"الشعب" إلى أين؟ الشعبوية والأيديولوجيا والتنازع السياسي على الرياضة
الملخّص
تتناول الدراسة كيف يوظ ف القادة الشعبويون مفهوم "الشعب" من خلال التعاطي مع الرياضة، وكيف يتداخل مفهوما "الشعب" و"الرياضة" (اللذان وُلدا في وقت واحد تقريبًا، ويرتبط أحدهما بالآخر) مع الصراعات الأوسع على الأيديولوجيا والهيمنة. وعلى الرغم من إشارة الباحث إلى أن ثمة ثلاث مقاربات مختلفة في تحديد معنى "الشعبوية"، تكاد تتفق هذه المقاربات على أن الشعبوية تقوم على استعمال أيديولوجي لمفهوم "الشعب." وتشير الدراسة إلى انجراف الرياضة نحو اليمين السياسي، وتحول الملاعب الرياضية إلى منصة للخطاب الأيديولوجي العنصري، وتفصّل في نموذجين لزعيمين شعبويين، من سياقين غربيين مختلفين: الأول هو بينيتو موسوليني، الذي استغل النجاحات الرياضية التي حق قتها إيطاليا في الثلاثينيات لنشر الخطاب الفاشي. والآخر هو دونالد ترامب، الذي ظهر في سياق ديمقراطي رأسمالي ليبرالي. وتوضح الدراسة كيف عمد الاثنان إلى استعمال الرياضة للترويج لمفاهيم ضيقة ومشبعة بالأيديولوجيا عن "الشعب." كلمات مفتاحية: الشعبوية، الهيمنة، الرأسمالية، الليبرالية، الرياضة والسياسة، بينيتو موسوليني، دونالد ترامب. This study explore the concepts of populism and “the people,” linking them to ideology, hegemony, and the making of modern sport in Western liberal-capitalist democracies. While populism is widely seen as a useful way to understand oppositions between “the people” and elites, This study particularly interested here in what happens when self-styled populist political leaders actually govern, ostensibly on the people’s behalf. To illustrate this, the study consider two examples of self-styled populist leaders from different eras – Benito Mussolini and Donald Trump – that have used sport to promote narrow, ideologically laden, conceptions of “the people.” Through these examples the study argue that the concept of populism on its own does not provide a comprehensive understanding of political and cultural struggles in sport today, nor does it provide adequate guidelines for oppositional political strategies. Keywords: Populism, Hegemony, Capitalism, Liberalism, Sport and Politics, Benito Mussolini, Donald Trump.
Whither ‘the People’?: Populism, Ideology, and the Contested Politics of Sport
مقدمة
تعرض هذه الدراسة لمفهومَي "الشعبوية" و"الشعب"، محاولةً ربطهما بالأيديولوجيا والهيمنة Hegemony، وكذلك بصنع الرياضة الحديثة في الديمقراطيات الرأسمالية الليبرالية الغربية. يُنظَر إلى الشعبوية، على نطاق واسع، على أنها طريقة مفيدة لفهم التعارضات بين "الشعب" والنخب. ومع ذلك، سيركز كاتبُ هذه السطور، هنا، على نحو خاص، على فهم ماذا يحدث بالفعل حين يحكم القادة السياسيون الشعبويون (على نحو ما يُظهرون أنفسهم)، نيابة عن الشعب، ظاهريًا. وللبرهنة على ذلك، سأستعمل مثالين، من عصرين مختلفين، لزعيمين [يُصنَّفان زعيمين] شعبويين، بحسب أسلوبهما الشخصيي Self-styled، هما: بينيتو موسوليني ودونالد ترامب، وكلاهما استعمل الرياضةَ للترويج لمفاهيم ضيقة ومشبعة بالأيديولوجيا عن "الشعب." ومن خلال المثالين هذين، أزعم أن مفهوم "الشعبوية"، بذاته، لا يُعين على فهم شامل للصراعات السياسية والثقافية في عالم الرياضة اليوم، ولا يقدّم إرشادات كافية للاستراتيجيات السياسية المعارضة.
عن الشعبوية والأيديولوجيا والرياضة و"الشعب"
بزغت النقاشات في الشعبوية منذ أكثر من قرن، وكانت تشير عادة إلى الحركات السياسية التي تهدف إلى إثارة الأشخاص الشرفاء (أو هم يزعمون ذلك) الذين يعانون ظلمً أو اضطهادًا، ليكونوا معارضين للنخب والمؤسسات والحكومات القائمة. ومن دون أي شك، فإن أي مسح سريع لتعريفات "الشعبوية"، سيُظهر أن هناك تنوعًا هائلً في تحديد ما يعنيه هذا المصطلح بالضبط. ودائمًا يُشار إلى الحركات الاجتماعية [التي تحتج] على الفقر الذي يسود المناطق الريفية، أو على النظام المصرفي، والمضاربة على الأراضي، وعلى شركات السكك الحديدية في أميركا الشمالية، في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بوصفها من أكثر الأمثلة التاريخية عن الشعبوية شيوعًا1. هذا فضلً عن أمثلة مشهورة أخرى من تاريخ أميركا اللاتينية، من قبيل تحالفات المعارضة التي جمعت الطبقات الخاضعة وأهل البلاد الأصليين، وتحدّت الأوليغارشية الحاكمة باسم "الشعب"2. حين نفحص هذه الأمثلة، نجد أنفسنا أمام ثلاث مقاربات بالغة الاختلاف في تحديد معنى مصطلح "الشعبوية:" تعني، في أولاها، "موقفًا نقديًا" قائمًا على رفض الاعتراف بالشرعية السياسية للسلطة، بينما تُعبّ الثانية عن "حركات اجتماعية" محددة تناهض السلطة، في حين تعني الثالثة "طريقة مميزة للحكم" بقوة، وذلك عندما يدّعي القائد الكارزمي أنه يتحدث نيابة عن "الشعب." ولعل الأمثلة الأكثر نموذجية للمقاربة الثالثة تتمثل في كل من: خوان بيرون في الأرجنتين، وجيتوليو فارغاس في البرازيل، في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ومؤخرًا هوغو تشافيز في فنزويلا. قد لا يكون عدم الدقة هو الصعوبة الكبرى التي تواجه مفهوم "الشعبوية"، فإرنستو لاكلو3 يرى أن معناها يزداد تشوشًا بسبب الميل إلى الوقوف "في منتصف الطريق بين الوصفي والمعياري"، بتعبيره. وغالبًا ما يتضمّن النقد الذي توجّهه حركاتٌ تُصنَّف "شعبويةً"، أو يصدر عن مواقف تُصنَّف "شعبويةً"، إدانة ولومًا ذا طابع أخلاقي، [هما بمنزلة] ردة فعل لاعقلاني، يوجّهونه إلى الأشخاص المُعرّضين لأن يتلاعب بهم الديماغوجيون السياسيون، في مواجهة المثل العقلانية للقانون والحياة المدنية، كما تتخيله النخب، وتروّج له السلطات الإدارية. وبدلً من ذلك، يفضّ ل لاكلو تعريف "الشعبوية" بأنها سلسلة متحركة من "المطالب"، ترفعها المجموعات المضطهدة أو المهمشة، وتترك آثارها في الصراعات السياسية والأيديولوجية الأوسع. وهو لا يرى الأيديولوجيا بالطريقة نفسها التي تراها بها غالبية المتخصصين في العلوم السياسية، أي بوصفها فلسفة سياسية متمايزة، على غرار الفاشية أو الشيوعية السوفياتية، بل هو يؤسس على أفكار الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، في أوائل القرن العشرين، فيهتم بالكيفية التي تتخذ بها المطالبُ الشعبية شكلً "خطابيًا." وبالنسبة إليه، من الأفضل أن تُفهَم الشعبوية على أنها عنصر أساسي في الصراعات الخطابية على تكوين القيادة الثقافية وصيانتها، وعلى "الحس المشترك" الذي يدعم هيمنة كتلة مسيطرة [تتكوّن] من تحالفات طبقية اجتماعية، وتشمل، في الأعم الأغلب، مصالح إقليمية وإثنية وحزبية. إنه يرى الشعبوية بوصفها ظرفًا Condition، تتمفصل [أو تتمظهر] فيه مطالبُ المجموعات التابعة
باستراتيجيات خطابية، تهدف إلى تقويض الهيمنة عند طريق بناء "حدود سياسية" بين "الشعب" و"كتلة السلطة"4. إن فهم الشعبوية، بوصفها مظهرًا لصراعات خطابية أوسع وذات طابع أيديولوجي، ما هو إلّ محاولة لدفع مناقشة المفهوم بعيدًا عن الإرساء المعياري. وبسبب الافتراض بأن "الشعبوية" تفتقر إلى جوهر فلسفي/ أيديولوجي متماسك، فإن معناها سيعتمد على تمفصلها مع مشاريع سياسية وأيديولوجية أخرى. ومن هذا المنظور، يحلل ستيوارت هول "الشعبوية السلطوية"، في أواخر سبعينيات القرن العشرين، بوصفها مكوّنًا أساسيًا في الثاتشرية، مع ما يبدو من [محاولتها] جمع نقيضين: مبادرات نيوليبرالية راديكالية معادية للعمال، مع أجندة نظام وقانون دولتي مركزي5. وبالمنطق نفسه، حاجّت شانتال موف6 مؤخرًا بأن "شعبوية اليسار" ضرورية لمواجهة المتغيرات في التيارات اليمينية التي ظهرت على مدى العقدين الماضيين. إن أحد العناصر الأساسية في أي تحليل نقدي للشعبوية هو الاستعمال الأيديولوجي لمفهوم "الشعب" [الذي يقدّمه] بوصفه تجريدًا موحّدًا. وإذا كنتُ أصف هذا الاستعمالَ بأنه "أيديولوجي"، فذلك لأن "الشعب" غير موجود، في أي دولة قومية غربية، بوصفه كيانًا سوسيولوجيًا أو سياسيًا موحّدًا؛ فالانقسامات في العمر والجندر والبناء الاجتماعي للطبقة والعرق والإثنية واللغة والاختلاف الديني والهوية الجنسية والتفضيل الجنسي، ذلك كله يعقّد طبيعة المطالب، ويمكن أن يطمس خطوط أي حدود سياسية، كما أدّت الغزوات الاستعمارية خلال الألفية الماضية، مدًّا وجزرًا، وما أفضت إليه من هجرات عبر معظم أنحاء العالم، إلى زيادة تعقيد المطالب الشعبية في الدول القومية الحديثة، على نحو كبير. مع ذلك، عادة ما ينكر من يرون في أنفسهم شعبويين هذه التعقيدات، أو يخفونها، حين يقومون برسم حدودهم السياسية. وهم يفعلون ذلك باستعمال ثنائيات خام: "الشعب"، من جهة، ومعه هم؛ إذ يدّعون تمثيله، ومن جهة أخرى، هناك "الآخرون" الذين يميز [الشعبويون] أنفسهم منهم، وهؤلاء يُصوَّرون بطريقة مختلفة عنهم، إما بأنهم نخب، أو دخلاء، أو غرباء، أو خبراء، أو حكام، أو مخربون. وعلى نحو عام، تُبنى الحدود السياسية للشعبوية، بالضرورة، على تعارضات تتولى هي تعريفها ذاتيًا، بين "من ينتمي" و"من لا ينتمي"، "من يستغل" و"من لا يستغل"، "مَن يستحق" و"مَن لا يستحق"، أو حتى بين "من هو الجيد" و"من هو السيِّئ." وهذا، في تقديري، يثير أسئلة جدّية عن الجدوى الاستراتيجية لتحدي "الشعبوية السلطوية" بشعبوية "يسارية" أو "تقدمية"، على سبيل المثال، فإلى جانب أن هذا سيبقي الكثير من الأمور خارج الحساب، فإن الخطر فيه يكمن في أنه سيفضي، إما إلى إعادة إنتاج الثنائيات التبسيطية السالفة على نحوٍ فظ، وإما إلى استبدالها بثنائيات جديدة لا تقلّ عنها إشكالية. وعلاوة على ذلك، إن ادّعاء تجسيد "إرادة الشعب"، وتسخير أجهزة الدولة للدفاع عن فهمهم الخاص ل "الشعب" و"من يكون الشعب"، سيجعلان هؤلاء الذين يسلكون سلوكًا شعبويًا ينزلقون بسهولة إلى الأوتوقراطية والخطاب المعادي للديمقراطية، بمجرد أن يقودهم أي مسار سياسي إلى السلطة. طبعًا، ليس هذا هو المكان المناسب للقيام بمناقشة تاريخية موسعة لمفهوم "الشعب" بوصفه كيانًا اجتماعيًا وثقافيًا متماسكًا، فللفكرة جذور تعود إلى أصول الديانات التوحيدية، حيث يواجه الله القواسمَ المشتركة بين البشر؛ كما تعود جذور الفكرة إلى التمييز الإغريقي - الروماني القديم بين "المواطنين" و"البرابرة"؛ وكذلك التمييز بين الحقوق الأرستقراطية الحصرية و"المشاعات العامةCommons" وفي الوقت نفسه، تعود هذه الفكرة إلى التقابل بين التقاليد القبلية أو المحلية والهويات الإثنية واللغوية المشتركة، من جهة، وتلك التي يُنظر إليها أنها تأتي "من بعيد"، من جهة أخرى. وأكثر من ذلك مما يدخل في هذا النقاش، أن فكرة "الشعب" هو كيان متميز، مشبع بحقوق متأصلة، قد رافقت الاندفاعة الأوروبية والأميركية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، نحو الحكومة الديمقراطية ومستلزماتها، من بنى سياسية وسيادة القانون وحقوق المواطنين. ومع أنه تنبغي الإشارة، هنا، إلى أنه لم يكن ثمة إجماع في الديمقراطيات الرأسمالية الليبرالية الغربية، على مدى القرنين الماضيين، على "مَن" تحديدًا يكون "الشعب" بالفعل، لم يشمل التحديدُ القانوني ل "الشعب" العبيدَ، ولا مجموعات السكان الأصليين، كذلك، لم تكن ثمة حقوق سياسية للمرأة، ولا لأولئك الذين كان يُنظَر إلى لغاتهم أو ثقافاتهم أو ميولهم وتفضيلاتهم الجنسية بأنها خارج المعيار/ القاعدة7. وحتى حين حصلت مطالب الجماعات المضطهدة والمهمشة على الشرعية، وحصلت [هذه الجماعات] على مزيد من حقوق الإنسان والاعتراف
القانوني والسياسي، وخُصّصت لها موارد أكبر، ظلت السلطات القائمة تعمل جاهدة على الحدّ من نطاق تلك الحقوق وإضعافها. ومع أن هذه الجماعات حصلت، في بعض الأحيان، ومن خلال النضال، على مكاسب سياسية مهمة، ظلت [السلطات] تنظر إلى هذه المكاسب بوصفها أمرًا ثانويًا، محتقرًا، وظلت من ثم مج لً للمساومة. كان مشروع تحديد "الشعب" في الديمقراطيات الرأسمالية الليبرالية مج لً أيديولوجيًا، تتقاذفه الصراعات. ولذلك، كان تاريخ الديمقراطيات الليبرالية الرأسمالية غارقًا بالتناقضات Antinomies، فالمثال الإيجابي للعالمية الديمقراطية ل "الشعب"، على سبيل المثال، يقابله الخوف من "الجماهير"، والاحتفال بالعقلانية الديمقراطية تقابله إدانة لاعقلانية "الغوغاء"، والحلم بالأسواق الحرة وحرية التعبير والتجمع يقابله واقع الظلم المستمر والممأسس، والقائمة تطول. ولذلك، تضمّنَ تكوين الدول الديمقراطية الرأسمالية الليبرالية، على مدى القرنين الماضيين، مجموعة من المشاريع الاجتماعية والسياسية التي كانت تهدف إلى تدارك هذه التناقضات، ويجري ذلك في الغالب بتعزيز العقل والهويات الجمعية الجديدة، وكذلك أنماط الاندماج الاجتماعي. من هنا، يأتي التشديدُ على الطقوس المدنية والمشهديات السياسية، وغيرها من دوال الحياة الجمعية، من قبيل الزي الرسمي والأناشيد والأعلام، ليدعم هذه المشاريع. يقع اختراع الرياضة الحديثة في قلب هذه التطورات، فالرياضةُ – من حيث هي تجريد موحّد خاص مدعوم بمجال مميز من الممارسة والتنظيم المؤسسي – واحدة من أهم سمات هذه التطورات. لعل من الطبيعي أن يشير مصطلح "الرياضة" إلى أنواع مختلفة من المسابقات البدنية التنافسية، بما في ذلك الألعاب المؤسسية مثل البيسبول وكرة القدم وكرة السلة، والمسابقات البدنية الفردية مثل الملاكمة والساحة والميدان والسباحة وسباقات التزلج. ومع ذلك، فإن السؤال عن التصنيف الذي يبدو سؤلً يسيرًا (ماذا يكون رياضة؟ وماذا لا يكون؟) هو أكثر تعقيدًا مما يبدو، فهناك نقاش وجدال مستمران في إذا ما كان الشطرنج أو ألعاب الفيديو من ضروب الرياضة، غير أن النقاش يتكثف وسرعان ما يأخذ شحنة سياسية، إذا دار على إذا ما كانت الرياضات الدموية، من قبيل مصارعة الديكة، أو مصارعة الثيران، أو صيد الثعالب، يمكن عدّها، شرعيًا، رياضة. وفي كل الأحوال، تفتح مثل هذه المناقشات نافذة على مسألة أوسع بكثير، وهي أن الكيفية التي ظهر بها تحديد اجتماعي للرياضة متفق عليه على نطاق واسع في أوروبا والأميركتين في القرن التاسع عشر، وكذلك محاولات صناعة الرياضة بوصفها مجالَ ممارسة مميزًا ومستقلً، إنما كانت محلَ نزاع، تاريخيًا واجتماعيًا وجغرافيًا. ولم تنشأ التوترات بسبب [الخلاف على] النشاطات التي ينبغي عدّها رياضة مشروعة فحسب، بل كذلك بسبب [الخلاف على] كيفية تنظيم هذه الممارسات وأنواع السلوك المناسبة في الرياضة والفلسفات الاجتماعية/ السياسية التي يجب أن تحكمها، والأماكن المناسبة للرياضة وأنواع الأجساد التي يمكن أن تشملها8. في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تطور الفهم الحديث والمتفرد للرياضة بوصفها شيئًا عقلانيًا، ومستقلً مؤسسيًا ومعزولً (وإن على نحو مثالي) عن السياسة والمجتمع. إلّ أن هذا التطور حصل بصفة غير واضحة وضبابية، بسبب التوترات بين المصلحين الاجتماعيين ورجال الأعمال الرأسماليين الذين روّجوا للرياضة من أجل الربح، وأسّ سوها من خلال خطوط جائرة تفصل بين الطبقات والجندر والأعراق، فضلً عما تتضمنه من نزعة غيرية معيارية Heteronormativity9 واستعمارية. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد أن النقاشات التي أفضت إلى قيام تحديدات للرياضة الشرعية، والسلوك المناسب في الرياضة، وقيمتها الاجتماعية، في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، قد تأثرت بالتصورات الجديدة عن "الشعب"، بوصفه مؤلفًا من مواطنين متحضّين وعقلانيين، وتجمعهم، على نطاق واسع، حقوق مشتركة وقيم وهويات جمعية. وبطبيعة الحال، كانت هذه النقاشات مليئة بالتناقضات نفسها التي طبعت الديمقراطيات الليبرالية الغربية. لقد كان هناك تصور Suspicion مزمن بأن هناك طبائع لاعقلانية متأصلة في "الجماهير" و"الطبقات الدنيا" orders Lower والنساء والشعوب الأصلية، وغير البيض. وقد أسفر هذا التصور عن نفسه، على نحوٍ صريح، حين جرت محاولات لإخضاع مجال الممارسة الرياضية الحديثة الناشئ إلى برامج منوعة بهدف التنظيم والمنع Repression والإصلاح، أفضت في الكثير من الأحيان إلى استياء شديد. وهكذا، وفي حين حُظر بعض النشاطات [الرياضية] قانونيًا، مثل الرياضات التي يسال فيها دم حيواني، جرى التعامل بصفة انتقائية مع رياضات أخرى، فهُجِرَ بعضُ ها، وأ جريت تعديلات على بعضها الآخر، وأُضفي على بعض آخر سمة "التحضّ"، كما في جائزة القتال بالأيدي العارية10 وألعاب الكرة الشعبية في المجتمعات الريفية والطبقات الدنيا؛ وألعاب مجموعات السكان الأصليين في المستعمرات السابقة. وقد بدأت الحاجة إلى تنظيم
الرياضة وإصلاحها تبدو أكثر إلحاحًا، حين بدا كلٌّ من الفرق والرياضيين بوصفهم ممثلين لمجتمعات Communities مختلفة، وبدأت تنشب صراعات بينها، الأمر الذي أثار مخاوف من نشوب عنف غير عقلاني واضطرابات اجتماعية. على [أننا ينبغي لنا أن نشير هنا إلى] أنه بات من الثابت أن شدة المشاعر المرتبطة بالرياضيين والفرق الرياضية التي تمثل مجتمعاتها المختلفة هي عامل رئيس في زيادة شعبية الرياضة، سواء في أشكالها غير التجارية، أم التي باتت تصبح تجارية Commercialized أكثر فأكثر؛ الأمر الذي دائمًا ما يرعب أولئك الذين يروّجون للرياضة "المتحضرة." لكن، حين بدأ الرياضيون والفرق [الرياضية] في المشاركة في مسابقات دولية، كشفت المسابقات والأبطال الرياضيون عن روابط رمزية قوية ناتجة من الطموحات القومية والاستعمارية التي كانت منتعشة آنئذٍ. وقد عزّز هذا الأمر شرعية تلك الفرق والرياضيين. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، أثّر في المنافسات الرياضية، كما "المعارض الدولية"11، التوتر بين نقيضين: الأحلام الليبرالية الحداثية التي تتضمنها النزعة الكوزموبوليتية والعالمية Internationalism من ناحية، والطموحات المتسارعة للدول القومية مفردة من ناحية أخرى12، ليستغل الزعماء السلطويون الذين يسلكون سلوكًا شعبويًا، منذ مطلع القرن العشرين، أمثال موسوليني وهتلر، الجانب القومي من هذا التوتر، في سبيل أجندات معادية للديمقراطية، وإمبريالية وعنصرية.
ادّعاء جعل الشعب/ الأمة عظيمة (من جديد:) موسوليني وترامب
كتب غرامشي في سجنه الذي وضعه موسوليني فيه في عشرينيات القرن الماضي، دفاتر السجن، أنَّ صبَّ أي مجموعة من التحالفات السياسية والاقتصادية والثقافية في بوتقة "كتلة تاريخية" من السلطة، يتطلّب مناشدات الموافقة الشعبية13. وقد كانت الهيمنة Hegemony تعبيرًا عن قدرة تحالف القوى المشكّلة للكتلة، من طبقات اجتماعية وأحزاب سياسية وجماعات داعمة أخرى، على تشكيل مجموعة متماسكة من الأفكار ووجهات النظر والأجندات الأيديولوجية، وتحويلها إلى "حس مشترك" ظاهر. وهذا يتطلب كادرًا من المثقفين (من مؤلفين وصحافيين وشعراء وأكاديميين وموسيقيين وفنانين) الذين يعملون، بوعي أو من دونه، على تعزيز النظام الاجتماعي والثقافي والسياسي المسيطر وتطبيعه Naturalize، مثلما يتطلب حضور مؤسسات الدولة القهرية، مثل المحاكم والشرطة والجيش، للجم المقاومة ومواجهة أي انهيار [محتمل] في التشكيل المهيمن. بالنسبة إلى غرامشي، قد تنطوي الهيمنة على صراع على الحس المشترك والقبول Consent [العام]، لكنه كان يدرك - أيضًا - أنها "تتسلح بالإكراه"14. ولذلك، لا تنفصل المعركةُ الثقافية على تحديد "الشعب" وتمثيله عن التحكم بدعائم السلطة الاقتصادية وسلطة الدولة، ومنها المحاكم والشرطة والجيش. ولعل اعتقال غرامشي في عام 1926، وسجن موسوليني له في ما بعد، هو دليل واضح على هذه النقطة. رأى العديد من القادة الشيوعيين في أوروبا، في أوائل القرن العشرين، بمن فيهم لينين وغرامشي، في النضال من أجل بناء مفاهيم جديدة عن "الشعب" و"الإرادة القومية" الجديدة المناهضة للرأسمالية، قضيةً لها أهمية قصوى. وقد كانت الحرب العالمية الأولى منعطفًا تاريخيًا كبيرًا، تلاقت فيه خطوط عدة Conjuncture، حيث أقوى الإمبراطوريات في أوروبا القرن التاسع عشر، قد دُمّرت أو تآكلت، ولم تكن معالم الشكل المستقبليي للتنظيم الاجتماعي المفضل قد اتضحت بعد، فكانت النتيجة، بحسب غرامشي15، "أزمة عضوية"، أفضى توازنُ القوى المتصارعة فيها إلى أن "يحتضر القديم، ولم يقوَ الجديد على الولادة بعد"، بتعبير غرامشي الذي خلص إلى أنه "في فترة فراغ الزعامة Interregnum تظهر مجموعة كبيرة ومنوعة من الأعراض المرضية." ومَن وصل إلى الحكم في إيطاليا بعد الحرب ليس غرامشي، بل موسوليني الذي عدّه الاشتراكيون، بداية، أحد "الأعراض المرضية" التي تنبأ بها غرامشي، غير أنه نجح لاحقًا في أن يكون دكتاتورًا سلطويًا فاشيًا. وبعد تأسيس الحزب الفاشي الإيطالي في عام 1919، بنى موسوليني قاعدة لسلطته من خلال برنامج قائم على العنف والبروباغاندا التي تهدف إلى [تعزيز] التحدي الذي يدّعيه عن ضعف الديمقراطية ومخاطر البلشفية16. وبداية، انقسمت Splintered المجموعات الحضرية والريفية على الفاشية الإيطالية، لكن، وجد الفاشيون - في عهد موسوليني – قضية Cause مشتركة تساعدهم في إنتاج خطاب يستغل حالة اللايقين Uncertainty، الاقتصادية والسياسية والثقافية [التي كانت سائدة] في ذلك الوقت.
ومن ثم، كانت الفاشية ناجحة، ولا سيما في ربط Articulating أجندتها السياسية بخطابات أيديولوجية قديمة وهويات وجدانية مرتبطة بالرؤى الكاثوليكية المحافظة عن العائلة البطريركية والحنين النوستالجي للسلطة العظمى التي شكّلتها الإمبراطورية الرومانية. من هنا، اقترح موسوليني الفاشيةَ نوعًا جديدًا من الروحانية القائمة على الإخلاص للدولة التي سيكون في إمكانها إنقاذ "الشعب" من الأفكار والقيم والآراء السياسية الخاطئة، ومن ثم تشكيل وحدة متماسكة جديدة. تسلّط سيمونيتا فلاسكا-زامبوني17 الضوء على الكيفية التي أكد فيها الخطاب الأيديولوجي الفاشي الإيطالي القوة أكثر من التسوية الديمقراطية، والوحدة بدلً من الاختلاف، واليقين بدلً من اللايقين، هذا فضلً عن أهمية وجود زعيم ذكوري قوي قادر على بث الحيوية والأمل في إيطاليا. ثقافيًا، نهلت الفاشيةُ من الحركات الحداثوية في ذلك الوقت، كالمستقبلية، كي تروّج لحداثوية Modernism الفعل والتجديد والحيوية والسرعة والقوة، في مقابل المشاريع الاجتماعية الحداثوية التي تشدد على العقلانية والتهذيب، أو التحسن الفردي18. وقد كان موسوليني قادرًا، بنجاح، على دمج مثل هذه الأفكار بالزعامة السياسية، عبر مخاطبة المصالح الطبقية القائمة، في الوقت نفسه الذي يظهر بمظهر الأب البطريركي للأمة. وفي الحقيقة، كان مفهومه الأيديولوجي محدودًا، وكان تصوّره عن الأمة معاديًا للديمقراطية Anti-democratic، ومبنيًّا على تمجيد قيم الأسرة والوطن، ولذلك كان يهاجم Fulminating "الخونة" و"الراديكاليين" و"الغرباء." استنادًا إلى نظريات سيكولوجيا الجماهير التي ظهرت أواخر القرن التاسع عشر على يد غوستاف لوبون، الذي كتب عن الحالة الفرنسية، رفض موسوليني المفهومَ الديمقراطي الإيجابي ل "الشعب" لمصلحة وجهة نظر أكثر سلبية عن "الجماهير" التي عدّها مادة Materials يستطيع "تشكيلها" كما يفعل الفنان، يقول: "لا أشعر بأنني واحد من الجماهير إلّ حين تكون في يدي [أو تحت سيطرتي"]19. ومع ذلك، من خلال رؤيته لنفسه بأنه فنان يشكّل الجماهير، رفع موسوليني نفسه فوق الجماهير Multitude الإيطالية، ليُظهر "رجلُ الشعب" بهذه الطريقة بغضَ ه لهم. وهذا يرتبط، جزئيًا، برؤيته بشأن عمق تفشّ الاشتراكية والبلشفية والأحلام "الزائفة" بالمساواة والديمقراطية، في إيطاليا بعد الحرب، فضلً عن تأثره بادّعاءات لوبون عن لاعقلانية الحشود وطبيعتها الأنثوية Feminine المزعومة، الأمر الذي حاجّت به فلاسكا-زامبوني20، مبينة أن النظر إلى الجماهير Multitude بأنها روحيًا أنثى، إنما "يُضفي الشرعية على الدور التوجيهي" لزعيم سياسي رجل أبوي، يشبه الأب الذي يقود أسرة ويوجّهها ويحدّ من تجاوزات أبنائه وأخطائهم. وقد نظر موسوليني إلى الديمقراطية الليبرالية بوصفها واحدة من هذه الأخطاء، فهي مترددة، استرضائية، ضعيفة، في مقابل الطابع "الرجولي" القوي والهجومي والشجاع للدولة الفاشية التي تشدّد على الفعل والرجولة البطريركية والروحانية السياسية المؤثرة، فهي تروّج لكل ذلك وتسعى لمأسسته، عبر الحرب، وعلى نحوٍ مشهدي. في ما يخص المأسسة المشهدية، جعلت التجمعاتُ والاحتفالات الجماهيرية السياسية والأحداثُ الرياضية موسوليني يتبنّى فكرة إبراز السياسة من خلال الجماليات Politics Aestheticising، فإذا لم تكن الجماهير عقلانية بطبيعتها، فإنها "في حاجة إلى أن تُحكم، بالحماسة Enthusiasmأكثر مما بالمصالح البراغماتية. هناك جانب روحاني Mystical، ينبغي أن يؤخذ في الحسبان"، على نحو ما يقول موسوليني21 الذي عمل على جعل الرياضة جذّابة، لأنه كان يعتقد أنها تُضفي طابعًا دراميًا على قيم القوة والسرعة والعمل، وهي قيم كان يراها أساسية في الرؤية الفاشية للعالم، هذا فضلً عمّ يمكن أن تقدّمه الرياضة من جمع للأمة في مشروع مفرد، والإعداد للحرب والتدريب الجسدي في سبيل ذلك، وإظهار قوة الفاشية ونجاحها إلى الخارج22. وهكذا، اعتمد مشروع الفاشية لإضفاء الجماليات على السياسة Aestheticisation of Politics على دمج Incorporation تنظيمي لكامل مجالات المجتمع المدني والثقافة في أجهزة الدولة. فعلى سبيل المثال، بعد الحرب العالمية الأولى، حُلّت فرق كرة القدم الإيطالية التي كانت تربطها صلات قوية بالتنظيمات الاشتراكية أو الدينية، وعُيّ ممثلون عن الحكومة "ليكونوا مسؤولين عن الأندية المهمة أو تلك الأكثر عنادًا. ومن ثم، اختفى الاحتراف في الرياضة تحت دعم الدولة، وغُلّفت ممارسة اللعب فعليًا [في الرياضة] بخطاب 'القومية
الفائقة' "Super-nationalism23. وقد عمل الفاشيون (وهذا هو الأهم) على أن يكون ثمة تطابق بين هذه المبادرات التنظيمية، من جهة، والترويج للأساطير والتصوير الجمالي الذي يهدف إلى توفير تجارب عاطفية مكثفة، من جهة أخرى. وهكذا، أصبحت الجماهير الإيطالية، في الوقت نفسه، "جزءًا من المشهدية الفاشية"24. وهي النقطة التي أثار نظيرًا لها فالتر بنيامين25 عن حالة النازية في ألمانيا؛ إذ رأى (وقد اشتهر تصوّر بنيامين هذا على نطاق واسع) أن المشهد الفاشي أتاح للجماهير أن تعبّ عن نفسها، على حساب الكثير من التغييرات السياسية والاقتصادية ذات الفائدة. تقدم استضافة إيطاليا لبطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 1934 مث لً مهمً على ذلك، فقد سعى نظام موسوليني، على نحو ما يشير غولدبلات26 لعرض "مجموعة من الملاعب النموذجية التي تقدم دليل Homage معماريًا على ادّعاءات الفاشية بالانتماء إلى الحضارة الرومانية وتبنيها الجماليات المستقبلية"27. وقد جرى إظهار هذه الجماليات Aestheticisation عبر ملصق البطولة الذي صممه المستقبليي البارز توماسو مارينيتي28، وطبعت الدولةُ منه 100 ألف نسخة29. وفي عمل آخر، "وُضعت الكرة في تجاور رمزي، مع شارة الحزيمة Fasces 30 المفضلة لدى النظام، على علب السجائر، أكثر من مليون مرة؛ إذ تحتكر الدولة [صناعة] التبغ"، كما احتُفل بالحدث عبر إصدار طوابع بريدية خاصة، تضم "ملاعب متلألئة وطائرات تحلّق في السماء." وفضلً عن ذلك، منح موسوليني، على نحو نرجسي، الفريقَ الفائز في البطولة كأسًا إضافيًا خاصًا، سُمّي بلقبه "كأس ديل دوتشي"31. استعمل موسوليني، عن وعي، النجاحَ الإيطالي في كرة القدم للاحتفال بالحركة الفاشية وتعزيز ارتباطه المتخيّل بالجماهير وتعزيز شرعية الحكومة الفاشية عن طريق الحس المشترك. وانسجامًا مع إيمان الفاشية الأيديولوجي ب "الفعل" وولعها بالحرب، زاد فوز إيطاليا بكأس العالم من طموحات موسوليني الإمبريالية. وفي غضون عام، حصل الغزو الإيطالي لإثيوبيا الذي لقي إدانة دولية كبرى. وبعد عامين، فاز فريق إيطاليا لكرة القدم في أولمبياد برلين في عام 1936، وسط بيئة نازية داعمة للفاشية الإيطالية. وفي بطولة كأس العالم لكرة القدم في فرنسا 1938()، أصرّ موسوليني على أن يرتدي اللاعبون قمصان سوداء، بوصفها الزي الفاشي الرسمي للفريق في هذا الحدث32، وزاد على ذلك أنه وجّه بأن يبدأ اللاعبون المباراة بإيماءة التحدي المنفردة المرتفعة، المقتبسة من التحيّة الفاشية العسكرية. وأكثر من ذلك، مارس موسوليني ضغوطًا هائلة على الفريق للفوز بالبطولة، وأرسل برقيةً سيئة السمعة حثّ فيها اللاعبين على "الفوز أو الموت." ومع أن هناك جدلً إن كان هذا التهديد حرفيًا أم مجازيًا، فإن الجماهير في كل الأحوال قابلت الطليان باحتجاجات مناهضة للفاشية. في الخلاصة، إذا أردنا أن نُجري بعض التعديلات على مقولة ترامب المعاصرة لتناسب موسوليني، فإن ما كان يحاوله الأخير، بحسب ما يدّعي، هو "جعل إيطاليا عظيمة مرة أخرى"، من خلال النزعة الدولتية Statism، والحرب، وكرة القدم. على الرغم من وجود فارق في الزمان والجغرافيا، بين موسوليني وترامب، يجعل من المضلل الإفراط في إيجاد أوجه الشبه في خطاباتهما السياسية، بما في ذلك استخدامهما الرياضة لأغراض أيديولوجية، فإن هناك أوجه تشابه تاريخية مهمةً بين الرجلين. وقد يكون أحد أسباب ذلك أن حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى تشبه ما يعيشه الغرب الليبرالي الرأسمالي حاليًا، في كون الزمنين زمنَي عدم يقين. فبعد انهيار الشيوعية السوفياتية في عام 1991، كانت هناك فترة تقدر ب -10 15 عامًا مليئة بإعلانات "نهاية التاريخ" والتقدم الاجتماعي وحتمية عولمة الرأسمالية النيوليبرالية. ترى Inevitability[الفيلسوفة الأميركية] نانسي فريزر33 أن هذا العصر شهد مفارقة؛ إذ ارتبطت التطورات ذات الطابع التقدمي Progressive Advances بالتفاوت الاقتصادي المتنامي. ومثال ذلك أن قطاعات "الشعب" التي كانت
مهمشة، كجماعات النسوية والمثليين LGBTQ+، قاتلت من أجل أن يجري دمجها Inclusion وتحوز الشرعية. وتحاجّ فريزر بأنه في خلال تسعينيات القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، أصبحت "النيوليبرالية التقدمية" Neoliberalism Progressive دعامة أيديولوجية مهمة في السياسة الغربية والرأسمالية العالمية. مع ذلك، خلال العقد الأول من الألفية الثانية، واجهت الديمقراطيات الرأسمالية الليبرالية أزمة عضوية جديدة غصّت بالاضطرابات الاجتماعية والتصادمات الأيديولوجية. ومما لا شك فيه أن الحروب والثورات في أفريقيا وأوروبا الشرقية، وكذلك في الشرق الأوسط، فضلً عن موجة الهجمات الإرهابية التي ضربت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، أدّت إلى تدخلّات مسلحة في الكويت والصومال ويوغوسلافيا السابقة وأفغانستان والعراق وليبيا وسورية. وقد اضطر ملايين الناس، هربًا من الموت والدمار الواسع والفوضى الاقتصادية والسياسية، إلى طلب اللجوء إلى أوروبا والأميركتين. أما في أماكن أخرى، مثل أميركا اللاتينية، فقد أضاف الاضطراب السياسي والعنف المستشري والفقر أعدادًا أخرى من طلبات الهجرة واللجوء إلى الولايات المتحدة بصفة كبيرة. في حين أفضت الأنظمة الضريبية المنخفضة وبرامج التقشف التي اعتمدتها الحكومات النيوليبرالية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008 ونموّ الأوليغارشية الرأسمالية الحرة في أوروبا الشرقية، أفضت جميعها إلى توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ ما دفع كثيرين إلى التشكيك في قيمة الديمقراطية الرأسمالية الليبرالية. كأن كل هذا لم يكن كافيًا، فصار انتشار التقنيات الدولية من خلال اتفاقيات التجارة الدولية والمنظمات، مثل الاتحاد الأوروبي، يفرض تحديات جديدة على مكامن قوة المؤسسات الوطنية المستقلة. ومن المفارقات حدوث ذلك كله في الوقت الذي كان التهديد العالمي لتغيّ المناخ يخلق ضغوطًا أكبر لإيجاد حلول دولية. وعلاوة على ذلك، أدّى إلغاء القيود الليبرالية الجديدة على صناعة الإعلام وانتشار التقنيات الرقمية والموجة الجديدة من تركيز الشركات عليها في أوائل القرن الحادي والعشرين، إلى إعادة تشكيل أنظمة الإعلام الغربية جذريًّا، فانتشرت منصّات الكيبل الإخبارية التجارية غير المنظمة التي تلبي وجهات النظر السياسية المتخصصة، فضلً عن المنصات الرقمية الجديدة، مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، إضافة إلى مواقع مشاركة الآراء، مثل راديت و القناة و 4 القناة 8 وما خلقته من عاصفة تنافسية حقيقية، على الرغم من عدم صحة المعلومات والروايات الإخبارية فيها وانتشار نظريات المؤامرة والخداع. في هذا السياق الجديد، تذكّرت فريزر34 تعليق غرامشي بعد الحرب العالمية الأولى: "القديم يحتضر، والجديد لا يقوى على الولادة"، وهو السياق نفسه الذي على المرء أن يضع فيه مناقشة الحركات السياسية الشعبوية الأخيرة، مثل السترات الصفر في فرنسا، فضلً عن النجاحات السياسية للحركات السياسية اليمينية التي نصّبت نفسها شعبوية في أوروبا والأميركتين، والتي تلعب على مشاعر انتشار الخوف وعدم الثقة. وفي حين أن هناك اختلافات مهمةً بين هذه الحركات في أوروبا والولايات المتحدة، فإن رئاسة ترامب قد استفادت بلا شك من بعض هذه المشاعر35. لا يمكن ترامب، الرأسمالي البلوتوقراطي Plutocrat 36، الذي يتحدر من عائلة ثرية، أن يكون موسوليني القرن الحادي والعشرين، فالأخير أبعدَ نفسَه عن أصوله التي تعود إلى الطبقة العاملة، وعن نشاطه الاشتراكي أبان الشباب، ليصبح في ما بعد دكتاتورًا فاشيًا. ولا يبدو أن ترامب يسترشد بفلسفة سياسية متّسقة أو رؤية استراتيجية واضحة، أكثر من كونه يتصرف انطلاقًا من غرور وحوافز مبنية على ردات أفعال، بسبب ما يتصوّره من تهديدات شخصية، أو ما يتخيّله أنصاره الأساسيون، وما يتوقعونه منه. لقد كانت إيطاليا في نهاية الحرب العالمية الأولى ديمقراطية هشّة وجديدة نسبيًا، تمكّن موسوليني من تقويضها على نحوٍ فعال من خلال مزيج من العنف المنظم والدعاية المناهضة للشيوعية والوعد بالتجديد الثقافي. أما الولايات المتحدة في المقابل، على الرغم من عدم مثاليتها، فإنها جمهورية دستورية ديمقراطية فاعلة لأكثر من قرنين من الزمان. وهنا، ينبغي القول إن ترامب خسر التصويت الشعبي في انتخابات عام 2016، لكن، يشيع أن انتخابه هو نتاج عوامل متعددة من التدخلات الأجنبية في الانتخابات على وسائل التواصل الاجتماعي، فضلً عن [عوامل] عدم المساواة بين المناطق الحضرية والريفية في المجمع الانتخابي الأميركي. ولهذه الأسباب، يبدو انتخاب ترامب نتاجًا للحضور العميق والمستمر للانقسام السياسي في الولايات المتحدة، حتى داخل الطبقة الحاكمة37، أكثر من كونه يمينًا راديكاليًا موحّدًا صاعدًا. مع ذلك، فإن جدالات ترامب العنصرية ضد المهاجرين ومعاداة العالم، والتدخلات الحزبية في نظام العدالة، و"موتيفات" "لنجعل
أميركا عظيمة"، تذكّرنا بقوة بمبادئ موسوليني الفاشية؛ ذلك أن كليهما نرجسي، وهما شخصيتان بسمات بطريركية تاريخية، تتبنّى أجندات عنصرية وأخرى معادية للمرأة، وأن لكليهما خلفيات إعلامية، فقد عمل موسوليني في الصحافة، وعمل ترامب في تلفزيون الواقع؛ وذلك ما ساعدهما في فهم قوة السياسة الوجدانية القائمة على الانتماء والهوية. ولا مندوحة أن تبنّى كلاهما نهجًا قياديًا مبنيًا على الولاء الشخصيي وازدراء المؤسسات الديمقراطية، ويتخيّل كلاهما الحياة السياسية على أنها صراع بين "الوطنيين" الموالين "الأقوياء"، و"الضعفاء" و"الخونة" غير المخلصين. وكذلك، أظهرا ازدراءً للفصل بين السلطات في الحكومة وفي سيادة القانون. ويشك كلاهما في الصحافة المستقلة أيضًا، وفي التدفق الحر للأفكار والآراء، غير أن موسوليني عمل على فرض الرقابة السياسية ودولنة وسائل الإعلام الإيطالية، بينما انتقد ترامب مرارًا "وسائل الإعلام الإخبارية المزيّفة"، ووسمها بأنها "معادية للشعب." وبذلك بنى كل من موسوليني وترامب قواعد قوة قائمة على تعبئة الخوف وعدم اليقين والسخرية، بغية الترويج لأجندات استبدادية وعنصرية ومعادية للعالمية. وفي سبيل تحقيق ذلك، تبنّى كلاهما تعريفات ضيّقة لمن يعتبر "الشعب" وانتقدا المهاجرين والاشتراكيين المزعومين، وأي شخص آخر يختلف مع فهمهما المفضّ ل عن الأمة. وأخيرًا، استخدم الزعيمان الرياضة لإضفاء الشرعية على مفاهيمهما الرجعية المعادية للديمقراطية عن "الشعب" جزءًا من رؤيتهما السياسية. مع ذلك، لم يكن ترامب قادرًا على تجميل السياسة كما فعل موسوليني. ذلك أن الرياضة في الولايات المتحدة ترتبط بوشائج وثيقة مع المجتمع المدني، أكثر من ارتباطها بالدولة. والدليل توافر المراجع السياسية بالفعل في كل مكان، أمثال عزف النشيد الوطني قبل المباريات، وكذلك الأعلام المنتشرة في كل مكان، والرموز العسكرية الأخرى للتضحية والتفاني من أجل الأمة. فقد ركّزت تدخلات ترامب على الادّعاءات ب "الدفاع" عن رموز الأمة ضد الأفعال "غير الوطنية" المزعومة وضد الرياضيين. ربما تكون هجماته على الاحتجاجات المناهضة للعنصرية التي قام بها كولين كايبرنيك وغيره من اللاعبين السود الذين ركعوا (تذكيرًا بمقتل فلويد) خلال مراسم افتتاح الألعاب. من خلال مهاجمة الرياضيين السود باعتبارهم غير وطنيين وناكري جميل، يرسم ترامب الخطوط العريضة للحدود السياسية الشعبوية اليمينية من خلال تعزيز المفهوم العنصري عن "الشعب." وإن تصويره المحتجب بالرقة لاحتجاجات الرياضيين السود ضد العنصرية وعنف الشرطة على أنها غير شرعية، لا يقلل من غضبهم من الظلم العنصري البشع فحسب، بل يُعزّز في الوقت نفسه خطابات الخوف من البيض، وردات الفعل العنيفة والاستياء من تلك الخطابات التي جرى الترويج لها علنيًّا وإعادة تدويرها عبر الإنترنت و قناة فوكس نيوز. فإعطاء الرياضيين السود دور الأوغاد في الدراما الشعبوية التي تتضمن مزاعم عن كونهم "ممتنين" و"غير ممتنين"، و"أخيارًا" و"أشرارًا"، يؤطر أجسادهم بروح قوانين جيم كرو38 في الدفاع عن تفوّق البيض39. لقد عزز الطابع الرأسمالي للأنظمة الرياضية والإعلامية الأميركية هذه الاتجاهات وقوّضها جزئيًا في الوقت نفسه. ولعلّ أتفق مع ديف زيرين40 في مجادلته بأن مالكي فرق الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية NFL() قد تآمروا على حرمان كولين كايبرنيك41 من العمل بعد أن شوّه ترامب والمعلقون الإعلاميون اليمينيون سمعته، وتجاهلوه مرارًا وتكرارًا، بينما كانت الفرق توقع بانتظام مع لاعبين وسط أدنى منه موهبة. ويتشدّق مالكو اتحاد كرة القدم الأميركي بفكرة أن للاعبين الحق في الاحتجاج، لكن ليس من المستغرب الوقوف إلى جانب الرئيس، بدعوى لزوم الدفاع عن "الوطنية"، فضلً عن الخوف من خسارة التصنيفات والرعاة. ومع ذلك، يمكن الأسواق في بعض الأحيان أن تتصرف بطرائق متناقضة، فسرعان ما وقّعت معه شركة "نايكي" على صفقة رعاية ناجحة، بهدف الاستفادة من صورته بوصفه متمردًا أصيلً. في مكان آخر، بنت الرابطة الوطنية لكرة السلة NBA() "موتيفات" "اليقظة" في تسويقها، في تناقض أكثر وضوحًا من اتحاد كرة السلة الأميركي بشأن احتجاجات الرياضيين السود. لكن ترامب أظهر القليل من التسامح مع احتجاجات لاعبي كرة السلة السود. فعلى سبيل المثال، حينما اقترح ستيفن كاري وعدد قليل من زملائه في فريق غولدن ستايت ووريورز أنهم لن يحضروا دعوة إلى البيت الأبيض للاحتفال ببطولة الدوري، لجأ ترامب إلى تويتر "لإلغاء دعوة" الفريق علنًا. واعترض عبر تويتر على التعليقات السياسية الانتقادية التي أدلت بها نجمة فريق كرة القدم الوطني للسيدات في الولايات المتحدة، ميغان رابينو التي ظهرت خلال كأس العالم للسيدات في عام 2019 واحدةً من أكثر المنتقدين الرياضيين لترامب، الذين نوقشوا على نطاق واسع. ويبدو أن الدوري الأميركي لكرة القدم)MLS(
قد تأثر بنقد ترامب للاحتجاجات عن طريق الرياضة، فأصدر حظرًا على العروض السياسية في الملاعب. ومع ذلك، وعند تطبيق هذا الأمر على استخدام مشجعي سياتل وبورتلاند للرمز السياسي "الجبهة الحديدية"42 المناهض للفاشية في المدرجات، أجبرت عدة أسابيعُ من الاحتجاج الاتحادَ على التراجع عن قراره43.
الخلاصة
قد ينتهي الأمر بترامب، مع غرق رئاسته في الجدل، إلى أن يُعَدّ "عَرَضًا مرضيًا" قصير الأجل للأزمة الحالية. ومع ذلك، فهو يُظهر باستمرار قدرته على كسب التأييد، فحصل على أصوات أكثر من 40 في المئة من الناخبين الأميركيين [في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2021.] وعلى الرغم من فشله في الفوز بإعادة انتخابه، فإن فترة رئاسته أضافت شرعية جديدة إلى التيارات الخفية للعنصرية والاستبداد والقومية المفرطة والانعزالية في السياسة الأميركية. وبالإشارة إلى حقبة موسوليني الفاشية في إيطاليا، يشير تيمك44 إلى الترامبية بوصفها "القيصرية الأميركية"؛ إذ يتماشى انجراف الولايات المتحدة إلى أقصى اليمين السياسي بالقدر نفسه مع الاتجاهات الشعبوية في أوروبا وأجزاء من أميركا الجنوبية التي فقدت ثقتها، وعلى نطاق واسع، في المؤسسات القائمة، وأدّى كذلك إلى نموّ الفصائل السياسية الرجعية التي تثير مخاوف من الهجرة الخارجة عن السيطرة. وبذلك، يتزايد الجانب العنصري القبيح لمثل هذه المخاوف، ويتجلّ في تخندق نزعة كره الأجانب وظهور استعارات النازيين الجدد حول التهديدات المتخيلة ل "اليهود" و"الحكومة العالمية"، وتتجلّ أخيرًا ب "استبدال" الثقافات الأوروبية البيضاء بحشود من غير البيض. لا غروّ في أن تنغمس الرياضة حتمً في هذا الانجراف الدولي نحو اليمين السياسي، وكذلك في ردات الأفعال الانتقادية تجاهه. وإلى جانب استخدام ترامب الرياضة لخوض معاركه الأيديولوجية، تتجلّ هناك أمثلة أكثر وضوحًا في عوامل الجذب العميقة التي تتمتع بها الملاعب والفعاليات الرياضية للترويج لسياسات رجال أقوياء مناهضين للديمقراطية، أمثال فيكتور أوربان في المجر، وفلاديمير بوتين في روسيا، وجاير بولسونارو في البرازيل. وعلى الخط ذاته، تتصاعد الهتافات العنصرية في ملاعب كرة القدم في العديد من الدول الأوروبية، وتكثر العروض للرموز الفاشية في بعض الملاعب، بينما لا تتمكّن الاتحادات الوطنية، أو الفيفا، من القضاء على أي من الحالتين، أو لا ترغب في ذلك. وعلى غرار إيطاليا الفاشية أو ألمانيا النازية في القرن العشرين، تُعدّ الملاعب والفعاليات والحلبات الرياضية اليوم مواقع بارزة لترسيخ الخطابات الأيديولوجية بمنحاها العنصري والقومي المفرط وشكلها البطريركي، بينما توفّر أحيانًا أماكن يمكن من يشعر فيها بالحاجة إلى الدفاع عن المساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية أن يتحدّى هذه الخطابات. من خلال تصوير التوتر الرئيس في عصرنا على أنه استياء من النخب، يوجّه مفهوم الشعبوية الانتباه إلى أهمية مثل هذه الصراعات السياسية المصطنعة و"الجبهات" التي قد تخلقها. لكن مفهوم الشعبوية وحده لا يمكن أن يأخذ في الحسبان تعقيد مثل هذه الصراعات ولا جبهاتها حتى. فعلى سبيل المثال تفتقر الشعبوية إلى حد بعيد إلى التفريق بين المجموعات التي تشترك في انتقادات الخبراء والنخب، في الوقت الذي تطرح مطالب غاية في الاختلاف، من قبيل أصحاب نظرية لاكروية الأرض، ومناهضي التطعيم، ومنكري تغير المناخ، أو "مشجعي" كرة القدم الفاشية. والأهم من ذلك، لا يوفر مفهوم الشعبوية نظرة فاحصة كافية بشأن كيفية وسبب نجاح بعض القادة الشعبويين، وليس القادة الآخرين، بربط المفاهيم الضيقة عن "الشعب" بمجموعة أوسع من الخطابات الأيديولوجية التي تُضفي الشرعية على الاستبداد وكراهية النساء، وتعزز العنصرية والأوليغارشية الرأسمالية. مع وضع هذا في الحسبان، ركّزتُ في هذا الدراسة على كيفية تداخل المفاهيم الموحدة ل "الشعب" و"الرياضة" وعلى نحوٍ دائم مع الصراعات الأوسع حول الأيديولوجيا والهيمنة، بما في ذلك تخصيص الحقوق والموارد والاعتراف والاندماج والمشاركة الديمقراطية؛ إذ تقدم المقارنات بين تدخلات موسوليني وترامب في الرياضة لمحة عن بعض هذه الروابط والصراعات المستمرة، بينما يراد في الوقت الحالي دفاعٌ مستميتٌ أكثر من أي وقت مضى عن فكرة عدم تمثيل الرياضة تمثيلً حقيقيًا للثقافة الوطنية بأكملها في المجتمعات الرأسمالية الليبرالية، فضلً عن أي مفهوم "للإرادة الوطنية." وعلى العكس من ذلك، فإن أي تصور ديمقراطي كامل للرياضة سوف يؤكد بالضرورة التنوّع والاختلاف على الضدّ من البعد الواحد والانغلاق. فبات من الأدق الاعتراف بأن الرياضة، والثقافات الشعبية الوطنية على نطاق أوسع، هي التضاريس التي غالبًا ما تناضل فيها الجذاذات المسيَّسة من "الشعب" من أجل نيل الاحترام والاعتراف والشرعية السياسية، في الوقت الذي تقاوم قوى الهيمنة هذه النضالات. لكن يتطلّب الاعتراف بهذه النقطة الانتباه بشأن التلاعب المتعمد بالتجريدات من حيث خلط الإرادة الشعبية المتخيلة مع مصالح أي زعيم سياسي
واحد وارتباطاته بالدولة القومية. وتزدهر كما أشار العديد من المعلقين45، إضافة إلى طروحاتي بهذا الصدد، الأجندات الرجعية المحافظة، وتنمو من خلال الحروب الثقافية وبطرائق عادة ما تصرف الانتباه عن اللامساواة المادية وتحيد النظر عن موضوعة الظلم. لهذا السبب، يتطلّب تحليل الاشتباكات الشعبوية حول الهويات والرموز اليوم تركيزًا متجددًا على الديناميات المتغيرة للحشود في الحياة الرأسمالية الليبرالية، وكيف مُورِس الضغط على القوى الاقتصادية والسياسية للدفاع عن الأوليغارشية الاستبدادية والرأسمالية. وتشمل الأمثلة على نحو مختلف التقشف الحكومي غير المتكافئ، وإلغاء تنظيم الشركات وقمع الناخبين والتلاعب السياسي والهجمات على الفصل الديمقراطي للسلطات الحكومية والاعتداء الواسع على الصحافة المستقلة. فعلى مدى نصف القرن الماضي، عملت القوى الرجعية في الغرب باجتهاد على تشكيل بنية تحتية في وسائل الإعلام، وفي الحكومة والمحاكم كذلك، بغية تعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية، وبهدف جعلها حسًّا عامًا وإضفاء الطابع القانوي عليها. وأدّت مراكز البحوث اليمينية المموّلة من الأثرياء ومجموعات المناصرة وجماعات الضغط، وعمليات الاستيلاء المحافظ على وسائل الإعلام البارزة، أدوارًا مهمة في التشكيل والحدّ من المنتديات التي يجري من خلالها تعزيز الهويات الخاصة والتعبير عن المطالب. ختامًا، لطالما كان الوعد السياسي للشعبوية هو التعبير عن مفهوم تحرري عن "الشعب" في مواجهة نزوات ملّ ك الأراضي الأثرياء والشركات العملاقة والأوليغارشية والممولين والأوتوقراطيين، وبعبارة أخرى، في تصور بديل يرفل بالاحتواء والعدالة، بدلً من الطريقة التي تسير بها الأمور. أما الآن، فيتكرر استيلاء الوعد هذا، ومن ثم تشويهه من الأوتوقراطيين الذين نصّبوا أنفسهم شعبويين على مدى القرن الماضي، وبطرائق باتت تشكل تحديات جديدة للحياة والثقافة الديمقراطية المعاصرة، بما في ذلك الرياضة. ووفقًا لذلك، يخالجني الشعور بأن أحد الأسئلة الأكثر إلحاحًا في سياسات الرياضة، في أوائل هذا القرن، هو: أيكون الدفاع عن الرأسمالية النيوليبرالية التقدمية كافيًا لوقف تقدم الشعبوية الاستبدادية المتجددة والفاشية الجديدة والقيصرية، أم أن هذا الأمر يتطلب إعادة تصور أكثر ديمقراطية للرياضة و"الشعب" في إطار محاولة بناء حس عام مناهض للرأسمالية يتميز بالتقدمية والجدّة؟
المراجع
Andrews, D. L. Making Sport Great Again: The Uber- Sport Assemblage, Neoliberalism and the Trump Conjuncture. New York: Palgrave Macmillan, 2019. Arendt, H. (ed.). Illuminations: Essays and Reflections. Harry Zohn (trans. from German). New York: Schocken Books, 1968. Bennett, T., C. Mercer & J. Woollacott (eds.). Popular Culture and Social Relations. Milton Keynes: Open University Press, 1986. Bourdieu, P. "Sport and Social Class." Social Science Information. vol. 17, no. 6 (1978). Conniff, M. Populism in Latin America. Tuscaloosa, AB: The University of Alabama Press, 1999. Connor, S. "Sporting Modernism." An Expanded Version of a Talk. Centre for Modernist Studies. University of Sussex. 14/1/2009. at: https://bit.ly/3YiriCY Falasca-Zamponi, S. Fascist Spectacle: The Aesthetics of Power in Mussolini's Italy. Berkeley and Los Angeles, CA: University of California Press, 1997. Formisano, R. P. For the People: American Populist Movements from the Revolution to the 1850s. Chapel Hill, NC: University of North Carolina Press, 2008. Fraser, N. The Old is Dying and the New Cannot be Born: From Progressive Neoliberalism to Trump and Beyond. London: Verso, 2019. Geiselberger, H. (ed.). The Great Regression. Cambridge: Polity Press, 2017. Goldblatt, D. The Ball is Round. New York: Riverhead Books, 2008. Gramsci, A. Selections from the Prison Notebooks. G. N. Smith & Q. Hoare (trans. from Italian). New York: International Publishers, 1971. Gruneau, R. Sport and Modernity. Cambridge: Polity Press, 2017.
Hall, S. "The Great Moving Right Show." Marxism Today. vol. 23, no. 1 (1979). Kellner, D. American Nightmare: Donald Trump, Media Spectacle and Authoritarian Populism. Rotterdam: Sense Publishers, 2016. Laclau, E. Politics and Ideology in Marxist Theory: Capitalism, Fascism, Populism. London: New Left Books, 1979.. On Populist Reason. London: Verso, 2007. Laycock, D. Populism and Democratic Thought in the Canadian Prairies, 1910-1945. Toronto: University of Toronto Press, 1990. Macpherson, C. B. The Real World of Democracy. 2 nd ed. Toronto: House of Anansi Press, 1992. Martin, S. "World Cup Stunning Moments: Mussolini's Blackshirts' 1938 Win." The Guardian. 5/4/2018. at: http://bit.ly/41PFer6 McMath Jr., R. C. American Populism: A Social History, 1877-1898. New York: Hill and Wang, 1993. Mosse, G. The Nationalization of the Masses. New York: Howard Fertig, 2001. Mouffe, C. For a Left Populism. London: Verso, 2018. Murray, C. "MLS lifts Iron Front ban amid fan protests over political signage Policy." Pro Soccer USA. 24/9/2019. at: https://bit.ly/3mFhaXy Mussolini, B. My Autobiography. New York: Scribner, 1928. Paxton, R. O. The Anatomy of Fascism. Harmondsworth: Penguin Books, 2015. Rancière, J. Attacks on 'Populism' Seek to Enshrine the Idea that there is no Alternative. New York; London: Verso Books, 2017. Roche, M. Mega Events and Modernity: Olympics and Expos in the Growth of Global Culture. London: Routledge, 2000. Taylor, A. Democracy may Not Exist, But We'll Miss It When it is Gone. New York: Metropolitan Books, 2019. Timcke, S. "The Civil War in the American Ruling Class." Triple C. vol. 16, no. 2 (2018). Zirin, D. "The NFL's War against Colin Kaepernick." The Nation. 8/6/2017. at: http://bit.ly/3ZpRLQb