العلوم السياسية عربيًا

Abdelwahab El-Affendi عبد الوهاب الأفندي |

الملخّص

This introductory essay highlights the considerations that prompted this in-depth look at the state of political science in Arab academic institutions, and made it essential. For political science, and the humanities and social sciences more generally, play a central role in any societal renaissance. Our experience of teaching graduate level political science at the Doha Institute for Graduate Studies has already indicated to us that the situation of the discipline in Arab universities was not at all rosy. This impression was confirmed by many studies, conferences, and forums organized by the Arab Center for Research and Policy Studies, which revealed a huge gap of knowledge in the field. This made it imperative to undertake an evaluation of what Arab universities were offering in their efforts to guide students to master the discipline up to global standards. The studies in this special issue, and the following one, highlight a multi-layered crisis in the field, impacting teaching, research, and employment prospects. The studies point to the late arrival of the discipline in the region, the limited areas covered, inadequate resources, and a lag behind international achievements in the field. The crisis is complicated by a number political, economic, social and structural obstacles that hold the discipline back from achieving its potential. This introduction summarizes and assesses the findings of the studies included in this special issue, and the second part in the following one, one emergence, evolution and achievements of the discipline, and the impediment obstructing its progress and maturity in the region. It focuses on case studies from Egypt, Algeria, Sudan, and Tunisia, adding surveys and reflections on methodologies and theoretical challenges. It concludes that despite some major achievements and progress, the biggest obstacle to progress in the discipline remains the absence of viable scholarly communities, both regionally and nationally in in each country. The essay offers proposals to address this problem. Keywords: Political Science, The Arab Region, Scholarly Community, Arab Academia, Renaissance.

Political Science in the Arab World

يشرح هذا التقديم أهمية تقصي حالة العلوم السياسية في المؤسسات الأكاديمية العربية، استصحابًا ا، في نهضة أيّ مجتمع لأهمية دور الإنسانيات والعلوم الاجتماعية عمومًا، والعلوم السياسية خصوصً. فقد أظهرت التجربة التدريسية في معهد الدوحة للدراسات العليا، وكذلك الدراسات والملتقيات التي نظً مها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وجود فجوة في المعلومات في هذا المجال، إضافة إلى الحاجة إلى تقييم ما تقدّمه الجامعات العربية في هذا المجال بما يؤهل الطلاب إلى مستوى عالمي. يشير التقديم إلى ملاحظات من داخل الوطن العربي وخارجه حول أزمة مركبة في مجالات التدريس والبحث وتوظيف هذا الحقل. وبالفعل كشفت الدراسات المضمنة في جزأَي هذا الملف عن جوانب متعددة لهذه الأزمة، بدءًا من تأخر دخول التخصص إلى الساحة العربية، ومحدودية ما يقدم من مواد، وعدم مواكبة التطورات الدولية في الحقل، مع وجود معوقات سياسية واقتصادية واجتماعية وهيكلية تعترض وصول الأداء في الحقل إلى غاياته الأوسع. ويلخص التقديم ما توصلت إليه الدراسات حول نشأة التخصص وتطوره وإنجازاته، والعقبات التي تعترض تقدمه ونضجه، في الساحة العربية عمومًا وفي دراسات حالات لمصر والجزائر والسودان وتونس. ويخلص إلى أن التخصص حقق إنجازات مهمة، وإن كان لا يزال يواجه معوقات (وانتكاسات أحيان ا)، وأن المعوق الأكبر لانطلاقة التخصص يتمثل في غياب جماعة علمية عربية في المنطقة، وفي كل بلد على حدة، ويقدّم مقترحات تساعد في معالجة هذه المسألة.

كلمات مفتاحية: العلوم السياسية، العالم العربي، الجماعة العلمية، الأكاديميا العربية، النهضة.

*  أستاذ العلوم السياسية، رئيس معهد الدوحة للدراسات العليا. Professor of Political Science, and President of the Doha Institute for Graduate Studies. Email: abdelwahab.elaffendi@dohainstitute.edu.qa

مقدمة

لعل الملاحظة التي اقتبسها سيد أحمد قوجيلي (عن محررَي كتاب صدر في عام 2009 عن تخصص العلاقات الدولية عالميًا) ، في دراسة سياسات عربية في العدد القادم من دورية 61()، عن حال العلاقات الدولية في العالم العربي، تلخّص المعضلة التي نتناولها في عددين خاصين من الدورية، فقد عجز المحرران، كما قالا، عن الحصول على مادة ذات شأن حول وضع الحقل في المنطقة العربية، على الرغم من أنهما بذلا، في سبيل الحصول على هذه المادة، جهدًا فاق ما بذلاه في فصول الكتاب الأخرى كلها مجتمعة. وفي نهاية الأمر، اضطرا إلى طباعة فصل قديم لأحد الكتّاب العرب، وقبول فصل آخر مختزل و"مخيّب للآمال" من مساهِم عربي آخر. وقد اكتشف المحرران، من خلال هذه التجربة، أن الأمر لا يتعلق بندرة ما يكتبه العرب في هذا الحقل فحسب، بل يتعلق أيضًا بندرة ما يكتبه عنهم حتى غيرهم في هذا الموضوع. كنّا قد ناقشنا في غير هذا المكان   ما وصفناه ب "تحدي بايندر"، في إشارة إلى ملاحظة في ثمانينيات القرن الماضي من الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط ليونارد بايندر حول ما وصفه ب "حصانة" منطقة الشرق الأوسط ودراساتها ضد أي "ثورة علمية." وقد قارن بايندر المنطقة بأميركا اللاتينية التي ساهمت في إحياء النظرية الليبرالية في التنمية، عبر أطروحات، مثل نظرية التبعية، وأطروحة "الاستبداد البيروقراطي"، في حين لم تصدر عن منطقة الشرق الأوسط أي مساهمات مماثلة. بل إنها فشلت حتى في الاستفادة من تلك الأفكار، فضلً عن تطويرها. وفرسّ بايندر هذا التمايز بتأثر مفكّري أميركا اللاتينية بالماركسية من جهة، وكون المنطقة قريبة ثقافيًا من الغرب، في مقابل ما وصفه بالتقوقع الثقافي العربي. ومهما يكن خلافنا مع بايندر ، فإن إشارته إلى ضعف المساهمة العربية (وحتى المساهمات الأجنبية في دراسة المنطقة) في الفكر السياسي عمومًا، لا يمكن تجاهلها. ويتعزّز هذا الوضع بما ورد في مساهمة عبد الكريم أمنكاي وآلان ألوسكان في هذا العدد، التي كشفت الغياب شبه الكامل للمنهج الكمي في الدراسات السياسية العربية، وذلك حتى يومنا هذا.

1  Arlene B. Tickner & Ole Wæver (eds.), International Relations Scholarship around the World (London/ New York: Routledge, 2009). 2  Abdelwahab El-Affendi & Khalil Al Anani, After the Arab Revolutions: Decentring Democratic Transition Theory (UK: Edinburgh University Press, 2021), pp. 5-6; L. Binder, Islamic Liberalism: A Critique of Development Ideologies (Chicago: University of Chicago Press, 1988), pp. 76-78. 3  نذكّر هنا بأن بايندر أفرد فصلً كاملً في كتابه المذكور لنقد مقولات إدوارد سعيد في نقد الاستشراق، وهو حقل بني على مساهمات نقدية عربية تعود إلى الستينيات، خلقت بدورها مج لً معرفيًا جديدًا، وهو مجال دراسات ما بعد الكولونيالية، ما يقدح في مقولته الأساس حول غياب المساهمات العربية الأصيلة في رفد المعرفة.

يمثل ما سبق مؤشرات لأزمة عميقة في هذا التخصص، تشير بدورها إلى خلل معرفي واجتماعي ومؤسسي، يدعو إلى استقصاء جدّي للوضع القائم لفهم الواقع ومصادر الخلل. وقد واجهنا أيضًا عنَتًا كبيرًا في توفير مواد هذا العدد الخاص، حيث استغرق تجميع أوراقه بضع سنوات من الجهد المتواصل من فريق العمل في دورية سياسات عربية والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا، حتى اكتملت المواد، من دون أن توفي بكل ما نريد إنجازه من تغطية لتاريخ التخصص وواقعه. لكن ما تحقق يمثل خطوة كبيرة إلى الأمام.

أولا: الحاجة إلى تقييم وضع العلوم السياسية عربيًا

أكثر من سبب واعتبار يفرض في هذه المرحلة التناول المعمّق، ومن زوايا عدة، لوضع العلوم السياسية في الفضاء العربي، وتجعل منه واجبًا مُلحًّا. نبحث في زاوية التناول الأولى عن الإجابة عن سؤال: أين يوجد التخصص؟ ومتى بدأ في كل بلد؟ وكيف نما وتطور؟ ويتعيّ سؤال حضور التخصص، معرفيًا وأكاديميًا لكونه لا يزال غائبًا في جامعات بعض البلدان العربية، حتى في الاسم، إضافة إلى حضوره الباهت واقعًا لا يتجاوز مجرد المسمى في الكثير من البقية. وهذه حالة تكاد تكون فريدة في العالم. أما الزاوية الثانية، فهي نوعية الحضور أكاديميًا: إلى أي حد أصبح التخصص مكتملَ الأركان من حيث تدريس تخصصاته كلها على مستوى أكاديمي مقبول، أخذًا في الاعتبار آخر نتائج البحث عالميًا، وأكثر القضايا إلحاحًا من المنطلقات النظرية والعملية، مع توافر أساتذة من ذوي الكفاءة، وإمكان الوصول إلى المصادر والمراجع باللغة العربية. أما الزاوية الثالثة، فتتعلق بالحضور العملي للتخصص في المجتمع وخارج قاعات الدراسة، فضلً عن النجاعة والتأثير. هل يشتغل المتخصصون بالبحث في القضايا المُلحّة في المجتمع؟ وهل تُنشر أبحاث رصينة عالية المستوى؟ وهل تُقرَأ هذه الأبحاث ويستفيد منها الباحثون ويبنون عليها لتطوير العلم؟ وهل لها تأثير خارج أبراج الأكاديميا وحلقات نقاش الصفوة العلمية؟ ترتبط بهذا أسئلة مهمة، يتعلق بعضها بتخصص العلوم السياسية عالميًا. ومن هذه أصالة المساهمة، والتفاعل الناجع مع المحيط، ومقدار الحضور العالمي. وقد طرح ربيع العرب هذه الأسئلة بقوة وإلحاح على مجتمع العلوم السياسية عالميًا ومحليًا، بسبب الفجوة التي أظهرها في ما يسمى "علمً "، والواقع الذي يتعلق به هذا العلم. ويعيدنا هذا إلى ما أثاره بايندر وغيره حول حضور المساهمات

العربية في التخصص، ليس مقارنة بالمساهمات الغربية المهيمنة فحسب بل مقارنة كذلك بمناطق أخرى، مثل أميركا اللاتينية والهند. بمعنى، ما حجم الحضور العربي في مجال التخصص عالميًا؟ في هذا الباب يجوز كذلك طرح العلاقة بين التخصص في شكله المعاصر والتراث العربي الإسلامي في عصور ما قبل الحداثة. وإلى أي حد يمكن أن يقال إن لعلم السياسة المعاصر في العالم العربي جذورًا يبني عليها؟ أم أنه يبدأ من نقطة الصفر؟ ثم ما العلاقة بين غياب الديمقراطية المزمن في المنطقة، وغياب العلوم السياسية، خاصة في إطار جزم عدد من المتخصصين بمحورية هذه العلاقة والتداخل بين الأمرين؟ فهل غياب الديمقراطية هو سبب أزمة العلوم السياسية؟ أم أن العكس صحيح؟ من منطلقنا، فإن التساؤلات التي يسعى هذان العددان الخاصان، هذا العدد والعدد القادم للإجابة عنها، ثارت بداية من التجربة العملية في تدريس العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا. فهنا بدأت تجربة مهمة لتدريس العلوم السياسية باللغة العربية، مع ارتباط وثيق بتطورات التخصص عالميًا. وقد اهتم برنامج العلوم السياسية بتعزيز المساهمة العربية في التخصص عالميًا، وخصص لمتابعة هذه المساهمات مقررًا بعنوان "مساهمات العرب في الفكر السياسي" (تحوّل في ما بعد إلى "العلوم السياسية والعرب.)" وقد جاء في ديباجة المقرر أنه يسعى لإطلْاع الطلاب على أهم المساهمات العربية التراثية والحديثة في مجال الفكر السياسي والعلوم السياسية، وذلك لإلهامهم ووضعهم أمام تحدي المساهمة المستقبلية في المجال، مع تزويدهم بالمعرفة والمهارات اللازمة لتقديم مثل هذه المساهمات. وفي الوقت نفسه، تصدّى المعهد مع المركز العربي، لهذا التحدي عبر تحشيد جهود الأكاديميين العرب في الوطن والمهجر للبحث في حقول الإنسانيات والعلوم الاجتماعية (ومن بينها العلوم السياسية والعلاقات الدولية)، وتوسيع التعاون وتعميقه مع المؤسسات الأكاديمية الرائدة ودور النشر المهمة لهذا الغرض. كانت الثورات العربية قد طرحت بدورها أسئلة مهمة حول تخصص العلوم السياسية ككل، بعد أن كشفت عن إشكالات واجهها في الغرب والشرق حول تفسيراته الواقع العربي، ونجاعة نظرياته وأدواته التحليلية عمومًا. وقد سلّطت الدراسات المعمّقة التي أجريت في المركز العربي حول الثورات العربية، الضوء على بعض هذه الإشكالات النظرية، وتناولها كذلك عددٌ من مؤتمرات المركز والمعهد، واجتهد عدد من الدراسات في البحث عن معالجات لها .

ينظر: عزمي بشارة،  4 ثورة مصر، الجزء الأول: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير  ، و الجزء الثاني: من الثورة إلى الانقلاب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2016

في الوقت نفسه، ومن الناحية العملية، كشفت تجربة تدريس العلوم السياسية في معهد الدوحة عن ثغرات عديدة في واقع العلوم السياسية عربيًا، كما تعكسه الحصيلة المعرفية لدى الطلاب الملتحقين بالمعهد. فعلى الرغم من أن هؤلاء كانوا في غالبيتهم من الطلاب المتفوقين، فإن المقررات التي كانوا يدرسونها لم تكن تتيح لهم الاطلّاع الكافي أو المتعمّق على أحدث المساهمات في الحقل، خاصة في الجانب النظري. بل إن اطلاع نسبة كبيرة منهم كان قاصرًا على نظريات تجاوزها الحقل منذ الستينيات والسبعينيات. ولهذا كان من الضروري بذل جهود أكبر لتقوية إلمام الطلاب بأحدث النظريات والمنهجيات، ودعم مهاراتهم البحثية والتحليلية والنقدية. وقد تحقق نجاح كبير في هذا المجال بحمد الله. لكن إدراك هذا الإشكال دفع بنا إلى التقصي عن حالة العلوم السياسية في الوطن العربي، لأن تقصّيها أصبح ضروريًا لدعم الجهود العربية التضامنية في تجاوز التحديات التي تعوّق التقدم العلمي في المنطقة. من هذه الزوايا وغيرها، أدركنا أهمية البحث في وضع تدريس العلوم السياسية في الجامعات العربية، وطرح أسئلة مهمة حول تطوّرها، والمدارس والمناهج التي اتُّبعت، والمراجع التي تُستخدم في التدريس، وأهم المؤلفات التي نشرت. كانت لدينا كذلك أسئلة عن تأثّر التعليم والتعلم والبحث في الحقل بالتقلبات السياسية في المنطقة، ومدى تأثير التدخلات السياسية في العملية الأكاديمية المتعلقة به. فالمعروف أن دولً عربية كثيرة لم تُدخل التخصص في جامعاتها إلّ مؤخرًا، وكان التخصص - ولا يزال في بعض الدول - يُدرّس تحت تخصصات أخرى، مثل القانون أو الاقتصاد. وتواجه الجامعات ضغوطًا تحدّ من حرية البحث والتعبير، وهي ضغوط زادت، للأسف، ولم تنقص، ما يعقّد العملية التعليمية والإنتاج البحثي. شهدت العقود الماضية كذلك تراجعًا مخيفًا في أوضاع الجامعات العربية، إما بسبب التدهور السياسي والاقتصادي، وإما بسبب الاضطرابات، وإما بهذه الأسباب مجتمعة. على سبيل المثال، كانت جامعات القاهرة وبغداد والخرطوم ودمشق والرباط وتونس... إلخ، واعدة إقليميًا وحتى على المستوى العالمي  . إلّ أن معظم هذه الجامعات أصبح يعاني إشكالاتٍ مركبة، تبدأ من ضعف التمويل وعدم كفاية الموارد التعليمية وهجرة الأساتذة، ولا تنتهي بغياب الدعم الحكومي للطلاب أو ضعفه، ما جعلهم يعانون ضغوطًا مستمرةً في التحصيل.

5  نجد طلال أسد، أحد أبرز علماء الأنثروبولوجيا عالميًا، يشيد بجامعة الخرطوم (التي عمل أستاذًا فيها في الستينيات، حين كان يعد أطروحته لنيل الدكتوراه حول قبيلة الكبابيش السودانية)، ويقارنها إيجابيًا بجامعة أكسفورد. D. Scott & C. Hirschkind, Powers of the Secular Modern: Talal Asad and His Interlocutors (California: Stanford University Press, 2006), pp. 248-250.

من هنا، فإن توفير المعلومات الدقيقة والمحدّثة حول وضع تدريس العلوم السياسية والبحث فيها في الوطن العربي لا يمثل إضافة علمية ومعرفية ومساهمة في إعداد سجل لا غنى عنه لتطوّر التخصص وإنجازاته فحسب، بل هو كذلك مساهمة في البحث عن سبل تطوير التخصص وتحديثه. ونأمل أن يساهم كذلك في نهضة العلوم السياسية في المنطقة، وتعزيز مساهماتها في التنوير والتحديث السياسي؛ فنهضة الأمم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتطور الفكر السياسي فيها وغناه. فقد ارتبطت النهضة الإغريقية، وكذلك النهضة الإسلامية، ثم النهضات الحديثة في أوروبا، خاصة بريطانيا وفرنسا ثم أميركا، بالتعمّق في التفكير السياسي واستنارة الممارسة به. إذ تحدّث الفلاسفة والفقهاء والأدباء وغيرهم من أهل الفكر في أمور الشرعية والعدل والمفاضلة بين النظم السياسية. وأدّى هذا بدوره إلى التفكر والتدبّر في أفضل سبل الحكم، وتنافس الأفكار في هذا المجال. بل إن كثيرين من الساسة في الحضارات الكبرى، كانوا بدورهم مفكرين كبارًا.

ثانيًا: العلوم السياسية عربيًا: النشأة وملامح الأزمة

في عام 2010، احتفلت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة بمرور نصف قرن على إنشائها. فقد اعتبر تأسيس الكلية في عام 1960 نقلة نوعية في تطور التخصص (علمً أن تدريس العلوم السياسية في جامعة القاهرة كان قد سبق إنشاء الكلية بأكثر من ربع قرن.) ولعلها مصادفة مهمة أن ذكرى مرور خمسين عامًا على بدء تدريس العلوم السياسية في جامعة بغداد، مرت كذلك في عام 2009 (حيث بدأ التدريس هناك في عام 1959، وتبع ذلك إنشاء كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة في عام 1963.) ومنحت هذه المحطات مناسبة للنظر والتأمل في إنجازات تخصص العلوم السياسية في البلدين وتطوّره. وبالطبع، كان لا بد من أن ينعكس هذا النقاش على حال العلوم السياسية في بقية أرجاء العالم العربي، بداية بالتأخر النسبي في إدخال التخصص، وتزامن ذلك مع نهايات الحقبة الاستعمارية، وعودة السياسة إلى الواجهة. إلّ أن نشأة التخصص جاءت في الفترة عينها التي شهدت نهاية ما وصف ب "الحقبة الليبرالية" في المنطقة (بحسب ألبرت حوراني)، ومعها فورة الانتعاش النسبي في مجالات الفكر والثقافة. وقد رافقت ذلك حقبة من تدخل الأنظمة "الهجومي" في المجتمع عمومًا، والأكاديميا خصوصًا. وشهدت الفترة محاولات لفرض هيمنة سياسية وأيديولوجية في المجال العلمي، وبالتحديد في مجال الإنسانيات والدراسات الاجتماعية. وبناءً عليه، تزامنت نشأة العلوم السياسية مع بداية تراجع الحريات ومساحة الاجتهاد في المجال العلمي، خاصة في حالة علم يتناول شؤون الحكم. ولعلها مفارقة أن عميد الكلية الذي قاد احتفال كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة بيوبيلها الذهبي (الذي صادف، للمفارقة، عشية تفجر ثورة يناير في مصر، كان علي الدين هلال، أحد قيادات ورموز الحزب الوطني الحاكم في مصر وقتها)، ما يشير إلى استمرارية (وحجم وعمق) تدخلات الدولة في الشأن الأكاديمي. مع العلم أن ظهور العلوم السياسية تخصصًا مستقلً ظل غائبًا أو مغيّبًا فترة أطول عن عدد من الجامعات العربية. وفي بعض الحالات، كما في المغرب، غُيّب من جديد مؤخرًا لأسباب هي على الأرجح سياسية. ولعل المفارقة هي في تراجع البيئة المواتية لتطور العلوم السياسية وازدهارها في الوقت الحاضر حتى مقارنة بالماضي القريب. على سبيل المثال، نجد مقالة أكاديمية نشُرت في عام 1995 عن وضع العلوم السياسية في الإمارات، ناقشت بصراحة نشأة العلم ضمن كلية العلوم الإدارية والسياسية في عام 1977، وتأخر استقلاله، وتغيّ منظور الدولة لدوره... إلخ . ولا نحتاج إلى الإشارة إلى أن كتابة مثل هذه المقالة في الجو الحالي أصبحت مستبعدة لأسباب واضحة للجميع. ومعلوم أيضًا ما وصلت إليه الحال في الكثير من الدول العربية الأخرى، خاصة مصر التي كانت الرائدة في هذا المجال. إلّ أن في دراسة العلوم السياسية وتدريسها الكثير مما أصبح مغامرة خطرة، إلى درجة أن أحد أساتذة العلوم السياسية في مصر حُكم عليه بالإعدام غيابيًا بتهم تتعلق بعمله الأكاديمي، بينما فُرض السجن على كثيرين، والمنفى على الأفضل حظًا. هذا كله يطرح أسئلة مهمة، ليس عن ازدهار التخصص وحيويته في البيئة العربية فحسب، بل عن مجرد وجود مساحة الحد الأدنى لاستمراريته. فقد ارتبطت نشأة العلوم السياسية بتطابق وتزامن الوعي باستقلالية المجال السياسي باعتباره مج لً له قوانينه وخواصه المميزة له من أي مجال آخر، مع تبلور استقلالية الدارس لهذا المجال وتميزه من بقية الدارسين للقانون أو الفلسفة أو التاريخ أو غيرها. وكلا الأمرين يتطلّب مساحة من حرية الحركة، في المجال السياسي، وفي حقول دراسته. وإلّ فلو كانت السياسة في "قمقم"، والجامعة سجنًا كبيرًا، فأين ستتوافر المساحة لعلم السياسة؟ بل أين ستوجد الظاهرة "السياسية" التي ينبغي أن يدرسها؟ صحيح أن نشأة العلوم السياسية جاءت متأخرة نسبيًا، حتى في الغرب، حيث يؤرخ لظهورها بإنشاء رابطة العلوم السياسية الأميركية

6  عبد الخالق عبد الله، "بروز وتطور علم السياسة في الإمارات العربية المتحدة: حالة مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، السنة علم قيد التأسيس"، 19، العدد 76)1995(، ص.127-97

في عام 1903، بينما تأخر فرع العلاقات الدولية أكثر من ذلك. وحتى في منبتها الأميركي، نجد أن استقلاليتها المؤسسية والتخصصية تبلورت ببطء كبير. وقد تأخرت النشأة أكثر بالطبع في العالم العربي. ولعل أول مؤسسة درّست العلوم السياسية الحديثة في العالم العربي بصورة رسمية كانت الجامعة الأميركية في بيروت، التي يجادل بعض المعلقين في أنها أول جامعة حديثة أُنشئت في العالم العربي (باسم الكلية البروتستانتية السورية في عام 1866، قبل أن تتحوّل إلى الجامعة الأميركية في بيروت في عام)1920 . صحيح أن جامعة الجزائر هي الأقدم عربيًا، حيث نشأت أول مؤسسة تعليم عالٍ في عام 1833، ثم استمر الوضع في التطور عبر إنشاء مدارس عليا، مدرسة عالية في الطب والصيدلة 1859()، ثم في الحقوق، فالعلوم والآداب 1879()، قبل أن ينتج من هذا التراكم جامعة الجزائر في عام 1909. إلّ أن الوضع في الجزائر كان شديد التعقيد، من جهة أن هذه المؤسسات لم تكن في البداية مفتوحة للجزائريين، وحتى عندما فُتحت، كان نصيبهم منها الأقل. إضافة إلى ذلك، كان التعليم وميدان الثقافة ساحة صراع عنيف، لفرض الهيمنة الثقافية الفرنسية من جهة، ومقاومتها من جهة أخرى  . وأخيًا، وليس آخرًا، فإن الساحة العلمية والثقافية في الجزائر أخرجت - أو شغلت - العديد من كبار المثقفين وعلماء الاجتماع الفرنسيين، مثل ألبير كامو وبيار بورديو وجان-فرانسوا ليوتارد وجاك دريدا، وحتى مونتسكيو وجان بول سارتر، وغيرهم. مع ذلك، تشير الوثائق إلى أن الجامعة الأميركية في بيروت (عندما كانت لا تزال تحت اسم الكلية البروتستانتية السورية) هي أول جامعة بدأت تدريس مقررات في العلوم السياسية، حيث تشير سجلّ تها إلى مقرر عن الاقتصاد السياسي، دُرّس في عام 1896. يشير التقرير السنوي لرئيس الجامعة لعام 1927-1926 إلى إدخال مقرر جديد في العلوم السياسية في عام 1927  وقد ظهرت الإشارة إلى "قسم العلوم السياسية" (بدلً من مجرد العلوم السياسية بوصفها تخصصًا) في تقرير الرئيس لعام 1941 (ص. 76)، بينما بدأت الإشارة في تقرير عام 1951-1950 إلى قسم العلوم السياسية والقانون (ص. 2)4 وفي عام 1957 أنشئ قسم العلوم السياسية والإدارة العامة، الذي بقي على هذه الصورة حتى اليوم.

7  Raymond Habiby, "Teaching Political Science in the Arab World," Paper presented at the Annual Meeting of the Southwestern Social Science Association 66 th , Houston, TX, March 22-26, 1988, accessed on 21/12/2022, at: https://bit.ly/3BZFQPd 8  A. A. Heggoy, "Education in French Algeria: An Essay on Cultural Conflict," Comparative Education Review , vol. 17, no. 2 (1973), pp. 180-197. 9  American University of Beirut, The President's Annual Report to the Board of Trustees, 1926 -1927 , p. 20.

في مصر أيضًا، نشأت الجامعة المصرية نشأتها الأولى في عام 1908  جامعة أهلية، وبنَت على جهود سابقة، منها مدرسة المهندس خانة التي أنشأها محمد علي في عام 1816، ومدرسة الطب 1827()، ومدرسة الحقوق 1886(.) وذلك قبل أن تشهد انطلاقتها الرسمية على يد الدولة في عام 1925 . هناك أيضًا أدلّة على أن تدريس بعض المقررات، التي لها علاقة بالعلوم السياسية في المدرسة العليا للتجارة في مصر، بدأ في عام 1911. من جهة أخرى، فإن إنشاء مثل هذه الجامعات كان في حد ذاته فعلً سياسيًا (بل نضاليًا أحيانًا)، ونتج منه تسييس على أكثر من مستوى، كما ظهر من الحملات التي أدّت إلى إنشاء الجامعة المصرية. كذلك كان للجامعة الأميركية في بيروت تأثيرٌ من نوع آخر، كونها أقدم جامعة حديثة في المنطقة ظلت متاحة للعرب. فقد خلقت الجامعة، إضافة إلى بدايتها المبكرة بتدريس العلوم السياسية، جوًّا سياسيًا جعلها أكبر ساحة حوار مفتوح بين الطلاب العرب. على سبيل المثال، فإن صحيفة الطلاب المسماة العروة الوثقى (وهو اسم له دلالته لأنه مقتبس من أول مجلة سياسية نهضوية أنشأها السيد جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده في باريس في عام 1883) ظلت منذ بداية صدورها في عام 1923، تعبّ عن الطموحات العربية في الوحدة والنهضة  . إذا استثنينا الجامعة الأميركية في بيروت، فإن مصر هي أول بلد عربي شهد إدخال العلوم السياسية تخصصًا في جامعاته، كما جاء في مساهمات الزملاء في هذا العدد الخاص (مع دعوى بالسبق للجزائر.) فقد أُ- غير موثقة -سّس قسم العلوم السياسية في الجامعة المصرية في عام 1935، وتبعه بعد حوالى عقد من الزمان قسم آخر في كلية التجارة، جامعة فاروق (الإسكندرية في ما بعد.) وقد نشأ التخصص في كلية التجارة، الجامعة المصرية (التي أصبحت في عام 1940 جامعة فؤاد الأول، ثم جامعة القاهرة في عام 1953)، وتبعه قسم الدراسات العليا في العلوم السياسية، بدءًا بالماجستير في عام 1942، ثم الدكتوراه في عام 1950. في المقابل، فإن تاريخ إدخال تخصص علم السياسة في جامعة الجزائر كان في عام 1949، كما جاء في المساهمة المتعلقة بالجزائر، على الأقل رسميًا. في العراق والسودان وتونس، نشأ التخصص في عام

10  Hamdy A. Hassan, "The Development of Political Science in the Arab World: A Narrative," SSRN , 25/7/2009, p. 2. 11  ينظر: "وقائع وحقائق"، جامعة القاهرة، شوهد في 2022/12/21 في،: https://bit.ly/3INkOam 12  Betty S. Anderson, The American University of Beirut: Arab Nationalism and Liberal Education (Austin: University of Texas Press, 2011), pp. 2-3.

1960-1959، على الرغم من أن هناك من يرى أن نشأة كليات/ مدارس الحقوق، في عدد من هذه البلدان (في القرن التاسع عشر في مصر والجزائر، وفي عام 1909 في العراق، وفي عام 1935 في السودان)، مهّدت لدراسة العلوم السياسية، خاصة بتدريسها القانون الدولي . تطوّر التخصص من حيث التدريس والمصادر والتوجهات، كما هو مفصّل في المساهمات في هذا العدد، وواجه تحديات متعددة وظلّ يواجهها. وقد كان حبيبي قد أورد ملاحظة أن الجامعة الأميركية في بيروت (وقد تبعتها الجامعة الأميركية في القاهرة في عام 1920) قد أدخلت النظام الأميركي في التدريس، بينما أدخلت جامعة القديس يوسف (التي أنشأها اليسوعيون في لبنان في العام التالي لإنشاء الكلية البروتستانتية السورية، في إطار التنافس بين الطوائف المسيحية التبشيرية) النظام الفرنسي. أما الجامعة المصرية، فقد أدخلت النظام البريطاني، حيث إنها بدأت عملها امتدادًا لجامعة لندن . وقد انبثقت جامعة الخرطوم، بدورها، من كلية غوردون التذكارية التي نشئت في عام أ 1902 باعتبارها مدرسة عُليا، تخليدًا لذكرى الجنرال تشارلز غوردون، حاكم عام السودان الذي أطاحته الثورة المهدية. وقد احتضنتها جامعة لندن في مبتدأ تحوّلها إلى كلية جامعية في مطلع الخمسينيات، فأصبحت واحدة من كلّياتها؛ ويضيف طلال أسد أن الجامعة قد طُوّرت في الأربعينيات على أيدي أساتذة من جامعة أكسفورد، وانطبعت بطابع تلك النشأة . أشار حبيبي كذلك إلى نفوذ جامعة القاهرة والجامعات المصرية الأخرى على التعليم العالي في العالم العربي. فعلاوة على فتح فروع للجامعة في الخارج (كما في الخرطوم في عام 1955)، ساهم الأساتذة المصريون في إنشاء أقسام في جامعات عدة، وكانوا جزءًا مهمً من طاقم التدريس في دول المنطقة  . في وقت لاحق، بدأت الجامعات تتخذ هويات جديدة، تأثّرًا بظروف نشأتها من جهة، ثم بالتطورات الاجتماعية والسياسية في محيطها من جهة أخرى. على سبيل المثال، أنشأت الجامعة المصرية أقسام الدراسات العليا في العلوم السياسية في كلية القانون، وارتبط التدريس في المرحلة الجامعية بالاقتصاد، الذي كان يُدرَّس وفق المناهج البريطانية، بينما كان يتبع القانون في مصر المناهج الفرنسية، ومن ثم، كان يتحتّم على طلاب الدراسات العليا أن ينفتحوا على

13  قحطان أحمد سليمان وصلاح عبد الهادي، "العلوم السياسية في العراق بداياتها، مجلة العلوم السياسية، العدد نشأتها، تطورها، ومفرداتها التدريسية"، 37)2008(، ص ‎.209-193 14  Habiby, pp. 5-6. 15  Hirschkind & Scott, pp. 248-250. 16  Habiby, pp. 6-7.

المنهج الفرنسي  . وقد أكدت مروة فكري في دراستها في هذا العدد أن هذا التأثير المزدوج لا يزال فاعلً. يظهر هذا في تأثر تدريس العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ببيئته الأولى في كليتي الحقوق والتجارة، فغلبت عليه اهتمامات الاقتصاد والقانون، مع غلبة طابع المدرسة الفرنسية وتركيزها على المنظور القانوني والدستوري. ولم يكن هذا هو الاعتبار الوحيد، حيث إن التخصص تأثر في وقت لاحق بتطوّرات التخصص في الغرب، خاصة مع صعود الوضعية في الولايات المتحدة، التي لا تزال تتبعها غالبية أهل التخصص في مصر. ولا يقل أهمية عن ذلك التطورات السياسية، حيث إن بداية تبلور هوية التخصص صادفت مطلع الستينيات، وهي حقبة صعود النفوذ الناصري، وهيمنة الدولة على الساحة الثقافية. ولهذا يكشف استبيان مروة فكري أن التصور السائد عند أهل التخصص هو أن دور عالم السياسة يتمثل في الانخراط ضمن النخبة السياسية - العلمية المهيمنة، وأن يكون في خدمة "الدولة" وصنّاع السياسة. وقد تشكلت هوية التخصص بتأثير هذا المزيج من التوجه الوضعي في الأبحاث، مع الانحياز إلى السلطة.

ثًالث ا: إنجازات التخصص

لا بد من أن نشير أولً إلى أن وضع العلوم السياسية في المنطقة حقق قفزة في العقود الماضية، انطلاقًا من بدايات متواضعة، تقرب من الصفر، في النصف الأول من القرن الماضي، إلى وجود ملموس للتخصص في غالبية الدول العربية، وفي أكثر من جامعة في كل منها. وهكذا أصبحت الجامعات تُخرّج المئات من المتخصصين في كل عام. على سبيل المثال، تذكّرنا مساهمة عبد القادر عبد العالي ولبنى جصاص وقاسم حجاج في هذا العدد بأن التخصص في الجزائر تطور من تدريسه في مركز واحد في جامعة الجزائر (معهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية) حتى عام 1992 إلى أكثر من 29 قسمً لتدريس العلوم السياسية في مناطق شتى من الجزائر. وعكس هذا ظاهرة عمّت المنطقة، وهي التوسع في التعليم الجامعي، حيث ارتفع عدد مراكز التعليم العالي من جامعات ومعاهد ومراكز في الجزائر (بحسب هذه المساهمة) من عشرين جامعة خلال السبعينيات إلى 107 من مؤسسات التعليم العالي في عام 2021. وتضاعف عدد الطلاب الجامعيين خلال الفترة نفسها 850 مرة (من حوالى 2000 إلى مليون وسبعمئة ألف طالب.) ويبلغ عدد الطلاب الجامعيين في مصر أكثر من مليوني طالب، في 20 جامعة حكومية، إضافة إلى 60000 طالب في 23 جامعة خاصة. وفي لبنان 14 جامعة، بينما تضاعف

17  Ibid., pp. 5-6.

عدد الجامعات في السودان مرات عدة إلى أكثر من مئة جامعة خلال العقود الأربعة الماضية. وقس على ذلك في بقية الدول. يمكن هنا استعارة مفهوم "دورة الإنتاج العلمي" التي استخدمها قوجيلي لأجيال التخصص الفرعي للعلاقات الدولية، لبيان تطور هذه المساهمات، بداية من "الجيل الأول" (دخل حقل الإنتاج بين بداية الثلاثينيات والستينيات) الذي مهّد ل "الجيل الثاني" "(جيل المبتعثين" الذي نال أفراده الدكتوراه في الفترة 1985-1970، غالبيتهم عبر الابتعاث إلى الخارج)، وأخيرًا "جيل الألفيين" (تأهلوا في الفترة 2015-2000.) وعلى الرغم من انتقادات قوجيلي لمساهمات هذه الأجيال وإشكاليات التواصل بينها، فإن دراسته تثبت أن كل جيل كانت له مساهمة قد تصل إلى قفزة نوعية، بداية مما وصفه بجيل المؤسسين (الجيل الثاني)، الذي وضع اللبنات الأولى في بلورة التخصص، ومرورًا بجيل الألفيين الذي رفع المساهمات العربية إلى مستوى يناهز المستوى العالمي. بناءً عليه، يمكن الحديث عن تقدّم نوعي في المؤهلات والقدرات من جيل إلى جيل، على الرغم من ضعف التراكم العلمي. ويمكن أن نضيف إلى هؤلاء مئات ممن تأهلوا في بعض الجامعات العربية الكبرى (بما فيها الجامعتان "الأميركيتان" في كل من بيروت والقاهرة.) ويجب علينا ألا نهمل أن هذه الجامعات كلها قد خرّجت أعدادًا كبيرة من الدارسين الذين لم يبلغوا مرحلة الأستاذية، لكنهم انتشروا في المجتمع، ونشروا الثقافة والفكر السياسي، خاصة عبر الإعلام أو المدارس أو البيروقراطيات. تؤيد مساهمة باسل صلّوخ ومي درويش في هذا العدد الجانب الإيجابي في تطور التخصص في السنوات الأخيرة، حيث تشير دراستهما المتعمّقة لتدريس تخصص العلاقات الدولية في العالم العربي إلى إضافات مهمة للمعرفة عبر طرح التساؤلات والتحديات النقدية للمفاهيم والنظريات السائدة عالميًا في إطار العملية التدريسية. وهذا يعني أن ساحة التدريس قد تصبح بدورها فضاءً للتطوير النظري خلال مسارات عدة. وهناك جِدّة في طرح هذه المرحلة "الإنتاجية" الوسيطة بين التلقي والبحث، حيث إن الدورة المعتادة تمر من البحث إلى النشر، عبر مؤلفات تطرح نظريات جديدة، أو تختبر نظريات قائمة في الواقع. يعقب ذلك التفاعل مع ما نشُر، شاملً معالجات نقدية للنظريات ومقترحات تطوير لها. وتكون ساحات الدراسة في العادة أحد أهم المواقع التي يتشرّب فيها الطلاب هذه الأطروحات والمساجلات، تمهيدًا لمرحلة تالية يؤدي فيها استيعاب هذه المركبات بدوره إلى نشر جديد، يمر بعد ذلك بالدورة نفسها. لكن أطروحة صلوخ ودرويش تضع هذه المرحلة الوسيطة، أي مرحلة التفاعل في قاعات الدرس، بوصفها مرحلة تمهيدية للنشر والتنظير، تمثل بدورها ساحة نشطة لإنتاج معارف بديلة. نقطة البداية هي الإشكاليات التي تواجهها النظريات الرئيسة (غربية المصدر) في حقل العلاقات الدولية حينما تصطدم بالواقع خارج الغرب، خاصة في المنطقة العربية. وهنا يشجع بعض الأساتذة طلابهم على التعامل نقديًا مع هذه النظريات، مستعينين بقراءات تُسائل النظريات ومسلمّاتها وافتراضاتها، انطلاقًا من أوضاع المنطقة. وقد يشمل هذا مراجعات ما بعد الاستعمار، والنقد الراديكالي الذي يركز على ديناميات المصالح الأمنية للدول الكبرى، وكذلك التصدي للنظرة النمطية/ الاختزالية للمنطقة وشعوبها. يلجأ بعضهم كذلك إلى نظريات طُوّرت محليًا، أو إلى التلفيقية التحليلية Eclecticism Analytical عبر المزج بين أكثر من إطار نظري. والطموح هو أن تنتج من هذا صيغة تكون أشد فاعلية في تفسير الواقع تحت الدراسة. يتوازى هذا مع سعي بعضهم لاستلهام التراث والقيم. ويرى المؤلفان في هذه الجهود محاولات جادة للخروج من ربقة الهيمنة الفكرية والعلمية الغربية، قد تساهم في تطوير نظريات ومقاربات جديدة تثري التخصص. لكن تبقى هناك حلقة مفقودة هي: كيف تخرج هذه المساجلات في الفصول من مجرد تقاذف أفكار داخل غرف مغلقة في جامعات الهامش إلى مقترحات متماسكة تغالب النظريات السائدة؟

رابعًا: أزمة التراكم وتراكم الأزمة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، فإن تقييم أهل الحقل يميل إلى توصيف أزمة كبرى ومركّبة يعيشها التخصص. تؤيد هذا التشخيص غالبية متخصصي العلوم السياسية في مصر، كما تشير دراسة مروة فكري. وهناك ما يؤيد هذا التصوّر في معظم دراسات هذا العدد، مع اختلاف حول تشخيص الأزمة ووصف المعالجات. في الحالة المصرية، نسب المستجيبون الأزمة إلى "المناخ السياسي"، وآخرون إلى ضعف التمويل، مع "الفجوة بين الجوانب التطبيقية والنظرية"، وصعوبة الحصول على المعلومات. وقد يفهم من "المناخ السياسي" نظام الحكم غير الديمقراطي، وإن كان شاكر الحوكي يشير في مساهمته حول تونس إلى بعد سياسي آخر، يتمثل في أدلجة السجال العلمي (في إشارة إلى الصراع الإسلامي - العلماني)، وما وصفه بالارتباك السياسي. ويضيف الحوكي إشكالية افتقاد علم السياسة الاستقلالية بوصفه تخصصًا قائمًا بذاته. يعود هذا من جهة إلى استمرار ارتباطه في التجربة التونسية بالقانون الدستوري. فقد أطلق التخصص في كلية الحقوق والعلوم السياسية، وظلت مقررات القانون العام والخاص تهيمن على مناهجه الدراسية، إضافةً إلى أن المواقع الإدارية في الكلية ظلت محتكرة للقانونيين. ويتردد التقييم

نفسه لتداخل العلوم السياسية مع القانون في الحالة المصرية والجزائرية، وهو كذلك بصورة أكبر في المغرب. يشير الحوكي أيضًا إلى إشكالات أخرى مهمة، من بينها مشكلة اللغة (أهمية التعريب لتوطين العلم والاستقلالية، وفي الوقت نفسه الإشكال المتمثل في خطر حجب التعريب للمصادر المهمة باللغات الأجنبية)، وندرة الكوادر التدريسية المؤهلة وضعف النشر. ولا يقل أهمية عن ذلك غياب الجمعيات العلمية الفاعلة. في الحالة الجزائرية، نظر إلى الأزمة في ظل تراجع مساحة التخصص جامعيًا بعد توسّع كبير منذ بداية التسعينيات. فقد شهدت الفترة بعد عام 2014 إغلاق عدد من أقسام العلوم السياسية بسبب ضعف الإقبال عليها. ويعود هذا بدوره إلى قرارات حكومية ضيّقت مجال التوظيف أمام خريجي التخصص بسبب (أو ذريعة؟) الصدمة النفطية في تلك الفترة. وقد انتقد المستجيبون في مساهمة جصاص وعبد العالي وحجاج ما وصفوه بعشوائية التوسع من جهة واعتباطية الإغلاقات من جهة أخرى. إلّ أن هذا الجانب بدا عند المستجيبين أنه عرض لأزمة أعمق، تمثّلت في غياب الهوية الواضحة والاستقلالية للعلم (عن التخصصات الأخرى وعن سلطان الدولة.) كذلك مشكلة تقصير التخصص في تحقيق المعايير الدولية في التدريس، ومن ثم، عدم تهيئة الخريجين لدورٍ مهني واضح. كذلك، فإن فرض "أجندة اشتراكية" على التخصص حتى مطلع التسعينيات، ساهم في الأدلجة على حساب المهنية (مع أن بعض المستجيبين رأى أن تأثر التخصص بالوضع السياسي السائد أمر طبيعي، وغير مستغرب.) سعت المساهمة عمومًا لرسم صورة زاهية للتخصص في الجزائر، مقارنة ببقية الدول العربية، من جهة سبقه وتأثّره بمساهمات عربية وأجنبية في مراحل تأسيسه، ما ساهم في إثرائه وريادته في إدخال مناهج جديدة، مثل التحليل الكمي... إلخ. في السودان، ربط حسن الحاج علي وياسر عوض بين أزمة العلوم السياسية والتدخل الحكومي في الشأن الجامعي، خاصة من الأنظمة غير الديمقراطية. ويذكر المؤلفان أن نواة جامعة الخرطوم في كلية غوردون التذكارية هدفت في البداية إلى تخريج الإداريين، ثم المعلّمين والقانونيين لملء الوظائف الدنيا في النظام الجديد. وفي عام 1951، جمعت الكلية مع عدد من المدارس العليا الأخرى لتشكل كلية الخرطوم الجامعية، المرتبطة بجامعة لندن. وفي سنواتها الأولى، كان خريجو الكلية الجامعية يحصلون على الشهادة الجامعية من جامعة لندن. واستمرت هذه العلاقة حتى بعد استقلال السودان ونشأة جامعة الخرطوم، حيث كانت جامعة لندن تتولّ تقييم امتحانات الخريجين. وبعد انتهاء التولّ المباشر لعملية التقييم، استمر استخدام الممتحنين الخارجيين البريطانيين في الجامعة حتى نهاية السبعينيات (وكذلك التدريس باللغة الإنكليزية حتى منتصف الثمانينيات.) وقد بدأ تدريس بعض المقررات في العلوم السياسية في كلية الآداب في الجامعة في عام 1952، وذلك قبل إنشاء قسم العلوم السياسية في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في عام.1960 وقد تمتعت جامعة الخرطوم باستقلالية كبرى، واستمر عدد كبير من الأساتذة الأجانب (معظمهم من بريطانيا) في التدريس فيها حتى الثمانينيات. وقد حاولت حكومة جعفر النميري في حقبتها اليسارية إخضاع الجامعة لسلطتها عبر حل اتحاد الطلاب وفصل عدد من الأساتذة. إلّ أن المقاومة الشرسة من الطلاب التي كادت تسقط النظام في عام 1973، أجبرته على التراجع. واستمرت الجامعة مستقلة أكاديميًا، كما تمتع الطلاب بالحرية السياسية والثقافية داخلها. تحوّلت الأمور بعد انقلاب البشير في عام 1989 الذي حاول فرض هيمنة أكبر على الجامعات، وذلك عبر فصل عدد من الأساتذة، وفرض مديرين موالين للنظام، وفرض حركة تعريب شاملة، مع فتح العديد من الجامعات الجديدة. يعتبر ما حدث في السودان نموذجًا للتأثير السلبي الكبير والملموس لتدهور الوضع السياسي (شاملً، إضافة إلى الاستبداد، طائفة من الحروب الأهلية) في التعليم الجامعي. فقد تراجعت جامعة الخرطوم مثلً من مؤسسة كانت تلتزم المعايير الدولية إلى مؤسسة تصارع من أجل البقاء. وقد ساهم التدهور الاقتصادي، بداية من الطفرة النفطية في السبعينيات، بصورة كبيرة في تعميق الأزمة. فقد أدى ذلك إلى هجرة الكوادر الأكاديمية إلى الخليج، وحتى إلى دول أفريقية مثل نيجيريا. ومع تفجّر الحرب الأهلية مرة أخرى في الثمانينيات، ثم تعسّف الحكم العسكري بدءًا من التسعينيات، أصبحت هجرة العقول شبه جماعية، هذه المرة في اتجاه الغرب، خاصة بريطانيا والولايات المتحدة. مع ذلك، بقيت الجامعات السودانية تتمتع باستقلال نسبي، مقارنة بالجامعات العربية الأخرى، في مصر مثلً وتونس والجزائر، خاصة بعد تزايد عدد الجامعات الخاصة (يذكر الحاج علي وعوض أن في العاصمة السودانية الخرطوم وحدها حوالى 90 مؤسسة جامعية، منها 8 جامعات حكومية، و 17 جامعة خاصة، أهلية وأجنبية، و 65 كلية خاصة أهلية)، ويبلغ عدد طلاب هذه المؤسسات 575.719 طالبًا. لكن يشير المؤلفان إلى أن الجامعات الخاصة لا تدرّس من تخصصات العلوم السياسية إلّ ما يناسب سوق العمل، مثل الدراسات الدبلوماسية والدراسات الاستراتيجية. وفي المقابل، فإن ما تشير إليه المساهمات حول مصر وتونس والجزائر هو أن الحكومات لا تزال

تتخذ القرارات المباشرة في الجامعات، بما في ذلك إنشاء التخصصات وتعديلها، وحتى المقررات. وهذا وضع إشكالي، خاصة حين تكون الأنظمة ذات أجندة تتعارض مع حرية البحث والتعبير، وبالطبع التقييم المستقل للأوضاع السياسية. أشارت بعض المساهمات إلى أهمية الديمقراطية لتطور العلوم السياسية ونشأتها. ويذكّر هذا بمقولة صامويل هنتنغتون الشهيرة (في خطابه الرئاسي لرابطة العلوم السياسية الأميركية في عام 1987) إن العلوم السياسية لا بقاء لها في غياب المشاركة السياسية، لأن علماء السياسة لن يجدوا ما يفعلونه في تلك الحالة  . وهناك ما يدعم هذه المقولة، في ما لو قارنّا ضعف تأثير الصين وروسيا مثلً في مجال العلوم السياسية، على الرغم من نجاح الصين الكبير في مجالات المعرفة الأخرى. من جهة أخرى، هناك من يشير إلى نماذج معاكسة، مثل تشيلي في عهد الدكتاتور بينوشيه، حيث ازدهرت فيها العلوم السياسية بصورة لافتة في الثمانينيات والتسعينيات، وساهمت في الانتقال الديمقراطي. إلّ أن التفسير الذي قدّم لهذه الظاهرة يؤكد المبدأ بدلً من دحضه؛ ذلك أن هذا الازدهار يعزى إلى هجرة العديد من المفكرين التشيليين في السبعينيات هربًا من الاضطهاد، واستيعابهم في الجامعات الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة. وقد تألق بعضهم هناك. وعندما سمحت الحكومة لكثيرين منهم بالعودة منذ منتصف الثمانينيات، عملوا في بعض المراكز المستقلة (حيث كانوا لا يزالون ممنوعين من التدريس في الجامعات) بدعم غربي. ولعلها مفارقة أن منعهم من التدريس سمح لهم بالتركيز على البحث والتفوّق فيه  . وبناءً عليه، ما يؤكد هذا المقولة هو أن الديمقراطية ضرورية لازدهار تخصص العلوم السياسية. ويمكن أن يضاف هنا أن ازدهار التخصص في أميركا اللاتينية الأخرى (وبين المهاجرين والمنفيين منها في الولايات المتحدة) في تلك الحقبة ساهم أيضًا في دعم التخصص في تشيلي.

خامسًا: أزمة تخصص، منطقة، سياسة؟

تركز مساهمة مكية نجار على النقطة المذكورة سابقًا حول أهمية حرية الفكر والتعبير لتطوير العلوم الاجتماعية، وأن الإنتاج الأكاديمي لا يزدهر في ظل أنظمة ترفض النقد وتعطّل الحريات. وعلى الرغم

18  S. P. Huntington, "One Soul at a Time: Political Science and Political Reform," American Political Science Review , vol. 82, no. 1 (1988), pp. 3-10. 19  J. Heine, "Democracy, Dictatorship, and the Making of Modern Political Science: Huntington's Thesis and Pinochet's Chile," Political Science & Politics , vol. 39, no. 2 (2006), pp. 273-280.

من أن المساهمة ركزت على مجال العلاقات الدولية، فإن تساؤلاتها يمكن أن تُطرح للعلوم الاجتماعية كلها، ومن باب أولى تخصص العلوم السياسية بفروعه كلها. وتأتي أهمية تناول نجار من ربطها لوضع تخصص العلاقات الدولية المتأخر في المنطقة (وهذا موضع إجماع بين المساهمين كما رأينا) بإشكاليات عالمية، معرفية وسياسية وأخلاقية. وتذكر نجار أن الدول العربية حصلت على عضوية اسمية في النادي الدولي، إلّ أن ما نتج من هذا "الاعتراف" كان استيعابًا في الإطار النظري والقيمي السائد، غربي المنشأ، في حين أن الدولة العربية تبقى عاجزة عن استيفاء شروط الدولة الحقيقية. فسيادتها مخترقة، ونظامها عاجز عن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وحضورها العالمي باهت. بمعنى آخر، فإن المنظومة العربية لا تزال واقعة تحت ربقة الهيمنة الاستعمارية غير المباشرة، وهو وضع يتعزز بهيمنة إبستيمية لا تقل خطورة، تتحكم في سرد تاريخ الآخر ومعرفته، وتظل "مصدر إنتاج كل أنواع المعرفة المتداولة الآن." بناءً عليه، يكمن لب الأزمة في سيادة نظام دولي، سياسي - اقتصادي - معرفي، يكرّس الهيمنة والتهميش، ونُظمً محلية لا تعجز عن إنتاج المعرفة فحسب، بل تُعرقل إنتاج المعرفة بهمّة تُحسد عليها. وهناك مجتمع لا يستورد المعرفة من مصادر خارجية إشكالية فحسب بل يتشرّبها، بما فيها مركب "العنصرية الإبستيمية" المتجذّرة في السررديات السائدة. بل يمكن الحديث عن تواطؤ وخضوع للهيمنة. وهناك نزعة تشاؤم في تحليل نجار للأزمة، حيث تشبه دول العالم الثالث (ومنها الدول العربية) بسجين فوكو الذي يستسلم لنظام التطويع قهرًا وطوعًا في الوقت نفسه؛ فحضور الدولة العالم-ثالثية على الساحة الدولية محكوم بالعجز المركب، ما جعل الشكل الوستفالي للدولة القومية سجنًا يقيّدها بهذه الصيغة الوحيدة المتاحة لاستيعابها، وفي نظام حديث يقوم على "مراقبة" شبيهة برقابة السجن الحديث. وهو وضع تدعو نجار إلى مواجهته عبر ما تصفه (استنادًا إلى بيار بورديو وإيناني حماتي-عطاية وآخرين) بالتأملية Reflexivity، "كعملية مستمرة للتقييم السوسيولوجي لأدوات المعرفة وعمليات إنتاجها." التأملية عندها هي في الوقت نفسه "فلسفة" وأسلوب "بحث اجتماعي-عملي"، وهي أيضًا "أداة يقظة إبستيمية"، تساهم في "فهم الذات وترجمتها إلى محرك أكسيولوجي لممارسة المعرفة"، كما تساعد في "التوفيق بين ادّعاءات المعرفة مع ظروف إمكانياتها ومسؤوليتها الاجتماعية، إضافةً إلى السياسية." لا يخفى وجود مشكلة تناقض ذاتي في هذا الطرح، وفي خطاب ما بعد الاستعمار عمومًا. فهو من جهة يحمّل هيمنة النظام الدولي المركّبة (سياسية – اقتصادية - معرفية) المسؤولية عن الأزمة المعرفية

في الهامش، وفي الوقت نفسه، يحمّل المسؤولية نفسها للأنظمة الاستبدادية التي تقمع الحريات وتحجرها. فهل الأنظمة العربية الاستبدادية لديها فاعلية مستقلة Agency عن نظام الهيمنة؟ أم أنها لا تتحمل المسؤولية عن الأزمة؟ من جهة أخرى، هل الأنظمة الراديكالية التي تطرح نفسها معادية للاستعمار، والأشرس في قمع الفكر الحر في العالم العربي، هي فعلً نتاج "الاستيعاب" في منظومة القيم الغربية الليبرالية مثلً؟ أين نحن من التناقضات الذاتية في الفكر العربي نفسه؟ حيث نجد أن الفكر اليساري العربي، الذي أيّدت قطاعات منه الأنظمة الاستبدادية، قدّم في الوقت نفسه مساهمات مهمة في الفكر السياسي العربي والعالمي. يلاحَظ مثلً أن بداية نقد الاستشراق ظهرت في مساهمات نظرية يسارية من مفكرين من أمثال أنور عبد الملك في منتصف الستينيات، أي في العهد الناصري (مع ملاحظات أنه كتب من فرنسا)، وحتى بعض المفكرين الإسلاميين. كما أن مساهمات مالك بن نبي ظهرت في جزء كبير منها في الجزائر الراديكالية. بالقدر نفسه، فإن الأنظمة الموالية للغرب كانت أحيانًا تتيح حريات أكثر، على الرغم من توجهاتها القمعية. وهكذا نجد أن مساهمات عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وآخرين ازدهرت في المغرب. إلّ أن التقارب العربي الذي ظهر مؤخرًا بين الجانبين، وأصبحت فيه بعض الدول الموالية للغرب أكثر شراسة في القمع، خلق واقعًا جديدًا يحتاج إلى الكثير من التأمل، خاصة حين نرى أن بعض الأنظمة يساهم في عودة الاستعمار القديم، باستدعاء التدخلات الأجنبية، بما فيها الإسرائيلية في المنطقة. من جهة أخرى، يمكننا ملاحظة أن مساهمات مهمة في الفكر السياسي الغربي جاءت من مفكرين يساريين، بعضهم كان يُ الئ أنظمة قمعية استبدادية في أوروبا الشرقية والصين الماوية (ميشيل فوكو وجان بول سارتر، مثلً، وكثيرون أيضًا.) وقد أغنت الحركة التي سمّيت بالماركسية الأوروبية، أو الماركسية الغربية، الفكر السياسي العالمي، ومنها مدرسة فرانكفورت، ومفكرون مثل لويس ألتوسير وهربرت ماركوز ونيكو بولانتزاس ورالف ميليباند وبنديكت أندرسون وبيري أندرسون، ولوشيانو كوليتو... إلخ، مساهمات شديدة التأثير في الفكر السياسي الغربي عمومًا. لكن لا بد من أن نشير إلى أن هؤلاء، على الرغم من تعلق بعضهم بالأنظمة الماركسية (مع مسافة نقدية أحيانًا)، كانوا يعيشون ويكتبون في دول ليبرالية غربية، ويعملون في جامعات أو مراكز بحثية في تلك البلدان. لا شك في أن الحرية مهمة لأي عمل فكري ونظري، وكذلك السلامة الشخصية. فلا قيام لعلم في بلاد لا يأمن فيها الأكاديميون على حياتهم وحريتهم ومعاشهم. لكن الحرية وحدها لا تكفي، فلا بد من موارد ومناخ مشجع لكسب العلم، فالأزمة التي تواجهها الإنسانيات والعلوم الاجتماعية عربيًا ليست أزمة حريات فحسب، بل أزمة مناخ وموارد في الوقت نفسه. نذكّر هنا بأن الجامعات العربية (بما فيها الجامعات الخاصة، مثل الجامعتين الأميركيتين في بيروت والقاهرة) بدأت في العالم العربي نخبوية، وكانت توفر للدارسين والأكاديميين المناخ والموارد لدعم التعليم والتعلم والبحث. وقد أنجبت هذه الجامعات كثيرين من المفكرين الكبار، انتقل بعضهم إلى العمل في الغرب، وساهم في دعم التخصصات هناك. إلّ أن تدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت زاد فيه الطلب على التعليم الجامعي، جعل الكثير من الجامعات يناضل من أجل البقاء، في الوقت نفسه الذي تراجع فيه مناخ الحريات. وحتى بعض البلدان التي لديها موارد ليست هي الأفضل من حيث الحريات. بالعودة إلى قضية المساهمات التي حاولت استلهام التراث العربي الإسلامي، مثل مساهمات بن نبي والجابري والعروي وآخرين، ومثل خلدون النقيب حول القبلية، فإنها لم تخلق حتى الآن تيارًا يقدم مساهمات نقدية قوية. وقد أشير في ورقة فكري إلى محاولات حامد ربيع إنشاء مدرسة تتناول العلاقات الدولية من منظور إسلامي. ويمكن أن نضيف هنا مساهمات سابقة لرياض الريّس وكتابات إسلامية في نقد الاستشراق، وكذلك إلى مدرسة "إسلامية المعرفة" التي قادها إسماعيل راجي الفاروقي من الولايات المتحدة، وحمل رايتها عدد من المفكرين السعوديين، على رأسهم الراحل عبد الحميد أبو سليمان، ولقيت دعمً سخيًا من جهات خاصة في الخليج. وقد أنشأت هذه المجموعة المركز العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن، ودعمت الجامعة الإسلامية في ماليزيا ومراكز أخرى في السودان وتركيا، وغيرها. كما دعمت دوريات عربية وأميركية. إلّ أن الحصيلة النظرية لهذا الجهد لا تزال محدودة، مقارنة بما بُذل فيها من جهد ومال، على الرغم من أهمية دمج التراث العربي - الإسلامي في الفكر السياسي المعاصر، عبر مقاربة نقدية مزدوجة للتراث الإسلامي الفكري والفكر الحديث. وقد وردت إشارة في المساهمة حول تونس إشارة إلى تراث ابن خلدون (على الرغم من أنه ليس تراثًا تونسيًا حصرًا على أي حال)، من دون الإشارة إلى مساهمات تونسية حديثة بُنيت على فكره. لا يمنع ما سبق من السعي لمعالجة هذه الإشكالات المركبة، مثل إنشاء مراكز تميز في الدول التي تعاني ضعف الموارد، يخصَّص لها نصيب كافٍ من الدعم لاستقطاب المواهب والكفاءات. وقد كانت

هذه الفكرة وراء إنشاء كليات العلوم السياسية في مصر والعراق، وغيرها. ولكن كما فصّلنا سابقًا، فإن هذه المراكز لم تحقق المبتغى بسبب مزيج من التدخلات السياسية وتراجع الحريات، وفقدان الإرادة السياسية. ولعلها مفارقة، كما تشير دراسات الحالة في هذا العدد، أن وضع العلوم السياسية في بلدان مثل تونس والجزائر (ويمكن أن نضيف العراق والسودان) شهد تراجعًا في عصر الانفتاح الديمقراطي النسبي. والتعامل الخلاق مع التراث ما زال متاحًا.

سادسًا: غياب الجماعة العلمية وإشكاليات الأبحاث

لا يقلّ أهمية عن المؤسسات الأكاديمية التعليمية، وجود الجماعة العلمية، ممثلة في الجمعيات التخصصية ومنابر البحث ومنتدياته من مؤتمرات وملتقيات، ثم منابر النشر. فقد ارتبط تاريخ تطور العلوم في الغرب، بما فيها العلوم التطبيقية، بالجمعيات العلمية، أكثر منه بالجامعات. وظلت الجامعات الكبرى منتشرة في أوروبا منذ بداية الألفية الثانية، لكنها لم تبدأ بإنتاج علمي ملموس إلّ مع ظهور جمعيات، مثل الجمعية الملكية في بريطانيا (في منتصف القرن السابع عشر)، ونظيراتها في الدول الأوروبية الأخرى. وفي مجال العلوم السياسية، هناك شبه إجماع على التأريخ لنشأة العلوم السياسية بظهور رابطة العلوم السياسية الأميركية في عام 1903. ولا تزال تلك الرابطة تؤدي دورًا قياديًا في دعم العلم وتطويره، بما في ذلك إنشاء الدوريات الرئيسة للنشر في التخصص ودعمها، والمؤتمرات الراتبة لتبادل الرأي والمعرفة، والتدريب في مجالات مختلفة. في المقابل، هناك ضعف ملحوظ في وجود الجمعيات العلمية العربية ونشاطها وأدائها، سواء على المستوى العربي أو في كل بلد عربي على حدة. وبالطبع، فإن إنشاء الجمعيات يواجه مشكلات في معظم الدول بسبب غياب الحريات، والخشية من سطوة الأجهزة الأمنية، خاصة حين يتعلق الأمر بجمعيات العلوم السياسية والعلاقات الدولية. كما أن مشكلة الموارد تواجه الجمعيات على نطاق الوطن العربي، مثل الجمعية العربية للعلوم السياسية التي تعاني معوّقات كبرى لعملها منذ تأسيسها. فالجمعية تصدر دورية نصف سنوية عبر مركز دراسات الوحدة العربية، وليس لها مقر حاليًا. ويذكر أنها عقدت مؤتمرها التأسيسي في قبرص في عام 1983، بسبب صعوبة عقده في أي بلد عربي. ولا تزال الجمعية تعاني قضايا التمويل، وكذلك الضغوط من الدول ومحاولات التأثير، على الأقل عبر مواطني كل بلد في عضوية الجمعية. لكن هناك مشكلات أكبر تواجه هذه الجمعية وغيرها، وكذلك الجامعات، هي قضية الاستقطاب السياسي. وفي الماضي كان هذا الاستقطاب بين اليسار واليمين، كما هي الحال في بقية أنحاء العالم، وإن كانت حدّة الاستقطاب العربي أشد؛ بسبب تأثير الأنظمة السياسية. أما حاليًا، فإن الاستقطاب الأشد حدّة هو بين الإسلاميين وخصومهم من الليبراليين واليسار، وغيرهم. كان يمكن استثمار هذا الاستقطاب بصورة خلّ قة، كما حدث في الغرب، عبر إنشاء مراكز بحثية متنافسة، تعبّ عن تيارات مختلفة، لكنها تسعى لإثراء الإنتاج البحثي بمنشورات علمية متميزة. وبالفعل بدأت خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين محاولات في هذا المجال. لكن الكليات والمراكز التي أُنشئت في الجامعات العربية في الستينيات لم تجد مناخًا مناسبًا للازدهار العلمي، بسبب قربها من النظام، وتداخلها مع بيروقراطيته وخطّه السياسي، ومفهوم النخبوية السائد الذي كان يرى في علم السياسة أداة لدعم "الدولة"، أي النظام السياسي. وقد جاء إنشاء مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في، باعتباره مركزًا يدار ضمن صحيفة الأهرام عام 1968 التي كان يرأسها محمد حسنين هيكل، المقرّب من الرئيس جمال عبد الناصر، اعترافًا بهذا الوضع. وقد كلّف المركز في أول الأمر بدراسة الشؤون الإسرائيلية والقضية الفلسطينية، قبل أن يتوسع لدراسة القضايا السياسية والاستراتيجية بصورة أشمل، مع التركيز على الشؤون الدولية والإقليمية  . ويعتبر إنشاء هذا المركز البحثي خارج المؤسسات الأكاديمية، وفي إطار مؤسسة موثوق بها سياسيًا، اعترافًا بأزمة الأبحاث في الإطار الجامعي، وبالقيود المفروضة عليها. وفي وقت لاحق، وربما بالتوازي، أقام معظم الأنظمة العربية مراكز دراسات داخل أجهزة مخابراتها، أو بدعم وتمويل منها، كي تدرس وتناقش الأمور الحساسة التي لا يُسمح للجامعات بمناقشتها بصراحة. في المقابل، جاءت نشأة مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت في عام 1975 إضافة أخرى إلى النشاط البحثي في حقل العلوم السياسية، وهو مركز لم ينجُ مع ذلك من ضغوط الأنظمة. وتبعته مراكز أخرى جامعية وغير جامعية، منها فروع لمؤسسات أجنبية، مثل مركز كارنيغي للشرق الأوسط في لبنان، ومركز كونراد إديناور في عمّ ن، وغيرهما. وقد أحصت دراسة حديثة عدد مراكز الأبحاث العربية ومركز بروكنجز وفرع جامعة جورجتاون في قطر في مجال السياسة والسياسات العامة فكانت أكثر من 224 مركزًا. إلّ أن معظم هذه المراكز يكاد يكون غير معروف للكثيرين، حتى في بلدانهم،

20  Hassan, p. 4.

مع استثناءات قليلة منها، إضافة إلى مركز دراسات الوحدة العربية والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (الذي يصدر هذه الدورية)، ومركز الخليج للأبحاث (في السعودية) . لا شك في أن القضية البحثية في مجال العلوم السياسية هي قضية متشعبة ومعقّدة، وتحتاج إلى عدد خاص لمناقشتها، إلّ أن الأزمة البحثية مركب مهم من أزمة العلوم السياسية؛ فالبحث العلمي هو الغاية من كل دراسة، والتعليم ما هو إلّ الخطوة الأولى لتأهيل الدارسين للبحث والاكتشاف والتطوير. كما أن الأبحاث هي المادة التي يعتمد عليها التدريس. وبناءً عليه، لا يتحقق نضج التخصص في إطار ثقافي أو وطني معيّ إلّ بتحقيق القدرة على إنتاج المعرفة من منطلقات المجتمع المعني وحاجاته.

خلاصة

يناقش هذان العددان الخاصان من سياسات عربية (هذا العدد والعدد القادم) حال تخصص العلوم السياسية والعلاقات الدولية في العالم العربي، انطلاقًا من نشأتها وتطورها وإنجازاتها، وأيضًا مشكلاتها. وتشير المساهمات المختلفة إلى أن تخصص العلوم السياسية شهد قفزات كبيرة، لكنها متفاوتة، كما واجه تراجعًا في الآونة الأخيرة لأسباب سياسية واقتصادية ومؤسسية مختلفة، وهو يعاني أزمات كبيرة حاليًا. تتخذ الأزمات أشك لً مختلفة، تتمثل في شيء من الجمود في قوالب بعينها طوال عقود، وعدم اللحاق بركب التطور في التخصص عالميًا، والغياب شبه الكامل لاستخدام المناهج الكمية، وغياب الجماعات العلمية، وضعف التراكم في الخبرات والمعرفة، والتراجع الكبير في مستوى الجامعات حتى قياسًا بتاريخها، بسبب نقص الموارد وهجرة العقول وتراجع الحريات، وتدخلات الأنظمة في عملية التدريس والتنظيم، وضعف منابر النشر. في المقابل، هناك نقاط مضيئة، تتمثل في استمرارية بعض الجامعات ذات السمعة، ونشأة جامعات ومعاهد ومراكز جديدة، وظهور أجيال جديدة من الأساتذة والباحثين، واستفادة طائفة واسعة من الأساتذة من الدراسة في جامعات أجنبية، ونشأة مجموعات ومدارس نقدية، مثل مجموعة بيروت للدراسات النقدية للأمن (ربيع 2016.) ويمثل المجلس العربي للعلوم الاجتماعية الذي أُسّس رسميًا في عام 2010 (ومقرّه بيروت)، بعد مداولات استمرت منذ عام 2006، مبادرة

21  مبروك ساحلي، "دور مراكز الأبحاث في رسم السياسات العامة (دراسة حالة العالم مجلة البحوث والدراسات، السنة العربي")، 14، العدد 23 (شتاء 2017)، ص.261-256

متقدمة لدعم الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في المنطقة. ويتلقى المركز دعمً من منظمات أممية وغربية وعربية. ونشهد ظهور مبادرات خارجية، مثل مشروع العلوم السياسية للشرق الأوسط Project on Middle East Political Science الذي أسسه في عام 2010 مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن. وعلى الرغم من أن مقر المشروع هو مركز دراسات الشرق الأوسط في الجامعة، ويهدف إلى دعم دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، فإنه أنشأ شبكة واسعة، تشمل العديد من الباحثين العرب. ويدعم المشروع الباحثين المبتدئين، ويهدف إلى تنويع أساليب البحث وفرصه في التخصص في المنطقة (تأثرًا بصدمة الربيع العربي وتطورات أخرى)، وقد تعاون مع معهد الدوحة للدراسات العليا والمركز العربي وبعض منتسبيه في أكثر من مجال. هناك أيضًا مركز كارنيغي للشرق الأوسط، ومقرّه بيروت، وهو أيضًا يقيم فعاليات وينشر الأبحاث حول الشؤون السياسية في المنطقة. بناءً عليه، فإن الواجب الملحّ من أجل مواجهة الأزمة الأساس في تخصص العلوم السياسية في المنطقة، هو السعي لخلق جماعة سياسية عربية تدعم التخصص. ويمكن الانطلاق في هذا المجال من الإنجازات التي حققها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا في دعم التخصص. وقد تمثلت هذه الإنجازات في إرساء الأسس للبحث والتدريس في العلوم السياسية على مستوى عالمي، وإنشاء دوريات محكّمة تدعم التخصص عربيًا، وعقد فعاليات راتبة مفتوحة لعلماء السياسة العرب، تتيح لهم تقديم أوراق محكّمة ونشرها في كتب أو دوريات. كذلك مكّن المركز والمعهد الباحثين العرب من عقد فعاليات مشتركة مع النخبة العلمية من خارج المنطقة العربية، وذلك عبر مؤتمرات وفعاليات متواترة، تستضيف أبرز المتخصصين من الجامعات الغربية والعربية والعالمية (بما في ذلك الصين وروسيا وأفريقيا.) وقد تكون الخطوة التالية تبنّي مبادرات لدعم جمعيات العلوم السياسية العربية، لتؤدي الدور المنوط بها في هذا المجال. ويمكن كذلك الاستفادة من شراكات مع المؤسسات الأكاديمية المتقدمة في المنطقة لبناء شبكات تدعم التخصص وأهله، وتبثّ الحيوية في الإنتاج الفكري والعلمي في حقل السياسة. مثل هذه الحيوية في مجال الفكر السياسي هي في الوقت نفسه علامة صحة وعافية في المجتمع، وضرورة لا غنى عنها لأي نهضة اجتماعية واقتصادية وسياسية. فالسجال الفكري الرصين المستنير بالعقل، والمحصّن ضدّ تقلّبات الهوى والمصلحة والسلطان، هو مجال التعبير عن الهوية وتشكيلها وبنائها في الوقت نفسه. ففي إطار هذا

السجال، يحدد المجتمع القيم التي تحكمه، ويفحصها نقديًا، ويقيم مدى الالتزام بها، ويقارن المجتمع نفسه بالآخرين، ويستكشف الآفاق الجديدة للتطور، ويتبادل أفراده وجماعاته الرأي في إطار التنافس واستباق الخيرات، ويجدد نفسه سموًّا إلى الأعلى. وبخلاف ذلك، لا تكون حياة المجتمعات مختلفة عن مماتها.

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. ثورة مصر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 ساحلي، مبروك. "دور مراكز الأبحاث في رسم السياسات العامة (دراسة حالة العالم العربي.") مجلة البحوث والدراسات. السنة.4 العدد 23 (شتاء.)2017 سليمان، قحطان أحمد وصلاح عبد الهادي. "العلوم السياسية في العراق بداياتها، نشأتها، تطورها، ومفرداتها التدريسية." مجلة العلوم السياسية. العدد).‎2008(37 عبد الله، عبد الخالق. "بروز وتطور علم السياسة في الإمارات العربية المتحدة: حالة علم قيد التأسيس." مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية. السنة 19. العدد 76.)1995("وقائع وحقائق." جامعة القاهرة. في: https://bit.ly/3INkOam

الأجنبية

American University of Beirut. The President's Annual Report to the Board of Trustees, 1926 -1927. Anderson, Betty S. The American University of Beirut: Arab Nationalism and Liberal Education. Austin: University of Texas Press, 2011. Binder, L. Islamic Liberalism: A Critique of Development Ideologies. Chicago: University of Chicago Press, 1988. El-Affendi, Abdelwahab & Khalil Al Anani. After the Arab Revolutions: Decentring Democratic Transition Theory. UK: Edinburgh University Press, 2021. Habiby, Raymond. "Teaching Political Science in the Arab World." Paper presented at the Annual Meeting of the Southwestern Social Science Association 66 th , Houston, TX, March 22-26, 1988. at: https://bit.ly/3BZFQPd Hassan, Hamdy. A. "The Development of Political Science in the Arab World: A Narrative." SSRN.

Heggoy, A. A. "Education in French Algeria: An Essay on Cultural Conflict." Comparative Education Review. vol. 17, no. 2 (1973). Heine, J. "Democracy, Dictatorship, and the Making of Modern Political Science: Huntington's Thesis and Pinochet's Chile." Political Science & Politics. vol. 39, no. 2 (2006). Huntington, S. P. "One Soul at a Time: Political Science and Political Reform." American Political Science Review. vol. 82, no. 1 (1988). Scott, D. & C. Hirschkind. Powers of the Secular Modern: Talal Asad and his Interlocutors. California: Stanford University Press, 2006. Tickner, Arlene B. & Ole Wæver (eds.). International Relations Scholarship around the World. London/ New York: Routledge, 2009.