حوكمة الأمن الإقليمي وتوقعات الجمهور وأدوار السياسة الخارجية
الملخّص
من خال دراسة السياسة الخارجية التونسية في العقد الذي تا الانتفاضات الشعبية عام 2010، تسهم هذه الدراسة في نظرية الدور، عن طريق تفسير كيفية تأثير توقعات الجمهور الإقليمي في أدوار السياسة الخارجية. وتوض ح كيفية تطوير الأدوار المحققة للتوقعات بين دول المنطقة بصفتها الجمهور، ثمّ تشرح كيف أنّ هذه التوقعات تحدّد الدور، وتُظهر كيفية تطوير تونس لموقف السياسة الخارجية، ثمّ تعميقه، وهو متمث ل في نأي استراتيجي يتميّز بالحياد في النزاعات الإقليمية، والالتزام بالشرعية، والسعي لتحقيق المصالح الاقتصادية. لقد أصبح النأي الاستراتيجي بالنسبة إلى تونس أمرًا متوق عًا من دول شمال أفريقيا. كلمات مفتاحية: سياسة تونس الخارجية، التحول الديمقراطي في تونس، سياسة شمال أفريقيا، نظرية الدور. By studying Tunisian foreign policy in the decade after the 2010 popular uprisings, this article contributes to Role Theory by explaining how regional audience expectations influence foreign policy roles. The article first demonstrates how achieved roles develop expectations among regional states as the audience. Then it explains how these expectations condition role enactment. The article shows how Tunisia developed and established a foreign policy posture of strategic distance, defined by neutrality in regional conflicts, adherence to legalism, and pursuit of economic interests. Strategic distance came to be expected by North African states. Keywords: Tunisia's Foreign Policy, Tunisia's Democratic Transition, North African Politics, Role Theory.
شمال أفريقيا ومطلبها أن تحافظ تونس على "نأيها الاستراتيجي" ***
Regional Security Governance, Audience Expectations, and Foreign Policy Roles: North Africa's Demand that Tunisia Maintains Its "Strategic Distance"
مقدمة
في العقد الذي أعقب الاستقلال، عزّزت النخب السياسية التونسية موقفًا في السياسة الخارجية متمثّلً في النأي الاستراتيجي تجاه شمال أفريقيا 1. وتميّز هذا الموقف بثلاث ركائز، هي: السياسة الخارجية المحايدة، والالتزام بالقوانين الدولية، والسعي الحثيث لتحقيق جاذبية اقتصادية. وقد ساعدت دول شمال أفريقيا (وهي الجمهور المتفاعل مع السياسة التونسية) على تعزيز النأي الاستراتيجي لدى تونس، وتوقّعت استمراره. ومن وجهة نظر هذا الجمهور، كان هذا النأي يعني أنّ تونس لم تكن ضدّه في السياسة المضطربة في المنطقة، حتى إن لم تكن معه. ولقد صمد النأي الاستراتيجي، وصمدت توقعات دول شمال أفريقيا كذلك، وحافظت النخب الوطنية التونسية على سياسة النأي الاستراتيجي على الرغم من تغيير القيادة عام 1987، واستمرّت هذه الحال حتى الانتفاضة الشعبية عام.2010 لقد جلبت هذه الانتفاضة جهات فاعلة جديدة إلى النظام السياسي. وتخلّت بعض هذه الجهات، ولا سيمّا حركة النهضة، عن مبدأ النأي الاستراتيجي، وانتهجت سياسة تدخّلية إقليمية مدفوعة أيديولوجيًّا. ولم يمرّ تخلّ تونس عن سياستها، التي كانت قد استمرّت عقودًا، "مرور الكرام"؛ إذ التقت دول شمال أفريقيا، رغم تناحرها والتنافس فيما بينها، حول دفع تونس إلى التزامها القديم بالنأي الاستراتيجي. ورضخت الأحزاب المحلّية التونسية، بما فيها حركة النهضة التي اختارت التخلّ عن النأي الاستراتيجي، للتوقعات الإقليمية، مع أنّ رؤى بعض القيادات التونسية كانت تميل إلى التدخل في مجريات دولية محيطة. يمكن القول، إذًا، إنّ التوقعات الإقليمية كان لها السبق على المرجعية الأيديولوجية، وعلى رؤية القيادة للساحة الدولية، وإنّ الميل إلى إحداث تغييرات في السياسة الخارجية إنّ ا أنتجه التحول الديمقراطي. لشرح حالة ابتعاد تونس عن سياسة النأي ثمّ عودتها إليها، نستنير بأفكار من نظرية الدور؛ من خلال التوسّع في عرض تأثير توقعات الجمهور الإقليمي في فهم الدولة لحدودها السياسية، والسعي وراء دور في السياسة الخارجية. ولشرح الاستراتيجية التونسية، تسمح لنا نظرية الدور بتسليط الضوء على التبادلات التأسيسية بين الوكلاء (تأطير القيادة، والسعي وراء الدور) والهيكل (التوقعات الإقليمية) 2. وسنفسّ مقاربتنا في أربعة محاور: أوّلً، نطرح حجّتنا القائمة على نظرية الدور ونؤطّرها في دراسات السياسة الخارجية التونسية؛ ثانيًا، نستعرض عملية تخلّ القيادة التونسية عن النأي الاستراتيجي؛ ثالثًا، نحلّل ردّة فعل جمهور تونس من دول شمال أفريقيا على تخلّيها عن دور محقّق أو منجز في السياسة الخارجية 3؛ رابعًا، نشرح كيفية إعادة ضغوط الجمهور الإقليمي تونس إلى موقع النأي الاستراتيجي.
أولا: السياسة الخارجية التونسية ونظرية الدور
كانت تونس، منذ استقلالها، مسالمة ورافضةً لأيّ مواجهة عمومًا. ومنذ عام 1970، تقريبًا، طوّرت سياسةً خارجية واضحة المعالم تجاه شمال أفريقيا نطلق عليها اسم "النأي الاستراتيجيّ "، وهي ترتكز على ثلاثة أهداف رئيسة: أوّلها يتمثّل في الحفاظ على موقفٍ
يحاكي القانون الدولي؛ وثانيها يتمثّل في الحياد وعدم التدخّل وعدم الاصطفاف أو الوقوف مع أي طرف من الأطراف؛ أمّا ثالثها، فيتجلّ في التركيز على حماية المصالح الاقتصادية وتسويق تونس إقليميًّا. وتتّفق الأدبيات الحالية مع تقييمنا للنأي الاستراتيجي، وتؤكّد فكرةً مفادها أنّ تونس تنتهج مبدأ "صفر عداوة" في سياستها الخارجية 4. وتتّفق الأدبيات، أيضًا، على أنه جرى تصميم مبدأ العدوّ الصفري للسماح لتونس باغتنام الفرص الاقتصادية الإقليمية، ولتأكيد توجّهها الدولي "التقدمي" بوصفها (حليفًا للولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب الباردة)، مع بقائها وفيّة لرفضها الهيمنة الخارجية في فترة ما بعد الاستقلال 5. غالبًا ما يجري تفسير الاتجاه المذكور بأنّه نتيجة لكون تونس دولةً صغيرةً (من حيث عدد السكان والموارد الاقتصادية)؛ ولذا، فهي في حاجة إلى حماية نفسها، ولا سيما أن جيشها أقلّ عددًا وعتادًا وتدريبًا من الجيوش الإقليمية الأخرى، وهو ما يجعل كسبها لأيّ حرب ضربًا من المستحيل 6. وإضافة إلى ذلك، تشير الأدبيات إلى أنّ إضعاف الجيش كان سياسة متّبعة منذ عهد الحبيب بورقيبة بوصفها استراتيجية مركزية لمنع الانقلابات. ومعه، تبنّت الدولة منذ ذلك الحين تمكين القوى الأمنية لضمان الاستقرار والأمن الداخلييّن 7. ويجري التركيز في معظم تفسيرات الاتجاه المذكور على التأثير المتواصل للحبيب بورقيبة الذي صاغ السياسة الخارجية في مرحلة تأسيس الدولة 8. ويجري توصيف السياسة الخارجية لزين العابدين بن علي على أنّها استمرار لسياسة بورقيبة 9. وتُولي هذه التفسيرات دور رئيس الجمهورية الذي يسيطر على أواصر النظام السياسي أهميةً مركزية. وبذلك، تكون رؤية الشخص للدور الخارجي هي الفيصل. وفي اعتقادنا، تُعدّ هذه التفسيرات صحيحة إلى حدّ بعيد، ولكنّها غير وافية. لا يمكن تجاهل أهمية عامل الحجم في تفسير سياسة دولة ما، وهذا ما ينطبق تمامًا على حالة تونس؛ إذ إنّ مشكلتها تكمن جزئيًّا في كونها دولةً صغيرةً. لكنّها ليست صغيرة ومحاطةً بجيرانٍ يفوقونها قوّةً فحسب، بل إنّ علاقات هؤلاء الجيران تشوبها الصراعات والتنافسات، وهذا ما يفرض على دولة مثلها التزام سياسة خارجية مستقرّة وحذرة؛ أي إنّ شكل العلاقات الإقليمية مهمّ، وهذا ما نريد تبيينه. إنّ النزاعات المستمرّة في ساحة شمال أفريقيا، خاصّة بين الجزائر والمغرب، أو التدخّل الليبي في عهد معمّر القذافي قد دفعت تونس إلى أن تبتعد عمّ يمكن أن يهدّد استقرارها بين الفينة والأخرى. وفضلً عن ذلك، فإنّ دور القائد الفردي في سياق هيكلية السلطة مهمّ فعلً. لكن يجب أخذ خصوصيات شخصية القائد في الحسبان. ومن المثير للفضول، هنا، أنّ "الانقلاب الدستوري" عام 1987 قد نقل القيادة من بورقيبة إلى بن علي، من دون أي تأثير ملموس في النأي الاستراتيجي، حتى عندما شهدت السياسة الداخلية تغيّ ا. لذا، فإنّ الضغوط على تونس بوصفها دولة صغيرة، وخصوصية الشخصية في موقع القيادة، لا يمكن أن يقدّم أيٌّ منهما تفسيرًا وافيًا للاستقرار الملحوظ في وضع النأي الاستراتيجي التونسي 10. إضافة إلى ذلك، كانت القيادات الحاكمة، فيما يبدو، قد تبنّت منطق النأي الاستراتيجي واقتنعت بأهميّته، وهذا ما يعكس أهمّية الوكلاء Agents في صنع السياسة ترابطًا مع أهمية تأثير الهيكلية الإقليمية Structure. لنتأمّل كيف كانت الحال في الأعوام القليلة التي تلت انقلاب تونس عام 1987؛ إذ كانت الجزائر تدخل ببطء في عقدها الأسود، وكانت ليبيا تخضع لحظر دولي، وبذلك جرى تقييد هذين الجارين القوييّن في شمال أفريقيا؛ وكانت تونس، نتيجةً لذلك، في وضع أكثر ارتياحًا 11. ومع ذلك، لم تغيّ تونس نهجها في سياسة النأي الاستراتيجي. ونحن في سعينا هذا نسلّط الضوء على أهمية التأثيرات الإقليمية، وبذلك نستحضر عاملً غالبًا ما يكون غائبًا في الدراسات المتعلقة بشمال أفريقيا. نودّ أيضًا أن نلفت الانتباه إلى أهمّية مستوى تحليل الإقليم. ففي الفترة التي تخلّت فيها تونس عن نأيها الاستراتيجي تجاه شمال
أفريقيا في عام 2011 تقريبًا، ثمّ استعادته عام 2014، جذبت العديد من التحليلات لأنّها مثّلت انعطافًا غريبًا في نمط سياسة تونس الخارجية المستقرّ إلى حدٍّ ما منذ الاستقلال. ونظرًا إلى ضخامة التغيير السياسي الداخلي في تونس، والتغيير في المحيط الإقليمي في الوقت نفسه، غالبًا ما كانت تُوصَف الانتفاضات الشعبية بأنّها صدمات فتحت الباب أمام الجهات الفاعلة المحلّية والأجنبية للتأثير في السياسة الخارجية التونسية منذ عام 2011. يصبح الانعطاف، إذًا، نتيجة متوقّعة لتغيّ في الأولويات والمواقف السياسية في نظام سياسي ديمقراطي. فمثلً، تسلّط دراسات عديدة الضوء على دور دول الخليج، أو دور فرنسا والولايات المتحدة، في دعم الأطراف المتعارضة داخل تونس أو تمويلها، وتسلّط دراسات أخرى الضوء على اهتمامات الحكومات التونسية بملاءمة حساباتها الاقتصادية وحساباتها الخاصّة بالمؤسّسات المالية الدولية من أجل تخفيف مديونية تونس 12. من وجهة نظرنا، يرتبط الجانب المثير للاهتمام في تغيّ سياسة تونس الخارجية بالظروف التي جرى فيها التخلي عن النأي الاستراتيجي واستعادته. فمنذ عام 2011 حتى عام 2014، حُكِمت تونس بتحالف الترويكا (ثلاثة أحزاب) الذي كانت حركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي مهيمنة عليه. كانت هذه الحركة هي الطرف الفاعل المسؤول أثناء الابتعاد عن نهج النأي الاستراتيجي، وكانت لا تزال في السلطة أثناء استعادة النأي الاستراتيجي عام 2014 أيضًا. وبغضّ النظر عن الجدل الدائر المتعلق بمواقف الغنوشي والنهضة إنْ كانت مثّلت المواقف "الفعلية" للدولة التونسية، فإنّ الواقع هو أنّ حركة النهضة - بوصفها جزءًا من الترويكا - كانت حاكمً. فالظاهرة الرئيسة التي تهمنا هي اضطراب السياسة الخارجية في ظلّ الظروف الداخلية التي كانت مستمرّة (ومستقرّة إلى حدّ بعيد.) ولم تحظَ هذه الظاهرة باهتمام تحليلي يُذكَر على الرغم من اعتقادنا أنّ تقصّ العوامل الإقليمية يعزّز فهمنا لحالة تونس. وبذلك، فإنّنا نحاكي دراسات أوضحت أهمية الديناميّات الإقليمية لمعظم دول العالم؛ لأن الإقليم هو المحيط المؤثّر على نحو مباشر في هذه الدول 13. وإضافة إلى ذلك، فإنّنا نبني هذه الدراسة على أبحاث صدرت مؤخّرًا حول صياغة السياسة الخارجية لشمال أفريقيا ودعت إلى مزيد من التقصّ لمدى أهمية العوامل الإقليمية 14، وعلى دراسات أوضحت أهمّية التنافسات المغاربية بوصفها عوامل إقليمية مفسّة للسياسة الخارجية التونسية 15. وختامًا، توفّر دراستنا هذه دعمً نظريًّا وتجريبيًّا للأجندات البحثية التي تدعو إلى إعطاء مستوى تحليل الإقليم مساحة أكبر في دراسة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. يساعد استخدامنا لنظرية الدور، إطارًا نظريًّا، في تحقيق هدفنا؛ لأنّه يسمح لنا بتحليل التأثيرات الإقليمية، والتأثيرات الداخلية 16. ويُعنَى الجانب من نظرية الدور، الذي يتأثّر بعلم الاجتماع ومبادئ الوضعية، بدراسة الهياكل والمؤسّسات، في حين نجد ميلً آخر راسخًا، في المناهج المعرفية وتحليل السياسة الخارجية، إلى التركيز على النفوذ الفردي 17. وإجمالً، فإنّ البرنامج البحثي لنظرية الدور يدمج بسلاسة تفسيراتٍ تركّز على هويّات الفاعلين أثناء تفاعلهم مع الجوار 18. وتشرح هذه الدراسة كيفية إنشاء الدول الإقليمية التوقعات بوصفها جمهورًا، وكيفية تتابعها أو استقرائها، وكيفية دفع توقعات الجمهور الإقليمي بالضغط على دولٍ لتبنّي مواقف خارجية مفصّلة على مقاس الجمهور. وبهذا، فإنّنا نبرز التأثيرات الإقليمية الهيكلية، ونلقي الضوء على التغيير في هويّات صانعي القرار في السياسة الخارجية وتصوّراتهم أيضًا، وإنْ بتفصيل أقلّ. من خلال نظرية الدور، نقوم بدمج مجموعتَي التأثير ونبيّ كيف تنتج تفاعلاتها عملية التنشئة الاجتماعية Socialization التي تقدّر فيها قيادة الدولة مدى ملاءمة مسارات وخيارات سياسية معيّنة وجدواها. وتدرك نظرية الدور أنّ التنشئة الاجتماعية هي بالضرورة
عملية محلّية وخارجية، في آنٍ معًا، يجري فيها تفعيل الأدوار 19، وسنُظهر كيف أنّ دول شمال أفريقيا عملت على إضفاء تنشئة اجتماعية على السياسة الخارجية التونسية، ثمّ نظهر آثاره، خصوصًا، في توقعات حفاظ تونس على النأي الاستراتيجي. تصوّر نظرية الدور كيف أنّه من المتوقّع أن يؤدّي شاغل منصب ما أعمالً معيّنة (لا غيرها)، وأن يؤدّي تلك الأعمال بطرق محدّدة في الزمان والمكان المناسبين، ومن ثمّ كيف أنّ سنّ الأدوار مقيّد بتوقعات الآخرين 20. ونحن نلقي الضوء على هذه الظاهرة حيث تفضيلات الجمهور أو المتابعين في شمال أفريقيا تقيّد تونس بقبول الأدوار التي تُ لَ عليها. وإضافة إلى ذلك، تشرح نظرية الدور كيفية احتياج تغيير السياسة إلى ما يسمّى "نافذة السياسة" Window Policy 21. وقد يستغلّ صانعو القرار أوّلً فرصة وجود مثل هذه النوافذ لصنع تغيير. وهنا، نظهر أنّ نوع التغيير ومداه (ومصدر النافذة كذلك) مسألة تخضع للتحقيق التجريبي. ولذا؛ لدراسة التخلّ عن النأي الاستراتيجي، نقدّم أدلّة من السياسة الخارجية التونسية بين عامي 2010 و 2014، حيث ظهرت نافذة سياسية نتيجةً لثلاثة عوامل: شرعنة حركة النهضة ومشاركتها السياسية، واستعداد قيادة النهضة لإحداث تغيير في سياستها وفي السياسة الخارجية، وتصوّرها للتهديد الذي يتعرّض له حلفاؤها (والذي يحتم عليها التدخل.) ونظهر أيضًا عودة تونس وقيادات النهضة إلى النأي الاستراتيجي تحت ضغط دول شمال أفريقيا. وهنا، نرى أنّ هذه الدول في حين أنها امتلكت - بصفتها محيط تونس - رؤى مختلفة بشأن السياسة الإقليمية وتوقعاتها فإنّها تقاربت بشأن تقييد خروج تونس من النأي الاستراتيجي. وتسمح لنا الحالة التونسية بتوسيع فكرة نظرية الدور حول التأثير الذي يحدثه الاتساق بين جمهور السياسة الخارجية، ونوضّ ح كيف أنه يمكن اعتبار توقعات الجمهور منظومةً "تعاقب" الدول "المنحرفة" عن النمط، وإن كان هذا العقاب يأتي في أُطرٍ زمنية يصعب تحديدها 22. وأخيرًا، اخترنا دراسة حالة السياسة الخارجية التونسية في العقد الذي تلا الانتفاضة الشعبية عام 2010؛ لأنّه الفاصل الزمني الوحيد الذي احتضن الانقطاع في النأي الاستراتيجي لتونس. ضمن هذا الإطار الزمني، نركّز التحليل على التخلّ والعودة إلى النأي الاستراتيجي (في الفترة 2014-2011)، ثمّ نراقب السياسة الخارجية حتى نهاية العقد للتحقّق من أي فعل يعكس التخلّ. ونختم بملاحظة متعلقة بالأزمة السياسية الداخلية في الفترة 2021-2020، وباستمرار تحليلنا لردود فعل الجمهور المحيط وتوقعاته، ونظهر كذلك كيف أنّ دول شمال أفريقيا راقبت عن كثب الأزمة المحلية التونسية التي كانت تلوح في الأفق، وكيفية إبداء هذا الجمهور دعمً للرئيس التونسي في مواجهته مع راشد الغنوشي، وكلاهما يمثّل اتجاهات مجتمعية وفكرية أوسع.
ثانيًا: النأي الاستراتيجي لتونس بوصفه دورًا محقق ا في السياسة الخارجية
جاء استقلال تونس في لحظة من عدم الاستقرار الإقليمي. وعلى الرغم من القواسم المشتركة في مجتمعات شمال أفريقيا، فقد أدى التنافس السياسي بين النخب فيها، وما خلّفته حقبة الكولونيالية من خصومات، إلى استقطاب في العلاقات بينها. في البداية، رأت النخب
التونسية بقيادة الحبيب بورقيبة إمكانية استفادة صيرورة بناء الدولة التونسية من أوجه التشابه المجتمعية الإقليمية، لكن سرعان ما أصبح واضحًا أنّ الخلافات السياسية المغاربية لا يمكن تجاوزها 23. وهكذا، عملت النخبة السياسية التونسية نفسها، في أواخر الستينيات، على إرساء سياسة خارجية تتسم بنأي استراتيجي تطوّرت مرحليًّا وتوطّدت نحو عام 1970. لقد كان بورقيبة الشخصية السياسية المهيمنة التي حدّدت ملامح النأي الاستراتيجي 24، وقد أثبت هذا الموقف ضرورته بالنسبة إلى النخب السياسية في المشهد التونسي التي التقت حول النأي الاستراتيجي بوصفه طريقة مجدية للتفاعل مع البيئة الإقليمية 25، وكان للنأي ثلاث ركائز واضحة، هي: الجاذبية الاقتصادية، والحياد السياسي، والالتزام بالقانونية. وتنبع الجاذبية الاقتصادية من عاملين: أوّلً: اليد العاملة المتعلّمة والماهرة التي تهاجر بحثًا عن العمل هي أحد الموارد المهمّة لتونس. فعلى سبيل المثال، كانت ليبيا الغنية بالنفط ودول الخليج وجهات مهمّة للتونسيين؛ وهذه هي الحال منذ السبعينيات، خاصّة مع الاستغلال الكبير للهيدروكربونات وما تلاه من طلب على العمالة 26. وإضافة إلى ذلك، يُعدّ قطاع صناعة النسيج، النشاط الاقتصادي الرئيس تقليديًّا، مشغّلً رئيسًا ومصدرًا للأرباح الأجنبية. ويجذب هذا القطاع الاستراتيجي استثمارات كبيرة (منذ السبعينيات) خاصّةً من المصدر الأوروبي الذي يصدّر إليه جلّ الإنتاج. وقد واجهت استدامة نشاط التوظيف الرئيس تحدياتٍ خطيرةً بسبب العولمة وإمكانية انتقال رأس المال بحثًا عن بيئة استثمار أكثر ملاءمة، أو عمالة أرخص، ولا سيمّا مع الفرص المتزايدة الناشئة عن تنافس اقتصادات الجنوب 27. لذا، تتطلّب استدامة قطاع النسيج، على نحو فعّال، ضرورة الحفاظ على مشاركة نشطة مع الأسواق ورؤوس الأموال الأوروبية. ومن ثمّ، كان النأي الاستراتيجي من أهمّ السياسات التي ساعدت تونس في الحفاظ على جاذبيّتها الاستثمارية، وفي وسم عمالتها بأنها غير مسيّسة. ثانيًا: السياحة قطاع مهمّ يشغّل العمالة التونسية ويجذب الطبقة الوسطى في المنطقة؛ إذ يتوافد السيّاح، خاصّةً من الجزائر وليبيا، ويجدون في تونس بنية تحتية وخدمات، أفضل نسبيًّا، بأسعار معقولة. ونظرًا إلى أنّ تونس نقطة جذب سياحي، فإنها تعتمد كثيرًا على التنقل والحركة بين المناطق؛ إذ سعت القيادة التونسية إلى سياسات تجعل هذا القطاع مهًّمًّ وحيويًّا بالنسبة إلى دول المنطقة الأخرى. وتحقّق ذلك من خلال تسويق تونس لنفسها بوصفها فضاءً منفتحًا وليبراليًّا يوفّر تجربة سياحية "غربية"، ومن خلال تأكيد أنّها وجهة آمنة، ولا يمكن الحفاظ على كونها كذلك إلّ إذا كانت بمعزل عن الصراعات الإقليمية 28. لهذا، وتأكيدًا لجاذبيّتها السياحية، احتاجت إلى ضمان أن تكون للدول الإقليمية مصالح راسخة في استقرارها، وتحديدًا عن طريق الحفاظ على النأي الاستراتيجي. وبالنسبة إلى الحياد، فقد تطوّر بوصفه ردّة فعلٍ للمزايدات السياسية الإقليمية والصراعات خاصّة في الستينيات. كان شمال أفريقيا لا يزال يعاني تبعات الإرث الكولونيالي من تناحرٍ وخصومات؛ إذ شهد حربًا هي حرب الرمال بين الجزائر والمغرب، وشهد كذلك سلسلة من مخططات الاتحاد قصيرة الأمد. كانت السياسة الخارجية التونسية معنية، في المقام الأوّل، بتجنّب المنافسات والخلافات العسكرية في شمال أفريقيا، وقد سمح لها الحياد بأن تنأى، على قدر المستطاع، عن النزاعات النشطة حتى لو "أُحيطَ بها من كلّ جانب" 29. فعلى سبيل المثال، اقترحت ليبيا في عام 1974 الاتحاد مع تونس؛ ما أدّى إلى توقيع "معاهدة جربة" وإنشاء "الجمهورية العربية الإسلامية." لكنّ التجربة لم تدم طويلً، وانسحبت تونس من الاتحاد. لقد ظهر لاحقًا أنّ تونس وافقت على هذا الاتحاد لجمع دول المنطقة معًا، وتحييد الخصومات الإقليمية، وتسهيل حركة العمالة وتحويلات المغتربين، وتفعيل إجراءات مكافحة الجريمة، وحتى لا تساعد في حشد ليبيا ضدّ دول المنطقة الأخرى أيضًا. ورحّبت دول شمال أفريقيا بقرار تونس بالانسحاب وإنهاء هذه التجربة الاتحادية، مؤكدةً بذلك كيف أنّ النأي الاستراتيجي أفاد دول شمال أفريقيا. ورفضت تونس أن تكون السياسة الليبية الزئبقية سببًا في اضمحلال سيادتها، وظلّت ثابتة في موقفها الرافض للاتحادات التي من شأنها أن تستقطب المنطقة خلال سنوات قادمة، حتى إنّ تونس كابدت غضب معمّر القذافي عندما قام بترحيل العمّ ل التونسيين عام 1985 انتقامًا من السياسة الخارجية التونسية 30.
لم توافق الجزائر على الاتحاد بين تونس وليبيا، وفضّ لت بقاء تونس محايدة. ولم ترغب الجزائر أيضًا، بوصفها دولة مركزية في شمال أفريقيا ومنافسًا قويًّا للمغرب، في تشكيل محتمل لتحالف فاعل في الجوار. وإلى جانب ذلك، ومن وجهة نظر تونس، كانت العملية العسكرية في قفصة، في كانون الثاني/ يناير 1980، التي أطلقتها ليبيا والجزائر، مؤشرًا قويًّا د لًّ على أنّ الدول الإقليمية المتنافسة ستبذل جهودًا كبيرة لزعزعة استقرار بعضها، بما في ذلك تغيير تحالفاتها. وأكّد هذا الأمر حاجة تونس إلى النأي الاستراتيجي. والأهمّ من ذلك أنّ إعادة تأكيد الحياد، في ظلّ الضغوط، أتاحت للحكومات التونسية أن ترسل إلى جميع الدول الإقليمية إشارةً مفادها أنّ القرارات التونسية لم تكن جزءًا من أي حسابات تهدف إلى بناء تحالفات أو تشكيل تكتلّات، بل إنها صُمّمت لتحديد الحلول الجمعية للمشكلات المشتركة، خصوصًا تدفّق الأسلحة والمقاتلين والأيديولوجيات المتطرفة 31. ينبع التزام تونس ودعمها الراسخ للقانون الدولي والمؤسّسات الدولية من مصلحة النأي بنفسها عن الصراع الإقليمي والمساهمة في الحوكمة الإقليمية. وفي أحد مظاهر هذا التوجه، رحّبت تونس كثيرًا ببناء اتحاد دول المغرب العربي بوصفه مشروعًا إقليميًّا يهدف إلى ترسيخ الممارسات المؤسّسية والقانونية في العلاقات الإقليمية. وقد عكس موقف تونس استيعابَها تقاربًا عالميًّا حول أهمّية تفعيل الآليّات المؤسّسية، بدلً من الخصومات أو التحالفات التي تتخذ من الصراع وسيلة لحلّ النزاعات وبناء نظام إقليمي 32. وتفيد نظرية الدور في شرح هذا السلوك؛ إذ تؤكّد أنّ الاندماج الاجتماعي يتطلّب من الفاعلين المحلّييّن قبول النماذج التي تطرحها الدول الأخرى. ومن المؤكّد أنّ النقاش هنا يتعلّق بإجماع عالمي على توجيه ممارسات إدارة النزاعات وحلّها إلى الهيئات الدولية (مثل الأمم المتحدة UN)؛ إذ جرى تعزيز الآليّات المؤسّسية على نحو يتلاءم مع الحوكمة الإقليمية 33. وبذلك، يدلّ اعتماد تونس مثل هذه السياسات، من دون إملاءات من أي طرف أو جهة، على أنّها سياسات من جوهر تونس. وفضلً عن ذلك، جرى إقرار الالتزام الثابت بالمعايير القانونية الدولية ليكون درعًا ضدّ المتطلّبات التنافسية لدول المنطقة. ففي نزاع الصحراء الغربية، على سبيل المثال، اتجهت تونس إلى الحياد، والتزمت بتحكيم الأمم المتحدة بشأن قضايا تقرير المصير الصحراوي، ودعمت توسيع اتحاد المغرب العربي بوصفه آليةً لحلّ النزاع. كان الدعم الثابت للقانون الدولي يتعارض أحيانًا مع مصالح تونس الخاصّة، ولكنّ مزايا ركيزة السياسة الخارجية هذه فاقت سلبيّاتها كثيرًا. فعلى سبيل المثال، لجأت تونس في خلافها عام 1982 مع ليبيا المتعلق بحقوق النفط الموجود في الجرف القارّي، إلى محكمة العدل الدولية للتحكيم. وعندما جاء القرار لمصلحة ليبيا، قبلت تونس بالحكم من دون تحفّظ، وتنازلت عن الأراضي لليبيا 34. من المهمّ هنا الإشارة إلى السياق في هذا الموضوع إذ كانت تونس تواجه مشكلات داخلية كبيرة بسبب نهاية عهد الحبيب بورقيبة، في حين كانت ليبيا نشطة على جبهات متعدّدة (مثلً: دعم جماعات مسلّحة دولية، واتخاذ سياسات تهدّد الجهات التي تختلف معها.) من هذا المنطلق، كان على تونس أن تقبل بالحكم لأنّ البديل كان إثارة غضب معمّر القذافي في ظلّ مرور البلاد بأضعف حالاتها. في تلك اللحظة، أكّدت تونس أنّ موقفها القانوني ليس غريبًا عن سياستها الخارجية الشاملة، بل هو نتيجة مباشرة لها، وأظهرت أنّها لجأت إلى محكمة العدل الدولية لتأطير قرارها السياسي، حتى عندما كانت الحظوظ ضدّها 35. وقد بيّنت هذه الخطوة كيف أنّ التوافق مع الأنظمة القانونية الدولية كان ضروريًّا لأنّه قدّم معيارًا ثابتًا يمكن للجهات الفاعلة الإقليمية أن تقيس على أساسه سياسات تونس عامّة: إذ طالما أنّها كانت تدعم القانون الدولي في جميع المجالات، فإنّه لم يُنظر إليها بوصفها تفضّ ل طرفًا على آخر. وختامًا، نركّز في شرح النأي الاستراتيجي في إطار نظرية الدور على العلاقات مع جمهور شمال أفريقيا. ولا نهدف هنا إلى شرح سياسات أوسع، مثل دعم تونس للولايات المتحدة في فيتنام، ومعاداتها لجمال عبد الناصر في مصر وللحسين بن طلال في الأردن في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، واستضافتها الفلسطينيين عندما طُردوا من لبنان، ودعمها صدّام حسين خلال حرب الخليج وغيرها. لكننا، كما أشرنا، مهتمّون بالعلاقات مع الجوار المباشر لتونس. لقد حافظت تونس على النأي الاستراتيجي طوال عقود 36، وإنّ تخلّيها عن هذا النأي،
وتحوّلها إلى سياسة خارجية تدخّلية، مدفوعة بقناعة أيديولوجية، قد تبلور خلال التغيير السياسي الداخلي الواسع، في أعقاب انتفاضات عام 2010 الشعبية التي هزّت النظام السياسي.
ثًالث ا: التخلي التونسي عن النأي الاستراتيجي
بعد الثورة الشعبية في عام 2010، ابتعدت تونس عن النأي الاستراتيجي لمصلحة الاصطفاف السياسي الذي تجلّ بأوضح صوره في العلاقة مع قطر وتركيا. من منظور حركة النهضة، كانت هذه الخطوة في السياسة الخارجية مبنية على التوافق الأيديولوجي والمعتقدات الدينية المشتركة. وإجرائيًّا، هيّأ الفضاء السياسي، بعد عام 2011، الظروف الممكنة لمثل هذا الابتعاد عن النأي الاستراتيجي. وبعد أن كانت النهضة "غير شرعية" طوال عقود خلت، ظهرت بعد عام 2010 بوصفها خيارًا سياسيًّا حقيقيًّا قادرًا على حشد دعم وطني واسع النطاق عكس اعتناقه الإسلام السياسي تيّارًا تردّد صداه في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد أدّى وجود قاعدة من المسيّسين حديثًا والمعتنقين للفكر القومي الإسلامي إلى تمكين النهضة التي طبعت، أيضًا، النظام السياسي بهذه الأفكار عند دخولها اللعبة السياسية. وأكّد دستور 2014، بوصفه أساس الدولة التونسية، أنّ "تعاليم الإسلام وحقوق الإنسان العالمية مستوحاة من تراثهم الثقافي المتراكم عبر تاريخهم، واستنادًا إلى عناصر هويّتنا العربية الإسلامية"، "وترسيخ انتمائهم الثقافي والحضاري للأمّة العربية والإسلامية، من أجل دعم الاتحاد المغاربي، لتحقيق التكامل بين الشعوب الإسلامية والشعوب الأفريقية" 37. ومع أنّ الدستور الأولّي لما بعد الاستقلال قد عرّف تونس بأنّها دولة ذات سيادة ملتزمة - من بين مبادئ أخرى - ب ["تعاليم] الإسلام، [و] بوحدة المغرب الكبير" 38، فإنّ وثيقة عام 1959 كانت أكثر التزامًا بنموذجٍ يشبه محتواه تعريب الدستور القومي وفق النموذج الأوروبي. لم تشمل التغييرات في الدستور القوانين العملية التي تحكم الناس في حياتهم اليومية 39. ومع ذلك، فإنّنا نلفت الانتباه إلى كيفية تناقض التغييرات التدريجية في تونس، التي كانت تمثّل تعديلات دستورية وضعت أولويّات تونس في العالم الإسلامي بعد عام 2011، مع البيئة الإقليمية. وبوجه خاصّ، شدّد تنظير حركة النهضة الدستوري على روابط الدولة بالتاريخ الاجتماعي والثقافي المشترك الذي يتناقض مع الأسس القومية للدول المجاورة (كما هو الشأن في الجزائر ومصر) 40، أو الأسس الملكية (في المغرب مثل) 41. نحتاج، في هذا السياق، إلى تأكيد أنّ ما كان يهمّ جمهور تونس في شمال أفريقيا، ببساطة، لم يكن علاقة تونس بالإسلام، لأنّ هذا الجمهور يعي مكانة الدين في الممارسات الخطابية وفي دساتيره الخاصّة أيضًا. بل كانت الإشكالية في روابط تونس المادية بالجماعات النشطة إقليميًّا، خاصّةً جماعة الإخوان المسلمين التي شكّلت تحدّيات أمنية وسياسية ملموسة وداهمة لهذه الدول الإقليمية. نعيد تأكيد أنّ البعد الدراسي الأساسي هو الإقليم الجغرافي. لذا، فبالنسبة إلى جميع الفاعلين الحكومييّن المعنييّن (أي تونس وجمهورها) كان يتلاشى الانشغال ب: "ماذا يفعل الأخرون؟" كلمّا ابتعدنا عن هذا الجوار المباشر؛ بمعنى أنّ هذه الدول كانت على استعداد للانخراط بفاعلية خارج الإقليم في سياساتٍ تتعارض مع ما تصرّح به إقليميًّا، أو كانت - على الأقل - على استعداد لغضّ النظر عنها. فعلى سبيل المثال، زارت قيادة النهضة الصين خلال أزمة الإيغور بدعوة من الحكومة الصينية، ونادرًا ما أصدرت أي إدانة لسياسات الصين في ذلك الإقليم. ويمكن قول الأمر ذاته بالنسبة إلى حكومات شمال أفريقيا 42.
هنا، يجب إبداء ملاحظتين مهمّتين حول كيفية تفسيرنا للابتعاد عن النأي الاستراتيجي. أوّلً، كان تحرّك السياسة تجاه قطر وتركيا من منظور النهضة مدفوعًا بالرغبة في ضخّ المعتقدات الإسلامية المشتركة في دور السياسة الخارجية التونسية، وهو الدور الذي جرى تصوّره من جانب حركة النهضة جمهورًا وقيادةً. ومع ذلك، لم تكن حركة النهضة الفاعل الوحيد في السياسة الخارجية التونسية؛ إذ كان ل "المؤتمر من أجل الجمهورية" بقيادة محمد المنصف المرزوقي، ول "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" بقيادة مصطفى بن جعفر رأي أيضًا، ولم يعارضَ ا التحالف مع تركيا وقطر. وهذا يدعم حجّتنا القائلة إنّ تونس، بوصفها دولة، ابتعدت عن النأي الاستراتيجي، وليس حركة النهضة فحسب. ثانيًا، لم تكن حركة النهضة وحدها مسؤولة عن التحول الدراماتيكي في النظام السياسي التونسي؛ إذ وفّر تفويضها قناةً للاحتفاء الشعبي بالمثل الإسلامية المتسامية فوق القومية، وإدخالها في البنية التحتية للسياسة. بقيت هذه المثل العليا صامدةً على الرغم من الحظوظ السياسية المتراجعة للنهضة وانقسامها السياسي الداخلي 43، وأسهمت الأحزاب الأخرى - وإنْ جزئيًّا - في الأجندة التي كان للنهضة دور بارز في صياغتها. ومن الأمثلة الدالة على ذلك حركة نداء تونس، التي تبنّت قيادته التكنوقراطية، على الرغم من اختلاف فلسفتها وميلها العلماني، جوانب من هذا المشروع بعد انضمامها إلى الائتلاف الحاكم عام 2014 44. وفيما يتعلق بإعادة توجيه السياسة الخارجية، فضّ ل جمهور النهضة المشاركة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدعم القضايا الإسلامية الشاملة، مع العلم أنّ هذه المشاركة ستشكّل حتمً خرقًا للنأي الاستراتيجي لتونس 45. ومن الناحة الإقليمية، أدّى صعود جماعة الإخوان المسلمين في مصر، الذي بلغ ذروته بانتخاب محمد مرسي رئيسًا، إلى تحفيز الإسلام السياسي في جميع أنحاء تونس؛ وبذلك تمثّل موقف النهضة في التقارب مع نظيرتها المصرية. وبالنسبة إلى مصر وغيرها في المنطقة، فتح صعود الإسلام السياسي الباب لنشوب الصراعات، وكانت إطاحة مرسي اللاحقة دليلً صارخًا على ذلك. ومع ذلك، أظهرت البيئة الإقليمية التي صُدِمت بالانتفاضات الشعبية، ولو وقتًا قصيرًا، تغيّ ا تجاه تفضيلات حركة النهضة، وفتحت بذلك نافذة لتغيير (أو لتصحيح، من وجهة نظر النهضة) السياسة الخارجية. ففي مقابلةٍ عام 2011، اقترح مؤسّس النهضة راشد الغنوشي صراحةً إدارة افتراضية "عبر - إقليمية" لجماعة الإخوان المسلمين عن طريق بناء تحالف 46. والجدير بالذكر أنّه لم يكن لراشد الغنوشي دور رسمي في الدولة قبل انتخابه رئيسًا لمجلس النواب عام 2019، على خلاف حركة النهضة. إذًا، من حيث الجوهر، ربّ ا كان الدعم المقدّم إلى جماعة الإخوان المسلمين "خطابيًّا" فحسب، ولكنّه جاء من مؤسّس أحد الأحزاب في الائتلاف الحاكم. ومع أنّ الغنوشي لم يكن سياسيًّا أو ناشطًا في المجتمع المدني، فإنّ الجمهور الإقليمي يدرك مكانة هؤلاء الأفراد في السياسة سواء أكانت لهم صفة رسمية أم لم تكن لهم هذه الصفة 47. بعد فترة وجيزة من مقابلة الغنوشي وتصريحه، وصف الرئيس التونسي المرزوقي انقلاب عام 2013 في مصر ضدّ الرئيس مرسي المنتخب ديمقراطيًّا بأنه غير شرعي. وجاءت هذه السياسات الخارجية بشكل خاصّ، في عهد وزير الشؤون الخارجية رفيق عبد السلام (صهر راشد الغنوشي) 48، وذلك على خلفية ارتفاع أصوات من حركة النهضة، ومن مراكز فكرية ذات صلة، عام 2012، قامت بتقديم المشورة للنظراء المصرييّن حول تكتيكات التوافق السياسي الممكنة في مصر 49. وقد شكّلت هذه السياسات، على المستويين الشعبي والمؤسسّي، انحرافات عن نمط النأي الاستراتيجي التونسي المتّبَع تجاه المنطقة 50.
وفي ليبيا، تبنّت تونس سياسات التدخّل عن طريق مبادرات مثل الدعم الإنساني المتجدّد للّ جئين الليبييّن النازحين، ووضعتها في إطار الوفاء للروابط التاريخية مع المغرب الكبير 51. وقد بدا أنّ موقف تونس من عملية السلام في ليبيا كان جزءًا من أجندة فردية تونسية تتعارض مع الجهود التي تبذلها الجزائر ومصر للتخفيف من تداعيات الحرب الأهلية الليبية. وظهر إجماع إقليمي يرفض موقف تونس، وعزّز ردّة الفعل هذه النظر إلى تونس على أنّها تهديد للاستقرار الإقليمي، وأنّها أصبحت أكثر ارتباطًا بالمسلّحين وبالتعبئة غير المنضبطة 52. لكنّ ما سنوضّ حه لاحقًا، هو أنّه في حين شرعت حركة بعد عام النهضة وآخرون، 2013، في العودة إلى النأي الاستراتيجي، أصبحت العلاقات مع مصر متوتّرة (يرجع ذلك أساسًا إلى الالتزام الأيديولوجي بجماعة الإخوان الذي لم تتخلَّ عنه حركة النهضة.) ومن ناحية أخرى، تطوّرت العلاقات الإيجابية بين راشد الغنوشي والرئيس الجزائري بالتزامن مع بذل الجهود لإصلاح العلاقات الثنائية 53. وعلى صعيد آخر، ومع تنامي قوّة الانتفاضة السورية، أشارت تقارير إلى أنّ المساجد المحلية في تونس كانت تحشد المقاتلين للسفر إلى سورية، وذلك ما أنكرته النهضة. ورغم إنكارها لهذه التقارير، استمرّ دعمها للجهات الفاعلة الحاملة للواء الإسلام السياسي 54، واستمرّ، في الوقت نفسه، ارتباط تونس المعلن بالأسس الأيديولوجية لحركة المقاومة السورية؛ ما دلّ على معارضة الحكومة السورية على الجبهة الدبلوماسية 55. وفي غضون ذلك، كانت تونس صريحة في إعلان أنّها تملك قضية مشتركة مع سكّان غزّة 56. ومع استقرار الحوكمة، في مطلع العقد، التي برهنت على أنّ التحول التونسي نموذج ناجح للتعددية، على الأقلّ في المنظور القصير، حافظ القادة الجدد على مستوى من الحزم الإقليمي كان غائبًا في ظلّ النأي الاستراتيجي للحكومات السابقة. لقد بقي الموقف التونسي الخارجي الناشط مستمرًّا بالرغم من بداية التغيّ الداخلي. فعلى سبيل المثال، أظهرت تونس في عهد رئيس الوزراء الحبيب الصيد، الذي انفصل عن حركة النهضة، طيفًا ممّ بقي من التزام بسياساتها التوسّعية. وهكذا، عكس التحول في السياسة الخارجية التونسية مناورة طيف واسع من الأطراف الفاعلة في دوّامة فرصة سياسية غير مسبوقة بعد عام 2011. داخل تونس، في الفترة 2014-2012 تقريبًا، تأثّر نفوذ النهضة بالصراع على السلطة بين حزب المؤتمر العلماني بزعامة محمد المنصف المرزوقي، وحزب ا لتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات العلماني، والنهضة، والمؤسّسة 57. وقد عنى هذا أنّ السياسة الخارجية التونسية، التي ابتعدت عن النأي الاستراتيجي، حُرِمت من "مهندس أوحد"، سواء أكان حزبًا واحدًا أم زعيمً يلتفّ الشعب حوله، بالرغم من أنّ هذه السياسة الخارجية عبّ ت عن موقف قاعدة شعبية تلمّست حديثًا طريقة التعبير عن نفسها بصوتٍ عالٍ. وقد قُوبِل موقف تونس باستياء من جانب دول شمال أفريقيا. وفي تلك الأثناء، كانت الأوضاع الأمنية الإقليمية في تدهور 58.
رابعًا: لماذا توق عت دول شمال أفريقيا أن تحافظ تونس على النأي الاستراتيجيّ؟
يشرح هذا الجزء من الدراسة كيف أنّ تقاطع توقعات دول شمال أفريقيا بشأن حفاظ تونس على نأيٍ استراتيجي كان له تأثير هيكلي قوي في دورها 59. وسنستكشف كيفية تمتّع بعض الدول بنفوذ أكبر من غيرها، وهو ما تفسّه نظرية الدور في سياق أهمية التفاعل؛ إذ يكون للتبعيّات وعلاقات النفوذ الأثر الأكبر 60. على مدى العقود السابقة، شهدت الجزائر ومصر والمغرب مباشرةً سعي تونس إلى نأيٍ استراتيجي، وكان لهذه الدول دور حاسم في تطوير هذا الموقف من خلال ممارسة الضغوط على تونس. وعلى الرغم من أنّ الانتفاضات الشعبية في شمال أفريقيا بعد عام 2010 تركت آثارًا عميقة ومختلفة في السياسة الداخلية لجميع دول المنطقة، وأنّ الانتفاضات غذّت تنافس هذه الدول وخلافاتها التاريخية، فإنّ اللافت للنظر هو كيفية التقاء دول شمال أفريقيا في توقعاتها المتعلقة بأن تحافظ تونس على النأي الاستراتيجي. ويوضح القسم التالي مصادر توقعات هذا الجمهور.
1. التنافس بين الجزائر والمغرب
كانت الجزائر، بحلول منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، قد تراجعت فيها، إلى حدّ بعيد، حدّةُ الاشتباكات المتفرّقة المتبقّية من الحرب في العقد المنصرم بين الجماعات المسلّحة والدولة. وقد أدّى منح العفو والتعاون الانتقائي بين جبهة التحرير الوطني FLN والمعارضين، على نحو أساسي، إلى تقهقر الحرب الأهلية، وصولً إلى إخمادها 61، في حين كانت الأجيال السابقة من المنافسين المحتملين مشلولة الحركة بسبب الخوف الذي جرى غرسه من خلال حملات العنف المدني الكاسحة. ففي العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، كانت التهديدات الإسلاموية والتمرّد المتشدّد بعيدين، على نحو كافٍ، في المخيّلة العامّة، إلى حد أنّ عدم الرضا عن الدولة صار يمكنه أن يتغلغل، مرّة أخرى، في البيئة السياسية، وأن يعبّ عن نفسه في الفضاء العامّ. كانت الحكومة الجزائرية مدركةً تمامًا للاستياء المتصاعد من السياسات المقيّدة للحرية المدنية التي خلّفتها حالة الطوارئ عام 1992، وأقرّت بضرورة تهدئة هذه التوترات، خاصّةً بعد اندلاع الاحتجاجات في الدول المجاورة في عام 2011 التي ألهمت مظاهرات محلّية. فقد حشدت انتفاضات عام 2010 المعارضة الشعبية ضدّ "المؤسّسة" (أي الحكومات القائمة وقواعدها النخبوية والشعبية) على المستوى الإقليمي، وبلغت ذروتها في مظاهرات واسعة النطاق ضدّ ارتفاع الأسعار والبطالة والأنظمة
السياسية المنغلقة 62. وقد رُفعت حالة الطوارئ، التي فُرضت في الجزائر عام 1992، بعد أن حذّرت الاحتجاجات الشعبية الحكومة من مغبّة استمرار تقييد الحريّات المدنية. كانت تصوّرات القيادة المغربية للسياسة الإقليمية مدفوعة بالاعتبارات المحلية نفسها في الجزائر. وعلى الرغم من عدم وجود صراع أهليّ في المغرب على نطاق واسع مثل الجزائر في الماضي القريب، فإنّ الاحتجاجات في دول الجوار عام 2011 أشعلت العصيان المدني والضغط الشعبي من أجل الإصلاح الدستوري في المغرب 63. وتنبع دوافع مؤيّدي حركة الإصلاح في المغرب، ذات القاعدة العريضة، من الفساد الحكومي وسوء الإدارة الاقتصادية. وهذا المنظور تشاركت فيه الدوائر الاشتراكية والليبرالية والإسلامية، خاصّةًالفئات الشابّة منها. لقد دعت الاحتجاجات الشعبية إلى تقييد دور النظام الملكي؛ إذ اعتبر المحتجّون أنّ تدجين الأحزاب السياسية القائمة في ظلّ النظام الملكي والتدخّل في نواحي الحكم المستقلّة "اسميًّا" يلغي آلية التشاركية المقيّدة أصلً. وجعلت الحركة، على نحو حاسم، الإصلاحات الدستورية أولويةً، وكانت مطالبها متواضعة عمومًا (على الأقلّ كانت أكثر تواضعًا من الاحتجاجات اللاحقة التي دعت إلى تفكيك أنظمة الحكم كليًّا)؛ ما قد يفسّ ميل القيادة المغربية إلى تقديم تنازلات. دخ لت على الدستور المغربي لعام وحصلت الإصلاحات التي أ 2011، والتي جرت صياغتها على أنّها تحرّرية - على إجماعٍ وطني أثناء طرحها في استفتاء 64. ومع ذلك، كانت الاضطرابات الداخلية كافية لإقناع القيادة بأنّ التركيز الوطني على التنافس مع الجزائر سيوفّر وسيلة ضرورية وناجعة لإخماد المعارضة. فعلى سبيل المثال، كانت ثمة جهود من جانب الحكومة المغربية لاستيعاب الاحتجاجات ودمج حزب العدالة والتنمية في الحكومة، بدلً من فرض إجراءات قمع صارمة. وقد تزامنت الضغوط الداخلية مع ارتفاعٍ حادّ في مستوى التنافس مع الجزائر؛ إذ حدث تحوّل في تركيز السياسة والخطاب الرسمي في المغرب، ذلك أنّ بوصلة الاهتمام تحوّلت من المعارضين المؤيّدين للإصلاح إلى التهديدات الأمنية الحاصلة نتيجةً للتنافس مع الجزائر 65. كان حرف الانتباه إلى التنافس المديد بين الجزائر والمغرب جزءًا من محاولةٍ لتخفيف الأعباء الداخلية في كلا البلدين؛ ما عزّز إمكانية التصعيد الإقليمي. وهكذا؛ في حين مثّل مطلع القرن الحادي والعشرين فترة تهدئة بين الجزائر والمغرب، فإنّ البيئة السياسية بعد عام 2010 هيّأت الظروف لإحياء التنافس من جديد. وتجلّت مظاهر التوتّر المتصاعدة في حوارات ساخنة حول إطلاق قمر الاستطلاع المغربي 1 Sat EO عام 2017، واتهامات متعلقة بمحادثات التطبيع 66بين المغرب وإسرائيل عام 2020. استدعى المتخاصمون ذاكرة الموروث الكولونيالي المدمّرة 67، وتبادلوا تُهَم الاتجار غير المشروع بالأسلحة والمخدرات 68. وشملت ردّات الفعل بناء جدار حدودي، ذي تقنية عالية، مصمّم لمكافحة التهريب المزعوم إلى الجزائر 69،
وشملت أيضًا تصعيدًا على المستوى الدبلوماسي بشأن استقلال الصحراء الغربية، في ظلّ تصاعد الصراع المغربي الصحراوي 70. استعان التنافس المتجدّد بين الجزائر والمغرب بأداةٍ كانت شبه غائبة عن مشاهد التخاصم السابقة متمثلة في التلاعب بالجهات الإسلامية غير الحكومية. وقاد الصراع الأهلي الحادّ والتشرذم الإقليمي، في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، إلى سعي الدولتين للحصول على مزيد من الدعم من الفصائل الفرعية للتمترس وراءها في مواجهة الخصم، وكان اختيار الفصائل يعتمد على توافقها مع أيديولوجية الدول المعنية. فمثلً، تنافس الخصمان على دعم الطريقة التيجانية وهي طائفة دينية إسلامية صوفية استقطبت أتباعًا من السنغال وغامبيا وموريتانيا وبنين وغينيا ومالي 71. وإضافة إلى ذلك، فإنّ الأهمية الروحية للطريقة التيجانية بالنسبة إلى شريحة كبيرة من السكان المغاربة جعلتها هدفًا مثاليًّا للمؤازرة الجزائرية والمغربية؛ إذ يحاول كلا الخصمين تأمين ولائها، واستعمالَ هذا الولاء خطابيًّا لتقويض الشرعية الأخلاقية والاجتماعية للطرف الآخر في الوقت نفسه 72. وفي خضمّ التنافس على دعم "نظام صوفي " - غالبًا ما يُنظر إليه على أنّه مسالم - كان المغرب والجزائر يحاول كلاهما رسمَ صورة لنفسه على أنّه متحالف مع الإسلامييّن "المعتدلين"، على عكس المتطرّفين السلفييّن أو الجهادييّن، مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ومع ذلك، فإنّ هذه المنافسة على دعم الصوفية لم تسهم البتّة في التعامل مع التهديدات الأمنية التي شكّلتها الجماعات المتطرّفة. وأدّى هذا الموقف الداعم للمعتدلين الإسلامييّن إلى تهميش استراتيجي للحوار الذي فتحته انتفاضات عام 2010 الشعبية بشأن التخلّف الاجتماعي والاقتصادي والتهميش في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهما عاملان رئيسان في تأجيج خطر التطرّف الديني وإذكاء المشاعر الدينية، بدلً من تلبية المطالب الأساسية للانتفاضات الشعبية على مستوى المنطقة 73.
2. انبعاث النشاط المصري في شمال أفريقيا والمسرح الليبي
نما حضور مصر في سياسات حكومات شمال أفريقيا في أعقاب الانتفاضات الشعبية. وقد كان ذلك بسبب رغبة القادة المصرييّن في تطبيع نتائج انقلاب 2013، من خلال السعي لإثبات مركزية دولتهم، من أجل الاستقرار الإقليمي 74. كان هذا الموقف ضرورة حتمية بالنسبة إلى شمال أفريقيا كما هو بالنسبة إلى مصر في ظلّ غياب حكم ليبي متماسك. تركّز نشاط مصر الإقليمي في الفترة 2020-2011، إلى حدّ بعيد، في ليبيا المجاورة؛ إذ إنّ حالة عدم الاستقرار فيها جعلت من مصر أحد أبرز الفاعلين في المنطقة. ولثقتها بالدعم الإقليمي التي ستحوزه، سوّغت تدخّلها على أساس القرب الإقليمي والتزامها الدولي بإنهاء المعاناة الإنسانية 75. وفي الحصيلة، أدّى تقارب المصالح الأمنية الإقليمية إلى منح مصر مزيدًا من الثقة للعمل في ليبيا. دفعت مصر إلى تحسين العلاقات البينية الإقليمية لا سيمّا مع الجزائر؛ إذ كانت كلتا الدولتين في حاجة إلى مواجهة الاضطرابات الملحّة والتشرذم السياسي والعنف الجماعي الناشئ عن الأزمة الليبية، وتدفّق المسلّحين من منطقة الساحل. فمثلً، سافر الرئيس المصري إلى الجزائر، عام 2014، بحثًا عن أرضية مشتركة لمواجهة التشدّد المتصاعد في ليبيا (وإقليميًّا)، ووجد قبولً من الجمهور الجزائري.
ويشير إمداد الجزائر مصرَ بالطاقة، على سبيل المثال، إلى الاستعداد للتغاضي عن الانقسام الذي حصل بين الدولتين بعد انقلاب 2013 76. لقد اضطلعت مصر بدور حاسم في استيعاب اللاجئين، مقارنةً بدول شمال أفريقيا الأخرى أو الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن 77. وسعت مصر أيضًا للحصول على شراكات أجنبية (على سبيل المثال مع روسيا، حتى لو كانت قيمة الشراكات متواضعة) كانت مهمّة بعد خسارتها المساعدات الأميركية في أعقاب انقلاب 2013 78. فضلً عن ذلك، أنهى تدهور حالة الأمن الإقليمي عزلة مصر ونأيها عن صنع القرار الأفريقي الذي نتج سابقًا من إطاحة محمد مرسي. وقد ترافقت عودة مصر إلى دوائر الاتحاد الأفريقي مع تنامي تأكيد الحاجة إلى مقاربة على مستوى المنطقة لمواجهة الأزمات. وأكّد الخطاب الأوّل لعبد الفتاح السيسي أمام مراقبي الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، في قمّة مالابو 2014، التزام مصر بتخفيف التهديد الذي تشكّله الجهات الفاعلة ولا سيمّا الميليشيات الإسلامية المتطرّفة. وتمثّلت عودة مصر إلى الصدارة في الشؤون الدولية خير تمثيل في صعود عبد الفتاح السيسي إلى رئاسة الاتحاد الأفريقي خلال الفترة 2020-201979. واتخذت تركيا بعدًا مهمًّا في سياسة مصر الإقليمية، نظرًا إلى مصالحهما المشتركة في ليبيا. وعلى عكس علاقات التقارب التي جمعت بين حكومة الإخوان المسلمين في مصر والحكومة التركية، فإنّ حكومة ما بعد 2013 في مصر جرت إدانتها على نحو علني من جانب تركيا 80. وبعد ذلك، أخذت الخصومة على مستوى السياسة الخارجية شكلً غير مباشر، كحالة إغلاق مصر موانئها أمام التجارة التركية 81. وحالما وفّرت الحرب الأهلية الليبية وسيلة ملائمة بالنسبة إلى تركيا للعمل ضدّ مصر، وقفت حكومة أردوغان وراء حكومة الوفاق الوطني وضدّ الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ويرجع ذلك - إلى حدّ بعيد - إلى الدعم المصري له. وما ورد آنفًا، يسلّط الضوء على الكيفية التي أمضت بها الحكومة المصرية بعد عام 2013 القسط الأكبر من العقد في تطهير التحالفات السياسية الأيديولوجية في السياسة الإقليمية التي تشكّلت في ظلّ الحكم القصير لجماعة الإخوان المسلمين. بغضّ النظر عن اختلافات دول شمال أفريقيا، فإنها تقاربت في توقّع عدم تخلّ تونس عن النأي الاستراتيجي، ضمانًا لتجنّب أي إشكاليّات. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الحضور المصري المتزايد في ليبيا، وسياساتها الإقليمية الأكثر حزمًا، لم يؤدّيا إلى ردّات فعل عنيفة من جانب الجزائر والمغرب على وجه الخصوص، كما حدث أثناء تغيير تونس لسياستها الخارجية. لذا، لم يكن التغيير في السياسة هو المهمّ، بل طبيعة هذا التغيير. لقد جرى قبول الحضور المصري المتنامي في شمال أفريقيا، بعد انضمامها إلى الإجماع الأمني للجزائر والمغرب، بصرف النظر عمّ فعلته مصر. فمن الناحية الواقعية يمكن النظر إلى الكثير من الإجراءات المصرية على أنّها أكثر عدوانية ممّ دعت إليه تونس أو فعلته في عهد النهضة. وهكذا، كان هذا القبول لمصر فحسب نتيجة اختلاف سياساتها الإقليمية (تحت حكم السيسي) عن سياسات النهضة. وسنوضّ ح فيما يلي كيفية تصرّف دول شمال أفريقيا لإعادة تونس إلى النأي الاستراتيجي.
3. إشارات متعلقة بالجمهور: ردّة فعل شمال أفريقيا على تخلّي تونس عن النأي الاستراتيجي
لم ترحّب دول شمال أفريقيا بتخلّ تونس عن النأي الاستراتيجي الذي هدّد مصالحها، وإن كان ذلك على نحو غير مقصود،؛ إذ إنّ ادعاء تونس، على نحو أساسي، أنّها نصير إقليمي للجماعات (الإسلامية) ذات الميول الأيديولوجية لم يوافق الحكومات الإقليمية. يجدر القول هنا إنّ الحلفاء أيضًا كانت لديهم تحفّظات بشأن رؤية النخب التونسية لمثل هذا الدور الإقليمي. وبشكل بارز، جاءت التحفظات من جماعة الإخوان المسلمين في مصر التي لم تتلقّف جيّدًا عام 2012 مشورة حركة النهضة بشأن الاستراتيجية السياسية، فقد نشأ موقف الجماعة في مصر من مزيج من الإدراك مفاده أنّها كانت رائدة في قضايا الإسلام السياسي، وأنّها بذلك في موقع يمكّنها من إصدار نصائح إقليمية، إضافة إلى عدم رضاها الكامل عن التسويات التي كان على النهضة تقديمها محليًّا 82. من بعد ذلك، رفضت الحكومة التي أطاحت حكم الإخوان المسلمين تصريحات الرئيس التونسي، في أيلول/ سبتمبر 2013، في اجتماع الجمعية العامّة للأمم المتحدة، التي لمّح فيها إلى كون انقلاب 2013 في مصر فشلً في الحكم التمثيلي. واستدعت مصر، لاحقًا، سفيرها في تونس ردًّا على دعوة الرئيس التونسي للإفراج عن مرسي 83. عبّ ت الجزائر، أيضًا، عن نفورها الشديد من احتمال تخلّ تونس عن النأي الاستراتيجي؛ فقد وُجّهت، في منتصف عام 2013، تقريبًا، إلى حركة النهضة اتهامات بالتدخل في الانتخابات الجزائرية لدعم مرشحي المعارضة الإسلاميين الجزائريين. والواقع هو أنّ نخبًا عديدة حاكمة في الجزائر كانت قد شاركت في الحرب الأهلية خلال العقد الماضي، ولم تكن هذه النخب في خطابها الديني مهتمّة بتعريض التوازن الدقيق للخطر بسبب المزايدات أو النشاط التونسي 84. في غضون ذلك، أبدى المغرب تحفّظات شديدة عن أيّ خطاب أو ممارسة دينية إقليمية برعاية تونس، وكان أحد المؤشّات الرئيسة على هذا الموقف تركيز الملك المغربي، عام 2014، على استئصال التطرّف وتحقيق التوافق بين سيادة الدولة والممارسات الدينية المعتدلة، وكانت هذه إشارة ضمنية موجّهة إلى تونس متمثلة في أنّ المغرب لا يمكن أن يسمح بأي تمدّد للإسلاموية 85. لقد راقب المغرب والجزائر تونسَ عن كثب من أجل تبُّيُّ ما إذا كانت ستتبنّى سياسة خارجية نشطة أو تواصل السياسة الخارجية التقليدية الملتزمة بالنأي الاستراتيجي، أو بالأحرى تعود إليها. وهذا لأنّ "الخصمين" كانا قد طوّرا على مرّ السنين توازنًا دقيقًا في مقاربتهما للحركات الإسلامية، فضلً عن أنّ استعمالهما للخطابات السياسية ذات الطابع الديني، ودعمهما للمثل والتجمعات الإسلامية (المذكورة من قبل)، كانَا مصمّميَن بعناية تَضمن عدم خلق قوّة إسلامية يتعذّر السيطرة عليها. لقد تحدّث المتخاصمان بثقة عن تفوّقهما الأخلاقي النسبي، في الوقت الذي حافظا فيه على خطاب ونشاط إقليميين إسلاميين ضِ من أطر يمكن السيطرة عليها. وفي غضون ذلك، وخلال التدهور الحاصل في ليبيا، كان المغرب والجزائر يطوّران ردّات الفعل الخاصّة على التحولات المصرية والسورية. أربك حركة النهضة التوازن المغربي - الجزائري عندما دعت سياسته الخارجية إلى النشاط فيما وراء الحدود، وخشيت كلتا الدولتين أن تخلق تونس بيئة مضيفة من شأنها أن تستدعي مقاتلي الدولة الإسلامية العائدين من بلاد الشام 86. لقد تفاقمت الشكوك في تونس بعد دعوة الرئيس المرزوقي المجلس الأعلى للأمن القومي للبحث في سبل "مساعدة التونسييّن في ليبيا" 87؛ إذ كان يُنظر إلى هذا الأمر، على أنّه تدخّل في الصراع الليبي تحت ستار مساعدة التونسييّن. وقد قُوبِلت هذه المساعدة برفض إقليمي، خاصّة من جانب الجزائر التي كانت تحاول إنهاء التهديدات القادمة من ليبيا عن طريق التنسيق مع الجيش المصري 88. وعلى الرغم من بقاء التعاون العسكري والأمني في شمال أفريقيا ثنائيًّا إلى
حدّ بعيد، فإنّ دول هذه المنطقة التقت كلّها على محاربة مجموعة واسعة من الجماعات تحت اسم "محاربة الإرهاب." وإذ كانت دول شمال أفريقيا بشكل خاصّ تقوم بإضفاء الطابع الأمني على الجماعات التي تتبنّى الإسلام السياسي والخطابات الدينية 89، فإنّ تجربة النهضة كشفت عن محدودية قدرة تونس على التمدد في العلاقات الإقليمية، اعتمادًا على المبادئ الإسلامية. لقد قُوبلت تونس بالرفض على مستوى المنطقة بعد تعارض منهجها مع المصالح الأصيلة لجميع دول المنطقة. والأهمّ من ذلك أنّ حكومات شمال أفريقيا قد فصّلت بعناية مصطلحاتها الخاصّة بالإسلام، في سياساتها الداخلية والخارجية، ويبدو أنّ سياسة تونس الموالية للإسلاميين قد خاطرت بإفساد هذه التوازنات. التقت دول شمال أفريقيا على ضرورة استعادة النأي الاستراتيجي في السياسة الخارجية التونسية. فعلى سبيل المثال، عقدت سلسلة من الاجتماعات في تونس عام 2014 بدعم جزائري لتحقيق الاستقرار في حكم النهضة عن طريق تعزيز الحوار الداخلي. ووفقًا للمنطق الجزائري، فإنّه يجب على أي حكومة مستقرّة ومنفتحة على الحوار الامتناع عن إيواء الفصائل التخريبية أو تشجيع التحالفات ذات التوجّه الديني في جميع أنحاء المنطقة، والتي قد تقوم بتمكين عناصر فاعلة تتخذ من الجزائر مقرًّا لها 90. وإضافة إلى ذلك، قام المغرب والجزائر وتونس (من بين دول أخرى معنية) عام 2014 بالتنسيق لإطلاق عملية ضدّ خلايا الدولة الإسلامية في المغرب العربي 91. سرّعت الاضطرابات المرافقة للانهيار الليبي الانقلاب على الإدارة الإقليمية التونسية، ونستذكر هنا أنّ أمن تونس واقتصادها يشكلّان أولى أولويّاتها، وهذا ما يفسّ سياسة تونس الراسخة في القبول الضمني بدور معمّر القذافي باعتباره واقعًا ضروريًّا للحفاظ على التبادلات الودّية بين الدول 92. لكنّ اعتبارات ما بعد ثورات 2010، مثل الهجرة الواسعة النطاق من الدولة المنهارة التي هدّدت الأمن في تونس، فتحت شهيتها للعودة إلى إدارة الصراع من باب النأي الاستراتيجي. ثمّ إنّ انقسامات النخبة السياسية في تونس حول طيف واسع من القضايا، بما في ذلك السياسة الخارجية، عزّزت موقفَ الجمهور الإقليمي الذي لم يرحّب بانخراطها – على نحو مباشر - في المشهد الليبي. ترافق هذا مع استخدام حكومة الرئيس السيسي الجديدة الصراعَ الليبي وسيلةً لتأكيد الشرعية الدولية؛ ما عزّز الإجماع على تحجيم دور تونس في الشؤون الليبية. كان لتونس مصلحتها الخاصّة في التخفيف من آثار الانقسام الليبي؛ إذ كانت تحت تهديد مباشر من الحركات المسلّحة، ذلك أنّ النظام السياسي غير المستقرّ في ليبيا سهّل تداول الأسلحة والهجمات الإرهابية عبر حدودها 93. لقد توافقت دول الإقليم حتى ضدّ الاشتباه في أنّ الخطاب الإسلامي العامّ في تونس قد يغذّي تحرّكًا عسكريًّا لأي جماعة. وعلى الرغم من أنّ تونس قد أحرزت بعض الاختراقات الدبلوماسية داخل الجوار، فإنّ أي شكل من أشكال التعاون بقي ثنائيًّا إلى حدّ بعيد ولم يرقَ إلى المرتبة الواسعة التي طمحت إليها، وقد كبّلتها في آنٍ واحد المخاوف الأمنية المتزايدة 94. 4. العودة التونسية إلى النأي الاستراتيجي كانت تونس تفتقر إلى التماسك الداخلي والقدرة المادية لمقاومة المواقف الانتقامية من جيرانها، بالرغم من جهود الحكومات الانتقالية لإنشاء قاعدة سياسية مستدامة؛ لذا، سرعان ما استسلمت. وقد دفعت الضغوط الإقليمية المتزايدة في خضم الفوضى الداخلية، في منتصف عام
2014، إلى عودتها إلى عهدها السابق في السياسة الخارجية 95؛ إذ أكّد العديد من الأطراف – خصوصًا الإسلامية – ضرورة الحفاظ على النأي الاستراتيجي. ومع تزايد الضغوط المحلّية، حفّزت القرارات التوسعية المخالفة للسياسة الخارجية التقليدية الانقسامات، فقد كان الرأي العامّ مستاءً من الأداء المتراجع للحكومة؛ ما أدّى إلى إقالة الائتلاف الحاكم. وأرسلت الحكومة الجديدة إشارات صريحة توحي برجوعها عن السياسة الإقليمية المزعزعة للاستقرار والتزامها موقفَ النأي الاستراتيجي، وأكّدت من جديد الحاجة إلى التعاون الإقليمي لإيجاد حلول للتحديات الأمنية الجماعية، ولا سيما عبور الأسلحة والمقاتلين 96. في أحد أشكال العودة إلى النأي الاستراتيجي، عزّزت تونس مراعاتها للأطر القانونية الدولية العليا والمعايير المشتركة، وذلك في خطوة تعيد إلى الأذهان موقفها القانوني الراسخ. على سبيل المثال، عندما انتقدت القيادة المصرية تونس لتسهيلها تنصيب حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، اكتفت تونس بتأكيد التزامها بالاستقرار الإقليمي، في ظلّ جهود الأمم المتحدة الأوسع 97. وإضافة إلى ذلك، عزّزت السياسة الخارجية التونسية، منذ ذلك الحين، اهتمامها بالتنسيق الأمني المتعدّد الأطراف واحترامها لقيادة دول شمال أفريقيا الأخرى، معترفةً بعدم قدرتها على التأثير في القضايا الرئيسة في المنطقة 98. وقد تواصل هذا النهج التونسي في الأعوام التالية. فعلى سبيل المثال، في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019 أعلن وزير الشؤون الخارجية خميس الجهيناوي عن نية تونس تكثيف وجودها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن ذلك وفقًا لأولويّات الأمم المتحدة وأطرها، وليس وفقًا للمسارات الأيديولوجية أو الحزبية 99. ثم إنه كان يوجد تركيز في الخطاب على الهوية القومية الإسلامية "المعتدلة" في تونس التي تختلف عن وجهات النظر السلفية والجهادية غير المعتدلة والمثيرة للجدل. وفي هذا الإطار، تُقدّم السياسة الخارجية التونسية نفسها على أنّها سياسة معتدلة وغير أيديولوجية؛ إذ إنّ تعديلً طرأ على العنصر الأيديولوجي في المواقف الدولية لتونس تجاه جَعْله منسجمً مع الإجماع الإقليمي. من ناحية أخرى، حدث تحوّل تجاه جماعة الإخوان المسلمين في مصر؛ فقد أكّد الأمين العامّ لحركة النهضة التونسية، في مقابلة أُجريت معه عام 2015، على دعم الحركة الخطابي المستمرّ لجماعة الإخوان المسلمين، لكن بأبعادٍ عملية أقلّ كثيرًا، إنْ وجدت 100. ويمكن رؤية صورة أخرى لهذا الاهتمام بإبعاد تونس عن الاستقطاب الأيديولوجي في موقف تونس من إسرائيل. فعلى الرغم من رفض رئيس الوزراء هشام المشّيشي التطبيع مع إسرائيل، فإنّه أعرب في الوقت ذاته عن احترامه للقرار المغربي بهذا الشأن 101. تبيّ مثل هذه المواقف التوازن الدقيق لمصالح الدولة والاسترضاء الخارجي، بما في ذلك مصالح الولايات المتحدة التي عادةً ما تسهّل تلك الحوارات 102. بقي فرض التكافل الإسلامي تيّارًا سياسيًّا محليَّ الطابع. ومع ذلك، فقد خنقه المناخ الدولي المتغيّ الذي طالب بأولوية الأمن والتنمية الداخلية ومكافحة الإرهاب في الداخل. لقد استوعبت تونس ضغوطًا من العالم العربي للتراجع عن تطلّعاتها الإقليمية. وإضافة إلى ذلك، حفّزت المفاوضات الدولية بشأن المساعدات الجهات الفاعلة التونسية على وقف حملتها الأيديولوجية 103. ومن ثمّ، فإنّ العودة إلى النأي الاستراتيجي لا
يمكن بأي حال من الأحوال أن تُعزى حصريًّا إلى الاضطرابات السياسية المحلّية؛ إذ يشير التعامل المتكرر مع التوتر الدبلوماسي إلى زيادة الحساسية تجاه السياسات الإقليمية 104. ومن جهة أخرى، يعدّ موقف تونس تجاه سورية من أكثر المؤشرات جوهريةً من حيث الدلالة على عودتها إلى النأي الاستراتيجي؛ فقد دعا إلى إعادة قبول سورية في جامعة الدول العربية، وجاء هذا الموقف في وقتٍ أبدت فيه معظم دول المنطقة توجّهات مماثلة تجاه سورية، خاصّة في ظلّ القتال ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية الذي تراقبه الحكومات الإقليمية عن كثب 105. يمتدّ التعبير عن الاهتمام بالنأي الاستراتيجي إلى نمط ظهر مبكّرًا في الجدول الزمني للعودة إلى سياسة كهذه. فعلى سبيل المثال، أكّد خطاب الرئيس المرزوقي أمام البرلمان الأوروبي، عام 2013، التزام تونس ب "استراتيجية استيعاب الجزء المعتدل الحداثي من الإسلام السياسي"، وصرّح قائلً: "اليوم يحدونا الأمل باتحاد مغاربي وعربي فيما بعد، على نمط الاتحاد الأوروبي، وهو اتحاد دول ديمقراطية وشعوب حرّة، تعمل معًا من أجل خير الجميع" 106. وقد فسّ بعضهم هذا الخطاب بأنّه نداء يهدف إلى الحصول على موافقة أوروبية. استقرّت السياسة الخارجية التونسية، في جوهرها، في الفترة من 2014 إلى 2020، وتطلّب تأكيدُ النأي الاستراتيجي تحولّاتٍ خطابية دقيقة من القيادة، وقد اتخذت مسارين جديرين بالملاحظة. في أحدهما، ابتعدت النخب السياسية التونسية عن انتقادات السياسات المحلّية للحكومات الإقليمية 107؛ إذ عبّ ت شخصيّات من هذه النخب صراحةً عن الحاجة إلى إعادة النظر في العلاقة بالإسلام السياسي. وفي عام 2016، أعلن الأمين العام السابق لحركة نداء تونس، محسن مرزوق، عن حاجة الحركة إلى التخلّ عن الإسلام السياسي 108. وعلى الرغم من انحدار مرزوق من "الجناح العلمانيّ" للحركة، فإنّ تصريحاته تشكّل دليل على التأثير الدولي بهذه السياسة. ومن الواضح أنّ المشهد المتحوّل غيّ السياسة الحزبية، فضلً عن عملية صنع القرار في السياسة الخارجية. في مسارها الآخر، جاء جسر الهوّة مع دول المنطقة تحت المظلّة الخطابية لوحدة مغاربية أكبر في شكل تقاربٍ حول الأجندة الأمنيّة. إنّ واجب تونس في تأمين سكّانها ضدّ خطر التشدّد "شبه الحكوميّ" أبرز الحاجة إلى التوافق الإقليمي مع سياساتها 109. وجرى تعزيز إلزامية الضرورة الأمنية (مكافحة الإرهاب) للتونسييّن من أجل جعل أجندتهم متوافقة مع دول شمال أفريقيا؛ ما ساعد محليًّا في تبرير الانعطاف الداخلي في صنع السياسات 110. لقد ركّزت السياسة الخارجية التونسية في الغالب على تسويق الجاذبية الاقتصادية للبلاد، وتمثّلت الخطوة الأولى في الإضاءة على ضرورة تأمين البلد والجوار عن طريق التعاون الإقليمي؛ ما يوفّر تأكيدًا إضافيًّا للنأي الاستراتيجي 111. ومع أنّ ردّات الفعل كانت داعمة من دول المنطقة112، فإنّ دول شمال أفريقيا ظلّت تراقب عن كثب السياسة الداخلية لتونس، وتداعياتها المحتملة على السياسة الخارجية 113.
5. المأزق السياسي في تونس 2020 - 2021
استمرّت الشبكة المعقّدة من التوازنات الإقليمية الحسّاسة للمصالح، التي كانت وراء عودة تونس إلى سياسة النأي الاستراتيجي، إلى ما بعد عام 2020. ومنذ ذلك الحين، تواجه دول شمال أفريقيا تحديات معقّدة أخرى تشمل الاحتجاجات المناهضة للحكومة، مثل الحراك
الجزائري 2021-2020، وبطالة الشباب، وتقلّب أسواق الطاقة، وجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) التي أحكمت الخناق على الميزانيات المنهكة أصلً. ومن المتوقّع أن تؤدّي الضغوط المحلّية إلى استمرار التزام صانعي السياسة التونسييّن في النأي الاستراتيجي. ومنذ عام 2020، تسبّبت الرؤى المتضاربة للحكم بين الجهات الفاعلة التونسية في إخفاقات متتالية؛ إذ كانت مواجهات الشارع، خصوصًا في الفترة 2021-2020، التي حفّزها استقطاب السياسييّن، تدور حول القضايا الداخلية، ولا سيمّا التدهور الاقتصادي ومستقبل النهضة؛ ليس من حيث دورها السياسي فحسب، بل من حيث وجودها بوصفها حركة موحّدة أيضًا. وقد أدّى تعليق الرئيس التونسي قيس سعيّد للدستور، في تموز/ يوليو 2021، إلى انحياز راشد الغنوشي إلى المعارضة 114. استمرّ جمهور تونس من ش لاا أفريقيا مراقبًا عن كثب لشؤونها الداخلية؛ إذ كانت لديهم تجربتهم الخاصّة مع التعبئة الأيديولوجية 115. وكانت لهذا الجمهور مواقف واضحة من الصدمة الدستورية في تموز/ يوليو 2021. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، استقبل الرئيس التونسي وزير الخارجية المغربي في استعراض للدعم أو للتأييد 116. وبعد أيّام أصدرت الجزائر ومصر بيانًا مشتركًا، داعمً للرئيس التونسي في معركته ضدّ الغنوشي 117. وقد جاء الإجماع على خيارهم من أجل الوصول إلى الاستقرار في السياسة الإقليمية التونسية 118.
خاتمة
أظهرت هذه الدراسة أهمية المحيط الإقليمي في تحديد أدوار السياسة الخارجية، مع الإشارة إلى تأثير المكوّن المحلّ في هذه الأدوار. وقد أضفنا إلى المقاربات الحالية للسياسة الخارجية التونسية التأثير الكبير لتوقعات الجمهور الإقليمي: تمثّل التأثيرات من الجمهور الإقليمي ومن الشخصيّات المتميّزة ونوع النظام والالتزامات الأيديولوجية بوصفها عوامل تفسيرية يكمل بعضها الآخر. إنّ التغيير العابر في السياسة الخارجية في تونس بعد عام 2011 يبرز مدى أهمية الأفكار والشخصيّات (بوصفها عوامل على المستوى المحليّ) في تشكيل دور السياسة الخارجية وممارستها. ثمّ إنه يبرز أيضًا تأثير المصالح الإقليمية الملحّة في مثل هذه الأدوار. ومع هذه النتائج، تدعم الدراسة مجموعة الأدبيّات التي تسلّط الضوء على قدرة نظرية الدور على شرح التفاعلات المستمرّة بين الهياكل والأطراف الفاعلة 119. لم تستطع تونس، خصوصًا على خلفية انتقالها الهشّ، تحمّل التعقيدات في تعارض سياستها الخارجية مع المصالح الأصيلة لدول المنطقة. وجدنا، أيضًا، أنّ التوقعات الإقليمية استمرّت، وأنه جرى فرزها في شكلين مختلفين من البيئات السياسية المحلّية: الإقصائية (أي ما قبل 2010 مثلً) والانتقالية (التي تميّزت بها فترة 2020-2011.) استحوذ مفهوم النأي الاستراتيجي على ظاهرة كانت فيها السياسات الخارجية الساعية إلى الاستقرار والحيادية والقانونية مستوحاة أساسًا من الضغوط المرتبطة بالنزاعات. وفي تحليل الحالة التي تعنينا في هذه الدراسة، أثّرت هذه الضغوط في خيارات السياسة الخارجية للحكومات الإقصائية، وكذلك المنتخبة ديمقراطيًّا. ويُعدّ هذا الأمر مثيرًا للاهتمام؛ لأنّ مثل هذا المزيج من السياسة الخارجية يمكن أن يرتبط بالحكومات الديمقراطية ومصلحتها في تحقيق أنظمة إقليمية سلمية. ونعتقد أنّ هذا الأمر اكتشاف مهمّ يستحقّ مزيدًا من التحليل من جانب مجموعتين بحثيّتين: أولاهما، دراسات السياسة الخارجية المهتمّة بالعلاقة بين نوع النظام وسلوك الدولة؛ وثانيتهما، دراسات الأنظمة الإقليمية وتلك التي تعتمد على مستور التحليل الإقليمي. ومن الأهمية دراسة النزعة الإقليمية بوصفها عملية لبناء المجتمع على المستوى الإقليمي تهدف إلى تهدئة النظام الإقليمي، ولا تهدف إلى تغييب الصراع فحسب.
References المراجع
العربية
بن عنتر، عبد النور. "سياسة الجزائر الأمنية: تحولّات ومعضلات في سياق القلاقل إقليميًّا والحراك داخليًّا." سياسات عربية. مج 10، العدد 55.)2022(بوحفص، حاكمي. "الإصلاحات والنمو الاقتصادي في شمال أفريقيا، دراسة مقارنة بين الجزائر - المغرب - تونس." مجلة اقتصاديات شمال أفريقيا، العدد).2009(7 عباش، عائشة. جدلية السلطة والمعارضة السياسية في تونس: دراسة تحليلية في علاقات الصراع والتفاعل والاحتواء. الأردن: دار الخليج للنشر والتوزيع،.2020 فوزي، محمّد. "تفاقم الأزمات: أبعاد موجة الاستقالات داخل حركة 'النهضة' التونسية." مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية 2021/9/29. في https://bit.ly/3VVYezK:. "كلمة رئيس الجمهورية التونسية المنصف المرزوقي أمام الجمعية العامة." الأمم المتحدة. أخبار الأمم المتحدة. 2014/9/25. فh يttps://bit.ly/3X6a1fH: مصلوح، كريم. الأمن في منطقة الساحل والصحراء في أفريقيا. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2014 منشاوي، إبراهيم. "توجّه حذر: الموقف الجزائري من تطوّرات الأحداث في تونس." المركز العربي للبحوث والدراسات. 2015/4/8 في https://bit.ly/3ikhWHM:. الهيئة العامة للاستعلامات. "المبادرة المصرية لحلّ الأزمة الليبية." 2022/6/16 في https://bit.ly/3Gt3PYI:.
الأجنبية
African Union. "Communiqué of the Peace and Security Council of the African Union (AU), at Its 384 th Meeting on the Situation in the Arab Republic of Egypt." 9/7/2013. at: https://bit.ly/3jUWSIn to Alaoui, Sarah. "Morocco, commander of the (African) faithful?" Brookings. 8/4/2019. at: https://brook.gs/2WU65zP Anderson, Alistair R., Sana El Harbi & Meriem Brahem. "The Tunisian Textile Industry: Local Responses to Internationalization." European Journal of International Management. vol. 6, no. 5 (2012). Ayari, Michael. "Tunisie, 2011-2020: La démocratie contre l'efficience de l'action publique?" Politique Etrangère. no. 1 (2020). Baccouche, Hédi. En toute franchise. Tunis: Sud Editions, 2018. Belkhodja, Tahar. Les trois décénnies Bourguiba. 3 rd ed. Paris: Arcantères Publisud, 2010. Ben Achour, Yadh. Une Révolution en Pays d'Islam. Genève: Labor et Fides, 2018. Ben Ahmed, Mohamed. Les Trois Décennies de Politique Etrangère du Président Bourguiba. Tunis: Centre de publication universitaire, 2019. Bennafla, Karine & Haounès Seniguer. "Le Maroc à l'épreuve du printemps arabe: Une contestation désamorcée." Outre-Terre. no. 29 (2011). Bessis, Sophie & Souhayr Belhassen. Bourguiba. Tunisia: Elyzad, 2012. Boserup, Rasmus Alenius, Luis Martinez & Ulla Holm. "Algeria after the Revolts: Regime Endurance in a Time of Contention and Regional Insecurity." Danish Institute for International Studies Report. no. 15 (2014). at: https://bit.ly/3Ivf0D2 Bou Nassif, Hicham. "Generals and Autocrats: How Coup-Proofing Predetermined the Military Elite's Behavior in the Arab Spring." Political Science Quarterly. vol. 130, no. 2 (2015). Antidote "Nationalism: Habib. Bourguiba, Communism." Foreign Affairs. vol. 35, no. 4 (1957). Breuning, Marijke. "Role Theory in Foreign Policy." Oxford Research Encyclopedia of Politics. 2017.
Camau, Michel & Vincent Geisser (eds.). Habib Bourguiba: La trace et l'heritage. Paris: Karthala, 2004. Cherif, Youssef. "Tunisia's Foreign Policy: A Delicate Balance." Atlantic Council. March 23, 2015. at: https://bit.ly/3GC1ZX1 Chneguir, Abdelaziz. La politique étrangère de la Tunisie: 1956-1987. Paris: L'Harmattan, 2004. Cimini, Giulia. "The Economic Agendas of Islamic Parties in Tunisia and Morocco: Between Discourses and Practices." Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies. vol. 11, no. 3 (2017). Cole, Peter. Borderline Chaos? Stabilizing Libya's Periphery. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 2012. Colombo, Silvia & Benedetta Voltolini. The EU's Engagement with 'Moderate' "Political Islam: The Case of Ennahda." LSE Middle East Centre Papers Seriesk. no. 19. London: LSE Middle East Centre, 2017. Algerienne Republique la de "Constitution Democratique et Populaire." Journal Officiel De La Republique Algerienne (10 Septembre 1963). at: https://bit.ly/3IuHP2s "Constitution of the Arab Republic of Egypt 1971." International Labour Organization. at: https://bit.ly/3VRCwwQ Cour Internationale De Justice. Recueil des arrêts, avis consultatifs et ordonnances. Affaire du Plateau continental (Tunisie/ Jamahiriya arabe libyenn). Arrêt du 24 fevrier 1982. at: https://bit.ly/3JGsdtl ________. Cour Internationale De Justice. Correspondance. "Réponse aux questions' de S. Exc. M. de Lacharrière, Vice-F'résident de la Cour internationale de Justice (1985)." at: https://bit.ly/3HCQJcd "Décret n° 2014-3644 du 3 octobre 2014, portant ratification de l'accord de coopération dans le domaine de l'environnement entre le gouvernement de la République Tunisienne et le gouvernement du Royaume du Maroc." Journal Officiel de la République Tunisienne. no. 84. 17/10/2014. at: https://bit.ly/3XaL4zv Delmas, Benoît. "Ben Guerdane: L'attaque terroriste la plus grave subie par la Tunisie." Le Point (Mars 3, 2016). at: https://bit.ly/3XbMPNp Di Peri, Rosita. "An Enduring 'Touristic Miracle' in Tunisia?" British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 42, no. 1 (2015). Elhadidi, Alaa. "Egypt's Shifting Foreign Policy Priorities: How are Abdel Fattah El-Sisi's Foreign Policy Priorities Expected to Change after His Reelection?" The Cairo Review of Global Affairs (Spring 2018). at: https://bit.ly/3ZaNnoy El-Khawas, Mohamed A. "Revolutionary Islam in North Africa: Challenges and Responses." Africa Today. vol. 43, no. 4 (1996). Fernández-Molina, Irene, Laura Feliu & Miguel Hernando de Larramendi. "The 'Subaltern' Foreign Policies of North African Countries: Old and New Responses to Economic Dependence, Regional Insecurity and Domestic Political Change." The Journal of North African Studies. vol. 24, no. 3 (2019). Fernández-Molina, Irene. "Modelling for a Living: Two- level Games and Rhetorical Action in the Foreign Debt Negotiations of Post-revolutionary Tunisia." The Journal of North African Studies. vol. 24, no. 3 (2019). Grimaud, Nicole. La Tunisie à la recherche de sa sécurité. Paris: Presses Universitaires de France, 1995. Gustavsson, Jakob. "How Should we Study Foreign Policy Change?" Cooperation and Conflict. vol. 34, no. 1 (1999).
Harnisch, Sebastian, Cornelia Frank & Hanns W. Maull (eds.). Role Theory in International Relations. London: Routledge, 2011. Hinnebusch, Raymond & Anoushiravan Ehteshami (eds.). The Foreign Policies of Middle East States. Boulder: CO. Lynne Rienner, 2002. Holsti, Kalevi J. "National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy." International Studies Quarterly. vol. 14, no. 3 (1970). Long, Tom. "It's Not the Size, It's the Relationship: From 'Small States' to Asymmetry." International Politics. vol. 54, no. 2 (2017). "IMF Executive Board Approves US$12 Billion Extended Arrangement Under the Extended Fund Facility for Egypt." International Monetary Fund , Press Release. no. 16/501. 11/11/2016, at: https://bit.ly/2IewqS5 International Court of Justice. "Continental Shelf (Tunisia/Libyan Arab Jamahiriya)." 1982. at: https://bit.ly/3JDM2S1 Khiari, Sadri & Olfa Lamloum. "Le zaïm et l'artisan ou De Bourguiba à Ben Ali." Annuaire de l'Afrique du Nord. vol. 37 (1998). Lynch, Marc. "Rached Ghannouchi: The FP Interview." Foreign Policy (December 5, 2012). at: https://bit.ly/3CtTaM9 Mansour, Imad & William R. Thompson (eds.). Shocks and Rivalries in the Middle East and North Africa. Washington, DC: Georgetown University Press, 2020. Kingdom of Morocco. Maroc.ma. "Full Text of The Throne Day Speech Delivered by HM King Mohammed VI." Royal Speeches. at: https://bit.ly/3CSZZr9 Knoll, Anna & Chloe Teevan. "Protecting Migrants and Refugees in North Africa: Challenges and Opportunities for Reform." Discussion Paper. no. 281. Maastricht: The European Centre for Development Policy Management, 2020. "La plate-forme de Rome." Le monde diplomatique. Mars 1995. at: https://bit.ly/3ZfHxlV Leslie E. Wehner & Cameron Thies. "Leader Influence in Role Selection Choices: Fulfilling Role Theory's Potential for Foreign Policy Analysis." International Studies Review. vol. 23, no. 4 (December 2021). Mansour, Imad. "Explaining the Influence of Maghrebi Rivalries on Tunisian Foreign Policy." The Journal of North African Studies. vol. 27, no. 2 (2022). "MAROC: Constitution du 7 décembre 1962." Digithèque MJP. at: https://bit.ly/3VToqLz Meddeb, Hamza. The Volatile Tunisia-Libya Border: Between Tunisia's Security Policy and Libya's Militia Factions. Beirut: Carnegie Endowment for International Peace, 2020. at: https://bit.ly/3jYqG74 Pedziwiatr, Konrad & Rachela Tonta. "Turbulent Muslim Renaissance in Tunisia: Interview with Ennahda's Yusra Ghannouchi." Jadaliyya (June 4, 2014). Porter, Geoff D. "Le non-interventionnisme de l'Algérie en question." Politique étrangère. no. 3 (2015). "Rached Ghannouchi on Tunisia's Democratic Transition." Carnegie Endowment for International Peace. February 2014. at: https://bit.ly/3ioUU2s Republic of Türkiye. Ministry of Foreign Affairs. "Statement of the Spokesperson of the Ministry of Foreign Affairs, Mr. Hami Aksoy, in Response to a Question Regarding the Statement of the Spokesperson of the Ministry of Foreign Affairs of Egypt on the Accusations of Egyptian Foreign." Latest Press Releases. QA-44, 6 June 2020. at: https://bit.ly/3ihiQFd
Royaume du Maroc. Maroc.ma. "Visite officielle de SM le Roi en République populaire de Chine." 10/5/2016, at: https://bit.ly/3jUqA08 Royaume Du Maroc. Ministère de l'Equipement et de l'Eau. "Ouverture d'une nouvelle ligne maritime maghrébine entre le Maroc et la Tunisie." 14/5/2013. at: https://bit.ly/3jXczyK Royaume du Maroc. Ministère des affaires étrangères de la coopération africaine et des marocains résidant à l'étranger. "M. Bourita s'entretient avec le ministre d'etat et ministre des affaires étrangères de la république populaire de Chine, M. Wang Yi." 22/10/2020. at: https://bit.ly/3VNx9Pj Royaume du Maroc. Secretariat General du Gouvernement. La Constitution: Edition 2011. Serie Documentation Juridique Marocaine. at: https://bit.ly/3Cs3V1u Schraeder, Peter J. et al. "Revolutionary Diplomats? Introduction to the Study of North African Foreign Policies Within the Context of the Arab Spring." The Journal of North African Studies. vol. 4, no. 4 (2019). Thies, Cameron & Marijke Breuning. "Integrating Foreign Policy Analysis and International Relations Through Role Theory." Foreign Policy Analysis. vol. 8, no. 1 (2012). Thies, Cameron G. "Sense and Sensibility in the Study of State Socialisation: A Reply to Kai Alderson." Review of International Studies. no. 29 (2003). ________. "State Socialization and Structural Realism." Security Studies. vol. 19, no. 4 (2010). ________. "International Socialization Processes vs. Israeli National Role Conceptions: Can Role Theory Integrate IR Theory and Foreign Policy Analysis?" Foreign Policy Analysis. vol. 8, no. 1 (2012). ________. The United States, Israel, and the Search for International Order: Socializing States. New York: Routledge, 2013. "Tunisie: Rached Ghannouchi tente-t-il de se rapprocher de l'Algérie?" Jeune Afrique. 8/3/2021. at: https://bit.ly/3VTCkxf "Visite de Sellal en Chine: Plusieurs accords de partenariat et contrats conclus." Algeria-watch. Decembre 13, 2009. at: https://bit.ly/3VRE6yM Willis, Michael J. Politics and Power in the Maghreb. London: Hurst, 2012. Zoubir, Yahia H. & Louisa Dris-Aït-Hamadouche. Global Security Watch: The Maghreb: Algeria, Libya, Morocco, and Tunisia. California: Praeger, 2013. Zoubir, Yahia H. "Security Challenges in the Maghreb: The Nexus between Bad Governance and Violent Extremism." EuroMeSCo Brief. no. 70 (2017).