعاصرة بنشاطات المواطنين التي لها علاقة بالشأن العام وقضاياه. ترتبط المشاركة في قضايا الشأن العام بمجالات متعددة، وتطرح مفاهيم أصبحت متداولة في مجالات العلوم الاجتماعية والسياسية وتخصصات أخرى، ولكن قد يسودها بعض الغموض. ويجري في عدة دراسات، مثلً، دمج فكرة المشاركة السياسية والمشاركة المدنية في موضوع واحد للإشارة إلى طرائق ومستويات انخراط المواطنين ومشاركتهم في قضايا الشأن العام، وقد تشمل مجموعات متداخلة من النشاطات. يرجع ذلك جزئيًا إلى التعاريف والتداخلات المتعددة التي قد تتكامل. لمّا طرح روبرت ديفيد بوتنام Robert David Putnam مفهوم المشاركة المدنية الذي شاع في أوائل التسعينيات، فهو قد أكد على أهمية رأس المال الاجتماعي لمشاركة المواطنين؛ ومن ثم فإنه شمل كل شيء، من قراءة الصحف إلى نشاطات رياضية وترفيهية محلية وغيرها، من دون تقديم تعريف دقيق حول الموضوع . تطورت الفكرة مع مرور الزمن وتعددت الدراسات لتحديد مفهوم المشاركة المدنية على أنها "جميع الطرق التي يشارك بها الأفراد في الحياة العامة" ، أو "الإجراءات التي يتخذها المواطنون من أجل متابعة الاهتمامات المشتركة" . بناءً على ذلك، اقُتُحت تصنيفات جديدة للمشاركة السياسية والمدنية مع الأخذ في الاعتبار الأبعاد المتعددة لكلٍّ منهما. هناك من اعتبر أن مفهوم المشاركة المدنية واسع جدًّا وأنه يشمل عدة اهتمامات، في حين أن
مفهوم المشاركة السياسية دقيق بحيث يشمل الإجراءات والنشاطات الموجهة نحو التأثير في النتائج السياسية . في تصنيف آخر، يعتبر إيكمان وأمنة أن المشاركة المدنية تشير إلى نوع من المشاركة السياسية الكامنة (أو الهادئة)، والتي يمكن أن تتحول من اهتمام شخصي بقضايا مجتمعية إلى فعل جماعي عبر العمل التطوعي داخل جمعيات لتحسين أوضاع المجتمع المحلي والمساهمة في الأعمال الخيرية. وهي تختلف عن المشاركة السياسية الواضحة والظاهرة التي تتميز بالنشاطات التطوعية التي يقوم بها الجمهور للتأثير في السياسة العامة. فالمشاركة السياسية الظاهرة قد تتجسد على نحو مباشر ورسمي عبر الانتماء الحزبي أو التصويت لاختيار الأشخاص الذين يضعون السياسات. وتُقاس هذه المشاركة، في عدة دراسات، عبر معدل التصويت في الانتخابات ، خصوصًا أن المواطن عند التصويت يعبّ عن المشاركة بطعم خاص؛ لأنه يعرف أنّ صوتًا واحدًا من غير المرجح أن يغيّ النتائج العامة. ومهما يكن الأمر، فإنه لا يمتنع عن المشاركة . على الرغم من أهمية الانتخابات، فإنّ المشاركة السياسية الظاهرة لا تقتصر على هذا النشاط. هناك وسائل أخرى يمكن أن تعبر بصورة فردية أو جماعية عن مشاركة عبر قنوات غير رسمية. وقد تصبح المشاركة السياسية في هذا السياق ذات طابع نضالي في شكل احتجاجات، أو مظاهرات أو توقيع عريضة للتعبير عن موقف وجعل صوت المواطن مسموعًا من الجهات المسؤولة . تركّز بعض الدراسات على عدد من التفسيرات لفهم واقع المشاركة السياسية في علاقتها بالإنترنت. وتعتبر أن المشاركة نشاط (أو "فعل)"، ومجرد مشاهدة التلفزيون أو زيارة المواقع الإلكترونية أو ادعاء الاهتمام بالسياسة أو معلومات حول المجتمع المدني لا تُعدّ مشاركة فعلية . فالفرص التي توفرها الإنترنت للتعرف إلى ما يجري على الساحة السياسية تعطي انطباعًا بأن هناك تطورًا في المشاركة السياسية. ولكن، في الواقع، لا يضمن هذا الأمر بالضرورة مشاركة حقيقية؛ فالمواطن يعيش في مجتمع شبكي، وعلى صلة بكمٍّ هائل من المعلومات مرتبطة بالحياة السياسية والمجتمعية، بما في ذلك تطبيقات للتعامل مع القطاع الحكومي وغير الحكومي، مما يبعث أملً في التحفيز على المشاركة السياسية . ولكن في ظل إمكانيات المؤسسات الرسمية وهيمنتها على الأنظمة الشبكية، قد تُطرح إشكالية الإرادة الطوعية لمشاركة المواطنين والحريات المتوافرة في هذا المجال. يجب أن تقوم هذه المشاركة على الطوعية، وألّ تُفرض بموجب التوجيهات والإجراءات والقواعد . على العموم، أصبحت المشاركة السياسية في المجتمعات المتقدمة تقوم على أساس المواطنة الرقمية ، مما يفرض على الحكومات ضمان حقوق وواجبات لتمكين الأفراد من اكتساب المعرفة وتكوين قناعاتهم بكل حرية حول القضايا السياسية والمجتمعية المتداولة عبر الوسائط الرقمية. وهكذا، يمكن أن تصبح شبكة الإنترنت أداة مثالية لدعم المزيد من المشاركة السياسية من خلال التقدم العام في قدرة الأفراد على تبادل المعلومات والتواصل من دون قيود. ثمّ إنّ هذه الوسائط تتيح فرصًا عديدة لتبادل الآراء عبر منصات الحوار، وتوفر مج لً عامًا لتمكين المواطنين من المشاركة في النشاط الذي يحقق مواطنتهم بحسب إرادتهم. بل أكثر من ذلك، توفر الإنترنت هامش الحرية في التعبير عن الأفكار والاتجاهات والانتقادات في شأن القضايا ذات الاهتمام المشترك والتدقيق في القوانين وقواعد ممارسة السلطة العمومية والسياسة المتبعة ، وهو ما يَُ كِّن المواطن من التعامل بوعي أكثر مع المؤسسات الحكومية. على الرغم من ذلك، ترى بعض الدراسات أن المشاركة السياسية لم تتحسن على نحو ملحوظ عبر الوسائل التي توفرها الإنترنت. وتشير الإحصائيات إلى أن هذه المشاركة تقتصر أساسًا على استخدام الشبكة للحصول على خدمات حكومية أو إجراءات إدارية أو نشاطات ذات طابع محلي، في حين لم تعرف المشاركة السياسية (في شكل انتخابات أو نشاطات مع أحزاب سياسية... إلخ) تقدمًا كبيرًا . ربما يرجع ذلك إلى سببين رئيسين: أولً: عدم الاهتمام بالقنوات المحلية تحت هيمنة وسائل الإعلام والشركات العالمية الكبرى التي تحتكر المجال الإعلامي (بما في ذلك الإعلام الإلكتروني.) ثانيًا: لدى العديد من المواطنين داخل العالم العربي، المرجعية الأساسية للحصول على المعلومات السياسية هي القنوات الرسمية التابعة لوسائل الإعلام الجماهيري، وقد يشعر
المواطن بغياب التنوع في الآراء. وهذا الشعور لا يؤدي بالضرورة إلى الرفع من المشاركة السياسية . وقد يبحث المواطن عن فرص التواصل الرقمية المتنوعة واللامتناهية في مجالات أخرى خارجة عن السياسة كالمجال المهني أو الاستعمالات الشخصية والترفيهية. من خلال التوازي مع الأبعاد المتعددة للمشاركة السياسية، تجدر الإشارة إلى أنّ العالم العربي عرف تحولات مهمة بعد الربيع العربي، وأنّ وسائل التواصل الحديثة أدت فيه دورًا كبيرًا. كان لهذه الأحداث تأثير في إعادة ترتيب فضاءات المشاركة السياسية. وربما تبشّ الانفتاحات الجزئية نحو فضاءات جديدة قد تسمح بها الأنظمة بالتحفيز على المشاركة، خصوصًا في الدول التي عرفت تحولاتٍ في قطاعات متعددة. وما زالت هذه الدول تواجه تحديات في طريقة التفاعل مع الفضاءات الجديدة للممارسة السياسية وإنجاحها على أرض الواقع. بالنسبة إلى الدول العربية التي لم تعرف تحولات كبيرة، على الأقل أصبح فيها النقاش حول إعادة تشكيل فضاء المشاركات السياسية مطروحًا . سنرى من خلال هذه الدراسة كيف تفاعل المواطن العربي مع هذه الفضاءات تحت تأثير الإنترنت. الشكل)1(مقارنة الدول العربية من حيث مستوى استخدام الإنترنت في سلم من 1 إلى 5
ثًالث ا: النتائج
يُظهر الشكل 1() فوارق بين الدول العربية من حيث مستوى استخدام الإنترنت كما توضح بيانات المؤشر العربي. وتمثل الأرقام متوسطات مستوى استخدام الإنترنت في سلم من 1 إلى 5 (يمثل المستوى 1 استخدام الإنترنت على نحو شبه منعدم، والمستوى 5 استخدام الإنترنت على نحو مرتفع جدًّا.) وقد سُجِّل أعلى مستوى في الكويت ولبنان، في حين سُجِّل أدنى مستوى في السودان وتونس وموريتانيا (أقل من 3 على 5)، إضافةً إلى وجود فجوة بين الدول العربية، توجد أيضًا فجوة داخل كل مجتمع. نلاحظ من خلال الجدول 2() وجود فوارق من حيث استخدام الإنترنت بين الفئات الاجتماعية بحسب الخصائص الديموغرافية. ويمكن اعتبار هذه الظاهرة شاملة لجميع الدول العربية؛ فمستوى استخدام الإنترنت لدى الإناث أقل من الذكور (باستثناء الكويت ولبنان)، كما أن مستوى استخدام الإنترنت منخفض لدى فئات اجتماعية أخرى مثل المسنيّن 55(سنة فأكثر)، وذوي الدخل المنخفض (باستثناء الكويت)، والأشخاص ذوي المستوى الدراسي المنخفض. يُظهر الشكل 2() فوارق بين الدول العربية من حيث مستوى المشاركة السياسية كما توضح بيانات المؤشر العربي. فنسبة المشاركة
الجدول)2(مقارنة الدول العربية من حيث استخدام الإنترنت بحسب الخصائص الديموغرافية والسوسيو-اقتصادية تدل الأرقام على متوسطات استخدام الإنترنت في سلم من 1 إلى 5 (بحيث يمثل المستوى 1 استخدام الإنترنت على نحو شبه منعدم والمستوى 5 استخدام الإنترنت على نحو مرتفع جدًّا.)
| فلسطين | العراق | السودان | تونس | الأردن | |
|---|---|---|---|---|---|
| ***3.5 3.9 | 3.2*** 3.8 | **2.8 3.0 | ***2.5 3.2 | 3.9 3.9 | النوع إناث ذكور |
| 4.2 3.5 ***2.0 | 3.8 ***3.2 ***2.7 | 3.4 3.6 ***1.7 | 3.9 2.5 **1.7 | 4.2 3.9 ***2.7 | العمر 34-18 54-35 + 55 |
| ***3.2 3.8 4.2 | ***2.9 3.6 3.8 | **2.5 2.9 3.5 | ***1.8 2.8 3.8 | ***3.4 4.1 4.4 | الدخل منخفض متوسط مرتفع |
| ***3.2 4.0 4.3 | **3.1 3.5 4.2 | *2.5 2.8 3.7 | ***1.9 3.5 4.2 | ***3.5 4.2 4.5 | المستوى الدراسي منخفض متوسط مرتفع |
| موريتانيا | المغرب | مصر | لبنان | الكويت | |
| 2.1* 2.3 | ***2.9 3.6 | 2.8*** 3.2 | 4.4 4.3 | 4.7 4.7 | النوع إناث ذكور |
| 2.6 2.3 ***1.5 | 4.3 2.6 ***1.4 | 3.9 2.6 ***1.4 | 4.8 4.3 ***3.7 | 4.8 4.8 ***4.3 | العمر 34-18 54-35 + 55 |
| ***1.4 2.4 2.6 | ***2.4 3.5 3.9 | ***2.2 3.1 3.8 | ***3.9 4.6 4.4 | 4.7 4.7 4.8 | الدخل منخفض متوسط مرتفع |
| ***2.0 2.8 3.3 | ***2.6 4.2 4.6 | ***2.3 4.8 4.7 | ***3.9 4.6 4.9 | *4.5 4.7 4.8 | المستوى الدراسي منخفض متوسط مرتفع |
مرتفع
"الرسمية" أعلى من نسبة المشاركة السياسية "غير الرسمية." تسجل الكويت أعلى نسب المشاركة السياسية في مجملها، ويسجل الأردن أدنى نسب المشاركة. وسجلت بعض الدول مستويات ضعيفة في المشاركة السياسية غير الرسمية، مثل تونس ولبنان ومصر والعراق (أقل من %30.) وبالنسبة إلى المشاركة الرسمية، اخترق لبنان والعراق حاجز %60. ومن الملاحظ عمومًا أن هناك عزوفًا عن المشاركة غير الرسمية مقارنة بالمشاركة السياسية الرسمية. يُظهر الشكل 3() بحسب التوزيع داخل المربعات أن الدول العربية تختلف من حيث العلاقة بين مستوى استخدام الإنترنت والمشاركة السياسية مقارنة ببعضها. تسجل الكويت وفلسطين أعلى مستويات الاستخدام وفي الوقت نفسه أعلى مستويات المشاركة غير الرسمية. في حين تسجل دول أخرى، مثل المغرب وموريتانيا والسودان، مستويات مرتفعة من حيث المشاركة السياسية غير الرسمية، ولكنها أقل من حيث مستوى استخدام الإنترنت. وتشكّل مصر وتونس والعراق مجموعةً تعرف مستويات أقل من حيث الاستخدام والمشاركة. في حين يسجل الأردن ولبنان مستويات أعلى من حيث استخدام الإنترنت، ولكنها مستويات أقل من حيث المشاركة السياسية غير الرسمية. نلاحظ أن التوزيع يختلف إلى حدٍّ ما بالنسبة إلى المشاركة الرسمية (الشكل 4(.)) ورغم أن نسبة المشاركة الرسمية مرتفعة مقارنة بالمشاركة غير الرسمية، فإنّ بعض الدول، مثل المغرب الشكل)2(النسب المئوية للمشاركة السياسية
والسودان، تراجعت، في حين تقدمت دول أخرى مثل مصر ولبنان من حيث المشاركة الرسمية. يتضح من خلال نتائج الانحدار اللوجستي أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الموجه نحو قضايا الشأن العام هو الذي يحفز على المشاركة السياسية في مجمل الحالات التي توجد فيها دلالة إحصائية. فكلما ازداد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الموجه نحو قضايا الشأن العام (بدرجة على سلم من 1 إلى 5)، ارتفعت احتمالية المشاركة السياسية غير الرسمية بمقدار 1.5 مرة في الأردن وموريتانيا، وبمقدار 2.2 مرة في المغرب الذي يمثل أعلى درجة. في حين تدل النتائج على أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعية لأغراض أخرى (العائلة، الأصدقاء... إلخ) قد يرفع من احتمالية العزوف عن المشاركة السياسية الرسمية أو غير الرسمية في مجموعة من الدول العربية (نسب الأفضلية أقل من 1.) ربما لا يكون استخدام الإنترنت هو العامل الذي يحسم الأمور، فالغرض من الاستخدام هو الذي يحدد سلوك المواطن تجاه الرغبة في المشاركة السياسية. يظهر، من جهة أخرى، أن احتمالية المشاركة مرتفعة لدى الذكور مقارنة بالإناث في كل الدول التي توجد فيها دلالة إحصائية. بعبارة أخرى، ترتفع احتمالية المشاركة السياسية غير الرسمية بمقدار 3.1
الشكل)3(مقارنة الدول من حيث العلاقة بين مستوى استخدام الإنترنت والمشاركة السياسية غير الرسمية
الشكل)4(مقارنة الدول من حيث العلاقة بين مستوى استخدام الإنترنت والمشاركة السياسية الرسمية
تدل الأرقام على نسب الأفضلية لتحديد القوة التنبئية للمحددات التي لها تأثير في المشاركة السياسية.
| امرنألمشاركة السياسية "غير الرسمية" كمتغير تابع | ||||||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| موريتانيا | المغرب | مصر | لبنان | عر انلكويت | فلسطين | العراق | السودان | تونس | الأردن | |
| .6***3 | اااستخدام الإنترنت | |||||||||
| استخدام وسائل التواصل الاجتماعي | ||||||||||
| ***0.7 | 0.6*** | 0.8* | محور 1 I | |||||||
| ***1.5 | ***2.2 | ***1.7 | ***1.8 | ***1.6 | ***1.6 | ***1.6 | ***1.7 | ***1.6 | ***1.5 | محور 2 |
| **1.5 | **2.0 | ***1.4 | *1.8 | ***2.2 | ***1.7 | **1.9 | ***3.1 | النوع • ذكور | ||
| • إناث | ||||||||||
| *1.3 | **1.9 | العمر • 34-18 | ||||||||
| **1.8 | *1.4 | *2.0 | 54-35 • | |||||||
| -- | +55 • | |||||||||
| ***2.8 | **1.7 | *1.5 | الدخل • مرتفع | |||||||
| **1.5 | **1.9 | *1.5 | • متوسط | |||||||
| -- | يم • منخفض | |||||||||
| **1.5 | 2.0*** | ***2.2 | -- | **1.6 | ***2.1 | المستوى الدراسي • مرتفع | ||||
| *1.6 | • متوسط | |||||||||
| • منخفض | ||||||||||
| امرنألمشاركة السياسية "الرسمية" كمتغير تابع | ||||||||||
| موريتانيا | المغرب | مصر | لبنان | ع انلكويت | فلسطين | العراق | السودان | تونس | الأردن | |
| ***3.6 | ***5.5 | **1.6 | اااستخدام الإنترنت | |||||||
| استخدام وسائل التواصل الاجتماعي | ||||||||||
| ***0.6 | ***0.7 | *0.8 | **0.8 | **0.8 | محور 1 | |||||
| ***1.4 | ***1.3 | ***1.3 | ***1.3 | ***1.3 | ***1.5 | *1.1 | محور 2 | |||
| *1.4 | **1.7 | ***1.7 | النوع • ذكور | |||||||
| • إناث | ||||||||||
| ***0.5 | **0.6 | ***0.5 | *0.7 | **5.0 | العمر • 34-18 | |||||
| *0.7 | *0.7 | 54-35 • | ||||||||
| +55 • | ||||||||||
| ***1.9 | ***1.8 | ***4.8 | ***2.3 | ***1.9 | الدخل • مرتفع | |||||
| ***1.9 | **1.4 | ***3.1 | **1.5 | **1.4 | • متوسط | |||||
| يم • منخفض | ||||||||||
| **1.7 | **1.6 | ***1.8 | ***1.9 | *1.3 | المستوى الدراسي • مرتفع | |||||
| *1.4 | • متوسط | |||||||||
| • منخفض | ||||||||||
• منخفض
الجدول)3(نتائج الانحدار اللوجستي
المشاركة السياسية "غير الرسمية" كمتغير تابع
مرات عند المواطن الأردني مقارنة بالمواطنة الأردنية. أمّا في دول أخرى (فلسطين والكويت والمغرب)، فإنّ الاحتمالية لدى الذكور مرتفعة في كل أنواع المشاركة السياسية مقارنة بالإناث. وبالنسبة إلى الدول التي ظهرت فيها دلالة إحصائية، يبدو أن العمر يؤدي دورًا في التأثير في المشاركة السياسية. فاحتمالية الشباب 34-18(سنة)، والفئة العمرية 54-35(سنة) للمشاركة السياسية غير الرسمية مرتفعة، في حين أن هناك عزوفًا عن المشاركة الرسمية بالنسبة إلى الشباب مقارنة بالأكبر سنًّا في مجموعة من الدول العربية كما تدل على ذلك نسب الأفضلية الأقل من 1 في الجزء الأسفل من جدول نتائج التحليل اللوجستي. تُظهر النتائج أيضًا في كل الدول التي سجلت دلالة إحصائية في متغير الدخل، أن احتمالية المشاركة السياسية (الرسمية أو غير الرسمية) مرتفعة لدى أصحاب الدخل المرتفع والمتوسط. بعبارة أخرى، يوجد عزوف لدى أصحاب الدخل المنخفض مقارنة بالفئات الأخرى. وينطبق الاستنتاج نفسه على المستوى الدراسي. ولئن كان مستوى التأثير مختلفًا من دولة إلى أخرى ومن فئة اجتماعية إلى أخرى، فإنّ الفكرة الأساسية من خلال النتائج هي العلاقة الموجودة بين المتغيرات الديموغرافية والسوسيو-اقتصادية من جهة، والمشاركة السياسية من جهة أخرى. وقد لا تحصل فئات اجتماعية على فرص حقيقية للمشاركة السياسية كباقي الفئات الأخرى.
رابعًا: مناقشة وخلاصة
تتمحور هذه المناقشة حول ثلاث نقاط مرتبطة بأسئلة الدراسة الرئيسة التي طُرحت في المقدمة. الهدف من السؤال الأول هو معرفة ما يلي: إذا كانت هناك فوارق بين الدول العربية من حيث الوصول إلى الإنترنت، فما تأثير ذلك في المشاركة السياسية؟ يكمن أهم استنتاج في هذه الدراسة في وجود فوارق بين الدول العربية من حيث الوصول إلى الإنترنت. فمستوى استخدام الإنترنت في الكويت يتجاوز بكثير مستوى الاستخدام في موريتانيا وتونس. ولا شك في وجود فجوة رقمية واسعة بين الدول العربية، يمكن طرحها ضمن إشكالية الفجوة الرقمية العالمية. بعبارة أخرى، توجد دول غنية تستفيد على نحو واسع من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة مقارنة بدول فقيرة. إضافة إلى الوصول المحدود للإنترنت، فإنّ الكثير من المواطنين في الدول الفقيرة ليست لديهم المؤهلات الضرورية للاستفادة من التكنولوجيا، فضلً عن أنهم يقيمون في مناطق ريفية مهمشة تبعدهم عن النظام الشبكي . ويذكر تقرير الأمم المتحدة بشأن التنمية الرقمية أن الكويت مثلً تمكنت من رفع نسبة اختراق الإنترنت للمنازل إلى %99.7 في حين لا تتجاوز هذه النسبة %15 في موريتانيا. إضافة إلى ذلك، انتقلت الدول الغنية نحو استخدام الإنترنت في مجالات تقنية ووظيفية وإبداعية من شأنها تطوير مهارات الأفراد، وتمكينهم من استغلال الفرص والاندماج في المجتمع الرقمي. لا يمكن القول من خلال النتائج (الشكلان 3(4() و)) أن هناك علاقة قوية بين مستوى استخدام الإنترنت ومستوى المشاركة السياسية. فبعض الدول العربية تسجل مستوى مرتفعًا، إلى حدٍّ ما، في استخدام الإنترنت من دون أن يساعد ذلك في الرفع من المشاركة السياسية. يمكن القول في هذا السياق إنه على الرغم من التطور السرريع لشبكات التواصل الاجتماعي، مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"إنستغرام" و"تيك توك" و"واتساب"، فإن عدة دول ما زالت لم تستغل الثورة المعلوماتية على النحو المطلوب لاستخدام الإنترنت أداةً لتعزيز المشاركة السياسية. فانتشار الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة الأخرى يمكن أن يساعد في توسيع معدل اختراق الإنترنت ورفع حاجز الدخول للمشاركة في السياسة . ولكن؛ كما أظهرت نتائج التحليل اللوجستي، ليست كل الأغراض من استخدام الإنترنت تحفز على المشاركة. فالاستخدام لأغراض عائلية أو التعارف والتنقيب عن أخبار الناس لا يرفع من احتمالية المشاركة السياسية كما يدل على ذلك المحور 1 (الجدول 3())، والذي ليس له أي دلالة إحصائية في نموذج التحليل اللوجستي. في حين يتضح أن العامل الذي له علاقة بالمشاركة السياسية هو استخدام الإنترنت الموجه نحو قضايا الشأن العام. من الملاحظ أن القوة التنبئية لهذا المحور مرتفعة في المشاركة غير الرسمية مقارنة بالمشاركة الرسمية (بحسب نتائج الجدول 3()) في كل الدول العربية. وليس من المستبعد أن توفر الإنترنت للمواطن العربي هامشًا من الحرية للتعبير وفرصًا لمناقشة السياسات ومعارضتها، بعيدًا عن القيود التي تفرضها مسارات المشاركة الرسمية. في هذا السياق، ظهرت
منذ الربيع العربي ظاهرة انتشار أغاني "الراب" في مجموعة من الدول، مثل تونس والمغرب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بأسلوب أشد انتقادًا للوضع السياسي. وسجلت هذه الأغاني ملايين المشاهدات والمعجبين عبر موقع "يوتيوب" باعتبارها حركات تغزو فضاءات جديدة لتجسيد أصوات الشباب المثقف ومعاناتهم، المنحدرين من أوساط فقيرة . يجب ألّ نقف على العلاقة بين استخدام الإنترنت والمشاركة السياسية من منظور واحد لأنها مرتبطة بالفوارق الاجتماعية. من هنا، نجيب عن التساؤل الثاني: ما علاقة الخصائص السوسيو-اقتصادية والديموغرافية باستخدام الإنترنت؟ تبين من خلال نتائج الدراسة أن هناك فوارق اجتماعية من حيث استخدام الإنترنت؛ ليس فقط بين الدول، بل أيضًا داخل كل مجتمع في حد ذاته. باستثناء الكويت التي تمكنت من الحد من الفجوة الرقمية بين الفئات المجتمعية، تعرف باقي الدول مشاكل في تمكين بعض الفئات من المواطنين من الوصول إلى الإنترنت. ولا تُعتبر النتائج حول الكويت مفاجِئة؛ فعدة تقارير دولية تصنف دول مجلس التعاون من بين المجموعات الأكثر تطورًا باعتبار إجمالي الناتج المحلي المرتفع. فدول الخليج العربية حققت نجاحات كبيرة من حيث استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع تسجيل معدلات أمية ونسبة بطالة منخفضة . تختلف مستويات الفجوة الرقمية من دولة إلى أخرى وبحسب كل فئة اجتماعية، غير أن مصر والمغرب وتونس تُعتبر كلّها من بين المجتمعات التي تسجل فوارق اجتماعية مرتفعة من حيث الوصول إلى الإنترنت. ويصنف تقرير الأمم المتحدة هذه الدول الثلاث (إضافة إلى الجزائر) ضمن المجتمعات العربية ذات معدل الدخل "المتوسط-المنخفض." ويفيد التقرير نفسه أن هذه الدول تعرف معدلات منخفضة من حيث استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع ارتفاع نسبة الأمية. وتسجل هذه الدول نحو 100 مليون شخص غير متصلين بالإنترنت أغلبهم من الفئات المجتمعية الهشة، خصوصًا في المناطق الريفية. في حين أظهرت نتائج دراستنا أن الأردن ولبنان تمكّنا من التحكم في الفجوة الرقمية بين الفئات المجتمعية بطريقة متميزة، مقارنة بالدول العربية في أفريقيا. تتفق هذه النتائج مع تقرير الأمم المتحدة الذي يصنف الأردن ولبنان في المجموعة الثانية (مباشرة بعد دول مجلس التعاون) بحيث يشهدان مستويات متقدمة في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة مع انتشار الإنترنت وسط فئات مجتمعية متنوعة. وتعرف هاتان الدولتان أيضًا انخفاضًا في معدلات الأمية . ويشير التقرير نفسه إلى أن هناك مجموعة من الدول العربية الأخرى (مثل السودان والعراق وفلسطين) تعاني نزاعات، مما يؤثر سلبيًا في وضع سياسات من أجل تنمية القطاع التكنولوجي والحدّ من الفجوة الرقمية. وهناك أيضًا مجموعة من الدول ذات الدخل المنخفض (مثل موريتانيا) قد لا تشتمل على الإمكانيات للنهوض بقطاع تكنولوجيا المعلومات للحدّ من الفجوة الرقمية. في سياق الفجوة الرقمية، نجيب عن التساؤل الثالث بحيث تُظهر نتائج الدراسة أن هناك علاقة بين المحددات الديموغرافية والسوسيو-اقتصادية من جهة، والمشاركة السياسية (الرسمية وغير الرسمية)، من جهة أخرى. فاحتمالية مشاركة الذكور مرتفعة مقارنة بالإناث في جل الدول العربية. وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن المنطقة العربية تسجل أقل مشاركة للمرأة في الحياة السياسية على مستوى العالم. وسجلت الدول العربية %15.2 بالنسبة إلى مؤشر الفجوة النوعية (النساء الممثلات في البرلمان بحسب تقرير الهيئة)، مما يضع هذه الدول في المرتبة الأدنى، بنسب أقل من المعدل العالمي البالغ %22.1 من النساء الممثلات في البرلمان . وتشير بعض الدراسات إلى دور انتفاضات الربيع العربي في تراجع الفجوة بين الجنسين. ومنذ تلك الفترة، أدت المرأة العربية أدوارًا حاسمة في الحركات الاجتماعية وعمليات بناء السلام والمصالحة. وقد ظهر في عدة دول عربية خطاب نسوي جديد يدعو إلى المواطنة الشاملة والمتساوية، ويشمل دعم النساء بوصفهن فاعلات في التأثير في الحياة السياسية . وعززت مجموعة من الدول العربية الدستور بقوانين جديدة لدعم دور المرأة على الساحة السياسية، من قبيل رفع نسبة التمثيلية البرلمانية. ولكن هناك من يرى أن هذه القفزة لم تبرز إلا في الأشكال "التقدمية" للمشاركة السياسية؛ أي المشاركة في الحركات والنشاطات "الكامنة" كمجتمع مدني للدفاع عن بعض القضايا في مجالات كالتعليم والهجرة والبيئة، وغير ذلك، في حين،
ما زالت توجد حواجز مثل عدم المساواة في التوظيف والتعليم، فضلً عن الاعتبارات السوسيوثقافية التي تقيّد مشاركة المرأة في الأشكال "التقليدية" للسياسة . بعبارة أخرى، ما زالت المرأة العربية ممثلة تمثيلً غير متساوٍ مع الرجل في عدة مؤسسات، كالأحزاب السياسية والقضاء والمناصب الوزارية، بحيث تؤثّر هذه الظاهرة في مجالات أخرى في الحياة العامة والمشاركة في الفضاءات السياسية الأخرى . فيما يخص الفوارق العمرية، تدل نتائج الدراسة على ارتفاع احتمالية مشاركة الشباب 34-18(سنة) في النشاطات السياسية غير الرسمية في بعض الدول، مثل المغرب وموريتانيا. وترتفع أيضًا احتمالية المشاركة عند الفئة العمرية المتوسطة 54-35(سنة)، في تونس ولبنان والمغرب. وللإشارة، تعتبر هذه الفئات أيضًا أكثر استخدامًا للإنترنت مقارنة بالفئات الأكبر سنًّا. ربما قد تساهم الإنترنت في تحفيز الشباب والفئات العمرية المتوسطة على المشاركة السياسية غير الرسمية. والترابط بين المشاركة غير الرسمية والإنترنت يهمّ بالفعل جمهور الشباب، لأن القضايا أصبحت أكثر تداولً عبر الوسائط الرقمية ، بعيدًا عن القيود الرسمية التي قد لا يجد فيها الشباب الفضاء المناسب للمشاركة السياسية. فقد أظهرت نتائج التحليل اللوجستي في خمس دول أن الشباب هم أكثر عزوفًا عن المشاركة السياسية الرسمية. ويظهر عدد متزايد من الدراسات أن الأجيال الشابة أقل احتمالً للتصويت مثل . وتتفق الدراسات على أن كبار السن يميلون إلى استخدام الإنترنت أقل من الشباب وهم يعانون أكثر الجوانب السلبية للفجوة الرقمية لأنهم قد لا يستفيدون مما توفره الشبكات الرقمية من معلومات وفرص للمشاركة السياسية غير الرسمية. ومن هنا، قد تؤدي الفجوة الرقمية بين الأجيال إلى استبعاد كبار السن من عدة نشاطات، مما قد يخلق انقسامًا بين الناشطين الشباب والناشطين الأكبر سنًّا على مواقع التواصل الاجتماعي . تبين من خلال نتائج التحليل اللوجستي أن الفئات ذات الدخل المنخفض هي الأقل وصولً إلى الإنترنت، وأنها في الوقت نفسه أقل احتمالية للمشاركة السياسية غير الرسمية (في تونس والعراق ومصر، وموريتانيا) وأقل احتمالية للمشاركة الرسمية (في الكويت ولبنان ومصر والمغرب، وموريتانيا.) يبقى المواطنون من ذوي الدخل المرتفع هم الأكثر مشاركة، كما ظهر ذلك في بعض دراسات متعلقة بالمجتمع العربي لا تختلف، إلى حدٍّ، ما مع نتائج الدراسات حول الديمقراطيات الغربية . ويوجد تشابك بين المؤشرات؛ فاستخدام الإنترنت قد يزيد من الفوارق من حيث المشاركة بين الطبقات الاجتماعية (ذوو الدخل المنخفض، مقارنةً بذوي الدخل المرتفع.) لا شك في أن أصحاب الدخل المرتفع يستفيدون من وسائل الاتصال الرقمي على نحو أسرع ويحصلون على فرص أكثر، في حين أن الظروف المعيشية القاسية تُعتبر عائقًا أمام الترابط الرقمي بالنسبة إلى أصحاب الدخل المنخفض. وقد وصف بعض الباحثين هذه الفئة ب "الطبقة الدنيا المتنقلة" أو "مستخدمي الإنترنت من الدرجة الثانية" الذين يستفيدون على نحو أقل من الوسائط الرقمية . وقد يؤدي عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية المتجذر في عدد من دول العالم العربي إلى استبعاد الطبقات الدنيا وإعاقة جهودهم للتعبئة على الإنترنت، مما يرفع من احتمالية العزوف عن المشاركة السياسية. وفي الأوساط الفقيرة، حتى لو كان الوصول إلى الإنترنت متاحًا، سيكون من الصعب على الناس تحمّل تكلفته المادية . وتحاول النظرية الاقتصادية الاستهلاكية تفسير الفجوة الرقمية من خلال تكاليف السوق و"مبدأ التدفق للأسفل." بعبارة أخرى، منذ أن ظهرت الوسائل الرقمية الحديثة، كان يقتنيها، إلى حدٍ بعيد، ذوو الدخل المرتفع، في حين تنتظر الفئات المحرومة انخفاض الأسعار ، وتكتفي باستخدام أجهزة جودتها غير مرضية، فلا تتمكّن من الاندماج في العالم الرقمي والتفاعل على نحو فعّال مع قضايا مجتمعاتها.
تظهر الهشاشة الاجتماعية أيضًا من خلال الفوارق التعليمية؛ إذ تبين من خلال نتائج دراستنا أنّ المواطنين من المستويات التعليمية العالية (والمتوسطة إلى حدٍّ ما) هم أكثر احتمالية للمشاركة السياسية غير الرسمية (في تونس والسودان وفلسطين والكويت والمغرب)، وأكثر احتمالية للمشاركة السياسية الرسمية (في العراق وفلسطين ومصر والمغرب وموريتانيا.) وبغض النظر عن الجدل القائم في العلاقة بين المستوى الدراسي والمشاركة السياسية، تشير نتائج مجموعة من الدراسات إلى أن التقدم التعليمي له تأثير سببي إيجابي ومهم في المشاركة السياسية . لكنّ هذا لا يعني أن أصحاب المستويات التعليمية المنخفضة لا يمارسون نشاطات سياسية أو لا يستخدمون الإنترنت على الإطلاق، بل إنّ المسألة مرتبطة بطريقة الوصول إلى "المساحات الديمقراطية" واستغلال الفضاءات الجديدة. فالعملية التشاركية عبر الإنترنت مصممة على أساس المؤهلات التي يمكن أن يوظفها الفرد لتطوير أساليب العمل والتأقلم مع تقنيات التكنولوجيا الحديثة. ولكن على أرض الواقع، ما زالت مجموعة من الدول العربية تعاني مشاكل الأمية ، وحتى الفضاءات التشاركية خارج المنظومة الرسمية تبقى محدودة، وتقوم في بعض الأحيان على أنماط عمل متناقضة . هناك قوانين في بعض الدول العربية (أُصدرت مع موجة الربيع العربي) تعطي انطباعًا بالتوجه نحو انفتاح فضاءات ديمقراطية تحفز على المشاركة السياسية، وفي الوقت نفسه هناك تطبيقات وإجراءات تقيّد المواطنين، كما ورد في تقرير الأمم المتحدة الذي أشار إلى أن بعض دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط تعمد إلى قَطع الإنترنت، أو تعطيلها جزئيًا، أو غلق قنوات إلكترونية في بعض الدول العربية، للتصدي لنشاطات غير مرغوب فيها، أو قطع الإنترنت "بحسن النية" لمحاربة الغش في الامتحانات، مما يتسبب في تعطيل تواصل الملايين من المواطنين الآخرين وعرقلة أعمالهم، ويؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة. من الصعب في هذه الظروف، وفي غياب سياسات رقمية موجّهة نحو تمكين المواطن، جذب اهتمام كل الشرائح الاجتماعية للمشاركة في قضايا الشأن العام. بل قد تتضاعف شرائح اللامبالين، حتى إذا توافرت لديهم الإمكانيات والمهارات التواصلية.
خاتمة
تشير هذه الدراسة إلى أن العلاقة بين المشاركة السياسية واستخدام الإنترنت معقدة نوعًا ما. ورغم تقدّم بعض المجتمعات العربية من حيث معدل اختراق الإنترنت، فإن الفرص المتزايدة التي توفرها وسائل التواصل الحديثة والتي لا يمكن إنكارها، لا تؤدي بالضرورة إلى نتائج مرضية من حيث المشاركة السياسية. وفي إمكان هذه الدراسة أن تفيد في خلق شعور مشترك لدى الدول العربية بأهمية تجاوز منطق الفجوة الرقمية من المستوى الأول (لأن المسألة ليست مرتبطة فقط بنسبة الموصولين بالإنترنت)، والعمل على الحد منها على مستوى المهارات والتكوين، وإزالة الفوارق الاجتماعية لتمكين المواطنين من استغلال الفوائد الملموسة من وراء استخدام الإنترنت. قد يؤدي تشابك الفجوة الرقمية مع الفوارق الاجتماعية إلى عدم تكافؤ الفرص للمشاركة السياسية واستبعاد شرائح مجتمعية مهمة، خصوصًا من الفئات الهشة. وما زالت الدول العربية تواجه تحديات كبرى من حيث توظيف إمكانات الإنترنت لتعزيز الاتصال وتمكين المواطنين من التداول في القضايا ذات الاهتمام المشترك. إضافة إلى ضعف تأقلم السياسات الرقمية مع متطلبات المجتمعات العربية وطموحها، ما زالت المنطقة لم تحقق قفزة نوعية لفتح فضاءات ديمقراطية جديدة وحقيقية للتحفيز على المشاركة السياسية وضمان حقوق المواطنين في ذلك، مهما كان التقدم الحاصل بعد موجة الربيع العربي. وربما قد يعطّل التخوف من مخاطر الإنترنت، من قبيل الجرائم الرقمية أو انتشار تيارات متطرفة مسيئة للأنظمة القائمة واستقرار المجتمعات، النهوضَ بالمشاركة السياسية والمواطنة الرقمية. لا شك في أن العالم العربي في حاجة إلى المزيد من الدراسات في هذا الموضوع؛ ليس فقط للحدّ من الفجوة الرقمية بمختلف مستوياتها، بل للانتقال أيضًا من نموذج عربي مستهلِك للتكنولوجيا إلى نموذج يساهم في الإبداع والابتكار لإيجاد حلول للحد من المخاطر، وفي الوقت نفسه توسيع حقوق المشاركة السياسية على نحو يتناسب مع واقع مجتمعاتنا واستقرارها.
References المراجع
العربية
بارني، دارن. المجتمع الشبكي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 رائق، هشام ومحمد أوريا. "مدى رضا الشباب في ظل التحولّات السياسية والاقتصادية بعد 'الربيع العربي:' تحليل انحدار لوجستي ثنائي الاستجابة لعيّنة من المغرب العربي." سياسات عربية. العدد 46 (أيلول/ سبتمبر 2020.) المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي. 2018/2017 برنامج قياس الرأي العام العربي (أيار/ مايو 2018.) في: https://bit.ly/3q1Hhqo
الأجنبية
Ahmed, Saifuddin & Jaeho Cho. "The Internet and Political (in)Equality in the Arab World: A Multi-Country Study of the Relationship between Internet News Use, Press Freedom, and Protest Participation." New Media & Society. vol. 21, no. 5 (2019). Azoulay, Vincent. Périclès: La démocratie athénienne à l'épreuve du grand homme. Paris: Armand Colin, 2015. Bala, Monica. "Civic Engagement in the Age of Online Social Networks." Contemporary Readings in Law and Social Justice. vol. 6, no. 1 (2014). Barney, Darin et al. The Participatory Condition in the Digital Age. Minneapolis, MN, U.S.A: University of Minnesota Press 2016. Boutaleb, Assia, Marie Vannetzel & Amin Alla. Introduction aux mondes arabes en (r)évolution. Paris: Deboeck, 2018. Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. Singapore: Wiley-Blackwell, 2010. Chang, Alex Chuan-hsien. "Does Internet Usage Inspire Offline Political Participation? Analyzing the Taiwanese Case." Japanese Journal of Political Science. vol. 20, no. 4 (2019). Chayko, Mary. Super Connected: The Internet, Digital Media, and Techno-Social Life. United States: SAGE Publications, 2017. Dijk, Jan van. The Digital Divide. Cambridge: Polity Press, 2020. Ekman, Joakim & Erik Amnå. "Political Participation and Civic Engagement: Towards a New Typology." Human Affairs. vol. 22, no. 3 (2012). Faek, Rasha & Tarek Abd El-Galil. "The Shift to Online Education in the Arab World Is Intensifying Inequality." Al-Fanar Media. at: https://bit.ly/3C9hWCf Hawkesworth M., Kogan M. Encyclopedia of Government and Politics. vol. 1. London/ New York: Routledge, 1992. Hedtke, Reinhold & Tatjana Zimenkova. Education for Civic and Political Participation a Critical Approach. London/ New York: Routledge Taylor & Francis Group, 2013. Hosmer, David & Stanley Lemshow. Applied Logistic Regression. New Jersey: Wiley, 2013. Isa, Berk Orkun & Mustafa Eray Yucel. "A Theory of Political Participation." Munich Personal RePEc Archive (2020), at: https://bit.ly/3cCjKZX Isman, Aytekin & Ozlem Canan Gungoren. "Being Digital Citizen." Procedia – Social and Behavioral Sciences. vol. 106 (2013). at: https://bit.ly/3BerHOr ITU Publications (International Telecommunication Union). Measuring Digital Development: Facts and Figures 2021. (Geneva, Switzerland: 2021). at: https://bit.ly/3P7nwaR James, Jeffrey. "The Global Digital Divide in the Internet: Developed Countries Constructs and Third World
Realities." Journal of Information Science. vol. 31, no. 2 (2016). Lemyre, Xavier. "Jeunes, Participation Et Engagement Au Canada." Patrimoine Canadien (Septembre 2016). Mayer, Alexander K. "Does Education Increase Political Participation?" The Journal of Politics. vol. 73, no. 3
McDonough, Carol C. "The Effect of Ageism on the Digital Divide among Older Adults." Journal of Gerontology Geriatric Medicine. vol. 2, no. 008 (2016). at: https://bit.ly/3diwRzu Monnoyer-Smith, Laurence, & Stéphanie Wojcik. "La participation politique en ligne, vers un renouvellement des problématiques?" Participations. vol. 8, no. 1 (2014). Napoli, P. M., & J. A. Obar. "The Emerging Mobile Internet Underclass: A Critique of Mobile Internet Access." Information Society. vol. 30, no. 5 (2014). Norris, Pippa. Digital Divide: Civic Engagement, Information Poverty, and the Internet Worldwide. Cambridge: University Press, 2001. O'Rourke, Norm, & Larry Hatcher. A Step-by-Step Approach to Using Sas® for Factor Analysis and Structural Equation Modeling. North Carolina: SAS Institute Inc, 2007. Schuster, Julia. "Invisible Feminists? Social Media and Young Women's Political Participation." Political Science. vol. 65, no. 1 (2017). Skoric, Marko M., et al. "Social Media and Citizen Engagement: A Meta-Analytic Review." New Media & Society. vol. 18, no. 9 (2016). UN. Digital Divide and Open Government in the Arab Region. Economic and Social Commission for Western Asia (ed.) Beirut, Lebanon: Economic and Social Commission for Western Asia, United Nation, 2021. UN (ESCWA). Arab Digital Development Report 2019 Towards Empowering People and Ensuring Inclusiveness. Beirut, Lebanon: 2019. at: https://bit.ly/3A9CYiu UN (Council Human Rights). Internet Shutdowns: Trends, Causes, Legal Implications and Impacts on a Range of Human Rights. Geneva: 2022. at: https://bit.ly/3BeZgjq van Deth, Jan W. "A Conceptual Map of Political Participation." Acta Politica. vol. 49, no. 3 (2014). Van Deursen, A. J. & J. A. Van Dijk. "The First-Level Digital Divide Shifts from Inequalities in Physical Access to Inequalities in Material Access." New Media & Society. vol. 21, no. 2 (2019). Yassin, Nasser & Robert Hoppe. Women, Civil Society and Policy Change in the Arab World. Switzerland: Palgrave Macmillan, 2019.
التوثيق Documentation
محطات التحول الديمقراطي في الوطن العربي
Milestones in Democratic Transition in the Arab World
يتضمّ ن هذا التقرير توثيق ا لأبرز محطات التحول الديمقراطي في الوطن العربي في المدة 1 آذار/ مارس - 30 نيسان/ أبريل 2022. كلمات مفتاحية: العراق، تونس، مصر، ليبيا، السودان، الأردن، الصومال، موريتانيا، الجزائر. Keywords: Iraq, Tunisia, Egypt, Libya, Sudan, Jordan, Somalia, Mauritania, Algeria.
2022/3/2 جدّد رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، تمسّك حكومته بالسلطة إلى حين إجراء الانتخابات والتسليم لحكومة منتخبة، مكررًا تأكيد عدم تسليم السلطة للحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة فتحي باشاغا. 2022/3/3 أدّى رئيس الحكومة المكلف فتحي باشاغا، ونوابه الثلاثة وعدد من وزراء حكومته، اليمين القانونية أمام أعضاء مجلس النواب. وقال باشاغا عقب أداء اليمين، إنه سيباشر دراسة كل الخيارات والتدابير اللازمة لاستلام السلطة في العاصمة طرابلس ب "قوة القانون وليس بقانون القوة." 2022/3/7 عُقد في الخرطوم أول اجتماع لآلية مشتركة جديدة للتنسيق بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بشأن عملية الحوار في السودان. 2022/3/7 أعلنت لجنة التحقيق في جريمة فض اعتصام محيط قيادة الجيش السوداني وقفَ أعمالها؛ احتجاجًا على سيطرة قوات أمنية على مقرها بالخرطوم. وشُكلت اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في فض اعتصام محيط قيادة الجيش، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، للتحقيق في الجريمة وتقديم المتورطين للعدالة، إضافة إلى العمل على كشف كامل الحقائق في حادثة فض الاعتصام التي وقعت في 3 حزيران/ يونيو.2019 2022/3/7 أصدر رئيس تونس، قيس سعيّد، الأمر الرئاسي المتعلق بتسمية أعضاء بالمجالس المؤقتة للقضاء. وبالتزامن مع ذلك، أشرف على مراسم أداء أعضاء المجالس المؤقتة للقضاء العدلي والإداري والمالي، اليمين الدستورية، تمهيدًا لبدء عملهم رسميًّا. وهي خطوة عُدت استهدافًا لاستقلالية القضاء. 2022/3/8 دانت تنسيقية الأحزاب الديمقراطية، التي تضم بالأساس الحزب الجمهوري، وحزب التيار الديمقراطي، وحزب التكتل الديمقراطي، "بشدة" ما أسمتها "الخطوة الانقلابية الجديدة على السلطة القضائية الشرعية." وهي تقصد تعيين الرئيس التونسي قيس سعيّد لتركيبة المجلس المؤقت للقضاء الذي أدى اليمين أمامه، في 7 آذار/ مارس 2022، وذلك بعد أن حلّ سعيّد المجلس الأعلى للقضاء. 2022/3/11 أصدرت المحكمة العسكرية بالناحية الأولى بالبليدة، قرب العاصمة الجزائر، عقوبة حبسٍ نافذٍ في حق الرئيس السابق لجهاز المخابرات، الجنرال بشير طرطاق، مدتها 6 سنوات، وذلك في القضية المعروفة ب "الرشاوى والتزوير في الانتخابات التشريعية 2017." ودانت المحكمة في الملف ذاته الجنرال "ب. عزوز" نائب مدير المخابرات الداخلية سابقًا، وضابطين برتبة عقيد، ب 5 سنوات حبسًا، ورائدًا من الجهاز نفسه بعقوبة 3 سنوات حبسًا. 2022/3/12 كشف عضو المكتب التنفيذي للمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، شهاب الطيب، أن الإمارات طرحت مقترحًا، في مؤتمر "أصدقاء السودان" الذي استضافته الرياض، يتضمّن إعادة عبد الله حمدوك رئيسًا للوزراء، لكنّ دول الترويكا ودولً إقليمية لم تتحمس للمقترح. 2022/3/14 قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن سجن العميد السابق للمحامين عبد الرزاق الكيلاني بسبب جدال مع أعوان أمن هو "خطوة جديدة مقلقة في مصادرة الحرية المدنية منذ استحواذ الرئيس التونسي قيس سعيّد على السلطات في 25 تموز/ يوليو 2021، معتبرة أنه "من أبرز التونسيين الذي وُضعوا خلف القضبان بسبب التعبير السلمي منذ الإطاحة بنظام بن علي في."2011 2022/3/15 أصدرت محكمة عسكرية سودانية حكمً بالسجن 9 سنوات على رئيس هيئة أركان الجيش السابق، الفريق أول هاشم عبد المطلب، وأصدرت أحكامًا أخرى على عدد من كبار الضباط بالسجن تُراوِح بين 5 و 9 سنوات، إضافة إلى طردهم من الخدمة بعد خفض رتبهم العسكرية، وذلك عقب إدانتهم بتدبير محاولة انقلابية في تموز/ يوليو.2019 2022/3/17 وصف الاتحاد العام التونسي للشغل الإصلاحات التي اقترحتها الحكومة لصندوق النقد الدولي للحصول على قرض بأنها "حزمة فساد." وقال الأمين العام المساعد للاتحاد، صلاح الدين السالمي، إنه من المستحيل أن يوافق الاتحاد على حزمة الإصلاحات التي اقترحتها الحكومة على صندوق النقد الدولي للحصول على برنامج تمويلي. وأشار السالمي إلى أن الحزمة المقترحة تشمل وقف التوظيف، وتجميد الأجور خمس سنوات في القطاع العام، وبيع بعض الشركات العامة، ورفع الدعم نهائيًّا في غضون أربع سنوات. 2022/3/18 شهدت محافظة درعا، جنوبي سورية، خروج عدة تظاهرات يوم الجمعة 18 آذار/ مارس بمناسبة ذكرى الثورة السورية، لتأكيد استمرار المطالبة بإسقاط النظام، والمضيّ في التظاهر حتى
تحقيق أهداف الثورة التي اندلعت عام 2011، والتي خرج من أجلها السوريون آنذاك. 2022/3/19 قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن "الرئيس التونسي شرع في تفكيك الرقابة المؤسساتية على حُكمه منذ استحواذه على السلطة في 25 تموز/ يوليو 2021، ولا عجب أنّ التلفزيون العمومي ضمن أهدافه"، وفق تقديرها. وأضافت المنظمة الدولية، في بيان لها، أنه "منذ آب/ أغسطس 2021، استثنت البرامج الحوارية على القناة الوطنيّة تقريبًا كل من يُشكّك علنًا في مسار الرئيس، ولم تستضف أيّ شخص ممن يصفون ما قام به ب 'الانقلاب."' 2022/3/23 صرح رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، محمد ياسين الجلاصي، قائلً إننا نعيش اليوم أسوأ الفترات التي عرفتها تونس في مجال حرية الصحافة والتعبير منذ اندلاع الثورة. 2022/3/24 استنكر ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية حملة الاعتقالات الواسعة التي امتدّت إلى عدد واسع من الشخصيات الوطنية السياسية والنقابية والإعلامية، على خلفية حرية الرأي والتعبير عنه بصورة سلمية. وقال إنّ استمرار سياسات التضييق على الحريات العامة ومحاصرتها من شأنه أن يقدم رسالة سلبية معاكسة تمامًا لما يتضمنه الخطاب الرسمي من دعوات للإصلاح السياسي الديمقراطي، ومن شأنه أن يزيد فجوة الثقة بين الشعب ومؤسساته الرسمية. 2022/3/25 اعتبرت منظمة العفو الدولية أن المرسوم الجديد، الذي أصدره الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في إطار ما وصفه بحملة لمحاربة المضاربة غير المشروعة بالسلع، يُعَد "تهديدًا خطيرًا لحرية التعبير"، وأشارت، في بيان لها، إلى أن "المرسوم يشتمل على أحكام ذات صياغة مُبهمة قد تؤدي إلى سجن الأفراد لمدد تراوح بين عشرة أعوام ومدى الحياة يشمل معاقبة النقاش العلني حول الاقتصاد." 2022/3/26 فشل البرلمان العراقي للمرة الثانية في انتخاب رئيس للجمهورية، بعد إخفاقه في محاولة أولى في 7 شباط/ فبراير الماضي، لعدم اكتمال نصاب الثلثين (أكثر من 220 نائبًا من 329) بسبب مقاطعة الإطار التنسيقي الذي يمثل أحزابًا شيعية بارزة. ويتنافس على المنصب 40 مرشحًا، إلا أن المنافسة الفعلية تنحصر بين شخصيتين تمثلان أبرز حزبين كرديين؛ هما الرئيس الحالي منذ عام 2018 برهم صالح مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وريبر أحمد مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني. 2022/3/26 قال الرئيس التونسي، قيس سعيّد، تعقيبًا على دعوة راشد الغنوشي لانعقاد مكتب المجلس: "من يريد أن يجتمع فليجتمع في مركبة فضائية في السماء لأن المجلس مجمد"، وأضاف: "إن أي قرار سيتم اتخاذه فهو خارج الفضاء والتاريخ والجغرافيا"، وأضاف: "من يحلم بالعودة للوراء فهو واهم[...]ولن تتحقق أضغاث أحلامه." 2022/3/27 أُعيد انتخاب الناشطة السياسية لويزة حنون أمينة عامة لحزب العمال، خلال المؤتمر الوطني العام الثامن للحزب اليساري. 2022/3/28 في إحاطة أمام مجلس الأمن بشأن آخر المستجدات في السودان، بما في ذلك مبادرة الأمم المتحدة لتيسير الحوار بقيادة سودانية، حذّر ممثل الأمين العام، فولكر بيرتس، من تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية والأمنية في السودان في ظل غياب اتفاق سياسي يفضي إلى العودة إلى مسار انتقالي مقبول. 2022/3/28 أصدر رئيس النظام بشار الأسد قانونًا يشمل تعديلات على مواد وفقرات من قانون العقوبات، من بينها سجن 6 أشهر كل من "يذيع أنباء من شأنها تحسين صورة دولة معادية للمساس بمكانة الدولة السورية"، بحسب نص القانون. 2022/4/1 أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف "السيادة" تمسكهما بتحالفهما مع الكتلة الصدرية، إثر إعلان مقتدى الصدر استعداده لتشكيل معارضة مقابل حكومة أغلبية يتولى قيادتها الإطار التنسيقي. وأكّد الطرفان، في بيان مشترك، "تمسكهما بشراكتهما مع الكتلة الصدرية"، و"عدم إمكانية ولادة حكومة توافقية دون شراكتهم." 2022/4/1 عيّ الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، أعضاء حكومته الجديدة التي شهدت تغيير عدد من الوجوه، وفق ما جاء في مرسوم رئاسي. وكان رئيس الوزراء، محمد ولد بلال، قد قدّم استقالته قبل إعادة تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة. 2022/4/1 اعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل أنّ "حلّ البرلمان فرصة بعد فترة من التردّد لاستعادة الثقة وطمأنة الشعب واسترجاع
الأمل من أجل تصحيح المسار." وأضاف الاتحاد، في بيان أصدره عقب اجتماع مكتبه التنفيذي، أن قرار حل البرلمان "يستدعي اتخاذ خطوات أساسيّة تهدف إلى تجميع القوى الوطنية والديمقراطية لحوار شامل يجرى على قاعدة ذلك لضمان القدرة على تحويل إرادة التصحيح إلى قوّة فعليّة لإنقاذ تونس." 2022/4/5 أعلن راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، ورئيس مجلس النواب الذي جرى حلّه، أن الجلسات الافتراضية للبرلمان ستستمر. وقال الغنوشي، في مقابلة مع "وكالة الأنباء الألمانية:" إن "مكتب رئاسة البرلمان سيجتمع قريبًا لبرمجة جلسة افتراضية جديدة." واعتبر أن "الدستور لا يمنح الرئيس سلطة حل البرلمان، إلا في حالات معينة عندما يعجز مجلس النواب عن تزكية حكومة فيحل نفسه بنفسه." كما أضاف أن "حركة النهضة والنواب يرفضون قرار التجميد وحل البرلمان وسيستمرون في مقاومة هذه القرارات."
2022/4/6 قال وزير الخارجية التونسي، عثمان الجرندي، في تغريدة على حسابه بموقع "تويتر" إنه أجرى اتص لً مع وزير خارجية تركيا، وجرى استدعاء السفير التركي. وقال الجرندي في التغريدة ذاتها: "أبلغتهما رفض تونس تصريح الرئيس أردوغان واعتباره تدخلً في الشأن التونسي وأن علاقات البلدين يجب أن تقوم على احترام استقلالية القرار الوطني واختيارات الشعب التونسي دون سواه وأن بلادنا لا تسمح بالتشكيك في مسارها الديمقراطي."
2022/4/6 قال الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في تصريح إعلامي من المنستير، على هامش زيارته لضريح الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بمناسبة إحياء ذكرى وفاته: إن "الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والتي أشرفت على كل المناسبات الانتخابية إبان الثورة، ستشرف على الاستحقاقات الانتخابية القادمة لكن مع تغيير تركيبتها."
2022/4/7 أعرب الاتحاد الأوروبي عن "قلقه الشديد" من حلّ مجلس نواب الشعب التونسي، وفق ما جاء في بيان لنبيلة مصرالي، المتحدثة باسم مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل. ودعا بيان التكتل إلى العودة في أقرب وقت إلى العمل الطبيعي للمؤسسات، مؤكدًا أنه يواصل المتابعة عن كثب لمختلف مراحل تنفيذ الجدول الزمني السياسي المعتمد في كانون الأول/ ديسمبر.2021 2022/4/7 اجتمع عضوان في مجلس السيادة السوداني مع ممثلين لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، وهو اللقاء الأول من نوعه منذ انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر. 2022/4/7 قضت محكمة سودانية ب اررءة رئيس حزب المؤتمر الوطني المنحل، إبراهيم غندور، وآخرين من الاتهامات الموجهة إليهم والخاصة بالتخطيط لعمليات تخريبية في السودان. واستندت المحكمة في حيثيات الحكم إلى أن الدعوى القضائية في مواجهة المتهمين اعتمدت على أن أحدهم "أنكر" أقواله في مجريات سير القضية. وبرّأت المحكمة، إلى جانب غندور، أنس عمر، رئيس حزب البشير المنحل بولاية الخرطوم، وقيادات أخرى. 2022/4/7 قرر الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، إعفاء نائبه علي محسن الأحمر من منصبه. وفي الوقت نفسه، أعلن الرئيس هادي تشكيل مجلس قيادة رئاسي، وأعلن نقل كلّ صلاحياته وصلاحيات نائبه إلى المجلس. ويضم المجلس الرئاسي اليمني 7 أعضاء هم: سلطان العرادة، وطارق صالح، وعبد الرحمن أبو زرعة وعبد الله العليمي، وعثمان مجلي، وعيدروس الزبيدي، وفرج البحسني. في حين يتولى مجلس القيادة الرئاسي الجديد باليمن إدارة الدولة، سياسيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا، طوال المرحلة الانتقالية. وأعلن وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، تعيين الدكتور رشاد العليمي رئيسًا لمجلس القيادة الرئاسي. 2022/4/8 تعهد الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، للشعب اليمني بالعمل على إنهاء الحرب وإحلال السلام في اليمن، مبينًا أنه مجلس سلام لا حرب، وفي الوقت نفسه مجلس دفاع وقوة ووحدة صف يذود عن سيادة الوطن وحماية المواطنين. 2022/4/9 دعت منظمة العفو الدولية السلطاتِ التونسية إلى "إنهاء الملاحقة السياسية لنواب بالبرلمان واحترام حقوقهم في حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها." وكان قد أُحيل عشرات النواب، من بينهم رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي (رئيس حركة النهضة)، على التحقيق أمام فرقة مكافحة الإرهاب، واعتبرت المنظمة أنّ "هذه التحقيقات الجنائية (ضد النواب) ذات الدوافع السياسية ترقى إلى مستوى المضايقة القضائية." 2022/4/9 قال الرئيس التونسي، قيس سعيّد، إن مجلس نواب الشعب، الذي جرى حلّه، خيّب أمل التونسيين، متعهدًا بتشكيل برلمان وطني يعبر عن إرادة الشعب، في حين أكدت رئاسة مجلس
النواب أن المجلس سيواصل جلساته افتراضيًا، أمّا المعارضة فدعت إلى تشكيل جبهة خلاص وطني، واتهمت السلطات بعرقلة تنظيم احتجاجات في العاصمة مناهضة ل "الانقلاب." 2022/4/11 خرج آلاف السودانيين في الخرطوم ومدن أخرى للمطالبة بسقوط الحكم العسكري في البلاد وعودة الحكم المدني. ويصادف خروج السودانيين مرور 3 سنوات على إطاحة نظام الرئيس المعزول عمر البشير في 11 نيسان/ أبريل.2019 2022/4/21 قضت أعلى محكمة للطعون في مصر بحكم نهائي بالسجن المؤبد 25(عامًا) في حق مرشد جماعة الإخوان المسلمين المحبوس محمد بديع وبراءة 59 آخرين، وذلك في قضية تعود إلى آواخر عام.2013 2022/4/22 علّق رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، نبيل بفون، على المرسوم الرئاسي المتعلق بتنقيح القانون الأساسي لهيئة الانتخابات الصادر الجمعة ب "الرائد الرسمي للجمهورية التونسية"، معتبرًا أن "الهيئة أصبحت هيئة رئيس الجمهورية بامتياز." 2022/4/26 أعيد انتخاب السناتور، عبدي حاشي عبد الله، رئيسًا لمجلس شيوخ للبرلمان الفدرالي مرةً ثانية، وذلك في انتخابات جرت في خيمة "أفسيوني" القريبة من مطار مقديشو. وفاز حاشي على منافسيه، صالح أحمد جامع، وزير الشؤون الدستورية، وعثمان أبو بكر دوبي، وزير الإعلام الصومالي، في الجولة الأولى من الانتخابات بحصوله على 28 صوتًا من أصل 54 عضوًا حضروا جلسة المجلس، متفوقًا على أقرب منافسيه جامع الذي حصل على.24 صوتًا 2022/4/27 أعلنت الآلية الثلاثية لحل الأزمة السودانية المتطاولة (التي تضم "يونيتامس"، و"الاتحاد الأفريقي"، ومنظمة "إيغاد)" منتصفَ أيار/ مايو 2022 موعدًا لانطلاق الحوار "السوداني – السوداني" لحل الأزمة السياسية الناجمة عن استيلاء العسكر على السلطة. 2022/4/27 قالت الولايات المتحدة الأميركية إنه "يساورها قلق عميق حيال قرار الرئيس التونسي قيس سعيّد بإعادة هيكلة أحادية الجانب للهيئة العليا المستقلّة للانتخابات." 2022/4/27 قال محمد الفكي سليمان، العضو السابق في مجلس السيادة السوداني، ل "روي زرر"، إنه قد أُطلق سراحه. وكان سليمان قد اعتقل في شباط/ فبراير 2022 بتهم فساد بعد انقلاب تشرين الأول/ أكتوبر 2021. وفي 14 شباط/ فبراير، أعادت الشرطة السودانية، اعتقال الفكي، وفق ما أفاد به قيادي في حزبه ل "وكالة فرانس برس"، ليضاف إلى عشرات الموقوفين المؤيدين للحكم المدني. وقال القيادي في حزب التجمع الاتحادي حينئذ إن "محمد الفكي، العضو السابق في مجلس السيادة، أوقف عندما كان في سيارته مع صديق له على أيدي قوات الأمن التي قادته إلى وجهة غير معلومة." 2022/4/28 اتهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش" قوات الأمن السودانية ب "ضرب" محتجزين مناهضين للانقلاب، منهم أطفال تعرضوا ل "التعرية" بإزالة ملابسهم، ونساء تعرضن ل "تهديد بالعنف الجنسي." 2022/4/29 أكد رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نبيل بفون، في بيان بإمضائه، أن "المرسوم الرئاسي لتعديل الهيئة غير دستوري وغير قانوني ويتعارض مع أبسط المعايير الدولية شكلً ومضمونًا ونسف نهائيًا استقلالية الهيئة وحيادها وحتى علويتها بما أنها أصبحت هيئة يتولى رئيس الجمهورية دون سواه تسمية كل أعضائها ورئيسها وإعفاءهم من مهامهم." 2022/4/29 قال مبعوثون دوليون إن الدعم المالي الدولي للسودان مرهون بتشكيل حكومة مدنية ذات صدقية. جاء ذلك وفق بيان مشترك لمبعوثي فرنسا وألمانيا والنرويج وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، في ختام زيارة رسمية للسودان استمرت 3 أيام. وأفاد البيان أن "الدعم المالي الدولي للسودان، بما في ذلك الإعفاء من الديون، لا يمكن أن يتحقق إلا بتشكيل حكومة مدنية ذات صدقية." 2022/4/30 أعرب رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الليبي، يوسف العقوري، عن استنكاره لموقف الحكومة الجزائرية، بشأن اعترافها بحكومة الوحدة الوطنية، ورفض الحكومة التي اختارها مجلس النواب.
وثائق التحول الديمقراطي في الوطن العربي
Documents of Democratic Transition in the Arab World
يرصد هذا الباب أبرز الوثائق ذات الصلة بالتحول الديمقراطي في الوطن العربي. وننشر تسلط الضوء على الحراك السياسي في تونس والأردن والسودان في هذا العدد وثائق، وذلك خلال آذار/ مارس ونيسان/ أبريل 2022. كلمات مفتاحية: تونس، السودان، الأردن.
Keywords: Tunisia, Sudan, Jordan.
الوثيقة 1 بيان التيار الديمقراطي المندد بالانقلاب على الدستور والسلطة القضائية
الوثيقة 2 بيان لمنظمات حقوقية تونسية ودولية تطالب فيه النظام بالتوقف عن تشديد القيود على المجتمع المدني
قالت 13 منظمة حقوقية تونسية ودوليّة اليوم إنّ على السلطات التونسية التخلّ فورًا عن خططها لفرض قيود جديدة على منظمات المجتمع المدني. هذه الخطط، إذا تمّ تنفيذها، ستعصف بالمكاسب الكبيرة لحريّة تكوين الجمعيات التي تحققت عقب ثورة 2011، وستكون ضربة أخرى يوجهها الرئيس قيس سعيّد لضمانات حقوق الإنسان منذ استحواذه على السلطة في تموز/ يوليو.2021 قالت آمنة القلالي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "يُدرك التونسيون من واقع تجربتهم المخاطر التي يُ كن أن تُشكّلها القوانين التقييدية على المجتمع المدني والنقاش العام. استخدمت السلطات أثناء حقبة بن علي القمعيّة للغاية قوانين تعسّفية للجمعيات وإجراءات إدارية مرهقة كأدوات أساسية لخنق المعارضة." سُِّب مؤخرا مشروع قانون لتنظيم منظمات المجتمع المدني من شأنه أن يمنح للسلطات صلاحيات واسعة وسلطة تقديرية للتدخل في طريقة تكوين منظمات المجتمع المدني، ووظائفها، وأعمالها، وتمويلها، وقدرتها على التحدث علنًا عن عملها والتعبير عن آرائها. في خطاب مصوّر ألقاه يوم 24 شباط/ فبراير 2022، اتهم الرئيس سعيّد منظمات المجتمع المدني بخدمة مصالح أجنبية ومحاولة التدخل في السياسة التونسية، وقال إنه ينوي حظر جميع أشكال التمويل الخارجي عليها. قال إريك غولدستين، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش:" "خلال هذه السنوات العشر منذ إطاحة بن علي، أدت المنظمات غير الحكومية في تونس دورًا حاسمً في توفير الخدمات الأساسية للناس ومحاسبة الحكومة. لذلك، ينبغي تعزيز عملها وحمايته وليس تهديده." وفقًا للمرسوم عدد 2011-88، يجوز للتونسيين والمقيمين الأجانب تكوين منظمات المجتمع المدني بحرّية، والقيام بمجموعة واسعة من الأنشطة، والضغط على السلطات في ما يتعلّق بالقوانين والسياسات، والتحدث علنًا عن عملها وآرائها، والحصول على تمويلات أجنبيّة دون ترخيص من الحكومة. لم تؤكد السلطات رسميّا أنها ستُعدّل القانون الحالي، ولم تنشر مشروع القانون، وما زال من غير الواضح ما إذا تمّ إدخال تغييرات على النسخة المسررّبة. لم تُنَشَ مشاريع القوانين التونسية للعموم، ولم تخضع لنقاش رسمي في البرلمان منذ أن علّق الرئيس سعيّد أعماله في تموز/ يوليو 2021. وفقًا للمرسوم الرئاسي الصادر في 22 أيلول/ سبتمبر 2021، باتت جميع القوانين تصدر في شكل مراسيم رئاسية. منذ 2011، ازدهر المجتمع المدني التونسي. بحسب بيانات رسمية، هناك أكثر من 24 ألف منظمة مجتمع مدني مسجلة حاليًا لدى السلطات، رغم أنه من غير الواضح عدد المنظمات النشطة اليوم. تعمل العديد من منظمات المجتمع المدني في مجالات مثل التعليم والحياة الثقافية، وتسعى أخرى إلى مساعدة ضعاف الحال والمهمّشين والمستضعفين. إضافة إلى ذلك، لعب المجتمع المدني دورًا محوريًا في جهود الانتقال إلى مجتمع أكثر حرّية وعدالة في تونس ما بعد الثورة، عبر ترسيخ قِيَم حقوق الإنسان وسيادة القانون في النقاش العام، ودفع صانعي السياسات إلى تضمينها في السياسات العامة. قال أمين الغالي، مدير "مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية:" "يتعيّ على السلطات التخلّ فورًا عن مواصلة النظر في مشروع القانون المسررّب، والتأكد من أن تلتزم أيّ قوانين مستقبليّة بشأن تنظيم منظمات المجتمع المدني بشكل صارم بالقانون الدولي لحقوق الإنسان."
بموجب القانون الحالي، يمكن تكوين منظمة مجتمع مدني تحظى تلقائيًا بوضع قانوني بمجرّد إعلام السلطات المعنيّة. ستعيد الفصول 12-10 من المشروع المسررّب شرط الحصول على ترخيص حكومي قبل أن تتمكن المنظمة من العمل بشكل قانوني، كما كان الحال في فترة بن علي. ينصّ مشروع القانون على أن الجمعيات لا يمكنها "تهديد وحدة الدولة أو نظامها الجمهوري والديمقراطي"، وينصّ على أن تلتزم موادها المنشورة ب "النزاهة والحرفيّة والضوابط القانونيّة والعلميّة المستوجبة." قالت المنظمات إنّ هذه الصياغة الفضفاضة من شأنها فتح باب التعسّف أمام السلطات. وفقًا للقانون الحالي، يتعيّ على منظمات المجتمع المدني نشر تفاصيل كل التمويلات الأجنبيّة. سيفرض الفصل 35 من المسودّة المسررّبة شرطًا جديدًا يقضي بموافقة "اللجنة التونسية للتحاليل المالية"، وهي وحدة تابعة للبنك المركزي التونسي مكلّفة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. رغم أنّ مكافحة غسيل الأموال والإرهاب أهداف مشروعة، لا يجب استخدامها ذريعة لحظر التمويل الأجنبي على منظمات المجتمع المدني عبر اشتراط الحصول على موافقة مسبقة. وفقًا لمسح شمل 100 منظمة مجتمع مدني في تونس نشُر في 2018، قالت منظمتان من خمس إنها تعتمد جزئيًا أو بشكل أساسي على تمويل من الخارج. وفقًا للقانون الحالي، لا يمكن حلّ منظمات المجتمع المدني إلا بإرادة أعضائها، أو عبر المحاكم من خلال عريضة تقدّمها الحكومة. سيُمكّن المشروع المسررّب السلطات في "الإدارة المكلّفة بالجمعيات برئاسة الحكومة" من حلّ منظمات المجتمع المدني التي ظلّت غير نشطة فترة زمنية دون سابق إنذار. وقد يسمح أيضًا للسلطات بحلّ هذه المنظمات متى شاءت وخارج الأطر القضائية، رغم أنّ الأحكام ذات الصلة غامضة. قال علاء الطالبي، المدير التنفيذي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: "تعتبر حرية تكوين الجمعيات – بما في ذلك الحق في إنشاء منظمات المجتمع المدني وتشغيلها دون تدخّل غير مبرّر من الحكومة – من حقوق الإنسان الأساسية المكفولة في القانون الدولي والدستور التونسي." وفقًا للمادة 38 من "المبادئ التوجيهيّة بشأن حريّة تكوين الجمعيات والتجمّع في أفريقيا"، لا يجوز للحكومة فرض حظر شامل على التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني أو إخضاعه لترخيص حكومي. تعكس هذه المبادئ التوجيهيّة أحكام "الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب"، وتونس طرف فيه. تونس ملزمة باحترام، وحماية، وتعزيز، وإعمال الحق في حرية تكوين الجمعيات، المنصوص عليه في المادة 22 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة" والمادة 10 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. لا يُسمح بفرض قيود على هذا الحق إلا إذا كانت محدّدة بقانون، وضرورية في مجتمع ديمقراطي – أي باستخدام الوسائل الأقل تقييدًا والتي تعكس المبادئ الأساسية للتعدّدية والتسامح. يجب أيضًا أن تكون القيود "الضرورية" متناسبة – أي متوازنة بعناية مع السبب المحدّد لفرضها، وغير تمييزية، بما في ذلك على أساس الأصل القومي أو الرأي السياسي أو المعتقد. في 25 تموز/ يوليو 2021، أقال سعيّد رئيس الحكومة آنذاك هشام المشيشي، وعلّق عمل البرلمان. وفي 22 أيلول/ سبتمبر 2021، أصدر المرسوم الرئاسي رقم 2021-117، الذي علّق بموجبه العمل بالجزء الأكبر من الدستور، ومنح للرئيس الحق الحصري في سنّ قوانين بالمراسيم، وحلّ الهيئة المؤقتة لمراجعة دستورية القوانين، ومنع الجميع من إبطال القوانين عبر المحكمة الإدارية التونسية. في 12 شباط/ فبراير 2022، أضعف سعيّد استقلالية القضاء بإصدار مرسوم حلّ فيه "المجلس الأعلى للقضاء"، أعلى هيئة قضائية مستقلّة أنشئت في 2016 لحماية القضاة من نفوذ الحكومة، ومنح لنفسه صلاحيات واسعة للتدخل في عمل السلطة القضائية.
المنظمات الموقعة: المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. مراقبون. جمعيتي. البوصلة. محامون بلا حدود. الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية. المفكرة القانونية. الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان. اكسس نو. مبادرة الإصلاح العربي. هيومن رايتس ووتش. منظمة العفو الدولية. المرصد الدولي للجمعيات والتنمية المستدامة.
الوثيقة 3 بيان لهيومن رايتس ووتش تندد فيه بسياسات الرئيس التونسي قيس سعيد
قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إنّ سَجن محام بارز يوم 2 آذار/ مارس 2022، بسبب جدال مع أعوان شرطة، هو خطوة جديدة مقلقة في مصادرة الحرية المدنية منذ استحواذ الرئيس قيس سعيّد على سلطات استثنائية يوم 25 تموز/ يوليو 2021. عبد الرزاق الكيلاني، الوزير السابق في الحكومة والعميد الأسبق للمحامين، هو من أبرز التونسيين الذي وُضعوا خلف القضبان بسبب التعبير السلمي منذ إطاحة الرئيس السلطوي زين العابدين بن علي في.2011 وجهت محكمة عسكرية إلى الكيلاني، وهو مدنيّ، تهمً تتصل بجدال دار بينه وبين أعوان أمن منعوه من دخول مستشفى في 2 كانون الثاني/ يناير، لمّا كان يحاول زيارة موكّل له تمّ نقله إلى هناك بعد وضعه قيد الإقامة الجبريّة. أثناء هذا الجدال، انتقد الكيلاني الرئيس. قالت سلسبيل شلالي، مديرة هيومن رايتس ووتش في تونس: "بعد وضع عشرات المنتقدين قيد الإقامة الجبريّة أو منعهم من السفر، أودِع الكيلاني بسجن المرناقية، وهي رسالة صادمة مفادها أنه لا أمان لأي شخص ينتقد استيلاء الرئيس سعيّد على السلطة." يواجه الكيلاني تهم "الإخلال بالراحة العامة"، و"هضم جانب موظف عمومي"، و"التسبب بالعنف أو الضرب أو التهديد أو الخزعبلات في توقف فردي أو جماعي عن العمل [لعناصر قوات الأمن"]، بموجب الفصول 91257، و، و 136 من "المجلّة الجزائية"، بحسب ما قاله سمير ديلو، أحد محاميه، لهيومن رايتس ووتش. قال رضا بالحاج، وهو محام آخر يدافع عن الكيلاني، إنّ المحكمة العسكريّة تدّعي الاختصاص على ما يبدو لأنّ التعبير المقصود كان موجهًا إلى أعوان الأمن. في حالة الإدانة، يواجه الكيلاني السجن حتى سبع سنوات. شغل الكيلاني 67(عامًا) منصب وزير لدى رئاسة الحكومة مكلفًا بالعلاقات مع المجلس التأسيسي بين 2011 و 2013، وعميدًا للمحامين، وسفيرًا لدى الأمم المتحدة في جنيف. وهو ناشط في "مواطنون ضدّ الانقلاب"، وهي مجموعة غير رسميّة تضمّ تونسيين يعارضون علنًا استحواذ سعيّد على سلطات استثنائية. في 2 كانون الثاني/ يناير، ذهب الكيلاني إلى "مستشفى الحبيب بوقطفة" في بنزرت، بعد أن علم بأنّ موكّله، وزير العدل الأسبق نورالدين البحيري، قد نُقل إلى هناك. كان البحيري قد تعرّض للإيقاف على يد أعوان أمن بأزياء مدنية يوم 31 كانون الأول/ ديسمبر، وظلّ مكانه مجهولً ليومين، حتى علمت العائلة بأنّه في المستشفى، تحت الحراسة، وهو مضرب عن الطعام احتجاجًا على وضعه قيد الإقامة الجبريّة دون تهم. رغم أنّ السلطات التونسية سمحت ل "الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب" بزيارة البحيري في المستشفى ليل 2 كانون الثاني/ يناير، فإنها منعت الكيلاني وكل محامي الدفاع الآخرين من رؤيته. ظلّ البحيري، وهو نائب رئيس حزب "حركة النهضة"، محتجزًا في المستشفى حتى 7 آذار/ مارس، تاريخ الإفراج عنه من قبل السلطات. منعت السلطات المحامين الموكَّلين عن البحيري من رؤيته طوال فترة حبسه. الخطاب الذي يبدو أنّه تسبّب في محاكمة الكيلاني تمّ تصويره بأجهزة الهاتف ونشُر على وسائل التواصل الاجتماعي. حذّر الكيلاني في الفيديو الأعوان الذين منعوه من رؤية موكّله قائلً: "تعرّض في روحك للخطر، وعائلتك، ومستقبلك. بش يسدّ عليك إنت شرف الدّين [هل سينفعك وزير الداخلية توفيق شرف الدين؟]، إلّ هو مع الأسف طلع ما يفهم حتى كعبة [لا يفهم شيئًا] في القانون، أو قيس بش يسدّ عليك؟ [هل سينفعك الرئيس قيس سعيّد؟] ما يسدّ عليكم حتى حد، ما يسدّ عليكم كان القانون [لن ينفعكم أحد إلا القانون.] "عملنا أحسن دستور في العالم، وهو يقول شوليقة [خرقة]، ردّوا شوليقة. يقول الدستور الأمن جمهوري، والجيش جمهوري، والأمن يلزمه نفس المسافة من الناس الكل.)...(انت بالقانون تنجم تمنع مواطن من دخول السبيطار [هل تستطيع منع أحد من دخول المستشفى]؟ ما تنجمش تمنع مواطن إلا ما يقلك مدير السبيطار [لا تستطيع منع أحد من الدخول إلا بأمر من مدير المستشفى."]
في 2 آذار/ مارس، لبّى الكيلاني استدعاءً من قاضي التحقيق في محكمة عسكرية في تونس، فأمر بإيقافه. في 25 تموز/ يوليو، أقال سعيّد رئيس الحكومة هشام المشيشي، وجمّد أعمال البرلمان، وجرّد أعضاءه من الحصانة، قائلً إنّه من الضروري التحرّك بشكل حاسم لتعزيز الاقتصاد المتهالك والاستجابة لتفشي فيروس "كورونا." وفي 22 أيلول/ سبتمبر، علّق العمل بالجزء الأكبر من الدستور، ومنح نفسه صلاحيات تكاد تكون غير محدودة لممارسة الحكم بالمراسيم. وفي 13 كانون الأول/ ديسمبر، أعلن عن خارطة طريق لسنة 2022 تشمل تنظيم استفتاء على دستور معدّل في تموز/ يوليو وانتخابات تشريعية في كانون الأول/ ديسمبر. في شباط/ فبراير، زاد سعيّد تركيز السلطات في يده بحلّ "المجلس الأعلى للقضاء"، وهو هيئة دستورية ومستقلّة تأسست عقب ثورة 2011 لضمان استقلالية القضاء. عيّ سعيّد هيئة مؤقتة مكان المجلس، ولعب دورًا أساسيًا في اختيار أعضائها. على امتداد السنوات الماضية، حاكمت السلطات التونسية مدنييّن في محاكم عسكريّة، بموجب قانون القضاء العسكري أو تشريعات أخرى، مثل "القانون عدد 2-708 المؤرخ في 6 آب/ أغسطس 1982 المتعلّق بضبط القانون الأساسي العام لقوات الأمن الداخلي"، على أساس أنّ الجرائم التي تشمل عناصر من قوات الأمن الداخلي "تحال على المحاكم العسكريّة ذات النظر... من أجل واقعة جدّت في نطاق مباشرة العمل." حوكم أعضاء البرلمان ياسين العياري، وسيف الدين مخلوف، ونضال السعودي في محاكم عسكرية بتهم تتعلق بالتعبير في الأشهر الأخيرة. في 14 شباط/ فبراير، قضت محكمة عسكرية بسجن العياري غيابيًا لمدة عشرة أشهر بتهمة الإساءة إلى الرئيس والجيش. محاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية فيها انتهاك للحق في المحاكمة العادلة وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة. بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يُحظر على الحكومات استخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين عندما يظلّ بإمكان المحاكم المدنية العمل. لاحظ "القرار بشأن المحاكمة العادلة والحق في المساعدة القانونية في أفريقيا" أنّ "الغرض من المحاكم العسكريّة هو تحديد الجرائم ذات الطبيعة العسكريّة المحضة التي يرتكبها أفراد لهم صفات عسكريّة فقط." قالت شلالي: "يكفي الأمر سوءًا أن تسجن السلطات التونسية محاميًا بارزًا لأنه حاول إقناع الشرطة بالسماح له برؤية موكّله. استخدام القضاء العسكري للنيل منه يضاعف الظلم."
الوثيقة 4 بيان المبادرة الديمقراطية الداعي إلى مظاهرة تعيد المكتسبات الديمقراطية المنقلب عليها
الوثيقة 5 بيان المركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن يندد فيه بحملة الاعتقالات على إثر اعتصام 24 آذار
رصد المركز الوطني لحقوق الانسان حملة اعتقالات واسعة طالت عددًا من الأفراد والناشطين، كما تلقى شكاوى من ذوي وأقارب مجموعة منهم تفيد بإلقاء القبض عليهم دون وجود تهم في حقهم، بل مجرد نيتهم ممارسة حقهم في التجمع السلمي، فيما البعض من ذوي الموقوفين لايعرفون أماكن وجودهم حتى هذه اللحظة. وفي هذا الإطار يؤكد المركز متابعته الحثيثة للتطورات والمستجدات وأوضاع الموقوفين مع الجهات المعنية، ويدعو في الوقت ذاته إلى الإفراج عنهم واحترام حق الأفراد في التعبير عن آرائهم وحقهم في التجمع السلمي وهو الأمر الذي كفله الدستور الأردني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والتشريعات الوطنية. كما يؤكد المركز مجددًا على أن لا يكون احتجاز أو توقيف الأشخاص هو القاعدة العامة، إعمالً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه الأردن، وتجسيدًا للمبدأ الدستوري الأصيل الذي كفله الدستور الأردني والمتمثل في قرينة البراءة.
رئيس الدولة حلّ مجلس نواب الشعب. ويهمّ حركة النهضة أن تعلن ما يلي: في فصله الثمانين على بقاء البرلمان في حالة انعقاد دائم.
شخص واحد.
قبل الشعب صاحب السيادة لتمارس صلاحياتها.
كما يتطلّب استقرارًا سياسيًا، ونحمّل الرئيس مسؤولية تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي. تدعو إلى عدم إقحام مؤسسات الدولة في أيّ صراع أو توظيف غير قانوني لتصفية حسابات سياسية.
تردّت فيها منذ 25 جويلية.2021 رئيس حركة النهضة، الأستاذ راشد الغنوشي. الوثيقة 6 بيان المكتب التنفيذي لحركة النهضة التونسية الرافض لحل البرلمان
عقد المكتب التنفيذي لحركة النهضة اجتماعًا طارئًا برئاسة الأستاذ راشد الغنوشي ونظر في المستجدّات الوطنية خصوصًا بعد إعلان رفضها لقرار حلّ مجلس نواب الشعب الذي يمثّل إمعانًا في تفكيك الدولة ومؤسساتها وخرقًا جديدًا للدستور الذي ينصّ صراحة تعتبر أنّ جلسة مجلس نواب الشعب المنعقدة أمس الأربعاء 30 مارس والتي قرّرها مكتب المجلس وحضرها 121 نائبًا، جلسة قانونية وشرعية، وتنوّه بالموقف الوطني المسؤول الذي عبّ عنه تصويت 116 نائبًا بقرار إنهاء العمل بالإجراءات الاستثنائية التي أخرجت بلادنا منذ 25 جويلية من مسار الدستور بناء الديمقراطية إلى مسارٍ مجهول وجعلت مصير شعبنا تحت تصرّف تؤكّد أن انعقاد البرلمان وقراره إنهاء العمل بالإجراءات الاستثنائية لا يمثل تنازعًا للشرعيات وإنما هو عودة لمؤسسةٍ منتخبة من
تنبّه إلى أنّ تعطيل البرلمان بالتجميد أو الحلّ ألحق ضررًا فادحًا بشعبنا المهدّد بالمجاعة ودولتنا المهدّدة بالإفلاس لأنّ الاستثمار الوطني والخارجي والتعاون مع الدول والمؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة يتطلّب وجود مؤسسات دستورية شرعية
تعتبر أنّ اشتداد الأزمة السياسية والاقتصادية وتهديد التونسيين في قوتهم يزيد من الحاجة إلى حوار وطني شامل لا يقصي أحدًا يفضي إلى حكومة إنقاذ اقتصادي ويهيّئ البلاد لانتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة تخرج بلادنا من الأزمة الخانقة والعزلة التي
الوثيقة 7 بيان حركة أمل وعمل حول حل مجلس نواب الشعب
الوثيقة 8 بيان التيار الديمقراطي حول حل مجلس الشعب
الوثيقة 9 بيان الحزب الجمهوري التونسي حول حل مجلس الشعب
الوثيقة 10 بيان أساتذة القانون في الكليات والمعاهد التونسية حول مجلس نواب الشعب وتراجع الحريات في تونس
الوثيقة 11 بيان تجمع المهنيين السودانيين في ذكرى ال 6 من نيسان/ أبريل يدعو فيه إلى إسقاط المجلس العسكري
تجمع المهنيين السودانيين ومارس ماسك كتف أبريل أعظم ثورة وأعظم جيل سنخرج في السادس من أبريل المجيد مرفوعي الرؤوس وببسالة شعبنا المعلومة للجميع من أجل: إسقاط المجلس العسكري الانقلابي وتقديم أعضائه لمحاكمات عاجلة وعادلة على كل جرائمهم في حق الشعب السوداني. لا تفاوض مع المجرمين ولا عودة لشراكة الدم المعطوبة، بل تسليم السلطة الفوري لحكومة مدنية كاملة تختارها القوى الثورية من عناصرها المؤمنة بالتغيير الجذري وأهداف ثورة ديسمبر. تصفية جهاز أمن الإنقاذ وحلّ الميليشيات بالدمج والتسرريح، وبناء جيش وطني مهني بعقيدة أساسها حماية الشعب والحدود، تحت إمرة السلطة المدنية. إعلام التجمع 4 أبريل 2022
تجمع المهنيين السودانيين ومارس ماسك كتف أبريل أعظم ثورة وأعظم جيل سنخرج في السادس من أبريل المجيد مرفوعي الرؤوس وببسالة شعبنا المعلومة للجميع من أجل:
من عناصرها المؤمنة بالتغيير الجذري وأهداف ثورة ديسمبر.
تحت إمرة السلطة المدنية. إعلام التجمع 4 أبريل 2022 الوثيقة 12 بيان تجمع المهنيين السودانيين في ذكرى ال 6 من نيسان/ أبريل يدعو فيه إلى إسقاط المجلس العسكري
إسقاط المجلس العسكري الانقلابي وتقديم أعضائه لمحاكمات عاجلة وعادلة على كل جرائمهم في حق الشعب السوداني. لا تفاوض مع المجرمين ولا عودة لشراكة الدم المعطوبة، بل تسليم السلطة الفوري لحكومة مدنية كاملة تختارها القوى الثورية
تصفية جهاز أمن الإنقاذ وحلّ الميليشيات بالدمج والتسرريح، وبناء جيش وطني مهني بعقيدة أساسها حماية الشعب والحدود،
الوثيقة 13 بيان رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس