العلوم الاجتماعية والظاهرة الرياضية: نحوَ خريطة معرفية

Haider Saeed حيدر سعيد |

الملخّص

تبحث الدراسة نمو تناول العلوم الاجتماعية الحديثة الظاهرة الرياضية. وتبدأ بالصيغة الأولى التي مهّ دت الطريق لتشك ل حقل دراسات الرياضة حقل ا علميًّا مستقل ا، وتتمثل في الخطاب الفكري الأوروبي، في النصف الأول من القرن العشرين، الذي ربط الرياضة بما كان يُعرَف آنئذٍ ب "أزمة القيم الأوروبية." ثمّ تتناول مساعي العلوم الاجتماعية لاتخاذ الرياضة موضوعًا بحثيًا ومعرفيًا، والتي تكرّست وتمأسست في عقد الستينيات. وتتوقف عند أول بردايمين نظريين في الحقل، الأول صمّ مه نوربرت إلياس، ويتناول فيه موقع الرياضة من تطور المجتمعات الأوروبية الحديثة. والآخر صمّ مه بيير بورديو، ويقوم على النظر إلى الرياضة بوصفها حقل ا اجتماعيا مستقل ا. أخيرًا، تتناول الدراسة اهتمام حقل الدراسات الثقافية بالرياضة، في أواخر السبعينيات من القرن العشرين، الذي رأى فيها مجال ا كاشف ا للتمييزات التي تنبني عليها المجتمعات الغربية. كلمات مفتاحية: سوسيولوجيا الرياضة، نوربرت إلياس، بيير بورديو، الدراسات الثقافية. This paper examines the rise of modern social sciences that deal with sports phenomena. It begins with the first formula that paved the way for sports science to become an independent scientific field. This is found in European intellectual discourse in the first half of the twentieth century, which linked sport to what was then known as the "crisis of European values." It then deals with the endeavours of the social sciences to make sport a research and knowledge topic, which was devoted to and institutionalised in the 1960 s. It investigates the first theoretical paradigms in the field, the first designed by Norbert Elias, and deals with the position of sport in the development of modern European societies. The other, designed by Pierre Bourdieu, is based on viewing sport as an independent social field. Finally, the paper looks at the interest in cultural studies in sports in the late seventies of the twentieth century, which saw it as a field revealing the distinctions on which Western societies are built. Keywords: Sociology of Sport, Norbert Elias, Pierre Bourdieu, Cultural Studies.

Social Sciences and the Sport Phenomenon: Towards an Epistemological Map

مقدمة

حين نبدأ بالتنقيب والبحث عمّ أنتجته العلوم الاجتماعية والإنسانية من أدبيات لفهم الظاهرة الرياضية، لوضع هذا الإنتاج في إطار بيبليوغرافي، يعيننا على فهم حجمه وحدوده، نجد آلاف الدراسات والبحوث، من كتب، فردية أو جماعية، ومقالات أكاديمية في دوريات متخصصة، مما يمكن أن يُنسب إلى هذه العلوم، بطيف حقولها المتنوع: السوسيولوجيا، والتاريخ، والدراسات الثقافية، والفلسفة، ودراسات الهوية والقومية والإثنية، والعلوم السياسية، والعلاقات الدولية، والسياسات العامة، والإدارة، والاقتصاد، ودراسات الإعلام، والسايكولوجيا، والأنثروبولوجيا، وعلم الجمال، وسوى ذلك، ولا سيما في المؤسسات الأكاديمية ومراكز الإنتاج المعرفي في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية1. لا أريد من هذه الملاحظة الافتتاحية أن أقارن بفقر الإنتاج العربي في هذا المجال، الذي لا يكاد يتجاوز العدم (وهذه الدراسة مكتوبة باللغة العربية، وتتجه إلى جمهور قارئ لهذه اللغة)، بل أريد أن أُسجِّل أن هناك كًّمًّ مفاجئًا ومذهلً مما أنتجته العلوم الاجتماعية والإنسانية في هذا المجال، وأن هذا الكم في حاجة إلى مسح وتحليل لفهم توجهاته، وما هيمن على هذه العلوم في فهم الظاهرة الرياضية، والمقاربات والموضوعات التي ركّزت عليها، وما أهملته، ومناحيها التفسيرية. وبلا شك، سيكون هذا التحليل ذا نفع للطرفين: العلوم الاجتماعية، التي يمكن أن يشكّل مثلُ هذا التحليل "ممارسة ميتا-علمية"، تراجع فيها هذه العلومُ تجربتَها من خلال موضوع محدد من الموضوعات التي درستها، والظاهرة الرياضية، التي يمكن أن يكشف مثلُ هذا التحليل كيفية تشكّل "معناها" في المجتمعات المعاصرة، كما تمثّله وتعبر عنه وتعكسه هذه العلوم. إن افتقاد هذا الكم من الدراسات لتحليل شامل، يمفهمها ويضعها في خريطة معرفية، ليس أمرًا أتفرد بملاحظاته، بل يلاحظه العديد من الباحثين المختصين. وبعضُ هم يعدّ هذا الغيابَ نتاجًا للتنوع المفرط في المقاربات التي تتناول الظاهرة الرياضية2. لا أنوي، هنا، إنجاز هذا التحليل الشامل، ولا يتسع المقام لذلك، وإنما أود الإشارة إلى أن ما تسعى إليه هذه الدراسة هو إيراد ملاحظات على هذا السبيل، ذات صياغة عمومية، بالمعنى الإبستيمولوجي.

مسار الظاهرة الرياضية نحوَ العلوم الاجتماعية

عادة ما يوضع عقد الستينيات من القرن العشرين تاريخًا لبدء تناول العلوم الاجتماعية والإنسانية الظاهرةَ الرياضية تناولً جديًّا وواسعًا. وتحديد تاريخ البدء على هذا النحو يستند إلى مقاربة مؤسساتية - إبستيمولوجية، تأخذ في الاعتبار تشكيل الحقل تشكيلً واعيًا، وتشكيل مؤسساته ونظرياته. وسأقف، لاحقًا وبالتفصيل، عند لحظة البدء هذه، غير أنني أود الإشارة هنا إلى أن نقطة البداية هذه لا تنفي وجود تراث واسع من المقاربات، والإشارات، والتعليقات، والنصوص، عن الرياضة، في الفكر الغربي الحديث، وفي أوروبا على نحو خاص، ترجع بداياته إلى القرن التاسع عشر، وينتعش في مرحلة ما بين الحربين العالميتين3. وهو يتزامن مع صعود الرياضة في المجتمعات الأوروبية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، ولا سيما مع تكوّن الحركة الأولمبية وظاهرة الرياضة الإنكليزية، التي ثمة شبه إجماع على عدّها مولد الرياضة الحديثة4، وقد نُظر إلى الرياضة، آنئذٍ، بوصفها أسلوبًا حديثًا في الحياة وظاهرة اجتماعية حديثة، يمكن أن تلتقي فيها مجموعات متنوعة أيديولوجيًّا من الناس، وتشكّل فضاء لتحقيق القيمة الاجتماعية للأفراد5. ولعل من المهم، هنا، التوقف عند هذا التراث، لا للتأريخ له، بل لفهم إن كان أسهم بطريقة ما في تطور دراسات الرياضة، على نحو ما حصل في النصف الثاني من القرن العشرين. يشير مؤرخو دراسات الرياضة، في العادة، إلى عدد من علماء أواخر القرن التاسع عشر (ولا سيما هربرت سبنسر، وإدوارد تايلور، وثورشتاين فيبلين)،

  1. في بيبليوغرافيا مبكرة عن دراسات الرياضة التي تتبنى منظورًا من أحد حقول العلوم
  2. D. Rowe, J. McKay & G. Lawrence, "Out of the Shadows: The Critical Sociology of Sport in Australia, 1986 to 1996," Sociology of Sport Journal ,
  3. يقدم جون هوبرمان، في كتابه Sport and Political Ideology (الرياضة والأيديولوجيا السياسية)، عرضًا جيدًا للخطاب عن الرياضة في الفكر الأوروبي واتجاهاته في النصف الأول من القرن العشرين، ولا سيما في الفصلين الخامس والسابع من الكتاب، ينظر: John M. Hoberman, Sport and Political Ideology (Austin: University of Texas Press, 1984), pp. 42-52, 90-160, 170-189. 4 عن تاريخ الرياضة في إنكلترا وموقعها من تطور الرياضة عبر العالم، ولا سيما في أوروبا، ينظر كتاَبَ ديريك بيرلي: Derek Birley, Land of Sport and Glory: Sport and British Society, 1887–1910 (Manchester/ New York: Manchester University Press,1995); Derek Birley, Playing the Game: Sport and British Society, 1910–1945 (Manchester: Manchester University Press, 1995). 5  Hoberman, p. 123.
  4. الاجتماعية، نشرها غونتر لوشن وجورج سيج في عام 1981، ثمة أكثر من 3 آلاف عنوان لدراسات، ومقالات أكاديمية، وكتب، نشرت حتى ذلك التاريخ فقط، ينظر: Gunther Luschen & George H. Sage (eds.), Handbook of Social Science of Sport (Champaign, Ill: Stipes Publishing, 1981), pp. 511-665.
  5. vol. 14, no. 4 (1997), pp. 341-342.

الذين قدّموا جهودًا لفهم مكانة الرياضة في المجتمع الحديث وعلاقتها بالألعاب الشعبية التقليدية وبالطقوس6. غير أن الأهم في هذا السياق هو ما قدّمه مثقفون أوروبيون بارزون، عشية الحرب العالمية الأولى وبعدها، من تعليقات وإشارات للظاهرة الرياضية. تضم لائحة أسماء هؤلاء المثقفين (من فلاسفة، وكتّاب، وأدباء، وسوسيولوجيين، ومؤرخين) مارتن هايدغر، وكارل مانهايم، وبرتولد بريخت، وماكس فيبر، وت. س. إليوت، وآرنولد توينبي، وبول فاليري، وكارل ياسبرز، وجورج زيميل، وجان بول سارتر، وماكس شيلر، وهنري دي مونترلان، وخوسيه أورتيغا إي گاسيت، ويوهان هويزنغا، وسواهم7. وهذه الإشارات جزء من المراجعة النقدية الواسعة لتجربة الحداثة الغربية، التي حاولها الفكرُ الأوروبي، وتجسّدت فيما عُرف آنئذ (وتحديدًا بُعيد الحرب العالمية الأولى) ب "أزمة الغرب"، أو "أزمة الحضارة الغربية"، أو "أزمة القيم الأوروبية"، أو ما إلى ذلك من عناوين. وهو نقد يرى بعض الباحثين أنه استمرار أو وليد من النزعة الرومانسية التشاؤمية، التي كانت تحتج على اختزال الفرد بكونه وحدة أو جزءًا آليًا صغيرًا في النظام الصناعي. وإذا كنا لا نعدم في هذه الإشارات (ولا مجال لاستعراضها هنا بالتفصيل) آراء وتحليلات عن الأهمية الثقافية للرياضة وظاهرة الرياضة الجماهيرية، فإن محورها كان يدور على علاقتها بأزمة الغرب/ القيم الأوروبية: إلى أي حد تكون الرياضةُ مؤشرًا أو تعبيرًا عن هذه الأزمة الثقافية؟ وإلى أي حد يمكن أن تكون علاجًا لها، وأن تسهم في الهندسة الاجتماعية؟ ومن ثم، تشكّل الخطابُ عن الرياضة، في النصف الأول من القرن العشرين، من هذه التأملات والتعليقات الفكرية. ولم يستند هذا الخطاب المبكر، وإن كان أنتجه مثقفون وأكاديميون وفلاسفة أوروبيون بارزون، إلى أساس نظري منهجي، ذلك أن غايته لم تكن فهم الرياضة من إطار العلوم الاجتماعية، بل نقد الثقافة الأوروبية وقيمها8. ولذلك، لم يكن في الإمكان وضع هذا الخطاب نقطةَ بدء اهتمام العلوم الاجتماعية بالظاهرة الرياضية. وبالتوازي والتزامن مع هذا الخطاب، وفي السياق الفكري نفسه، نشأ في أوروبا والولايات المتحدة، في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تيار يدعو إلى الصحة العامة، قاده في الأساس مجموعة من الأطباء، وعُرف باسم "عقيدة النظافة الصحية Doctrine Hygienism." وقد حاول عدد من الفاعلين في المجال الاجتماعي دمج "صحة المجتمع" بهذه العقيدة، أي أن يجري التعامل مع مجموعة من الظواهر الاجتماعية التي شهدتها أوروبا بوصفها أمراضًا، انطلاقًا من رؤية بأن الصحة العامة لا تتحقق من خلال إجراءات طبية وبدنية فقط، بل كذلك إجراءات نفسية واجتماعية. وقد وُضع النقاش في الرياضة في هذا الإطار، فقُدّمت بوصفها وسيلة لتحقيق الصحة المجتمعية، ليجري بناء ارتباط صميم بين الحركة الرياضية الناشئة وعقيدة "النظافة الصحية"9. وقد كان بيير دي كوبرتان Coubertin de Pierre، مؤسس الحركة الأولمبية الدولية أواخر القرن التاسع عشر (التي نظمت أول بطولة للألعاب الأولمبية في عام 1896)، وأحد أبرز من قدّم إسهامًا مهمً عن علاقة الرياضة بسياقها الاجتماعي في ذلك الوقت، من أبرز الدعاة لذلك (على نحو ما سأفصّل.)

  1. ينظر: Gunther Luschen, "Sociology of Sport: Development, Present State, and Prospects,"  Annual Review of Sociology , vol. 6 (1980), pp. 315-347; Larry Smith, "Thorstein Veblen on Sports in America,"  Social Text , no. 16 (Winter 1986-1987), pp. 176-183. قد تكون لفيبلين أهمية خاصة، هنا، ذلك أنه تحدث - في كتابه The Theory of the Leisure Class نظرية الطبقة المرفّهة () 1899() – عن الرياضة بوصفها جزءًا من ثقافة هذه الطبقة، ينظر: ohh rstein Veblen, T The Theory of the Leisure Class , Martha Banta (ed.) (New York/ Oxford: Oxford University Press, 2007 [1899]); ولا سيما الفصل العاشر من الكتاب، وكذلك الفصلان الحادي عشر والثاني عشر 166(-pp. 196) ويحاجّ فيبلين، في هذا الكتاب، بأن هناك تناقضًا بين منطق العصر الصناعي ومتطلباته، من جهة، والسلوك غير العقلاني للطبقة المتحكمة في عالم الأعمال، من جهة أخرى، التي تجمع المال وتستعرض ثرواتها في مجالات عدة، منها الرياضة، والأزياء، والذائقة الجمالية. وهو يرى أن الطبقة الاجتماعية العليا تتحدد عبر معيار الاحترام، الذي تفرضه على الآخرين، ويمنحها نفوذًا، فتكون هي مَن يحدد معايير المقبولية، وهي تنقل معاييرها، لتقلّدها الطبقات الدنيا. معيار الاحترام هذا تضمنه طريقةُ الطبقة الاجتماعية العليا في الحياة of Manner Life، التي يشكل "الاستهلاك الظاهر Consumption Conspicuous " جزءًا أساسيًّا فيها. ومفهوم "الاستهلاك الظاهر"، الذي يستعمله فيبلين، يعني نمطًا من السلوك، يقوم على أساس استعراض الثروة، التي هي غير كافية بذاتها، ومن المهم استعراضها استعراضًا عامًّا Public Display، بهدف الحفاظ على الوضع الاجتماعي، أو تعزيزه. ويمثل الاستهلاك الظاهر قوة رمزية تميز الأثرياء من أبناء الطبقات الدنيا، الذين يسعون إلى تقليدها. فُهِم فيبلين في الولايات المتحدة، بسبب أطروحته هذه، بأنه ناقد اجتماعي. وفي تقديري، لكتابه أهمية خاصة، بسبب طابعه النقدي، وهو أمر سيظهر في مجال الرياضة في الثلث الأخير من القرن العشرين، وبسبب أنه - عبر مفهومه "الاستهلاك الظاهر" - عُدّ رائدًا لنظرية ظلت حاضرة في العلوم الاجتماعية المعاصرة وردّدها عدد من المشتغلين بها، وهي أن الاستهلاك الاستعراضي للسلع الغالية يسهم في تعزيز الوضع الاجتماعي، ينظر: Laurie Simon Bagwell & B. Douglas Bernheim, "Veblen Effects in a Theory of Conspicuous Consumption,"  The American Economic Review , vol. 86, no. 3 (June 1996), pp. 349-373; Colin Campbell, "Conspicuous Confusion? A Critique of Veblen's Theory of Conspicuous Consumption,"  Sociological Theory , vol. 13, no. 1 (1995), pp. 37-47;
  2. Hoberman. 8  Ibid., p. 129.
  3. وقد عُد السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو، في نظريته عن "التمييز"، امتدادًا لأطروحة فيبلين وتطويرًا لها، ينظر: Andrew B. Trigg, "Veblen, Bourdieu, and Conspicuous Consumption,"  Journal of Economic Issues (JEI) , vol. 35, no. 1 (2001), pp. 99-115.
  4. ينظر: Robert A. Nye, "Degeneration, Neurasthenia and the Culture of Sport in Belle Epoque France." Journal of Contemporary History , vol. 17, no. 1 (1982), pp. 51-68.

لقد أسهم صعود الظاهرة الرياضية، والطريقة التي صيغت بها إشكاليتها في الفكر الأوروبي في النصف الأول من القرن العشرين، في ظهور عدد غير قليل من الكتب التي تتناول الظاهرة الرياضية، من منظور ذي صلة بالعلوم الاجتماعية. وبلا شك، أن مجرد ظهور هذه الكتب وتواترها هو مؤشر على بروزها بوصفها موضوعًا للعلوم الاجتماعية. وهذه الكتب، وإن لم تكن لأكاديميين أوروبيين بارزين، تكثّف الحديث عن الرياضة بوصفها إشكالية اجتماعية10. يتأطر بعض هذه الكتب على نحوٍ صريح بالعلوم الاجتماعية، من قبيل كتاب الكاتب الألماني روبرت هيسه Des Robert Hesse Sport عن الرياضة 1908()، الذي صدر في سلسلة السايكولوجيا الاجتماعية، التي كانت تصدر في نيويورك، ويحررها الفيلسوف النمساوي مارتن بوبر، وكتاب دي كوبرتان psychologie de Essais sportive مقالات في السايكولوجيا الرياضية 1913(.) ومع أن المؤلف معروف بوصفه مؤسّسًا للحركة الأولمبية، ظل إسهامُه في دراسات الرياضة غير شائع. وهذا الكتاب واحد من أربعة كتب وضعها دي كوبرتان عن الرياضة، من بين العديد من المصنّفات التي وضعها، ومعظمها في حقيَلَ التاريخ والتربية، غير أن هذا الكتاب هو أهم ما كتب عن الرياضة. والكتاب الثالث عنوانه Soziologie des Sports سوسيولوجيا الرياضة)1921(11، وقد وضعه الكاتب الألماني هاينز ريسه Risse Heinz، وهو سوسيولوجي، أكمل دراساته العليا في جامعة هايدلبيرغ، غير أنه لم يستمر في العمل الأكاديمي، وتحول إلى الأدب12. ولا يكتفي كتابُه هذا باتخاذ العلوم الاجتماعية إطارًا واقتراحِ أن تكون الرياضةُ موضوعًا للسوسيولوجيا، بل إنه يتضمن أول استعمال في العالم لمصطلح "سوسيولوجيا الرياضة"، الذي سيصبح بعد عقود الحقل الفرعي الأهم في دراسات الرياضة. وقد جرى نوع من الاهتمام الخاص بهذا الكتاب، بسبب ريادته في التراث السوسيولوجي عن الرياضة. الكتاب الآخر في هذا المجال هو كتاب ألفريد بيترز Alfred Peters).1927(سايكولوجيا الرياضة Psychologie des Sports

ومع ذلك، لا يمكن عدّ هذه المصنفات مؤسِّسةً لمقاربة سوسيولوجية أو ذات صلة بالعلوم الاجتماعية للظاهرة الرياضية، حتى وإن كانت تتخذ عنوانًا أو أطرًا تنتسب إلى هذه العلوم، وبعضُ ها دعا إلى تبني "مقاربة وضعانية positivistic" لدراسة الظاهرة الرياضية13. فهذه المصنفات لا تنفصل (ولا تختلف) عن الخطاب الفكري الأوروبي عن الرياضة في النصف الأول من القرن العشرين، الذي أدمج الحديثَ عنها بنقد الحداثة، وهي امتداد للتيار الذي ساد في الفكر الأوروبي في تلك الحقبة، الذي فكّر في الرياضة بوصفها إمكانية علاجية لأزمة القيم التي نتجت من الحداثة الأوروبية، حتى وإن كانت هذه الكتبُ لا تخلو من مقاربات ذات طابع سوسيولوجي للعديد مما صاحب الرياضة من ظواهر اجتماعية، من قبيل الاستعمال السياسي للرياضة، وتحولها إلى مهنة (ظاهرة الاح اررف)، وظهور الرياضة الاشتراكية والأندية العمالية، وما إلى ذلك14. الأساس فيما حاولته هذه المصنّفات هو استخلاص العبر، التي وفّرتها تجربة الرياضة في أوروبا، عن أهميتها الاجتماعية

  1. بخلاف المتوقع، وفي حين كانت إنكلترا موطنًا لبدء الرياضة الحديثة، ظهرت هذه المصنفات بالألمانية والفرنسية تحديدًا. وقد أحصى الباحث الكتب التي ظهرت في هذا السياق، وهي: Paul Adam,  La morale des sports (Paris: la Libraire mondiale, 1907); Robert Hesse, Der Sport (Frankfurt am Main: Literarische Anstalt Rütten & Loening, 1908); Pierre de Coubertin, Essais de psychologie sportive (Paris: Millon Jérôme Eds, 1913); Heinz Risse, Soziologie des Sports (Berlin: Reher, 1921); Pierre de Coubertin, Pédagogie sportive (Paris: Les Éditions G. Crès et Cie, 1922); Alfred Peters, Psychologie des Sports (Stuttgart: Kohlhammer (Verlag), 2006 [1927]); Julius Deutsch,  Sport und Politik (Berlin: J. H. W. Dietz Nachf, 1928); Maria Kloeren,  Sport und Rekord: Kultursozio-logische Untersuchungen zum England des sechzehn ten bis achtzehnten Jahrhunderts (Münster: Lit-Verl, 1985 [1935]).
  2. عن الكتاب، ينظر: Hoberman, pp. 129, 134-141; Jay Coakley, "Sociology of Sport," in: Kathleen Odell Korgen (ed.), The Cambridge Handbook of Sociology , vol. 7: Social Institutions (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), p. 366; Jan Haut, Michael Staack & Lukas Schwann, "The Sociology of Sport in Germany: Development and Recent Trends," Sociologia del Deporte , vol. 1, no. 2 (December 2020), p. 26.
  3. ينظر في سيرة ريسه: Coakley; Valentine C. Hubbs, "Worlds of Heinz Risse," Books Abroad ,
  4. على نحو ما فعل ريسه في كتابه، يُنظر.Coakley: 14  Hoberman, pp. 139-143.
  5. vol. 37, no. 2 (1963), pp. 138–143.

والسياسية والثقافية والأخلاقية، سواء في بناء الهوية القومية، أو تخفيف الصراعات الاجتماعية، وما سوى ذلك15. يرى ريسه (فيما يمكن عدّه الأطروحة الأساسية في كتابه) أن الرياضة هي نتاج المجتمع الرأسمالي الصناعي، وأنها الشكل الحديث للثقافة البدنية والرياضات الجماعية التي كانت سائدة في العصور القديمة، ولذلك، نشأت في أول بلد شهد الثورة الصناعية، بريطانيا. وقد أخذت الرياضة معنى الفردانية التي أنتجها المجتمع الرأسمالي؛ فالرياضة هي المجال الوحيد لتحقيق الإرادة الإبداعية لذات الإنسان، الذي صيّ ه المجتمع الصناعي إنسانًا آليًا، ولا سيما الطبقة العاملة. من هنا، كانت الرياضة ردَّ فعل على ما أفضت إليه الرأسمالية من تحويل الإنسان إلى آلة16. هذه المقاربة للرياضة، بأنها تعويض عن نقص ما، أو علاج لمرض ما، تظهر وتتكرس أكثر في عمل دي كوبرتان، الذي كان يرى في نفسه "مهندسًا اجتماعيًّا"، مهمتُه تقديم نصائح للسلطات العامة لمواجهة المجتمع الجماهيري وإعادة تخطيطه، وهو يرى أنه ينبغي توظيف الوسائل غير الأيديولوجية، كالرياضة، في بناء السلم الاجتماعي17. وأكثر من ذلك، يتحدث دي كوبرتان عن "عصاب عالمي" أفرزته الحضارة الحديثة، ولا يمكن علاجه إلا أن يكون علاجًا اجتماعيًّا، عبر إقامة الصلة أو العلاقة المتبادلة، بين السايكولوجيا والحركة البدنية. ومن ثم، فإن العلاج الذي تقدّمه الرياضة هو علاج فردي وجماعي18. وفي الخلاصة، كان الإسهام الأساسي لدي كوبرتان أنه حاول تضمين الثقافة في عقيدة النظافة الصحية، ليس لكونها عاملً من العوامل المولدة للأمراض التي تصيب الإنسان فقط، بل بما يمكن أن تشير إليه من أمراض اجتماعية وثقافية. هذه الطريق التمهيدية لتشكّل حقل "دراسات الرياضة" تشمل، أيضًا، حقلين أساسيين من حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية، أسهما في التمهيد للحقل، منذ تشكّله في أواسط القرن العشرين، وهما: التاريخ والسوسيولوجيا19. ومع أن حقولً أخرى، كالفلسفة، وبعض الحقول التطبيقية، كالاقتصاد والإدارة والسياسات العامة، كان لها بعض الإسهام، فإنه كان محدودًا، قياسًا على إسهامات هذين الحقلين. يظهر ذلك من كم الدوريات الأكاديمية التي صدرت، أو المقرّرات الدراسية التي نُظّمت، وذات صلة بهذين الحقلين، تحديدًا، ولا سيما في أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا. إن تحديد هذين الحقلين، بهذا الشكل (التاريخ ثم السوسيولوجيا. والترتيب هنا ذو دلالة، ستتوضح لاحقًا)، سيكون مفتاحًا أساسيًّا لفهم الخريطة المعرفية التي تشكّلت داخلها دراسات الرياضة. هناك كمّ غير قليل من الأدبيات التي تتناول العلاقة بين هذين الحقلين، اللذين يوصفان بأنهما "حقلان فرعيان" في دراسات الرياضة، والحدود التي تفصل أحدهما عن الآخر، ما المشترك بينهما، وما المختلف20، وهي تنتهي إلى ما يمكن تسميته "توجهًا عامًا" سائدًا الآن بضرورة التكامل بينهما21، ولا سيما مع التيار السائد عن تداخل التخصصات، غير أنه ينبغي القول إن العلاقة بين هذين الحقلين علاقة مركبة؛ فمن جهة، هناك تداخل وتكامل، ومن جهة أخرى، هناك استقلال وانفصال. وفهمُ هذا التركيب (تداخل وانفصال، في الوقت نفسه) مهم لفهم الكيفية التي نمت وتطورت بها دراسات الرياضة، على نحو عام. أولً، يرتبط التداخل بين هذين الحقلين، في تصوري، بأن دارسي الرياضة الحديثة، في محاولتهم تحديدَ وظيفتها الاجتماعية، لم يستطيعوا فصلَها عن جذورها التاريخية. وقد كانت هذه المقاربة هي المسيطرة في فهم الرياضة الحديثة: دراسة الانتقال الحاصل من أشكال قديمة إلى الرياضة الحديثة (وقد كان السوسيولوجي الألماني نوربرت إلياس هو المنظّر الأساسي لهذه المقاربة، على نحو ما سنلاحظ لاحقًا.) ولذلك، كان العصب الميثودولوجي الأساسي الذي تطورت عبره دراسات الرياضة يتمثل، لا في محاولة فك التداخل بين سوسوسيولوجيا الرياضة وتاريخها، بل فهمه والوعي به وبحدوده، أيًّا كانت الاقتراحات النظرية اللاحقة لفهم هذا التداخل، سواء الحديث عن "تاريخ اجتماعي"، أو "سوسيولوجيا تزامنية منزوعة

  1. Ibid., pp. 129-130.
  2. Ibid., pp. 139-140.
  3. Ibid, pp. 130-131.
  4. Ibid.
  5. Richard Giulianotti, "Introduction: Sport and Social Theorists- A Plurality of Perspectives," in: Richard Giulianotti (ed.), Sport and Modern Social Theorists (New York: Palgrave Macmillan Ltd, 2004), p. 2.
  6. ينظر، مثل: Joseph Maguire, "Common Ground? Links Between Sports History, Sports Geography and the Sociology of Sport," Sporting Traditions , vol. 12, no. 1 (1995), pp. 3–25; Wray Vamplew, "Empiricist Versus Sociological History: Some Comments on the 'Civilizing Process'," Sport in History , vol. 27, no. 2 (2007), pp. 161–171; Douglas Booth & Mark Falcous, "History, Sociology and Critical Sport Studies," in: Richard Giulianotti (ed.), Routledge Handbook of the Sociology of Sport (New York: Routledge, 2015), pp. 153-163.
  7. ينظر: Richard Pringle, "The Last Comparative Review of Sport History and Sport Sociology?" in: Murray G. Phillips, Douglas Booth & Carly Adams (eds.), Routledge Handbook of Sport History (New York: Routledge, 2022), pp. 24-26. يستعرض هذا البحث نقاشات المشتغلين بهذين الحقلين، وآراءهم في العلاقة بينهما.

التاريخ." ولعل أحد الاهتمامات الأساسية لهذه الدراسة هو متابعة هذا التطور الميثودولوجي. ومن ثم، سيكون من التبسيط أن نتحدث عن حقل ل "تاريخ الرياضة" مفرد، مستقل، يعي المشتغلون داخله حدودَه. والصحيح، إذا جاز لنا أن نتحدث عن حقل تاريخ الرياضة، مستقل عن سوسيولوجيا الرياضة ومتشكل قبله، فإنه لن يضم دراسات التاريخ التحليلية، بل الأعمال المبكرة ذات الطابع الوصفي، التي تكتفي بسرد كرونولوجي خطي للوقائع التاريخية، بمنطق "ما الوقائع التي حدثت؟ وكيف حدثت؟"، ولا تحاول أن تفسّها أو تحلّلها، وتضعها في سياقها التاريخي، بمنطق "لماذا حدثت هذه الوقائع؟"، أي إنها لا تفكر، ولا تهتم، بالسؤال السوسيولوجي. هذه الأعمال الوصفية – السردية هي ما يمكن أن ننسبه إلى هذا الحقل، قبل أن تظهر دراسات تاريخ الرياضة، التي يتداخل فيها السؤال السوسيولوجي بالسؤال التاريخي، وهي التي يمكن أن تشكّل استقلال تاريخ الرياضة عن سوسيولوجياها، إذا جاز لنا ذلك، هذا مع أنه تنبغي الإشارة، هنا، إلى أن هذه الأعمال المبكرة لم تكن تعدم مع ذلك مقاطع من تحليل سوسيولوجي وسوسيو - سياسي. وبهذا المعنى المحدد لحقل تاريخ الرياضة، بوصفه حقلً مستقلً، يشير الباحثون إلى بعض الكتب المبكرة التي يمكن أن تصنَّف ضمن هذا الحقل، الذي يصنفونه أولَ الحقول الفرعية في دراسات الرياضة، ويصنفون حقل التاريخ بوصفه أول حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية الغربية الحديثة اهتمامًا بالظاهرة الرياضية22. ظهرت منذ وقت مبكّر، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، أعمال عدة اتجهت إلى التأريخ للممارسات الرياضية في المجتمعات الغربية23. وهي أعمال لا تنفصل عن ظهور نزعة التاريخ الاجتماعي، الذي أشاعته مدرسة الحوليات؛ فهي تنطلق من أن الرياضة هي واحدة من ملامح المجتمع الحديث وسماته، وهي تسعى إلى وصف هذا النشاط الاجتماعي وتطوراته. وقد أصبحت كتب التاريخ الوصفية هذه مادةً أفادت منها العلومُ الاجتماعية لاحقًا. ومن بين الأعمال التي ظهرت في ذلك الوقت، وتُنسب إلى حقل التاريخ، يجدر الوقوف، أو حتى التنويه بعملين أساسيين في هذا المجال، لا تزال أهميتهما قائمة، الأول هو كتاب المؤرخ الأميركي تراث، جون ريكاردس بيتس America's Sporting Heritage أميركا الرياضي، -1850 50 19 1974()، وكتاب المؤرخ والكاتب اليساري التريندادي س. ل. ر. جيمس Beyond a Boundary ما وراء الحدود 1963()، الذي يفصّل في الكيفية التي اتُخذت بها لعبة الكريكت فضاءً لمقاومة الاستعمار. وهذان الكتابان هما أهم مثالين لكتب التاريخ المبكرة التي لم تعدم مقاطع من مقاربة سوسيولوجية لتطور الممارسات الرياضية، فهما لم يقفا عند التأريخ للرياضة بوصفها ألعابًا، أي في جانبها الفني فقط، أو فعاليات بدنية، بل كانا يضعانها، بقدر ما، في سياقاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ولم يكونا يتناولان البطولات والأبطال الرياضيين، بل كانا يؤرخان لتطور البنى المؤسسية للرياضة. ومع أنهما قد يكونان عملين تقليديين، من جهة أنهما تدوين وصفي للوقائع ذات الصِّلة بالرياضة، فإنهما قد يكونان أيضًا عتبة لبدء تداخل حقل التاريخ مع السوسيولوجيا؛ فهما لم يكتفيا بوصف الممارسات الرياضية في المجتمع الحديث، بوصفها ملمحًا لهذا المجتمع، بل حاولا أن يصفا ارتباطاتها. غير أن هذين العملين، والأعمال التاريخية التي على شاكلتهما، لم تسأل ما أعدّه السؤالَ المؤسّس الذي انطلقت منه العلومُ الاجتماعية في تناولها الظاهرةَ الرياضية، والذي يسبق تعريف الرياضة بوصفها ملمحًا للمجتمع الحديث، وهو: كيف تشكّلت الرياضة في المجتمع الحديث؟ وكيف تكوّنت بوصفها ظاهرة اجتماعية لها تمايزُها النوعي من الظواهر الاجتماعية الأخرى؟ لقد تعاملت هذه الأعمال التاريخية المبكرة مع الارتباطات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية للظاهرة الرياضية بوصفها أفع لً إرادية واعية؛ أي إنها كانت تؤرخ للقرار الواعي بوضع الظاهرة الرياضية في نسيجها الاجتماعي الأوسع. ومن ذلك، في أعلى الأمثلة صراحة، اتخاذُها فضاءً لمقاومة الاستعمار، كما فعل جيمس، في حين أن العلوم الاجتماعية، مرة أخرى، انطلقت من التضمينات اللاواعية للظاهرة الرياضية، من المعنى الباطن الذي شكّل الظاهرة الرياضية، والذي لا تدركه البداهة، أو التعارف، أو الحس المشترك، بل يكتشفه الحفر الذي تقوم به هذه العلوم. من هنا، أفترض أن تلك الأعمال المبكرة عن الرياضة، التي ظهرت في حقل التاريخ، لم تنطلق من الهواجس الإبستيمولوجية التي حركت العلومَ الاجتماعية لفهم الظاهرة الرياضية، ومن ثمّ، لا مكان لها في الخريطة المعرفية التي أسعى إلى رسمها هنا، إلا بوصفها تمهيدًا

  1. David K. Wiggins & Daniel S. Mason, "The Socio-Historical Process in Sports Studies," in: David L. Andrews, Daniel S. Mason & Michael L. Silk (eds.), Qualitative Methods in Sport Studies (Oxford/ New York: Berg, 2005), pp. 40-41.
  2. من قبيل: John A. Krout, Annals of American Sport  (Yale: Yale University Press, 1929); Jennie Holliman, American Sports, 1783-18 35 (Durham: The Seeman Press, 1931); Herbert Manchester, Four Centuries of Sport in America, 1490-1890 (New York: Derrydale Press, 1931).

يوضّ ح كيفية تطور فهم العلوم الاجتماعية للظاهرة الرياضية بالقطيعة معه. ولذلك، يتحدث الباحثون المتخصصون بحقل تاريخ الرياضة عن أن هذا الحقل - الذي كانت له الريادة بين حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية في الاهتمام بتاريخ الرياضة - بدأ يُهمَّش منذ التسعينيات من القرن العشرين24. وهو أمر يرتبط، في تقديري، بأن حقل التاريخ أدى دورَه التمهيدي في دراسات الرياضة، وهو وصف قيام الرياضة الحديثة، قبل أن يتسيّد السؤال عن سوسيولوجيا الرياضة في المجتمع الحديث.

بناء السؤال الاجتماعي عن الرياضة

قدّمتُ بأن ثمة شبه إجماع بين المختصين بدراسات الرياضة على أن هذا الحقل تطور (أو نشأ وتشكّل، بالأحرى) في الستينيات من القرن العشرين25؛ إذ عملت تلك اللحظةُ على تكريس ومأسسة اتخاذ العلوم الاجتماعية والإنسانية الرياضةَ موضوعًا بحثيًا ومعرفيًا، لتقدّم إسهامها في فهم هذه الظاهرة، بوصفها ظاهرة اجتماعية في الأساس. ويمكن القول، إجمالً، إن السؤال الذي وقفت دونه العلومُ الاجتماعية والجهود الفكرية الغربية ما قبل الستينيات من القرن العشرين، والذي كان يدور حول فهم الظاهرة الرياضية في معانيها العميقة، أصبح محورَ إنتاجها المعرفي عن الرياضة. وتحديد تاريخ البدء على هذا النحو ليس عملًاعتباطيًّا، بالتأكيد، فهو يستند إلى مقاربة ذات ثلاثة أركان مترابطة: مؤسسي، يربط تشكّل دراسات الرياضة ببدء تشكّل مجموعة من الأنشطة الأكاديمية الخاصة: اعتماد مساقات وبرامج دراسية خاصة بها، وظهور سلاسل ومصنفات ودوريات علمية أكاديمية عن الموضوع، وتشكيل روابط وجمعيات أكاديمية ذات صلة، وما إلى ذلك من اعتبارات. إبستيمولوجي، يرتبط باتخاذ الرياضة موضوعًا معرفيًّا، وتخصيص حقل دراسي له، يجري تناولها فيه على وفق مقاربات وقواعد ميثودولوجية سائدة في العلوم الاجتماعية الحديثة. نظري، يتفرع عن البعد الإبستيمولوجي، ويرتبط ببناء بردايمات نظرية تفسيرية داخل الحقل. هذه الأركان متلازمة، ولا يمكن أن نفهم نشأة حقل دراسات الرياضة من دون فهم هذا التلازم، فالتحديدُ المؤسسي أساسي ومهم جدًا، إلا أنه لم يتشكّل على فراغ، وهو يظل ناقصًا من دون تحديد المحتوى المعرفي المزامن، وقد اكتملت في الستينيات تحولات نظرية مهمة في فهم الظاهرة الرياضية، أفضت إلى ما يمكن عده "حقبة معرفية جديدة" في هذا المجال. ومع أن ثمة جذورًا وقطعًا، سوسيولوجية وتاريخية (ليست واسعة)، في تحليل الظاهرة الرياضية تسبق الستينيات، فإنها لم تشكّل شيئًا من دون التحول المؤسسي المفصليي الذي حدث في هذا العقد، هذا فضلً عن الإسهام النظري والبحثي والتجريبي، الذي اتسع منذ تلك المرحلة. يصمّم السوسيولوجي الألماني غونتر لوشن - وهو أحد المسهمين الأساسيين في بناء الحقل - جدولً بيبليوغرافيًّا إحصائيًّا (ليس شاملً)، بالدراسات الأكاديمية عن الرياضة، في حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية (وفي ما يمكن أن يُنسَب إلى حقل سوسيولوجيا الرياضة تحديدًا)، من كتب ومقالات نشُرت حتى أواخر السبعينيات من القرن العشرين، مقسّمة بحسب العقود والسنوات، يكشف فيه عن التطور الكمي لهذه الدراسات26. ومع أن لوشن يعترف بأن المهم في هذا الكم ضئيل جدًا27، ثمة تطور مفصليي بدأ يبرز منذ أواسط الخمسينيات؛ ففي حين نشُر منذ مطلع القرن العشرين 1900() إلى نهاية نصفه الأول)1949(101 كتاب و 99 مقالة أكاديمية، مما يمكن أن يُنسب إلى هذا الحقل، نشُر في النصف الثاني من عقد الخمسينيات وحده)1959-1955(58 كتابًا و 172 مق لً. وقد أعقبت هذه القفزة قفزتان كبيرتان، في الستينيات (إذ نشر 190 كتابًا و 802 مقال)، ثم في السبعينيات (إذ نشُر 725 كتابًا و 2500 مقال.) ويرى لوشن أن القفزة التي ينبغي التركيز عليها حدثت في الستينيات؛ إذ شهد الحقل ما تشهده الحقولُ المعرفية الناشئة من نمو وتوسع في التأليف، بدأ منذ الخمسينيات، وتكرس في الستينيات، وبلغ درجة الإشباع في السبعينيات، غير أن المهم في الستينيات ليس مجرد التوسع في التأليف، بل المأسسة، التي هي أحد العوامل الرئيسة التي تقف وراء التوسع. كان حقل سوسيولوجيا الرياضة أولَ ما يمكن تسميته "الحقول الفرعية" من حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية التي درست الرياضة، وأخذت وضعًا مؤسسيًّا، سواء في صك المصطلح الدال على الحقل (سوسيولوجيا الرياضة Sport of Sociology، أو

  1. Wiggins & Mason, pp. 41-42, 58-59.
  2. Richard Giulianotti, "Introduction," in: Giulianotti (ed.), Routledge
  3. Luschen, p. 318. 27  Ibid., pp. 316-317.
  4. Handbook of the Sociology of Sport , p. xix.

السوسيولوجيا الرياضية Sociology)Sport28، أو في إقرار مساقات دراسية تحت هذا العنوان، وإنجاز أطروحات أكاديمية مختصة، أو في إيجاد هيئات أكاديمية دولية تنظم الحقل. فقد تشكلت في -1964 1965 اللجنة الدولية لسوسيولوجيا الرياضة، التي أصدرت دورية أكاديمية مختصة، وبدأت بتنظيم مؤتمرات سنوية عن الموضوع، هذا فضلً عن الهيئات الوطنية والإقليمية. ولذلك، حين نتحدث هنا عن نشأة حقل دراسات الرياضة، فإننا نكاد نتحدث عن حقل سوسيولوجيا الرياضة، تحديدًا، وهو الذي ستتوسع عبره دراسات الرياضة إلى حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى. كانت مأسسةُ حقل سوسيولوجيا الرياضة تعبيرًا عن تضافر جهود أكاديمية مختلفة المصادر، كانت تحاول في الأساس أن تخرج بنتيجة مركّبة: بناء السؤال عن الرياضة بوصفه سؤلًاجتماعيًا، وفك احتكار دراسات "التربية البدنية Education "Physical29 لدراسة الرياضة. يذكر أكثر من باحث أن حقل سوسيولوجيا الرياضة تطور من داخل، أو بالتفاعل، أو السجال مع دراسات "التربية البدنية"، التي لم يكن في ا خارجهاًّالإمكان دراسة الرياضة أكاديمي30، هذا إذا تجاوزنا النظرة الدونية لدراسة الرياضة عمومًا في الأوساط الأكاديمية31. كان حقل دراسات التربية البدنية يركز   على دراسة التمارين الرياضية دراسة فسلجية منفتحة على معطيات الطب وعلم التشريح. وقد حقّق تقدمًا كبيرًا، وتموضع في دائرة كبيرة تربطه بحقول علمية صرفة، من قبيل البيولوجيا، والفسلجة، والميكانيكا الحيوية، وما يدور في هذه الدائرة32. وبسبب هذا، كان الحقل حقلً وضعاني ا أكسبته طبيعتُه هذه ثلاث سمات ميثودولوجية، حكمته وحكمت دراسات الرياضة آنئذٍ، من ثم: أن وحدة التحليل الرياضي هي الفرد لا المجتمع، تحت افتراض ضمني بأن للرياضة تأثيرًا في الفرد في شخصيته، وصحته العقلية والبدنية. أن غاية الحقل ليست نظرية، بل وصفية (ومن ثمّ، خالية من التحليل النقدي.) أن المنهجية التي تعتمدها الدراسات المنجزة في إطار هذا الحقل هي المنهجية الكمية33. وهكذا، بُني موضوع الدراسة العلمية (الوقائع الرياضية)، داخل حقل التربية البدنية، منزوعًا عن سياقه الاجتماعي والتاريخي، إلا معلومات يسيرة وافتراضات عامة عن الوظيفة الاجتماعية للرياضة، جرى تضمينها، من دون أيّ محاولة لتبريرها أو تفسيرها علمي ا، لتسهم   هذه الحال في تكريس الفصل المؤسسي لدراسة الرياضة عن الفضاء الرحب للعلوم الاجتماعية34. وعلى نحو عام، كان يُنظَر إلى حقل التربية البدنية بوصفه قليل القيمة فكريايًّ ومعرف ا، بسبب أنه يتخذ من الجسد موضوعًا له، لا العقل، أو البنى، أو المؤسسات. وفي الخلاصة، أسّس حقلُ التربية البدنية وتقاليدُه الإمبريقية السالفة إلى فهم وظيفي للرياضة، ينظر إليها عبر مقاربة فوق تاريخية، بوصفها شيئًا واحدًا ومتجانسًا عبر العالم، من دون معانٍ اجتماعية أو ثقافية متغايرة35. ولذلك، كانت مقاربة العلوم الاجتماعية للظاهرة الرياضية تسعى إلى القطيعة مع ما خلّفته دراسات التربية البدنية من تحديد علمي للظاهرة الرياضية، بوصفها ظاهرة حركية، فردية، ينبغي حسابها كمي ا. وهذا لا ينفي أن بعض الأكاديميين المتخصصين في دراسات التربية البدنية انخرطوا في تطوير سوسيولوجيا الرياضة، كما أن بعض

  1. تفصيلً، يمكن القول إن تعبير Sport" of Sociology" تعبير أوروبي، في حين أن تعبير Sociology" Sport" تعبير أميركي ينظر: Michael Atkinson, "Researching Sport," in: Giulianotti (ed.), Routledge Handbook of the Sociology of Sport , p. 8. وهذا الاختلاف ليس اختلافًا لغويًا فقط، بل هو يشير إلى أجندات بحث مختلفة، فحقل سوسيولوجيا الرياضة (وهو، والمصطلح الدال عليه، أكثر شيوعًا من سواه) يتعامل مع الرياضة بوصفها أداة لاختبار النظرية السوسيولوجية وتنقيحها، من جهة أنها سياق تحدث فيه العمليات الاجتماعية، وهذا السياق هو أرض مثالية للسؤال النظري عن الديناميكية الاجتماعية. أما السوسيولوجيا الرياضية فتتضمن إدراكًا مختلفًا لطبيعة البحث الأكاديمي، فهي تركز موضوعاتياعًّ على الأهمية الثقافية للرياضة في المجتم 8-9(pp.)Ibid.,. وقد أثمر هذا الحقل ظهور فيض من الدراسات التي تتناول السياسات الرياضية، والتحليل الفئوي للمشاركة الرياضية، وما إلى ذلك، مما قد ينتقده المشتغلون بحقل سوسيولوجيا الرياضة؛ لأنه لا يقوم على قاعدة فهم المجتمع من خلال الرياضة.
  2. يُعرَف هذا الحقل، اختصارًا، ب PE""، وقد تنوعت تسمياته – في الأدبيات الإنكليزية والعالم الأنكلوساكسوني - مع تطوره تاريخيًا، فَسُمةِّي "الثقاف البدنية Physical "Culture، و"علم الحركة Kinesiology، وأخيرًا، استعمل تعبير "علوم الرياضة Science Sport"، الذي يرى البعض أنه ورث كل تلك التعبيرات، مع أن تعبير "التربية البدنية" لا يزال مستعملً وشائعًا. وفي الأكاديميات العربية، شاع اسم "التربية الرياضية" في الإشارة إلى هذا الحقل، نقلً عن الأدبيات الفرنسية، التي كانت تسمّي هذا الحقل et" physique L'éducation (EPS)Sportive"، ذلك أن الأكاديميات العربية نقلت أسماء الحقول الأكاديمية والجامعات عن الفرنسية، بتأثير ما تبنته الجامعة المصرية في الربع الأول من القرن العشرين، التي اقتبست التسميات من المرجعية الفرنسية. وبسبب هيمنة وتأثير المرجعية الأكاديمية الأنكلوساكسونية، في الأقل في الثلث الأخير من القرن العشرين، غيّ ت الأكاديمية العربية، في العقود الثلاثة الأخيرة، تسمية الحقل إلى "التربية البدنية وعلوم الرياضة."
  3. Gunther Luschen, p. 316; Jennifer Hargreaves, "Theorising Sport: An Introduction," in: Jennifer Hargreaves (ed.), Sport, Culture and Ideology
  4. Ibid., p. 1.
  5. Ibid., pp. 1-2.
  6. Ibid. 34  Ibid.
  7. (London: Routledge & Kegan Paul, 1982), pp. 1-4.
  8. Ibid.

الدوريات الأكاديمية المختصة بدراسات التربية البدنية احتضنت نشر مقالات أكاديمية تتناول الرياضة في بعدها الاجتماعي36.

يحدد بعض الباحثين أن هناك مجموعة من العوامل والتطورات أسهمت في مأسسة دراسات الرياضة في أواسط الستينيات، إلى جانب وعي المشتغلين بحقول العلوم الاجتماعية المختلفة - بمن في ذلك الذين يدرسون الرياضة في بعدها الفسلجي والحركي - بأهمية دراسة الرياضة بوصفها ممارسة اجتماعية. وهذه العوامل عوامل سياقية، أوسع من مجرد اهتمامات وتطورات حقلية، تمتد من التوسع الجامعي في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتصل إلى الحرب الباردة وما ساعدت على ظهوره من موضوعات بحثية، غير أن الأهم في هذه العوامل هو ما يسميه إلياس "ثورة التساهل Revolution Permissive"، التي أفضت إلى ظهور "تيارات راديكالية" في العلوم الاجتماعية، قادت إلى اقتحام موضوعات لم تكن تتناولها سابقًا37. كانت ثمة تحركات عدة، آنئذً، في بعض الجامعات الأوروبية والأميركية لدراسة الرياضة من منظور سوسيولوجي. في الولايات المتحدة، نشر السوسيولوجي غريغوري ب. ستون في عام 1955، " American Sports: Play and Display" "الرياضة مقاله الأميركية: اللعب والاستعراض"38، الذي يعدّه إريك داننغ وجاي كوكليي أولَ نص سوسيولوجي متكامل في دراسة الرياضة39. وفي ألمانيا ظهرت بعض المصنفات في هذا المجال، منها ما أنجزه غونتر لوشن وكلاوس هاينمان40. غير أن الأهم، في تقديري، هي الحركة الأكاديمية في بريطانيا لبناء سوسيولوجيا للرياضة، التي كان بعضها متأثرًا بإلياس. وقد شهد عام 1961 إنجاز أطروحتَي ماجستير في السوسيولوجيا عن الرياضة، أنجزهما طالبان/ باحثان سيصبحان معروفين لاحقًا في الحقل السوسيولوجي، الأول هو أنتوني غيدنز، الذي قدّم في مدرسة لندن للاقتصاد رسالة ماجستير بعنوان Sport" " "الرياضة والمجتمع and Society in Contemporary England في إنكلترا المعاصرة"، غير أنه لم ينشرها في كتاب أبدًا. وفي السنة نفسها، قدّم داننغ، تلميذ إلياس وبإشرافه، رسالته للماجستير في جامعة ليستر، بعنوان Early Stages in the Development of" Football as an Organized Game: An Account of Some of the Sociological Problems in the Development of a Game" "المراحل المبكرة لتطور كرة القدم لعبةً منظمة: دراسة بعض المشكلات السوسيولوجية في تطور لعبة"، ودرس فيها تطور كرة القدم من كونها لعبة شعبية تتسم بالعنف، وأقرب ما تكون مواجهة قتالية منها إلى الرياضة الحديثة، إلى لعبة حديثة، لها تنظيم رسمي، وقوانين مدونة. وقد حاجّ داننغ، في هذه الأطروحة، بأن هذا التنظيم جزء مما يسميه إلياس "عمليات التحضر Civilizing Process"، التي تهدف إلى السيطرة على مستويات العنف. وقد اعتمد الاثنان على المادة   التي تضمنتها الجهود الأكاديمية قبلهما في حقل دراسات التربية البدنية. وفي السنوات القليلة اللاحقة، نشر الاثنان، غيدنز وداننغ، مقالات أكاديمية عن الموضوع، هي من أولى المقالات الأكاديمية في هذا المجال. نشر داننغ في عام 1963 مقالة مستمدة من رسالته للماجستير، عنوانها Early" its in Football Stages" "كرة القدم في المراحل المبكرة"41، وفي عام 1964، نشر

  1. لعل الأكاديمي البريطاني، بيتر ماكنتوش، المختص بدراسات التربية البدنية، مثال مهم هنا؛ فقد أسهم، منذ مطلع الستينيات، في تطوير سوسيولوجيا الرياضة. في 1960، نشر مقالة رائدة في الحقل، في: Peter McIntosh & J. Edmundson, "Sport and Society," The Journal of the Royal Institute of Public Health and Hygiene , vol. 23, no. 5 (May 1960), pp. 109-117; وفي عام 1963، أصدر كتابه Sport in Society، قبل أن يصبح – في عام 1966 - أول رئيس
  2. Jay Coakley & Eric Dunning, "General Introduction," in: Jay Coakley & Eric Dunning (eds.), Handbook of Sports Studies (London: SAGE Publications Ltd, 2000), pp. xxi-xxii.
  3. Gregory P. Stone, Gregory P., "American Sports: Play and Display," Chicago Review, vol. 9, no. 2 (Fall 1955), pp. 83-100.
  4. Coakley & Dunning, p. xxiii. 40  Haut, Staack & Schwann.
  5. للجنة الدولية لسوسيولوجيا الرياضة. M. Huggins, "Walking in the Footsteps of a Pioneer: Peter McIntosh, Trail Blazer in the History of Sport," The International Journal of the History of Sport , vol. 18, no. 2 (2001), pp. 136-147.
  6. Eric G. Dunning, "Football in its Early Stages," History Today , vol. 13, no. 12 (December 1963), pp. 838-839; يُنظَر: Ivan Waddington & Stephen Mennell, "Eric Dunning: Scholar who Got the Ball Rolling for Sports Sociology," Independent , 17/3/2019, accessed on 7/7/2022, at: https://bit.ly/3U3oOIg

مقالة ثانية، عنوانها Football" of Evolution The" "تطور كرة القدم"42، وفي العام نفسه)1964(، نشر غيدنز مقالة عن الرياضة، " "ملاحظات Notes on the Concepts of Play and Leisure" على مفهومَي اللعب والترفيه"43. ومع مطلع السبعينيات، أصبح الحقل واعيًا بنفسه (أو بلغ درجة الإشباع، بتعبير لوشن)، من حيث تشكّل جماعة أو شبكة من المختصين، ترسم حدوده وآليات تفاعله الداخلية، ومن حيث وجود مراجعات داخل الحقل لخطواته وتقدمه (من قبيل الكتب التي تجمع النصوص الأساسية في الحقل Readers، والمقالات التي تراجع حالته الراهنة Art of)State، هذا فضلً عن خروج التأليف في الحقل من حواضنه التقليدية (أوروبا والولايات المتحدة)44.

الرياضة تعويض ا

حاولتُ، فيما تقدّم، أن أصف الحركةَ التي انتهت إلى قيام حقل علمي خاص بدراسات الرياضة، وتضمنت ثلاث خطوات، تشكلت دراساتُ الرياضة بالتفاعل معها، تطويرًا، أو سج لً، أو نقدًا، أو حتى قطيعة: الخطوة الأولى هي الخطاب الفكري الأوروبي عن الرياضة بوصفها مرتبطة بأزمة القيم الأوروبية، والخطوة الثانية هي التأريخ الوصفي للممارسات الرياضية الناشئة في أوروبا والولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر، والخطوة الثالثة هي ظهور الدرس الأكاديمي الأول عن الرياضة في إطار دراسات التربية البدنية، وما فرضته من محددات ميثودولوجية. وقد كان بناءُ السؤال الاجتماعي عن الرياضة، الذي نهضت به العلومُ الاجتماعية والإنسانية، قطيعةً مع هذه الخطوات جميعًا، ودفعة واحدة: لم يعد كافيًا دراسة الرياضة بوصفها عَرَضًا أو جزءًا من سياق فكري أوسع، أو الاقتصار على دراستها بوصفها ظاهرة حركيّة فردية، كما لم يعد كافيًا التأريخ للممارسات الرياضية كما ظهرت في المجتمعات الغربية، من دون محاولة فهم المعاني الاجتماعية والثقافية التي تصنعها وترسم شكلَها وملامحها. كان يزامن التطورات المعرفية التي قادت إلى تشكل الحقل، إبستيمولوجي ا ومؤسساتيًا، قيام أول البردايمات النظرية التفسيرية فيه. وفي تقديري، أن العَلَم الأول الذي يرتبط به أول بردايم نظري لتفسير الظاهرة الرياضية وفهمها من منظور العلوم الاجتماعية هو إلياس، الذي يُنظَر إليه - بسبب من هذا وعلى نطاق واسع - بوصفه رائد حقل سوسيولوجيا الرياضة. وقد بسط إلياس هذا البردايم في العديد من الدراسات، التي أنجزها منذ ذلك الوقت، وتضمنت مادة تجريبية مهمة45. ومع أن لإلياس تنظيرًا سوسيولوجيًا يسبق انهماكه في دراسة الرياضة، يرجع إلى الثلاثينيات حين وضع كتابه الأساسي في عمليات الحضارة)1939-1936(، الذي درس فيه التطورَ الاجتماعي لأوروبا الحديثة، من خلال دراسة تطور الآداب العامة Manners The للطبقة العليا في أوروبا في العصور الوسطى، يعدّ بعض الباحثين إسهامه في دراسة الرياضة أحدَ أشهر إسهاماته على الإط قاا46، حتى وإن كان ما قدّمه في هذا المجال مجردَ تطبيق لأفكاره السابقة، أخضع فيه موضوع الرياضة للبردايم النظري الذي شكّله. ومع ذلك، وحتى إن كان في اهتمام إلياس بموضوع الرياضة قدر من المصادفة، قاده إليه مساره المهني، ينبغي القول إن الرياضة، في النهاية، لم تعد بالنسبة إليه مجرد موضوع مرّ عليه، كما كان يمكن أن يمرّ على موضوعات أخرى، فقد أصبح هذا الموضوع هو الحاضنة

  1. Eric Dunning, "The Evolution of Football," New Society , no. 83 (April 1964).
  2. A. Giddens, "Notes on the Concepts of Play and Leisure," The Sociological Review , vol. 12, no. 1 (1964), pp. 73-89. ينبغي لي أن أقول شيئًا عن غيدنز، هنا، فهو وإن كان بعض الدراسات يقدّمه بوصفه رائد سوسيولوجيا الرياضة لم ينجز عن الموضوع غير النصين السالفين. والنص الثاني نشره بُعيد التحاقه بقسم السوسيولوجيا بجامعة ليستر، إثر حصوله على الماجستير مباشرة، ولقائه إلياس وداننغ هناك. ولم يعد غيدنز للكتابة في الرياضة بعد ذلك أبدًا. وفي الحقيقة، ليس هناك تأثير لنيَّصَّ غيدنز هذين في دراسات الرياضة، فنحن لا نجد إحالات عليهما في ما يكتب في هذا المجال، على نحو يكاد يكون مطلقًا. ولذلك، ظل غيدنز غير مموضَ ع في تطور دراسات الرياضة. وبخلاف ذلك، هناك عدد من السوسيولوجيين المختصين كتبوا عن سوسيولوجيا الرياضة لدى غيدنز. وهؤلاء لا يتحدثون عن مفاهيم قدّمها غيدنز في هذا المجال، ولا يحيلون على نصيه السالفين، بل يتحدثون عن إمكانيات نظرية لدراسة الرياضة، أو لتطوير سوسيولوجيا للرياضة، مستمدة من أعمال غيدنز اللاحقة، ذات الطابع النظري العام. ومن ثم، هم يقترحون إطارًا نظريا لدراسة الرياضة، مستمدًا من المفاهيم السوسيولوجيّة التي قدّمها غيدنز. ينظر، مثلً: P. Bramham, "Giddens in Goal: Reconstructing the Social Theory of Sport," in: New Directions in Leisure Studies ,  Papers in Applied and Community Studies , Department of Applied and Community Studies , Bradford and Ilkley Community College , no. 1 (1984), pp. 5-30; John Horne, J. and & David, Jarry "Anthony Giddens: Structuration Theory, and Sport and Leisure," in: Richard Giulianotti R. Giulianotti (ed.), Sport and Modern Social Theorist (London: Palgrave Macmillian, 2004), pp. 129-142; Kevin Dixon, "A 'Third Way' for Football Fandom Research: Anthony Giddens and Structuration Theory,"  Soccer & Society , vol. 12, no. 2 (2011), pp. 279-298.
  3. ينظر: F.I. Sharkov & V.V. Silkin, "Sociology of Sports and the Space of Sports
  4. Dominic Malcolm, "Norbert Elias and the Sociology of sport," in: Giulianotti (ed.), Routledge Handbook of the Sociology of Sport , pp. 50-51. 46 ينظر: Stephen Mennell & Johan Goudsblom, "Introduction," in: Stephen Mennell & Johan Goudsblom (eds.), Norbert Elias: On Civilization, Power and Knowledge (Chicago: The University of Chicago Press, 1998), p. 15.
  5. Practices: Social Genesis and Sociological Theories," RUDN Journal of Sociology , vol. 20, no. 1 (2020), pp. 137-144. يتضمن هذا البحث إشارات للجهود الروسية (في الحقبة السوفياتية) في هذا المجال:.pp. 137-139

الكاشفة لفرضياته، وقد أعانه كثيرًا في فهم التطور الاجتماعي لأوروبا، من خلال محاولة فهم موقع الرياضة من هذا التطور. وحتى مع النمو والتطورات المهمة التي شهدها الحقل، بدءًا من أواخر السبعينيات في أقل التقديرات، ظلت مقاربة إلياس تُعّد مقاربة أساسية فيه47. هذا في الوقت الذي كان جل المنظرين السوسيولوجيين عبر العالم يعدّون الرياضة ظاهرة غير جديرة بالدراسة48. ولا يقتصر إسهام إلياس في دراسات الرياضة على المحتوى المعرفي، بل إنه كان له دور في التطور المؤسسي لهذا الحقل، فبعد أن غادر ألمانيا إثر سيطرة الحزب النازي، وقصد بريطانيا، كالكثير من الأكاديميين الألمان الذين قصدوا بلدانًا غربية، التقى بعض الباحثين السوسيولوجيين الشباب، ممن كانت لهم طموحات في دراسة الرياضة؛ ما سمح له بالتفاعل وبناء مبحث مشترك، يطور فيه أفكارَه السوسيولوجية. وبدءًا من الستينيات، أسهم إلياس، من خلال وجوده في جامعة ليستر في بريطانيا (التي عمل فيها للفترة 1978-1954)، ثم في هولندا (حيث أقام وعمل لاحقًا)، في بناء مدرسة، أو تيار أكاديمي، أو جماعة علمية، تضم تلامذتَه والمتأثرين بتوجهاته النظرية، وتشكّل دراسة الرياضة جزءًا أساسيًّا من اهتماماتها49. ويُنظَر إلى هذا الجسم الأكاديمي بأنه كان له الإسهام الأهم في تقدّم دراسات الرياضة، وفي صدارتها سوسيولوجيا الرياضة. وفي الحقيقة، لولا هذا المسار المهني (الذي فيه قدر من المصادفة، كما قدّمت)، ولولا لقاء إلياس ببعض الطلبة الذين يرغبون (واقترحوا عليه) دراسة الرياضة، ولا سيما داننغ، تلميذه وشريكه في كتابة نصوصه الأساسية في سوسيولوجيا الرياضة، لما كان سيتجه، بالضرورة، إلى التأليف في هذا الحقل؛ أي إن اتجاه إلياس للكتابة في سوسيولوجيا الرياضة لم يكن ضروريًّا وحتميًا، أمرًا تقود إليه اهتماماته البحثية، فهو - عدا إشارات إلى الرياضة عابرة في كتابه في عمليات الحضارة50 - لم يكتب عنها إلا حين أصبح في ليستر. غير أن المفارقة المهمة التي ينبغي الإشارة إليها، هنا، قبل التفصيل في مفاهيم إلياس في هذا المجال، النظرية والمنهجية والتطبيقية، تتمثل في أن العلوم الاجتماعية الغربية تأخرت في التعرف إلى أعماله، في حين أن تلامذته ومريديه يعدّونه أحد أبرز السوسيولوجيين الأوروبيين في القرن العشرين، ويعدّون إسهامَه في السوسيولوجيا إسهامًا تأسيسيًا51. ومع أنه وضع عمله الأساسي  في عمليات الحضارة  بالألمانية، لم يجر التنبه له إلا بعد صدور الترجمة الإنكليزية للكتاب في عام 1969، وكان آنئذ قد خرج على التقاعد الجامعي. ومن جهة أخرى، قد يكون إلياس حالة خاصة في أنه لا يمكن فهم مقاربته السوسيولوجية للرياضة من دون فهم منظومته المفاهيمية كاملة. نعم، قد يصدق هذا الأمر على سائر المنظّرين، إلا أن إلياس حالة خاصة، ليس فقط لأن معجمه المفاهيمي ظل غير شائع، بل لأنه يتجاوز عدّ الرياضة "مج لً تجريبيًّا"، يبرهن على صحة النظريات. الرياضة، بالنسبة إليه، مادة مهمة تساعدنا على فهم تطور المجتمعات الأوروبية، كما فهم الرياضة نفسها، على ما يقول هو نفسه52. ومن ثم، لا ينطلق إلياس من النظرية إلى الرياضة، بل إنه ينطلق من الرياضة إلى بناء النظرية. يُفهَم إلياس بأنه أحد المنظرين السوسيولوجيين الذين حاولوا تجاوز الثنائيات المنهجية التي تحكمت في التفكير السوسيولوجي (الفردي/ الجماعي، البنية/ الفاعلية، الذاتية/ الموضوعية، الماضي/ الحاضر، السوسيولوجيا/ التاريخ، الطبيعة/ التنشئة Nurture، وما إلى ذلك)، من خلال إنتاج مفاهيم سوسيولوجية جديدة تتجاوزها53. وفي تقديري، أن الأطروحة الإبستيمولوجية الأساسية التي يقدمها إلياس، وظلت هاجسًا لديه في سائر أعماله، هي أن الظاهرة الاجتماعية ظاهرة ديناميكية، وينبغي أن تدرس في طابعها الديناميكي. ولذلك، كان جل المفاهيم الأساسية التي صاغها يسعى لأن يكشف عن هذا البعد الديناميكي (من قبيل مفهوم "مجتمع الأفراد"، على سبيل المثال)54. من هنا، يرفض إلياس فكرة أن الثنائيات التي عملت

  1. Richard Giulianotti, "Civilizing Games: Norbert Elias and the
  2. Ibid. وإلياس نفسه يقول إنه ساعد في جعل الرياضة موضوعًا محترمًا للدراسة، ينظر:
  3. Giulianotti, "Introduction: Sport and Social Theorists," p. 7.
  4. ينظر: Norbert Elias, The Civilizing Process: Sociogenetic and Psychogenetic
  5. Sociology of Sport," in:  Giulianotti (ed.), Sport and Modern Social Theorists ,
  6. Elias, Norbert, "Introduction," in: Norbert Elias & Eric Dunning, Quest for Excitement: Sport and Leisure in the Civilizing Process (Oxford: Blackwell, 1986), p. 19.
  7. Malcolm. 54 في تقديري، أن كتاب إلياس  مجتمع الأفراد  قائم على المحاجّة ضد فكرة أن "الفرد " و"المجتمع" وحدتان سوسيولوجيتان منفصلتان.
  8. Investigations , Edmund Jephcott (trans.), Eric Dunning, Johan Goudsbfom & Stephen Mennell (eds.) (New Jersey: Wiley-Blackwell , 2000), pp. 157, 170. 51 ينظر، مثلً، ما يقوله داننغ عنه، في: Eric Dunning, "Sport in the Quest for Excitement: Norbert Elias's p. 145. Contributions to the Sociology of Sport," Group Analysis , vol. 30, no. 4 (1997), p. 477. 52  Norbert Elias, "The Genesis of Sport as a Sociological Problem," in: Eric Dunning (ed.), The Sociology of Sport: A Selection of Readings (London: Cass, 1971), pp. 88-89; وينظر الترجمة العربية في: نوربرت إلياس، "نشأة الرياضة بوصفها مسألة سوسيولوجية"، عمران، مج ترجمة مجد أبو عامر ويارا نصار، 11، العدد 42 (خريف 2022)، ص.162

التيارات السوسيولوجية الكبرى في القرن العشرين على ابتكارها، لتميز بين ما هو داخليي في الظاهرة الاجتماعية وما هو خارجي (من قبيل تمييز دوركهايم بين الظاهرة الفردية والظاهرة الجمعية، أو تمييز بارسونز بين "الشخصية" و"النظام الاجتماعي"، أو تمييز البنيوية بين السنكروني والدايكروني)، هي أدوات وتمييزات منهجية للدراسة، فهذه "الأدوات" كانت تنتهي إلى نزع الطابع الديناميكي عن الظاهرة الاجتماعية، وتحوّلها في النهاية إلى حالة مختبرية، غير واقعية. يعتقد إلياس أن العلوم الاجتماعية، في النصف الأول من القرن العشرين، وقعت تحت ما يُسمّى، بلغة المنطق، نزعة "الرد Reduction"؛ أي رد الأشياء القابلة للملاحظة إلى أصل لازمني وغير متغير. وقد استعمل إلياس تعبير "رد العمليات Process- reduction" لوصف هذه النزعة في العلوم الاجتماعية، التي أنتجت مفاهيم من قبيل "البنية"، و"النظام"، و"الطبقة"، وسواها، وهي مفاهيم تشير إلى ظروف ثابتة وغير متغيرة، بدلً من التدفق المستمر للحياة الاجتماعية. وبحسب إلياس، كان هناك ميل فلسفي داخل العلوم الاجتماعية الغربية لتصوير الكينونة البشرية بصورة مثالية، اصطلح عليها "الإنسان المغلق clausus homo"، وهي صورة لا تتوافق مع الطبيعة الفسلجية والبيولوجية للإنسان. يتجه جزء أساسي من نقد إلياس للعلوم الاجتماعية الغربية إلى البردايم البنيوي، الذي كان مسيطرًا على مساحة مهمة من إنتاج هذه العلوم في النصف الأول من القرن العشرين، ف "اللاتاريخية" و"البنية" و"التزامن" و"الثبات" هي وليدة بردايم نظري واحد، يرى أن البنية هي غير/ وفوق الفرد، وأنها تتمتع بثبات طويل الأمد. ولعل من أهم السجالات المتفرعة عن نقد إلياس للبردايم البنيوي هو نقاشه للنزعة "اللاتاريخية"، الذي تجسد في سجال إبستيمولوجي عن علاقة السوسيولوجيا بالتاريخ. وتقع دراسةُ الرياضة في قلب هذا السجال (وعلى نحو عام، سيظل هذا السجال أساسيًّا في تطور دراسات الرياضة.) قام إلياس باستئناف وتطوير السجال، الذي عرضتُ لشريحة منه فيما تقدّم، والذي كان في الوقت نفسه جزءًا من سجال شهدته السوسيولوجيا العالمية في تلك الفترة، بين تيارين إبستيمولوجيين: تيار وضعي، يشمل البنيوية الوظيفية التقليدية وتصورات كارل بوبر، وتيار ما يسميه إلياس "السوسيولوجيا التطورية Sociology Developmental." وكان نقاش إلياس لعلاقة السوسيولوجيا بالتاريخ يقف في مواجهة النزعة الوضعانية التقليدية التي كانت سائدة في السوسيولوجيا. وقد تكون النزعة التاريخية لإلياس أحد العوامل التي حدّت من التعرف عليه في السوسيولوجيا العالمية، فحين انتقل إلى بريطانيا، كان جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية من السوسيولوجيين البريطانيين مناهضًا للنزعة التطورية Evolutionism التي نمت في السوسيولوجيا البريطانية منذ القرن التاسع عشر على يد هربرت سبنسر؛ إذ رأوْا أنها تعكس ما ساد في الحقبة الفيكتورية من أفكار عن التقدم الأوروبي والتفوق الغربي. ولذلك، لم يتقبلوا أفكار إلياس عن السوسيولوجيا التطورية أول الأمر55. جاء التنظير الإبستيمولوجي الأساسي للنزعة المناهضة للتاريخانية في العلوم الاجتماعية من الفيلسوف النمساوي - البريطاني كارل بوبر، في كتابه Poverty of Hisorism فقر التاريخانية 1957()، الذي يحاجّ فيه بأن التاريخ والسوسيولوجيا التاريخية لا يمكن أن يكونا علمين، بسبب فرادة Uniqueness الأحداث التاريخية ولاتكراريتها Unrepeatability، في حين أن العلم يدرس ظواهرَ قابلة لأن تتكرر، فحين ذاك، يمكن بناء فرضيات للاختبار وصياغة قوانين عامة. وقد خصّص إلياس جزءًا من جهوده لعرض حججه الإبستيمولوجية والفلسفية ل "السوسيولوجيا التطورية"، أو التاريخية، والرد على بوبر، ولا سيما في كتابه The Court Society مجتمع البلاط 1969()، الذي يحاجّ فيه بأن الفرادة واللاتكرارية ليستا متأصلتين في التاريخ، مثلما إنهما يمكن أن توجدا في العديد من الظواهر الاجتماعية56. ويرى إلياس أن الزمان ليس تدفقًا موضوعيًا، وقد رسّخت العاداتُ اللغوية (في التعامل مع تعبيرات، من قبيل "الزمان"، و"التاريخ"، و"الوقت)" أسطورةَ أن الزمان شيء موجود وقابل للقياس والتحديد57. إنه ليس عملية، أو حدثًا (وهما الأساس في البحث والاهتمام السوسيولوجيين)، بل هو مجرد رمز اجتماعي، يُستعمَل ويتحدد من خلال علاقة ترابطية بالمكان والأحداث والعمليات. ولذلك، فإن ما يُسمّى "الحاضر" هو نقطة مرجعية تتغير باستمرار مع تدفق الأحداث والعمليات. وهكذا، يتضمن مفهوم "الحاضر"

  1. ينظر: Stephen Mennell & Johan Goudsblom, "Introduction," in: Mennell & Goudsblom (eds.), Norbert Elias, On Civilization, Power and Knowledge,  p. 15.
  2. خصّص إلياس الفصل الأول من كتابه هذا، الذي جاء بعنوان "السوسيولوجيا والتاريخ "، لهذا الحجاج الإبستيمولوجي مع بوبر، ينظر: Norbert Elias, The Court Society , Stephen Mennell (eds.), vol. 3 (Dublin: UCD Press, 2006 [1969]), pp. 10-13; وينظر، كذلك، مقال داننغ، الذي يأتي في سياق المحاجّة الإلياسية لبوبر: Eric Dunning, "In Defense of Developmental Sociology: A Critique of Popper's 'Poverty of Historicism', with Special Reference to the Theory of Auguste Comte," Amsterdams Sociologisch Tijdschrift , vol. 4, no. 3 (1977), pp.
  3. أفكار إلياس عن الزمان عرضها: Norbert Elias, Time: An Essay (Oxford: Basil Blackwell, 1992 [1987]), pp. 99-100.

دلالة تاريخية Connotation Historical، ولا بد أن تفضي دراسة الحاضر إلى أحد أشكال الدراسة التاريخية. من هنا، يدافع إلياس عن مقاربة تطورية أو تاريخية للاجتماع البشري، وهو يأسف لأن السوسيولوجيا تراجعت اهتماماتُها التطورية التاريخية لصالح التيار الذي كانت له السيادة في النصف الأول من القرن العشرين؛ إذ هيمنت - بدلً من النزعة التاريخية للقرن التاسع عشر - بردايمات ثباتية Paradigms Static، بافتراض أن البنى تتمتع بثبات طويل الأمد وأن التغيير عملية غير منظمة. وهكذا، انسحبت السوسيولوجيا إلى الحاضر، أو أن السوسيولوجيين انسحبوا إلى الحاضر، على نحو ما يقول في عنوان مقالة له58. يقدّم إلياس مفهوم "التشكيل الاجتماعي Figuration"، بوصفه مفهومًا ديناميكيًّا بديلً للمفاهيم الثباتية التي قدّمتها العلوم الاجتماعية، ويعرّفه بأنه "مفهوم عام للنمط الذي تنتظم فيه كينونات البشر المتكافلين Interdependent معًا، على شكل مجموعات Groups، أو أفراد Individuals." ومن ثم، هو يرى أن المجتمعات هي "تشكيل" من الناس، منسوجين Knitted معًا في شبكة، يعتمد فيها أحدهم على الآخر  Web of interdependence 59. هذا المفهوم مفهوم مركزي في سوسيولوجيا إلياس، وهو يسمي السوسيولوجيا "السوسيولوجيا التشكيلية Sociology Figurational"، وهي تقوم على أساس نظرية علائقية، تشمل أكبر قدر ممكن من القوى، والتطورات، والاتجاهات الاجتماعية، التي توجد داخل التشكيل الاجتماعي، على شكل توترات وتوازنات قوى. وإذا كان مفهوم "التشكيل" هو الإطار النظري التحل ليي الذي قدّمه إلياس لفحص تمظهرات التشكيلات الاجتماعية، فإن الأطروحة التفسيرية التاريخية الأساسية، التي يعرضها في كتابه  في عمليات الحضارة، لتفسير تطور المجتمعات الأوروبية الحديثة، وتظل حاضرة في "السوسيولوجيا التشكيلية"، أي الدراسات التي تستعمل إطار إلياس (وفي قلب ذلك، دراسة الرياضة)، هي أن هذه المجتمعات شهدت "عمليات تحضر" (وهذا مفهوم أساسي لدى إلياس)، تضمنت، على نحو أساسي، عملية "عقلنة" للدوافع البشرية، من خلال الضبط والتنظيم الذاتيين. يتموضع هذا المفهوم (عمليات التحضر) في إطار مسعى عام لإلياس لفهم مدى تطور المجتمعات من خلال فهم مدى السيطرة التي يمارسها الإنسان فيها، وهو يرى أنه يمكن قياس تطور مجتمع ما بثلاث طرائق: مدى السيطرة على العلاقات فوق البشرية (أو ما يُسمّى في العادة "الأحداث الطبيعية)"، أو مدى السيطرة على العلاقات بين البشرية (أو ما يسمى "الروابط الاجتماعية)"، أو مدى سيطرة الإنسان على نفسه (ضبط النفس)، ويوضح أن التطورات العلمية والتكنولوجية هي التي تسهم في الطريقة الأولى، في حين يسهم بناء المؤسسات الاجتماعية في الطريقة الثانية، وتتكفل عمليات التحضر في الطريقة الثالثة60. ومن ثم، يموضع إلياس "عمليات التحضر" في مسعى الإنسان للسيطرة على نفسه. ومن جهة أخرى، يرى إلياس أن عمليات التحضر تتضمن ديناميكية "عقلنة." وهو يطور بهذا طريقةَ فهم سادت في الفكر الأوروبي في الربع الأول من القرن العشرين عن تطور المجتمعات الأوروبية الحديثة. وهو نفسه يشير إلى تمييز فرويد بين اللاوعي والضبط العقليي الواعي. ولا أشك في أن إلياس لم يكن بعيدًا عن مفهوم "العقلنة البيروقراطية"، بالمعنى الذي استعمله قبله في السوسيولوجيا الألمانية ماكس فيبر، غير أن إلياس من جهة، يعليي من شأن الجوانب الانفعالية Emotional، ويعطيها القدر نفسه من الأهمية التي يعطيها لنظام الحكم، ومن جهة أخرى، يعدّ عمليات التحضر إطارًا أوسع من العقلنة، التي تتموضع بوصفها فرعًا على الأولى. ومن ثم، فإن ما سعى إليه إلياس هو وضع هذه الديناميكيات التي تطورت عبرها المجتمعات الأوروبية في إطار نظرية عامة. وتحتل الرياضة مكانًا مهمً في هذا المجال، بوصفها شكلً تطور مع مساعي الإنسان للسيطرة على دوافعه. من هنا، يجمع دارسو إلياس على أن مقاربته للرياضة متجذرة في مفهومه ل "السوسيولوجيا و"سوسيولوجيا العمليات التشكيلية" "61، وهو ما يدافع عنه إلياس بوضوح: أن دراسة الرياضة مهمة لفهم تطور المجتمعات الأوروبية الحديثة62. تمثل إحدى الوظائف الرئيسة التي نهضت بها الرياضةُ الحديثة، ممارسة وفرجة، أنها تجعل الناس، من طبقات مختلفة، ينخرطون في بحث عن الإثارة تعويضًا عن التحكم الاجتماعي، الذي فرضته المجتمعاتُ الصناعية ونظام العمل والروتين فيها، فهي توفّر إثارة عاطفية Emotional، من خلال ما تتضمنه من قابلية على الحركة Motility (النشاط البدني)، والتفاعل الاجتماعي Sociability، والمحاكاة Mimesis، غير أن الرياضة قدّمت للإنسانية أكثر من

  1. Norbert Elias, "The Retreat of Sociologists into the Present," Theory, Culture and Society , vol. 4, no. 2-3 (1987), p. 223.
  2. Norbert Elias, Involvement and Detachment (Oxford: Blackwell, 1987),
  3. Norbert Elias, What is Sociology?  (London: Hutchinson, 1978), p. 157.
  4. Giulianotti, "Civilizing Games," pp. 147-148.
  5. Elias, "The Genesis of Sport." p. 85.

ذلك، فعبر رحلتها من العصور القديمة إلى العصر الحديث، حققت - بحسب إلياس في ما يمكن عده أطروحته الأساسية في هذا المجال - ثلاثة أمور، تشكل إسهامَها الأساسي في الحضارة البشرية: تشكيل الضمير Formation Conscience، وعقلنة الدوافع، والتحكم في العنف الطبيعي. ولذلك، يتتبع إلياس كيف تطور هذا الثالوث من المفاهيم الفلسفية، من مسابقات الألعاب في الحقبة الإغريقية، إلى الرياضة في العصر الحديث. وعلى نحو ما تقدم، يربط إلياس هذا التحول بعمليات التحضر، وهي العمليات التي أفضت إلى العقلنة، على نحو ما عرض في كتابه  في عمليات الحضارة؛ فبمرور الوقت، أصبح الناس يمارسون تحكمً في أجسادهم، منسجمً مع تطور الآداب العامة. وقد تزايدت أهمية هذا الأمر، بسبب أنه بات يحدّد الوضع الاجتماعي. وبهذا المنطق، يمثل التحول من الرياضات ذات العنف القتالي إلى الرياضة الحديثة، التي يجري خلالها تحكّم في المشاعر والانفعالات، جزءًا أساسيًّا من هذا الأمر. ولذلك، يخلص إلياس، في بحثه "نشأة الرياضة بوصفها مشكلة سوسيولوجية"، إلى أن الرياضة هي تشكيل حديث، وأن فهمها بوصفها إحياءً للألعاب القديمة هو أسطورة أيديولوجية. وأخيرًا، أود أن أنهي هذا المبحث بالقول: إنني ذكرتُ، فيما تقدّم، أن جهود إلياس وتصميمه أولَ بردايم نظري لتفسير وفهم الوظائف الاجتماعية للرياضة ودورها في تطور المجتمعات الأوروبية الحديثة كانت أساسية لقيام حقل دراسات الرياضة، وفي القلب منه سوسيولوجيا الرياضة، وذكرت أن قيام الحقل كان قطيعة مع ثلاث مقاربات سابقة ذات صلة بالرياضة، إحداها النقد الفكري الأوروبي، في الربع الأول من القرن العشرين، لما سُمِّي آنئذٍ "أزمة القيم الأوروبية"، وقد كان تناولُ الرياضة جزءًا من هذا النقد، إما بوصفها عَرَضًا للأزمة أو إمكانية علاجية لها، وذكرتُ أن قيام حقل دراسات الرياضة كان تخليصًا لتناول الرياضة من المباحث الأكثر سعة منها، واتخاذًا لها بوصفها موضوعًا برأسه لحقل دراسي مستقل. ومع ذلك، ينبغي لي أن أقول، هنا، إنه لا يمكن فصل جهود إلياس، من حيث هي محتوى ومقولات، عن الحاضنة النقدية الأوروبية، حتى وإن كانت تدعو إلى التركيز على دراسة الرياضة بوصفها موضوعًا اجتماعيًّا برأسه؛ ففي تقديري، وفي خلاصة ما أتصوره عن جهود إلياس عن الرياضة، أن مقولاته هي نتاج النقدية الأوروبية وتطوير لها. يعتمد إلياس ويحيل إلى عمل المؤرخ الثقافي الهولندي، يوهان هويزنغا، الذي درس عنصر "اللعب" في الثقافة والمجتمع، وتعامل معه بوصفه ظاهرة ثقافية، لا مجرد ظاهرة حركية، حتى وإن كان يتناول اللعب بشيء من التوسعة، ليشمل الفن، من بين أشياء أخرى، وهو يرى أنه موجود في كل الثقافات البشرية، إلا أنه كان مفهومًا مركزيًّا في التاريخ الثقافي الغربي، وأسهم في تطور الحضارة، بحسب ما يرى. وبلا شك، لا تنفصل جهود إلياس عما كان يُتداول أوروبيًّا، آنذاك، عن الإمكانية العلاجية للرياضة، ومنها أفكار دي كوبرتان، التي عرضتُها فيما تقدّم. غير أنني أود أن أشير إلى أفكار السوسيولوجي الألماني كارل مانهايم، أستاذ إلياس، التي قد يكون لها تأثير مباشر فيه، ففي عام 1935، نشر مانهايم كتابًا عنوانه الإنسان والمجتمع في عصر إعادة البناء، حاول فيه أن يستكشف العواملَ الاجتماعية التي قادت إلى أزمة الحضارة الغربية، وأن يحلل أزمة الديمقراطية الأوروبية، كما تجسدت في فشل جمهورية فايمار. وكان مانهايم يهدف من وراء ذلك إلى تقديم رؤية لإنقاذ الديمقراطيات الأوروبية، تقوم على أساس التخطيط الاجتماعي القصدي والتوجيه المخطّط لحيوات الناس، اعتمادًا على السوسيولوجيا والسايكولوجيا63؛ وهي المحاولة التي فهمت بأنها تنطلق من رؤية الدولة بأنها ذات طبيعة أخلاقية. وهنا، تتجسد وظيفة الرياضة، بالنسبة إلى مانهايم، كما وظيفة الاحتفالات في المجتمعات الجماهيرية الكبرى، بوصفها إحدى الوسائل المركزية القادرة على التأثير في الناس وتحقيق اندماج انفعالي واسع بينهم64. وبلا شك، لا يمكنني أن أبت فيما إذا كان لأفكار مانهايم في هذا المجال أثر في تطور مقاربة إلياس عن الرياضة، إلا أن الأكيد - بالنسبة إلي - أن محاولة فهم الموقع الاجتماعي للرياضة ودورها في تطور المجتمعات، كما شاعت في الفكر الأوروبي آنئذً، سواء لدى من نقل عنهم إلياس بصفة صريحة (هويزنغا)، أو من يحتمل أنه تأثر بهم (مانهايم)، كانت إحدى السبل التي قادت إلياس إلى أن يطور نظرية متكاملة عن دور الرياضة في التطور التاريخي والاجتماعي للمجتمعات الأوروبية. ما أتصوره أن إلياس سعى إلى وضع هذه الجهود في إطار نظرية عامة، تمامًا كما قدّمتُ بأنه وضع أفكار المفكرين الأوروبيين آنئذٍ عن ديناميكيات العقلنة، التي رافقت تطور المجتمعات الأوروبية، في إطار نظرية عامة.

الرياضة حقل ا اجتماعيًا

إذًا، تولى إلياس صياغة النظرية العامة عن ولادة الرياضة الحديثة، وكان البردايم النظري الذي صمّمه يستند إلى السوسيولوجيا التطورية: يدرس موقع الرياضة من تطور المجتمعات الأوروبية

  1. Hoberman, p. 122.
  2. يُنظَر: Karl Mannheim, Man and Society in an Age of Reconstruction: Studies in Modern Social Structure , Edward Shils (trans.) (London: Routledge and Kegan Paul LTD, 1940 [1935]), p. 63.

الحديثة، وانتقالها من أشكال الألعاب القديمة إلى الشكل الحديث، والدلالات السوسيولوجيّة المحيطة بذلك. ومن ثم، يركّز بردايم إلياس على "الانتقال:" صيرورة الرياضة وانتقالها من نقطة في التاريخ إلى نقطة أخرى. البردايم النظري الثاني صمّمه بورديو، الذي قدّم، منذ نهاية السبعينيات، عدة إسهامات في تحليل الظاهرة الرياضية، ويكاد يجمع الباحثون على أنه المنظر السوسيولوجي الثاني الذي درس الرياضة بعد إلياس65. غير أن تناولي لبورديو، هنا، لا ينطلق من هذا الاعتبار الشائع في دراسات الرياضة، بل لأنني أظن أن بردايم بورديو عن الرياضة لا يختلف فقط عن إلياس، بل إنه يقوم أساسًا على السجال معه، تطويرًا أو نقدًا، تصريحًا أو تلميحًا. ومن ثم، تبدو العلاقة بين إلياس وبورديو، في قراءتي الخاصة، مقطعًا من كرونولوجيا نظرية متصلة. تتشكل مدونة بورديو عن الرياضة من خمسة نصوص: الأول منها (والأهم) هو المحاضرة التي قدّمها في مؤتمر أكاديمي في باريس في عام 1978، بعنوان "الممارسات الرياضية والممارسات الاجتماعية"، ونشرت في العام نفسه في دورية أكاديمية مترجمةً الإنكليزية بعنوان "الرياضة والطبقات الاجتماعية إلى "66. وفي عام 1980، جعل بورديو هذا النص فصلً في كتابه قضايا السوسيولوجيا، بعنوان "كيف يمكن للمرء أن يصبح رياضيًا؟ "67. وفي تقديري، أن العنوانين الأولين للنص، العنوان الذي استعمله بورديو للمحاضرة، والعنوان الذي وضعه مترجم المحاضرة إلى الإنكليزية، يكشفان شيئًا من توجهات النص وطريقة فهم بورديو للظاهرة الرياضية، على عكس العنوان الذي وُضع للنص، حين أصبح فصلً في الكتاب، وفيه قدر من التجريد والعمومية. التمييز النص الثاني هو مبحث في كتابه)1979(، عنوانه "عوالم الممكنات الأسلوبية"68. وعاد بورديو لكتابة فصل في كتابه Choses dites أشياء قيلت)1987(، عنوانه "برنامج لسوسيولوجيا الرياضة"69. وفي عام 1992، قدّم بورديو محاضرة عن الألعاب الأولمبية، ثم نشر في عام 1994 نسخة مختصرة منها في مقالة قصيرة عنوانها "الأولمبياد: برنامج للتحليل"70. ثم كتب نصه "الدولة والاقتصاد والرياضة")1998(، بمناسبة استضافة فرنسا بطولةَ كأس العالم في عام 1998. وهو نص يختلف عن الطريقة والزاوية اللتين نظر عبرهما بورديو إلى الظاهرة الرياضية وشكّلتا جوهرَ إسهامه في سوسيولوجيا الرياضة، الذي يقوم على الكشف عن الجوهر الطبقي للممارسة الرياضية؛ إذ يتناول هذا النص علاقة الدولة بالاقتصاد، ويشير إلى "التسليع"، الذي بدأت تشهده الرياضة، ولا سيما مع امتداد المنطق النيوليبرالي إليها، فأصبحت مشهدًا تجاريًا ووسيطًا إعلاني ا، وباتت الفعاليات الرياضية وتوقيتاتها يتحكم فيها منطق السوق. ويشمل هذا بلدًا ذا تقاليد دولة مركزية، كفرنسا71. يشتكي بورديو من أن التقليد السوسيولوجي يحتقر الرياضة ولا يعدها موضوعًا جديرًا بالدراسة العلمية، ويرى أن العائق الأهم أمام تطور حقل سوسيولوجيا الرياضة هو ازدراء السوسيولوجيين له، وعدم عناية الرياضيين، أو المهتمين بحقل دراسات الرياضة به، ومن ثم، ينبغي أن يتوافر الأمران لينمو الحقل: سوسيولوجي يعتقد أن الموضوع الرياضي جدير بالدراسة، وفي الوقت نفسه، يكون عارفًا، أو له صلة بمن يعرف حقل الرياضة من الداخل72.

  1. Alan Tomlinson, "Pierre Bourdieu and the Sociological Study of Sport: Habitus, Capital and Field," in: Giulianotti (ed.), Sport and Modern Social Theorists , p. 161.
  2. Pierre Bourdieu, "Sport and Social Class," Social Science Information , vol. 17, no. 6 (1978), pp. 819-840.
  3. تُنظَر الترجمة الإنكليزية للكتاب: Pierre Bourdieu, Sociology in Question , Richard Nice (trans.) (London:
  4. الترجمة الإنكليزية للكتاب: Pierre Bourdieu, Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste ,
  5. تُنظَر الترجمة الإنكليزية للكتاب، التي صدرت بعنوان: Pierre Bourdieu, In Other Words: Essays towards a Reflexive Sociology , Matthew Adamson (trans.) (California: Stanford University Press,1990 [1987]), pp. 156-167. وتُرجم الكتاب إلى العربية عن الترجمة الإنكليزية، ينظر: بيير بورديو، بعبارة أخرى: محاولات باتجاه سوسيولوجيا انعكاسية، ترجمة أحمد حسان (القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات،)2002، ص .307-289
  6. Pierre Bourdieu, "Les Jeux olympiques: Programme pour une analyse," Actes de la recherche en sciences sociales , no. 103 (1994), pp. 102-103. ثم أعاد بورديو نشر النص ملحقًا على كتابه Sur la television عن التلفزيون)1996(، تُنظر الترجمة الإنكليزية للكتاب: Pierre Bourdieu, On Television , Priscilla Parkhurst Ferguson (trans.) (New York: The New Press, 1998), pp. 79-82; والترجمة العربية، في: بيير بورديو، عن التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول، ترجمة درويش الحلوجي، ط 2 (القاهرة: المحروسة،)2002، ص.134-131 71 الترجمة الإنكليزية للنص في: Pierre Bourdieu, "The State, Economics and Sport," Hugh Dauncey and Geoff Hare (trans.), Culture, Sport, Society , vol. 1, no. 2 (1998), pp. 15-21. والترجمة العربية في: بيير بورديو، "الدولة والاقتصاد والرياضة"، ترجمة عليي حاكم صالح، سياسات عربية، مج 10، العدد 57 (تموز/ يوليو)2022، ص.90-85 72  Bourdieu, In Other Words , pp. 156-157. بعبارة أخرى، ص والترجمة العربية في: بورديو،.290-289
  7. SAGE Publications, 1993 [1984]), pp. 117-131. مسائل في علم الاجتماع، ترجمة هناء صبحي والترجمة العربية في: بيير بورديو، (أبوظبي: هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، 2012)، ص.318-281
  8. Richard Nice (trans.) (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1984 [1979]), pp. 208-225.

حاول بورديو أن يمفصل الظاهرة الرياضية على سائر منظومته النظرية والمفاهيمية التي يستعملها (البعد الطبقي، الحقل، الهابيتوس)، غير أنه يبدأ بنقاش ذي طابع إبستيمولوجي، لكي يحدّد بدقة موضوع الحقل، الرياضة، هذا النوع الاجتماعي، أو الظاهرة الاجتماعية الجديدة، والميثودولوجيا الملائمة له. وتحديد الموضوع يقتضي أن يكون تحديدًا سلبيًّا، أي ينبغي فصله عن مجموعة من الأطر المحيطة، وفي صدارتها التاريخ. وهنا تحديدًا، يتبلور نقاش بورديو مع إلياس، صاحب السوسيولوجيا التاريخية (أو التطورية) للرياضة، يقول بورديو بلغة مؤرخ الأفكار: "في البدء، ينبغي أن نتساءل عن الشروط التاريخية والاجتماعية لإمكانية [وجود] 'الرياضة الحديثة'، هذه الظاهرة الاجتماعية التي نقبلها بسهولة ونتعامل معها على أنها أمر مفروغ منه: ما الشروط الاجتماعية التي جعلت من الممكن، على نحو مباشر أو غير مباشر، بناء نظام من المؤسسات والفاعلين agents، مرتبط بوجود فعاليات ومتع رياضية؟،[...]وكيف تشكلت، وإن بشكل تدريجي، هذه الهيئة من المتخصصين، الذين يعيشون - على نحو مباشر أو غير مباشر - خارج الرياضة (وجزء منها المختصون بسوسيولوجيا الرياضة ومؤرخو الرياضة)؟[...]ومتى بدأ نظامُ الفاعلين والمؤسسات هذا بالعمل بوصفه حقلً تنافسيًا، يتواجه في داخله فاعلون، لكل منهم مصالح محددة، ترتبط بالموقع الذي يشغله في داخل الحقل؟"73. ينطلق بورديو من معطى وجود "حقل رياضي"، هو نظام من العلاقات الاجتماعية، يشمل "الجمعيات الرياضية، العامة والخاصة، التي وظيفتها تمثيل ممارسي رياضة معينة، والدفاع عن مصالحهم، ووضع القواعد التي تحكم هذه الفعالية، وفرضها، سواء على منتجي المستلزمات الرياضية وبائعيها (من معدات، وأدوات، وملابس خاصة، وما إلى ذلك)، أو الأشخاص ذوي الصلة بالخدمات اللازمة لممارسة الرياضة (من معلمين، ومرشدين، ومدربين، وأطباء رياضيين، وصحفيين رياضيين، وسواهم)، أو منتجي وبائعي وسائل الترفيه الرياضية وما يرتبط بها"74. هذا النظام/ الحقل، الذي تشكّله وتعبّ عنه هذه العلائمُ المجتمعة لظاهرة اجتماعية حديثة، يمكن (بل يجب) فصله عن تاريخه (أو ما يُفترض أنه تاريخه)؛ ذلك أن الرياضة الحديثة تشكلت بالقطيعة مع ما يبدو "أسلافًا" لها من ممارسات شبيهة، يقول بورديو في فقرة أظن أنها مركزية لفهم تصوره المنهجي والإبستيمولوجي للظاهرة الرياضية: "إن واحدة من أكثر المهمات أهمية في التاريخ الاجتماعي للرياضة يمكن أن تكون تأسيس الأسس الخاصة للرياضة، عبر بناء الجينالوجيا التاريخية لظهور موضوعها بوصفه 'واقعًا محدّدًا' لا يمكن اختزاله إلى شيء آخر. هذه الجينالوجيا هي وحدها القادرة على أن تجيب على سؤال، لا علاقة له بسؤال التعريف الأكاديمي، بل هو سؤال عن اللحظة (ولا يتعلق الأمر بتاريخ محدد) التي يمكننا اعتبارًا منها أن نتحدث عن 'رياضة'، اللحظة التي تكوّن فيها حقل تنافسي، وجدت الرياضةُ نفسَها معرَّفةً داخله بوصفها ممارسة خاصة، لا لعبة طقوسية، أو تسلية احتفالية فحسب"75. وهذا يتضمن أن الرياضة ظهرت بوصفها "قطيعة (حدثت تدريجيًا) مع أنشطة قد تبدو 'أسلافًا' للألعاب الرياضية الحديثة، وهي قطيعة متلازمة مع تشكل حقل ممارسات نوعي يتصف بتحدياته وقوانينه الخاصة"76. من هنا، يشكك بورديو في "قيمة الدراسات التي تقارن، بسبب نزعة لاتاريخانية جوهرانية، بين الألعاب في المجتمعات ما قبل الرأسمالية، في أوروبا وسواها، والتي تعدها خطأ 'ممارسات ما قبل رياضية pre- sporting'، وبين الرياضة، بالمعنى الدقيق، التي هي - تاريخيًا - حالة معاصرة، تشكلت مع تشكل حقل إنتاج 'المنتجات الرياضية"'77. هذه المقارنة غير مبررة، بحسب وجهة نظر بورديو، إذا كان هدفها البحث عن "الأصول"، ولا معنى لها إلا إذا "كانت تهدف، كما في عمل إلياس، إلى فهم إدراك خصوصية الممارسة الرياضية، أو بالأدق، تحديد كيف أن بعض التمارين البدنية التي كانت موجودة سابقًا اتخذت معنى ووظيفة جديدين جذريًا،[...]بحيث أصبحت أنشطة رياضية لها تحدياتها وقوانينها في اللعب وحتى في النوعية الاجتماعية للمشاركين فيها، أي المشاركين والمشاهدين من خلال المنطق الخاص ل 'الحقل الرياضي"'78. وبلا شك، يؤمن إلياس، كما بورديو، بأن الرياضة الحديثة هي "قطيعة" مع الأشكال القديمة (حتى وإن لم يستعمل هذا التعبير الشائع في الإبستيمولوجيا الفرنسية)، وهذه هي الأطروحة الأساسية في مقالته التأسيسية "نشأة الرياضة بوصفها مشكلة سوسيولوجية." وقد قدّم الاثنان إشارات عن أن الوليد الجديد اقتضى تعبيرًا لغويًّا جديدًا عنه، وهو ما قامت به كلمتا Sport وFootball الإنكليزيتان،

  1. 77  Ibid., pp. 118-119; والترجمة العربية في: المرجع نفسه.
  2. 78  Ibid., p. 119; والترجمة العربية في: المرجع نفسه، ص.286-285
  3. Ibid.; والترجمة العربية في: المرجع نفسه، ص.285-284
  4. Ibid.; والترجمة العربية في: المرجع نفسه، ص.285
  5. 73  Bourdieu, Sociology in Question , pp. 117-118. مسائل في علم الاجتماع، ص والترجمة العربية في: بورديو،.284-282
  6. 74  Ibid., p. 118; والترجمة العربية في: المرجع نفسه، ص.283

اللتان جرى نقلهما من موطن الإنكليزية، بريطانيا، حيث ولدت الرياضة الحديثة، إلى سائر اللغات البشرية، وجرى تبنيهما كما هما، في الإشارة إلى ممارسة اجتماعية حديثة، بل حلّت هاتان الكلمتان محلّ كلمات كانت تعبّ عن أشكال "رياضية" قديمة وتقليدية. غير أن الفارق الجوهري بين إلياس وبورديو أن الأول يدرس "الانتقال" نفسه، الطريق إلى الرياضة الحديثة، والسياق الاجتماعي والثقافي لذلك، في حين أن بورديو غير معني بسؤال الانتقال: ما يهمه هو دراسة الرياضة من هي حيث هي حقل اجتماعي تزامني قائم، ونمط العلاقات داخله، ودلالات ذلك وما يشير إليه عن الوضع (والتراتبية)، اجتماعيًا (وطبقيًا.) وفي تقديري، أن النبرة الإيجابية الظاهرة في حديث بورديو عن إلياس تتضمن، أيضًا، إيحاء بأن هناك مقاربتين مختلفتين لفهم الرياضة الحديثة، حتى وإن اتفقت هاتان المقاربتان على أنها قطيعة مع ما يمكن أن يكون جذورًا لها، وأن الطريقة التي يصوغ بها بورديو السؤال والإشكالية الأساسيين لسوسيولوجيا الرياضة، أراد منها أن يتخلص من السؤال التاريخي تمامًا، أو لأقل: أراد أن يحدّد موضعه من النظرية العامة، لينتقل من ثمّ إلى وصف حقل أو نظام علاقات راهن؛ إذ تتشكل الرياضة بوصفها حقلًاجتماعيًّا مستقلً. ولذلك، يعود بورديو إلى القول إن ما يقوم به التاريخ الاجتماعي للرياضة هو تأسيس شرعية وجود سوسيولوجيا للرياضة، عبر تثبيت اللحظة والشروط الاجتماعية التي بات يمكننا معها أن نتحدث عن "رياضة." ولا ينفصل بورديو، بهذا المعنى، عن المناخ البنيوي الذي كان سائدًا في فرنسا في الستينيات والسبعينيات (كلود ليفي شتراوس، رولان بارت، ميشيل فوكو... إلخ.) وبالفعل، هكذا قرئ كتاب التمييز، نصه النظري الأساسي. يقول بورديو عن الرياضة، في أوضح نصوصه بنيوية، إنه "لا يمكن فهم وتحليل رياضة محددة بوصفها عنصرًا مستقلً، بل ينبغي وضعها في فضاء الممارسات الرياضية كاملة، من حيث هو نظام، تكتسب منه الرياضة المحددة قيمتها المميزة، وكذلك ينبغي وضع الفضاء الرياضي في إطار فضائه الاجتماعي"79. إذًا، كان طبيعيًّا، على وفق هذا المنطق، أن ينتهي بورديو إلى إخضاع الظاهرة الرياضية لنظريته عن الحقول أو المجالات الاجتماعية، من جهة أن هناك "طلبًا" على الرياضة في المجتمعات المعاصرة، وأن الممارسات الرياضية هي "عرض" يقدمه الفاعلون الاجتماعيون الرياضيون استجابة لهذا الطلب، فيزوّدونهم بها، غير أن هناك شروطًا اجتماعية وتاريخية تنتج هذا الطلب وتجعله ممكنًا. وهذا يعني، منهجيًّا، إضافة إلى كل ما تقدّم، أن الحقل له أيضًا قوانينه الخاصة ومنطقه الخاص، يقول بورديو: "إن نظام المؤسسات والفاعلين المرتبط بالرياضة يميل إلى العمل بوصفه حقلً. ويترتب على ذلك أنه ليس بإمكان المرء أن يفهم مباشرة ماهية الظواهر الرياضية، في حقبة زمنية معينة، وفي بيئة اجتماعية معينة، من خلال ربطها بعلاقة مباشرة مع الشروط الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المعنية: إن تاريخ الرياضة تاريخ مستقل نسبيًا، حتى وإن كانت ثمة مؤشرات على ارتباطه بالأحداث الكبيرة في التاريخ الاقتصادي والسياسي، فإن له إيقاعه الخاص، وقوانين تطور خاصة، وأزمات خاصة، وباختصار: له كرونولوجيا محددة"80. تعتمد الأطروحة الأساسية لبورديو في فهم الظاهرة الرياضية على التحليل الطبقي، الذي يكاد يشكّل عنصرًا أساسيًّا في سائر جهوده السوسيولوجية، غير أن التحليل الطبقي الذي يمارسه بورديو هو ليس التحليل الطبقي الماركسي، بل هو يرتبط بالمنظومة المفاهيمية التي أنتجها، والتي تقوم أساسًا على فكرة أن الأوضاع الطبقية لا يحددها رأس المال المادي فقط، بل أنماط أخرى من رأس المال، تسهم في تحديد أنماط الحياة، وقد تكون أكثر أهمية في ذلك من رأس المال المادي. ينطوي عمل بورديو على سجال مع الماركسية التقليدية. ولذلك، هو يستمد من مصادر مختلفة خاضت مثل هذا السجال، منها فيبر، الذي يقول بورديو إن عمله هو استجابة صريحة لتمييزه بين "الطبقة" و"المكانة "status81. إعادة الإنتاج بدأ بورديو مقاربته هذه في كتابه 1966()، الذي درس فيه نظام التعليم في فرنسا. ومن ثم، يشكّل اهتمامه بالرياضة استمرارًا لاهتماماته منذ الستينيات، التي كانت تدور على السؤال الآتي: كيف تتخلق فضاءات اجتماعية، تصنعها أو تتمظهر فيها أوضاع طبقية، لا يحددها رأس المال المادي، بل الاجتماعي والثقافي؟ على أنه ينبغي القول، هنا، إن الحقلين التجريبيين المركزيين اللذين طبق فيهما بورديو أفكاره، هما: نظام التعليم والاستهلاك الثقافي، وهما الأكثر انتشارًا بين الباحثين الذين استعملوا مفاهيم بورديو. ومن ثم، وعلى الرغم من أن بورديو درس الرياضة، وكان مهمًّ للسوسيولوجيا المعاصرة التركيز عليها بوصفها مادة أساسية للتحليل الاجتماعي82، على نحو ما فعل منذ أواخر السبعينيات، فإنها، في الوقت نفسه، لم تشكّل مبحثًا أساسيًّا لديه، كما التعليم أو الاستهلاك الثقافي.

  1. Bourdieu, In Other Words , p. 156.
  2. Bourdieu, Sociology in Question , p. 118. مسائل في علم الاجتماع، ص والترجمة العربية في: بورديو،.284-283
  3. Bourdieu, Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. 82  Tomlinson, pp. 161-163.
  4. بعبارة أخرى، ص والترجمة العربية في: بورديو،.290

يدرس بورديو، في كتابه  التمييز العلاقة بين شرط الوجود الاجتماعي في طبقة (يحددها، في العادة، حجم رأس المال ونوعه، وهو ليس رأس مال ماديًّا بالضرورة) وأساليب العيش، ويرى أن العناصر والممارسات الثقافية التي تتضمنها أنماطُ الحياة (الملبس، المأكل، الهوايات الفنية ... إلخ) لا تحددها الاختيارات الفردية، بل الوضع الاجتماعي، وتحديدًا تشكيل رأس المال Configuration of Capital ونوعه وحجمه، فلكل طبقة، أو تكوين طبقي Fraction Class، تشكيل خاص من رأس المال، يقوم أولً بتأسيس فضاء اجتماعي يتمتع بانسجام نسبي، تظهر فيه هذه الممارسات الثقافية، ويولِّد ثانيًا الهابيتوس، الذي يجعل ممارسة هذه العناصر الثقافية، ومن ثم، نمط الحياة، أمرًا مألوفًا وعاديًا داخل التكوين الطبقي. وينظم الهابيتوس، بحسب بورديو، هذه العلاقةَ بين أنماط وأساليب العيش، من جهة، والوضع الطبقي بالمعنى السالف، من جهة أخرى. ويرى أن من لهم رأس مال ثقافي كبير (وهو رأس المال الذي يرتبط بالموارد الاجتماعية غير المادية، كالتعليم مثلً) هم الذين يحددون الذائقة السائدة في المجتمع (في الملبس، والمأكل، والتفضيلات الفنية، وما إلى ذلك)، ويعملون على خلق تمييز بين "ثقافة عالية" و"ثقافة دونية"، يقدّمونه على أنه شرعي وطبيعي، والذين رصيدُهم قليل من رأس المال الإجمالي Overall Capital يقبلون بهذه التمييزات، خضوعًا ل "عنف رمزي" يمارس عليهم83. وفي الخلاصة، يحدد الموقعُ الاجتماعي هذه التمييزات في الذائقة. يُسمّي بورديو وضع أنظمة التصنيف في طبقاتها الاجتماعية بهذا الشكل "النقد الاجتماعي للحكم"، وهو العنوان الفرعي لكتاب التمييز، وهو مستمد من عنوان كتاب إيمانويل كانط نقد ملكة الحكم، غير أنه يعارض الجماليات الكانطية، التي ترى أن جماليات الموضوع الجمالي نابعة من ذاته (وهو ما استمرت فيه البنيوية إلى حد كبير)، في حين يرى بورديو أن الحكم يستند إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية. يدرس بورديو الرياضةَ في هذا الإطار، فهي أحد أكثر الأمثلة أهمية لتبيان أن نوع (أو أنواع) الرياضات التي يمارسها الفرد لا يحددها اختياره الفردي، وأنها ليست مجرد متعة، بل إنها مرتبطة برأس المال الاجتماعي. وفي تقديري، أن بورديو يعمّق سجاله مع الماركسية التقليدية، من خلال دراسة الرياضة، التي هي أحد مظاهر "نمط الحياة"، بتعبيره، أو الثقافة، التي تعدّها الماركسية التقليدية مجرد نتاج انعكاسي، وهو أحد المباحث الإشكالية في الماركسية.

السوسيولوجيا النقدية والدراسات الثقافية للرياضة

ترك هذان البردايمان النظريان أثرهما في الطريقة التي تناولت بها العلومُ الاجتماعية الظاهرةَ الرياضية. ويتمثل جوهر ذلك بأن هذه العلوم تعاملت مع الظاهرة الرياضية بوصفها حقلً يثبت افتراضات نظرية سابقة: الرياضة جزء من عمليات التحضر، عند إلياس، وحقل اجتماعي تتحكم في تحديد قواعده تمييزات ذات طابع طبقي، عند بورديو. وعلى نحو عام، انعكست التطورات الكبرى داخل النظرية الاجتماعية على دراسات الرياضة، فكانت الأخيرة تتطور بحسب تطورات هذه النظرية وتغير توجهاتها. ومن ثم، لم تُدرس الرياضة إلا بوصفها حقلً مثاليًّا Example of Field (أو مج لً تجريبيًّا إمبريقيًّا، بتعبير ريتشارد جيوليانوتي84)، لا يختبر فيه المنظرون الاجتماعيون افتراضاتهم النظرية فحسب، بل يستعملونه لتوكيد النظريات. نعم، هناك نزعة أو تيار داخل دراسات الرياضة يحاول أن يُظهر أن هذا الحقل حقل مستقل، وأن دراسة تموقع الرياضة داخل نسيج المؤسسات الاجتماعية انبنت داخل هذا الحقل منذ وقت مبكّر، وأنه وإن كان حقلً تطبيقيًّا للعلوم الاجتماعية فإن افتراضاته الكبرى ليست مجرد انعكاس لتطورات النظرية الاجتماعية85. ومع ذلك، يظهر الطيف الواسع والكبير من الدراسات الاجتماعية عن الرياضة أن هناك تشابكات كثيرة بين النظريات الاجتماعية الكبرى والافتراضات التي انبنت وتطورت داخل حقل دراسات الرياضة؛ فتأثير البردايمات الكبرى داخل العلوم الاجتماعية كبير داخل دراسات الرياضة، بطبيعة الحال. غير أنه يمكن القول إن العلوم الاجتماعية لم تتعامل مع الرياضة بوصفها من الظواهر الكبرى التي يشكّلها الاجتماعُ البشري ويتجسد من خلالها، كالهوية، والدين، والسلطة، بل إنها ظاهرة تتحرك فيما بين البنى الاجتماعية والفاعلين الاجتماعيين، يستعملونها، ويضمنونها المعنى والرهانات. ومن ثم، لم يكن السؤال الأساسي عن الرياضة سؤلً عِليًّا في الماهية، كما نقول: ما ولمَ الدين؟ بل سؤال في الكيفية التي تستعمل بها. وحتى إلياس، الذي لا يبدو إسهامه الأساسي إسهامًا في "الكيفية" (كيف استُعملت الرياضة في العصور الحديثة؟)، بل تفسير جوهري،

  1. 85 ولذلك، تتخفف هذه الدراسات في الإحالة إلى مصادر نظرية مرجعية في العلوم الاجتماعية، بقدر ما تحيل إلى أدبيات الحقل نفسه.
  2. Giulianotti, "Introduction: Sport and Social Theorists," p. 3.
  3. 83  Bourdieu, Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste , pp.

من جهة أن الرياضة الحديثة تعبّ عن تحول فلسفي مفهومي مرتبط بالقيم، أجد أنه كذلك لم يتعامل مع الرياضة بوصفها ظاهرة اجتماعية برأسها، بقدر ما أنها جزء من الظاهرة الأوسع التي اهتم بها، وهي "عمليات التحضر." يمكننا أن نعيد شرح الخطاطة النظرية السالفة بلغة أخرى: يحدد بعض الباحثين ثلاث مقاربات نظرية أساسية في حقل تاريخ الرياضة، وهي: البنيوية الوظيفية، والماركسية، وما بعد الحداثة86. وفي تقديري، يصلح هذا التحديد لفهم المقاربات النظرية في مجمل دراسات الرياضة، هذا فضلً عن أن هذه المقاربات تمثل نظريات كبرى Theories Grand، تضم كل واحدة داخلها تنوعات نظرية عدة. وفي الحقيقة، يمكن هذا الثالوث، أو في الأقل، أول مقاربتين نظريتين منه، أن تشرح التطورات النظرية الأساسية داخل حقل الرياضة، فيمكن أن نصنّف الحقبةَ الأولى من دراسات الرياضة بأنها تخضع لنموذج البنيوية الوظيفية، أي الإرث السوسيولوجي الكلاسيكي المؤسّس، الذي يدرس المؤسسات والنظم والقوى الاجتماعية القائمة. ومن ثم، كان البردايم الأساسي لدراسة الرياضة يتمثل في دراستها في سياق التطور الاجتماعي، سواء التحديث، أو التمدين، أو التحضر. وتغطي الماركسيةُ الحقبةَ الثانية، التي اتجهت فيها دراساتُ الرياضة إلى الكشف عن أشكال الهيمنة والتمييزات الاجتماعية التي تتضمنها ممارسةُ الرياضة، لا الطبقية فقط، بل التي تشمل سائر الفئات الاجتماعية. وفي الحقيقة، هناك تراث ماركسي مهم في دراسات الرياضة، إلا أن فكرة أن تضمن الرياضة أشك لً من الهيمنة والتمييز الاجتماعي لا تقتصر على الماركسية. ولعل بورديو مثال مهم على مثل هذا التوجه النظري من خارج الماركسية، فهو يعدّ، في كتابه التمييز، دراسةَ الرياضة (وأساليب العيش وأنظمة التصنيف على نحو عام) نقدًا اجتماعيًّا. وهكذا، تطور اتجاه داخل دراسات الرياضة، ذو مرجعيات مختلفة، منها الماركسية، ومنها بورديو، ومنها ما هو أوسع وأبعد، ولا سيما التقليد النقدي الغربي، الذي تشكِّل مدرسة فرانكفورت محطة مهمة فيه، يتعامل مع الرياضة بوصفها مج لً كاشفًا للتمييزات التي تنبني عليها المجتمعات الغربية، على مستوى الإثنية، واللون، والجندر، وسوى ذلك. وعلى الرغم مما يبدو للكثيرين من تعارض بين العمل البحثي الأكاديمي والتسيس، هناك اتجاه متزايد في دراسات الرياضة بأنه ينبغي لهذا الحقل أن يكون أكثر تسيسًا وانخراطًا في الشؤون الاجتماعية87. وإلى جانب هذا، يجب أن نشير هنا إلى الشكوك في دراسات الرياضة التقليدية، التي وضعها تيار من الباحثين، عادين أنها، ورؤيتها المدعومة بتقاليد إمبريقية تفترض أن الرياضة ذات بعد وظيفي، كانت تتضمن افتراضات أيديولوجية، تخفي الدلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية للرياضة88. ومن ثم، سيكون من أولى مهمات دراسات الرياضة دحض الأيديولوجيا المتضمنة في إرثها. لقد تطور هذا الاتجاه ليصبح واحدًا من أهم سمات العلاقة بين العلوم الاجتماعية والرياضة، وجرى تأطيره بما بات يُعرَف ب "السوسيولوجيا النقدية للرياضة"، باستعارة تعبير "السوسيولوجيا النقدية"، الذي ظهر في بعض أدبيات العلوم الاجتماعية، ليشير إلى البحث السوسيولوجي الذي يركز على أشكال التمييز الاجتماعي ومصادره. بدأ هذا التأطير من أواخر التسعينيات من القرن العشرين. وفي 2002، ظهر كتاب جون سوغدن وألان توملنسون ألعاب القوة: Power Games: A Critical Sociology of Sport سوسيولوجيا نقدية للرياضة، وهو أول كتاب يتخذ هذا العنوان، وقد عرّف محرّراه في مستهله "السوسيولوجيا النقديةَ للرياضة" بأنها الدراسات التي تتجه إلى فهم علاقات القوة في المجال الرياضي، من خلال النظرية النقدية، والالتزام بقواعد البحث الأكاديمي، النظرية والتجريبية، وبربط دراسة الرياضة في سياقها الاجتماعي بأجندة سياسية تهدف إلى تغيير اجتماعي وإصلاح سياسي89. يؤرخ بعض الباحثين للاتجاه النقدي في دراسات الرياضة بأنه بدأ بالتطور منذ أواخر السبعينيات90، وأنه ليس تطورًا داخل دراسات الرياضة، بقدر ما أنه مرتبط بالأجندة البحثية لدراسات الرياضة في الولايات المتحدة تحديدًا91، التي ازدهرت فيها السوسيولوجيا الرياضية، وليس سوسيولوجيا Sport Sociology الرياضة Sociology of Sport92، حيث يركز الحقل الأول على الأهمية الثقافية للرياضة في المجتمع، ويهتم بالتحليل الفئوي للمشاركة

  1. 91  Atkinson, pp. 8-9.
  2. 92 ينظر الهامش 28() من هذه الدراسة.
  3. Hargreaves, "Theorising Sport," p. 2.
  4. John Sugden & Alan Tomlinson, "Preface," in: John Sugden & Alan Tomlinson (eds.), Power Games: A Critical Sociology of Sport (London/ New York: Routledge, 2002), p. x. وينظر كذلك: Rowe, McKay, & Lawrence; Simon C. Darnell, Sport for Development and Peace: A Critical Sociology (London: Bloomsbury Academic, 2012); Richard Giulianotti, Sport: A Critical Sociology (London: Polity, 2016).
  5. Booth & Falcous, p. 153.
  6. 86  Wiggins & Mason, pp. 44-48.
  7. 87  Atkinson, p. 15.

الرياضية، من بين أمور أخرى. وأنا أحاجّ، هنا، بأن المحتوى النقدي لدراسات الرياضة قائم من بواكير تشكّلها، وأن السوسيولوجيا النقدية للرياضة ليست مجرد تطور لاحق داخل دراسات الرياضة، بل إن جذورها متضمَّنة في بدايات تشكّل الحقل. ولا أريد أن أعود مجدّدًا إلى الإشارة إلى كتاب فيبلين، في أواخر القرن التاسع عشر، بل أريد أن أشير إلى كم الدراسات الذي ينتقد بردايم "التعويض" في فهم الرياضة الحديثة، ويسعى إلى جعل دراسات الرياضة "نقدًا اجتماعيًّا." وينبغي الإشارة، هنا، إلى أن هناك انتقادات جمة وُجِّهت إلى هذا الاتجاه النقدي، الذي تعامل مع الرياضة بوصفها "مرآة" أو "انعكاسًا" لعلاقات الهيمنة، ولكنه لم يستطع إنتاج مدونة أكاديمية وازنة عن دور الرياضة في التفاوتات الاجتماعية، ولم يدخل بعمق من ثمّ في فهم الظاهرة الرياضية وكيفية انبنائها اجتماعيًّا، هذا فضلً عن أنه ظل مجرد دعوة، ولم ينجح في الإسهام في التغيير الاجتماعي93. وفي تقديري أن هذا المسار الحتمي لدراسات الرياضة، أي تحولها إلى مجال كاشف للتمييزات الاجتماعية، كان سيفضي إلى مسار حتمي هو الآخر، وهو أن تكون الرياضة مبحثًا من مباحث الدراسات الثقافية. وإذا كان يُؤرَّخ لظهور الاتجاه النقدي في سوسيولوجيا الرياضة في السبعينيات من القرن العشرين (وأنا أحاجّ بأنه عنصر مكوّن في هذا الحقل)، فإن الدراسات الثقافية عن الرياضة تعود إلى السبعينيات كذلك، وهو الأمر الذي يوثّقه كتاب مبكر، هو كتاب Sport, Culture and Ideology الرياضة والثقافة والأيديولوجيا 1982()، الذي يرصد، آنذاك، تيارًا متناميًا في دراسة الرياضة بوصفها ظاهرة ثقافية أساسًا94. يأتي تموقع دراسات الرياضة في إطار الدراسات الثقافية من ثلاثة اعتبارات: أن الدراسات الثقافية هي الحقل الذي يدرس التعبيرات الثقافية (والثقافة، هنا، هي "طريقة الحياة"، على نحو ما يعرّفها رايموند وليامز) في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة. والرياضةُ واحدة من أهم هذه التعبيرات، كما الثقافة الشعبية. ومن ثم، تكون الدراسات الثقافية هي الحقل الأمثل لدراسة الرياضة. أن الدراسات الثقافية، التي تعرّف نفسَها، لا بوصفها حقلً، بل منطقة تتقاطع فيها حقول عدة تهتم جميعًا بدراسة الأبعاد الثقافية في المجتمع، على نحو ما يقول ستيوارت هول أحد منظريها الأساسيين95، توفّر مقاربة مركبة للرياضة، من حيث هي ظاهرة متعددة الوجوه. تأثرت الدراسات الثقافية، الحقل الذي بدأ ينشأ في بريطانيا منذ أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، بخلفية رواده، التي ترجع إلى ما بات يعرف ب "الماركسية الجديدة"، ذلك التيار الذي ينهل من مصادر عدة، منها أنطونيو غرامشي. ولم تتوقف الدراسات الثقافية عند السجالات النظرية مع الماركسية التقليدية، كنقد الفهم الانعكاسي الميكانيكي للعلاقة بين القاعدة المادية ومظاهر البنية الفوقية (وفي صدارتها الثقافة)، بل إنها نقدية الطابع، بمعنى أنها تسعى إلى الكشف عن علاقات الهيمنة وتمظهراتها. ومن ثم، لم يكتف رواد الدراسات الثقافية بجعل الحقل نقلةً في دراسة الثقافة، من المجتمعات البدائية، كما فعلت الأنثروبولوجيا مع تأسيسها، إلى المجتمعات الرأسمالية المعاصرة96، ولم يكتفوا بجعله حقلً مفتوحًا، متداخل التخصصات، بل أرادوا منه أن يكون مساحة لكشف علاقات القوة والهيمنة (بمفهوم غرامشي) في المجتمعات الرأسمالية، كما تظهر في الثقافة. وينبغي أن أشير، هنا، إلى أن هناك تصوّرًا (أظن أنه إشكالي) عن طبيعة علاقة الدراسات الثقافية عن الرياضة بالماركسية، يطابق بينهما تمامًا، بسبب ما تقدم عن الخلفية الماركسية لمؤسسي الدراسات الثقافية. وبحسب هذا التصور، تمثل الدراسات الثقافية تجسيدًا للمقاربة الماركسية للرياضة، وليست ثمة مقاربة ماركسية للرياضة، خارج إطار (وما قبل) الدراسات الثقافية97. وفي كل الأحوال، ما أود أن أخلص إليه، هنا، أن الأساس النقدي للدراسات الثقافية، الناتج من الحاضنة الفكرية السالفة، سيوفر إطارًا حقليًّا واضحًا للنزعة التي انتهت إليها دراسات الرياضة. ومع أنني أسعى إلى رسم هذه الخطاطة التطورية داخل دراسات الرياضة، التي انتهت إلى الدراسات الثقافية، يقدم بعض الباحثين تصوّرًا آخر، بأن هناك نزاعًا داخل دراسات الرياضة على تحديد الحقل الفرعي الأساسي، أو السيد، فيها، بين سوسيولوجيا الرياضة والدراسات الثقافية، تمامًا كما كان هناك نزاع بين حقيَلَ التاريخ والسوسيولوجيا في بواكير تشكّل الحقل. إلا أنني أتصور أن هذا الفصل يغفل الديناميكية التداخلية الأساسية التي تطورت بها دراسات الرياضة،

  1. 96 ينظر: حيدر سعيد، "من الفلكلور إلى الثقافة الشعبية: أو من الأنثروبولوجيا إلى التراث الشعبي الدراسات الثقافية"،.)2004(97  Hargreaves (ed.). Sport, Culture and Ideology.
  2. الكتاب، في الأصل، أعمال ندوة نُظّمت في عام 1980، ينظر: (ed.), Hargreaves
  3. S. Hall et al., Culture, Media, Language (London: Hutchinson, 1980), p. 7.
  4. 93  Booth & Falcous, pp. 160-161.
  5. Sport, Culture and Ideology

ومن علائمه أن نصوصًا نظرية أساسية في سوسيولوجيا الرياضة تعدّ في الوقت نفسه مصادر في الدراسات الثقافية عن الرياضة، وفي صدارة ذلك نصوص بورديو، التي جرى دمجها بالدراسات الثقافية. في مطلع التسعينيات، أعيد نشر الترجمة الإنكليزية لمحاضرته 1978()، التي وصفتها آنفًا بأنها نصه النظري الأساسي عن الرياضة، في كتاب عن الدراسات الثقافية، عنوانه Rethinking Popular Culture: Contemporary Perspectives in Cultural Studies إعادة التفكير في الثقافة الشعبية: منظورات معاصرة في الدراسات الثقافية 1991()، من جهة أن نص بورديو هذا يتناول دور الثقافة في الحياة الاجتماعية ومنطق الإنتاج والاستهلاك الثقافيين98، ثم اختار سيمون دورنغ، محرّر كتاب Cultural Studies Reader نصوص الدراسات الثقافية 1993() النصَّ نفسه بوصفه أحد المصادر الأساسية في الحقل99. ويبرر المحرر اختيارَه بالقول إنه باتت لعمل بورديو، على الرغم من منحاه السوسيولوجي، أهمية متزايدة في الدراسات الثقافية، من جهة أنه يتناول الثقافة100. بورديو نفسُه أطّر عملَه، ولا سيما في كتابه  التمييز، بأنه أحد أشكال الإثنوغرافيا لفرنسا101؛ ما يعني أنه يدرس الثقافة بقصدية، وأن مشروعه يقوم على بناء نموذج للعلاقة بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية وأنماط الحياة Style Life، أو "طريقة الحياة of Way Life"، بتعريف وليامز للثقافة، التي هي موضوع الدراسات الثقافية. وهذا يعني، في الخلاصة، أن بورديو كرّس جزءًا كبيرًا من عمله، للثقافة. وفي تقديري، أن تحديد بورديو لمشروعه السوسيولوجي على هذا النحو، أي دراسة طريقة الحياة، هي التي جعلت المشتغلين في حقل الدراسات الثقافية يعدون نصه جزءًا منها. وينبغي القول، هنا أيضًا، إن دمج بورديو بالدراسات الثقافية هو اعتبار بريطاني (أنكلوفوني) لنص فرنسي، حيث ظهرت الدراسات الثقافية في السياق البريطاني، ثم الأنكلوسكسوني، ولم يعرف الفضاءُ الفكري والأكاديمي الفرنسي، الذي يتحرك فيه بورديو، "دراسات ثقافية"، ولو أنتج بورديو عملَه في السياق البريطاني، لعُدّ أحد رواد الدراسات الثقافية، بلا شك. إذًا، تنطلق الدراسات الثقافية في دراسة الرياضة من الافتراض الآتي: أن ظاهرة الرياضة الحديثة في المجتمع الرأسمالي لها وتشابكات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية ارتباطات، وأن هذه الارتباطات تتضمن علاقات هيمنة. ومن ثم، لا تتوقف الدراسات الثقافية للظاهرة الرياضية عند فهم أهمية الرياضة وموقعها ووظيفتها في المجتمع، بل إنها تحاول أن تسهم في التغيير الاجتماعي، من خلال الكشف عن علاقات القوة داخل المجتمع102. وقد تطورت الدراسات الثقافية عن الرياضة من النقد الطبقي التقليدي، في الستينيات، إلى توظيف مفهوم "الهيمنة"، الذي قدّمه غرامشي، وحقّق له حضورًا كبيرًا في الدراسات الثقافية عن الرياضة منذ الثمانينيات103.

خاتمة: عن العلوم الاجتماعية ودراسة الرياضة عربيًا

أخيرًا، هل يمكن القول إن الخطاطة النظرية التي عُرضت في هذه الدراسة هي نتاج أحد أشكال المركزية الغربية؟ لا يمكن الإجابة ب "نعم" بسهولة، هذه المرة، لأكثر من سبب: أولً، أن ظاهرة الرياضة، قبل أن تكون غربية أو أوروبية، هي ظاهرة إنكليزية، وقد اقتبسها سائر الأوروبيين من الإنكليز، لتحل محل الأشكال الرياضية التقليدية في أوروبا. ومع اللحظة الاستعمارية، جرت عولمة هذا "الاختراع" الأوروبي ونقله إلى خارج أوروبا، كما حصل مع منتجات الحداثة الأخرى. وإذا كان عدد من الشعوب اللاغربية، التي وقعت تحت الاستعمار الغربي، قد نظرت، في لحظة ما، إلى الرياضة بأنها "سلعة استعمارية"، وأنها أحد أشكال الهيمنة، وأنها، في الوقت نفسه، يمكن أن تُتخذ فضاء لمناهضة الاستعمار، فإن الدولة الوطنية الناشئة ما بعد الاستعمار، التي لم تكتف بأن تكون سلطة مركزية ذات سيادة، بل قبضت على كل مفاصل السلطة، وأصبحت هي الناظم الاجتماعي الأساسي، سرعان ما سيطرت على الحقل الرياضي، وأمَّمته، وأنشأت مؤسسات لتنظيمه، مرتبطة بشبكات ومنظمات الرياضة عالميًّا، وفرضت شروطها عليه. ومن ثمّ، لم يكن معنى الرياضة ووظيفتُها، لا مؤشرين، على "عمليات تحضر"، ولا على ظاهرة نمت في المجتمع بصفة مستقلة. إنها أحد أشكال الارتحال الثقافي، الذي يكتسب معناه من سياقه الجديد، لا من معاني المصدر. وقد كانت الرياضةُ ونموها في دولة ما بعد

  1. Chandra Mukerji & Michael Schudson (eds.), Rethinking Popular Culture: Contemporary Perspectives in Cultural Studies (California: University of California Press, 1991), pp. 34-35.
  2. Pierre Bourdieu, "How Can One be A Sports Fan?" in: Simon During (ed.), Cultural Studies Reader (London/ New York: Routledge, 1999 [1993]), pp. 427-440.
  3. Ibid., p. 427.
  4. Bourdieu, Distinction , pp. xi-xiv.
  5. Hargreaves, "Theorising Sport," p. 2.
  6. Ibid., p. 5; Colin D. Howell, "On Metcalfe, Marx, and Materialism: Reflections on the Writing of Sport History in the Postmodern Age," Sport History Review , vol. 29, no. 1 (1998), pp. 98-99.

الاستعمار تعبيرًا عن "الثقافة الجماهيرية" التي نمت في السياق الدولتي، كانت تعبيرًا عن حضور الدولة، أكثر مما هي تعبير طبقي. وهنا، ينبغي الإشارة إلى أن هذه العلاقة الجوهرية للرياضة بالدولة ليست حكرًا على العالم اللاغربي، بل لقد شهدت قطعٌ من عالم الغرب نفسه مثلَ هذه العلاقة، على نحو ما يحاجّ بورديو في نصه الأخير عن الرياضة "الدولة والاقتصاد والرياضة"، إذ عمدت الدولة، في البلدان الغربية التي نشأت فيها دول مركزية، إلى التدخل لتنظيم الحقل الرياضي. ومن ثم، لا تكون الحاجةُ إلى التنظيم الدولتي للرياضة، بالضرورة، توجّهًا أيديولوجيًّا تتبناه الدول التي تعتمد تخطيطًا أيديولوجيًّا مركزيًّا. قد يكون البعد الأيديولوجي حاضرًا، ولكن الأكيد أنه مع تحول الرياضة إلى ظاهرة اجتماعية كبيرة، لم يكن في إمكان الدولة أن تبقى بعيدةً عن التدخل لتنظيم الظاهرة الرياضية في المجال العام. ثانيًا، كانت البردايمات النظرية التي قدّمتها العلوم الاجتماعية الأوروبية عن الظاهرة الرياضية مشتقة من التجربة الأوروبية في الأساس، بمعنى أن هذا التنظير قد يكون اقتصر على حالة خاصة. وقد فُهم بعض المنظرين بأن تنظيرهم نابع من تجارب شديدة المحلية، كما تقدَّم فهمُ بورديو بأن تصوره النظري يصدق على الحالة الفرنسية، ولا يصدق على عموم التجربة الغربية. ومن ثم، فإن شبهة المركزية الغربية لا تصدق على تعامل العلوم الاجتماعية مع الظاهرة الرياضية، بقدر ما تمس الممارسة العلمية نفسها، هذا إذا افُتُ ض أن النظرية المشتقة من التجربة الغربية نظرية كونية، ولا حاجة إلى صياغة كونيتها عبر بحث الأطراف، سواء افترضَ هذا منتجُ النظرية الغربي، أو مستهلكُها في الأطراف. إذًا، لا شيء يقدح في كونية النظرية التي أنتجتها العلوم الاجتماعية الأوروبية عن الظاهرة الرياضية، وأن المعاني السوسيولوجية التي حفلت بها هذه الظاهرة في مصدرها الأول قد تتوافر في السياقات اللاغربية، ولكن مثل هذه المعاني، في حال أنها ممكنة، لا يمكن إقرارها آليًّا واستنتاجها قياسيًّا، بل إن الأمر مرتبط ببرنامج بحثي لاكتشاف ما تعنيه الرياضة في سياقات لاغربية. عربيًّا، وكما ذكرت في صدر هذه الدراسة، وعلى نقيض النتاج البحثي الضخم باللغة الإنكليزية، ليس هناك نتاج بحثي في هذا المجال، على نحو يكاد يكون مطلقًا. ربما يكون ثمة عشرات أو حتى مئات الكتب العربية التي تتناول الرياضة، غير أن معظمها يندرج في إطار المقررات الدراسية لكليات التربية الرياضية (البدنية)، ومن ثمّ، فهي تتناول الرياضة في بعدها الفني التقني الحركي، لا الاجتماعي. وحتى حين حاول بعضُ المراجع العربية تناول الأبعاد الاجتماعية للظاهرة الرياضية، فإنه عدّ هذه المقاربة فرعًا من دراسات التربية البدنية104. وهناك نسبة من هذه الكتب تقدّم وصفًا تاريخيًّا للفعاليات الرياضية، والفرق الوطنية، والأبطال الرياضيين، وكذلك، من دون تحليلات ذات طابع اجتماعي. هناك كم قليل من الدراسات عن الحالات العربية، مكتوب من منظور العلوم الاجتماعية المعاصرة، ولكن، بلغات غير العربية، ما قد يعني أنه جزء من مشاغل المجتمع الأكاديمي العالمي، أكثر مما هو تعبير أو استجابة لمشاغل داخلية. وبلا شك، يمثل غياب الظاهرة الرياضية عن العلوم الاجتماعية العربية سؤلً في حد ذاته. وقد تكون الإجابة عنه أن الرياضة لم تشكل يومًا سؤلً إشكاليًّا في الفضاء العربي، كما شكلت في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وأنتجت أول صور الخطاب الأوروبي عن الرياضة، على نحو ما عرضنا. ومن ثم، سيكون على هذا البرنامج البحثي أن يطرح الأسئلة الأولى التي طرحتها العلوم الاجتماعية: ماذا يعني "اللعب" في السياق الثقافي والاجتماعي العربي؟ وكيف تطور هذا المفهوم في حضارات ما خارج وما قبل الغرب الحديث؟ ماذا تعني أشكال اللعب القديمة؟ والأشكال المحلية الحديثة ما قبل التعرف إلى الرياضة الحديثة؟ وكيف تكيفت هذه الأشكال مع الرياضة الحديثة؟ وما التشابكات السياسية والاجتماعية والثقافية التي أطلقها ارتحالُ الرياضة الحديثة إلى المجتمعات العربية؟ وما إلى ذلك من أسئلة. البدء بأسئلة كهذه قد يخلق، شيئًا فشيئًا، نتاجًا معرفيًّا في هذا المجال، يمكن أن نصفه بأنه "عربي."

  1. ينظر، مثلً: أمين أنور الخولي، الرياضة والمجتمع، سلسلة عالم المعرفة (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1996)، ص.11-10

المراجع

العربية

إلياس، نوربرت. "نشأة الرياضة بوصفها مسألة سوسيولوجية." عمران. مج ترجمة مجد أبو عامر ويارا نصار.  11. العدد 42 (خريف.)2022 بورديو، بيير. بعبارة أخرى: محاولات باتجاه سوسيولوجيا انعكاسية. ترجمة أحمد حسان. القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات،.2002 ________. عن التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول. ترجمة درويش الحلوجي. ط 2. القاهرة: المحروسة،.2002 ________. مسائل في علم الاجتماع. ترجمة هناء صبحي. أبوظبي: هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة،.2012 ________. "الدولة والاقتصاد والرياضة." ترجمة عليي حاكم صالح. سياسات عربية. مج 10. العدد 57 (تموز/ يوليو.)2022 الخولي، أمين أنور. الرياضة والمجتمع. سلسلة عالم المعرفة. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1996 سعيد، حيدر. "من الفلكلور إلى الثقافة الشعبية: أو من الأنثروبولوجيا التراث الشعبي إلى الدراسات الثقافية.".)2004(

الأجنبية

Adam, Paul.  La morale des sports. Paris: la Librairie mondiale, 1907. Andrews, David L., Daniel S. Mason & Michael L. Silk (eds.). Qualitative Methods in Sport Studies. Oxford/ New York: Berg, 2005. Bagwell, Laurie Simon & B. Douglas Bernheim. "Veblen Effects in a Theory of Conspicuous Consumption."  The American Economic Review. vol. 86, no. 3 (June 1996). Birley, Derek. Land of Sport and Glory: Sport and British Society, 1887-19 10. Manchester/ New York: Manchester University Press,1995. ________. Playing the Game: Sport and British Society, 1910-19 45. Manchester: Manchester University Press, 1995. Bourdieu, Pierre. "Sport and Social Class." Social Science Information. vol. 17, no. 6 (1978). ________. Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Richard Nice (trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press, 1984 [1979]. ________. In Other Words: Essays towards a Reflexive Sociology. Matthew Adamson (trans.). California: Stanford University Press, 1990 [1987]. ________. Sociology in Question. Richard Nice (trans.). London: SAGE Publications, 1993 [1984]. ________. "Les Jeux olympiques: Programme pour une analyse." Actes de la recherche en sciences sociales. no. 103 (1994). ________. "The State, Economics and Sport." Hugh Dauncey and Geoff Hare (trans.). Culture, Sport, Society. vol. 1, no. 2 (1998). ________. On Television. Priscilla Parkhurst Ferguson (trans.). New York: The New Press, 1998. Bramham, P. "Giddens in Goal: Reconstructing the Social Theory of Sport." New Directions in Leisure Studies ,  Papers in Applied and Community Studies. Department of Applied and Community Studies. Bradford and Ilkley Community College. no. 1 (1984). Campbell, Colin. "Conspicuous Confusion? A Critique of Veblen's Theory of Conspicuous Consumption." Sociological Theory. vol. 13, no. 1 (1995). Coakley, Jay & Eric Dunning (eds.). Handbook of Sports Studies. London: SAGE Publications Ltd, 2000. Darnell, Simon C. Sport for Development and Peace: A Critical Sociology. London: Bloomsbury Academic, 2012. de Coubertin, Pierre. Essais de psychologie sportive. Paris: Millon Jerome Eds 1913. ________. Pédagogie sportive. Paris: Les Éditions G. Crès et Cie, 1922.

Deutsch, Julius.  Sport und Politik. Berlin: J. H. W. Dietz Nachf, 1928. Dixon, Kevin. "A 'Third Way' for Football Fandom Research: Anthony Giddens and Structuration Theory."  Soccer & Society. vol. 12, no. 2 (2011). Dunning, Eric G. "Football in its Early Stages." History Today. vol. 13, no. 12 (December 1963). ________. "The Evolution of Football." New Society. no. 83 (April 1964). ________ (ed.). The Sociology of Sport: A Selection of Readings. London: Cass, 1971. ________. "In Defense of Developmental Sociology: A Critique of Popper's 'Poverty of Historicism', with Special Reference to the Theory of Auguste Comte." Amsterdams Sociologisch Tijdschrift. vol. 4, no. 3 (1977). ________. "Sport in the Quest for Excitement: Norbert Elias's Contributions to the Sociology of Sport." Group Analysis. vol. 30, no. 4 (1997). During, Simon (ed.). Cultural Studies Reader. London/ New York: Routledge, 1999 [1993]. Elias, Norbert & Eric Dunning, Quest for Excitement: Sport and Leisure in the Civilizing Process. Oxford: Blackwell, 1986. Elias, Norbert. What is Sociology? London: Hutchinson, 1978. ________. “The Retreat of Sociologists into the Present.” Theory, Culture and Society. vol. 4, no. 2-3 (1987). ________. Involvement and Detachment. Oxford: Blackwell, 1987. ________. Time: An Essay. Oxford, Basil Blackwell, 1992

________. The Civilizing Process: Sociogenetic and Psychogenetic Investigations. Edmund Jephcott (trans.). Eric Dunning, Johan Goudsbfom & Stephen Mennell (eds.). New Jersey: Wiley- Blackwell, 2000. ________. The Court Society. Stephen Mennell (eds.). vol. 3. Dublin: UCD Press, 2006 [1969]. Giddens, A. "Notes on the Concepts of Play and Leisure." The Sociological Review. vol. 12, no. 1 (1964). Giulianotti, Richard (ed.). Sport and Modern Social Theorist. London: Palgrave Macmillian, 2004. ________. Routledge Handbook of the Sociology of Sport. New York: Routledge, 2015. Giulianotti, Richard. Sport: A Critical Sociology. London: Polity, 2016. Hall, S. et al. Culture, Media, Language. London: Hutchinson, 1980. Hargreaves, Jennifer (ed.). Sport, Culture and Ideology. London: Routledge & Kegan Paul, 1982. Haut, Jan, Michael Staack & Lukas Schwann. "The Sociology of Sport in Germany: Development and Recent Trends." Sociologia del Deporte. vol. 1, no. 2 (December 2020). Hesse, Robert. Der Sport. Frankfurt am Main: Literarische Anstalt Rütten & Loening, 1908. Hoberman, John M. Sport and Political Ideology. Austin: University of Texas Press, 1984. Holliman, Jennie. American Sports, 1783–1835. Durham: The Seeman Press, 1931. Howell, Colin D. "On Metcalfe, Marx, and Materialism: Reflections on the Writing of Sport History in the Postmodern Age." Sport History Review. vol. 29, no. 1 (1998). Hubbs, Valentine C. "Worlds of Heinz Risse." Books Abroad. vol. 37, no. 2 (1963).

Huggins, M. "Walking in the Footsteps of a Pioneer: Peter McIntosh, Trail Blazer in the History of Sport." The International Journal of the History of Sport. vol. 18, no. 2 (2001). Kloeren, Maria.  Sport und Rekord: Kultursozio-logische Untersuchungen zum England des sechzehn ten bis achtzehnten Jahrhunderts. Münster: Lit-Verl, 1985

Korgen, Kathleen Odell (ed.). The Cambridge Handbook of Sociology. vol. 7: Social Institutions. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. Krout, John A. Annals of American Sport. Yale: Yale University Press, 1929. Luschen, Gunther & George H. Sage (eds.). Handbook of Social Science of Sport. Champaign, Ill: Stipes Publishing, 1981. Luschen, Gunther. "Sociology of Sport: Development, Present State, and Prospects." Annual Review of Sociology. vol. 6 (1980). Maguire, Joseph. "Common Ground? Links between Sports History, Sports Geography and the Sociology of Sport." Sporting Traditions. vol. 12, no. 1 (1995). Manchester, Herbert. Four Centuries of Sport in America, 1490–1890. New York: Derrydale Press, 1931. Mannheim, Karl. Man and Society in an Age of Reconstruction: Studies in Modern Social Structure. Edward Shils (trans.). London: Routledge and Kegan Paul LTD, 1940 [1935]. McIntosh, Peter & J. Edmundson. "Sport and Society." The Journal of the Royal Institute of Public Health and Hygiene. vol. 23, no. 5 (May 1960). Mennell, Stephen & Johan Goudsblom (eds.). Norbert Elias: On Civilization, Power and Knowledge. Chicago: The University Of Chicago Press, 1998. Mukerji, Chandra & Michael Schudson (eds.). Rethinking Popular Culture: Contemporary Perspectives in Cultural Studies. California: University of California Press, 1991. Nye, Robert A. "Degeneration, Neurasthenia and the Culture of Sport in Belle Epoque France." Journal of Contemporary History vol. 17, no. 1 (1982). Peters, Alfred. Psychologie des Sports. Stuttgart: Kohlhammer (Verlag), 2006 [1927]. Phillips, Murray G. Douglas Booth & Carly Adams (eds.). Routledge Handbook of Sport History. New York: Routledge, 2022. Risse, Heinz. Soziologie des Sports. Berlin: Reher, 1921. Rowe, D, J. McKay, & G. Lawrence, "Out of the Shadows: The Critical Sociology of Sport in Australia, 1986 to 1996." Sociology of Sport Journal. vol. 14, no. 4 (1997). Sharkov, F.I. & V.V. Silkin. "Sociology of Sports and the Space of Sports Practices: Social Genesis and Sociological Theories." RUDN Journal of Sociology. vol. 20, no. 1 (2020). Smith, Larry. "Thorstein Veblen on Sports in America."  Social Text. no. 16 (Winter 1986-1987). Stone, Gregory P. "American Sports: Play and Display." Chicago Review. vol. 9, no. 2 (Fall 1955). Sugden, John & Alan Tomlinson (eds.). Power Games: A Critical Sociology of Sport. London/ New York, Routledge, 2002. Trigg, Andrew B. "Veblen, Bourdieu, and Conspicuous Issues Economic of Consumption."  Journal (JEI). vol. 35, no. 1 (2001). Vamplew, Wray. "Empiricist Versus Sociological History: Some Comments on the 'Civilizing Process'." Sport in History. vol. 27, no. 2 (2007). Veblen, Thorstein. The Theory of the Leisure Class. Martha Banta (ed.). New York/ Oxford: Oxford University Press, 2007 [1899].