"العدالة الانتقالية في الممارسة: تخطيط السياسة في تونس"

Sofia Hnezla صوفية حنازلة |

Transitional Justice in Process: Plans in Politics in Tunisia عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: العدالة الانتقالية في الممارسة: تخطيط السياسة في تونس. المؤلف: مريم صالحي. سنة النشر:.2022 Manchester: Manchester University Press الناشر: عدد الصفحات: 215 صفحة.

"Transitional Justice in Process: Plans in Politics in Tunisia"

مثّلت الحالة التونسية منذ عام 2011 موضوعًا بحثيًا متميزًا في أدبيات السلطوية  1، والدمقرطة2، والانتقال الديمقراطي، والعدالة الانتقالية  3. ويتركز هذا الاهتمام في صدمة السيرورات السياسية والاجتماعية التي بدأت مع انتفاضات 2011-2010 في العالم العربي، وفي السيناريوهات، والسيرورات، والمصائر المتباينة في هذه البلدان. وضمن هذا السياق، بدأت أدبيات تمايز الحالة التونسية فضلً عن الأدبيات المقارنة مع بلدان أخرى  4، مثل سورية ومصر، بطرح إشكالية وبمساءلة الخطاب السائد الأولي المرتبط بالطفرة التونسية  5، والربيع العربي، والثورة 6، ونجاح الانتقال الديمقراطي في تونس، وما إلى ذلك. وقد استلزمت هذه المساءلة نظرة أكثر تركيزًا وتفصيلً، في سيرورات التغيرات السياسية والمؤسساتية في تونس منذ عام 2010. وضمن هذا السياق، صدر كتاب مريم صالحي بنسخته الإنكليزية العدالة الانتقالية في الممارسة: تخطيط السياسة في تونس، Transitional Justice in Process: Plan in Politics in Tunisia عن منشورات جامعة مانشستر عام.2022 تتعمق صالحي، في مقدمة الكتاب، في السياق التاريخي وفي الموضوع الرئيس للبحث، قائلة: "يمكن للمرء أن يروي قصة تونس ما بعد الثورة بثلاث طرق على الأقل؛ الأولى قصة النجاح المتواصل، والتحول من الاستبداد إلى الديمقراطية، وقصة بلد حارب الإرهاب الإسلامي المتطرف بشراسة، وتحدى المصاعب الاقتصادية. وستكون الثانية قصة كالحة لبلد يتسم بالتطرف الإسلامي، والإخفاق الاقتصادي، وعودة التسلطية. وترسم القصة الثالثة، كما يرويها هذا الكتاب، صورة أعقد وأشد دقة لسياق سياسي في حالة تغير مستمر، حيث يمكن للسمات المذكورة أعلاه التجاور بعضها مع بعض، إما بالتوازي وإما بوصفها حصيلة للاستجابات اللولبية في سيرورة التغيير غير الخطية." واستنادًا إلى هذا الفهم التعددي لقصة تونس بعد عام 2011، تميل المؤلفة إلى تحليل "ارتباط العدالة الانتقالية بالانتقال المتعلق بها"، في إشارة إلى طبيعة الانتقال المتغيرة والإجرائية والمركبة. وبذلك يُنظر إلى سيرورة العدالة الانتقالية في تونس بوصفها "ساحة خلاف بدلً من أن تكون ساحة لتحقيق السلام والعدالة"؛ ما دفع إلى السؤالين الآتيين: "كيف تطورت سيرورة العدالة الانتقالية التونسية؟ ولماذا؟" (ص. 5) للإجابة عمّ سبق، تتبنى المؤلفة "مقاربة دولية مهنية شاملة" للعدالة الانتقالية في تونس (ص. 6)، وتستند هذه المقاربة إلى "جوهر سياسي يكتسب أرضية ضمن سياقات مختلفة من خلال تداول المعايير والمعارف والموارد الدولية. ويُستولى على هذه المقاربة، وتصاغ، ويعاد تشكيلها من خلال مواجهة احتكاكية بين مختلف الجهات الفاعلة، وتكون المقاربة مُسبِّبة لهذه المواجهة في آن معًا" (ص. 6) وبهذا يتحول تركيز الكتاب من تقديم سردية مفردة للعدالة الانتقالية إلى تحليل الاحتكاكات التي تكون نتاجًا لهذه السيرورة، ومُسبِّبًا لإعادة إنتاجها على حد سواء، وبذلك يتعلّق البحث "بالكيفية التي تعمل المواجهاتُ الاحتكاكية فيها على دفع سيرورات التغيير الدولية وتعريفها، بخاصة العدالة الانتقالية" (ص. 8) وتبني المؤلفة إطار بحثها النظري على عمل السوسيولوجي الألماني نوربرت إلياس Norbert Elias في العمليات الاجتماعية كي تساجل بأن "عمليات التغيير الدولية، مثل العدالة الانتقالية، يمكن تفسيرها من خلال دراسة الخصائص التالية: التفاعل بين العمليات السوسيو- تكنولوجية أو المخطط لها وبين العمليات الاجتماعية غير المخطط لها في الديناميات السياسية؛ وعدم خطية عمليات التغيير التي تتميز باتجاهات واتجاهات مضادة؛ والترابط الدولي، بما في ذلك الترابطات بين العالمي والمحلي؛ فضلً عن النزاع والاحتكاك بوصفهما مكوِّنين يدفعان ويعرّفان مكونات السيرورات المعنية" (ص. 9) وكذلك يجادل الكتاب بأن "عمليات العدالة الانتقالية غير خطية وطارئة، وأن معايير العدالة الانتقالية قابلة للانقلاب، وأن الجاذبية الغائية المفترضة غالبًا للعدالة الانتقالية مُضلِّلة." وتتكون سيرورة العدالة الانتقالية في تونس من ثلاث مراحل رئيسة؛ "بدء العدالة الانتقالية وتصميمها وتنفيذها" (ص. 9) وبناء على ذلك، يقسم الكتاب خمسة فصول بما فيها إطار نظري أولي، وسياق تاريخي. حملَ الفصل الأول عنوان: "الماضي ليس بلدًا آخر: خلفية عن تونس"، وهو موجز تاريخي عن الحقبة الاستعمارية وفترة الاستقلال، يتتبع جذور الديناميات المتعارضة للسلطة في تونس، مركّزًا على الاحتكاكات الناجمة عن عهد الحبيب بورقيبة 1987-1957() بوصفه جزءًا من دراسات الانتهاكات، "بما أن بورقيبة ما يزال يثير ذكريات إيجابية

  1. محمد سامي بوراوي، 1 من الاستبداد إلى الثورة: تحليل لفترة حكم بن علي لتونس من منظور علم النفس السياسي (صفاقس/ تونس: مكتبة علاء الدين،.)2019
  2. مجموعة مؤلفين، 2 تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس 2020-2010: معضلة التوافق والاستقطاب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2021
  3. مجموعة مؤلفين، العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية، المجلد الثاني: الحالة التونسية، تحرير مهدي مبروك (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2022
  4. Stephane Lacroix & Jean- Pierre Filiu (eds.), Revisiting the Arab Uprisings, The Politics of a Revolutionary Moment (London: Hurst and company, 2018).
  5. Safwan M. Masri, Tunisia: An Arab Anomaly (New York: Columbia University Press, 2017).
  6. Hakim Ben Hammouda, Tunisie: Économie politique d'une révolution (Louvain-la-Neuve: De Boeck Supérieur, 2012); Nouri Gana (ed), The Making of the Tunisian Revolution: Contexts, Architects, Prospects (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2013); Christopher Alexander, Tunisia: from Stability to Revolution in the Maghreb , 2 nd ed (New York: Routledge, 2016).

لتونسيين كثيرين، تسبَّب إدراج فترة حكمه في مشروع العدالة الانتقالية باحتكاك بين من يحترمون إرثه وبين من عانوا تحت حكمه. وقد أدى هذا إلى تعميق النزاع بشأن مدى مشروع العدالة الانتقالية ونطاقه" (ص. 18) وفيما يخص فترة حكم زين الدين بن علي 2011-1987()، تبيّ المؤلفة أوجه التماثل والاختلاف بالمقارنة مع حكم بورقيبة، وتعرض الجرائم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ظل حكم بن علي وعائلته. ومن ثم، تشدد على دور سيرورة العدالة الانتقالية في "دراسة الفساد والاختلاس في الماضي "[...]، علاوة على طرح "آليات قضائية خاصة[...]لضمان ألا تتُرك العدالة الانتقالية لنظام قضائي معطوب" (ص. 31) واستنادًا إلى فهم مركب للنزاع ولأطرافه الفاعلة في "ماضي" تونس الاستبدادي، تشير المؤلفة إلى أن "الضحايا السوسيو-اقتصاديين اختيروا اعتباطيًا تقريبًا من بين عموم السكان" (ص. 40) وينسب هذا الأمر إلى الجناة طابعًا "مواربًا" من خلال تقديمهم على أنهم "النظام." وتعمل هذه المراوغة على إفراغ معنى أي سيرورة للمساءلة أو التسوية. حمل الفصل الثاني من الكتاب عنوان: "العدالة الانتقالية في الممارسة: التطورات والديناميات." ويشتبك الفصل نظريًا بمجال العدالة الانتقالية المنقسم إلى فئتين تتنازعان بشأن أصول العدالة الانتقالية، ولهاتين الفئتين مقياس محدد، و"الفارق الرئيس في الروايات المختلفة هو ما إذا كانت نقطة الانطلاق التي تحددها تحليلات المؤلفين هي نقطة انطلاق العدالة الانتقالية تبعًا لرأي المؤلفين، أو هي النقطة التي تبدأ فيها تسمية ما يحدث عدالة انتقالية" (ص. 44) وبناء على ذلك، فضّ لت المؤلفة التركيز على تحليل العدالة الانتقالية من منظور "نشوء مجال البحث العلمي والممارسة[...]ومسائل التصنيف، وإنتاج المعرفة، ونقل الأفكار إلى سياقات أخرى وتبنّيها من جانب تلك السياقات" (ص. 44) وبتطبيق نظريات روتي تيتل Ruti Teitel ودستن شارب Dustin Sharp حول مراحل العدالة الانتقالية، تضع المؤلفة العدالة الانتقالية في تونس "ضمن المرحلة العالمية والجيل الرابع في آن معًا؛ إذ جرى إشراك مجموعة من الجهات الفاعلة الانتقالية والمحلية، ومعالجة مجموعة قضايا متنوعة، بما فيها تلك القضايا التي أُهملت سابقًا. وقد أدّت الشواغل الاجتماعية والاقتصادية، على الأخص، دورًا مهمً في هذه السيرورة" (ص. 45) أما في معالجة مسألة "مجموعة أدوات" العدالة الانتقالية، فيتبيّ أن العملية في تونس تطورت لإلغاء النمط الكلاسيكي المتمثل في قياس واحد ينطبق على جميع الحالات. فالعدالة الانتقالية التونسية تشكلت "من خلال أفكار عمليات العدالة الانتقالية الدولية وتجارب البلدان الأخرى، و[...]تشكلت أيضًا من خلال أفكار الجهات الفاعلة المحلية من مجالات مختلفة، مثل السياسة والمجتمع المدني" (ص. 47) وتُحوّل هذه الحقيقة تحليل العدالة الانتقالية من ممارسة تطبيق مجموعة قواعد وتدابير، إلى تحليل سيرورات إخضاع هذه القواعد للسياق المحلي وتكييفها ضمن سياقات وتجارب اقتصادية وسياسية واجتماعية محددة للعدالة الانتقالية. يطرح هذا التحول إشكالية الطبيعة الغائية للعدالة الانتقالية بوصفها سيرورة تهدف في جوهرها إلى إقامة ديمقراطية ليبرالية. وتعترض المؤلفة على هذه الفرضية، مؤكدة أن "المنظور الأهدافي Goal-Oriented() يغفل الإقرار بالطبيعة الإشكالية لهذه المساعي، فضلً عن بعدها التدرجي والطارئ" (ص. 48) ويتضمن هذا التحليل المدفوع بالسياق الذي تقترحه المؤلفة فحصًا دقيقًا للسياقات المحلية والعالمية لسيرورة العدالة الانتقالية التونسية. وهذه السياقية متجذرة في فهم العدالة الانتقالية بوصفها سيرورة سياسية في المقام الأول، بمعنى أنه "على الرغم من أن العدالة الانتقالية تعبّ عن 'وهم لاسياسي Apolitical'، غير أن هذه العدالة سياسية في جوهرها، كما أن سيرورات العدالة الانتقالية تتعامل مع انتهاكات الحقوق السياسية، وتشارك في تحديد الطرف القادر على المشاركة في السياسة الانتقالية للبلاد" (ص. 53) وعلاوة على ذلك، تُنْكر المؤلفة وجود توتر بين الطبيعة السياسية لسيرورات العدالة التقليدية والأدوات التكنوقراطية المستخدمة فيها. وتشدد على "عدم وجود خيار إما/ أو بين التكنوقراطية والسياسة، أو بين الأجندات الدولية والمحلية" (ص. 53) وتقترح المؤلفة، عند مناقشة مسألة المطالبة المعيارية بالعدالة الانتقالية، الاعتماد على "مفاهيم التغيير المعياري التي تسمح بمسار غير خطي، والتي تكون مجهزة لاستيعاب التعقيد، وإيلاء الاهتمام الواجب لتأثير البنى والأطراف الفاعلة السياسية المحلية في سيرورات التغيير" (ص. 55) كما تقترح توضيح عمليات "التغيير المعياري، وتبني الأفكار العالمية" (ص. 55) ولتنفيذ ذلك تركز على مجموعة من الجوانب: أولً: تركز على مسألة تداول مجموعة القيم، مشيرة إلى السيرورات الإشكالية لتبني هذه القيم. هذه السيرورات، بالتعريف، قابلة للاختراق، بما أنها تربط طبقات من السياقات والخبرات العالمية والوطنية والإقليمية؛ ما يستلزم "اقتفاء أفكار العدالة الانتقالية وتخصيصها" ضمن سياقات سوسيو-سياسية محددة (ص. 56)

ثانيًا: إن حزمة الأفكار العالمية هذه قابلة للتبني من خلال أفعال التداول المعرفي التي تُقدَّم في السياق التونسي من خلال حضور "أفراد مطلعين في مراكز العدالة الانتقالية، لهم دور حاسم في تصميم مشروع العدالة الانتقالية المؤسساتية وتنفيذه في تونس" (ص. 56) ثالثًا: يستلزم تبني هذه الأفكار تداول لغة أو خطاب خاص يُنفَّذ من خلال ورش عمل أو تدريبات. وفي الحالة التونسية، "تلقى المشاركون في المشاورات الوطنية حول العدالة الانتقالية – ما سُمّي 'الحوار الوطني حول العدالة الانتقالية' – تدريبًا في مجال العدالة الانتقالية. وقد زوّد هذا الأمر المشاركين بمعرفة المفاهيم والموارد الخطابية للمشاركة في المناقشات، فضلً عن تأطير قضاياهم ضمن مفردات العدالة الانتقالية وموضعتها داخل الخطاب" (ص. 55-56) ويكون للتعميم غير المتكافئ لكل من المعرفة والخطاب تأثير كبير في كل من الجهات الفاعلة النشطة والمستبعدة في سيرورة العدالة الانتقالية، وفي التوزيع غير المتكافئ للتمويل. رابعًا: يستقصي الكتاب مسألة "المحلي" بوصفها تحولً كبيرًا في أدبيات العدالة الانتقالية وممارستها. وتبيّ هذه المسألة "كيف ينظر الفاعلون المحليون إلى المعايير العالمية/ المساعي الدولية؟ وما الذي يستمدونه منها؟ وكيفية تفاعل التفاهمات المختلفة؟" (ص. 59) ومن خلال دمج قضيتي القواعد المعيارية والقواعد "المحلية"، تقترح المؤلفة مفهوم تكريس العامية Vernacularisation() الذي "يتجاوز الفهم اللغوي ليشمل تخصيصًا في المعنى بحيث تتناسب فكرةٌ مع سياق بعينه" (ص. 0)6 ومن ثم، تتتبّع المؤلفة لحظة اللقاء بين المعايير العالمية للعدالة الانتقالية والوقائع المحلية للسياق التونسي. تُصوَّر لحظة اللقاء هذه بكونها "تأسيسية"، بمعنى أنها "تستلزم إنتاج مكانات جديدة، وإن تكن طارئة بالضرورة، تحمل آثار تأثيرات خطابية متعددة، ومتقاطعة، ومتباينة في الغالب[...]، وينتج بالتالي هجين خطابي قد يكون أكبر من أجزائه ومختلفًا عنها في آن معًا" (ص. 60) بالعودة إلى فرضيات هذا اللقاء النظري، يطرح فهم "المحلي" المعروض أعلاه السؤالين الآتيين: من المحلي/ المحليون؟ من أين يستمدون شرعيتهم ليطالبوا بالمحلية؟ يعالج الكتاب هذين السؤالين معالجة عامة من خلال تعداد مختلف الفاعلين السياسيين وفاعلي المجتمع المدني. ومع ذلك، تتجاوز فكرة خلق تصنيف "المحلي" 7 مجرد توصيف الفاعلين السياسيين المحليين؛ إذ تفترض الفكرة وجود تجربة مشتركة للمحلية تختلف بطبيعتها عن تجربة مفترضة قابلة للتطبيق عالميًا. ويتسبّب هذا البراديغم الثنائي بعرقلة رؤية المؤلفة للاعتماد المتبادل وللترابطات بين العالمي والمحلي من ناحية الفاعلين، واللغة (الخطاب)، والشرعية، والممارسة. يُنظر إلى اللقاء بوصفه لحظة احتكاك أيضًا، وهذا الاحتكاك يحمل "طابع ملتبس، يمكن أن تكون قوته التحويلية منتجة ومدمرة على حد سواء" (ص. 2)6 وبالنتيجة، يُحلَّل الاحتكاك بوصفه سيرورة في ذاتها، لا نتيجة للعدالة الانتقالية. وفي السياق التونسي، صُوِّر الاحتكاك على أنه مدمر للعدالة الانتقالية، ومن هنا جاء الإصرار على التوافق السياسي "الذي يلبي توقعات 'ثقافة التسوية' التونسية التي يُعلى من شأنها بدرجة كبيرة، وإنهاء الاحتكاك المنظور في البيئات التمثيلية، كما في البرلمان" (ص. 63) وبناء على ذلك، وعلى المستوى المجرد، تعاملَ الكتاب مع القواعد المعيارية للعدالة الانتقالية، ومع الفاعلين المحليين بوصفهما فاعلين متساويين في سيرورات العدالة الانتقالية، وهو ما يتناقض مع الواقع في معظم الحالات بما في ذلك تونس، حيث توجّه الجهات المانحة والمؤسسات الدولية هذه العمليات بأجندات واستراتيجيات بعينها؛ لذلك يُغفل هذا الفهم ديناميات السلطة القائمة التي تتحكم بتوزيع معايير العدالة الانتقالية وتطبيقها. ويتناول الفصل الثالث المعنون ب "الشروع في العدالة الانتقالية" الأسئلة التي تطرحها الخطوات المبكرة لتنفيذ تدابير العدالة الانتقالية في تونس. وقد جرى تسهيل هذه الخطوات وتسريعها من خلال إنشاء "حالة عالمية للعدالة الانتقالية، غدت القاعدة المعتمدة فيها هي التعامل مع الماضي بعد نزاع أو فترة حكم استبدادي" (ص. 70) وكذلك ساعدتها "الروح الثورية" التي سادت في أعقاب انتفاضات عامي 2011-2010. وبعد المضي في هذه الخطوات الأولية (المحاكمات، اللجان، المؤسسات، البيروقراطية... إلخ) لإنشاء هيئة العدالة الانتقالية، تخلص المؤلفة إلى أن '"غابة بيروقراطية' ظهرت خلال بواكير الفترة الانتقالية، لاقى فيها الضحايا وممثلوهم (وجماعات أخرى على الأرجح) صعوبة في سبر أغوارها، بسبب توازي، وأحيانًا تعارض، عمل مؤسسات ومبادرات عدة للعدالة الانتقالية" (ص. 75) وهذا المحو السريع و"الطبيعي" لبنى العدالة الانتقالية في تونس طمس الخطوط الفاصلة بين مختلف المجالات التي تتعامل مع السعي إلى التغيير السياسي. كما أن "الجهات الفاعلة التونسية نادرًا ما توافقت حول مسألة ما يكون جزءًا من العدالة الانتقالية وما لا يكون؛ إذ إن كثيرين لا يعدّون هذه الإجراءات الأولية 'عدالة انتقالية' على الإطلاق" (ص. 76)

  1. Tshepo Madlingozi, "On Transitional Justice Entrepreneurs and the Production of Victims," Journal of Human Rights Practice , vol. 2, no. 2 (2010), pp. 208–228

وقد شابَ هذا السياق المحدد طبقات من التخيلات، والشائعات، والمخاوف العامة، بما في ذلك انعدام الثقة تجاه حزب النهضة من جهة، والخوف من الفاعلين الباقين المنتمين إلى النظام القديم من جهة أخرى. وفي المقابل، أثّر هذا الاختلاط على السيرورة الفعلية للتغيير الاجتماعي والسياسي في تونس، فالطابع غير الخطي لهذه السيرورة يُ ثَّل من خلال موجات الاتجاهات المضادة التي ظهرت في تونس. يشير الاتجاه الأول إلى خطوتين ضمن الخطوات الأولية لسيرورة العدالة الانتقالية في تونس: "تدابير مرتجلة اقتفت جزئيًا منطق النظام القديم وإجراءاته"، ومن ثم "الخطوات الأولى نحو مأسسة العدالة الانتقالية في هيئات جديدة لم تكن موجودة في ظل النظام القديم، مع إنشاء وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية" (ص. 79) ويعرض الثاني الاتجاهات المضادة التي عرقلت سيرورة العدالة الانتقالية، بما في ذلك - على سبيل المثال - فقدان التعاطف تجاه ضحايا العنف السابق، وتراجع الرغبة في محاسبة مرتكبي هذا العنف. وتعطي المؤلفة مث لً عن الإسلاميين الذين "ما زالوا يواجهون عدم الثقة. وغالبًا ما كانت معاناتهم لا تُؤخَذ على محمل الجد ولا تُرى على أنها جديرة بالتعويض" (ص. 80) وتبدو الاتجاهات المضادة أيضًا "مقاومة للسعي إلى إصلاحات مؤسساتية أشمل" (ص. 81) وتعرض المؤلفة النقاش حول قدرة النظام القضائي والعسكري والمدني على ترؤس قضايا شهداء الثورة وجرحاها، إضافة إلى الدعاوى القضائية المرفوعة ضد أسرة الرئيس السابق، من دون إصلاح جدي لقطاع العدالة. المعيار الآخر للجهود الأولية نحو إضفاء الطابع المؤسسي على العدالة الانتقالية هو صناعتها من خلال مختلف الجهات الفاعلة الدولية التي تقدّم تعليقات، ومشورة، وشراكة مع الجهات الفاعلة المحلية، وتنظيم "مؤتمرات[...]وتأسيس مناصب وبرامج، وتوظيف كوادر تونسية، فضلً عن إرسال كوادر دولية إلى البلاد" (ص. 83) وقد تكثف هذا الاستثمار في السيرورة الانتقالية التونسية على يد الجهات الفاعلة العالمية في مجال العدالة الانتقالية من خلال "الدعم السياسي والمالي الذي تقدمه الحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية" (ص. 83) وقد أسهم هذا الأمر في ازدهار المجتمع المدني المحلي، حيث نال خطاب بعينه ومؤسسات بعينها أفضلية أكبر في التمويل والترويج. فالتأثير الدولي أدى دورًا مهمً في "صوغ الأفكار حول الشكل الذي ينبغي أن تبدو عليه العدالة الانتقالية، والانتقال الديمقراطي عمومًا" (ص. 84)، في هذه المرحلة في تونس. وبالعودة إلى مسألة الاحتكاكات خلال المراحل الأولى من الانتقال الديمقراطي في تونس، برز وجود فضاءين من فضاءات النزاع حول التغيير السياسي: المؤسسات والشارع؛ إذ عكست الشوارع الانقسام السياسي بين الإسلاميين والعلمانيين الذي شوه المناقشات حول التغيير السياسي داخل المؤسسات، وكذلك "استُخدمت التعبئة وسيلة لممارسة السياسة" (ص. 85) وفي الفصل الرابع المعنون: "العدالة الانتقالية المنظمة"، تشرع المؤلفة في اقتفاء التحول "في تركيز أنشطة العدالة الانتقالية من التدابير المرتجلة إلى تنظيم العدالة الانتقالية، وإدخال مشروع عدالة انتقالية مُخطّط يتجاوز الخطوات الأولى باتجاه المأسسة" (ص. 95) نجد في هذه اللحظة مشروعين رئيسيَن؛ الأول: تأسيس "الحوار الوطني حول العدالة الانتقالية" 2012()، والثاني: ترشيح لجان تقصي الحقائق 2014(.) وتضمّنت أيضًا كتابة مسودة قانون العدالة الانتقالية، وإنشاء هيئة الحقيقة والكرامة، وما إلى ذلك. وتخلص المؤلفة في نهاية التدقيق في هذه الفترة "المنظمة" من سيرورة العدالة الانتقالية في تونس إلى ظهور تفاعل بين السيرورات المخطط لها والسيرورات المرتجلة "داخل المجال الملموس للعدالة الانتقالية وخارجه" (ص. 101) وهي تشير هنا، أساسًا، إلى السياق السياسي المتقلب، ودائم التغير، في تونس في هذه اللحظة الزمنية المحددة، والذي جعل "عملية كتابة الدستور المؤسسية داخل المجلس الوطني التأسيسي [...]متأثرة بشدة بسيرورات التغيير العفوية المتعلقة بالاحتجاج العام، والاضطرابات، والعنف" (ص. 101)؛ ما أدى في نهاية المطاف إلى تأسيس "الحوار الوطني." وفي الوقت نفسه، قصّ الكتاب في الإشارة في هذه المرحلة إلى السياقات العالمية لهذه التغييرات والمفاوضات المتقلّبة، بما في ذلك على وجه التحديد التغيرات في الانتقال المصري، فقد كان لإخفاق الحكومة الإسلامية الجديدة، واستعادة الجيش المصري السلطة، دور رئيس في تطور حزب النهضة في تونس، وتطور الميل السياسي العام إلى الحوار والتسويات على حد سواء  8. تدعي المؤلفة أن فهمً جديدًا للعدالة الانتقالية نشأ منذ لحظة إضفاء المأسسة هذه، وهو فهم "أضيق للعدالة الانتقالية" (ص. 107)، وهو فهم بيروقراطي بارد. وبالنتيجة، تولّدت احتكاكات متعددة الطبقات، مثل "الاحتكاك النابع من تصور أن الجهات الفاعلة الدولية كانت أكثر دعمً للحكومة من منظمات المجتمع المدني" (ص. 114) ومع أن المؤلفة حاولت تحديد ماهية هذه التغييرات، فقد تجنّبت ذكر مسألة التوقيت في مقارنتها بين الفترتين الأولى والثانية للعدالة الانتقالية في تونس. ففي عام 2013، كانت ثلاث سنوات قد مرت

  1. Azmi Bishara, Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia (London: I.B. Tauris, 2021), pp. 274-275.

منذ اللحظة الأولى للثورة المدنية، ولم يكن الناس يشهدون آنذاك إلا مناقشة فنية محصورة بالنخب السياسية والقانونية، وحلّت المصطلحات الباردة لصناعة العدالة الانتقالية محل اللغة العاطفية للعدالة. وثمة إجراء مهم ينبغي إضافته هنا إلى تحليل سيرورة العدالة الانتقالية والحكم عليها، ألا وهو العامل المتغير المرتبط بالاعتقاد العام، والاستثمار والمشاركة العاطفيين والملموسين في آن معًا داخل السيرورة ذاتها، وداخل خلق تصوراتها عن العدالة، والحقيقة، والتحرر، والمساءلة، وإمكانية التغيير. عند مناقشة تحليل التحولات السوسيو-اقتصادية والسياسية في تونس بعد عام 2011، هدفت المؤلفة إلى تبيان الطبيعة المركبة لمشروع العدالة الاجتماعية من ناحية الجهات الفاعلة المعنية، وانخراطها في الاحتكاك والتنازل. وقد قادتها هذه المقاربة متعددة الطبقات أو الكلية إلى استنتاج أن "ثمة مشكلات مختلفة تنشأ في أداء العدالة الانتقالية، بمعنيين: مدى فعاليتها في أداء وظائفها، وكيفية تصوّر أداء تلك الوظائف" (ص. 119-120) أمّا الفصل الخامس في الكتاب، المعنون ب "أداء العدالة الانتقالية"، فيتناول "كيفية تفاعل مشروع العدالة الانتقالية المنظم مع التطورات السياسية، وتشريح التفاعل بين هذين العنصرين، وتبيان كيفية تنفيذ العدالة الانتقالية في هذا السياق" (ص. 127) مع التركيز على عمل هيئة الحقيقة والكرامة والمناقشات التي دارت حولها، لكونها "أول مؤسسة أُنشئَت في إطار سيرورة العدالة الانتقالية المنظمة بهدف أن تكون مؤسسة فاعلة" (ص. 127)، وكذلك إلقاء الضوء على التدابير التالية: جمع الملفات، وتدوين الإفادات، وجلسات الاستماع العلنية، وقاعات المحكمة الخاصة بشهادات الشهود، والتعويضات، وما إلى ذلك. ليتبيّ أن لحظة مأسسة العدالة الانتقالية هذه كانت مصحوبة بتحديات سياسية مختلفة نابعة من "التشكيل السياسي الجديد القائم على تسويات النخبة، والسماح لشخصيات النظام القديم 'بالعودة'[...][ما تسبَّب في] تراجع الدعم السياسي لمشروع العدالة الانتقالية والسعي إلى المساءلة" (ص. 138) وفضلً عن هذا، كان ظهور فاعلين سياسيين أقوياء جدد على الساحة (حركة "نداء تونس" مثال رئيس هنا) حاسمً في تحويل الجوانب المختلفة لسيرورة العدالة الانتقالية وتغييرها؛ ما أدى إلى تفاعل تدعي المؤلفة أنه قائم بين السيرورات المخطط لها والسيرورات المرتجلة للعدالة الانتقالية في تونس. وباقتفاء الاتجاهات المتغيرة في مفهوم العدالة الانتقالية (استخدام المقابلات، والمحادثات الشخصية، ووسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي)، يتّضح أن "هذه المرحلة لم تشهد تقدمًا أو تراجعًا واضحًا في معايير المحاسبة، بل تحركات متزامنة في كلا الاتجاهين، ما يؤكد قابلية الانقلاب على قواعد أو معايير العدالة الانتقالية المتمثلة في السعي إلى المساءلة عن الانتهاكات السابقة" (ص. 147) في هذه المرحلة من مراحل السيرورة، مثّل التدهور الاقتصادي في تونس نزاعًا كبيرًا يمكن أن يضر بالعدالة الانتقالية؛ إذ أدى الضغط من أجل تطوير الاقتصاد وتوفير بعض الاستقرار للناس إلى زيادة مخاطر التخلي الدولي عن العدالة الانتقالية في تونس، و"الحالة الاقتصادية، والترابط الدولي على المستوى الاقتصادي، استُخدما على سبيل المثال لتبرير تراجع محتمل للمساءلة. وجرى تصوير مشروع العدالة الانتقالية مرارًا بكونه غير مفيد في جذب الاستثمارات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها" (ص. 150) إن تحليل المؤلفة وإصرارها على ثنائية السيرورات المخطط لها مقابل السيرورات المرتجلة للعدالة الانتقالية يطرح سؤلً رئيسًا: كيف يستمر هذا التمايز مع بقاء السيرورة المخطط لها في حالة تغيير وتحول وحركة دائمة؟ تبدو السيرورات المخطط لها محض اختلاق منهجي من المؤلفة في سعيها إلى تجميد الوقت في لحظة محددة من أجل استنباط تصنيف من السيرورة، والفرضية التي تنطلق منها هي أن هذا التفاعل عامل رئيس من عوامل خلق الاتجاه والاتجاه المضاد في سيرورة العدالة الانتقالية، ولكنها تخفق في كشف هوية من يحكم على هذه الاتجاهات: اتجاهات واتجاهات مضادة بالنسبة إلى من تحديدًا؟  9 إذ بما أن جميع الجهات الفاعلة في الحالة التونسية استثمرت مصلحتها بطريقة أو بأخرى في هذه السيرورة والمشاركة على هذا النحو أو ذاك، فإن لدى كل منها تعريفها الخاص لما يمثل اتجاهًا أو اتجاهًا مضادًا. وكذلك جرى تجاهل مسألة الموقف في هذا الكتاب؛ ما أدى إلى تحليل سيرورة العدالة الانتقالية والحكم عليها انطلاقًا من فهمٍ للعدالة الانتقالية وما تستلزمه، وهذا يمثّل إشكالية كبيرة برغم كونه فهمً معياريًا  10.

  1. Domenica Preysing, Transitional Justice in Post-Revolutionary Tunisia (2011–2013) How the Past Shapes the Future (Wiesbaden: Springer VS, 2016).
  2. Kora Indrieu, "Confronting the Dictatorial Past in Tunisia: Toward a Political Understanding of Transitional Justice," in: Stephane Lacroix & Jean - Pierre Filiu (eds.), Revisiting the Arab Uprisings, The Politics of a Revolutionary Moment (London: Hurst and company, 2018), pp. 165-197.

References المراجع

العربية

بوراوي، محمد سامي. من الاستبداد إلى الثورة: تحليل لفترة حكم بن علي لتونس من منظور علم النفس السياسي. صفاقس/ تونس: مكتبة علاء الدين،.2019 مجموعة مؤلفين. تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس 2020-2010: معضلة التوافق والاستقطاب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 مجموعة مؤلفين. العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية، المجلد الثاني: الحالة التونسية. تحرير مهدي مبروك. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022

الأجنبية

Alexander, Christopher. Tunisia: from Stability to Revolution in the Maghreb. 2 nd ed. New York: Routledge, 2016. Ben Hammouda, Hakim. Tunisie: Économie politique d'une revolution. Louvain-la-Neuve: De Boeck Supérieur, 2012. Bishara, Azmi. Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia. London: I.B. Tauris, 2021. Gana, Nouri (ed). The Making of the Tunisian Revolution: Edinburgh: Prospects. Architects, Contexts, Edinburgh University Press, 2013. Lacroix, Stephane & Jean- Pierre Filiu (eds.). Revisiting the Arab Uprisings, The Politics of a Revolutionary Moment. London: Hurst and company, 2018. Madlingozi, Tshepo. "On Transitional Justice Entrepreneurs and the Production of Victims," Journal of Human Rights Practice. vol. 2, no. 2 (2010). Masri, Safwan M. Tunisia: An Arab Anomaly. New York: Columbia University Press, 2017. Preysing, Domenica. Transitional Justice in Post- Revolutionary Tunisia (2011–2013) How the Past Shapes the Future. Wiesbaden: Springer VS, 2016.