كأس العالم 2022 فضاءً لتصدير هوية قطرية عالم-محلية
الملخّص
تتناول هذه الدراسة العلاقة بين ممارسات القوة الناعمة وصناعة السمة الوطنية باعتبارها جزءًا من تصدير الهوية الوطنية، وأداة طيّعة تستخدمها الدول في تحقيق أهداف السياسة الخارجية. في هذا الإطار، تسل ط الدراسة الضوء على ملف استضافة قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، في محاولةٍ لفهم مساعي الدولة في توظيف الرياضة لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية مختلفة. وهي تبحث في الدوافع والرؤى التي دفعت صانع القرار القطريّ إلى الاستثمار الهائل في استضافة هذ الحدث عبر تصدير هوية عالم-محلية، قائمة على المزج بين بُعدين، أولهما عالمي يؤكد على المواكبة والتطور، وثانيهما محلي يدفع نحو المحافظة على خصوصية البلد وتقاليده وتسليط الضوء على تاريخه. تركز الدراسة، على نحو خاصّ، على جانب الهندسة المعمارية للملاعب الرياضية باعتبارها تجليًا لعمارة القوة الناعمة، وأحد أساليب تصدير هوية وطنية قطرية عالم-محلية. كلمات مفتاحية: مونديال قطر 2022، القوة الناعمة، صناعة السمة الوطنية، الهوية الوطنية. This study investigates the use of sports in promoting national identity. It explores how the intersection between soft power and nation branding helps shape and project national identity, and how this can be leveraged to further foreign policy goals. The study examines Qatar's hosting of the 2022 World Cup in an attempt to understand the country's efforts to harness sport in pursuing social and political goals. It looks into the motivations behind Qatar's substantial investment in this event and its projections of a unique "glocal" identity that blends the nation's global aspirations with its local heritage and history. Additionally, the study focuses on the architecture of sport stadiums as tangible representations of soft power and a means of promoting Qatar's glocal identity. Keywords: World Cup 2022 , Soft Power, Nation Branding, National Identity.
World Cup 2022 A Space to Build a Glocal Qatari Identity
مقدمة
في آخر يوم من فعاليات بطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 2010، التي أقيمت في روسيا، سلّم الرئيس فلاديمير بوتين كُرة كأس العالم إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوةٍ ترمز إلى انتقال تنظيم كأس العالم من روسيا إلى قطر التي فازت بحق استضافة هذا الحدث الكبير، على حساب دولٍ أُخرى نافست للحصول على هذا الإنجاز، من بينها الولايات المتحدة الأميركية، وأستراليا، وكوريا الجنوبية، واليابان، لتكون قطر هي الدولة الأولى - عربيًّا وإسلاميًّا - التي تحظى بفرصة استضافة أحد أهم الأحداث الرياضية العالمية1. بات معروفًا أن الفعاليات الرياضية الكبرى ظلّت أداةً سياسيةً تستعملها الدول والفواعل المختلفة، على المستويات المحلية الداخلية والدولية الخارجية، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. ومن دون شك، تدخل استضافة قطر بطولة كأس العالم 2022 في هذا الإطار. وتأتي هذه الاستضافة ضمن المسعى القطري لتوظيف الرياضة في تحقيق أهدافٍ في مجالات شتى. وهذا هو السؤال الأول الذي تنطلق منه هذه الدراسة؛ فما الدوافع والرؤى التي تقف وراء الاهتمام القطري الكبير بالرياضة؟ وتُعزّز هذا السؤالَ "الجلبة" التي رافقت ملف استضافة قطر هذه البطولة، واستمرت حتى اقتراب انطلاقها. إذا كانت المقاربة العامة للإجابة عن هذا السؤال تتجه أساسًا إلى السياسة الخارجية؛ أي مساعي قطر لحماية أمنها القومي، وانتزاع الاعتراف بمكانتها ودورها الإقليميين والعالميين، لتصل جزئيًّا إلى السياسة الاقتصادية؛ بمعنى محاولة قطر تنويع مصادر دخلها، والابتعاد عن الاعتماد المطلق على الموارد الطبيعية2، فإن هذه الدراسة تركز على الجوانب غير المادية المتعلقة بمساعيها لاستضافة الفعاليات الرياضية الكبرى (وفي قمة ذلك، كأس العالم لكرة القدم 2022)؛ وذلك عبر توظيف مفهومَي "القوة الناعمة" و"تصدير الهوية الوطنية." تفترض الدراسة أن ما بات يُعرف ب "صناعة السمة الوطنية" جزءٌ لا يتجزأ من تصدير الهوية الوطنية، ومن ثم مراكمة موارد القوة الناعمة خدمةً لأهداف سياسة الدولة الخارجية. وتُحاجّ بأن حالة استضافة قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم، بوصفها أضخم فعالية رياضية يمكن أن تستضيفها الدولة، تُبيّ جانبًا غير مطروق على نطاق واسع من صناعة السمة الوطنية وتصدير هوية الدولة. ويتمثل هذا الجانب في الهندسة المعمارية، ولا سيما عمارة الملاعب التي تقام فيها مباريات البطولة. وما يمنح هذا الجانب أهميةً بارزة في حالة قطر هو دور العمارة في صناعة سمة وطنية، ومن ثم تصدير هوية وطنية عالم-محلية Glocal، من شأنها تحقيق أهداف لا تتعلق بالسياسة الخارجية فحسب، بل بالسياسة الداخلية أيضًا. تبدأ الدراسة بفحص العلاقة بين مفهومَي "القوة الناعمة" و"صناعة السمة الوطنية" اللذين يُشكلّان الإطار النظري للبحث. ثم تناقش الكيفية التي يمكن من خلالها أن تخدم استضافة قطر هذه البطولة أهدافَ سياستها الخارجية في ضوء ذلك. وأخيرًا، تحاول إبراز دور الملاعب الرياضية التي شيّدتها قطر استعدادًا لكأس العالم بوصفها تجلّيًا لما يمكن تسميته "عمارة القوة الناعمة"، وبوصفها أدواتٍ أساسيةً تصبّ في تصدير هوية قطر الوطنية إلى الخارج.
أولا: القوة الناعمة وصناعة السمة الوطنية
القوة الناعمة Soft Power هي مصطلح حديث، يصف ممارساتٍ قديمة؛ استخدمه عالم السياسة الأميركي جوزيف ناي في عام 1990 تعبيرًا عن القدرة على تحصيل ما يريده الفاعل السياسي عن طريق الجذب، لا الإكراه، اعتمادًا على الثقافة والمُثل السياسية والسياسات الخارجية3. تُعدّ القوة الناعمة مقابلً للقوة الصلبة Power Hard، لكن العلاقة بينهما ليست علاقة ثنائياتٍ متضادة، بل هي علاقةٌ تمتد إلى طيفٍ واسع من الممارسات، يبدأ بممارسات الإرغام والإكراه عبر القوة الصلبة، وينتهي بممارسات الجذب والتعاون عبر القوة الناعمة4. وقد اكتسبت القوة الناعمة أهميةً كبرى لدى الدول الصغيرة التي باتت ترى فيها فرصةً تستفيد منها لتعويض القصور
الذي قد يفرضه ضعف الموارد الجغرافية والديموغرافية؛ ما يحدّ من قدرة الدولة على مراكمة القوة الصلبة5. تتداخل ممارسات القوة الناعمة هذه مع مفهومٍ آخر هو مفهوم صناعة السمة الوطنية Branding Nation. وتتعلق هذه السمة بتمثيل الدولة عبر توظيف مصادر القوة الناعمة من أجل تشكيل الرأي العام تجاهها، وإعادة تشكيله، من خلال صناعة هويتها وتصديرها وتسويقها6. وفي الوقت الذي توظف فيه صناعة السمة الوطنية مصادر القوة الناعمة، تساهم أيضًا في تعزيز هذه القوة عبر خلق صورةٍ أشد جاذبيةً عن الدولة، ومحو بعض المفاهيم الخاطئة أو الأفكار النمطية التي قد تكون سائدةً عنها، أو عن ثقافتها7. ومن ثم، فإن العلاقة بين المفهومين قائمة على تعزيز أحدِهما الآخر؛ فتتيح القوة الناعمة الموارد اللازمة لتشكيل السمة الوطنية، وتقوم هذه السمة بتعزيز هذه القوة عبر تسويق هوية الدولة. تطور مفهوم "صناعة السمة الوطنية"، على نحو أساسي، من الدلالة على ميدان التسويق Marketing، إلى الدلالة على التعبير عن "علامةٍ تجارية"ٍ8 مميزة للدولة، وهي تُشبه - إلى حد بعيد - العلامات التجارية للشركات والمنتوجات. ومثلما تُساهم العلامة التجارية لأحد المنتوجات في الترويج له، تُساهم السمة الوطنية في الترويج للبلد على نحو يخدم ازدهار السياحة وتحفيز الاستثمارات الأجنبية، والقيام بأدوار سياسية تساهم في ترسيخ صدقية الحاكم، وزيادة نفوذه السياسي، وتعزيز التحالفات الخارجية، وتحسين صورة الدولة العامة داخليًا وخارجيًا9. ويجمع سيمون أنهولت ست قنوات من شأنها أن تتفاعل لتخلق السمة الوطنية، هي: القطاع السياحي، وجودة الصادرات الخارجية، وقدرة البلد على جذب الاستثمارات الأجنبية، والحوكمة الفعّالة، وسمعة سكان البلد، والثقافة والتراث الشعبي10. لا يمكن الحديث عن صناعة السمة الوطنية من دون طرق مسألة الهوية الوطنية؛ فالمفهومان متداخلان وصنوان، لا ينفك أحدهما عن الآخر. ويدخل السرد الهوياتي في تشكيل السمة الوطنية التي تتمثل مهمتها في مواءمة الهوية الوطنية مع الواقع. وبناءً عليه، تقبع السمة الوطنية في مساحة ما بين التصوّر الذاتي Self-perception للهوية الوطنية وتصوّر الآخرين لها11Others of Perceptions، لتكون الرابط بينهما. وترتبط الهوية الوطنية، بوصفها هويةً جمعية، بفهم جماعة من الناس لأنفسهم بوصفهم أمة واحدة، إلّ أن تناولنا الهوية الوطنية، في هذه الدراسة، يرتكز على فهمها، ومحاولة إعادة إنتاجها، على مستوى الدولة والسلطة. ومن ثمّ، فإن السمة الوطنية تكون محاولةً لسد الفجوة بين تصوّر السلطة الذاتي للهوية الوطنية، وفهم الآخرين لهذا التصوّر. في هذا السياق، نُحاجّ بأن الهندسة المعمارية تُعدّ إحدى القنوات التي تصبّ في مساعي الدولة لترويج هويتها؛ فالعمران تجلٍّ ثقافي لهوية البلد وتاريخه ومستقبله12، ويمكن توظيفه في خدمة الاستثمارات السياحية وبلورة رأيٍ عامٍّ إيجابي عن الحوكمة الوطنية وعادات المواطنين وقيمهم. وفي هذا السياق، أدعو إلى تكوين فهمٍ أعمق للهندسة المعمارية، فحواه أن الصروح والمباني الهندسية ليست أطرًا مادية للفعاليات والأنشطة الإنسانية أو منشآت مادية ملموسة غرضها الحماية من العوامل الطبيعية فحسب، بل إنها في حد ذاتها تجليات مقصودة ومتعمدة في يد صانع القرار لتحقيق
أهداف اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية. ويمكن استيعاب هذه النظرة الجديدة المعمقة للهندسة المعمارية في مفهوم جديدٍ مغاير هو "عمارة القوة الناعمة" التي نُعرّفها بأنها: الأعمال الهندسية المعمارية التي يجري توظيفها أداةً سياسيةً تصب في خدمة رؤى شكل يوضح أدوات القوة الناعمة
الهندسة اع رية السمة الوطنية الدبلوماسية الثقافية
الهوية الوطنية
الدبلوماسية العامة
يُلخص شكل أدوات القوة الناعمة العلاقة بين خمسة مفاهيم تتداخل لتشكّل في مجملها إطارًا شاملً يصب في خدمة الهوية الوطنية، هي: القوة الناعمة، والدبلوماسية العامة، والدبلوماسية الثقافية، والسمة الوطنية، والهندسة المعمارية. ويمكن أن نفهم هذه العلاقة وفقًا لأربعة مستويات. فالمستوى الأول هو الهندسة المعمارية بوصفها أحد أساليب رسم السمة الوطنية. أما المستوى الثاني، فهو السمة الوطنية بوصفها أحد أساليب الدبلوماسية الثقافية13. في حين يتمثل المستوى الثالث في الدبلوماسية الثقافية بوصفها أحد أساليب الدبلوماسية العامة. وأما المستوى الرابع، فهو الدبلوماسية العامة، بكل ما يُدرج تحتها من دبلوماسية ثقافية وسمة وطنية الدولة الدبلوماسية وتعزيز مكانتها السياسية الإقليمية/ الدولية. وفي هذا السياق، تعد عمارة القوة الناعمة من بين الأدوات المعتمدة في صناعة السمة الوطنية المميزة للبلد التي ترتبط بتصور الدولة لعلاقاتها الدبلوماسية وسياستها الخارجية.
القوة الناعمة
وهندسة معمارية، بوصفها أحد أساليب تحقيق القوة الناعمة وأدواتها. وتخدم هذه المستويات والعلاقات المتشابكة بينها صورة الهوية الوطنية التي يرغب صانع القرار في تأكيدها، وهي تقع ضمن إطار القوة الناعمة.
ثانيا: كأس العالم: تصدير الهوية خدمة لأهداف السياسة الخارجية
للهوية الوطنية دورٌ حاسمٌ في توجيه خيارات الفاعلين السياسيين. وتتيح الفعاليات الرياضية، التي تؤدي أدوارًا فاعلةً (ناعمة)، فرصًا لإعادة تشكيل هذه الهوية على نحو يتلاءم مع أهداف صنّاع القرار السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لتصبّ مكاسبها المرجوّة في نهاية المطاف في الدفع نحو تحقيق سياسة البلد الخارجية. ولعل حديث رئيس اللجنة المنظمة لبطولة كأس العالم لكرة القدم في جنوب أفريقيا داني جوردان، في عام 2010، يشير إلى بعض المسوّغات البارزة التي قد تدفع الدول إلى تكريس الجهود وتخصيص الموارد للحظوة بفرصة استضافة فعالياتٍ رياضيةٍ ضخمة، مثل بطولة كأس العالم لكرة القدم أو الألعاب الأولمبية؛ إذ يقول: ["تتعلق بطولة كأس العالم لكرة القدم ب] بناء الأمة، وتحسين البنى التحتية، وسمة
البلد، وإعادة تشكيل موقع الدولة [على الخريطة العالمية]، وتحسين صورتها، والترويج السياحي. ويتعلق الأمر أيضًا بالعوائد الاستثمارية، وخلق فرص العمل، والإرث [الذي يترتّب على استضافة البطولة.] تلك هي المسائل التي تقف دافعًا لأمتنا ولكل أمم العالم"14. يشير التنافس الشديد بين الدول وبذل الموارد في سبيل نيل فرص استضافة الفعاليات الرياضية الضخمة إلى التعويل الكبير على المكاسب المرجوّة من تنظيم هذه الفعاليات، على حد قول جوردان. ويُدرج توظيف الرياضة، أيضًا، ضمن سعي الدول لتطوير قوّتها الناعمة. وفي حالة قطر، يستفيد صانع القرار من الرياضة في تحقيق أهداف السياسة الخارجية المبنية، في جوهرها، على مسألتين أساسيتين: الأولى هي السعي المُلحّ لانتزاع الاعتراف وتحصيل المكانة الإقليمية والدولية. أما الثانية - وهي الأهم – فهي تتمثل في تعزيز سياسة الدولة في تعظيم أمنها القومي15. ويمكن أن نتلمّس الجهود القطرية في تثبيت مكانتها وتعزيز أمنها القومي في نمط تحالفاتها الخارجية ودبلوماسيتها الاقتصادية والوساطات التي قادتها بين عددٍ من الأطراف، وفي مقدّمتها الوساطة القطرية بين حركة طالبان والولايات المتحدة16. ويُضاف إلى ذلك مشاريع قطر الثقافية المتنوعة، ومساعيها في الريادة الإعلامية التي تأتي في صدارتها شبكة الجزيرة الإعلامية. يعود كل ذلك إلى كون قطر دولةً صغيرةً جغرافيًا وديموغرافيًا؛ ما يفرض حدودًا أمام إمكان مراكمة موارد القوة العسكرية، ومن ثم مراكمة القوة الصلبة. يُضاف إلى ذلك موقع قطر الجيوسياسي الذي يضعها بين قطبين إقليميين متنافسين، السعودية وإيران؛ إذ يسعى كل منهما لحيازة زعامة العالم الإسلامي، وتعظيم نفوذه وهيمنته في المنطقة. وهذه الأسباب تُشجع صنّاع القرار في قطر على التفكير في الأدوات والموارد والإمكانات غير التقليدية التي قد تُ كّن دولةً صغرَى من القيام بأدوارٍ كبرى تتخطى فيها عقبات الجغرافيا والديموغرافيا، فتلجأ - على نحو أساسي - إلى تنمية القوة الناعمة في جوانبها الثقافية والتعليمية والإبداعية وغيرها17. وليست المبادرات التي تقودها قطر في عالم الرياضة سوى أداة تدور في الفلك نفسه. بدأ استثمار قطر في الرياضة منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين، حين استضافت بطولة العالم لكرة اليد للشباب18. وفي الفترة -2004 2022، نظّمت نحو 500 بطولة رياضية19، من بينها 24 بطولةً رياضية دولية من الدرجتين الأولى والثانية، مثل دورة الألعاب الآسيوية (آسياد) في عام 2006، ودورة الألعاب العربية في عام 2011، وبطولة كأس الخليج العربي في عام 2011، وبطولة كأس السوبر الإيطالي في عام 2014، وبطولة العالم لكرة اليد للرجال في عام 2015، وبطولة العالم للملاكمة في عام 2015، وبطولة كأس العالم للأندية في عام 2019 20، وآخرها استضافة النسخة العاشرة من بطولة كأس، التي أُالعرب لكرة القدم في عام 2021 جريت مبارياتها على أراضي الملاعب المصممة خصوصًا لمباريات بطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 2022. علاوةً على استضافة قطر الفعاليات الرياضية، تنشط أيضًا في الاستثمارات في مجال كرة القدم الأوروبية، فقد اشترت كل أسهم نادي باريس سان جرمان الفرنسي. وقبل ذلك، استفادت دعائيًا من وضع شعار مؤسسة قطر Foundation Qatar، ثم شعار شركة الخطوط الجوية القطرية Airways Qatar، على قمصان لاعبي نادي برشلونة الإسباني، واستضافة نادي بايرن ميونخ على أرضها خلال فترة تدريباته الشتوية21.
تشكّل استضافة قطر لكأس العالم في عام 2022 آخر الاستثمارات القطرية في عالم الرياضة وأضخمها. ومن شأن الدعاية العالمية له، فضلً عن الحضور الدولي المتعدد الجنسيات فيها (بوصفها الدولة المضيفة)، المساهمة في تصدير صورةٍ جذّابةٍ عن البلد تعود بالفائدة على حركة السياحة الوطنية وتحسين علاقاتها الدولية. ويؤكد حجم الإنفاق الضخم الذي صرفته قطر منذ فوزها بحق استضافة البطولة، الذي تُقدَّر قيمته بما يتجاوز 200 مليار دولار22، أن الآمال المعلقة على هذا الحدث لا ترتبط بالفوائد الاقتصادية المادية فحسب، بل تتخطى ذلك لتُدرج ضمن استراتيجية قطر الأمنية؛ إذ توفر لها فرصةً تعزز بها مكانتها بوصفها دولةً آمنةً ومستقرة23. وفقًا للجنة الأولمبية القطرية، تنطلق استثمارات دولة قطر في القطاع الرياضي من ثلاثة دوافع: تنشئة أمة صحية معافاة، وتحسين العلاقات بين الدول، وجعل قطر مركزًا رياضيًا عالميًا24. وقد أكدت اللجنة العليا للمشاريع والإرث، وهي الهيئة الوطنية القطرية المسؤولة عن تنظيم فعاليات كأس العالم، أن قطر تسعى من خلال استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم إلى "تعريف العالم بهوية دولة قطر الفريدة"، وبناء "جسور التفاهم بين الثقافات"، وبناء "مستقبل مستدام وإرث دائم لبلادنا، ومنطقتنا، وقارة آسيا، والعالم أجمع"؛ عبر مجموعة من العوامل، من بينها البنى التحتية وتفعيل دور الرياضة في دعم العملية التعليمية ومبادرات كرة القدم من أجل التنمية ودعم الابتكار في المنطقة والالتزام بتحسين مستوى رعاية العمال، وقد وضعت لذلك ثلاث قيمٍ، هي: الناس والترابط والثقافة25. وتصب هذه الأهداف المعلنة في مساعي صنّاع القرار القطريين لاستغلال هذا الحدث العالمي الضخم في ممارسة القوة الناعمة عالميًّا، وتعريف ملايين المتابعين من أنحاء العالم كلها بهذه الدولة الخليجية الصغيرة، ناقلةً إلى الجماهير لوحةً مغايرة، تسعى لتقويض الصورة النمطية عن شعوب منطقة الخليج على نحو خاص، والمنطقة العربية على نحو عام، بوصفها شعوبًا تتصف بالكسل والتخلف واللاعقلانية26. في هذا السياق، يمكننا تلمس محورية مسألة تصدير هوية وطنية جذابة عبر دراسة النسخ السابقة من كأس العالم؛ إذ سعت ألمانيا، على سبيل المثال، من خلال استضافتها كأس العالم في عام 2006، لإبراز نفسها بوصفها دولة "ودودة"، في محاولة لتحدي الصورة النمطية المرتبطة بدورها التاريخي في الحرب العالمية الثانية إبان فترة الحكم النازي، ومحو صفات التكبر والفوقية من الأذهان، التي كثيرًا ما تقترن بالمواطن الألماني27. ولا يمكن فهم ترتيبات استضافة جنوب أفريقيا كأس العالم في عام 2010 من دون الحديث عن شعار "جنوب أفريقيا أفضل، أفريقيا أفضل، عالمٌ أفضل" South Better A Africa, a Better Africa, a Better world، الذي حددت حكومة جنوب أفريقيا بناءً عليه القيمَ التي وضعتها لنسختها من بطولة كأس العالم لكرة القدم في وقتها، وهي الحرية والمساواة والتضامن والتسامح28. وفي ذلك تأكيد واضح على رغبة الدولة في رسم صورة إيجابية عن جنوب أفريقيا تقوم على كونها دولة ديمقراطية منفتحة تستحق أن تكون ممثلة للقارة الأفريقية29. بهذا المنطق، يتمثل رهان استضافة قطر كأس العالم، في عام 2022، في رفع مكانة قطر الدولية وإبرازها بوصفها دولة صغرى، لكنها ذات مكانة وتأثير في المنطقة وفي العالم، وإبعادها عن الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي تشيع في الشرق الأوسط، عبر تقديم صورة لها بأنها بلدٌ إنساني ومسالمٌ ومحب للرياضة30، إلى جانب خلق فرص استثمارية رياضية تصبّ في جعل الاقتصاد أشد تنوعًا.
ثًالث ا: عمارة الملاعب الرياضية بوصفها أداة لتصدير هوية قطرية عالم-محلية
تحاول قطر، عبر استضافتها بطولة كأس العالم لكرة القدم، الجمع بين القوة الناعمة وأدواتها من جهة، والتوجه العالم-محليي الذي يتبنّاه صانع القرار القطري في رسم هوية قطر الوطنية من جهة أخرى. وتهدف هذه المحاولة إلى إضفاء البعد العالمي على ما هو محليي
(أي تصدير هوية قطر المحلية إلى العالم)، جنبًا إلى جنب مع إضفاء البعد المحليي على ما هو عالمي (أي تذويت القيم العالمية وجعلها جزءًا من هوية قطر المحلية.) النعت "العالم "يي إلى مفهوم يستند -"العولم مح-محلية" Glocalization، الذي يصف ذلك المزج المعقد والمتشابك بين الكوني أو العالمي Global والمحليي Local، في رسم الأهداف الوطنية وتجسيدها؛ إنه إضفاء البعد العالمي Globalization على المحليي وإضفاء البُعد المحليي Localization على العالمي في آن معًا، وقد جرى التوليف بين الاتجاهين في مصطلح Glocalization 31. إنّ مصطلح "العولم-محلية" ليس فريدًا في سياقه؛ إذ ثمة مصطلحات عديدة جرى سكّها حديثًا للتعبير عن ظواهر مثيلة؛ من بينها مصطلح " الذي يصف التفاعل والتزامن Fragmegration"والتعايش والتكامل بين ديناميات التفتت والتشظي Fragmenting من جهة، وديناميات الاندماج Integrating من جهةٍ أخرى32، وهو يصف أيضًا ديناميات إضفاء الطابع المحليي Localizing ونزع الطابع المركزي Decentralizing من جهة، وديناميات إضفاء الطابع العالمي Globalizing وإضفاء الطابع المركزي Centralizing من جهة أخرى33. ينطوي استعمال مفهوم "العالم-محليي" في سياق هذه الدراسة على مستويين للتحليل. فالمستوى الأول هو المستوى العالمي، أو العولمي، الذي يتجلّ في الكيفية التي تصوّر قطر بها نفسها فاعلً عالميًا يواكب التطور في شتى المجالات، ويتفاعل مع البيئة الخارجية وينخرط فيها بوصفه جزءًا منها وركنًا رئيسًا فيها. أمّا المستوى الثاني، فهو المستوى المحليي الذي يبرز في تأكيدها على هويتها الوطنية، والإحالة الدائمة إلى تاريخها المحليي وثقافتها الوطنية، وهو ما يبدو جليًّا في خطابها الرسمي في مناسبات عدة، ليس تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم سوى واحد منها، وإن كان أكبرها وأقصاها.
اللافت في كثير من استراتيجيات صناعة السمة الوطنية، عمومًا، هو الجهود المبذولة لاحتضان التراث والتاريخ ودمجهما مع الثقافة المعاصرة. وتشكّل الحالة القطرية مث لً جليًّا عن هذا التوجّه؛ فسردية الهوية والثقافة التي تقوم عليها السمة الوطنية القطرية مبنية على جانبين متداخلين: الأول يرتبط بالتراث والأصالة وإبراز الماضي القطري مع الإصرار على صيانته والحفاظ عليه أصيلً، والثاني قائمٌ على طموح دولة قطر ومساعيها الحثيثة حتى تكون مركزًا عالميًا للتعليم والفن والرياضة والثقافة34. ولهذه الرؤية العالم -محلية تجسيدات خطابية
واضحة. تقول الميّاسة بنت حمد آل ثاني، رئيسة هيئة متاحف قطر وشقيقة أمير البلاد الشيخ تميم: "إننا نعمل على تغيير ثقافتنا من الداخل، لكننا في الوقت نفسه نعاود الاتصال بتقاليدنا"، وتضيف قائلة: "نعم، إن قطر تريد أن تكون دولة حديثة؛ لكننا في الوقت ذاته نعيد الارتباط بتراثنا العربي ونؤكد عليه"؛ أي إن قطر - كما تقول في عبارةٍ أُخرى تستلهمها من الأنثروبولوجي الأميركي ريتشارد ويلك Wilk Richard - تسعى لإبراز ثقافتها وهويتها الوطنيتين من خلال "إضفاء البعد العالمي على المحليي منها، وإضفاء البعد المحليي على العالمي وجلبه إليها Globalizing the local and localizing the "global35. وهذا أيضًا ما تشير إليه رؤية قطر 2030 المتعلقة بحرص الدولة على المحافظة من دون جمود، والانفتاح من دون ذوبان، تحت شعار "التحديث والمحافظة على التقاليد"36. نرى لسردية الهوية العالم-محلية، التي تدمج الماضي والمستقبل في الخطاب، انعكاسًا جليًّا في الهندسة المعمارية التي تعدّها كريستين إيغلنغ وسيلةً للتعبير عن الهوية والثقافة كما يراها صنّاع القرار القطريون37. وهكذا، يُروَّج لها على أنها صروحٌ معماريةٌ تجسّد أصالة الماضي وتاريخه مع معاصرة الحاضر ومواكبته. وضمن هذا الإطار، تُعَدّ الملاعب الرياضية الثمانية التي استحدثتها (أو طوّرتها) قطر لاستضافة مباريات بطولة كأس العالم لكرة القدم عمارةً ناعمة تعكس الهُوية القطرية في مقاربةٍ عالم-محلية، لتغدو كغيرها من الأدوات هدفًا في حد ذاته، توظّفه لخدمة سياستها الخارجية وتصدير هويتها، فتُزاوج الأصالة والمعاصرة في جوانب التصميم المعماري وتكنولوجياته وغيرها. يتضح هذا التوجّه من خلال اعتماد قطر على ما يُعرف بالمعماريين النجوم38Starchitects ومكاتب هندسية عالمية معروفة في تصميم المنشآت الرياضية والإشراف على بنائها، وفي تكنولوجيات أنظمة التبريد المتطورة، مع التركيز على مراعاة الاستدامة وحماية البيئة في تصاميم المنشآت؛ فقد حصلت كل "ملاعب كأس العالم" على شهادات المنظومة العالمية لتقييم الاستدامة (جي ساس)GSAS39. إضافةً إلى ذلك، اعتمد الترويج لهذه الأبنية على الأفكار التصميمية التي تحمل إحالاتٍ واضحةً إلى الثقافة العربية والقطرية؛ إذ يؤكد الموقع الرسمي لفعاليات كأس العالم 2022 أن "كل واحدٍ من الاستادات [يكتسب] هوية تميزه عن غيره، كما ينبغي أن يمثل مصدر إلهامٍ لزائريه من المشجعين أو اللاعبين"40. وهذه الملاعب هي: استاد41لوسيل: استُوحي شكله من أوعية الطعام والأواني التقليدية، وغيرها من القطع الفنية التي عرفها الوطن العربي تاريخيًا. والمميز في هذه المنشأة سقفها المائل، وواجهتها الذهبية التي يتغير شكلها مع مرور الوقت، إضافةً إلى النقوش المتموجة الدقيقة التي تُزينها42. استاد أحمد بن علي: تعكس واجهته الخارجية جوانب مختلفة من شخصية قطر وهويتها، على نحو يرتبط بالأسرة وأهميتها، وجمال الطبيعة الصحراوية، والتجارة المحلية والدولية. وترتبط الأشكال الهندسية والزخرفية التي تندمج مع بعضها بفن العمارة الإسلامي43. استاد الثمامة: يرتبط تصميمه بقبعة "القحفية" التي يلبسها الرجال في قطر وبلدان عربية أخرى، وهي رمز ثقافي مشترك. وبناءً عليه، فهو يمثل الروح الجامعة لأبناء المنطقة؛ ومن ثم يرتبط بالتاريخ العريق والمستقبل المشرق44. استاد الجنوب: ترتبط خطوطه ومنحنياته بأشرعة المراكب التقليدية "وهي تنسج مياه الخليج مع بعضها"، ويؤكد تصميمه على قيم العصرية والانفتاح على المستقبل وربطها بملامح تتعلق بماضي قطر. أما هيكلُه الداخليي، فيحاكي هيكلَ السفينة، ويساهم تصميم المنشأة والظل الذي يخلقه شكل المبنى في السيطرة على درجات الحرارة العالية لخلق مناخ معتدل ومريح45.
استاد البيت: استُوحي اسمه وتصميمه من بيت الشعر (الخيمة) الذي سكنه أهل البادية في صحراء قطر قديمًا. وتعكس هيكلته الخارجية شكل الخيمة بأسلوبٍ حديثٍ، يعتنقها "لمسة من عبق التصاميم القديمة"، وترتبط بالتراث وتتبنّى الحداثة في الوقت عينه. وفضلً عن ذلك، تُعدّ التكنولوجيا المستخدمة فيه مثيرةً للاهتمام؛ إذ يساعد الظل الناتج من شكل الخيمة، إضافةً إلى سقف الملعب القابل للطيّ، في عمليات التبريد للحفاظ على درجة حرارةٍ معتدلةٍ، من دون الحاجة إلى استخدام مصادر طاقة إضافية46. استاد المدينة التعليمية: يرسم "فصلً من تاريخ الفن المعماري الإسلامي الغني" عبر واجهة تتزاحم فيها المثلثات "التي تشكل زخرفاتٍ هندسية متشابكة كخطوط الألماس"47. وتعكس مثلثات الواجهة نور الشمس، فتعطي تأثيرًا مختلفًا مع تغير الوقت والزاوية التي تطل منها الشمس. استاد 974: يتناغم مع ميناء الدوحة بتصميمه المعتمد على حاويات الشحن البحرية التي تتيح إمكان تفكيك الاستاد بأكمله بعد انتهاء فعاليات البطولة في سابقةٍ تاريخية من نوعها، ليُعاد استخدام كثير من أجزائه ومقاعده في بناء منشآتٍ أخرى رياضية وغير رياضية48. استاد خليفة الدولي: يُعرف أيضًا بالاستاد الوطني المُنشأ في عام 1976، وقد خضع للتجديد استعدادًا لكأس العالم في، وأُعام 2022 كسِب طابعًا عصريًا أنيقًا، من دون التفريط في تاريخه العميق49. وفي حين ترتبط ملاعب مثل استاد الثمامة (المستوحى من "القحفية)"، أو استاد البيت (الذي يشبه الخيمة)، ارتباطًا بصريًا واضحًا برموزٍ وعناصر قطرية أو عربية، فإن ملاعب مثل استاد خليفة الدولي أو استاد 974 تبُرز جانبًا آخر من هذه الهوية. وتقوم الهوية القطرية في جوهرها، كما يتخيّلها صناع القرار، على الربط ما بين الماضي والحاضر والمستقبل. ويشكل استاد خليفة الدولي تجليًّا لهذا التمازج، فهو الملعب الوحيد الذي بُني قبل بطولة كأس العالم، ثم جرى تطويره وتحديثه ليتلاءم مع التكونولوجيا الحديثة. أما استاد 974، وهو الملعب الأول من نوعه القابل للتفكيك، فيُجسّد التقدم والمواكبة والمعاصرة. ولا تقوم الهوية القطرية كما يراها صنّاع القرار على "القحفية" و"بيت الشعر" فحسب، بل إنها تقوم أيضًا على التقدم والمواكبة وإقحام التكنولوجيا، وتوطيد العلاقة ما بين دفة الماضي والتراث من جهة، ودفة المستقبل والمواكبة من جهة أخرى. وبذلك، تدخل هذه الصروح الهندسية في صلب أهداف الدولة المضيفة لتَنقل هوية قطرية جاذبة من خلال تصميمها أوَّلً، ومن خلال الفكر الهندسي والثقافة التي ترتبط بها ثانيًا، لتصير انعكاسًا حقيقيًا ملموسًا يجسّد نزعة قطر العالم-محلية التي تعكس القدرة على الانفتاح في أوسع أبوابه، مع المحافظة على الخصوصية والهوية الكيانية الشخصية. فضلً عما سبق، تسعى قطر لاستدراك بعض المشكلات التي قد تنجم عن استضافتها هذه الفعالية الكبرى، كالعمل على التصدي لما يُسمى بظاهرة "الفيلة البيضاء" مثل 50. وتصف هذه الظاهرة الوضع الذي تنتفي فيه الحاجة إلى استخدام بعض البنى التحتية التي تصبح غير ضرورية بعد انتهاء الحدث الرياضي، وهو ما حصل في جنوب أفريقيا عام 2010، وفي البرازيل عام 2014 51. ولاجتناب هذه الظاهرة، خاصةً أن قطر لا تحتاج إلى كل الملاعب التي بنتها لاستضافة بطولة كأس العالم52، تعهّدت الدولة بخفض سعة بعض الملاعب الضخمة53 والتبرع بأجزاء منها لدولٍ تفتقر إلى البنية التحتية الرياضية المتطورة؛ ومن هنا، كانت فكرة استاد 974 القابل للتفكيك الكامل. على هذا النحو، باتت العمارة هياكل مادية تُذكّر دائمًا بهوية قطر وماضيها وحاضرها وتوجهاتها، وبمن كان له الفضل في تطوّرها ونموّها54، ليغدو العمران في حد ذاته غايةً ووسيلةً لدى صناع القرار، ولتغدو التصاميم الفنية، أيضًا، عنصرًا إضافيًا يؤدّي إلى مساهمة هذه المنشآت في جذب العالم إليها.
خاتمة
صرّح أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أثناء مشاركته في منتدى الاقتصاد العالمي في أيار/ مايو 2022، قائلً: "للمرة الأولى، ستستضيف قطر [بطولة] كأس العالم [لكرة القدم] في منطقة الشرق الأوسط. عانى الشرق الأوسط لعقود طويلة من التمييز الذي ينطلق من أشخاص لا يعرفوننا ويرفضون محاولة التعرف علينا"، وتابع قائلً: "قطر ليست مثالية، وتحاول إدخال تحسينات، وتشعر بالأمل. أؤكد (أنها) نسخةٌ خاصةٌ من كأس العالم"55. يعكس ذلك، فضلً عن تأكيد الخصوصية المحلية في حدث تتجلّ فيه العالمية في أوضح صورها، أهمية الحدث في تصدير الهوية؛ ويشير كذلك إلى مجالات التحسين التي يتيحها للدولة المضيفة. تشكل الرياضة مدخلً لصنع القوة الناعمة وتوظيفها في سياسة الدولة الخارجية؛ إنها أداةٌ طيّعة تستخدمها الدبلوماسية لتحقيق طموحات في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة وبناء العلاقات الدولية. وقد رأت قطر في استضافة كأس العالم 2022 وسيلةً مهمة لتعزيز قوتها الناعمة، وتصدير هويتها الوطنية، ورفع مكانتها الإقليمية والدولية، فضلً عن تطوير البنية التحتية وتنويع مصادر الدخل؛ ليعكس هذا الحدث الرياضي إمكانات دولةٍ لا يحُول بينها وبين التأثير خارج حدودها حجمها الجغرافي والديموغرافي. وقد كانت قطر واضحةً في محاولات الاستثمار هذه؛ إذ يُعدّ فوزها بحق استضافة كأس العالم المرةَ الأولى التي يستضيف فيها بلدٌ عربي هذا الحدث. تخلص الدراسة إلى أن استضافة قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم وما تقتضيه من متطلّبات ترتبط ببعدها العالمي الخالص، مع التشديد على البعد المحليي الذي يتجلّ في المحافظة على خصوصية التقاليد والتاريخ والرموز الاجتماعية والعمارة وغيرها من العناصر الثقافية، عاملٌ مُمكّن لها من تصدير ما وصفته الدراسة بالهوية العالم-محلية، ومن إثباتها لنفسها بوصفها دولة منفتحة، وفتح آفاق التحسين والتقدم؛ إذ لم تقف الانتقادات التي رافقت فوزها بحق الاستضافة، والتي استمرت حتى الأسابيع الأخيرة قبل انطلاق البطولة، حائلً دون سعيها لاستثمار هذا الحدث العالمي في تغيير الصورة النمطية المرتبطة بها، وبمحيطها الإقليمي، وبناء هوية عالم-محلية تجمع بين العالمي والمحليي، وبين الماضي والمستقبل، وتجعل منها فاعلً دوليًّا، يحظى بالمكانة والتأثير اللذين يتجاوزان حدود الجغرافيا والديموغرافيا.
المراجع
العربية
آل ثاني، المياسة بنت حمد. "عولمة المحليي، إضفاء الطابع المحليي على العولمة." منصة تيد. في: http://bit.ly/3AvKxzK حمشي، محمد. "النقاش الخامس في حقل العلاقات الدولية: نحو إقحام نظرية التعقد داخل الحقل." أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسة. فرع العلاقات الدولية. جامعة باتنة.1.2017 دولة قطر. الأمانة العامة للتخطيط التنموي. "رؤية قطر الوطنية
القحطاني، مطلق بن ماجد ودانه بنت منصور آل ثاني. "سياسة دولة قطر وتجربتها في الوساطة وتسوية المنازعات." سياسات عربية. مج 9، العدد 51 (تموز/ يوليو.)2021 اللجنة العليا للمشاريع والإرث. "الاستادات." قطر 2022. في: http://bit.ly/3gjLbcX http://bit.:. في 2022 قطر "الرئيسية". __________. ly/3AwDZ3R ________.__ "تصميم استاد أحمد بن عليي." قطر 2022:. في http://bit.ly/3ENHFAT __________. "تصميم استاد البيت." قطر 2022 في:. http://bit.ly/3Es0RCG __________. "تصميم استاد الث مااة." قطر 2022 في:. http://bit.ly/3VcUvy1 __________. "تصميم استاد الجنوب." قطر 2022 في:. http://bit.ly/3TRiC4m ________.__ "تصميم استاد المدينة التعليمية." قطر 2022:. في http://bit.ly/3goAk1k ________.__ "تصميم استاد خليفة الدولي." قطر 2022 في http://:. bit.ly/3GsrE4F ________.__ "تصميم استاد راس أبو عبود." قطر 2022:. في http://bit.ly/3GxcU4l __________. "تصميم استاد لوسيل." قطر 2022. في: http://bit.ly/3UUqbZ5
المخ، زهير. قطر: دراسة في السياسة الخارجية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات،.2019 المفتاح، هند [وآخرون.] إدارة الأزمات: أنموذج الدوحة في مواجهة انعكاسات حصار قطر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022 مكتب الاتصال الحكومي. "الرياضة في دولة قطر." في: https://bit.ly/3QDKLM7
الأجنبية
Allmers, Swantje & Wolfgang Maennig. "Economic Impacts of the FIFA Soccer World Cups in France 1998, Germany 2006, and Outlook for South Africa 2010. " Eastern Economic Journal. vol. 35, no. 4 (October 2009). Anholt, Simon. "Public Diplomacy and Place Branding: Where's the Link?" Place Branding. vol. 2, no. 4 (October 2006). __________. Competitive Identity: The New Brand Management for Nations, Cities and Regions. Basingstoke [England]/ New York: Palgrave Macmillan, 2007. Bauman, Z. "On Glocalization: Or Globalization for Some, Localization for Some Others." Thesis Eleven. vol. 54, no. 1 (1998). Bili ć , P. "How Social Media Enforce Glocalization: The Processes of Identity Change in Milohini ć , A. & N. Švob-Đoki ć (eds.). Cultural transitions in Southeastern Europe-Cultural Identity Politics in the (Post-)transitional Societies. Zagreb: Institute for International Relations, Zagreb and Peace Institute Ljubljana, 2011. Brannagan, Paul Michael & Jonathan Grix. "Qatar's Soft Power Gamble: The FIFA World Cup 2022." International Relations. 18/1/2014. __________. "Soft Power and Soft Disempowerment: Qatar, Global Sport and Football's 2022 World Cup Finals." Leisure Studies. vol. 34, no. 6 (2015). Dictionary, Merriam-Webster. at: http://bit.ly/3OopuF8 Dinnie, Keith. Nation Branding: Concepts, Issues, Practice. 2 nd ed. London/ New York: Routledge, 2016. Doshi, M. "Elmo Everywhere: A Critical Analysis of Glocalization." Teaching Media Quarterly. vol. 5, no. 1 (2017). Eggeling, Kristin Anabel. "What is the 'Culture' in Cultural Diplomacy? Three Responses from Qatar." Økonomi & Politik. vol. 94, no. 4 (2021). Elgenius, Gabriella. "Expressions of Nationhood: National Symbols and Ceremonies in Contemporary Europe." Degree of Doctoral Philosophy. United Kingdom. University of London. 2005. Fan, Ying. "Soft Power: Power of Attraction or Confusion?" Place Branding and Public Diplomacy. vol. 4, no. 2 (May 2008). __________. "Branding the Nation: Towards a Better Understanding." Place Branding and Public Diplomacy. vol. 6, no. 2 (May 2010). Featherstone, Mike, Scott Lash & Roland Robertson (eds.). Global Modernities. Newbury Park, California: SAGE Publications, 1995. Foxman, Simone. "Why Qatar Is a Controversial Venue for 2022 World Cup." Bloomberg.Com. 21/6/2021. at: https://bloom.bg/3TTbeFp Francois, E. J. Building Global Education with a Local Perspective: An Introduction to Glocal Higher Education. London: Palgrave Macmillan, 2015. Ginesta, Xavier & Jordi de San Eugenio. "The Use of Football as a Country Branding Strategy. Case Study: Qatar and the Catalan Sports Press." Communication & Sport. vol. 2, no. 3 (September 2014). Grix, Jonathan, Paul Michael Brannagan & Donna Lee (eds.). Entering the Global Arena. Singapore: Springer Singapore, 2019.
Marx, Andrew Morné. "Increasing Soft Power - a Case Study of South Africa's Bid to Host the FIFA 2010 World Cup." Degree of Master of Arts (International Studies). University of Stellenbosch. 2004. Ndlovu, Sifiso Mxolisi. "Sports as Cultural Diplomacy: The 2010 FIFA World Cup in South Africa's Foreign Policy." Soccer & Society. vol. 11, no. 1-2 (January 2010). Nye, Joseph S. "Public Diplomacy and Soft Power." The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science. vol. 616, no. 1 (March 2008). __________. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: Public Affairs, 2004. Reiche, Danyel. "Investing in Sporting Success as a Domestic and Foreign Policy Tool: The Case of Qatar." International Journal of Sport Policy and Politics. vol. 7, no. 4 (October 2, 2015). Rosenau, James. Distant Proximities. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2003. Roudometof, V. "Transnationalism, Cosmopolitanism and Glocalization." Current Sociology. vol. 53, no. 1 (2005). Svensson, G. "'Business Activities: A 'Glocal Strategy' vol. Decision. Approach." Management no. 1 (2001). Szondi, Gyorgy. "Public Diplomacy and Nation Branding: Differences." and Similarities Conceptual Discussion Papers in Diplomacy. Netherlands Institute of International Relations 'Clingendael'. October 2008. Theiler, Tobias. Political Symbolism and European Integration. Europe in Change. UK: Manchester University Press; Distributed Exclusively in the USA by Palgrave, 2005. Zeineddine, Cornelia. "Employing Nation Branding in the Middle East - United Arab Emirates (UAE) and Qatar." Management & Marketing. vol. 12, no. 2 (June 1, 2017).