مفارقة الدول الصغرى والعولمة من خلال حالة قطر ومونديال 2022

الجذابة؛ والسياسات والمؤسسات اللافتة للاهتمام؛ والإنجازات المادية الاستثنائية على نحوٍ ما. والأمثلة عن ذلك أكثر من أن تُحصى. وهكذا، تبدو قطر نموذجًا لسياسة القوة الناعمة، إذ تسعى إلى سد الفجوات التي تفرضها عليها القيود البنيوية، بوصفها دولة صغرى، من خلال استراتيجيات بناء القوة الناعمة؛ فهي توظف قدراتها المالية كونها مُصدِّرًا أساسيًّا للغاز، وتنخرط في عمليات الوساطة وصنع السلام الإقليميَْيْ، وتعزز حضورها الإعلامي عالميًّا، إضافةً إلى انخراطها الكثيف واستثمارها الهائل في قطاع الرياضة العالمي. وإذا تعاملنا مع قدراتها المالية مكوّنًا من مكوّنات القوة المادية، فإنّ قطر تصير على هذا النحو حالةً نموذجية، مرة أخرى، لفحص الكيفية التي يمكن أن تُستخدم بها موارد القوة المادية، على الأقل في جانبٍ منها، لتحقيق مكاسب من حيث القوة الناعمة. ويستأنس الباحثان بمثاليَن مشابهين آخرين، هما دولة الإمارات، ولا سيما إمارة دبي، في مجال السياحة العالمية، والنرويج في مجال العمل الإنساني الدولي. في هذا السياق، يقدّم الكاتبان رصدًا موسعًا لما يعدَّانه الأركان الثلاثة التي تقوم عليها استراتيجية قطر لبناء قوة ناعمة من خلال الرياضة: استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، إقليميًّا وعالميًّا (ص. 55-64)؛ وتكثيف الاستثمارات الرياضية، داخليًّا وخارجيًّا (ص. 64-69)؛ وتعزيز التميز المحليي في مجال الرياضة (ص 74-64؛)154-1511. وفي هذه القطاعات الثلاثة، يتبين كيف يتفاعل المادي والاجتماعي في صنع السياسة الخارجية. يحاجّ الكاتبان بأنّ قطر توظف الرياضة العالمية سعيًا لتحقيق هدفين أساسيَْيْ متداخليَن يعزز أحدهما الآخر، الأول ذاتي (اجتماعي) والثاني مادي. يتمثل الهدف الذاتي في زيادة وعي العالم بوجود قطر والاعتراف بها (أو أن تصير مرئية أكثر Visibility)، إضافةً إلى تعزيز حقها في الوجود بوصفها دولة مستقلة، وذات سيادة، ومتمايزة إقليميًّا، خاصة عن جارتها الطامحة إلى الهيمنة (السياسية والثقافية) على جيرانها الأصغر والأضعف، المملكة العربية السعودية. وبناءً عليه، فإنّ الأركان الثلاثة، آنفة الذكر، إنما توفر أيضًا قاعدة لما يسميه الكاتبان "تنشئة الجمهور العالمي" Global Audience Socialization، أي تعريف الجمهور العالمي وتثقيفه وتشكيل وعيه عن قطر، الدولة الصغرى، المستقلة، المتم(ا) يزة، التي لا يستغني عنها العالم. أما الهدف المادي فيتمثل في تنويع اقتصاد قطر الوطني من ناحية، وتعظيم أمنها القومي من ناحية أخرى. وليبيّ الكاتبان كيف يتداخل المادي مع الرمزي، يشيران إلى أن جعل اسم قطر يرتبط بالرياضيين ذوي السمعة العالمية ومشاهير الرياضة عمومًا، فضلً عن ارتباطه بالفعاليات الرياضية الكبرى، بما في ذلك بطولة كأس العالم لكرة القدم، الحدث الأهم عالميًّا، من شأنه أن يشيع سردية Narrative مفادها أن قطر دولة آمنة وجذابة وجديرة بالزيارة، مألوفة بفضل علاماتها التجارية الرائجة (مطار حمد الدولي والخطوط الجوية القطرية Airways Qatar، وشركة أوريدو Ooredoo، وشركة قطر للاستثمار وتطوير المشاريع القابضة QIPCO، وبنك قطر الوطني QNB، وشركة قطر للغاز QatarGas، وشبكة الجزيرة، وغيرها)، ترحّب بالآخرين، سخيّة، ولا تدخر جهدًا إذا طُلبت منها المساعدة. تقول السردية، بإيجاز، إنّ قطر، رغم كونها دولة صغرى، فاعلٌ فعَّالٌ في المجتمع الدولي. والمأمول أن تكون لهذه السردية آثارٌ مادية جزيلة على قطر، أبرزها الانتقال الاقتصادي من بلدٍ ريعي إلى مصدرٍ موثوق للاستثمارات الأجنبية وقِبلة لها.

توفر العولمة للفاعلين، من الدول ومن غير الدول، فرصًا، كما تفرض عليهم تحديات في طريقهم لبلوغ أهدافهم؛ لكن المقابلة بين تلك الفرص والتحديات، في حالة الدول الصغرى، تجعلنا نواجه مفارقة. وهي مفارقة تتجلى أكثر في حالة السعي لبناء القوة الناعمة. في ظل صعود الفاعلين غير الدول، ومع أدوات التمكين التي توفرها لهم العولمة، يشتد التنافس على موارد القوة الناعمة بين الدول والفاعلين المرتبطين بها من ناحية، والفاعلين غير الدول (خاصة شبكات الإعلام العالمية والمنظمات غير الحكومية) من ناحية أخرى (ص. 87-92)2. وتكمن المفارقة في أن اعتماد بعض الفاعلين استراتيجيات لكسب موارد القوة الناعمة يؤدي، في الوقت نفسه، بالبعض الآخر إلى فقدانها. فالسعي لاستضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، على سبيل المثال، قد يسمح للدولة المضيفة ب (إعادة) تشكيل صورة العالم عنها، لكنه في الوقت نفسه قد يوفر للفاعلين غير الدول فرصة مواتية للإضرار بسمعة تلك الدولة وصورتها (ص. 85) وفي الاتجاهين، يبني الفاعلون قنوات لما سماه جوزيف ناي "الاتصال الاستراتيجي." ولا يقتصر ذلك على الدول، كما يذهب إليه الكاتبان، رغم أنها أشد

  1. الكتاب ثريّ بالبيانات الإحصائية التي تؤيد حجج الباحثين، ولا يتسع مقام هذه المراجعة لعرضها؛ من بينها ملحق كرونولوجي مفصّل يرصد التطورات الرئيسة التي شهدتها قطر منذ حصولها على حق استضافة مونديال عام.2022
  2. حول صعود الفاعلين غير الدول، وتشتت مصادر السلطة العالمية وانتثارها بين مراكز عديدة متنافسة، ينظر: شهرزاد خيّ ومحمد حمشي، "الحوكمة العالمية والسلطة الخاصة: دروس منسية في الحوكمة العالمية زمن جائحة كورونا"، المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، المجلد 10، العدد 3 (جويلية [تموز/ يوليو] 2021)، ص 21-1؛ محمد حمشي وعادل زقاغ، "عن السياسة ما بعد الدولية: تعايش بين نظامين أم عصر وسيط جديد؟" سياسات عربية، مج 10، العدد 54، (كانون الثاني/ يناير 2022)، ص.24-7

وضوحًا في حالة الدول بفضل ما تملكه من موارد مادية في الأساس، وهو عامل يفتقر إليه في العادة الفاعلون غير الدول؛ إلا أنّ تمكُّن الفاعلين غير الدول من بلوغ أهدافهم، خاصة في حالة وسائل الإعلام العالمية والمنظمات غير الحكومية، قد لا يتطلب سوى اقتناص الفرص التي توفرها العولمة من خلال تكنولوجيات الإعلام والاتصال الجديدة المتطورة (وما ينجم عنها من تكثيف للزمكان)3. يضيف الكاتبان في تعريفهما الفاعلين غير الدول، إلى جانب شبكات الإعلام العالمية والمنظمات غير الحكومية، الأفراد من المشاهير ذوي التأثير على المستوى العالمي، مثل الفنانين، والرياضيين النجوم، والمؤثرين الناشطين في وسائط التواصل الاجتماعي، فضلً عن الناشطين عمومًا في مجالات مختلفة يكون محور الاهتمام فيها قضية من قضايا السياسة العالمية. كما يضيفان المجموعات المناهضة لثقافة معينة Groups Counterculture، مثل الخلايا الإرهابية، والحركات الدينية الجديدة، وقراصنة الإنترنت، الذين يناهضون ممارسات ثقافية معينة (غالبًا ما تكون راسخة.) والقاسم المشترك من حيث المبدأ عن الدولة" (ص بين هؤلاء أنهم "مستقلون)896، أو إنهم "لا يمثلون الدولة ولا يمتثلون لها"7. إن تباين الفاعلين غير الدول عن الدولة من حيث الموارد المادية، وسعيهم لصون استقلاليتهم المبدئية عنها، هو ما يجعلهم، في الأساس، ينافسونها على موارد القوة الناعمة. وأتصور أن نمط التنافس لدى الفاعلين غير الدول لا يتوقف عند السعي للحصول على تلك الموارد فحسب، بل إنهم غالبًا ما يتعاملون معها على أنها نادرة، ومن ثم يتعاملون مع مكاسب القوة الناعمة على أنها نسبية، بالمنطق نفسه الذي تتعامل به الدولة مع مكاسب القوة المادية بحسب تصور الواقعيين8؛ فحصول الفاعل غير الدولة على مكاسب القوة الناعمة يعني فقدان الدولة لها. ومن هنا يأتي مفهوم "تجريد [الدولة] من قوتها الناعمة" Soft Disempowerment9، الذي سكّه أحد الكاتبَْيْ، وهو بول براناغان، في عمل سابق مع باحث آخر10، تحديدًا لمناقشة حالة استضافة قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم. يشير هذا المفهوم إلى أفعال الدولة وسياساتها التي تثير حفيظة فاعلين آخرين، غالبًا من غير الدول، أو تنفرهم منها في نهاية المطاف، مما يؤدي إلى فقدانها صدقيتها وجاذبيتها لديهم. فيشرع هؤلاء الفاعلون في حملة تدقيق سلبي واسعة، ونشر معلومات وتبليغ رسائل تتحدى استراتيجيات القوة الناعمة ورسائلها، التي تتبناها الدولة، فضلً عن تشويه سمعتها وصورتها لدى الجمهور11. وهذه الأفعال المضادة، التي يسعى من خلالها الفاعلون غير الدول إلى بناء قوة ناعمة خاصة بهم، إنما تروم بالنتيجة تجريد الدولة المستهدفة من قوتها الناعمة، عبر دفع الجمهور إلى مقاومة أفعالها وسياساتها الساعية إلى جعلها جذابة لدى الجمهور. ومع ذلك، ينبغي دائمًا استحضار الدرس الذي تعلِّمنا إياه البنائية، القائل إن تفاعل الفاعلين غير الدول من تلك الأفعال والسياسات إنما يجري بناءً على تأويلها تأويلً ذاتيًّا وعلى إنتاج المعنى وإضفائه عليها (ص. 91-92)12؛ وهذه التأويلات والمعاني والفهوم تتشكل في سياقات محددة ويعاد تشكيلها باستمرار مع تغيّ السياقات. لذلك، أقترح أنه من غير الملائم الركون إليها في تقييم نتائج هذه "اللعبة التنافسية"، التي تبدو صفرية، حول موارد القوة الناعمة بين الدول والفاعلين غير الدول. الواضح، من خلال النظر عن كثب في حالة استضافة قطر مونديال 2022، أن فرص بناء القوة الناعمة لا تخلو من تحديات، تمثلت أساسًا في حملة الانتقادات لقرار منحها حق الاستضافة في حد ذاته، ثم في حملة التدقيق السلبي التي تعرضت لها قطر، والتي شملت سِجلَّها في مجال حقوق الإنسان (خاصة العمالة الأجنبية)، واتهامات بالفساد، وتشكيكًا في أهليتها باعتبارها مقصدًا للفعاليات الرياضية الكبرى. وسنعود إلى ذلك لاحقًا. ومصدر هذه التحديات، كما رأينا، هو الفاعلون غير الدول، الذين، بفعل أدوارهم في مراقبة الدولة ومقاومة (بعض) سياساتها، قد يتسببون في فقدانها (بعض) المكاسب التي تحققها على صعيد بناء قوّتها الناعمة.

  1. ينظر: Michael Barnett & Raymond Duvall, Power in Global Governance (UK: Cambridge University Press, 2005); Tim Büthe, "Governance through Private Authority? Non-State Actors in World Politics," Journal of International Affairs , vol. 57, no. 1 (2003); Joseph Nye & John D. Donahue, Governance in a Globalizing World: Visions of Governance for the 21st Century (Massachusetts:
  2. التشديد في النص الأصليي. لكنهما يشددان على أن هذه الاستقلالية هي من حيث المبدأ فحسب؛ فمع تعقيدات الممارسة، قد تنشأ أنماط من تداخل الأدوار والمصالح وآليات العمل وتقاطعها، بل حتى اعتمادها بعضها على بعض.
  3. خيّ وحمشي، ص.5
  4. عن النقاش النظري حول المكاسب النسبية والمطلقة في العلاقات الدولية، ينظر: David A. Baldwin, "Neoliberalism, Neorealism and World Politics," in: David A. Baldwin (ed.), Neorealism and Neoliberalism: The Contemporary Debate (NY: Columbia University Press, 1993). 12 يتُرجم إلى اللغة العربية في العادة ب "اللاتمكين الناعم."
  5. Brookings Institution Press, 1999); James N. Rosenau, Turbulence in World Politics (Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 1990).
  6. Paul Michael Brannagan & Richard Giulianotti, "The Soft Power–Soft Disempowerment Nexus: The Case of Qatar," International Affairs , vol. 94, no. 5 (2018), pp. 1139-1157.
  7. Ibid., p. 1152.
  8. لذلك، يحاجّ الكاتبان، ببلاغة، قائلين إن "العلاقات الدولية يمكن تصورها بوصفها لعبة 'بناء اجتماعي استراتيجي تنافسي'، حيث لا تتنافس الدول فيما بينها من أجل القوة الناعمة فحسب، بل تتنافس أيضًا مع الفاعلين غير الدول من أجل بناء أفكار وهويات وأجندات وأفعال متنافسة.[...]إن تحديد 'المنتصر'، في عصر المعلومات، لا يعتمد حصرًا على تحديد 'من سينتصر جيشه'، بل 'من ستنتصر قصته."'

يستعمل الكاتبان ما يشبه مفارقة "النعمة والنقمة"، وهو استعمال نجِز قبل افتتاح مونديال مسوَّغٌ ما دام البحث قد أ 2022. ونجدهما في كل مرة يستعملان عبارة "إلى غاية الآن"، أي إلى غاية كتابة البحث وصدور الكتاب. فجَرْد ما حققته قطر وما فقدته من مكاسب من استضافتها المونديال، وفقًا لمنطق التحليل هذا، لا يمكن أن يتم إلا بعد نهاية الحدث بمدة زمنية قد لا تكون يسيرة. وتلك مسألة على الأبحاث ذات الصلة أن تهتم بها مستقبلً. غير أن الواضح في هذه المفارقة، أيضًا، هو أن استجابة قطر لحملات التدقيق السلبي جاءت جزءًا من "الاتصال الاستراتيجي"، الذي يستعيره الكاتبان من جوزيف ناي، والذي يصب في مساعيها لبناء قوّتها الناعمة. وننتقل الآن إلى فحص هذه الاستجابة وكيف أنها تشكل استمرارية لقوة قطر الناعمة.

عقد ونيف من الانتقاد والتفلية، عقد ونيف من الإصلاح والتنمية

يسوق الكاتبان جملةً من الأمثلة عن حملات الانتقاد التي تعرضت لها قرارات سابقة بمنح دول معينة حق استضافة فعاليات رياضية كبرى، إقليمية وعالمية، ولا أرى داعيًا لإعادة سردها هنا (ص. 92)13. ما يهمنا هو الانتباه، بناءً على ما سبق، إلى أن هذه الفعاليات الرياضية، بفضل التغطية الإعلامية العالمية لها وبفضل الاهتمام الجماهيري الواسع بها، مثلما توفر للدول المضيفة فرصة توظيفها في بناء قوّتها الناعمة، فإنها توفر أيضًا للفاعلين غير الدول، خاصة المنظمات غير الحكومية وشبكات الإعلام العالمية والناشطين المؤثرين، فرصةً (وربما الفرصة الأبرز) لأداء دورها الذي تنوطه بنفسها، أي مراقبة الدولة وسياساتها وأفعالها والتدقيق فيها، والصدح بمصالح المتضررين منها وحقوقهم. وتتباين القضايا التي يثيرها هؤلاء باختلاف الدول المستضيفة. في حالة قطر وبطولة كأس العالم لكرة القدم، يركز الكاتبان على ثلاث قضايا رئيسة شكّلت محاور حملة الانتقاد والتدقيق التي قادتها شبكات إعلامية عالمية ومنظمات غير حكومية على قطر: سِجلّها في مجال حقوق الإنسان (خاصة حقوق العمالة الأجنبية) (ص. 93-100)، واتهامات بالفساد ورشوة الاتحاد الدولي لكرة القدم (ص. 100-107)، والتشكيك في أهليتها بوصفها مقصدًا للفعاليات الرياضية الكبرى (ص. 107-111) سأركز في ما تبقى من هذا الجزء على مناقشة المحور الأول، وأعطف عليها بفحص استجابة قطر. حجتي الأساسية هنا، وهي مستقاة من أطروحة الكتاب، تكمن في أنّ التفاعل بين صناع القرار، في قطر، وحملة التدقيق (أو التفلية، كما سميتها في العنوان) أخذ شكل تغيير داخليي، خاصة على الصعيدَين السياساتي والاجتماعي (الإصلاح والتنمية، كما ورد في العنوان أيضًا)؛ ومن ثم فهو امتدادٌ لسيرورة "الاتصال الاستراتيجي" في سياسة قطر الخارجية واستمرارٌ لمساعي بناء قوّتها الناعمة. في الواقع، لم تقتصر الانتقادات التي وُجهت إلى قطر بشأن حقوق الإنسان على فئة العمال، بل شملت أيضًا تصنيف البلد في مؤشرات الديمقراطية، ووضع الحريات وحقوق المثليين (ص. 93) لقد سبق أن أثيرت انتقادات بشأن كل ذلك حين مُنحت دول أخرى حقوق استضافة فعاليات رياضية كبرى، خاصةً روسيا عام 2018؛ غير أن قضية حقوق العمال الأجانب، خاصة ما تعلّق منها بنظام الكفالة14، طغت على الجدل في حالة قطر. وهذا، ربما، ما يفسر شراسة حملة الانتقاد والتدقيق، بشأن ملف نظام الكفالة، التي شهدها البلد طوال الأعوام الإثني عشر التي سبقت مونديال 2022. ويشير الكاتبان إلى ذلك، على نحوٍ ضمني، قائلَْيْ: "أثناء بحثهم عن قصص فاضحة ومثيرة للجدل وتسهل قولبتها، يجد الفاعلون غير الدول ضالّتهم في الفعاليات الرياضية الكبرى – مثل بطولة كأس العالم لكرة القدم والألعاب الأولمبية – فهي توفر لهم فرصة سانحة[...]لتلبية مصالحهم الخاصة بهم،[...]مثيرين أسئلة عَّمَّ إذا كانت الدولة المضيفة تستحق استضافة الفعالية، من الناحيتين الأخلاقية والعملية" (ص. 92) وهكذا، شكّل ملف أوضاع العمال الأجانب، خاصةً في مشاريع البنية التحتية المخصصة للمونديال، محور انتقادات العديد من الفاعلين غير الدول لسياسة قطر، لأن الرسائل التي يمكنهم بثّها بشأنه تستقطب جمهورًا عالميًّا، شعبيًّا ومؤسساتيًّا وإعلاميًّا ورسميًّا، أكبر مما قد تستقطب ملفات أخرى. شرعت قطر، بعد أقل من ثلاث سنوات من حصولها على حق استضافة مونديال 2022، في كانون الأول/ ديسمبر 2010، في مسارٍ من الإصلاحات التي استهدفت نظام العمالة، بدأ بالمقرر الخاص

  1. تشمل أمثلة الدول هذه: أوكرانيا وبولندا، وإسرائيل، والبرازيل، وروسيا، فضلً عن الصين التي لا يذكرها الكاتبان، لكنها مثالٌ جيدٌ أيضًا.
  2. رغم أن هذا النظام الاقتصادي  - الاجتماعي يجد له جذورًا اقتصادية في حقبة الاقتصاد البريطاني الكولونيالي في المنطقة، كما يجد له جذورًا اجتماعية في تقاليد سكان المنطقة من البدو، القائمة على حرص المضيف على حماية ضيفه الأجنبي عن القبيلة وضمان سلامته، وهو تقليد اجتماعي وثقافي ممتد عبر تاريخ المنطقة العربية، وعلى امتداد أقطارها، تقتضيه أخلاق الكرم وحسن الضيافة. عن تطور نظام الكفالة في بلدان الخليج العربية، ينظر أعمال أندرو غاردنر، في: Andrew M. Gardner, City of Strangers: Gulf Migration and the Indian Community in Bahrain (Ithaca/ New York: Cornell University Press, 2010); Andrew M. Gardner, "Gulf Migration and the Family," Journal of Arabian Studies vol. 1, no. 1 (June 2011), pp. 3-25; Andrew M. Gardner, "Reflections on the Role of Law in the Gulf Migration System," The Journal of Legal Studies , vol. 47, no. S1 (January 2018), pp. S129-S147.

المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين الذي أصدرته مؤسسة قطر Foundation Qatar في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، والذي تبنّته اللجنة العليا للمشاريع والإرث15 في نيسان/ أبريل 2014، مرورًا بعدد من الإجراءات والتشريعات (يستعرضها الكتاب) التي تُوّجت بشراكة بين الحكومة القطرية ومنظمة العمل الدولية، في نهاية عام 2017، لدعم إصلاحات نظام العمالة، وصولً إلى إلغاء نظام الكفالة في آب/ أغسطس 2020، فضلً عن اعتماد حدٍّ أدنى غير تمييزي للأجور، وفرض العديد من القيود على الشركات من أجل تحسين ظروف العمال (بما في ذلك القيود على مزاولة العمل في درجات الحرارة المرتفعة.) وقد وصفت منظمة العمل الدولية هذه الإصلاحات بأنها "ثورية"، وبأنها "جملة من الإنجازات التاريخية" (ص. 99) لا بد من الانتباه ها هنا إلى دينامية التفاعل هذه بين الدولة والفاعلين غير الدول في سياق التنافس على بناء القوة الناعمة؛ فوضع الدولة المضيفة للفعاليات الرياضية الكبرى تحت مجهر التدقيق، بغرض الضغط عليها لتغيير سياساتها، يمكّن الفاعلين غير الدول من كسب شكلٍ من أشكال القوة الناعمة (وهذا مسوغ وجودها وعملها في الأساس.) في مقابل ذلك، يأتي إقرار الدولة بالقصور القائم في سياساتها والعمل على إصلاحه، وتحقيق التغيير اللازم، فيكسبها أيضًا قوة ناعمة. بناءً عليه، يلاحظ الكاتبان، استنادًا إلى كريستيان أولريشن16، أن قطر تمكنت فعلً، من خلال إصلاح نظام العمالة، من تمييز نفسها بصورة إيجابية، مقارنةً بدول الخليج الأخرى؛ إذ باتت تتصدر عناوين شبكات الإعلام العالمية وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية (ص. 100)، لكن هذه المرة بوصفها دولة سائرة على طريق التغير الإيجابي17. لا يتوسع الكتاب في العلاقة بين استعدادات قطر الوطنية لتنظيم مونديال 2022 وتحقيق أهداف رؤية قطر الوطنية 2030، وهو سؤال لا يقع ضمن مقاربة البحث الرئيسة في الكتاب؛ لكنه مهم لفهم ديناميات التغير الداخلية التي غذى المونديال حركتَها، وجعل الاهتمام بالرياضة أداةً للتنمية الوطنية، لا هدفًا في حد ذاته. ويمكن هنا الاستئناس بمنطق تسمية الهيئة المسؤولة عن إنجاز وتسليم مشاريع البنية التحتية المخصصة للمونديال، "اللجنة العليا للمشاريع والإرث." يعبّ مصطلح الإرث عن "الإرث المستدام الذي [تعمل قطر] على تركه من خلال استضافة البطولة،[...]من خلال بناء بنية تحتية مستدامة18، وتفعيل دور الرياضة في دعم العملية التعليمية، ومبادرات كرة القدم من أجل التنمية، ودعم الابتكار في المنطقة، والالتزام بتحسين مستوى رعاية العمال، وذلك إسهامًا في رسم مستقبل أفضل لقطر، والمنطقة، وآسيا، والعالم أجمع"19.

خاتمة: ماذا بعد مونديال قطر 2022، سياساتٍ وأبحاث ا؟

بما أن الكتاب صدر قبل تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، كما أشرنا من قبل، فهو يحدد ثلاثة تحديات سياساتية، أحدها يواجه قطر قبل المونديال، والتحديان الآخران يواجهانها بعد المونديال: تقديم نسخة ناجحة من البطولة (ص. 126-131)، (يَعدُّه تحديًا وفرصةً في الوقت نفسه، وإنه لكذلك بحق، إذ يعزز صدقية الدولة على الصعيد الدولي)؛ والمحافظة على سياسة خارجية مستقلة، خاصة بعد أن تمكنت من اجتياز محنة حصار عام 2017 بنجاح (ص. 131-136)20؛ ومواصلة الإصلاحات الداخلية (ص. 136-142) وإذ يقارن الكاتبان بين الإصلاحات التي تمخضت عنها استضافة قطر مونديال 2022 مع استمرار روسيا والصين في ممانعة القيام بأي منها بعد استضافتهما مونديال 2018 وألعاب 2022 الأولمبية الشتوية، على التوالي، فإنهما يلاحظان إشارةً واعدةً إلى أن إصلاحات قطر الداخلية ستستمر بعد المونديال، خاصة في ظل انفتاح الصحافة القطرية المحلية على النقاش بشأن إصلاحات نظام العمل، ويدرجان عددًا من الشواهد على ذلك (ص. 137-138) يشتبك الكتاب مع عدد من الأسئلة ذات الصلة بقضايا سياسة قطر الخارجية، بعد أزمة حصار عام 2017، وبعد

  1. أُنشئت في عام 2011، وهي اللجنة المسؤولة عن إنجاز وتسليم مشاريع البنية التحتية المخصصة لاستقبال بطولة كأس العالم لكرة القدم.
  2. ينظر: Kristian Coates Ulrichsen, Qatar and the Gulf Crisis: A Study of Resilience (Oxford: Oxford University Press, 2020).
  3. يشير الكاتبان إلى تأخر إلغاء قطر نظام الكفالة، بوصفه نقيصة تحسب عليها وتضر بسمعتها، لكنهما يمران مرور الكرام على حيثيات هذا التأخر. وهي مسألة تحتاج، في كل الأحوال، إلى مزيد من الفحص. ومع ذلك، يمكن العودة إلى مقال بيتر ميلوارد، الذي أحال إليه الكاتبان، للاطلاع على نقاش بشأن شكل من أشكال "المسؤولية المشتركة" التي لا تتحملها السلطات القطرية فحسب، بل تتحملها أيضًا الشركات الدولية التي حصلت على عقود إنشاء المشروعات الكبرى في البلد، والاتحاد الدولي لكرة القدم (بسبب ضغوط الشركات الراعية له وللبطولة، والتي كانت منخرطة في تلك المشاريع)، فضلً عن السلطات المحلية ووكالات
  4. يمكن الإشارة مثلً إلى مشروعَي ميترو الدوحة ومدينة لوسيل (التي أُعلنت "مدينة ع في إنجازهما أثناء فترة الاستعداد لمونديال خضراء)" اللذَين شُ 2022، وهما في الوقت نفسه جزء من رؤية قطر الوطنية.2030
  5. ينظر: اللجنة العليا للمشاريع والإرث، شوهد في، في:2022/8/1 https://bit.ly/3jKonnM 23 من المهم، في هذا السياق، التأمل في الحجة القائلة إن استضافة قطر مونديال 2022 كانت عاملً غير مباشر في توجه دول الحصار إلى إعادة فتح حدودها المشتركة مع قطر دون أن تحصل منها على تنازلات معتبرة بشأن لائحة المطالب الطويلة التي كانت في البداية قد فرضت الحصار على أساسها.
  6. التشغيل في البلدان المصدّرة للعمالة. ينظر: Peter Millward, "World Cup 2022 and Qatar's Construction Projects: Relational Power in Networks and Relational Responsibilities to Migrant Workers," Current Sociology , vol. 65, no. 5 (2017), pp. 756–776.

مونديال 2022، فضلً عن قضايا الإصلاحات السياسية والسياساتية المحلية، لا يتسع المقام لطرقها هنا، لكنها تظل مهمة لفهم الكيفية التي أثّرت بها استضافة مونديال 2022، والجدل بشأنها، والتدقيق الذي خضعت له قطر بسببها، في التحولات الداخلية في البلد، وفي طموحها إلى تعزيز قوّتها الناعمة على المستوى الدولي. أما على مستوى الأبحاث فيأمل الكاتبان أن يشكّل كتابهما حافزًا لباحثين آخرين كي يبنوا على نتائجه ويواصلوا مراكمة الأبحاث بشأن النقاش حول قطر، والرياضة العالمية، وبطولة كأس العالم لكرة القدم 2022. في سياق ذلك، يقترحان خريطةً أولية للأبحاث الممكنة. على المستوى المحليي، ينبغي أن يكون ثمة فحص أعمق لسيرورة الإصلاحات الداخلية التي بدأت أثناء التحضير للمونديال، خاصة تلك المتعلقة بنظام العمالة، ولمصير اهتمام الحكومة القطرية بقضايا الاستدامة (خاصة مخطط التحول إلى نظام للنقل يستخدم الطاقة الكهربائية بالكامل بحلول عام 2030.) كما ينبغي أن يشمل الفحصُ أثر المونديال المحتمل في التطور الاجتماعي (خاصة الدمقرطة، وتعزيز حقوق المرأة.) أما على المستوى الدولي، فعلى الأبحاث أن تستمر في فحص الطرائق التي تتغير بها صورة قطر في أذهان الناس حول العالم بعد استضافتها مونديال 2022. أخيرًا، يمكن الباحثين، خاصة في حقل العلاقات الدولية، توظيف حالة قطر لإجراء أبحاث مقارنة (ص. 144)21 لفهم الرياضة بوصفها أداةً لبناء القوة الناعمة؛ ويمكنهم إلقاء الضوء على العديد من الحالات المقارنة الناشئة حديثًا (من الديمقراطيات وغير الديمقراطيات، ومن الدول الصغرى وغير الصغرى)، مثل سنغافورة والمملكة العربية السعودية وأذربيجان (ص. 143) هذا من منظور غربي (إذا افترضنا أن موقع الكاتبين الجيوثقافي يؤثر في تصورهما لخريطة الأبحاث تلك)، أما من منظور عربي، فيمكن التفكير في عدد من الإشكاليات، ولْتكُن إضافية، التي يمكن أن تستلهمها الأبحاث العربية من استضافة قطر مونديال 2022. يمكن التفكير، مثلً، في تكثيف الدراسات عن تجربة قطر في حد ذاتها واستخلاص التوصيات السياساتية الملائمة لبلدانٍ عربية أخرى، سواء في مجالات تعزيز الاستدامة، أو الرقمنة، أو توطين الخبرة الأجنبية، أو غيرها من مجالات التنمية والتحديث التي تقدّم فيها قطر نموذجًا ناجحًا يمكن تكييفه بالكامل، أو تكييف بعض عناصره، من أجل حالات عربية أخرى.

المراجع

العربية

حسين، أحمد قاسم. "الرياضة وحقل العلاقات الدولية: التفكير في الرياضة عبر عدسات النظريات الوضعية." سياسات عربية. مج 10، العدد 58، (أيلول/ سبتمبر.)2022 حمشي، محمد وعادل زقاغ. "عن السياسة ما بعد الدولية: تعايش بين نظامين أم عصر وسيط جديد؟" سياسات عربية. مج 10، العدد 54، (كانون الأول/ يناير.)2022 حميدو، كمال. "الإع ماا والرياضة أداتان لبناء السمة الوطنية والتسويق لها: الاستراتيجية القَطرية نموذجًا." سياسات عربية. مج 10، العدد 57، (تموز/ يوليو.)2022 الخطيب، سنى. "مونديال 2022 فضاءً لتصدير هويّة قطرية سياسات عربية عالم-. مج محليّة." 10، العدد 58، (أيلول/ سبتمبر.)2022 خيّ، شهرزاد ومحمد حمشي. "الحوكمة العالمية والسلطة الخاصة: دروس منسية في الحوكمة العالمية زمن جائحة كورونا." المجلة الجزائرية للأمن والتنمية. مج 10، العدد 3 (جويلية.)2021 ناصيف، نديم. "قياس قدرات الدول على استخدام الرياضة أداة للقوة الناعمة: مؤشر القوة الرياضية العالمية." سياسات عربية. مج 10، العدد 57، (تموز/ يوليو.)2022

الأجنبية

Baldwin, David A. (ed.). Neorealism and Neoliberalism: The Contemporary Debate. NY: Columbia University Press, 1993. Barnett, Michael & Raymond Duvall. Power in Global Governance. UK: Cambridge University Press, 2005. Brannagan, Paul Michael & Danyel Reiche. Qatar and the 2022 FIFA World Cup: Politics, Controversy, Change. Switzerland: Palgrave Macmillan, 2022. Brannagan, Paul Michael & Richard Giulianotti. "The Soft Power–Soft Disempowerment Nexus: The Case of Qatar." International Affairs. vol. 94, no. 5 (2018).

  1. يؤكد الكاتبان على الانتباه إلى حالة الانفتاح النسبي التي تشهدها قطر، مقارنة بجيرانها، وكيف تسمح بإجراء بحوث ميدانية في البلد.

Büthe, Tim. "Governance through Private Authority? Non-State Actors in World Politics." Journal of International Affairs. vol. 57, no. 1 (2003). Finnemore, Martha & Kathryn Sikkink. "International Change." Political and Dynamics Norm International Organization. vol. 52, no. 4 (1998). Gardner, Andrew M. City of Strangers: Gulf Migration and the Indian Community in Bahrain. Ithaca/ New York: Cornell University Press, 2010. ________. "Gulf Migration and the Family." Journal of Arabian Studies. vol. 1, no. 1 (June 2011). ________. "Reflections on the Role of Law in the Gulf Migration System." The Journal of Legal Studies. vol. 47, no. S1 (January 2018). Nye, Joseph & John D. Donahue. Governance in a Globalizing World: Visions of Governance for the 21st Century. Massachusetts: Brookings Institution Press, 1999. Nye, Joseph S. The Powers to Lead. New York: Oxford University Press, 2008. Rosenau, James N. Turbulence in World Politics. Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 1990. Snyder, Robert S. "Bridging the Realist/Constructivist Divide: The Case of the Counterrevolution in Soviet Foreign Policy at the End of the Cold War." Foreign Policy Analysis. vol. 1, no. 1 (2005). Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. New York: McGraw-Hill, 1979.

تقرير Report

* Majd Abuamer مجد أبو عامر |

أوكرانيا: التطورات العسكرية التقليدية وغير التقليدية والمقاتلون الأجانب

Ukraine: Conventional and Unconventional Military Developments and Foreign Fighters

عقدت وحدة الدراسات الاستراتيجية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم الإثنين 29 آب/ أغسطس 2022، ندوة أكاديمية بعنوان "أوكرانيا: التطورات العسكرية التقليدية وغير التقليدية والمقاتلون الأجانب"22، شارك فيها ثلاثة من الباحثين المتخصصين في الدراسات الأمنية والاستراتيجية؛ هم عمر عاشور، مدير وحدة الدراسات الاستراتيجية ورئيس برنامج الدراسات الأمنية النقدية في معهد الدوحة للدراسات العليا، وكاسبر إدوارد ريكافيك Rekawe Edward Kacper، باحث ما بعد الدكتوراه في مركز أبحاث التطرف بجامعة أوسلو، وهاميش دي برتون-غوردون Bretton-Gordon de Hamish، زميل باحث في كلية المجدلية بجامعة كامبريدج والقائد السابق لفوج مكافحة الهجمات النووية والكيماوية والبيولوجية والإشعاعية في الجيش البريطاني. وترأسها سيد أحمد قوج ليي، أستاذ الدراسات الأمنية النقدية في معهد الدوحة. وجاءت الندوة في سياق اهتمام المركز العربي بمتابعة القضايا السياسية والاستراتيجية والأمنية الراهنة في المنطقة العربية والعالم وتحليلها، وتقديم قراءات معمقة بشأنها، وإنجاز دراسات وأبحاث معمقة حولها من منظور نقدي، والتي كانت الأزمة الأوكرانية على رأسها خلال عام 2022، بعد أن شنّت روسيا هجومًا عسكريًّا شاملً ضد أوكرانيا في 24 شباط/ فبراير 2022. إذ عقد المركز عددًا من الندوات والمحاضرات حول الموضوع، منها: ندوة "الأزمة الأوكرانية: أسبابها وتداعياتها الإقليمية والدولية" في 22 شباط/ فبراير 2022، ومحاضرة "الصراع الروسي-الأوكراني: الحرب الهجينة وتداعياتها على الأمن الدولي" في 27 شباط/ فبراير 2022، وندوة "استهداف المدنيين العشوائي كأحد أساليب الحرب في سورية وأوكرانيا" في 15 حزيران/ يونيو 2022، وخصص أعمال الدورة التاسعة لمنتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية، لبحث موضوع "انعكاسات أزمة أوكرانيا والتنافس الإقليمي والدولي على مستقبل الأمن والطاقة في منطقة الخليج" يومَي 22 و 23 تشرين الأول/ أكتوبر 202223، وسيقدَّم في المؤتمر الرابع لوحدة الدراسات الاستراتيجية "حالة حقل الدراسات الأمنية والاستراتيجية" 20-18(شباط/ فبراير 2023) عددٌ من الأوراق حول الحرب الروسية على أوكرانيا، تحلل كتائب المتطوعين المحلية وآثارها الميدانية، والعلاقات المدنية - العسكرية الأوكرانية وآثارها في مجريات الحرب، والبعد النووي وآثاره في الأمن الدولي. كما نشر المركز عددًا من الدراسات وأوراق تقدير موقف وتقييم حالة، منذ بدء روسيا في كانون الأول/ ديسمبر 2021، في تحشيد الآلاف من جنودها على حدودها الغربية مع أوكرانيا، تقديرًا لاحتمالات المواجهة العسكرية، ومنها دراسة للدكتور عزمي بشارة، يرصد فيها التوتّر بين روسيا وأوكرانيا وحلف الناتو، من خلال تحليل الرؤية الروسية الرامية إلى التحوّل من دولة مهدَّدة إلى قوة عظمى، منذ وصول فلاديمير بوتين إلى سدة الحكم في 31 كانون الأول/ ديسمبر 1999، إضافةً إلى عددٍ من الأوراق التي تدرس السياسات الأميركية تجاه أوكرانيا، والموقف التركي تجاه أزمة أوكرانيا، وتقيّم استجابة الأمم المتحدة للغزو الروسي لأوكرانيا واستجابة الاتحاد الأوروبي لأزمة الطاقة الناجمة عن الحرب، وتبحث تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا على الشرق الأوسط وعلى الأزمة السورية، وترصد مواقف الحكومات ووسائل الإعلام والرأي العام العربي من الأزمة الأوكرانية، وتحلل سبب رفض إرتيريا إدانة الغزو الروسي24. كما صدر ضمن سلسلة "ترجمان" ترجمة أحد الكتب الأساسية لفهم