البرنامج البحثي الواقعي الجديد بين التقدمية والانتكاسة
الملخّص
تعرضت النظرية الواقعية الجديدة لانتقاداتٍ شديدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وذلك أمر طبيعي لأن النظرية تواجه في مراحل تطوّرها تحديات مفاهيمية وإمبريقية، فتطرح تساؤلات تتعلق بمدى قدرتها على مواجهة هذه التحديات. وهذا ما حصل مع النظرية الواقعية، فقد واجه مفهوما "الفوضى" و"التوازن" انتقادات، وخاصة أنهما مرتبطان ببعضهما بحسب الواقعية، فالفوضى تستدعي وجود التوازن لتحقيق الاستقرار في النظام الدولي. أما من ناحية الإمبريقية، فالنقد انصب على عدم قدرة الواقعية الجديدة على تفسير الواقع الجديد في النظام الدولي، وخاصة بعد هيمنة الولايات المتحدة الأميركية. تتناول هذه الدراسة هذه النقاشات، في محاولة للحكم على تقدمية النظرية وانتكاستها، وتطرح سؤال ا رئيسا يتعلق بمدى تقدمية البرنامج البحثي الواقعي الجديد أو انتكاسته من خال فحص التعديات والتغيرات التي أُدخِلت على مفهومَي الفوضى والتوازن، استنادًا إلى منهجية برنامج البحث العلمي لإمري لاكاتوش باعتبارها أداة تقييمية. كلمات مفتاحية: الفوضى، توازن القوى، النظرية الواقعية، لاكاتوش، توازن التهديد. After the collapse of the Soviet Union, neorealist theory came under severe scrutiny. During its growth stages, the theory encountered unavoidable conceptual and empirical impediments, which cast doubt on its capacity to overcome such hurdles. This was the challenge that neorealist theory faced when the concepts of "anarchy" and "balance" were questioned. In terms of empiricism, the criticism focused on the neorealism inability to represent the new realities of the international system, notably US hegemony. This study evaluates the progressiveness or degenerassive of the neorealism research program in an attempt to assess the theory's progressivism and degenerative by examining the adjustments and improvements made to the ideas of anarchy and balance. It is based on the methodology of the Imre Lakatos Scientific Research Program as an evaluation tool.
قراءة في مفهومي الفوضى والتوازن
The Neorealism Research Program between Progress and Degeneration: A Reading of the Concepts of Anarchy and Balance
Keywords: Anarchy, Balance of Power, Neorealism, Imre Lakatos, Balance of Threat.
مقدمة
تواجه كلّ نظرية في مراحل تشكّلها وتطوّرها عدّة تحدّيات؛ منها ما هو مرتبطٌ بالجانب النظري والمفهومي؛ ويتمثّل في الانتقادات التي تُوجّه إليها من النظريات الأخرى، أو ظهور نظريات جديدة تدحض افتراضاتها ومفاهيمها، إضافة إلى تطورات مستحدثة تجري داخلها. أما من الناحية التجريبية، فقد تواجه النظرية تغييرات في البيئة التي تدرسها؛ ما يعرضها لحالة عدم تواؤم مع الواقع المعيش. ويقود ما سبق إلى السؤالين الآتيين: ما آلية الحكم على النظرية؟ وما مدى قدرة النظرية على مواجهة التحديات النظرية والتجريبية؟ تتعرض نظريات العلاقات الدولية لتحديات مماثلة، وربما أكثر النظريات تعرضًا لانتقادات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبروز نظام أحاديّ القطبية، هي النظرية الواقعية. فرض انتهاء الحرب الباردة تحديًا جديدًا للنظرية، وتحديدًا، غياب توازن القوى؛ ما دفعها إلى تأكيد عودته بشكليه الثنائي والمتعدّد الأقطاب داخل النظام الدولي. وانصبت أغلب الانتقادات للمدرسة الواقعية الجديدة/ البنيوية التي أسسها كينيث والتز Waltz Kenneth، وخصوصًا أنه جادل في عام 1988، أي قبل نهاية الحرب الباردة، بأن هذه الأخيرة ستستمر، معتبرًا إيّاها "متجذرة بقوة في هيكل السياسات الدولية بعد الحرب [العالمية الثانية]، وستبقى ما دام الهيكل الدولي مستمرًا" 1. وظهر تيارٌ ناقدٌ للواقعية ومن أعلامه جون فاسكويز John Vasquez الذي اعتبر أنّ البرنامج البحثي الواقعي أصابته الانتكاسة والجمود، ولم يعد قادرًا على تفسير التغيرات العالمية. فاعتبر بعضهم أنّ النظرية الواقعية عفا عليها الزمن، وأن افتراضاتها ومفاهيمها الأساسية لم تعد قادرةً على تفسير المتغيرات التي طرأت على النظام الدولي. ومن أهم المفاهيم التي طالتها التحديات "التوازن، والفوضى" 2، ويُعدّ مفهوم الفوضى من أهمّ المفاهيم التي حظيت باهتمام واسع، واتخذته النظرية الواقعية الجديدة أساسًا لتفسير السياسة الدولية، فالفوضى - بحسب الواقعية الجديدة - مرتبطة بالتوازن، فالأولى تستدعي وجود الثانية، لتحقيق الاستقرار في النظام الدولي. برزت نقاشاتٌ واسعةٌ حول قدرة النظرية الواقعية الجديدة/ البنيوية على تفسير غياب التوازن في النظام الدولي، وكيفية صوغ العلاقة بين الفوضى والتوازن، والقدرة على إيجاد تفسير جديد للعلاقة بينهما، إضافة إلى المواءمة بين الأطروحات النظرية للمدرسة الواقعية الجديدة والواقع الجديد في النظام الدولي. وهي نقاشات تتناولها هذه الدراسة، في محاولة للحكم على تقدمية النظرية وانتكاستها، فيما يتعلق بهذا الجانب، ولا تدّعي أنّها ستحكم على ذلك بما يحيط بالنظرية كلها. ولتحقيق ذلك، ستُوظّف منهجية برامج البحث العلمي لإمري لاكاتوش Imre Lakatos أحد فلاسفة العلوم الطبيعية باعتبارها أداةً تقييميةً. عند استعارة منهجية لاكاتوش من العلوم الطبيعية وتطبيقها على العلوم الإنسانية، يثير ذلك العديد من الإشكالات؛ من أهمّها صعوبة الحكم على انتكاسية المدرسة الواقعية أو تقدّميتها بتوجهاتها المختلفة، فالنقاش متشعب حول اعتبارها برنامجًا بحثيًّا واحدًا أو متعدّدًا. وتتفق هذه الدراسة مع أطروحة والتز التي أكّدت أنّ النظرية الواقعية الجديدة هي برنامجٌ بحثيٌّ مستقل 3، وبناء عليه، فهذه النظرية هي بؤرة التركيز بمفهومها الأساسي؛ وهو الفوضى. وهنا يكمن التساؤل الرئيس: ما مدى تقدمية أو انتكاسية البرنامج البحثي الواقعي الجديد/ البنيوي من خلال فحص التعديلات والتغيرات التي أُِدخ لت على مفهومَي الفوضى والتوازن؟ تتبنى هذه الدراسة افتراضَ ين رئيسيَن: الأول، وضع منظري الواقعية الجديدة الفوضى في صلب نواة برنامجهم البحثي، فدافعوا عنه حتى مع تغيير شكل النظام الدولي للأحادية القطبية، ولحماية النواة الصلبة من الدحض والشذوذ؛ وجب عليهم إجراء تغييرات في الحزام الواقي المتمثّل بالتوازن. والثاني، قدرة النظرية الواقعية الجديدة على معالجة الشذوذ، وصون النواة الصلبة من الانتكاسة. وتتناول ذلك في ستة محاور؛ يناقش المحور الأول، فلاسفة العلوم الطبيعية، وتطور العلم، والاختلاف بينهم في الحكم على النظرية. أما المحور الثاني، فيقدم فلسفة لاكاتوش في تقييم النظريات، معتمدًا على منهجية البرنامج البحثي. ويتناول المحور الثالث، إشكالات تطبيق منهجية لاكاتوش. وفي الرابع، تُطَبَّق منهجية لاكاتوش على مفهوم الفوضى داخل البرنامج البحثي الواقعي. ويتناول الخامس، دفاع المنظرين الواقعيين عن الفوضى بوصفها نواة صلبة من خلال نحتهم أنواعًا جديدة من التوازنات. ويناقش السادس، تقدمية الواقعية الجديدة وانتكاستها من خلال التعديلات التي أُدخلت على الحزام الواقي للحفاظ على مركزية الفوضى بوصفها نواة صلبة لبرنامجهم البحثي.
أولا: فلاسفة العلوم الطبيعية وتطور العلم
قادت مشكلة الحكم على تقدم العلم الفلاسفة إلى عدة تساؤلات؛ وهي: متى يمكن تصنيف النظرية على أنّها تقدميةٌ؟ وما المعيار المناسب للحكم؟ وهل يمكن النظريات التعايش معًا أم أنّها تتجاوز بعضها بعضا؟ كانت هذه التساؤلات مثار جدل كبير بين فلاسفة العلوم الطبيعية، وخصوصًا كارل بوبر وتوماس كون ولاكاتوش، فجميعهم قدّموا أطروحات مختلفة حول طريقة الحكم على النظريات العلمية، وقدرتها على الاستمرارية والتقدّم، وكيفية الانتقال من نظرية إلى أخرى.
كانت البداية مع بوبر، مُنطلقًا في حكمه على النظريات من خلال قابليتها للتكذيب، والتي أطلق عليه "التكذيب معيارٌ للتمييز"، وهو المعيار الأساس الذي يُستدلّ منه على صواب النظرية 4، فالقابلية للتكذيب أو التفنيد هي القابلية للاختبار 5. فبحسب بوبر "النظريات العلمية فرضيات، قد تأتي بأي طريقة، مثلما تأتي الفكرة الفنية، أو الخرافة، أو الأسطورة؛ بأي طريقة، لكن ما يميز العلم من أي نشاط عقلي آخر؛ هو قابليته المستمرة للتكذيب، بواسطة الخبرة التجريبية" 6، فمثلًاكتشاف بجعة واحدة سوداء يفند فرضية أن كل البجع أبيض 7، "فلا يمكن لأي عدد أو مقدار من الملاحظات للبجع الأبيض أن يبرر النتيجة القائلة بأن 'كل البجع أبيض'، ومن ثم فإن أي قضية كلية يمكن تكذيبها؛ بإيجاد نقطة واحدة، أو قطاع واحد يقرر أنها ليست صادقة" 8. يرى بوبر أنّ إثبات صحة النظرية أصعب من تكذيبها، فالأخير أسهل 9. فمعيار التقدم في النظريات مرتبط بمعيار الصحة العلمية، وذلك من خلال فحصها وتفنيدها، فعندما تفشل في الاختبار يُنتقلُ إلى نظرية أخرى، فعملية الانتقال تعني - بحسب بوبر - الثورة، فالتقدم العلمي ليس تراكميًّا، بل هناك سلسلةٌ متلاحقةٌ من الثورات 10. التقط لاكاتوش من بوبر فكرة الفرضيات المساعدة التي تحمي النظرية من عملية التكذيب، ولكن لاكاتوش طوّر هذا المفهوم وأدخله ضمن برنامجه البحثي 11. أما كون، فاعتبر ظهور الشذوذ عاملً محفزًا للعلماء لاكتشاف نظريات جديدة؛ فالشذوذ يُسبّب الأزمات، نتيجة الفشل المتكرّر في جعل الشاذ متسقًا مع النموذج الإرشادي 13؛ لذا لا تتوقف الأزمات والمحاولات، إلّ "بملاءمة نظرية النموذج الإرشادي، بحيث تصبح الظاهرة الشاذة ظاهرة متوقعة" 14. فظهور الشذوذ من دون حلول له؛ يولّد الشك وفقدان الثقة بالنموذج الإرشادي في المجتمع العلمي الموجود، والبحث عن بديل جديد، وهذا ما أكّده كون بقوله: "هذا الشعور بعدم الأمان، إنما تولد بفعل الإخفاق المطرد في الوصول إلى النتائج المرتقبة من حل ألغاز العلم القياسي، ومن ثم فإن إخفاق القواعد هو مقدمة للبحث عن قواعد جديدة" 15. ما سبق يثير تساؤلً: هل يتفق كون مع بوبر بشأن مقولته: "بمجرد وجود بجعة واحدة سوداء يُقصى النموذج"؟، يجيب كون بالنفي، فبدلً من الإقصاء يجري العمل على تطوير النظرية، ورفدها بنظريات
أخرى 16، قبل التخلّ عنها. يعتبر كون أنّ ذاك من صيرورة العلم "فلا وجود للنظرية التي تحل جميع الألغاز التي تواجهها في وقت بذاته، كما وأن الحلول التي يتم الوصول إليها نادرًا ما تكون حلولً كاملة" 17. استعاض كون بمعيار النشاط في حلّ الألغاز عن المعيار البوبري المتعلق بالقابلية للتكذيب. فبحسب كون تجري عملية الإقصاء والإحلال في نفس الوقت، "فالنظرية لا تُقصى إلا بعد أن تحل أخرى محلها، وقرار رفض نموذج يكون دائمًا وفي آن واحد قرارًا بقبول نموذج آخر" 18، ويصبح رفض النموذج الإرشادي من دون إحلال غيره محلّه في ذات الوقت، بمنزلة رفض للعلم نفسه، ولا ينعكس أثر هذا السلوك على النموذج الإرشادي، بل ينعكس على الإنسان 19. اقتبس كون مفهوم الثورة من بوبر 20، فرأى أنّ مسار التقدّم العلمي لا يحدث ببطء، وإنّ ا يأخذ صورة ثورات علمية تتمثّل في "سلسلة الأحداث التطورية غير التراكمية، التي يبدل فيها نموذج إرشادي قديم كليًا أو جزئيًا بنموذج إرشادي جديد متعارض معه" 21. يسلم كون بأنّ "التقدم المستمر هو السمة المميزة للمعرفة العلمية، وأن دراسة تاريخ العلم تفصح عن زيف مفهوم "التراكم" إذا أخذنا به على خط مستقيم. ويؤكد مع بوبر أن الثورة هي مفتاح هذا التقدم، لكنه يختلف عنه برفضه تطرف بوبر الثوري، واعتبار كل تقدم علمي ثورة" 22. فالعلم عند لاكاتوش يتسم بالتراكمية، لا الانقطاعية. جاء لاكاتوش لينقد التوجهين السابقين، ففي مقالته عام 1970، "تكذيب ومنهجية برامج البحث العلمي"، انضم إلى النقاش الدائر بين بوبر وكون حول كيفية تطور العلم، وكيف يجب تقييم هذا المسار 23. فاعتبر لاكاتوش، خلافًا لبوبر، أنّ التكذيب "نتيجة مبارزة بين النظرية والملاحظة، دون تضمين نظرية أخرى أفضل بالضرورة" 24. فالتكذيب بالنسبة إليه ليس المعيار الوحيد الذي يمكن الاحتكام إليه؛ لأنّه لا يفيد في اكتشاف التقدّم أو الانتكاسة في النظريات، ومتى يمكن نظرية أنْ تُستَبْدل بأخرى، ولذا انطلق من منهجية مغايرة، أطلق عليها اسم "البرنامج البحثي" الذي يحتوي عناصر أساسية يجري الحكم على تطوّر النظريات أو تقدّمها من خلال قدرته على تقديم حقائق جديدة. وبذلك يكون الانتقال إلى نظرية جديدة مرتبطًا بتقديم تطورات جديدة قادرة على الاستجابة للتغيّ ات التي يشهدها العالم. اتفق لاكاتوش مع كون بأنّ التكذيب لا يعني رفض النظرية، فالنظريات يمكن أنْ تتطوّر مع وجود الشذوذ 25، فاستبدل البرنامج البحثي بالنموذج الإرشادي لكون؛ فالتقدّم العلمي عنده هو حصيلة الانتقال من برنامج بحث علميّ أصبح متدهورًا، إلى برنامج بحث آخر يبدو تقدميًا، وليس من نظرية إلى أخرى 26، وأشار إلى إمكانية وجود أكثر من برنامج بحثيّ واحد في الوقت ذاته، مؤكدًا إمكانية عقد المقارنة بينها 27، ورافضًا فكرة اللاعقلانية واللاقياسية بين النظريات، وإمكانية مقارنة بين البرامج البحثيّة.
ثانيًا: منهجية إمري لاكاتوش في برنامج البحث العلمي
كانت مساهمة لاكاتوش الرئيسة في فلسفة العلم هي تطوير مفهوم منهجية برامج البحث العلمي، واستخدام هذه المنهجية في إعادة البناء العقلاني للعلم. فقال: "وفقًا لمنهجيتي، فإن أعظم الإنجازات العلمية هي برامج البحث التي يمكن تقييمها من حيث التقدمية والانتكاسة؛ فالثورات العلمية تتكون من برنامج بحث واحد يأخذ مكان برنامج آخر" 28. تتكوّن برامج البحث العلمي عند لاكاتوش، والتي أسماها ب SRPs، من سلسلة من النظريات التي ترتبط بمجموعة من الافتراضات الإرشادية والتأسيسية، وكلّ برنامج لديه أربعة عناصر أساسية؛ النواة الصلبة Core Hard، وهي العنصر الأكثر ثباتًا في البرنامج البحثي، ويتكون من افتراضات لا تقبل التكذيب؛ والحزام الواقي Belt Protective؛ يُعدّ الأقلّ استقرارًا، فهو دائم التغيير بصدد الحماية والدفاع عن النواة الصلبة؛ إضافةً إلى قواعد منهجية تتمثّل بالموجه الإيجابي
Heuristic Positive الذي يرتبط بالحزام الواقي، في حين أن الموجه السلبي Negative Heuristic مرتبطٌ بالنواة الصلبة 29. تتكون النواة الصلبة من مجموعة من الفرضيات العامة، وهي غير قابلة للتفنيد، إضافة إلى المفاهيم والقضايا الرئيسة التي لا تقبل النقاش، فهي أُسّ البرنامج وقاعدته. ويتميز كلّ برنامج بحثيّ بنواته الصلبة؛ لأنّها تُحدّد هوية البرنامج وماهيته، فحدوث أيّ تغيير في النواة يعني انهيارها، وسيتلاشى معها البرنامج الذي تشكله 30، وهذا يحدث عندما تصبح غير قادرة على التعامل مع الحقائق الجديدة، أو استنفد دورها، فبذلك ينتهي البرنامج البحثي القائم، ويُنتقلُ إلى بحث جديد 31. تجدر الإشارة إلى أنّ النواة الصلبة لا تتشكل مرّةً واحدةً، وإنّ ا تظهر تدريجيًّا، وتحصل على متانتها بمرور السنين، وعليه أوصى لاكاتوش بالتأنّ في تحديد الصفات الأساسية للبرنامج، التي تشكّل النواة 32. يتشكل الحزام الواقي من الفرضيات المساعدة Hypotheses Auxiliary، وهي التي تبني حزامًا واقيًا بين النواة الصلبة والظواهر الخارجية، وللحزام وظيفة أساسية، وهي حماية النواة الصلبة من الدحض؛ فعلى العكس من الأخيرة التي لا يمكن تعديلها أو تغييرها، يتميّز الحزام بقدرته على تحمّل شدّة الاختبارات التجريبية التكذيبية، التي قد تتعرّض لها النظرية، فيمكن التعديل على الفرضيات المساعدة، وإعادة ضبطها، بل يمكن استبدالها من أجل حماية النواة الصلبة من تلك الاختبارات 33؛ لذا عند ظهور أدلة جديدة، وحالات شاذّة، أو غياب التناسق بين البرنامج البحثي والواقع التجريبي، فالنقد يُصوَّب لافتراضات الحزام الواقي، وليس للنواة الصلبة؛ لأن الأخيرة أكثر ثباتًا 34. تزيد التعديلات المستمرة التي تدخل على الفرضيات المساعدة للحزام من قوة البرنامج البحثي وحصانته، فتُعدّ مسألة إعادة تجديد الحزام الواقي أمرًا حتميًا لنموّ البرنامج وتقدّمه، ولكن في حال فشل تعاطي الحزام مع الشذوذ، ووصول التكذيبات والتفنيدات إلى النواة الصلبة، يؤدّي ذلك إلى انتكاسة البرنامج بأكمله 35. ويُعدّ البرنامج الناجح في منظور لاكاتوش قادرًا على تجاوز تلك الاختبارات من خلال التحول التدريجي في المشكلة، أمّا غير الناجح فيقود إلى تدهور في تغيير المشكلة 36. ولا يحدث إجراء تعديلات الحزام أو استبدال فرضياته عرضيًّا، وإنّ ا وفق استراتيجية وضعها لاكاتوش؛ وهي "الموجّه المساعد على الكشف"، ويُقسم نوعيَن: موجهٌ سلبيٌّ يعمل على حماية النواة الصلبة، وتتكوّن من خلاله منظومة الفروض المساعدة المشكلة للحزام الواقي في نهاية الأمر، وموجهٌ إيجابيٌّ يرشد الباحثين إلى تحديد المشكلات واجبة الحلّ؛ لكونه يتضمّن مجموعةً من القواعد الإرشادية، واقتراحات تسهم في تطوير الحزام 37. يعمل هذان الموجّهان على حماية النواة الصلبة، فالتغييرات تحدث على الحزام الواقي 38. بعبارة أخرى؛ يُحدّد الموجّه الإيجابي المسارات اللازم اتّباعها، أما الموجّه السلبي فيحدد المسارات التي يجب تجنّبها 39. وتتمثّل الفكرة الأساسية من الموجه السلبي في عدم السماح "بالتفنيد"؛ أي في منع نقل الزيف للفرضيات الأساسية للنواة الصلبة، فيحميها من خلال إزاحة كلّ التكذيبات والتهديدات التي قد يتعرض لها البرنامج البحثي، وتوجيه الخطأ تلقائيًا صوب الحزام الواقي. فتقدم البرنامج البحثي أو انتكاسته مرهونٌ بنجاعة الموجّه السلبي في إعادة تشكيل الفرضيات المساعدة أو استبدالها لتتلاءم مع التغييرات العلمية. وبذلك ينمو المضمون التجريبي للبرنامج، ويبزّ أقرانه من البرامج الأخرى، كما لن يتوقف البرنامج عن تقديم حقائق جديدة، ولن تنهار النواة الصلبة للبرنامج، وبهذا يسهم الموجّه السلبي في الحفاظ على الفرضيات الأساسية للنواة الصلبة 40. ويساعد الموجّه الإيجابي الباحثين في تحديد طرق معالجة المشكلات، ففيه مجموعةٌ من القواعد والإجراءات التي يجب اتباعها عند التعديل على افتراضات الحزام الواقي. فإذا باءت جميع المحاولات
بالفشل، فيجب تبديل الحزام نفسه، وذلك انطلاقًا من ادعاء لاكاتوش بأنّ الحزام الواقي لديه قابليةٌ للتفنيد. ويسهم الموجّه الإيجابي في تطوير النظريات العلمية، لكونها ترشد العلماء إلى المسار الذي عليهم أنْ يسلكوه، وتزوّدهم بالإرشادات والتوجيهات الضرورية للحفاظ على البرنامج البحثي عند ظهور الشذوذ. إذًا، تعدّل وظيفة هذا الموجّه الفرضيات المساعدة للحزام الواقي، أو تستبدل به آخر للحفاظ على البرنامج البحثي القائم، وتطويره من خلال بناء فرضيات جديدة تعزّز متانة الحزام وصلابة النواة 41. يعتمد تقدُّم البرنامج البحثي واستمراريته على قدرته على تحويل كلِّ الظواهر الشاذّة المحيطة، والأمثلة المضادّة، إلى أمثلة معاكسة معززة له من خلال الكشف عن التعديلات في الحزام الواقي، وبذلك تغدو المشاكل بعيدةً. أما غمر البرنامج البحثي في محيط من الأمثلة المضادة والظواهر الشاذة، فيعدّ انتكاسةً وتدهورًا للبرنامج، وهنا تصبح معالجة الفروض المساعدة أمرًا مستبعدًا مهما أجرينا تعديلات عليه؛ لأنه في هذه الحالة يتحتم تغير النواة الصلبة ذاتها، والتحول نحو برنامج بحثي جديد، فالأخير أصلً نشأ في محيط من الحالات الشاذّة، ولكنّه نجح في تحويلها إلى أمثلة معززة، وهنا تتجلى وظيفة الموجّه الإيجابي في مساهمته في استيعاب تلك الظواهر الشاذة 42.
عند إجراء تعديل أو الاستعاضة بمجموعة مختلفة من الفرضيات المساعدة، بإحداث تغيير داخل البرنامج البحثيّ، أو وفق ما أس هاا لاكاتوش بتحول المشكلة داخل البرنامج Intra-Program Problem Shif، t يجري في هذه الحالة التغيير في الحزام الواقي فحسب، وليس في النواة الصلبة، وتجري هذه التغييرات لزامًا وفق الإرشادات الإيجابية Positive Heuristic للبرنامج. وينشأ برنامجٌ بحثيٌّ جديدٌ عندما يطوّر منظّرون ومفكّرون نظريات جديدة من خلال التعديل على النواة الصلبة؛ ما يُنتِج تحوّلً إلى برنامج بحثيّ جديد، وهذا التغيير أسماه لاكاتوش تحول المشكلة.43بين البرامج Shift Inter-Program Problem
ثًالث ا: إشكالات تطبيق منهجية لاكاتوش
طرأت خلال مئة عام تطوّراتٌ على النظريات، ومردّها التغيّ ات في السياق الفكري والواقعي داخل حقل العلاقات الدولية، وفي ضوء ذلك، جرت محاولاتٌ تقييميةٌ لهذه النظريات لسبر أغوار التقدم والتراجع داخل كلّ نظرية، وهذا ما يقود إلى طرح تساؤل عن كيفيّة تقييم تلك النظريات، ودفع هذا التساؤل باحثي العلاقات الدولية للبحث عن الأداة الأنسب لتقييمها، وخصوصًا في ظلّ الافتقار إلى أيّ منهجية شاملة لتقييم النظريات، فأخذهم ذلك للاستعارة من فلاسفة العلوم الطبيعية من أمثال بوبر، وكون، ولاكاتوش؛ الأمر الذي أثار جدلً حول إمكانية استخدام منهجية العلوم الطبيعة في حقل العلاقات الدولية. انقسم المنظرون إلى تيارَين رئيسيَن: الأوّل، أكّد إمكانية استخدام منهجية لاكاتوش في تقييم النظريات الوضعية من حيث التقدمية والانتكاسية، رغم اعترافهم بوجود صعوبات ومحاذير عند التطبيق 44. والثاني، افترض عدم إمكانية تطبيق منهجية لاكاتوش،
بسبب الاختلاف بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية 45. ورغم وجود عدّة انتقادات بشأن تطبيق منهجية لاكاتوش، فإنّ توجّه بعض المنظّرين لتوظيفها واختبارها، يدلّ على إمكانية تطبيقها على النظريات الوضعية، ولا سيمّ في ظلّ غياب أيّ أداة تقييمية بديلة، مع ضرورة ألّ يجري التركيز على الأساس العلمي للنظريات، على حساب المكونات الأساسية للنظرية 46. لا ينفي إمكانية توظيف منهجية لاكاتوش، بحسب بعض منظري العلاقات الدولية، وجود عدّة محاذير عند التطبيق. ويمكن تحديد أهم الإشكالات التي تواجه الباحثين عند استخدام برنامج البحث للاكاتوش على نظريات العلاقات الدولية في الآتي: تتمثلّ الإشكالية الأولى في غياب تحديد واضح لمفهوم البرنامج البحثي، وهذا يثير عدّة تساؤلات؛ أهمّها: هل تساوي كلّ نظرية برنامجًا بحثيًا؟ وهل يمكن اعتبار كلّ مجموعة من النظريات تحمل منطلقات فلسفية متشابهة؛ برنامجًا بحثيًّا واحدًا؟ 47 فغياب تعريف واضح للبرنامج البحثي، يفسح المجال للباحث لاختيار التعريف على نحو ضيق أو واسع، وتستمر المعضلة؛ لأنّ كلّ توجّه له مزايا وقيود 48. ففي حال عُرِّف البرنامج على نحو ضيّق، يصبح الموضوع قيد الدراسة نظريّةً واحدة، أمّا إذا عُرّف على نحو واسع فيصبح شبكةً من النظريات المترابطة 49. وتتعلق الإشكالية الثانية بالنواة الصلبة، وذلك للأسباب التالية: أولً، من الواضح أن لاكاتوش انطلق من مسلّمة بوجود نواة صلبة لكلّ برنامج بحثيّ في العلوم الطبيعية، مُدعِّمً ذلك بالأمثلة التي تطرّق إليها، مثل وجود ثلاثة قوانين، والتي تمثّل النواة الصلبة لبرنامج نيوتن 50، ولكنّ هذا يَصعُب تطبيقه على نظريات العلوم الإنسانية والاجتماعية، لغياب قوانين محدّدة تنطلق منها، فالمتغيّ ات في العلوم الإنسانية غير متجانسة ومتنوّعة بعكس العلوم الطبيعية؛ ما يُصَعِّب تحديدها وضبطها. ثانيًا، لم يقدّم لاكاتوش تعريفًا محدّدًا للنواة الصلبة، لافتراضه بسهولة إيجادها وتحديدها لكلّ برنامج بحثيّ، وربما هذا السبب جعله يتجاهل وضع تعريف محدّد لها. وهذا يضع المنظرين والباحثين أمام إشكالية الاختلاف والجدل حول إيجاد افتراضات النواة الصلبة، وهذا ما أكده مارك بلاوغ Blaug Mark بقوله: "لا توجد طريقة لتحديد المحتوى الدقيق للنواة الصلبة لأي برنامج بحثي[...]من شأنه أن يحظى بالموافقة العامة من جميع منظري هذا البرنامج[...] فكرة أن تحديد النواة الصلبة هو تمرين لا لبس فيه هو بالتأكيد فكرة ساذجة" 51. اقتصر لاكاتوش بإشارته إلى أنّ النواة الصلبة تضم افتراضات رئيسة غير قابلة للدحض أو التفنيد. ويبدو هذا التعريف غير كاف، وليس مُحدِّدًا أساسيًا يمكن الارتكاز عليه في تقييم للنظرية، سواءً أكانت برنامجًا بحثيًا واحدًا، أو متعدّدة البرامج. وممّ يُعقّد تحديد النواة الصلبة للنظرية الواقعية أنّها عبارة عن خيمة واسعة، تحتها مدارس مختلفة بحسب بعض باحثي العلاقات الدولية 52.
ثالثًا، تنبع الإشكالية المتعلقة ببرنامجه البحثي من التعريف الفضفاض لهذا البرنامج، وهذا ما جلّ ه بلاوغ، فجميع الأسئلة المطروحة في بحثه التي لم يستطع الإجابة عنها لا تعني "الفشل في تقديم إجابات لها من خلال لاكاتوش، وإنما هيكلية البرنامج البحثي موصوفة على
نحو فضفاض إلى درجة أنه يمكننا أن نلائمها مع أي إجابة" 53. وقد فشل لاكاتوش في ترسيم معالم عناصر برنامجه البحثي، فهو لم يُعرّف بوضوح العناصر الأساسية لبرنامجه مثل النواة الصلبة، والحزام الواقي، والحقائق الجديدة وغيرها 54. واستنادًا إلى ما سبق، يتضّ ح وجود إشكالات في برنامج لاكاتوش البحثي، كما أنّ أسلوبه في الكتابة فيه غموض، فقد وصفه ستيفن فان فيرا Evera Van Stephen بقوله: "حجج لاكاتوش مخفية جيدًا في نثر معذب يعطي معنى جديدًا لعبارة 'مكتوبة على نحو سيئ'، ولا توجد قراءة مؤكدة أو خاطئة على الإطلاق لمثل هذه الكتابة المروعة" 55. ولا تعني الإشكالات السابقة والغموض استبعاد منهجية لاكاتوش، وذلك لانعدام آليات تقييم أخرى للنظرية غير مستمدة من العلوم الطبيعية؛ لذا يُحتّم استخدامه إفساح المجال لاجتهادات الباحثين لمعالجة الإشكالات الآنفة ومسألة الغموض.
رابعًا: تطبيق منهجية لاكاتوش على مفهوم الفوضى في النظرية الواقعية
1. البرنامج البحثي
أثار عدم تقديم لاكاتوش تعريفًا واضحًا لمفهوم البرنامج البحثي، مكتفيًا بأنه سلسلة من النظريات المترابطة، جدالات نظرية تتعلّق باعتبار النظرية الواقعية بتفرعاتها المختلفة مدرسةً واحدةً أو عدّة مدارس؛ ما نتج منه بروز تيارين رئيسين: الأول، يدعم فكرة أنّ النظرية الواقعية برنامجٌ بحثيٌّ واحدٌ يضمّ داخله كًّلًّ من النظرية الواقعية الكلاسيكية، والواقعية الجديدة، والواقعية الكلاسيكية الجديدة، ومن أنصار ذلك: جون فاسكيز Vasquez John 56، وراندال شويلر Randall Schweller 57. أما التيار الثاني، فأكّد أنّ كلّ مدرسة في ثنايا النظرية تمثّل برنامجًا بحثيًّا مستقًّلًّ بذاته، ومن الخطأ اعتبارها برنامجًا واحدًا، وذلك نابعٌ من افتراضهم بأن كل واحدة تحمل منطلقات وافتراضات تختلف عن الأخرى، وهذا يدعمه والتز 58 وستيفن والت Stephen M. Walt 59. تطبيقًا لذلك، في حالة اعتبار النظرية الواقعية برنامجًا بحثيًّا واحدًا، يُنظر إلى التعديلات المختلفة التي أجرتها الواقعيات المختلفة على أنّها محاولاتٌ لمعالجة الشذوذ في البرنامج البحثي الواقعي؛ ما يعني إحداث تغيير داخل الحزام الواقي، مع الإبقاء على النواة الصلبة، عندها تُسمّى بتحول المشكلة داخل البرنامج؛ حيث يُحتفظ بالبرنامج البحثي. أما إذا قُدِّمت فرضياتٌ جديدةٌ قوّضت السابقة، فهذا معناه ظهور برنامج بحثيّ جديد، وهذا ما يسميه لاكاتوش بتحول المشكلة بين البرامج. بذلك تُعد كل نظرية داخل المدرسة الواقعية برنامجًا بحثيًّا واحدًا مستقًّلًّ، وتحمل كل واحدة افتراضات مختلفة عن الأخرى. وهذا تفسيره أنّ منظري الواقعية طوروا نظريات جديدة، من خلال التعديل على النواة الصلبة. يشير ذلك إلى عدم قدرة النظرية وافتراضات النواة الصلبة على تفسير الأحداث الدولية، ومؤداه انتكاسة البرنامج البحثي. كما ذُكر سابقًا، تستند هذه الدراسة إلى افتراض والتز بأنّ كلّ مدرسة داخل النظرية الواقعية هي برنامجٌ بحثيٌ مستقلٌّ، فتجري معالجة مفهوم الفوضى داخل النظرية الواقعية الجديدة، باعتبارها برنامجًا بحثيًّا مستقًّلًّ، لدراسة كيف جرى التعامل مع حالة الشذوذ التي طرأت بعد الحرب الباردة. 2. الفوضى بصفتها جزءًا من النواة الصلبة اتضح بعد مراجعة أدبيات منظري الواقعية والدراسات المتعلقة بها، غياب أيّ اتفاق بينهم حول الافتراضات الرئيسة للنظرية، من ثمّ لا يوجد إجماعٌ حول النواة الصلبة، فتراوحت الافتراضات التي قدّمها المنظرون والباحثون من اثنين إلى عشرة 60. فالواقعية قوامها افتراضان رئيسان حسب ليجرو ومورافسيك؛ الأول: الدولة فاعلٌ عقلانيٌّ، والثاني؛ فوضى النظام الدولي 61. أمّا الافتراضات الثلاثة لفاسكيز؛ فأولها، أهم فاعل في العلاقات الدولية هي الدولة. وثانيها،
تمييز الواقعية بين السياستيَن المحلية والدولية. وثالثها، الصراع على القوة بوصفها السمة الأساسية للعلاقات الدولية 62. أما افتراضات شويلر وبرييس Priess David فتقوم على: أولً، الأفراد يواجهون بعضهم بعضًا من خلال انتمائهم إلى مجموعات تحمل كل واحدة ولاءها ومصلحتها الخاصة؛ لذا اتجه بعض الدارسين في العالم المعاصر إلى أن "مجموعة الصراع الرئيسة هي الدولة القومية"، وبعبارة أسهل يعبّ عنها الواقعيون: إنّ الدولة هي اللاعب الرئيس في العلاقات الدولية. ثانيًا، البنية الفوضوية للنظام الدولي في ظل غياب سلطة مركزية قد تلجأ إليها الدول في حال تعرضها لتهديد أو هجوم، فيتحتم على كلّ دولة قومية الاعتماد على مصادرها الخاصّة، وزيادة قوّتها من أجل البقاء 63. ثالثًا، الطبيعة التصارعية للعلاقات الدولية لتناقض المصالح بين الدول، وقد أكد نيكولاس سبيكمان Nicholas Spykman ذلك، معتبرًا أن العالم لا يستطيع العيش من دون صراع، ففي اللحظة التي سيتوقف فيها الصراع ستنتهي الحياة. هناك انقسام بين الواقعيين حول سبب حتمية الصراع بين الدول، فيرجعه بعضهم، كالكلاسيكيين، إلى ندرة الموارد الطبيعية والطبيعة البشرية، وآخرون يرجعونه إلى فوضوية النظام الدولي، وغياب الثقة بين الدول، وهذا يُولّد المعضلة الأمنية. رابعًا، القوة عاملٌ مركزيٌّ وأساسيٌّ في السياسة الدولية؛ ففي ظلّ الفوضى يجب على الدولة مراكمة قوتها العسكرية؛ إما للدفاع عن ذاتها، وإما للتوسع والسيطرة على الآخرين، وهذا ما أشار إليه والتز "بالنسبة إلى كل دولة، فإن قوتها فيما يتعلق بالدول الأخرى هي في نهاية المطاف مفتاح بقائها" 64. لخّص كيجلي افتراضات النظرية الواقعية بعشر نقاط أساسية: أولً، البشر بطبيعتهم أشرار وملوثون بالخطيئة. ثانيًا، المحرك الأساس للسلوك العدواني للبشر هو شهوتهم للقوة ونزعتهم إلى السيطرة على الآخرين. ثالثًا، فكرة القضاء على غريزة شهوة القوة للأفراد طوباوية بامتياز. رابعًا، اتفق في وصفه للسياسة الدولية مع هوبز بأنّها "حرب الكل ضد الكل." خامسًا، في ظلّ البيئة التصارعية، جميع الدول تخضع لهدف واحد وهو "المصلحة الوطنية"؛ أي تجميع القوّة لتحقيق الأهداف الوطنية. سادسًا، فوضوية النظام الدولي تستدعي من الدول امتلاك القدرات العسكرية لردع الأعداء المحتملين. سابعًا، الاقتصاد أقلّ ارتباطًا بالأمن القومي مقارنة بالقوة العسكرية، ومع ذلك تعدّ الأولى وسيلةً مهمّة لاكتساب القوة والهيبة الوطنية. ثامنًا، قد تكون التحالفات الدولية عاملً يزيد من قدرة الدولة بالدفاع عن نفسها، ومع ذلك لا يمكن الوثوق بالحلفاء أو المراهنة على ولائهم المطلق. تاسعًا، لا تعويل على المنظمات الدولية أو القانون الولي. عاشرًا، الوسيلة الأساسية للحفاظ على استقرار النظام الدولي تتجلى بالحفاظ على التوازن أو القوة 65. وبهذا يتبيّ أن منظري الواقعية متفقون على أنّ النظام الدولي فوضوي نتيجة غياب سلطة مركزية، تكون فيه الدول الفاعل الأساسي في العلاقات بينها 66. في ضوء غياب تعريف موحد للنواة الصلبة، وعدم إجماع منظري الواقعية حول الافتراضات العامة للنظرية، إلا أنهم أجمعوا حول مركزية مفهوم الفوضى بصفتها نواة صلبة، سواءً أكانت برنامجًا بحثيًّا واحدًا، أو برامج بحثية منفصلة. هذا يستدعي إلقاء الضوء على مفهوم الفوضى من حيث التعريف ومركزيته داخل كلّ مدرسة، بدءًا من الواقعية الجديدة إلى الواقعية الكلاسيكية الجديدة.
3. الفوضى بصفتها نواة صلبة في البرنامج البحثي الواقعي الجديد
يؤمن الكلاسيكيون بأنّ النظام الدولي هو في حالة فوضى نتيجة غياب سلطة مركزية فوق سلطة الدول؛ ما يثير هاجس الدول حول توازن القوة، إلا أنّ هذا "القيد البنيوي يُعتبر سببًا من الدرجة الثانية لسلوك الدولة، حيث يتمثل الدافع الأساسي في السياسة الدولية في الرغبة في القوة المتأصلة في دول النظام كافة التي تدفعها جميعها للسعي وراء التفوق" 67. وبالرغم من وجود تشابهات عديدة بين النظريات الواقعية، فإن هناك تباينًا بين الواقعية الكلاسيكية والواقعية الجديدة حول مسألة الطبيعة البشرية، وتصورهم للفوضى الدولية؛ فالأولى تحمل رؤيةً تشاؤميةً للطبيعة البشرية حول سلوك الأفراد وتصرفاتهم داخل الدولة القومية ذات السيادة، وهذه الطبيعة متجذّرةٌ في السياسة الدولية، وعليه ستبقى فوضويةً وصراعيةً بسبب طبيعة الإنسان 68. أما واقعية والتز الدفاعية فقد ابتعدت عن ربط أسباب الصراع بالطبيعة البشرية، متجنبة أيّ مناقشة لهذه الطبيعة. وقد بنى أسسًا
أكثر علمية للواقعية الجديدة، منطلقًا من افتراض أساسيّ؛ بأنّ فوضى النظام الدولي هي المسبّب النهائي لسلوك الدول، وهذا ما يتيح التوصل لاستنتاجات تتميّز بالواقعية 69. ولا يشكل الدافع الفطري للقوة سببًا كافيًا للحرب عند البنيويين، ولا يمكن فهم السياسة الدولية إلا بإضافة تأثير بنية النظام الدولي 70. وبحسب والتز لا يعدّ النظام ممكنًا في الفوضى فحسب، بل هو القاعدة 71، ولذلك استخدم الفوضى معيارًا للتمييز بين السياسة الدولية والسياسة المحلية. تتشكّل الأخيرة من علاقات الحكم السياسي التي ينسج ترتيبها هرميًا Hierarchy؛ أي عموديًّا، أمّا السياسة الدولية فتنظم على نحو فوضوي Anacrhy؛ أي أفقيًّا لغياب حكومة عالمية 72. ويجادل بأنّ "الدول تعمل في سياق من الفوضى التي تملي أنواعًا معينة من الأولويات والسلوكيات[...]لضمان النظام الدولي والميزة النسبية داخلها" 73. تفترض واقعية جون ميرشايمر Mearsheimer J. John أنّ الأسباب الرئيسة لسلوك الدول متجذرة في النظام الدولي؛ فقد قال: إن "عوامل بنيوية مثل الفوضى وتوزيع القوة هي الأهم في تفسير السياسة الدولية، ولا تعير نظريتي انتباهًا كبيرًا للأفراد أو الاعتبارات السياسية المحلية من نوع الأيديولوجيا مثلً، وتتعامل نظريتي مع الدول على أنها صناديق سوداء أو كرات بلياردو" 74. إذًا، تعتبر الاختلافات المحلية للدول غير مهمة نسبيًا؛ لأنّ النظام الدولي يخلق قيودًا وضغوطات قوية ومباشرة؛ ما يضع الدول تحت أوضاع مماثلة، ثم اتباع سلوك مشابه؛ لذا لا تعي أيّ أهمية لخصائصها الداخلية، لفهم سبب تصرف الدولة بطريقة صحيحة، يؤكّد الهجوميون ضرورة دراسة بيئتها الخارجية، وقدراتها النسبية؛ لأنّ هذه العوامل ستترجم سلوك الدولة وسياستها الخارجية، والطريقة الأنسب لتحقيق مصالحها 75. تفضّ ل واقعية ميرشايمر المتغيرات النظامية؛ لذا تنطلق نظريته من فرضيات مماثلة لنظرية والتز، ويؤمن الاثنان أنّ الهدف الأساسي للدول داخل النظام الدولي الفوضوي هو البقاء، ويتفقان أنّ هيكله هو المدخل والمفتاح الأساس لفهم السياسة الدولية 76. سعت الواقعية الهجومية إلى إعادة صياغة نظرية والتز التي لم تفسر الأسباب المأساوية لنشوب الصراع على نحو متكرر بين القوى العظمى في النظام وسعيها نحو الهيمنة، من خلال الاستراتيجيات العدوانية التي تعدّ استجابة العقلانية لبنية النظام الدولي، مضيفًا دورًا مهمً لكلّ من القوة والجغرافيا في السياسة الدولية 77. بناءً على الفوضوية، لخص كريستوفر لاين Layne Christopher الافتراضات الرئيسة التي يتبناها الهجوميون لطبيعة السياسة الدولية، بما يأتي: أولً، الأمن نادرٌ في النظام الدولي. ثانيًا، السياسة الدولية مجالٌ للتنافس والصراع الحتميين، وعلى عكس الدفاعييّن لا توجد عوامل موازنة تُخفِّف من صراع القوى العظمى على القوة والأمن. ثالثًا، يترجم الهجوميون مسألة انعدام الأمن بأنّ السياسة الدولية هي بمحصلتها لعبةٌ صفريّةٌ؛ لأنّ اكتساب دولة ما القوة النسبية؛ هو تلقائيًا فقدان القوّة النسبية لجميع الدول الأخرى. رابعًا، خيارات الدول في هذه البيئة الدولية تُعدّ معدومةً، فتضطر لاتباع استراتيجيات تزيد من قوّتها، وتؤثّر في منافسيها 78. وبين لاين أنّ الفوضى تضفي نكهةً مميزةً على النظام السياسي الدولي، فهو قائمٌ على مبدأ المساعدة الذاتية، همّ الدولة فيه بالمقام الأول هو البقاء، وعليه يصبح الأخير أسمى هدف يمكن أنْ تُحققه الدولة، في ظلّ غياب سلطة مركزية 79. لذا لا تترك الفوضى للدول سوى خيارات قليلة للبقاء، ونتيجة هذا التنافس، يصبح العالم مكانًا خطيرًا تحارب فيه الدول بعضها بعضًا. وطالما هناك رغبة مستمرة للدول للحفاظ على ذاتها، فإنّ موازين القوى ستتشكل، ويُعَاد ضبطها بصورة دائمة، لمنع تركزها بيد دولة واحدة أو مجموعة دول 80.
بناءً على ما سبق، تُجمع المدارس الواقعية الجديدة على افتراض مشترك، متمثّل بمركزية البنية الفوضوية للنظام الدولي، وتطبيقًا لذلك يمكن اعتبار الفوضى النواة الصلبة للبرنامج البحثي الواقعي الجديد.
خامسًا: الدفاع عن مركزية الفوضى بصفتها نواة صلبة: ولادة أنواع جديدة من التوازن
نتج من انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة ظهور حالة من الشذوذ داخل البرنامج البحثي الواقعي. زعم بعض الكُتّاب في حقل العلاقات الدولية بأنّ نهاية هذه الحرب سرّعت من وتيرة تدهور النظرية الواقعية. وشكلت هذه الحرب اختبارًا صارمًا لنظرية، سعت طيلة الوقت للدفاع عن التوازنات داخل النظام الدولي بشكليه؛ الثنائي والمتعدّد الأقطاب، وعدم استمرارية النظام أحاديّ القطبية 81. اعتبرت النظريتان، الواقعية الدفاعية والهجومية، غير مهيأتيَن لتفسير العلاقات بين الدول في نظام القطب الواحد؛ وخصوصًا غياب قوة موازنة 82، وهذا دفع منظري الواقعية للدفاع عن نظريتهم لكونها صالحةً لتفسير السياسة الدولية.
يرتبط مفهوم الفوضى ارتباطًا وثيقًا بمفهوم التوازن، ويشترك جميع الواقعيين في أنّ الفوضى هي حالةٌ مستمرةٌ لا يمكن تجاوزها؛ لذا يُعتبر ميزان القوى أداة التحليل الرئيسة لدى الواقعيين، والضامن لاستقرار الأنظمة الدولية 83. أما تفرّد دولة عظمى في النظام الدولي، فيهدد استقراره، بحسب الواقعيين، وقد وصف "منذ أيام ثيوسيديدس، فالنظرية الواقعية لا تؤمن بإمكانية 'تقعيد' النظام الدولي على 'رِجل' واحدة، بل لحاجته إلى 'أرجل' عدّة (اثنتين أو أكثر) ليتحقق له الارتكاز" 84. تفرض حالة الشذوذ التي طرأت على النظرية الواقعية طرح سؤال رئيس: كيف تعاملت الواقعية مع الحقائق الجديدة؟ وهل تخلّت عن الفوضى بصفتها مفهومًا أساسيًّا يقع ضمن النواة الصلبة للبرنامج البحثي، أم أنّها لم تجرِ أيّ تعديلات عليها، وتعاملت مع الحقائق الجديدة بإدخال تعديلات على الحزام الواقي؟ عمومًا، يحتوي البرنامج البحثي للاكاتوش على مجموعة من الأفكار حول كيفية "ملء الفراغ" وحلّ الشذوذ الذي يواجهه، وإدخال افتراضات جديدة للتناسب مع المتغيرات التي تحدث على أرض الواقع 85؛ إذ تعمل حالة الشذوذ على تفعيل ما يُسمّى بالكاشف الإيجابي الذي يقوم بدور أساسيّ في حماية النواة الصلبة. استنادًا إلى ذلك، يجري الدفاع عن النواة الصلبة للبرنامج البحثي الواقعي بالتعديل على الأحزمة الواقية والافتراضات المساعدة. ولأن وظيفة أيّ نظرية هي تقديم تفسيرات حول الظواهر الدولية، كان لا بد للنظرية الواقعية من أنْ تقدّم إجابةً عن سبب استمرار الهيمنة الأميركية ثلاثين عامًا، في ظلّ عدم عودة النظام نحو التوازن بأحد شكلَيه؛ ثنائي أو متعدّد الأقطاب. يدفع عدم قدرة البرنامج البحثي الواقعي بحسب لاكاتوش في التعامل مع تلك الحقائق الجديدة، والتي تتمثل هنا بغياب التوازن التقليدي وبروز نظام جديد تهيمن عليه قوةٌ عظمى وحيدةٌ، يدفع ذلك البرنامج نحو الانتكاسة. وهذا ما وضع منظري الواقعية أمام معضلة كبيرة، فإمّا أنْ يغيّ وا النواة الصلبة بالاعتراف أنّ النظام الدولي أصبح تسلسليًا، وهذا يُعدّ خروجًا صريحًا على الافتراضات الأساسية التي تنطلق منها، والمتمثّلة بفوضوية النظام الدولي، وهذا يقود إلى انهيار البرنامج البحثي الواقعي. وإمّا أنْ يجروا تعديلات على الحزام الواقي بهدف حماية النواة الصلبة من الشذوذ، والبرنامج البحثي من الانتكاسة. وُيُ كِّن إدخال تعديلات على الحزام النظريةَ من التعامل مع الحقائق الجديدة، ومن ثمّ يكون البرنامج تقدميًا. انقسم منظرو الواقعية إلى تيّارَين رئيسين في تعاملهم مع استمرارية نظام أحادي القطبية؛ دافع أوّلهما عن عودة القطبية الثنائية مثل والتز ولاين، مستبعدين بذلك الخيار الأول برفضهم إدخال
أيّ تغييرات، سواءً على النواة الصلبة وحتى الحزام الواقي، وبقوا مصمّمين على أنّ هذه الحقائق الجديدة التي ظهرت في النظام ستزول حتمً، وسيرجع النظام الدولي كما كان سابقًا. أمّا الثاني، فلم يدخل تعديلات على النواة الصلبة، من خلال إبقائه على مركزية مفهوم الفوضى بصفتها مدخلً أساسيًّا لتفسير السياسة الدولية، وإنّ ا أجرى تعديلات على الحزام الواقي. تعيش الدول في عالم والتز في حالة الفوضى، فالأمن والبقاء يعتمدان على توزيع القوّة، أو توازن القوى، وقدرة الدول على الحفاظ عليه. فالدول تتنافس في بيئة فوضوية، والتوازن يسود عندما تتعايش دولتان أو أكثر 86. إذًا، الفوضى هي سمةٌ ثابتةٌ في النظام الدولي، وبقيت مركزيةً في عالم ما بعد الحرب الباردة بحسب والتز. وتعديلً على الحزام الواقي؛ قدّم واقعيون على غرار والت وروبرت پيب Pape Robert وميرشايمر، أطروحات تعديلية على توازن القوى، لتلائم التغيرات التي حدثت في النظام الدولي، فظهرت أشكال متعددةٌ من التوازنات: توازن التهديد، والتوازن الناعم، والتوازن خارج المجال 88. وقد أعاد والت صياغة نموذج والتز لتوازن القوى، في مفهوم أسماه "توازن التهديد" Threat of Balance، ويُعدّ من أول أنواع التوازنات، معتبرًا إياها نظريةًاستكماليةً، وليست تبديليةً لنظرية التوازن التقليدية، مشيرًا إلى أنّ المقدّرات التي تشكّل تهديدًا؛ تدفع بالدول نحو تنظيم تحالفات لمواجهة هذه التهديدات، بغضّ النظر عن كون هذا التهديد حقيقيًا؛ ما ينتج منه تشكيل أحلاف دولية مضادّة 89. يتضّ ح ممّ سبق، أنّ والت أبقى على دور الفوضى بصفتها عاملً مركزيًا في عالم ما بعد الحرب الباردة، فهي لا تعمل مباشرةً على تشكيل المعضلة الأمنية، وزيادة احتمالية الحرب، بل هناك متغيرٌ وسيطٌ مرتبطٌ بوجود تهديد فعليّ، أو ناتج من تقديرات الدول الكبرى، فأدخل تعديلات على اشتغال تأثيرات الفوضى في سلوكيات الدول الكبرى في النظام الدولي، فغدت المعادلة؛ الفوضى مع التهديد تؤدي إلى تشكيل توازن التهديد. أما مفهوم التوازن الناعم Soft Balance، فجاءَ لتفسير سبب عدم ظهور التوازن بشكله الصلب، الذي تحدّث عنه والتز ولاين، وسوّغ كلّ من پيب وت. ڤي. بول Paul T.V. ذلك بوجود نوع جديد من التوازن، مختلف في الشكل والمضمون عن التوازن الصلب، وأُطلق عليه تعبير التوازن الناعم. فهم لم ينفوا وجود توازن، ولكن تربع الولايات المتحدة على قمة هرم النظام السياسي أدّى إلى وجود تخوفات وحسابات مختلفة لدى الدول الكبرى، دفعها إلى اتباع سياسات وسلوكيات تمظهرت في محاولة إعاقة هيمنة الولايات المتحدة، وليس مواجهتها 90. يقود هذا الطرح إلى الاستنتاج أنّ وجود نظام أحاديّ القطبية لا يمكن أنْ يدفع الدول إلى التغاضي عن تأثيرات الفوضى، ولكن عدم وجود إمكانات حالية، وتخوّفها من مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، يدفعها إلى عدم الاستسلام، وانتهاج سلوكيات مختلفة، يمكن وضعها في صورة إطار مخفّف من التوازن. فيُمسي التوازن الناعم إعدادًا مستقبليًا، لإعادة تفعيل التوازن الصلب. فسمة النظام الفوضوي تدفع الدول باستمرار إلى الخوف، ويُدخلها في معضلة أمنية، ولكن وضع الولايات المتحدة دفعها إلى انتهاج توازن مخفّف، تحضيرًا للتوازن الصلب في حال استمرت الولايات المتحدة في سلوكها العدواني. وصِ يغ المفهوم التعديلي الآخر، وهو "التوازن خارج المجال" Balance Off-Shore، على يد لاين، وطُوّر على يدي ميرشايمر ووالت، معتبرين أنّ التوازن يحدث خارج مجال الولايات المتحدة. فجادلا بأنّ الولايات المتحدة اتبعت استراتيجية "التوازن الخارجي" في القرن العشرين، من خلال منع الدول الكبرى من السيطرة على مناطق مهمّة في العالم، بدلً من أنْ تُهيمن عليها 91. يُستدلّ من هذا الطرح الإبقاء على مفهوم الفوضى، ولكنّ الصراع انتقل من التنافس على السيطرة العالمية، إلى السيطرة على الإقليم، فالفوضى تدفع الدول العظمى والكبرى إلى محاولة الهيمنة على إقليمها، وهذا ما يقود نحو حتمية الصراع بينها.
سادسًا: تقدمية النظرية الواقعية الجديدة وانتكاستها: مفهوم الفوضى والتوازن
يتطلّب الحكم على تقدمية البرنامج البحثي الواقعي الجديد أو انتكاسته حسب لاكاتوش الرجوع إلى المعايير التي وضعها، والتقييم بناءً عليها. ويُعدّ البرنامج البحثي تقدميًا من منظوره إذا استوفى
المعياريَن التالييَن: أولً، الاستمرار في التقدم نظريًا، وهذا يستلزم التنبؤ بحقائق جديدة. ثانيًا، أنْ يكون تقدميًا من منطلق تجريبي 92. تجدر الإشارة إلى أنّ تطبيق المعايير السابقة ليس بالأمر السهل؛ لأنّ الحكم على البرنامج البحثي "لا يجري بصفة قطعية أو نهائية؛ فربما يكون البرنامج تقدميًا في فترة معيّنة، ثم يتراجع ليعود لاحقًا إلى التقدمية. ويمكن أن تمر البرامج الضعيفة بزيادات نسبية في التقدم النظري أو التجريبي، ولمّا كانت تميل إلى التقدم بنسب مختلفة، فإن عملية الاختيار بينها في أي لحظة قد لا تكون سهلة أو واضحة" 93. يُستنتج من ذلك صعوبة الحكم على تقدمية البرنامج البحثي الواقعي وانتكاسته؛ لهذا السبب اختير مفهوم الفوضى في هذه المقالة لصعوبة دراسة كل المفاهيم والافتراضات التي تنطلق منها الواقعية الجديدة للحكم عليها من خلال منهجية لاكاتوش. تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن الحكم أيضًا على تقدمية البرنامج الواقعي وانتكاسته من خلال الفوضى؛ لأنّ الحكم على الأخيرة يتمحور حول قدرتها على معالجة الشذوذ، وتجاوز الاختبارات، بعبارة أخرى مدى نجاح الفوضى في الحفاظ على تقدمية الواقعية الجديدة وانتكاستها، وهذا ما أكّده لاكاتوش، من أنّ اكتشاف بجعة واحدة سوداء لا يُقصي البرنامج البحثي، فالتكذيب لا يعني رفض النظرية، فالنظريات يمكن أنْ تتطور مع وجود تلك البجعة السوداء. يثير المعياران السابقان إشكاليتيَن؛ الأولى متعلقة بالجِدَّة، وخصوصًا أنّ هذا المفهوم لم يوضّ حه لاكاتوش؛ ما دفع بلاوغ إلى القول إنّ الحقائق الجديدة بوصفها معيارًا للتقييم هي "أحد الجوانب الأقل تطورًا في البرنامج البحثي" 94. لذا أكد واد هاندس Wade Hands غياب تعريف واضح للجدّة، وأعاد سبب ذلك إلى أنّ لاكاتوش غيّ رأيه في أعماله، أو أنّه حمل أكثر من رأي حول هذا المفهوم 95. قُدمت اجتهادات الباحثين حول ماذا تعني الجدّة، وحاول هاندس حصر هذه الاجتهادات في خمسة توجهات: "أولً، الجدّة الزمنية: حقيقة غير معروفة عندما جرى عمل التنبؤ. ثانيًا، حداثة إرشادية: حقيقة لم تستخدم في بناء النظرية. ثالثًا، حداثة الخلفية التاريخية للنظرية: حقيقةٌ لم تتنبأ بها النظرية السابقة. رابعًا، نظرية الحداثة الخلفية: الحقيقة ليس لها نظيرٌ في نتائج النظريات السابقة. خامسًا، الجِدّة: الحقيقة لم تكن معروفةً للشخص الذي وضع النظرية" 96. ولمعالجة إشكالية وجود تعاريف عدة للجدة، اقترح كلٌّ من كولن إلمان Colin Elman ومريم إلمان Miriam Elman قيام الباحث بتحديد تعريف إجرائيّ واختيار الأنسب منها 97. رغم ذلك، يميل أغلب الباحثين إلى استخدام الجدّة بمعنى الحداثة الإرشادية، أمثال أستاذ فلسفة العلوم جون وورال Worall John، منطلقًا من قاعدة سهلة مفادها عدم إمكانية استخدام القاعدة مرتين؛ فالأولى تكون عند البناء، والثانية في تدعيم النظرية؛ لأنّ شرح الأشياء التي كانت بالفعل معروفةً سابقًا يُعدّ حسب وورال "نجاحًا رخيصًا" 98. اتفق هاندس مع وورال، معتبرًا أنّ التعريف الأكثر شيوعًا في أدبيات لاكاتوش 99، كما أكّد كلٌّ من كولن ومريم أنّه التعريف الأفضل100. لم يعالج اتفاقهم على التعريف الأنسب للجِدّة كل الإشكالات ضمن هذا المعيار، إلا أنّهم اختلفوا حول قضية جوهرية تتعلّق بأهمية توفّر حقائق جديدة للحكم على تقدمية النظرية. ويجادل هاندس بقوله: "لماذا نرغب في قبول الموقف القائل إن الشرط الوحيد الضروري للتقدم العلمي هو توقع حقائق جديدة غير مستخدمة في بناء النظرية"؟ فالنظرية بالنسبة إليه لا تُقيَّم فقط على أساس حقائق جديدة، وإنّ ا هناك معيار العمق، والقدرة على تفسير حقائقَ معروفة 101. ويُعدّ هذا الطرح مهمًا جدًا؛ لأنّه يثير نقاشات حول ضرورة توفّر حقائق جديدة عند الحكم على البرنامج، فهل هي شرطٌ ضروريٌّ، وخصوصًا أنّ بقاء النظرية مرتبطٌ بمعالجة الشذوذ؟ وهل يعني استخدام الحقيقة نفسها أنّ البرنامج البحثي يعاني حالة انتكاسة؟ وهل يمكن استخدام الحقيقة مرتين؟
يجيب كولين إلمان ومريام إلمان عن هذه التساؤلات بقولهما: "إن منتقدي استخدام لاكاتوش لتقييم التقدم محقّون في القول إن أبحاث العلاقات الدولية لا تحتاج _ ولا ينبغي _ الحكم عليها بمعيار الجدة فحسب. ومع ذلك، يظل معيار الحقيقة الجديدة علامة مهمة على النجاح" 102. أمّا المعيار الآخر فهو التجريبية، وهذا ما يقود إلى الإشكالية الثانية المرتبطة بمعيار التجريبية؛ لأنّه لا يمكن الحكم على نظريات العلوم الاجتماعية والإنسانية دائمًا من منطلق تجريبيّ، فمختبراتها هي الواقع، وليس المختبر العلمي. وهذا ما أكّده بلاوغ من أنّ التقدّم في حقل الاقتصاد غالبًا ما يكون "تقدمًا تحليليًّا" مرتبطًا بنحت الأفكار وصقلها، وتوضيح المفاهيم وغيرها، ونادرًا ما يكون "تقدمًا تجريبيًا" 103. والأمر سيّان في حقل العلاقات الدولية، لذا هناك عددٌ من القضايا التي يجب التعامل معها بنظرة نقديّة عند استجلاب منهجيات من العلوم الطبيعية 104. وهنا يُطرح تساؤلٌ إن كان إبقاء الواقعيين الجدد على مفهوم الفوضى من خلال إدخال تعديلات على مفهوم التوازن قد نجح في حماية البرنامج البحثي الواقعي من الانتكاسة؟ وإن كان يمكن الحكم على ذلك من خلال المعيارين الأساسييَن اللذَين وضعهما لاكاتوش؛ وهما الجِدّة والتجريبية؟ بحسب منهجية لاكاتوش، كان هناك خياران أمام الواقعيين الجدد، إمّا التخلّ عن مفهوم الفوضى، ومن ثمّ انتكاسة هذه النظرية، وإمّا إجراء تعديلات على مفهوم توازن القوى. ولا بد من الإشارة إلى أنّ التعديلات التي أُِدخ لت على مفهوم التوازن ضرورية؛ لأنّه في حالة الإبقاء على مفهوم التوازن التقليدي سيقود ذلك إلى مزيد من الانتقادات للواقعية الجديدة، وربّ ا تخلّ بعض المنظرين عن هذا المفهوم، كما فعل وليم وولفورث Wohlforth William الذي خرج عن السياق الواقعي باعترافه بأنّ النظام الحالي هو أحاديّ القطبية، لتمتّع الولايات المتحدة بهامش متفوق في كلّ ركائز القوّة عن بقية الدول الأخرى. واستنبط أنّ أحادية القطب من المرجح أنْ تدوم طويلً، وسيتمتّع النظام بالاستقرار؛ معلِّلً ذلك بالتكاليف الباهظة التي ستتكبدها الدول الأخرى في معمعة مواجهتها للهيمنة الأميركية 105. تطبيقًا للمعيارَين السابقَيَ على البرنامج البحثي الواقعي الجديد فيما يتعلّق بمفهومَي الفوضى والتوازن، يظهر أنّ مفهوم التوازن ليس بالجديد؛ فهو موجودٌ منذ القدم، فقد أشار إليه ثيوسيديدس في روايته عن الحرب البيلوبونزية. وهذا أمرٌ طبيعيٌ؛ لأنّ الإبستيمولوجيا في العلوم الاجتماعية والإنسانية تكون فيها المعرفة عمليةً تراكميةً، لكن الواقعيين الجدد عندما واجهوا إشكالية الشذوذ خرجوا عن المفهوم التقليدي لتوازن القوى، ناحتين مفاهيم جديدة مثل توازن التهديد، والتوازن خارج المجال، والتوازن الناعم، بإضافة متغيرات جديدة. إذا كان معيار الجِدّة مرتبطًا بوجود حقائق جديدة لم تستخدم بالمطلق، فهذا لا ينطبق تمامًا على مفهوم التوازن، فهو مفهوم قديمٌ، ولكنّ المنظّرين الواقعيين الجدد أدخلوا عليه تعديلً جوهريًا بإضافة متغيرات جديدة، فالتوازن لم يعد يتحقّق على نحو تلقائيّ بمجرّد حدوث هيمنة. وهنا تبرز صعوبة اعتبار الحكم على التوازنات الجديدة قطعيًّا، ومن ثمّ فهي متروكةٌ لاجتهادات الباحثين. وعلى الرغم مما سبق، لا يمكن تجاهل أهمّ قضيّة عالجتها هذه التعديلات، وهي مسألة التناغم ما بين النظري والواقع العملي، وعليه تتبنى هذه المقالة افتراض والت الذي جادل بأنّ التعديلات في النظرية التي لا تنتج حقائق جديدة لا يجب استبعادها بقوله: "لا يزال التعديل الذي يحل مشكلة شاذة قائمة، ولكنه لا يؤدي إلى أي حقائق جديدة أخرى تمثل تقدمًا في فهمنا؛ بعد كل شيء، فإنه يجيب عن اللغز" 106. بمعنى أنّ الواقعيين الجدد نجحوا في التعامل مع حالة الشذوذ المتمثّل باستمرار نظام أحاديّ القطبية، وعدم عودة التوازن. أمّا من الناحية التجريبية، فقد قدّم الواقعيون الجدد دلائل مستنبطة من سلوكيات الولايات المتحدة والدول الكبرى؛ فقد قدم والت تفسيرًا حول غياب أيّ محاولة جادّة من الدول الكبرى لموازنة القوّة الأميركية المهيمنة من خلال مفهومه توازن التهديد. وتقوم أطروحة والت على أنّ الدول لا تتجه نحو التوازن، إلا في حال أظهرت القوة المهيمنة نيات هجومية، وعليه تتشكل التحالفات لتحقيق التوازن ضد التهديدات 107. وانطلق والت من فكرة سمعة واشنطن ونيّاتها الحميدة، لتفسير سبب غياب أيّ شكل من أشكال التوازن؛ لأنّ الأخير يتحقق عند المزج بين القوة والنيّات العدوانية، وهذا ما سيشكل التهديد، فقد يكون للدول نيّات جيدة أو سيئة، والدول التي تحمل نيّات عدوانية تستفزّ
الآخرين للتوازن ضدها. بناءً على هذه الأطروحة، طالما تتبع الولايات المتحدة سياسةً خارجيةً معتدلةً، ولا تُظهر أيّ نيّة عدوانية، فلن تُشكّل تهديدًا للدول الكبرى؛ لذا لم تحدث ما بين عامي 2000-1990 حالاتٌ مهمةٌ للموازنة ضدّ الولايات المتحدة. ولكنْ كان هناك استياءٌ من "غطرسة" الهيمنة الأميركية في تسعينيات القرن الماضي، تحديدًا من القوى الكبرى، والدعوة لتشكيل "ثقل موازن"، لكن ذلك لم يتحقق، واقتصر على الخطاب 108. ويخلص والت إلى أنّ هيمنة الولايات المتحدة في النظام الدولي، واستمرار نظام أحادي القطبية من عدمه، محكومٌ بسلوكها، فإذا تصرفت بعدائية، فهذا يدفع الدول الأخرى إلى التكتل لمواجهة التهديدات المترتبة على ذلك 109. قدّم پيب سببًا لعدم محاولة أيّ دولة كبرى إعادة تشكيل التوازن التقليدي مقابل الولايات المتحدة من خلال مفهوم التوازن الناعم. واعتبر أنّ التفاوت في القوة والقدرات بين الدول الكبرى ودولة القطب الواحد، يحول دون قدرة الدول الأخرى على تشكيل توازن ضدّ القوة الأميركية المهيمنة. نتيجة ذلك، ستبرز دولٌ ترفض التبعية والالتحاق بالقوّة الأميركية، وفي الوقت ذاته لا تمتلك جرأةً لتشكيل تحالف ضدّها، كما أنّها ستخسر نتيجة ارتباط مصالحها مع القوّة المهيمنة. وقد دفع ذلك بعض المنظرين إلى الادعاء بأنّ الدول ستتجه في ظلّ ذلك نحو التوازن الناعم 110. ربط پيب التوازن الناعم بالسياسات العدوانية الأحادية كالحروب الوقائية والاستباقية، واستراتيجية الأمن القومي التي اتخذها الحزب الجمهوري في عهد الرئيس جورج بوش، في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما خلّفته من استياء لدى الدول الكبرى التي قبلت الهيمنة الأميركية عقدًا من الزمن 111. وفي هذا السياق، أشار پيب إلى القيود التي فرضتها الدول على تصرفات الولايات المتحدة، في محاولة منها للحدّ من نفوذها وهيمنتها بطرق غير مباشرة. وحدّد الوسائل التي جرى اتباعها، وجميعها تتعلّق باستخدام وسائل دبلوماسية واقتصادية؛ ما نتج منه تأسيس تكتلّات اقتصادية، وفتحُ مجالات تعاون سياسي ودبلوماسي بين الدول المتفقة على مواجهة الهيمنة الأميركية؛ ما يؤدي إلى تعزيز الثقة المتبادلة بينها من جهة، وتنسيق مصالحها المشتركة على حساب الهيمنة الأميركية من جهة أخرى 112. أمّا مفهوم التوازن خارج المجال فيقوم على منطق استراتيجية التوازن خارج إقليم الولايات المتحدة؛ وتحقيقه يشترط توقف واشنطن عن مدّ نفوذها في أوروبا، وشرق آسيا، والخليج العربي، في حال عدم وجود قوة مهيمنة محتملة. وعند وجود قوة مهيمنة محتملة، فعلى الولايات المتحدة الاعتماد على الجهات الفاعلة الإقليمية، كخطّ دفاع أوّل؛ لأنّ لديها المصلحة الكبرى في منع أيّ دولة من الهيمنة عليها. باختصار، على واشنطن "نقل المسؤولية" إليها. إذا لم تستطع القوى المحلية احتواء القوة المهيمنة المحتملة بمفردها، فعلى الولايات المتحدة فعل المزيد، ونشر ما يكفي من القوة، لتحويل التوازن لصالحها 113. فالتوازن يحدث بين الأقاليم وعلى الولايات المتحدة أنْ تمنع أيّ هيمنة على أيّ إقليم في العالم، حتى لا تتحول الدول المهيمنة إلى منافس مستقبليّ لها، فواجبها خلق تحالفات في الأقاليم المختلفة، بغية إحباط هيمنة إقليمية. يتضح ممّ سبق، أنّ الأمثلة التجريبية السابقة جاءت لتلائم الحالة الأميركية ومكانتها في النظام الدولي بصفتها قوّة مهيمنة، وهذا ما يثير العديد من النقاشات، من أبرزها: هل يصلح تطبيق تلك التعديلات التجريبية على دول مهيمنة أخرى في المستقبل؟ وهل نجح الواقعيون في حماية برنامجهم من الانتكاسة من خلال تقديم أمثلة تجريبية؟ يتضح وجود انحياز من منظّري الواقعية الجديدة عند تقديمهم الوقائع التجريبية للحالة الأميركية، كما تبرز صعوبة الحكم على المعيار التجريبي من حيث انطباقه، لعدّة أسباب: أولً، عند الحديث عن التجريبية يعني أنها يجب أن تنطبق على أكثر من حالة، وليس على الولايات المتحدة فحسب؛ ما يثير الشكوك حول إمكانية تطبيق المفاهيم السابقة المرتبطة بالتوازن على دولة مهيمنة أخرى في المستقبل. ثانيًا، تطبيق المعيار التجريبي يأخذ عقودًا عديدةً، ولا سيمّ عند الحديث عن التحولات في شكل النظام الدولي.
خاتمة
أظهرت عملية تطبيق لاكاتوش في هذه الدراسة أنّه ليس من السهولة استخدامه منهجيةً للحكم على نظريات العلاقات الدولية، وهذا يضع الباحثين أمام ثلاثة خيارات: أولها، اعتبار منهجية البرنامج البحثي غير صالحة للتطبيق، فيُستبعَد استخدامها أداةً للتقييم. وثانيها، استخدام منهجية لاكاتوش إطارًا استرشاديًّا عامًّا من دون التقيد بكل المعايير. أما ثالثها، ففي ظل غياب أيّ منهجية تقييمية في حقل العلاقات الدولية، فطبيعيّ اللجوء إلى منهجيات منظري العلوم
الطبيعية كبوبر وكون ولاكاتوش، والتي تعاني جميعها إشكالات، إلا أنّ منهجية الأخير تُعدّ أفضلها. بناءً على ذلك، ينطلق الخيار الثالث في استخدام منهجية لاكاتوش من ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أنّ المحاذير والإشكالات التي يواجهها الباحثون عند التطبيق، تفتح المجال أمام اجتهاداتهم وتفسيراتهم، وهذا يُغني عملية التقييم، ويساعد في إثراء نقاشات نظرية مهمة جدًّا 168، وهو الخيار الأفضل الذي انتهجته هذه الدراسة في ضوء غياب البديل. أكّد قوجيلي أنّ "عملية التعديل أو التكيف التي يتيحها الحزام الواقي لا تعني أنّ البرامج البحثية خالدة أو تبقى من دون استبدال، عبر عملية التنقيح والتغيير المتكررة في حزامها الواقي، ولا سيمّا إذا كانت هذه التعديلات لا تحمي القلب الصلب أو لا تأتي بجديد يُذكر" . بَيّ إسقاط ذلك على مفهوم الفوضى والتعديلات التي أجريت على مفهوم التوازن التقليدي، أنّ الموجه السلبي والحزام الواقي نجحا في حماية النواة الصلبة من التفنيد من خلال إعادة تشكيل مفهوم التوازن، لتصبح أكثر ملاءمةً مع التغيرات المتمثلة هنا ببروز نظام جديد أحاديّ القطبية، ومن ثمّ جرى الحفاظ على مفهوم الفوضى بصفته أحد الافتراضات الأساسية للنواة الصلبة للواقعية الجديدة. ممّ سبق، يمكن الاستنتاج أنّ التعديلات إذا بنيت داخل البرنامج البحثي، وحققت أمرَين متمثّليَن في حماية النواة الصلبة، وتقديم حقائق تجريبية جديدة، يمكن اعتبار البرنامج البحثي تقدميًا فيما يتعلق بمفهوم الفوضى. ومن ثمّ، لم تقوّض النواة الصلبة وجرى الحفاظ على البرنامج البحثي الواقعي الجديد من الانتكاسة ومن ولادة برنامج بحثيّ جديد.
References المراجع
العربية
أبو زيد، أحمد. "الواقعيون الجدد ومستقبل القوة الأمريكية: مراجعة للأدبيات." المجلة العربية للعلوم السياسية. العدد
إسماعيل، فاطمة. "معضلة التقدم العلمي: حداثة الغرب في متاهات مجلة العرب. العدد التقنية." 15.)2019(بوبر، كارل. منطق الكشف العلمي. ترجمة ماهر عبد القادر محمد. بيروت: دار النهضة العربية،.1986 ________. أسطورة الإطار: في الدفاع عن العلم والعقلانية. ترجمة يمنى طريف الخولي. سلسلة عالم المعرفة 292. الكويت: المجلس الوطني للثّقافة والفنون والآداب،.2003 الجرباوي، علي ولورد حبش. "النظرية الواقعية في مواجهة أحادية سياسات عربية. العدد القطبية الدولية." 38.)2019(حمشي، محمد. مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 الخولي، يمنى طريف. فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول - الحصاد - الآفاق المستقبلية، سلسلة عالم المعرفة 264 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2000). _______. فلسفة كارل بوبر: منهج العلم، منطق العلم. القاهرة: مؤسسة الهنداوي للتعليم والثقافة،.2020 السعيد، يسرى. أبستمولوجية إيمري لاكاتوس في برامج البحث. بيروت: دار الروافد الثقافية،.2012 قاسم حسين، أحمد. الاتحاد الأوروبي والمنطقة العربية: القضايا الإشكالية من منظور واقعي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 القحطاني، علي بن حسين. "النظرية الواقعية وتطورها في العلاقات الدولية: دراسة تحليلية نقدية للتجربة التنظيرية." مجلة كلية التجارة للبحوث العلمية. مج 48، العدد 2.)2011(قوجيلي، سيد أحمد. الصراع على تفسير الحرب والسلم دراسات في منطق التحقيق العلمي في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018
بنية الثورات العلمية. ترجمة شوقي جلال. الكويت كُون، توماس.: المجلس الوطني للثّقافة والفنون والآداب،.1992 مشاط، حياة. "الظاهرة العلمية في فلسفة إيمري لاكاتوس." مجلة قطاع الدراسات الإنسانية. العدد).2020(1 ميرشايمر، جون. مأساة سياسة القوى العظمى. ترجمة مصطفى محمد القاسم. الرياض: جامعة الملك سعود،.2012 هري، علي. "البرمجة عند إمري لاكاتوش." رسالة ماجستير. جامعة منتوري. قسنطينة. الجزائر..2008-2007 وولفورث، وليم. استقرار عالم القطب الواحد. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2001
الأجنبية
Coats, A. W. "Bob". "Some Reflections on Lakato's Methodology of Scientific Research Programs." History of Economic Ideas. vol. 1. no. 2 (1993). Colin Elman & Miriam Fendius Elman (eds.). Progress in International Relations Theory. England: MIT Press, 2003. Davis, John, D. Wade Hands & Uskali Mäki (eds.). The Handbook of Economic Methodology. England: Edward Elgar Publishing, 1998. De Marchi, Neil & Mark Blaug (eds.). Appraising Economic Theories: Studies in the Methodology of Research Programs. Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 1991. Donnelly, Jack. Realism and International Relations. United Kingdom: The press syndicate of the University of Cambridge, 2004. Dornan, Miriam. "Realist and Constructivist Approaches to Anarchy." E-International Relations. 29/8/2011. at: https://bit.ly/3JvpNeB Dunne, Tim, Milja Kurki & Steve Smith (eds.). International Realtions Theories Discipline and Diversity. England: Oxford University, 2013. Elman, Colin & Elman Miriam. "How not to be Lakatos Intolerant: Appraising Progress in IR Research." International Studies Quarterly. no. 2 (2002). ________. "Lakatos and Neorealism: A Reply to Vasquez." The American Political Science Review. vol. 91, no. 4 (December 1997). Hands, D. Wade. "Second thoughts on Lakatos." History of Political Economy. no. 1 (1985). James, Patrick. International Relation and Scientific Progress: Structural Realism. Ohio: The Ohio state university, 2002. Kegley, Charles W. Controversies in International Relations Theory: Realism and Neoliberal Challenge. New York: St. Martin's Press, 1995. L. Schweller, Randall. "New Realist Research on Alliances: Refining, Not Refuting, Waltz's Balancing Proposition." American Political Science Review. no. 4 (1997). Labs, Eric. "Beyond Victory: Offensive Realism and the Expansion of War Aims." Security Studies. no. 4
Lakatos, Imre. "Criticism and the Methodology of Scientific Research Programmes." Proceedings of the Aristotelian Society, New Series. vol. 69, no. 610
________. "History of Science and Its Rational Reconstructions." Proceedings of the Biennial Meeting of the Philosophy of Science Association. vol. 1970 (1970). Layne, Christopher. "China's Role in American Grand Strategy: Partner, Regional Power, or Great Power Rival?" Daniel K. Inouye Asia-Pacific Center for Security Studies. at: https://bit.ly/3PyjHNr Legro, W. Jeffrey & Moravcsik, Andrew. "Is Anybody still a Realist." International Studies. no. 2 (1999).
Losee, John. A Historical Introduction to the Philosophy of Science. New York: Oxford University Press Inc., 2001. Mearsheimer, John. "Why We Will Soon Miss the Cold War." The Atlantic Monthly. no. 2 (1990). Pape, Robert. "Soft Balancing against the United States." International Security. no. 1 (2005). Pashakhanlou, Arash Heydarian. "Waltz, Mearsheimer and the post-Cold War world: The Rise of America and the Fall of Structural Realism." International Politics. no. 51 (2014). Schilpp, Paul (ed.), The Philosophy of Karl Popper. Part 2. The library of living philosophers Series. Illinois: Open Court, 1974. Prichard, Alex. "Anarchy, Anarchism, and International Relations." International Relation. vol. 32 (2018). Radnitzky, Gerard et al. (eds.). Progress and Rationality in Science. Dordrecht: Reidel Publishing Company, 1978. Rose, Gideon. "Review: Neoclassical Realism and Theories of Foreign Policy." World Politics. no. 1 (1998). Schweller, Randall L. & Priess, David. "A Tale of Two Realisms: Expanding the Institutions Debate." International Studies. no. 1 (1997). Lobell, Steven E, Norrin M Ripsman & Jeffrey W Taliaferro. Neoclassical Realism, the State, and Foreign Policy. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Toft, Peter. "John Mearsheimer: An Offensive Realist between Geopolitics and Power." Journal of International Relations and Development. no. 4 (2005). Van Evera, Stephen. Guide to Methods for Students of Political Science. Ithaca, N.Y.: Cornell University Press, 1997. Vasquez, John A. "The Realist Paradigm and Degenerative versus Progressive Research Programs: An Appraisal of Neotraditional Research on Walt's Balancing Proposition." American Political Science Review. no. 4 (1997). Walt, Stephen M. "The Progressive Power of Realism." The American Political Science Review. no. 4 (1997). Walt, Stephen. "Testing Theories of Alliance Formation: The Case of Southwest Asia." International Organization. vol. 42, no. 2 (Spring 1988). Waltz, Kenneth. "The Origins of War in Neorealist Theory." The Journal of Interdisciplinary History. no. 4 (1988). ________."Evaluating Theories." The American Political Science Review. no. 4 (1997). Weber, Cynthia. International Relations Theory A Critical Introduction. 2 nd ed. New York: Routledge, 2005.