حال العلوم السياسية في مصر: تجربة قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة **

Marwa Fikry مروة فكري |

الملخّص

تتناول هذه الدراسة حال حقل العلوم السياسية في مصر، وتبحث عما إذا كانت المدرسة/ الجماعة المصرية للعلوم السياسية في حالة أزمة وتحدد الأسباب الممكنة لذلك. وتركز على تجربة قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد - جامعة القاهرة باعتبارها أول كلية مخصصة لهذا الحقل الدراسي في مصر وبالنظر إلى الأدوار المتزايدة التي يؤديها خريجوها في المجال العام. وتتناول ثلاثة أبعاد أساسية، يتعلق الأول بتصورات هذه "الجماعة" حول دور علم السياسة في المجتمع والسياسة في مصر. وينظر البعد الثاني في محتوى المقررات الدراسية والتطورات التي مرت بها في المراحل الزمنية المختلفة، ويلقى البعد الثالث الضوء على السياقات الأيديولوجية والسياسية التي أثرت في التدريس والبحث في العلوم السياسية في مصر. وتخلص إلى أن أزمة علم السياسة في مصر مزدوجة، يتعلق شقها الأول بأزمة الحقل بصورة عامة، بينما يرتبط الشق الثاني بالواقع المصري تحديدًا. كلمات مفتاحية: الجماعة العلمية، المدرسة المصرية للعلوم السياسية، أزمة علم السياسة. This paper examines the state of Political Science in Egypt, suggesting that the Egyptian school of Political Science is facing a crisis and analyses the reasons why. It particularly focuses on the experience of the Department of Political Science at the Faculty of Economics, Cairo University, as the first specialized school for Political Science in Egypt, in view of the increasing roles played by its graduates in the public sphere. The study focuses on three key dimensions: the perceptions of this scholarly community regarding the role entrusted to political science in Egyptian society and politics, the changes in academic curricula, and the ideological and political contexts influencing teaching and research in political science in Egypt. The study concludes that the crisis of political science in Egypt is twofold: the crisis within the field in general and specific issues within the Egyptian context itself. Keywords: Scholarly Community, Egyptian School of Political Science, Crisis of Political Science.

The State of Political Science in Egypt: The Experience of the Department of Political Science at the Faculty of Economics and Political Science (FEPS), Cairo University

مقدمة

اهتم الباحثون خلال ستينيات القرن العشرين وسبعينياته بالمدارس/ الجماعات العلمية Scientific Communities ودورها في إنتاج المعرفة العلمية. ولقد اعتبر العديد من كبار فلاسفة العلم مثل كارل بوبر وتوماس كون وجود الجماعة العلمية أمرًا مسلمً به في تعريف أيّ حقل دراسي واهتماماته ومقولاته الأساسية  1. وتشير الجماعة العلمية إلى مجموعة من المتخصصين في مجال معين، يكون لهم عادة انتماء مؤسسي ما ويشتركون في مجموعة من المبادئ، ويلتزمون مناهج بحثية معينة لاختبار الفرضيات والتحقق من النتائج. وتنطوي الجماعة العلمية أيضًا على جانب تعليمي يتعلق بنقل المعرفة إلى طلابها وإطلْاعهم على مفاهيم وأفكار ونظريات ومذاهب مختلفة تسعى إلى شرح طبيعة الظواهر التي تجري دراستها وفهمها. ويمكن للجماعة العلمية أن تنقسم كذلك إلى مجموعات فرعية Sub-communities، وإن ظلت هناك قواسم مشتركة تجمعها  2. وبهذا تكون حكاية أيّ حقل دراسي لا تنفك عن حكاية الجماعة العلمية التي تمثله. تهتم هذه الدراسة بتطور حقل العلوم السياسية في مصر من خلال التركيز على الجماعة العلمية التي تشكّله من حيث تكوينها، والمحتوى الدراسي والموضوعات التي تهتم ببحثها، وكذلك التعريفات التي تتبناها لمفاهيم الحقل الأساسية. وكانت دراسة السياسة بوصفها حقلً أكاديميًا متخصصًا قد بدأت في مصر مع تأسيس قسم العلوم السياسية في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) في عام 31935. أعقب ذلك تأسيس قسم للعلوم السياسية في الأربعينيات من القرن العشرين في كلية التجارة جامعة فاروق (التي عُرفت فيما بعد بجامعة الإسكندرية.) ثم بدأت برامج للدراسات العليا في عام 1942، في كلية التجارة جامعة فؤاد الأول لتقديم درجة الماجستير في العلوم السياسية، ليعقب ذلك برنامج للدكتوراه في عام.1950 وجاءت نقطة التحول الأساسية في تأسيس علم السياسة في مصر في عام 1959 عندما أنشأت جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية لتناظر مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية London School of Economics and Political Science والتي تمثل المرجعية الأكاديمية للكلية. وتحدد الهدف من إنشاء الكلية في تزويد مصر والبلاد العربية بالمتخصصين في مجالات السياسة والاقتصاد والإحصاء، وذلك من أجل المساهمة في عمليات التحديث بجوانبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية 4. وعلى الرغم من الزيادة المستمرة في أعداد خريجي هذا التخصص وتعددية الأقسام التي تقدمه سواء على مستوى الجامعات الحكومية أو الخاصة، فإن التطورات السياسية التي شهدتها مصر والمنطقة العربية منذ 2011 أثارت الجدل حول قدرة علم السياسة على القيام بالمهمات المتوقعة منه، وذلك في ظل عجزه الواضح عن تفسير الظواهر السياسية الجديدة في المنطقة، ومنها مصر، وتحليلها وكذلك التنبؤ بها. وهو الأمر الذي دفع إلى التساؤل عما إذا كانت المدرسة/ الجماعة المصرية للعلوم السياسية في حالة أزمة، وأسباب ذلك. تنطلق الدراسة من الأسئلة التالية: هل يمكن الحديث عن جماعة أكاديمية مصرية للعلوم السياسية؟ وما خصائصها في حال وجودها؟ ما المحطات الأساسية في تطور حقل العلوم السياسية في مصر؟ ما الصعوبات التي تواجه الحقل في مصر؟ وتركز في إجابتها عن هذه الأسئلة على تجربة قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، في جامعة القاهرة منذ نشأتها وحتى الآن، باعتبارها أول كلية مخصصة لهذا الحقل الدراسي في مصر، ونظرًا إلى الأدوار المتزايدة التي يقوم بها خريجو الكلية في السياسة وتقلّدهم المناصب العامة، خاصة خلال العقد الأخير. ولا تحاول الدراسة اختزال حالة علم السياسة في مصر في تجربة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بل ترى أن هذه التجربة تشير بدرجة معقولة إلى حالة الحقل في مصر اعتمادًا على المكانة التي يحظى بها قسم العلوم السياسية ليس على النطاق المحلي المصري فقط، بل على

  1. 1  يوضح كارل بوبر، على سبيل المثال، أن قبول أي من المقولات الأساسية أو رفضها في أي علم يعتمد على قرار قائم على الإجماع من جانب الجماعة العلمية. ينظر في ذلك: Brendan Shea, "Karl Popper: Philosophy of Science," Internet Encyclopedia of Philosophy , accessed on 10/10/2021, at: https://bit.ly/3XwLQZo جادل توماس كون بأن تقدم العلم الطبيعي يعتمد على التزام قوي من جانب المجتمع العلمي ذي الصلة بمعتقداتهم النظرية المشتركة والقيم والأدوات والتقنيات وحتى الميتافيزيقية. هذه المجموعة من الالتزامات المشتركة هي ما أطلق عليها كون "منظور." للمزيد حول آراء كون، ينظر: Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, 2 nd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1970), p. 182.
  2. Struan Jacobs, "Scientific Community: Formulations and Critique of a Sociological Motif," The British Journal of Sociology , vol. 38, no. 2 (June 1987), p. 271.
  3. 3  ارتبط ظهور الأقسام المتخصصة في دراسة علم السياسة في العالم العربي بالتطورات المتعلقة بالتعليم الحديث والعلماني في المنطقة. كان هناك عدد محدود من مقررات السياسة – مثل الاقتصاد السياسي – في الكلية العليا للتجارة (جامعة فؤاد الأول وقتها، القاهرة الآن) منذ 1911 وكذلك مقررات قانون في كلية القانون منذ 1925، أما الدراسة المتخصصة لعلم السياسة فظهرت مع تأسيس قسم العلوم السياسية في كلية التجارة بجامعة فؤاد الأول في، ينظر:1935
  4. Hamdy A. Hassan, "The Development of Political Science in the Arab World: A Narrative," SSRN Electronic Journal (January 2009), pp. 2-3. 4  عن هذه الخلفية التاريخية، ينظر الموقع الرسمي للكلية في: "عن الكلية: خلفية تاريخية"، جامعة القاهرة، شوهد في 2022/11/23، في: https://bit.ly/3F6EZi9

مستوى الدول العربية أيضًا. كما أن الكثير من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الخاصة هم إما من خريجي الكلية أو من المنتدبين من بين أعضاء هيئة التدريس فيها. ومن ثم، فإن التركيز على حالة قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة قد يكون مؤشرًا مفيدًا على حالة الحقل على نحو عام في مصر. وتتطلب الإجابة عن تساؤلات الدراسة البحث في ثلاثة أبعاد أساسية: الإدراك/ التصور Conception ويتعلق هذا البعد بتصورات المتخصصين في هذا المجال للدور المنوط بعلم السياسة في المجتمع والسياسة في مصر، وطبيعة تصورهم للتحديات التي تواجه تطور علم السياسة في مصر. وتعتمد الدراسة على أداة المقابلة أو الاستبيان في جمع المعلومات المرتبطة بهذا الجزء، حيث تتيح هذه الأداة الفرصة لاستكشاف طبيعة التصورات والتوجهات الحاكمة، إما من خلال اختيار الإجابة عن أسئلة مغلقة وإما من خلال الشرح والتوضيح في حالة الأسئلة المفتوحة. المحتوى/ المضمون الذي يدرَّس من حيث النظر في طبيعة الموضوعات محل الاهتمام في المراحل المختلفة، وذلك من خلال الاطلاع على محتوى المقررات الدراسية والتغيرات التي لحقت بها. صحيح أن المقررات تعبّ عن الحد الأدنى من المعارف المطلوب أن يدرسها الطلاب حتى يكتسبوا شهادة جامعية في هذا الحقل، إلا أنها أيضًا تكشف عن طبيعة الأفكار والاقترابات المسيطرة في دراسة الحقل وتدريسه، وهي الأبعاد التي تجيب عن التساؤل الثاني في الدراسة. وقد اقتصُر هنا على مرحلة البكالوريوس لاعتبارات تتعلق بحجم الدراسة وافتراض أن الاختلافات بين المستويين ليست بالكبيرة فيما يتعلق بالمحتوى والتحديات لكونها تعكس في النهاية التصورات والمفاهيم الحاكمة نفسها. الاهتمامات البحثية لباحثي السياسة المصريين، وذلك من خلال الاعتماد على بعض الدراسات المسحية السابقة، فضلً عن متابعة منتجهم البحثي في مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي صدر أول أعدادها عام 2018، ودورية الاقتصاد والعلوم Review of Economics and Political Science السياسية الصادرة عن جامعة القاهرة في العام نفسه، وذلك للوقوف على مدى تطابق هذه التوجهات والاتجاهات مع حالة كلية الاقتصاد بصورة عامة. ويرجع اختيار هاتين الدوريتين لحصول الأولى على معايير اعتماد معامل التأثير والاستشهادات المرجعية للمجلات العلمية العربية (أرسيف) ثمّ إنّ لها موقعًا على بنك المعرفة المصري، كما حصلت على أعلى تقييم لمجلة في قطاع الاقتصاد والعلوم السياسية من المجلس الأعلى للجامعات المصرية. أما الدورية الصادرة باللغة الإنكليزية، فتولّت دار النشر العالمية إيمرالد نشرها  5، مما يعكس مكانتها في أوساط العلوم السياسية المصرية خاصة. وتعمل الدراسة على تسليط الضوء على السياق الممثل في العوامل الداخلية والخارجية، والذي شكّل تطور الحقل في مصر من مرحلة إلى أخرى، وذلك من خلال الاهتمام بالسياقات السياسية والأيديولوجية التي أثرت في البحث والتدريس ومضمون العلوم السياسية في مصر.

أولا: التصورات الحاكمة لأعضاء قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة 7

يتناول هذا الجزء نتائج الاستبيان الذي استهدف أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة. وكانت الكلية قد تأسست وفقًا للقرار الجمهوري رقم 91 لسنة 1959. وبدأت الدراسة فيها في العام الأكاديمي /1960 1961 بالفرقتين الأولى والثانية 8. وقد جرى التواصل لإتمام هذا الاستبيان مع ما يقارب ال 80 من أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة في القسم، واستجاب منهم 22 بالمشاركة (ينظر الأشكال من 1 إلى 4 للمزيد من المعلومات حول تركيبة العيّنة.) لذلك، فإن الدراسة تعاملت مع الإجابات بقدرٍ من الحرص على إطلاق التعميمات واعتبرتها مؤشرات ودلائل ينبغي التحقق منها من خلال أساليب أخرى كما سنوضح لاحقًا. فيما يتعلق بتصورات أفراد العينة حول معنى السياسة والغاية منها وأهم موضوعاتها، نجد أن غالبية أعضاء هيئة التدريس في قسم العلوم السياسية - جامعة القاهرة الذين شملهم الاستبيان، يتبنون تعريفًا ضيقًا للسياسة يربطها بالأساس بالقوة والهياكل الرسمية والسلطة 77(في المئة)، في مقابل 9 في المئة كانوا أقرب إلى ربط السياسة بالمجتمع على اعتبار أنها علم اجتماع البشر وإدارة شؤونهم. فقد اعتمدت الغالبية 6.4(3 في المئة) في تعريفها على ربط السياسة بالقوة: علم دراسة علاقات القوة في المجتمع، إدارة علاقات القوة، ممارسة القوة،

  1. نيفين مسعد،  5 سنوات الحلم والريادة   1980–1960، ج 1: كتاب تذكاري بمناسبة الاحتفال بمرور ستين عامًا على تأسيس الكلية (القاهرة: جامعة القاهرة - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2020)، ص 81. 6  تشكر الباحثة الزملاء الذين شاركوا في الاستبيان.
  2. 7  تشكل طلاب الفرقة الأولى من الحاصلين على الثانوية العامة في عام 1960، بينما كان لطلاب كلية التجارة والحقوق الذين نجحوا في السنة الأولى بتقدير عام أدنى "جيد" النصيب الأكبر في تشكيل الفرقة الثانية. المصدر: من إعداد الباحثة. المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه.

الشكل 1() الفئة العمرية

الشكل 3() الدرجة الوظيفية

الشكل 5() التعريف الأمثل للسياسة الشكل 2() النوع

الشكل 4() مكان الحصول على الدكتوراه

الشكل 6() ترتيب المفاهيم الأكثر تعبيرًا عن السياسة

علم دراسة القوة... إلخ. وجاء تعريف ديفيد إيستون الخاص ب "التوزيع السلطوي للقيم" في المركز الثاني بنسبة 22.7 في المئة، بينما احتل تعريف هارولد لاسويل حول "من؟ يحصل على ماذا؟ متى؟ وكيف؟" المرتبة الثالثة بنسبة 9 في المئة متساويًا في ذلك مع التعريفات التي ربطتها بالسلطة أو بكونها فنًا. وجاءت التعريفات الخاصة بكون السياسة هي الصالح العام للمجتمع أو "تدبير الشأن العام في علاقة الدولة بالمجتمع بما يحقق قوة وتوازن كليهما داخليًا وخارجيًا" في المرتبة الأخيرة بنسبة 54. في المئة لكل منهما. كما اختارت نسبة 72.8 في المئة من العينة القوة بوصفها أكثر المفاهيم تعبيرًا عن السياسة، بينما اختارت نسبة 6.43 في المئة السلطة، وانحازت نسبة 22.7 في المئة إلى اتخاذ القرارات في مقابل 18 في المئة إلى صالح الخير العام.

وعند السؤال عن ترتيب الموضوعات الأكثر جدارة بالدراسة من الأكثر إلى الأقل أهمية، احتل موضوع الدولة موقع الصدارة، إذ اختارها 14 فردًا من العينة 63.6(في المئة) الموضوع الأول، بينما اختار تسعة أفراد التنمية الموضوع الأكثر جدارة بنسبة 0.94 في المئة، واحتلت الديمقراطية المركز الثالث بنسبة 1.83 في المئة، وفي المركز الرابع جاءت المؤسسات السياسية بنسبة 22.7 في المئة، يليها موضوع السياسة الخارجية 18.8(في المئة)، فالمجتمع المدني 13.6(في المئة) ولم يختر إلا فرد واحد من العينة دراسات النوع 5(4. في المئة) باعتباره أجدر الموضوعات للدراسة. وهو ما يعزز مرة أخرى القول إن النسبة الأكبر تحمل تصورًا للسياسة يدور حول السياسة "الرسمية" والتي هي أقرب إلى الدولة (ومؤسساتها، أو السلطة السياسية ومؤسساتها) منها إلى المجتمع. كما أن المفكرين الذين تكرر ذكرهم من غالبية أفراد العينة لضرورة تدريس إسهاماتهم في مادة المدخل لعلم السياسة ارتبطت أفكارهم بالدولة والسلطة وأدواتها بصورة أساسية، وهم على الترتيب: أرسطو، وأفلاطون، وعبد الرحمن بن خلدون، وجان جاك روسو، ونيكولا مكيافيلي. الشكل 7() ترتيب الموضوعات من حيث الأجدر بالدراسة

الشكل 8() الاهتمامات البحثية

الشكل 9() منطقة الاهتمام البحثي

وبالنسبة إلى الاهتمامات البحثية، احتل حقل السياسة المقارنة النسبة الأكبر في العينة ممثلً بنسبة 50 في المئة، وتساوى كل من الفكر السياسي والنظرية السياسية مع العلاقات الدولية بنسبة 18.2 في المئة. كما احتلت الدائرة العربية النسبة الأكبر فيما يتعلق بالمنطقة الجغرافية محل التركيز الأكثر بحثًا بنسبة 0.94 في المئة، تليها الدائرة المحلية (مصر) ممثلة ب 18.2 في المئة. يرتبط أيضًا بالاهتمامات البحثية كل من فلسفة المعرفة Epistemology ومناهجها. هنا نجد أن 5.54 في المئة من العينة وصفت نفسها بأنها وضعية، مقابل 6.43 في المئة ما بعد وضعيين، وتساوت النسبة 9.1 في المئة بين غير الوضعيين وأولئك الذين اختاروا وصف أنفسهم ب "أخرى." أما ما يتعلق بالمناهج الأكثر استخدامًا، فقد احتلت الاقترابات الكيفية الصدارة بنسبة 54.5 في المئة، يليها تلك الكمية ممثلة ب 13.6 في المئة، واختارت نسبة 13.6 في المئة مناهج أخرى حددها البعض في تحليل المفاهيم Analysis Concept، والاقتراب الظاهراتي.Phenomenological Approach وتوزع الإنتاج البحثي بالأساس بين الجوانب النظرية والتطبيقية. فقد حددت نسبة 5.54 في المئة من أفراد العينة أن أبحاثهم تجمع بين النظري والتطبيقي مع الميل أكثر إلى الجانب التطبيقي، في حين أوضح 1.83 في المئة أنه مع جمعهم بين النظري والتطبيقي، فإنّ أبحاثهم أكثر ميلً إلى الجانب النظري. وأعرب 13.6 في المئة عن تركيز أبحاثهم على الجانب النظري في المقام الأول، في مقابل 54. في المئة تركز بالأساس على الجوانب التطبيقية. ويرجع ذلك التوجه العلمي للغالبية 1.8(3 في المئة) إلى الأحداث الإقليمية والعالمية الجارية، في حين جاءت التطورات السياسية الداخلية في المرتبة الثانية محفزًا أساسيًا للبحث بنسبة 22.7 في المئة. وقد تساوت المحفزات الخاصة بكل من المقاربات النظرية والمنهجية الشكل 10() التصنيف الإبستيمولوجي الشكل 11() المناهج الأكثر استخدامًا في البحث

الشكل 12() طبيعة الأبحاث المنتجة

الشكل 13() محفزات البحث

والموضوعات التي تحظى بالنشر الدولي بنسبة 9.1 في المئة، بينما لم تكن اهتمامات الرأي العام محفزًا للبحث عند أي من أفراد العينة. فيما يتعلق بتصورات أفراد العينة حول دور عالم وطالب السياسة في المجتمع والغاية النهائية للسياسة، نجد أن هناك ما يقارب الإجماع 90.9(في المئة) على ضرورة وجود أواصر أكثر بين مجتمعَي الأكاديميا وصنع السياسات، وإن كانت الغالبية 63.6(في المئة) لا تزال ترى أن العلاقة بين ما ينتجه باحثو السياسة مصريًا من معرفة وما يطبقه صناع السياسات فيها فجوة كبيرة لم تتقلص منذ عقود سابقة، في مقابل 22.7 في المئة ترى أن هناك فجوة متنامية حاليًا، بينما اعتبر 13.6 في المئة أن هذه الفجوة تتقلص بين الطرفين. ويرتبط بذلك الدور المنوط بطالب السياسة في المجتمع، حيث رأت الغالبية 59.1(في المئة) أن الموقع الأنسب له هو دوائر صنع القرار، في مقابل 22.7 في المئة اختاروا البحث العلمي، ومالت نسبة 13.6 في المئة إلى العمل السياسي، في حين لم تحظ مجالات مثل العمل الاجتماعي أو الإعلام بأي اختيار. ويتضح ذلك أكثر عند السؤال عن التعبير الأقرب لأفراد العينة عند وصف كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكانت المفاضلة بين كون الكلية "مصنعًا للنخبة" كما اعتاد البعض تسميتها بما يحمله ذلك من دلالات ارتباط الخريجين بالسلطة ومراكز صنع القرار، أو كونها مؤسسة أكاديمية تضاهي في مكانتها محليًا مكانة جامعة مرموقة على غرار هارفارد في الولايات المتحدة. فنجد أن نسبة 90.9 في المئة انحازت إلى الخيار الأول. ويبدو أن هذا التصور حاكم بدرجة كبيرة لدى المنتمين إلى الكلية. فقد أوضحت نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية في الكلية، على سبيل المثال، في تقديمها لكتاب سنوات الحلم والريادة الصادر بمناسبة مرور 60 عامًا على تأسيس الكلية، أن "كلية الاقتصاد هي مدرسة النخبة ومنارة الوعي ومنبع الكفاءات، ولطالما ساهمت في عبء التخطيط وشاركت في مسؤولية التنفيذ للخطط والبرامج الوطنية. وتولى خريجوها أعلى المناصب وأرفعها" 9. ويعود هذا التصور إلى ميلاد الكلية نفسها حيث وضع العميد الأول للكلية نصب عينيه أن يكون خريجو الكلية في صدارة المشهد، وأن يكون لهم دور أساس في عملية صنع القرار في مختلف الميادين  10. ولذلك تنتشر تعبيرات في وصف الكلية بأنها "كلية النخبة" أو "الأفضل في المجتمع" crème(la de crème La.) وكل من يدخلها يحدوه أمل كبير في أن يصبح نجمً لامعًا في سماء السياسة" 11. الشكل 14() العلاقة بين ما ينتجه باحثو السياسة مصريًا وما يطبقه صناع السياسات حاليًا

الشكل 15() الموقع الأنسب لخريج قسم السياسة في المجتمع

الشكل 16() دور عالم السياسة في المجتمع

  1. 8  مسعد، ص.10
  2. 9  المرجع نفسه، ص.23
  3. 10  المرجع نفسه، ص.61 المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه.

الشكل 17() أسباب أزمة علم السياسة في مصر

وأوضحت نازلي معوض، أستاذة العلوم السياسية في الكلية، أن الكلية "تمكنت عبر تاريخها من أن تقدم للمجتمع من تمكنوا من لعب أدوار المثقفين المنسقين الذين يشاركون مشاركة إيجابية في النشاط الاجتماعي والعمل السياسي على اختلاف ألوانه" 12. ولا ينفك التصور الخاص بدور طالب السياسة في المجتمع عن ذلك الخاص بالغاية من السياسة، فقد انقسمت العينة بين من يرى أن الغاية النهائية للسياسة هي الوصول إلى السلطة 5.5(4 في المئة)، ومن يرى هذه الغاية في إنشاء المجتمع الصالح 5.5(4 في المئة.) ويمتد هذا الانقسام إلى التصور حول دور عالم السياسة في المجتمع، فبينما رأت نسبة 5.54 في المئة أن دوره يرتبط بالسلطة (بوصفه جزءًا منها أو مستشارًا لها)، رأى النصف الآخر 5.5(4 في المئة) أن دوره أقرب إلى المثقف العام والرقيب على السلطة. وهي أدوار تبدو كلها تدور إما حول الانخراط في السياسة الرسمية وإما حول التأثير فيها، في حين أن الدور التوعوي للمجتمع لم يحظ إلا بنسبة 9.1 في المئة، ولم ينل دور المواطن الصالح أيّ اهتمام من أفراد العينة. عند السؤال عما إذا كان علم السياسة في حالة أزمة، نجد أن الغالبية 86.4(في المئة) إما وافقت بشدة، وإما وافقت على هذا الطرح. وزادت نسبة الموافقة في حالة تخصيص الحالة المصرية 91(في المئة) واختلفت الآراء حول أسباب الأزمة في الحالة المصرية، إلا أنه من الملاحظ أن أيًا من أفراد العينة لم يُلق باللوم على "جماعة" العلوم السياسية، وإنما على عوامل أخرى خارجة عنها. فالبعض أرجعها إلى المناخ السياسي 1.8(3 في المئة)، في حين أرجع البعض الآخر الأزمة بالتساوي إلى ندرة التمويل أو الفجوة بين الجوانب التطبيقية والنظرية 22.7(في المئة)، ورأت مجموعة ثالثة أن السبب يرجع إلى صعوبة الحصول على المعلومات 13.6(في المئة) ولعل أبرز ملامح هذه الأزمة هي تَشكّك أعضاء القسم في وجود "جماعة مصرية" للعلوم السياسية. فقد رأت نسبة 5.54 في المئة من العينة أنه ربما تكون هناك مثل هذه الجماعة، في حين نفى 0.94 في المئة وجودها. ووفقًا لأحد التعليقات "توجد شلة أو شلل 13، لكن لا توجد جماعة بالمعنى المتعارف عليه." بينما أقر بوجودها 13.6 في المئة فقط، مبرِزين ملامحها في: "التخصص، والاهتمام المشترك والهوية والرغبة في العمل معًا، وتأسيس تقاليد عربية وإسلامية لعلم السياسة." وذُكرت هنا على وجه خاص إسهامات حامد ربيع في هذا المجال  14. لا يظهر في العينة تأثيرٌ للعامل الأيديولوجي، فقد وصف 77 في المئة من أفراد العينة أنفسهم بأنهم وسطيون، بينما انقسمت النسبة المتبقية بين الليبراليين واليساريين 9.1(في المئة لكل منهما)، وإن كانت العينة لم تسأل عن المقصود بالوسطية لدى أفراد العينة أو مواقفهم الخاصة بقضايا اجتماعية وسياسية معينة.

  1. 11  نازلي معوض، "إسهام قسم العلوم السياسية في الحياة العامة: نسخة أولية"، في: أعمال مؤتمر مصر وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في عهد من التغيير 2010–1960 (القاهرة: جامعة القاهرة – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2010)، ص.69
  2. 12  تشير كلمة "الشلة" في اللهجة المصرية إلى مجموعة من الأصدقاء والأصحاب.
  3. 13  حامد ربيع من أساتذة قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة وتولى رئاسة القسم أيضًا. كان رائدًا في دراساته عن الصهيونية وإدخال التراث الإسلامي في التحليل السياسي. له العديد من المؤلفات، منها على سبيل المثال لا الحصر: الاستعمار والصهيونية؛ سلوك المالك في تدبير الممالك لشهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي الربيع الذي ألفه للخليفة العباسي المعتصم بالله (تحقيق)؛ التعاون العربي والسياسة البترولية المعاصرة؛ نظرية الأمن القومي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط؛ الإسلام والقوى الدولية. المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه.

فيما يتعلق بالمحطات الأساسية التي أثرت في تطور علم السياسة في مصر، نجد أن أكثر حدث تكرر ذكره كان ثورة 25 يناير، فقد مثلت القاسم المشترك عند 64 في المئة من العينة، تلتها "ثورة" 1952 بنسبة 54.5 في المئة، ثم جاءت في المرتبة الثالثة فترة حكم الرئيس محمد أنور السادات 1.8(3 في المئة) وما ارتبط بها من فتح المجال العام أمام التيارات الإسلامية، وازدياد الابتعاث إلى الخارج، وسياسات الانفتاح الاقتصادي. وتساوت المحطات الخاصة بأحداث تموز/ يوليو 2013 وفترة حكم جمال عبد الناصر من حيث تكرارهما لدى أفراد العينة 22.7(في المئة) وجاء في المرتبتين الأخيرتين كل من محطة إنشاء كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1960، وفترة حكم محمد حسني مبارك التي اتسمت في بدايتها بالحرية النسبية وسياسات التكيف الهيكلي في التسعينيات 13.6(في المئة.) والحقيقة أن كثيرين من أفراد العينة ربطوا بين "ثورة" 1952 وإنشاء الكلية، وهو ما يجعل نسبتهما معًا ترتفع إلى 72.7 في المئة. ويرجع ذلك إلى استراتيجية الدولة وسياساتها بعد عام 1952، والتي تطلبت توفير كوادر إدارية وسياسية معدَّة جيدًا لتتولى مسؤولية التنفيذ. هذا ما سنتعرض له بقدر أكبر من التفصيل في الجزئية التالية. هكذا، فإن العينة التي شملها الاستبيان، على صغر حجمها، عكست تنوعًا من حيث النوع، والعمر، والخبرة الدراسية من حيث الحصول على الدكتوراه من مصر أو من خارجها، والدرجة الوظيفية، ومن ثم، تعكس إلى حد بعيد أجي لً وخبرات مختلفة ممثلة بدرجة كبيرة للمجتمع الأكاديمي في الكلية. في ظل هذا التنوع، قد يكون من المتوقع تعددية مماثلة في التوجهات والأفكار والآراء، لكن نتائج الاستبيان تكشف عن وجود خصائص مشتركة واضحة تجمع بين أفراد العينة وتجعل من الممكن الحديث عن سمات مشتركة ل الشكل 18() هل هناك جماعة مصرية للعلوم السياسية؟

الشكل 19() تأثير العامل الأيديولوجي

"جماعة" كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. من هذه الخصائص الميل إلى الاهتمام بالسياسة "الرسمية" حيث تحتل الدولة مكانة مركزية في تصورات الحقل لدى العينة، وكذلك في تصوراتهم حول دور عالم السياسة وخريج الكلية من حيث العمل في دوائر صنع القرار. تسيطر الاتجاهات الوضعية بدرجة واضحة على أفراد العينة وهو الاتجاه الذي فصل دراسة السياسة بصورة عامة عن القيم، وكان من أسباب ابتعاد الحقل عن الموضوعات التي تهمّ المجتمع في دوائره الغربية. ومن هنا ليس بالغريب أن نجد أفراد العينة أقرب في تعريفاتهم، وفي تحديدهم للموضوعات ذات الأولوية، من تلك الأكثر صلة بالدولة منها بالمجتمع. وعلى الرغم من هذه السمات

الشكل 20() محطات أساسية أثرت في تطور علم السياسة

المشتركة، فإنّ أفراد العينة بصورة عامة لا يرون أنفسهم "جماعة علمية" للعلوم السياسية.

ثانيًا: محتوى المقررات الدراسية والسياق السياسي الاجتماعي

تتتبّع الدراسة في هذا الجزء التطور في محتوى المقررات الدراسية التي قدمتها الكلية منذ نشأتها حتى اليوم. لا يجري النظر في هذا المحتوى على نحو منفصل عن السياقات السياسية والأيديولوجية والاجتماعية المحيطة بالعملية التدريسية. ففي النهاية لا يمكن فهم السياسة من دون فهم المجتمع الأكبر الذي تحدث فيه. ويُعدّ هذا ضروريًا لفهم العوامل والمتغيرات التي أثرت في توجهات علم السياسة ومحتواه في الحالة المصرية. وتنتهج الدراسة هنا التسلسل التاريخي في تتبع هذا التطور مسترشدةً بالمحطات التي تكررت لدى أفراد العينة في تحديد هذه المراحل، إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن المعلومات الخاصة بمحتوى المقررات في المراحل المختلفة تتمايز من حيث توافرها، استنادًا إلى عدم اعتماد فكرة التوصيفات في المراحل الأولى من تأسيس الكلية وغياب التوثيق على نحو كافٍ أو متسق، وذلك حتى فترة التسعينيات حيث اهتم قسم العلوم السياسية بصفة خاصة بتتبّع التطور في محتوى المقررات وتقويمها منذ إنشاء الكلية.

1. مرحلة الخمسينيات والستينيات

كما سبق القول، ارتبطت نشأة الكلية بهدف المشاركة بالمعارف والكفاءات المطلوبة لدعم عملية التنمية الشاملة. فقد دخلت مصر مرحلة جديدة من تاريخها الاقتصادي والسياسي بعد ثورة 23 يوليو 1952، الأمر الذي ترتّب عليه التفكير في كيفية تحقيق حلم النهضة الذي ميز حقبة الستينيات والآمال المعقودة على تحقيق التنمية المستقلة كما عبرت عنها خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الأولى)1965-1960(15، إذ تركز الاهتمام اقتصاديًا في إطار منهج التخطيط المركزي الشامل حول قضايا التنمية، وإعادة توزيع الثروة الزراعية، وتطوير مصادر المياه وتنميتها، وتطوير البنية الأساسية، وإعطاء أولوية متزايدة للتصنيع، مع وضع البرامج والخطط لتحقيق ذلك. كما تركز الاهتمام سياسيًا على قضايا التحرر من الاستعمار في الدول العربية والأفريقية، وعلى الدعوة إلى فكرة القومية العربية تحقيقًا لتضامن الدول العربية ووصولً إلى وحدتها  16. وهكذا جاء إنشاء الكلية خطوة في إطار جهود الدولة المصرية لاستكمال البناء المؤسسي اللازم لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولتخريج كوادر وطنية تقوم بدورها في شتى مناحي التخطيط الاقتصادي والتنشئة

  1. 14  مسعد، ص.9
  2. 15  مصطفى السعيد، "كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وإنجازات خمسين عامًا"، في: أعمال مؤتمر مصر وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في عهد من التغيير 2010-1960 (القاهرة: جامعة القاهرة – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2010)، ص.17

السياسية  17. وفقًا للعميد الأول للكلية محمد زكي شافعي، فإن "الكلية الناشئة أريد لها أن تعمل على تزويد البلاد بأجيال متعاقبة من المتخصصين في الاقتصاد والإحصاء التطبيقي فضلً عن الإسهام في تعزيز البحوث النظرية والتطبيقية في هذه الميادين" 18. وعلى الرغم من أن تدريس مواد الاقتصاد والعلوم السياسية كان متاحًا في كليتَي التجارة والحقوق  19، فإن المتوقع من خريجي هذه التخصصات كان يتجاوز الأطر السابقة  20. وليس أدل على ذلك من أن الإعداد لإنشاء الكلية كان يجرى قبل أعوام عدة من قرار التأسيس، إذ جرى ابتعاث عدد من خريجي الاقتصاد والعلوم السياسية في كلية التجارة إلى الخارج ليعودوا من بعثاتهم ويتولوا مسؤولية التدريس في الكلية  21. وهكذا بدأت الدراسة في الكلية بالاستعارة من مقررات تنتمي إلى كليات الحقوق والتجارة في المقام الأول والآداب بدرجة أقل  22 (ينظر الشكل 21(.)) من بين 28 مادة في قسم العلوم السياسية، يلاحظ طغيان المواد القانونية والاقتصادية في هذه الفترة نتيجة لتأثير نشأة التخصص في كنف كليتَي التجارة والحقوق، ومن ثم التأثر بالمدرسة الفرنسية في العلوم السياسية التي يمثل فيها المكون القانوني دورًا رئيسًا. كما اتسمت المناهج بالتركيز على الجوانب الرسمية والقانونية اتساقًا مع الخلفية العلمية للقائمين بالتدريس من الجيل الأول. على سبيل المثال، اصطبغت الدراسات الأولى للنظم السياسية المقارنة بصبغة تاريخية أو قانونية وغلب عليها الطابع الوصفي. كما أنها اقتصرت في الغالب على عرض نظم الحكم في كل دولة على حدة. فقد قدمت المادة تعريفًا بالمفاهيم الأساسية مثل ذلك الخاص بالحكومة، والنظام السياسي. واهتمت المقررات بمجالات العمل الحكومي، وأنواع الحكومات، وأنواع الدساتير، وتصنيف الحكومات وفقًا لأنواع الدساتير، وتشريح دور السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ووظائفها. ثم ظهرت في النصف الثاني من الستينيات علامات التأثر بالمدخل الوظيفي البنيوي، حيث ظهرت مصطلحاته في مجموعة من الكتب، وانتقلت الدراسة من نظم الحكم حيث التركيز على المؤسسات الرسمية إلى النظم السياسية بإدراج كل من الأحزاب السياسية وجماعات المصالح في إطارها  23. ومن الأمثلة على ذلك، كتاب محمد فتح الله الخطيب دراسات في الحكومات المقارنة الصادر عام 1966 والذي حرص فيه على التفرقة بين المدخل القانوني الذي يركز على الأوضاع الدستورية والقانونية الظاهرة فقط من دون الانتباه إلى مدى تجاوب الحكومة مع طبيعة المجتمع. وينطلق من ذلك للتمييز بين الحكومة والنظام السياسي حيث لا يقف الأخير على المؤسسات والسلطات الثلاث المتعارف عليها (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وإنما يشمل أيضًا القوى غير الرسمية مثل الأحزاب والرأي العام والنقابات. ويوظف الكتاب المنهج الوظيفي من حيث الابتعاد عن المسميات التقليدية لسلطات الدولة والاستعاضة عنها بمسميات تعكس وظيفيتها: صنع القواعد، وتنفيذ القواعد، والتقاضي حولها 24. اقتصر كثير من المواد، مثل النظم والنظرية والفكر، على الأمثلة الغربية. ويلاحظ غياب تناول الصهيونية في المقررات التدريسية في هذه المرحلة، تحديدًا حتى عام 1967، على الرغم من احتلال هذه القضية مساحة كبيرة في الخطاب السياسي. ولكن البعض، مثل مصطفى كامل السيد، يرى أن مثل هذا الغياب يرجع إلى سمات نابعة من البيئة الاجتماعية للنظام تتمثل في خشية الأنظمة من إحاطة الرأي العام بعناصر القوة الحقيقية التي تملكها إسرائيل، الأمر الذي قد يؤدي إلى استهانته بهذه الأنظمة ذاتها  25. ولم يبدأ بعض أساتذة السياسة العرب في دراسة إسرائيل إلا في أعقاب نكسة عام 1967 عندما كشفت الهزيمة عن مدى جهل العرب بإسرائيل وبدرجة قوتها وطبيعتها  26. ولكن تم ذلك في إطار مقررات أخرى، وليس في

  1. 16  مسعد، ص.37
  2. 17  نقلً عن: المرجع نفسه، ص.22
  3. 18  كان هناك معهد مستقل لتخصص العلوم السياسية ملحق بكلية الحقوق بدءًا من عام 1954، هدفَ إلى تأهيل ضباط القوات المسلحة سياسيًا. وعندما أنشئت شعبة للعلوم السياسية في كلية التجارة في عام 1937، اقتصر التخصص على السنتين الثالثة والرابعة، ثم لزم على الطلاب التخصص إما في الاقتصاد وإما في العلوم السياسية في السنة الرابعة، أي إن التخصص في العلوم السياسية لم يحدث فعليًا إلا في السنة الرابعة. وانقسمت مقررات السنة الثالثة إلى مقررات إجبارية وأخرى اختيارية، ولم يندرج أي من المقررات الإجبارية ضمن إطار العلوم السياسية. ولم يوجد سوى مقرر واحد من المقررات الاختيارية يمكن اعتباره تابعًا
  4. 19  مسعد، ص.22
  5. 20  المرجع نفسه، ص.25
  6. 21  المرجع نفسه، ص.20-18 مصطفى كامل السيد، "دراسة السياسة المقارنة في الجامعات المصرية"،  22 مجلة العلوم الاجتماعية، مج 25، العدد 1 (ربيع 1997)، ص.226-225
  7. للعلوم السياسية، وهو "علم نظرية الحكومات." تحسن الوضع نسبيًا بدءًا من العام الجامعي 1943، إذ اقتصرت المقررات الإجبارية على ثلاثة لم يكن منها أي مقرر من العلوم السياسية، بينما أصبحت المقررات الاختيارية خمسة، كان من بينها ثلاثة مقررات تنتمي إلى العلوم السياسية، وهي: نظرية الحكومات، والقانون الدولي، والخدمة القنصلية والدبلوماسية. ينظر: نزار عبد اللطيف الحيالي ومحمد عبد المجيد، "لمحات حول تدريس العلوم السياسية في مصر مجلة العلوم السياسية، العدد وسبل تأسيس مدرسة عراقية للعلوم السياسية"، 9-383، عدد خاص بالذكرى الخمسين لتدريس العلوم السياسية في العراق، ص.277-276
  8. 23  للمزيد من التفصيل: المرجع نفسه، ص.226-224
  9. مصطفى كامل السيد، "دراسة الصهيونية في الجامعات العربية"، في:  24 تدريس العلوم السياسية في الوطن العربي، عبد المنعم سعيد (محرر) (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 1990)، ص.298
  10. 25  حفز هذا الأمر على تأسيس "مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية" عام 1986 – سمي في ذلك الوقت بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية – بوصفه مؤسسة علمية مستقلة تعمل في إطار مؤسسة الأهرام، وتخصص في البداية في دراسة الصهيونية والمجتمع الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. المصدر: المرجع نفسه.

الشكل 21() المواد المقررة عند نشأة الكلية عام 1960

ﻣﻘﺪﻣﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺪﺳﺘﻮري

اﳌﻮاد اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ

اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺪوﱄ اﻟﺨﺎص اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺪوﱄ اﻟﻌﺎم اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻹداري

مقرر قائم بذاته، مثل تدريس حامد ربيع أساليب الدعاية الإسرائيلية في إطار مقرر الرأي العام والإعلام لطلبة القسم  27. اتسمت هذه الفترة بصورة عامة بالتضييق على مؤسسات البحث العلمي في الميادين الإنسانية وعلى فرص التعبير بالنسبة إلى كل المواطنين. وشملت مظاهر هذا التضييق صعوبة الحصول على الدوريات العلمية الأجنبية وعلى الصحف  28، وفقدان الجامعة في هذه الفترة الكثير من استقلالها  29، وهذا ينعكس بلا شك على الحريات الأكاديمية المتاحة والموضوعات محل الاهتمام.

أﺻﻮل اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺘﺎرﻳﺦ اﻻﻗﺘﺼﺎدي اﻟﺠﻐﺮاﻓﻴﺎ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ اﻟﻨﻈﻢ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ

اﳌﻮاد اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ

اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺘﺤﻠﻴﲇ اﻗﺘﺼﺎد اﻟﺠﻤﻬﻮرﻳﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﳌﺘﺤﺪة واﻟﴩق اﻷوﺳﻂ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺪوﱄ اﳌﺎﻟﻴﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ اﻟﻨﻈﺮﻳﺔ واﻟﻨﻈﻢ اﻟﻨﻘﺪﻳﺔ واﳌﴫﻓﻴﺔ

  1. عبد المنعم المشاط، "تدريس الأمن القومي في الوطن العربي"، في:  26 تدريس العلوم السياسية في الوطن العربي، ص.294
  2. 27  المرجع نفسه، ص.299
  3. Joana Catherine Odencrantz, "The University Depoliticized: Research and knowledge in an Authoritarian State," PhD. Dissertation, The University of Utah, Utah, 2012, p. 67.

وهكذا، ارتبطت النشأة المؤسسية لعلم السياسة في مصر بمشروع الدولة وبفكرة أن الجامعة والمعرفة بصورة عامة لا تهدفان إلى المعرفة في ذاتها، ولكنهما تعملان لمصلحة الدولة. وارتبط هذا برغبة جمال عبد الناصر في تحديث مصر وفي الدخول إلى التصنيع، وباحتياجه إلى الجامعة وسيلةً لتلقين الأيديولوجيا القومية واستراتيجيته الخاصة بالتأميم، لا الموارد الطبيعية فحسب، بل العقول أيضًا من خلال الإعلام والتعليم ودور العبادة  30.

2. مرحلة سبعينيات القرن العشرين

شهدت هذه المرحلة تطورات عدة أثرت في مسار علم السياسة في مصر بدرجة كبيرة. فمن ناحية، شهدت المرحلة عودة عدد من علماء السياسة المصريين بعد حصولهم على درجات علمية من جامعات غربية تختلف في طرائق تدريسها عن تلك المداخل الفلسفية والقانونية السائدة حينذاك. ومن ثم، حاولت هذه النخبة تطبيق التقاليد السلوكية والوظيفية في مجالات السياسات المقارنة والعلاقات الدولية والسياسة الخارجية والإدارة العامة. فقد بدأ في هذه المرحلة تناول مجموعة من الأبنية المؤسسية الرسمية وغير الرسمية، فضلً عن بعض العمليات السياسية. شملت هذه الأمور، على سبيل المثال، البيروقراطية والأحزاب السياسية وجماعات المصالح والثقافة السياسية والتنشئة السياسية والمشاركة السياسية، وذلك في إطار مادة النظم السياسية المقارنة. كما ظهر في العام الجامعي 1974-1973 مادة باسم التنمية السياسية والاقتصادية (أصبحت تُعرف فيما بعد بمادة التنمية السياسية)، وذلك في أعقاب حرب أكتوبر 1973. ودخل تدريس النظام السياسي الإسرائيلي في هذه المرحلة. وخفف السادات القيود على الجامعة من خلال السماح للأساتذة بانتخاب العمداء وإبعاد الوجود الأمني عن الحرم الجامعي. كما جرى تسهيل الأنشطة الطلابية في البداية  31. ففي محاولته لمواجهة اليسار الراديكالي، فتح السادات السبل أمام التيار الإسلامي في المجتمع بصورة عامة ومجتمع الجامعة على نحو خاص  32. وسرعان ما اكتسب هذا التيار أنصارًا له داخل الجامعة سواء بين الأساتذة أو الطلاب، وتعاطف معه بعض ممن لا ينتمون إليه نتيجة لدعوته بالعودة إلى التراث حيث "استلهام تجارب الماضي في رسم معالم الإصلاح والتطوير" 33. وكان لهذه التطورات انعكاساتها المباشرة على علم السياسة في مصر وداخل كلية الاقتصاد تحديدًا، إذ ظهرت نواة لتيار يسعى إلى دمج كل من التراث الإسلامي والتيارات الغربية الناقدة للحداثة في دراسته على مستوى التدريس كما سنوضح في المرحلة التالية.

3. مرحلة ثمانينيات القرن العشرين

كان لتوقيع معاهدة السلام 1979-1978() وما تلاها من قطيعة عربية مع مصر أثره في تحول الدولة المصرية إلى الغرب وتبني سياسات الانفتاح الاقتصادي، وهو الأمر الذي بدأت آثاره في الظهور في مرحلة الثمانينيات التي اتسمت في بدايتها بدرجة من الانفتاح السياسي. وقد انعكس ذلك على تزايد الاهتمام بدراسة النظم السياسية، فضلً عما يتعلق بالسياسات العامة وما تقدمه من تقويم لأداء النظم السياسية. ولذلك تعتبر فترة الثمانينيات العقد الذهبي لدراسات السياسة المقارنة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. فقد ارتفعت نسبة تمثيل مواد السياسة المقارنة بالقياس إلى التخصصات في المئة) 34الأخرى 50(. وبدأ تدريس المادة يشهد قدرًا واضحًا من التركيز على مجموعة من الاقترابات والمناهج الرئيسة في دراسة النظم السياسية، مثل الاقتراب المؤسسي القانوني والجماعة والطبقي والنخبة والنظم والبنائي الوظيفي والاتصال وصنع القرار. كما ظهرت في هذه الفترة مؤلفات تتناول أصول السياسة المقارنة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك كتاب كمال المنوفي الصادر في عام 1987 عن "أصول النظم السياسية المقارنة." لم يعرض المؤلف فيه دراسة مقارنة لنظم سياسية بعينها، بل اهتم بوضع الأساس النظري لمثل هذه الدراسة. وبرز في هذا المؤلف الاهتمام ببيئة النظام السياسي المكونة من عدة عناصر: الواقع الجغرافي، الميراث التاريخي ويشمل

  1. 29  فيما يتعلق بالتعليم، في عام 1954 صدر قانون 504 لسنة 1954 والذي قضى على نحو بعيد على أي استقلالية للجامعات. فقد منح القانون وزير التعليم حق تعيين عمداء الكليات من بين رؤساء الأقسام المرشحين بواسطة رئيس الجامعة الذي يعينه هو أيضًا الوزير. ومنع الطلاب من ممارسة العمل السياسي حيث توقفت انتخابات اتحادات الطلبة، ولم يصبح
  2. 30  تراجع السادات عن ذلك في قانون الجامعات لسنة. 1979
  3. Odencrantz, p. 68. 32  مصطفى كامل السيد، "رجع الصدى في تدريس النظرية السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية"، في: أعمال مؤتمر مصر وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في عهد من التغيير 2010-1960، ص.8
  4. أمام الطلاب إلا الانضمام إلى "مكتب الطلبة" التابع لهيئة التحرير عام 1953، ثم "منظمة الشباب الاشتراكي" عام 1965، أو "طليعة الاشتراكيين" التي تنتمي إلى "التنظيم الطليعي" عام 1968. وقد وجد الحرس الجامعي على بوابات الجامعات وأصبح تابعًا لسلطة وزير الداخلية لا رئيس الجامعة كما كان الوضع في السابق. للمزيد، ينظر: نفيسة دسوقي، "الجامعات المصرية.. صفحات من تاريخ مصر..)4(انتفاضات الطلبة.. من ناصر إلى السادات"، أصوات أونلاين، 2020/1/20، شوهد في 2021/10/20، في: https://bit.ly/3EzsoT0
  5. 33  نيفين مسعد وإبراهيم عرفات، "النظم السياسية المقارنة في كلية الاقتصاد"، في: تقويم محتوى المقررات الدراسية: أعمال المؤتمر العلمي لقسم العلوم السياسية الإسكندرية 5-3 مايو 2000، أحمد ثابت (محرر) (القاهرة: جامعة القاهرة - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2000)، ص.156

المؤسسات السياسية والمشاكل السياسية والاجتماعية، والرموز السياسية والقيم والأفكار السياسية. كما يفحص أداء النظام السياسي من خلال مدخل السياسات العامة ودراسة النظم السياسية بمؤسساتها وبالعمليات الجارية لها 35. إلا أنه يلاحظ أن دراسة النظم السياسية ظلت تتّبع الأسلوب التقليدي الذي يدرس كل نظام على حدة من دون أي مقارنة بين هذه النظم، وبقيت موضوعات غائبة عن الدراسة، كتلك الخاصة بالتحول السياسي ودور القضاء. وغاب كذلك الاهتمام بمناطق عالمية معينة، لا سيما آسيا وأميركا اللاتينية. ولا يفوتنا في هذا السياق الإشارة إلى جهود حامد ربيع الممتدة في هذه المرحلة في الفروع المختلفة لعلم السياسة، مثل النظرية السياسية والفكر السياسي والعلاقات الدولية. فقد رأى ربيع أن علم السياسة في العالم العربي يفتقر إلى الأصالة، وهي مشكلة يكمن حلّها في الاستعانة بإسهامات التراث الإسلامي في عملية بناء النظرية السياسية. ومن هنا جاء استحضاره للفكر السياسي الإسلامي والمصادر الإسلامية في حقل السياسة. كان ربيع أول من أدخل الفكر السياسي الإسلامي والمصادر الإسلامية في حقل العلوم السياسية. وفي كتابه الإسلام والقوى الدولية، دفع ربيع بأن التراث الإسلامي يمكنه المساهمة بفاعلية في بناء نظرية سياسية، وهو ما سيحل بدوره إشكالية غياب الأصالة في علم السياسة العربي. فقد وصف ربيع علم السياسة العربي بأنه حقل مأزوم لافتقاده الأصالة في أجندته البحثية ووصفه وتحليله وتفسيراته والأطر النظرية التفسيرية وبناء المفاهيم. وحاول معالجة هذا الأمر في محتوى المقررات التي قام بتدريسها، مثل مقررات الفكر السياسي الإسلامي والنظرية السياسية في الإسلام. كان مهمومًا بقضايا الأمة العربية والإسلامية، وناقدًا للنظريات والمفاهيم الغربية لكونها منقطعة الصلة بالتراث الحضاري للمنطقة. على سبيل المثال، انتقد ربيع مفهوم التنمية بسبب تركيزه على التنمية الاقتصادية فقط، في حين رأى أن التنمية السياسية والاجتماعية تعني التوجه نحو نظام قيمي أكثر شمولً وأشد قدرة على التعبير الحضاري  36. غير أن ربيع لم يمثل التيار الرئيس داخل الكلية، فقد ظل الاتجاه العام متمثلً في دراسة العلوم السياسية باعتبارها علمً للدولة والقوة والسلطة. وظهرت الغلبة لتيار السلوكيين بصورة عامة تأثرًا بالمدرسة الأميركية، إلا أن المقررات افتقرت إلى المنهج النقدي في مواجهة المداخل الغربية، واقتصر كثير من المقررات على نقل ما يحدث من تطورات في علم السياسة في الغرب. ويلاحظ أيضًا في هذه المرحلة أنه على الرغم من الاهتمامات السلوكية الواضحة، فإن المنهاجية السلوكية الكمية لم تكن هي السائدة.

4. مرحلة تسعينيات القرن العشرين

شهدت التسعينيات نوعين من التطورات المهمة ذات الآثار الجليّة في حالة علم السياسة في مصر كما هي ممثلة هنا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. يتمثل النوع الأول من التطورات في تغيرات عالمية مهمة تركت آثارها في الواقع الإنساني كله وعلومه المختلفة. وتمثلت هذه التغيرات في دخول العالم مرحلة "العولمة" التي انطلقت بشكلها الحالي بعد انتهاء الحرب الباردة 1991–1947()، وانهيار الاتحاد السوفياتي 1991()، وبروز النموذج الليبرالي الرأسمالي الغربي بوصفه النموذج المنتصر والوحيد المتاح أمام المجتمعات الإنسانية. وتزامن ذلك مع ثورة غير مسبوقة في المعلومات والاتصالات. ألقت هذه التغيرات بظلالها على مفاهيم علم السياسة وموضوعاته وفروعه من حيث اندثار مفاهيم واستحداث أخرى وظهور موضوعات وقضايا وتحديات لم تكن مطروحة على أجندة الحقل من قبل. كان لمثل هذه التغيرات العالمية آثارها في السياقات القومية المحلية ومنها السياق المصري. فقد انتهجت الدولة المصرية طريق الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي بوصفته الغربية كما عبرت عنها المؤسسات الاقتصادية الدولية الأساسية المتمثلة بصندوق النقد والبنك الدوليين، وما ارتبط بها في كثير من الأحيان بمطالبات للإصلاح السياسي فيما عرف ب "المشروطية السياسية." وهكذا أدت هذه التغيرات إلى تحولات في السياق الاجتماعي والاقتصادي وأهداف سياسة الحكومة والتوقعات منها  37.

  1. 34  كمال المنوفي، أصول النظم السياسية المقارنة (الكويت: شركة الربيعان للنشر والتوزيع،.)1987
  2. 35  نادية مصطفى، "قراءة في أعمال د. حامد ربيع عن العلاقات الدولية والسياسة الخارجية"، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2016/9/11، شوهد في 2022/11/9، في: https://bit.ly/3GJPA3A
  3. 36  للمزيد: سفيان العيسة، "الاقتصاد السياسي للإصلاح في مصر: فهم دور المؤسسات "، أوراق كارنيغي، سلسلة الشرق الأوسط، العدد مؤسسة كارنيغي، 5 (تشرين الأول/ أكتوبر 2007)، ص 26-1؛ إيمان مرعي، "التغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع المصري"، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2021/1/31، شوهد في 2021/10/20، في: https://bit.ly/3EDhgnU

أما النوع الثاني من التطورات، فيرتبط بطبيعة العملية التدريسية داخل الكلية ذاتها. فمن ناحية زادت أعداد الطلاب الملتحقين بالكلية زيادة كبيرة (من 70 طالبًا حتى منتصف الثمانينيات إلى أكثر من 004 في منتصف التسعينيات) 38، ومن ناحية أخرى استُحدثت شعب للتدريس باللغتين الفرنسية والإنكليزية في العامين الأكاديميين 1994 / 1995، و/1996 1997 على التوالي 39. ولا يمكن الفصل بين هذين التطورين وما كان يجري من تحولات اجتماعية اقتصادية في المجتمع تحت تأثيرات العولمة والتحول إلى اقتصاد السوق الذي امتد إلى مجال التعليم أيضًا فيما يُعرف في الأدبيات ب "الرأسمالية الأكاديمية" Capitalism Academic، حيث تهيمن ثقافة التسليع على كافة المجالات والقطاعات  40، فقد أدت التحولات الاقتصادية إلى تفاوتات واضحة في المجتمع المصري من حيث توزيع الثروة. في الوقت نفسه، بدا أن الدولة تنسحب وبسررعة من مجالات كثيرة وتدهورت خدماتها في القطاعات المختلفة ومنها التعليم. بدأ هذا الأمر في الثمانينيات مع انتشار المدارس الخاصة، وجاء دور التعليم الجامعي تحت ضغط متطلبات السوق وعدم قدرة الجامعات الحكومية على إمداد السوق بالكفاءات والتخصصات والمهارات المطلوبة. ولمّا كانت قضية مجانية التعليم من القضايا الحساسة في المجتمع، بدأ الالتفاف حولها من خلال استحداث أقسام اللغات ذات التكلفة المرتفعة نسبيًا في الجامعات الحكومية. وتمثل وضع الدراسة في الكلية في هذه المرحلة في التالي: يدرس الطالب الذي يتخصص في قسم العلوم السياسية تسعة وعشرين مقررًا فصليًا على مدى سنواته الدراسية الأربع (يبدأ التخصص في السنة الثانية)، وذلك بالاقتصار على مقررات العلوم السياسية بفروعها الأساسية وتضمين مادة مبادئ العلوم السياسية التي يدرسها طلبة السنة الأولى خلال فصلين دراسيين. ويلاحظ في قائمة المقررات وجود خلل واضح في توزيع مقررات العلوم السياسية على التخصصات والفروع الرئيسة في غير صالح النظرية والفكر السياسي، مع تمتع السياسة المقارنة بالتمثيل الأكبر من الناحية الإحصائية، وإن كانت أشد ميلً إلى موضوعات السياسة المقارنة الكلية وليست الجزئية، إضافةً إلى غياب مناهج التحليل الكمي وتفضيل المناهج الكيفية  41 (ينظر الجدول)).1(يلاحظ في هذه الفترة قلة عدد المواد الاختيارية واختلال التوازن لغير صالح فرع النظرية السياسية والفكر، وغلبة الطابع النظري والتجريدي، وقلة عدد المواد المتعلقة بالدراسات المصرية (مقرر واحد فقط عن النظام السياسي المصري)42. وعلى الرغم من التطورات التي أحدثتها العولمة في طبيعة العلاقة بين الداخلي والخارجي، فإن اهتمام السياسة المقارنة ظل منحصرًا في تناول السياسة داخل الأمم ومنصبًّا على تناول التطور السياسي الداخلي للدولة القومية. وظل الجانب الأكبر من موضوعات علم السياسة – كما كان ولا يزال يقدم لطلاب الكلية في مادة مقدمة العلوم السياسية - يتعامل مع موضوعات تندرج في أغلبها في الشؤون الداخلية للدول  43، وذلك إضافة إلى الاعتماد على الأطر النظرية السلوكية وعدم الإشارة إلى الأطر الجديدة. ولقد استمر التحيز تجاه دراسة النظم السياسية الأوروبية ونظام الولايات المتحدة السياسي، في حين لم تحظ دول مثل إيران وتركيا وإسرائيل أو مناطق مثل أميركا اللاتينية، بأي اهتمام يذكر. تظهر في هذه المرحلة مشكلة الشعب واختلاف المحتوى الذي يدرس للمادة الواحدة بين الشعب الثلاث. على سبيل المثال، يحظى الفكر الإسلامي باهتمام أكبر في النسخة العربية من المقرر عنه في النسخة

  1. 37  حسن نافعة، "نحو برنامج متكامل لتطوير قسم العلوم السياسية: رؤية عامة"، في: تقويم محتوى المقررات الدراسية: أعمال المؤتمر العلمي لقسم العلوم السياسية الإسكندرية 5-3 مايو 2000، ص -41.44 يرجع ذلك إلى الزيادة في أعداد طلاب الكلية بصورة عامة، فبينما كان عدد الطلاب الملتحقين بالفرقة الأولى في العام الجامعي /1960 1961 يبلغ 248 طالبًا، قفز هذا الرقم، على سبيل المثال إلى 1120 في العام الدراسي 2009 / 2010، وعام 2020 وصل هذا العدد إلى 0443 طالبًا. للمزيد من التفاصيل حول تطور أعداد الطلاب في الكلية، ينظر: محمد سالمان، "تدريس العلوم السياسية بقسم العلوم السياسية - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة"، في: تدريس العلوم السياسية في الجامعات المصرية: الواقع الراهن ومقترحات التطوير: أعمال المؤتمر العلمي الثالث لقسم العلوم السياسية: الإسكندرية 1-29 3 مايو 2002، أحمد الرشيدي (محرر)، سلسلة المؤتمرات العلمية 3 (القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2003)، ص 96-19؛ مروة فهمي، "عميد 'سياسة واقتصاد القاهرة:' لدينا خطة لاستمرار تفوقنا العلمي"، أخبار اليوم، 2020/12/17، شوهد في 2022/7/21، في: https://bit.ly/3Ov1SPj
  2. 38  مع بداية تطبيق نظام الشعب، كان الطالب يدرس 50 في المئة من المواد في الشعبة الفرنسية باللغة العربية والنصف الآخر باللغة الفرنسية، بينما يدرس طالب الشعبة الإنكليزية 04 في المئة من المواد باللغة العربية. كما يدرس طلبة الشعبة العربية 20 في المئة من المواد باللغة الإنكليزية. كانت هناك أيضًا عدة تطورات شملت العملية التعليمية في الكلية تمثلت في استحداث برنامجين أكاديميين جديدين هما قسم الإدارة العامة وقسم تطبيقات الحاسب الآلي في العلوم الاجتماعية وذلك في عام 1990 وفقًا للائحة الجديدة للكلية بقرار وزاري رقم 950 لسنة 1990. كما صدرت لائحة داخلية أخرى عام 1993 جرى بموجبها تطبيق نظام الفصليَن الدراسيين واستحداث التخصص الفرعي الذي تطلب أن يدرس الطالب، إضافة إلى المقررات المحددة في تخصصه الرئيس، أربعة من المقررات المقدمة في المجال الذي يختاره تخصصًا فرعيًا (الاقتصاد، الإحصاء، العلوم السياسية، الإدارة العامة، تطبيقات الحاسب الآلي في العلوم الاجتماعية.)
  3. 39  صُممت نظرية الرأسمالية الأكاديمية للمساعدة في وصف طرائق تغير الكليات والجامعات وشرحها استجابة لبعض الضغوطات الخارجية. تشمل هذه الضغوطات الخارجية أمورًا مثل ظهور اقتصاد المعرفة العالمي. وهكذا، أصبحت المؤسسات، مثل الكليات والجامعات التي تنتج المعرفة، كالمنتجات التي يمكن أن تُشترَى وتُباع ويجري تداولها في الأسواق العالمية ويلزمها الاندماج في هذا الاقتصاد العالمي الجديد. وجاءت الاستجابة من خلال اتباع أنشطة شبيهة بأنشطة السوق، ومحاولة اكتشاف طرق جديدة لجلب الإيرادات بهدف تعويض بعض تلك التخفيضات في تمويل الدولة. ينظر: Sheila Slaughter & Gary Rhoades, Academic Capitalism and the New Economy: Markets, State, and Higher Education (Baltimore: The Johns
  4. 40  مسعد وإبراهيم عرفات، ص.154-153
  5. 41  نافعة، ص.46 42  مسعد وإبراهيم عرفات، ص.158 المصدر: المرجع نفسه.
  6. Hopkins University Press, 2004).

الجدول 1() المواد المقررة في التسعينيات بقسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة

النظرية السياسية والفكر مقررات عامة بينية السياسي

مبادئ العلوم السياسية الإدارة العامة تطور الفكر السياسي قراءات بلغة أجنبية النظرية السياسية مناهج وقاعة بحث فكر سياسي إسلامي (اختياري) إدارة محلية حقوق إنسان (اختياري) دراسات مناطق (اختياري)

الإنكليزية 44. ويدرس الفكر الإسلامي خارج سياقه التاريخي في مقرر الشعبة الإنكليزية 45، أي من دون إلقاء الضوء بما يكفي على السياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية لهذه الأفكار أو المنظومة الكلية التي انبثقت منها. كذلك يتضح الاختلاف في الإطار العام للمواد بحسب رؤية كل محاضر، وهو ما قد يعني أن طلاب المادة نفسها يدرسون قضايا أو موضوعات مختلفة باختلاف الشعب التي يدرسون فيها. إضافةً إلى ذلك، بدا واضحًا وجود حاجة إلى تحديث الكتب الدراسية، خاصة باللغة العربية؛ إذ إن بعض المقررات اعتمد على كتب دراسية ترجع إلى مرحلة السبعينيات. ومثلت ندرة الكتب الدراسية الحديثة المتاحة بالعربية إشكالية في حد ذاتها بسبب اضطرار الكثير من الطلاب إلى الرجوع إلى كتابات لا تعكس بالضرورة اهتماماتهم ومشكلاتهم وسياقهم القومي والإقليمي، ومنبتّة الصلة بواقعهم الفكري والسياسي. وينطبق ذلك بدرجة واضحة على الكتب الأجنبية المستخدمة في شعب اللغات  46.

العلاقات الدولية والقانون السياسة المقارنة الدولي

نظرية العلاقات الدولية نظام سياسي مصري القانون الدولي العام قانون دستوري تطور العلاقات الدولية نظرية النظم السياسية التنظيم الدولي النظم السياسية المقارنة السياسة الخارجية تنمية سياسية قضايا دولية معاصرة نظم سياسية عربية نظم دبلوماسية وقنصلية نظم سياسية أفريقية الوطن العربي في السياسة رأي عام وإعلام الدولية (اختياري)

واتسمت المقررات عمومًا بغياب الموقف النقدي من المدارس الغربية في معظم الحالات، أو اقتصارها على فقرات قصيرة من دون الالتزام بنتائج إعلان مثل هذا الموقف أو تطوير منهجيات بديلة  47. ولم تعكس المقررات كذلك طابعًا خاصًا يبُرز انشغال المجتمع المصري أو الشعوب العربية وشعوب الجنوب بقضايا أساسية  48، بل كان للعلوم السياسية في مصر، وكذلك في العالم العربي بصورة عامة، قدرٌ من الانفصال أو الاصطناع؛ إذ إن "ما تقوم بتدريسه [لا يتجاوز كونه] نظريات في الأغلب الأعم ليس لها علاقة مباشرة بالواقع المعيش، فالنظم السياسية الغربية والعلاقات الدولية كانت في معظمها تتحدث عن نظم فيها حريات وقانون وتوازن وفصل بين السلطات، وكلها أمور كانت غير

  1. 43  اقتصرت الدراسة العلمية لتراث الفكر السياسي والعربي على مجهودات متفرقة ارتبطت بأسماء محددة وبجيل معين من دون تواصل حقيقي بين هذه الأجيال. ينظر: المشاط، ص.294
  2. 44  سالمان، ص.27
  3. 45  المرجع نفسه، ص.28
  4. 46  ثمة استثناءات لذلك، وإن ارتبطت بجهود فردية في المقام الأول. تشمل هذه الاستثناءات التوجه نحو مزيد من البحث والاهتمام بدراسات التنمية السياسية من خلال تطويع الأدوات الغربية للاقتراب من الواقع المصري والعربي ومقارنتها بدول آخذة في التحول السياسي والاقتصادي، وذلك من خلال رؤية نقدية واضحة لبعض المناهج والاتجاهات الغربية، خاصة تلك المنطلقة من نظريات الحداثة. ويعد مصطفى كامل السيد من أبرز الأمثلة على ذلك. هناك أيضًا التوجه الخاص بالبحث في التراث الإسلامي الحضاري عن أدوات بحثية وافتراضات نظرية ومفاهيم مغايرة لنظيراتها الغربية، ومن أبرز أمثلة هذا التيار في هذه المرحلة: منى أبو الفضل ونادية محمود مصطفى وسيف عبد الفتاح. ينظر: أحمد عبد ربه، "دور العلوم السياسية.. الشروق واعتذار واجب"،، 2017/6/3، شوهد في 2021/9/20، في: https://bit.ly/3F0hvuE
  5. 47  المشاط، ص.294

معيشة في الواقع المحلي، مما جعل دراسة العلوم السياسية نوعًا من أنواع الانفتاح النظري على واقع غريب وغير منظور ولا محسوس" 49. على الجانب الآخر، شهدت أساليب تدريس العلوم السياسية في الكلية تطورًا في هذه المرحلة. على سبيل المثال، انتقل تدريس النظرية من مرحلة التلقين إلى مرحلة التدريب على استخدام المناهج اللصيقة بالنظرية السياسية التحليلية، كتحليل الخطاب والتحليل النقدي للمفاهيم وتحليل المناظرات. واهتمت مقررات الفكر بتدريب الطلاب على العودة إلى النصوص الأصلية  50. ولقد استحدثت الكلية نماذج المحاكاة منذ عام 1996 وذلك في إطار جهودها من أجل ترسيخ الفكر الابتكاري والإبداعي وتعميقه. تتيح هذه النماذج الفرصة الكاملة للطلاب للتعلم الذاتي الحر والتدرب على مهارات عديدة تتمّم رسالة الطلاب في بناء الشخصية المتكاملة القادرة على اقتحام المستقبل، وإن كانت أنشطة اختيارية ولا تضاف إلى سجل درجاتهم. وحدثت زيادة ملحوظة في أعضاء هيئة التدريس  51، وهو ما ترتب عليه تباين وتنوع في مصادر تكوينهم العلمي والمدارس الفكرية التي ينتمون إليها. وعلى الرغم من الميزة التي يوفرها ذلك، فإنها تتسبب في قدر من عدم التجانس أو غياب التنسيق، كما أشار حسن نافعة، الرئيس الأسبق للقسم  52. وتبلور في تلك الفترة ما يمكن أن نطلق عليه اتجاهات رئيسة بين أساتذة العلوم السياسية في الكلية: الاتجاه الأكبر والغالب هو الاتجاه السلوكي الوضعي، والذي، كما وصفه محمد صفار "يجسد نوعًا من السلطة المعرفية" من خلال سلطته في لجان مناقشة الرسائل العلمية أو السيمنار العلمي  53 والترقيات وتحديد مقررات التدريس والرسائل العلمية  54. أما الاتجاه الثاني فهو التيار المعرفي الإسلامي/ الحضاري الذي يؤكد على أثر السياق الحضاري والتاريخي والمجتمعي في صياغة المفاهيم الكلية التي يتأسس عليها العلم، ومن ثم يسعى إلى إعادة تأسيس علم السياسة على أساس المفاهيم والخبرات التاريخية الإسلامية. أما الاتجاه الثالث، فهو، وفقًا لصفار، الاتجاه التأويلي ما بعد الحداثي الذي يوظّف انتقادات الحداثة وما بعد الحداثة في دراسة قضايا الواقع السياسي الفكري والحركي باستخدام اقترابات مثل تحليل الخطاب والتفكيك  55.

5. المرحلة من عام 2000 إلى الآن

شهدت هذه الفترة أحداثًا وتطورات عدة ألقت بظلالها على حالة العلوم السياسية. فقد بدأت الألفية بهجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة وما ترتب عليها من سياسات أميركية عسكرية وغير عسكرية تجاه العالمين العربي والإسلامي. واشتد في هذه الفترة الحديث عن التحول الديمقراطي في المنطقة من ناحية  56، وعودة الحديث عن صدام الحضارات في مقابل حوار الحضارات من ناحية أخرى. ومع ذلك، نجد أن هذه القضايا على أهميتها لم تكن محور مقررات أساسية في هذه المرحلة، وإنما كان يجري التعرض لها بوصفها جزئية في المقررات أو المناقشات، إن وجدت. وكان جزء كبير من الاهتمام يتمحور حول تأثيرات مثل هذه التطورات في الدولة سواء في مصر وفي الوطن العربي. على الساحة الداخلية، شهدت البلاد حراكًا سياسيًا منذ تعديل المادة 76 من الدستور المصري حينذاك التي تسمح بانتخاب رئيس الجمهورية، والتي كانت في جزء منها استجابة للضغوط الأميركية التي تلت 11 أيلول/ سبتمبر المطالبة بالمزيد من الإصلاحات السياسية، وتشكلت حركة "كفاية" المعارضة لعملية "التوريث" 57. ومثلما كان الحال سابقًا، لم تعكس المقررات هذه الحالة السياسية والاهتمام المجتمعي السائد في هذه المرحلة. من ناحية أخرى، تعمقت مظاهر الرأسمالية الأكاديمية من خلال انتشار معايير محددة لتقييم العلوم والأداء الأكاديمي فيما يعرف بمفاهيم "الجودة" Quality و"الاعتماد" Accreditation و"التأثير" Impact و"الأهمية بالنسبة إلى المجتمع" Relevance. ولم تكن كلية الاقتصاد وقسم العلوم السياسية بمعزل عن هذه التطورات. وهو الأمر الذي انعكس على عملية تطوير المناهج وتحديثها لتصبح أشد منافسة مع الجامعات الخاصة وأكثر توافقًا مع الجامعات الأجنبية. وكانت البداية في إصدار اللائحة الداخلية الخامسة الصادرة بالقرار

  1. 48  عبد ربه.
  2. 49  السيد، "رجع الصدى"، ص.82
  3. 50  كان عدد أعضاء هيئة التدريس في الكلية كلها عام 1965 هو 18 عضوًا. في عام 2000، بلغ عدد أعضاء هيئة التدريس في قسم العلوم السياسية وحده حوالى ستين عضوًا، وحاليًا يزيد العدد قليلً على ثمانين عضوًا، هذا بخلاف الهيئة المعاونة من معيدين ومدرسين مساعدين.
  4. 51  نافعة، ص.43
  5. 52  يشير السيمنار إلى لقاء يعقد في القسم يناقش فيه أعضاء من القسم مشروع الأطروحة المقدم من الباحث للنظر في موضوع الملاءمة المنهاجية واستيفاء العناصر الأساسية في البحث. وهي خطوة ضرورية يجب من خلالها حصول الباحث على موافقة أعضاء هيئة التدريس المناقشين له كي يستطيع استكمال كتابة الأطروحة.
  6. محمد صفار، "علم السياسة في مصر: التاريخ والتوجهات"،  53 جدلية، 2014/4/24، شوهد في 2021/8/10، في https://bit.ly/3EuiAcS:
  7. 54  المرجع نفسه.
  8. 55  حول قضية الديمقراطية بعد 11 أيلول/ سبتمبر: مارينا أوتاوي، "دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط: استعادة المصداقية"، مؤسسة كارنيغي، شرح السياسات 60 (أيار/ مايو 2008)، شوهد في 2022/9/1، في: https://bit.ly/3V4uJfL؛ عن صدام الحضارات وحوارها: عمر خروبي بزارة، "صدام الحضارات أم حوار الحضارات؟ دراسة مقارنة في جدلية الفكر الغربي والفكر الإسلامي"، الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية، مج 13، العدد 2 (تموز/ يوليو 2021)، ص.256-244
  9. 56  هي الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"، التي تشكلت من قوى سياسية مختلفة عام 2004 لرفض التجديد للرئيس محمد حسني مبارك لفترة ولاية خامسة وكذلك الاعتراض على الخطط التي فُهم منها التمهيد لتولي ابنه جمال الحكم من بعده.

الوزاري رقم 1461 بتاريخ 13 آب/ أغسطس 2002، إذ اعتُمد نظام الساعات المعتمدة واستحداث مقررات جديدة وزيادة عدد المقررات الاختيارية لمواكبة الأحدث في جامعات العالم المتقدم. وتعاون القسم مع مشروع فورد لتطوير المقررات، إذ طُوِّرت توصيفاتها من خلال عمل مسح مقارن لوضع هذه المقررات في عدد من الجامعات البارزة في العالم  58. وأُنشئ برنامج مشترك في عام 2013-2012 مع جامعة باريس (بانتيون - سوربون) يحصل بموجبه طلاب الشعبة الفرنسية بالكلية على شهادة مزدوجة من جامعة القاهرة وجامعة باريس للعلوم السياسية. وقد تبلورت التوجهات الجديدة في إعادة صياغة الأهداف العامة للكلية كالتالي: المشاركة في عملية التنمية الشاملة والمستدامة. تقييم الاستشارات لمتخذي القرار في القضايا المجتمعية. المشاركة في خدمة المجتمع وتنمية الوعي الثقافي والبيئي  59. تتشابه هذه الأهداف كثيرًا مع أهداف نشأة الكلية، وإن زاد عليها ما له علاقة بالمشاركة في خدمة المجتمع ربما تحت ضغط معايير الأثر والأهمية التي أشرنا إليها، والتي تمر بها أي مؤسسة أكاديمية في سعيها نحو الحصول على الاعتماد وشهادة الجودة، وإقامة علاقات تعاون مع مؤسسات أكاديمية خارجية كما هو الحال في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بأقسامها المختلفة. وتمثلت النقطة الفارقة في مسار علم السياسة في مصر في حدث ثورة 25 يناير 2011 وما بعدها. وكانت لحظة الثورة كاشفة عن حالة الانفصال بين علم السياسة كما يُدرس في مصر وواقع المجتمع وتطوراته وتحولاته. فقد فشل المشتغلون بعلم السياسة في التنبؤ والتوقع بمثل هذه التطورات، بل لم يفهموها في بداية حدوثها. وطرحت الثورة مجموعة من الأسئلة ذات التأثير في مجالات البحث والتدريس في العلوم السياسية بصورة عامة  60، ولم يتضح دور الحقل والمشتغلين فيه لنشر الوعي بين أفراد المجتمع وجماعاته، أو أسلوب القيام بهذا الدور خاصة في ظل علاقات القرب والتعاون التي ربطت بعض رموز الحقل في مصر بالسلطة السياسية. وعلى الرغم من محورية الحدث ودلالاته العميقة في مسار المجتمع والدولة معًا فإننا، بالنظر إلى قائمة المقررات المطروحة (ينظر الجدولان 2() و))3(، نجد خلوّ القائمة من أي مقرر عن الثورة. كما لا توجد مقررات تتناول قضايا مهمة مثل التحول الديمقراطي، واستراتيجيات اللاعنف، أو البعد الاتصالي للثورة، ودور الإعلام الرسمي وغير الرسمي أو وسائل التواصل الاجتماعي. وتغيب القضايا المتعلقة بالمجال العام، أو تلك الخاصة بالشباب بصورة عامة، على الرغم من محورية دورهم في الثورة. ولا يدرس الطالب إلا مقررين إلزاميين عن مصر، يتناول أحدهما تاريخ مصر الاقتصادي، ويتناول الآخر النظام السياسي المصري (وهو المقرر الموجود من قبل ولم يستحدث في هذه الفترة) وهو يركز على دستور 2014 وموضعه من الخبرة الدستورية المصرية، والتعريف بالمؤسسات الرسمية الأساسية، إضافةً إلى توضيح طبيعة النظامين الحزبي والانتخابي ومؤسسات المجتمع المدني، وإن كانت القراءات والتوصيف يعكسان اقترابًا قانونيًا بالأساس. كما تغيب الدراسات المستقبلية تمامًا عن القائمة، على الرغم من أن واحدًا من الأهداف العامة لبرنامج العلوم السياسية هو التنبؤ بمستقبل التحديات التي تواجه الأمة. ولا تزال الكثير من الموضوعات تعكس عدم الانفتاح على العلوم الاجتماعية الأخرى، مثل الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، وإن اقتصر هذا الأمر، على نحو ضئيل، على مقررات اختيارية وليست إلزامية. وعلى الرغم مما بذلته الكلية من جهد للاتفاق على مضمون المقررات، فإن تعدد أقسام اللغات وتباين تفضيلات الأساتذة جعَلَ الوصول إلى عناصر مشتركة في التدريس صعبًا في كثير من الأحيان  61، وهو الأمر الذي أشير إليه أيضًا في تقارير الجودة الخاصة بالقسم عام 2019 و 2020 مع ترتيب منسق لكل مقرر دراسي. إضافة إلى ذلك، على الرغم من القائمة المتنوعة للمقررات الاختيارية (ينظر الجدول))3(، فإنها لا تُطرح على نحو دوري، وبعضها لم يُطرح فعليًا قط.

  1. 57  جابر سعيد عوض، "التدريس والبحث في النظم السياسية المقارنة: التغير والاستمرارية"، في: أعمال مؤتمر مصر وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في عهد من التغيير 2010-1960، ص.128
  2. 58  مسعد، ص 17. وفقًا لتقارير الجودة التي حصلت عليها الباحثة من وحدة الجودة في الكلية، تتمثل الأهداف العامة لبرنامج العلوم السياسية تحديدًا في: نشر الثقافة السياسية بين أفراد وجماعات المجتمع. اكتساب الطلاب القيم والمهارات التخصصية التي تمكنهم من القيام بدورهم في التنمية السياسية. تقديم المشورة لصانع القرار بأسلوب علمي قائم على الوصف والتفسير والتنبؤ بمستقبل
  3. 59  علي الدين هلال، "الثورة المصرية وتأثيرها على البحث والتدريس في العلوم النهضة، مج السياسية"، مجلة 12، العدد 2 (نيسان/ أبريل 2011-)، ص أد. 60  السيد، "رجع الصدى"، ص.84 المصدر: من إعداد الباحثة.
  4. التحديات التي تواجه الأمة.
المقررات الإلزاميةالمقررات الاختيارية
مبادئ الاقتصاد الكليالفكر السياسي العربي المعاصر
مبادئ الإحصاء)1(،)2(أيديولوجيات سياسية معاصرة
مبادئ العلوم السياسية)1(،)2(حقوق الإنسان
مبادئ الإدارةالمنظمات الاقتصادية والدولية
مبادئ القانونالاجتماع السياسي
قراءات بلغة أوروبية)1(،)2(دراسات استراتيجية
مبادئ الاقتصاد الجزئيتحليل السياسات العامة
مبادئ الحساب الآلي وتطبيقاته)1(،)2(الإدارة المحلية
مبادئ الرياضياتالوطن العربي في السياسة الدولية
نظرية النظم السياسية المقارنةأفريقيا في السياسة الدولية
تطور الفكر السياسي)1(،)2(آسيا في السياسة الدولية
الإحصاء التطبيقي لدارسي العلوم السياسيةالسياسات الخارجية المقارنة
الإدارة العامةالصراع العربي - الإسرائيلي
مناهج البحث في العلوم السياسيةتجارب التكامل الإقليمي في العالم المعاصر
تاريخ مصر الاقتصادي
نظرية العلاقات الدولية
القانون الدولي
النظام السياسي المصري
قاعة بحث)1(،)3(2()،
اقتصاديات المالية العامة
النظرية السياسية)1(،)2(
التنظيم الدولي
تطور العلاقات الدولية
النظم السياسية الغربية
القانون الدستوري
التنمية السياسية
نظرية السياسة الخارجية
النظم السياسية في الوطن العربي
النظم السياسية في أفريقيا
الرأي العام
النظم الدبلوماسية والقنصلية
قضايا دولية معاصرة

قضايا دولية معاصرة

الجدول)2(مقررات قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد بجامعة القاهرة وفقًا للائحة 2002

الجدول)3(قائمة مقررات قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة وفقًا للتحديث الأخير على موقع القسم

متطلبات تخصص إجبارية من داخل القسمالمقررات الاختيارية
نظرية النظم السياسية المقارنةأيديولوجيات سياسية معاصرة
مقدمة العلوم السياسية)1(،)2(الفكر السياسي الإسلامي
الفكر السياسي)1(،)2(الفكر السياسي العربي المعاصر
نظرية العلاقات الدوليةالديمقراطية وحقوق الإنسان
مناهج البحث في العلوم السياسيةالنظم الانتخابية والحزبية
القانون الدوليالمجتمع المدني
قاعة بحثالسلوك السياسي
النظرية السياسية)1(،)2(نظم سياسية آسيوية
التنظيم الدولينظرية الأمن القومي
تطور العلاقات الدوليةالنزاعات الدولية
النظم السياسية الغربيةالأحلاف الدولية
التنمية السياسيةالمنظمات الدولية الإقليمية
الاجتماع السياسيسياسات العلم والتكنولوجيا
نظرية السياسة الخارجيةالثقافة في السياسة العالمية
النظم السياسية العربيةالمرأة والسياسة
النظم السياسية في أفريقياالمنظمات الاقتصادية الدولية
الرأي العامتجارب التكامل الإقليمي
النظم الدبلوماسية والقنصليةدراسات استراتيجية
قضايا دولية معاصرةالصراع العربي - الإسرائيلي
القانون الدستوريالسياسة الخارجية المصرية
النظام السياسي المصريالسياسات الخارجية للدول العربية
مشروع تخرجالسياسات الخارجية للدول الكبرى
الوطن العربي في السياسة الدولية
أفريقيا في السياسة الدولية
آسيا في السياسة الدولية
التجارب في العلوم الاجتماعية
مناهج البحث الكمية
علم النفس السياسي
قراءات متقدمة في النظم المقارنة
موضوع خاص (يمكن استخدامه فصليًا لطرح مقرر جديد)
نظم سياسية في أميركا اللاتينية

نظم سياسية في أميركا اللاتينية

ثًالث ا: المحتوى البحثي

نظرًا إلى صعوبة حصر كل ما أنتجه أساتذة قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بصورة عامة، اعتمدت الدراسة على مصادر ثانوية تعاملت مع هذه النقطة. نعتمد في هذا السياق على دراسات ثلاث أساسية يمكن من خلالها استكشاف اتجاهات الاهتمامات البحثية لعلم السياسة في مصر ومطابقتها مع النتائج التي أسفر عنها تحليل تطور المقررات الدراسية في كلية الاقتصاد. هذه الدراسات هي: دراسة محمد سالمان التي تتبع فيها موضوعات رسائل الماجستير والدكتوراه في الكلية منذ نشأتها حتى عام 2000؛ ودراسة أسامة الغزالي حرب وعمرو هاشم ربيع التي قدّما فيها تحليل مضمون مجلة السياسة الدولية منذ نشأتها في المدة لدراسات 1990-1965؛ ودراسة أمل حمادة عن اهتمامات علماء السياسة المصريين في المدة 2014-2000. واستنادًا إلى توقف النطاق الزمني لأحدث هذه الدراسات عند عام 2014 (دراسة أمل حمادة)، ارتأت الدراسة القيام بتحليل مبسط وسريع للموضوعات التي نشرها علماء السياسة المصريون في مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكذلك دورية الاقتصاد Review of Economics and Political Science والعلوم السياسية التي أصدرتها جامعة القاهرة باللغة الإنكليزية في العام 2018، وذلك للوقوف على الاستمرارية والتغير في هذه الاهتمامات البحثية، في المدة 2021-2018، إلى آخر عدد متوافر على موقعيهما، وذلك للوقوف على الاستمرارية والتغير في هذه الاهتمامات البحثية. وفقًا لدراسة محمد سالمان، التي تغطي الفترة 2000-1960، كانت هناك موضوعات وقضايا بعينها فرضت نفسها على البحث والدراسة في الحقول الأساسية للعلم. في مجال العلاقات الدولية، على سبيل المثال، سيطرت موضوعات ذات علاقة بثلاثة حقول فرعية، وهي: السياسة الخارجية والمنظمات الدولية والقانون الدولي. كما احتل اررع العربي ال - الإسرائيلي والسياسة الخارجية للدول العربية وعلاقاتها بدول العالم المختلفة الاهتمام الأكبر في دراسة العلاقات الدولية على مستويَي الماجستير والدكتوراه، حيث ركز عدد من هذه الدراسات على تحليل سياسة القوتين العظميين – روسيا والولايات المتحدة – تجاه الصراع. كذلك اهتمت بعض الدراسات بالسياسة الخارجية للدول العربية كمصر والعراق والمملكة العربية السعودية. واهتم عدد من الرسائل ببحث العلاقة بين المنظومتين الغربية والشرقية، مثل العلاقات الأميركية السوفياتية وعلاقة القوتين العظميين ببعض الدول غير العربية. وسعت بعض الرسائل إلى إلقاء الضوء على أزمة الخليج ومصادرها وانعكاسات حرب الخليج الثانية 1991–1990() على سياسات الدفاع لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهي موضوعات تتعلق عمومًا بقضايا الأمن القومي للدول  62. وفي مجال المنظمات الدولية، أوضح محمد سالمان مقدار الاهتمام بالمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، والمنظمات الإقليمية كجامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. وتناولت الدراسات الخاصة بالقانون الدولي عددًا من الموضوعات المهمة، منها حقوق الإنسان والجوانب القانونية السياسية لمشاكل الفضاء الخارجي  63. ويتضح من خلال نوعية الموضوعات محل الاهتمام اتفاق هذه النتائج مع نتائج الاستبيان وتحليل المقررات فيما يتعلق بالتركيز على السياسة "الرسمية"، والاهتمام الخاص بالدولة على حساب الفواعل من غير الدولة وأدوارها في العلاقات الدولية. فيما يرتبط بمجال النظم السياسية، احتل موضوع التنمية الاهتمام الأكبر منذ أواخر السبعينيات، حيث ركزت الدراسات على التنمية السياسية في مصر من خلال التطرق إلى دراسة الأحزاب السياسية وجماعات المصالح والثقافة السياسية والتنشئة السياسية والعنف، وهي موضوعات مرتبطة بانفتاح المناخ السياسي قليلً في هذه المرحلة وبتطورات علم السياسة نفسه. وركزت رسائل أخرى على دراسة النظم السياسية في عدد من الدول العربية والأفريقية مثل النظامين العراقي والسوداني، بينما اهتم البعض الآخر بدور مؤسسات معينة، مثل العسكريين والأحزاب السياسية في بعض الدول الأفريقية. وعلى الرغم من وجود عدد من الرسائل التي تصدت لدراسة النظم السياسية في بعض بلدان أوروبا الغربية والشرقية، فإن عددها أقل كثيرًا من تلك التي ركزت على دراسة النظم السياسية في دول العالم الثالث  64. أما في مجال النظرية السياسية، فقد كان الفكر السياسي محل اهتمام عدد من الباحثين. وشهدت الفترة التالية لعام 1976 اهتمامًا متزايدًا بالفكر السياسي الإسلامي، إذ ركزت بعض الدراسات على الفكر السياسي لبعض أعلام الحضارة الإسلامية مثل ابن رشد والفارابي، بينما ركز البعض الآخر على مفاهيم محددة في الفكر السياسي الإسلامي مثل التجديد والجهاد والأمن والمعارضة والعدالة والشرعية... إلخ 65. وتؤكد نتائج دراسة محمد سالمان على ما سبق توضيحه من تأثر الحقل بالمناخ السياسي، وبتطورات جماعة الباحثين، وتأثر الأجندة البحثية أيضًا بالتطورات العالمية. فالاهتمام بقضايا التنمية السياسية في مصر خلال السبعينيات كان نتاجًا للانفتاح السياسي النسبي الذي

  1. 61  سالمان، ص.77-76
  2. 62  المرجع نفسه، ص.77
  3. 63  المرجع نفسه.
  4. 64  المرجع نفسه، ص.78 أﻣﯾرﻛﺎ وأﻣﯾرﻛﺎ المصدر: من إعداد الباحثة استنادًا إلى بيانات الدراسة المشار إليها.

الشكل 22() توزيع دراسات مجلة "السياسة الدولية" في المدة 1990-1965 على وفق المناطق الجغرافية التي تغطيها

شهدته البلاد مع تولي الرئيس الراحل أنور السادات الحكم، والتحول عن السياسات المقيدة التي اتبعها نظام جمال عبد الناصر. وإن الاهتمام بقضايا التنمية في هذه المرحلة بصورة عامة كان انعكاسًا لاهتمام عالمي حيث برزت في هذه الفترة مطالب دول الجنوب، التي ارتبطت بنظام اقتصادي عالمي جديد والحوار بين الشمال والجنوب. بالنسبة إلى بروز الاهتمام بالفكر السياسي الإسلامي بدءًا من عام 1976، فذلك يرجع إلى الجهود التي بذلها حامد ربيع في الاهتمام بهذا المجال وتوظيف المصادر الإسلامية والفكر السياسي الإسلامي في حقل السياسة بدلً من الاقتصار على التراث الغربي الفكري والفلسفي. وجاءت دراسة أسامة الغزالي حرب وعمرو هاشم ربيع لتؤكد على كثير من هذه النتائج التي عرضها محمد سالمان، وإن رجح الاهتمام بمجال العلاقات الدولية. ففي المدة 1990-1965، حظيت دراسات العلاقات الدولية بنسبة 5.64 في المئة من اهتمام الباحثين، تلاها مجال الدراسات الخاصة بالاستراتيجية العسكرية 16.9(في المئة) ثم النظم السياسية 12.9(في المئة.) وجاء الفكر السياسي 2.6(في المئة) والرأي العام 2.3(في المئة) والقانون الدولي 2.3(في المئة) والدراسات الخاصة بالاجتماع السياسي 1.4(في المئة) في ذيل القائمة. وحل الاهتمام بالمنطقة العربية في الصدارة، تليه الدائرة الأفروآسيوية. وحظي العالم الغربي والولايات المتحدة باهتمام أكبر من الاهتمام بالكتلة الشرقية والاتحاد السوفياتي. أما أميركا اللاتينية فلم تحظ إلا بأقل اهتمام على الرغم من انتمائها إلى العالم الثالث والنماذج السياسية والاقتصادية التي طرحتها لدول العالم الثالث (ينظر الشكل 22()) وفي داخل الدائرة العربية والشرق أوسطية، احتلت مصر المرتبة الأولى، بينما لم تحظ أي دولة عربية منفردة بأي اهتمام خاص. وارتبطت الحالات التي جرى الاهتمام بها بتطورات سياسية مهمة، كحالة الثورة الإيرانية والحرب الأهلية في لبنان، على سبيل المثال. وتتفق هذه النتيجة مع نتائج الاستبيان الذي قدمنا له في الجزء الأول، إذ عبرت غالبية أفراد العينة عن أن التطورات العالمية والإقليمية تمثل الدافع الأساسي للبحث. ودارت الدراسات المهتمة بالعالم العربي حول محاور ثلاثة: العرب وإسرائيل، والعلاقات العربية - العربية، والعلاقات بين العالم العربي والعالم الخارجي 66. يوضح حرب وربيع أن التقليد السائد في التعامل مع القارة الأفريقية كان المعالجة الشاملة، أي معالجتها واحدة واحدة من دون الانتباه إلى التمايزات بين دول القارة. فقد جاءت 57 في المئة من الدراسات الخاصة بالقارة متعلقة بقضايا عامة أو شبه عامة مثل الوحدة الأفريقية، وخصائص النظم السياسية والدستورية. وجاء التناول الخاص بقارة آسيا، على العكس، فقد استأثرت فيه الصين بنحو 50

  1. 65  أسامة الغزالي حرب وعمرو هاشم ربيع، "مجالات البحث لدارسي العلوم السياسية في مجلة السياسة الدولية مصر: تحليل لمحتويات السياسة الدولية 1990-1965(، العدد ")، 100 (نيسان/ أبريل 1990)، ص.13-11

في المئة من إجمالي الدراسات. وكانت تجربة التكامل الأوروبي موضع الاهتمام الأساسي لجهة القارة الأوروبية، وجاءت الدراسات المهتمة بالاتحاد السوفياتي وأوضاعه الداخلية وسياساته وعلاقاته الخارجية أقل بوضوح من تلك الخاصة بالولايات المتحدة  67. وحول إسرائيل، أوضحت الدراسة أن هزيمة 1967 كانت نقطة تحول في دراسة هذا الموضوع. ففي الفترة 1967-1965، لم تظهر أي دراسة عن الصراع العربي الإسرائيلي، إلا دراسة واحدة قصيرة عن إسرائيل خاصة بخطة العمل الدولي الإسرائيلي. أما بعد النكسة، فزاد الاهتمام بهذا الموضوع، إلى درجة أنه لم يخل أي عدد من أعداد المجلة من دراسة تعنى بالداخل الإسرائيلي وتطورات الصراع العربي - الإسرائيلي. ووفقًا لحرب وربيع، فإن "هزيمة 67 طرقت بقوة أيضًا قضية السلبيات الخطيرة التي اتسم بها النظام السياسي المصري، إلا أن المناقشة العلمية لتلك السلبيات في إطار الخصائص العامة للنظام لم يقدَّر لها أبدًا أن تأخذ أي فرصة حقيقية في ذلك الحين" 68. وتؤكد دراستهما على أثر البيئة السياسية في أجندة الباحثين. ففي الوقت الذي ناقشت فيه دراسات المجلة النظم السياسية والعلاقات الشكل 23() توزيع دراسات مجلة السياسة الدولية على القضايا في المدة 1990-1965

الدولية في أماكن عدة، لم تستطع القيام بذلك في الحالة المصرية. وليس أدل على ذلك، وفقًا للباحثين، من حقيقة أن أول دراسة مفصلة عن السياسة الخارجية المصرية لم تنشر إلا بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وتناولت موضوع "الناصرية وسياسة مصر الخارجية." ولم تُنشر طوال فترة السبعينيات إلا دراستان عن السياسة الخارجية المصرية. واختلف الأمر في الثمانينيات، إذ أصبح الاهتمام شبه مستمر بقضايا السياسة الخارجية المصرية وإن كانت دراسات غير نقدية بالأساس  69. وتوضح دراسة حرب وربيع أنه طوال الخمسة عشر عامًا الأولى من عمر المجلة، لم تعالج أي قضية عن النظام السياسي المصري وأوضاعه الداخلية. وكانت الدراسة الخاصة ب "الانفتاح الاقتصادي في التطبيق" التي نشُرت في تشرين الأول/ أكتوبر 1980 هي أول إرهاصات هذه النوعية من الدراسات. وبالمثل كان الوضع مع النظم السياسية العربية التي، وفقًا للمؤلفين، كان هناك إحجام عن دراستها خوفًا من مصادرة أعداد المجلة في الدول العربية، وحفاظًا على معدلات التوزيع، إضافة إلى ضعف المصادر المتاحة للبحث في الشؤون العربية (ينظر الشكل))23( 70.

  1. 66  المرجع نفسه، ص.13
  2. 67  المرجع نفسه، ص.14 المصدر: المرجع نفسه.
  3. 68  المرجع نفسه، ص.15
  4. 69  المرجع نفسه، ص.16

وغطت دراسة أمل ح   دااة71 المدة 2014-2000، وخلصت إلى هيمنة دراسة الدولة ومؤسساتها وترتيباتها القانونية والدستورية أو ما يؤثر فيها مقابل غياب المجتمعات العربية أو حتى الفواعل المجتمعية عن الاهتمامات البحثية. وأوضحت حمادة أن تغير أولوية بعض القضايا ارتبط بتغير التحديات التي ظهرت في الألفية الجديدة، والتي ارتبطت بدورها بأجندة بحثية غربية وأميركية بالأساس، مثل الكتابات عن التحول الديمقراطي التي تطورت بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 72. ولاحظت حمادة سيطرة المناهج الوصفية على معظم الكتابات وغياب الفهم النظري للظواهر في أطوارها المختلفة والتنبؤ بمستقبلها، فضلً عن غياب تطوير مناهج بديلة جديدة. وربطت حمادة بين مسألة المنهج ومسألة المفاهيم من حيث غياب الخطاب النقدي الذي يمكنه التمييز بين الجوانب العالمية للمفهوم وخبرته وسيرورته في بيئته المحلية  73.

من خلال إلقاء نظرة سريعة على الموضوعات محل الاهتمام لعلماء السياسة المصريين وفقًا لما نشُر في مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في أعداد الفترة 2021-2018، نجد أن من بين 83 دراسة لعلماء السياسة المصريين، تقع 17 دراسة منها فيما يمكن أن نطلق عليه المعنى الضيق للسياسة، حيث يجري التركيز على الدولة ومؤسساتها وسياستها الخارجية، والاستراتيجيات العسكرية والقضايا المتعلقة بالأمن، وجاءت الدراسات النظرية في المرتبة الثانية مثل دراسة سعاد محمد عن "حدود المنظور الواقعي كمدخل لتفسير الحروب الداخلية في دول الجنوب"، ودراسة أم ةرر أبو سمرة حول "منظور حضاري إسلامي في خريطة جديدة لحقل العلاقات الدولية"، ودراسة ابتسام حسين حول "الإسلامية والقومية في علاقتهما بالديمقراطية والأمن: مقاربة نظرية"، بينما جاءت دراسة واحدة عن المجتمع المدني ودوره في تعزيز المواطنة والمشاركة المجتمعية، واتخذت ثلاث دراسات الإرهاب موضوعًا لها مثل دراسة محمد أحمد مرسي عن "التنظيمات الإرهابية الجهادية: تحولات البنية التنظيمية وقدرة الدولة على المواجهة"، ودراسة سوزي رشاد حول "إشكالية العلاقة بين ظاهرة الإرهاب الجديد والإعلام الرقمي." أما دورية الاقتصاد وعلم السياسة Review of Economics and Political Science، فقد نشر أساتذة العلوم السياسية المصريون في الفترة 2021-2018 عشرين دراسة توزعت موضوعاتها كالتالي: خمس دراسات عن الولايات المتحدة الأميركية، وخمس دراسات نظرية مثل تلك الخاصة بتقديم إطار تفسيري عن أثر الهياكل الداخلية في السياسة الخارجية دون الوطنية Sub-national 74، وأخرى عن سلوك الدول الصغرى في ضوء نظريات العلاقات الدولية  75، وثلاث دراسات تتناول قضايا خاصة بمصر، ودراستان عن الربيع العربي، واثنتان عن الاتحاد الأوروبي واحدة منهما عن معضلة أمن الطاقة في أوروبا  76، ودراسة لكل من جنوب أفريقيا والسعودية وإيران. واحتلت دراسة المؤسسات الرسمية والانتخابات وتلك المتعلقة بالاستراتيجيات القومية الأمنية موقع الصدارة في هذه الدراسات، تليها قضية الإرهاب، ثم الربيع العربي. وركزت الدراسات المتعلقة بالربيع العربي على موضوعين: الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية لحد ما لفترة الثورات وتحسن الأوضاع المفترض بعد 2013 في

  1. 70  أمل حمادة ومحمد خالد، "عن ماذا يكتب علماء السياسة العرب: دراسة حالة لعلماء مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية السياسة في مصر 2000 - 2014، مج "، 22، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 2021)، ص.216-165
  2. 71  المرجع نفسه، ص.208-207
  3. 72  المرجع نفسه، ص.209-208
  4. Ayman El Dessouki, "Domestic Structures and sub-National Foreign Policy: An Explanatory Framework," Review of Economics and Political Science , vol. 3, no. 3/4 (December 2018), pp. 102-118.
  5. Abdelraouf Mostafa Galal, "External Behavior of Small States in Light of Theories of International Relations," Review of Economics and Political Science , vol. 5, no. 1 (January 2020), pp. 38-56.
  6. Ahmed Elbassoussy, "European Energy Security Dilemma: Major Challenges and Confrontation Strategies," Review of Economics and Political Science , vol. 4, no. 4 (August 2019), pp. 321-343.

مصر  77. وتعلق الموضوع الثاني بأداء بيروقراطية الدولة وبقائها بعد الثورات وخلال مراحل الانتقال  78. توضح هذه النظرة السرريعة لمجالات الاهتمامات البحثية أن علم السياسة في مصر عاد من نقطة بدايته، حيث التركيز على الأطر الرسمية في ظل بيئة سياسية تتسم بقدر كبير من انعدام الحرية وإغلاق المجال العام، وهي الملاحظة التي تتطابق بدرجة كبيرة مع نتائج الاستبيان. لقد غابت الرؤى المعيارية القيمية لصالح الانشغال بالواقع والتسليم له، مما يؤكد مرة أخرى ما ظهر في الاستبيان من سيطرة الاتجاه الوضعي على الجماعة البحثية في كلية الاقتصاد. وهي النتائج التي تؤشر بدرجة كبيرة على إمكانية اعتماد نموذج كلية الاقتصاد بوصفه عينة ممثلة لحالة الحقل في مصر بصورة عامة. وتلخص النتائج المستخلصة من الاستبيان والمساهمات البحثية جوهر الأزمة التي يمر بها الحقل في مصر. فالتعريف الضيق لعلم السياسة لم يعد صالحًا، فقد امتدت حدود الحقل وأصبحت أكثر اتساعًا وتنوعًا بما يسمح بظهور العديد من الموضوعات والاقترابات المؤهلة لتكون موضوعات سياسية وتستحق الانتباه من علماء السياسة. ويقيد الاقتصار على هذا الفهم للسياسة الانفتاح على العلوم الاجتماعية الأخرى ذات التنويعة الثرية من التقنيات والاقترابات  79.

خاتمة

لا شك في أن العلوم السياسية في مصر قد قطعت شوطًا كبيرًا من التقدم والتطور منذ نشأة التخصص داخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في ستينيات القرن العشرين، وكان هذا واضحًا في تطور المواد الدراسية المقررة وتنوعها خلال المراحل المختلفة التي سلطت الدراسة الضوء عليها. فقد تتبع الحقل التطورات الحادثة في أقسام العلوم السياسية في كبرى الجامعات الغربية وواكبها، وفي تتبعه هذا، ورث عنها مشكلاتها إضافة إلى مشكلاته الخاصة به. يتضح من الدراسة أن علم السياسة في مصر – إذا ما اعتبرنا حالة كلية الاقتصاد عينة معبرة عن واقع هذا الحقل الدراسي في مصر – يعاني على الأرجح أزمة مزدوجة، يتعلق شقها الأول بأزمة الحقل بصورة عامة، بينما يرتبط الشق الثاني بالواقع المصري تحديدًا. فمن ناحية، يتعرض الحقل لكثير من الانتقادات لقصوره في القيام بدوره في توقع مستقبل الظاهرة السياسية. كما أنه عرضة للعديد من الضغوط لتبرير قيمته في السوق عن طريق زيادة إنتاجه وإثبات تأثيره وأهميته بالنسبة إلى المجتمع تحت تأثير "الرأسمالية الأكاديمية" التي اتجهت إلى تسليع كل شيء بما في ذلك المعرفة. وقد تسبب التقليد السلوكي الضاربة جذوره في أعماق الحقل في جزء كبير من هذه المشكلة؛ فتحت دعاوى الحياد وفصل القيم عن الحقائق، انفصل علم السياسة عن واقعه السياسي وأصبح عاجزًا عن التمييز بين الجيد والرديء والخير والشر  80. أما ما يتعلق بالحالة المصرية، فلا يمكن الفصل بين البيئة السياسية التي نشأ وترعرع فيها علم السياسة وأزمته الحالية. وبالنظر إلى حالة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، نشأت الدراسة المستقلة للحقل تحت رعاية الدولة ولخدمتها، ولتوفير نخبة داعمة للسلطة لا متمردة عليها أو مستقلة عنها. وظلت هذه سمة ملاصقة للحقل في المراحل المختلفة. وتمثل هذه السمة واحدًا من الملامح الفارقة بين تطور علم السياسة في الغرب عنه في مصر، وغيرها من الدول العربية أيضًا. فقد تطور علم السياسة في الغرب ليعكس تطور المجتمعات الغربية وارتبط بواقعها، وانعكس ذلك على أجندة اهتماماته وموضوعاته وقضاياه  81. على العكس، فإن تطور علم السياسة في مصر ارتبط بالدولة وقضاياها واهتماماتها من ناحية، واتسم، من ناحية أخرى، بالتبعية الكبيرة لمسار تطور الحقل في الغرب وارتبط بالمدارس الفكرية والأيديولوجية نفسها في علم السياسة الغربي. وهكذا، لم تكن حكاية علم السياسة في مصر هي حكاية المجتمع المصري. يمكننا بناءً على ما تناولته هذه الدراسة حصر الأزمات والتحديات التي يواجهها علم السياسة في مصر في التالي:

الفهم السائد للسياسة

كشف الاستبيان الذي أجرته الدراسة، واستكشاف مجالات الاهتمامات البحثية عن تبني علماء السياسة في مصر تعريفًا للسياسة أقرب إلى الدولة منه إلى المجتمع، على الرغم من أن السياسة وجدت قبل أن تتطور وتظهر السلطة الرسمية أو المؤسسات السلطوية الرسمية. لا يتفق هذا الأمر مع التطورات الحادثة في الحقل على

  1. Doaa Salman Abdou & Zeinab Zaazou, "Arab Spring Future Challenges: Evidence from Egypt," Review of Economics and Political Science , vol. 3, no. 2 (September 2018), pp. 56-69.
  2. Abdulmonem Almashat & Salwa Thabet, "State Survival Bureaucracy (SSB): State Sustainability after Arab Revolutions," Review of Economics and Political Science , vol. 4, no. 2 (February 2019), pp. 105-119.
  3. Kris Deschouwer, "The Boundaries of Political Science in Europe," in: Thibaud Boncourt, Isabelle Engeli & Diego Garzia (eds.), Political Science in
  4. 79  صفار. 80  حمدي عبد الرحمن حسن، "التحولات المعرفية في علم السياسة: النظام المعرفي المسيطر النهضة، مج وأزمة ما بعد الحداثة"، مجلة 1، العدد 2 (كانون الثاني/ يناير 2000)، ص.74
  5. Europe: Achievements, Challenges, Prospects (London: Rowman & Littlefield International, 2020), pp. 318-319.

المستوى العالمي، حيث اتسع المقصود بالسياسي ليشمل العمليات والموضوعات التي من الممكن أن تصبح سياسية  82، ويقدم علم السياسة في مصر بدرجة أساسية بصفته منفصلً عن العلوم الأخرى، مع أن مسار تطور الحقل يتخذ توجهًا نحو العلوم الاجتماعية الأخرى مثل الأنثروبولوجيا والاجتماع والتخطيط العمراني... إلخ. تشمل الأمثلة على هذه التطورات ما يعرف بالمنعطف المرئي Visual Turn الذي يفتح العلوم السياسية على مدى واسع من الاقترابات المأخوذة من حقول متعددة، منها ما يتعلق بالمفاهيم وتقنيات الصورة والرمزية والمكان، وتلك التي تطورت في تاريخ الفن. وهكذا، يربط انفتاح علم السياسة على ذلك بدراسات سياسية للثقافة العامة  83. وكشفت لحظة الثورة بوضوح عن قصور هذا التصور وعدم انطباقه على الواقع وكذلك عدم قدرته على التعامل مع التغير الحادث بما يحمله من قضايا وفواعل جديدة. وعلى الرغم من أن ثورة 25 يناير فتحت الباب أمام مجالات جديدة للبحث لم تكن موضع اهتمام من قبل، وحررت أساتذة السياسة من كثير من القيود التي كانت مفروضة عليهم وبثّت روحًا جديدة في البحث السياسي، فإنه سرعان ما جرى الارتداد عن هذا التطور بصورة ملحوظة.

العلاقة بين القيم والواقع

كما سبق أن أوضحنا عبر الاستبيان، يسيطر التيار الوضعي السلوكي على علماء السياسة في مصر، كما هو الحال بدرجة كبيرة في الولايات المتحدة. تتضمن الأسس التي تقوم عليها السلوكية الفصل بين قيم الباحث والقضايا التي يدرسها. وقد كان هذا الأساس تحديدًا هو الأصل في انفصال علم السياسة عن مجتمعه والسبب في كثير من الانتقادات الموجهة إلى الحقل بصورة عامة. يتجلى هذا الأمر في الحالة المصرية في شكل أزمة أصالة، إذ يفتقد الحقل عمومًا الروح النقدية في التعامل مع المدارس والأطر والاقترابات الغربية، ولا يعكس الانتماء الثقافي والتاريخي المميز لمصر وللمنطقة بصورة عامة. أدى هذا بدوره إلى أزمة الوظيفة حيث "انحسار وظيفة علماء السياسة وتخليهم عن دورهم في التغيير للأفضل تحت دعوى حياد العلم" 84.

السياق

يعتبر تخصص العلوم السياسية من أكثر التخصصات حاجة إلى بيئة حرة، فطبيعة الموضوعات التي يدرسها لا يمكن تطورها في بيئة مقيدة للحريات. ولا يبدو أن هذا المناخ قد توافر لنمو علم السياسة في مصر في المراحل المختلفة. صحيح أن بعض الفترات اتسمت بقدر أكبر من الانفتاح النسبي مقارنة بغيرها، إلا أن السمة العامة كانت هي التقييد. وهو الأمر الذي كان له تأثيره في الابتعاد عن دراسة وتدريس كثير من القضايا الحساسة ذات الأثر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في المجتمع المصري، فضلً عما يخلقه هذا المناخ من حالة من الرقابة الذاتية. ففي العديد من الحالات، قد يفضل الأساتذة والمؤسسات الأكاديمية الابتعاد عن دراسة قضايا معينة تعد "إشكالية" أو تدريسها 85. ويرتبط السياق أيضًا بوضع "الجماعة العلمية" لأولئك المنتمين إلى حقل دراسي ما. وكما سبق أن أشرنا، ترتبط الجماعة العلمية بمجموعة من المتخصصين في مجال معين يشتركون في انتماء مؤسسي ما ومجموعة من المبادئ والأفكار والمفاهيم والنظريات وطرائق البحث التي يدرسونها لطلابهم. بالنسبة إلى الحالة المصرية، يتوافر الشق المؤسسي المتمثل في قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وثمة تيار رئيس بتصوراته عن السياسة وتوجهاته البحثية ومناهجه، إلا أنه لا يزال من الصعب القول إن هناك جماعة مصرية للعلوم السياسية لعدة أسباب أهمها: لم تطور هذه "الجماعة" أدوات منهجية ومفاهيم جديدة أو تقدم إضافات تتعلق بفلسفة العلم ومناهجه، فضلً عن عدم تناولها قضايا جديدة في حاجة إلى النقاش داخل المجتمع  86. ليس هناك إدراك - كما تبين من الاستبيان - لوجود هذه الجماعة، وهذا السبب هو الأهم. فكيف يمكن أن توجد جماعة دون أن تكون "متخيلة" Imagined أولً؟ ويبدو من بعض إجابات أفراد العينة ومن خلال تتبع التطور التاريخي للحقل في مصر أنه كانت هناك نواة لمدرسة مصرية تمثلت في أعمال حامد ربيع  ، لكنها لم تتبلور في شكل جماعة علوم سياسية مصرية.

  1. Terrell Carver, "'The Political' in the European Political Science," in:
  2. Ibid., p. 56  82
  3. 83  عبد الخبير محمود عطا محروس، "أزمة المدرسة المصرية والعربية في العلوم السياسية
  4. Boncourt, Engeli, & Garzia (eds.), p. 48.
  5. 85  حمادة ومحمد خالد، ص.208 عن كتابات حامد ربيع، ينظر: حامد ربيع،  86 مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي، تحرير وتعليق سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،)2007، الجزء الأول؛ تراث ربيع بين كفاحية العالم ومقتضيات المنهج: أعمال ندوة قسم العلوم السياسية القاهرة 30-29 يونية 2003 بعنوان احتفالية حامد ربيع، حسن نافعة وعمرو حمزاوي (محرران) (القاهرة: جامعة القاهرة - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،.)2004
  6. في تحديد مصادر وأسباب الصراعات والأزمات وسياسات المواجهة الأدوار والمحددات: الرؤية والرسالة - حتمية عملية الإصلاح العلمي للمقررات الدراسية: المنهجية والمضمون – الضرورات والمتطلبات"، ورقة مقدمة في مؤتمر "الصراعات والعنف في دول الجنوب: المفاهيم، المصادر والأسباب والآثار وسياسات المواجهة." جامعة أسيوط – كلية التجارة، أسيوط، آذار/ مارس 2008، ص.67 84  David Paternotte & Mieke Verloo, "Political Science at Risk in Europe: Frailness and the Study of Power," in: Boncourt, Engeli, & Garzia (eds.), p. 298.

ولعل السؤال الذي يجب أن يطرح على علماء السياسة في مصر هو: لماذا العلوم السياسية؟ ولمن؟ فمن شأن إجابات مختلفة عن تلك السائدة الآن أن تؤسس، كما قال ألكسندر دي توكفيل ل "علم سياسة جديد لفهم الأوقات الجديدة."

المراجع

العربية

أعمال مؤتمر مصر وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في عهد من التغيير 2010–1960. القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،.2010 أوتاوي، مارينا. "دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط: استعادة المصداقية." مؤسسة كارنيغي. شرح السياسات 60 https://bit.ly/3V4uJfL:). في 2008 (أيار/ مايو بزارة، عمر خروبي. "صدام الحضارات أم حوار الحضارات؟ دراسة مقارنة في جدلية الفكر الغربي والفكر الإسلامي." الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية. مج. 13 العدد 2 (تموز/ يوليو.)2021 تدريس العلوم السياسية في الجامعات المصرية: الواقع الراهن ومقترحات التطوير: أعمال المؤتمر العلمي الثالث لقسم العلوم السياسية: الإسكندرية 1-29 3 مايو 2002. أحمد الرشيدي (محرر.) سلسلة المؤتمرات العلمية.3 القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،.2003 تدريس العلوم السياسية في الوطن العربي. عبد المنعم سعيد (محرر.) القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية،.1990 تراث ربيع بين كفاحية العالم ومقتضيات المنهج: أعمال ندوة قسم العلوم السياسية القاهرة 30-29 يونية 2003 بعنوان احتفالية حامد ربيع. حسن نافعة وعمرو حمزاوي (محرران.) القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،.2004 تقويم محتوى المقررات الدراسية: أعمال المؤتمر العلمي لقسم العلوم السياسية الإسكندرية 5-3 مايو 2000. أحمد ثابت (محرر.) القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،.2000 حرب، أسامة الغزالي وعمرو هاشم ربيع. "مجالات البحث لدارسي العلوم السياسية في مصر: تحليل لمحتويات السياسة الدولية مجلة السياسة الدولية 1965(- 1990. العدد 100)". (نيسان/ أبريل.)1990 حسن، حمدي عبد الرحمن. "التحولات المعرفية في علم السياسة: النظام المعرفي المسيطر وأزمة ما بعد الحداثة." مجلة النهضة. مج 1. العدد 2 (كانون الثاني/ يناير.)2000

حمادة، أمل ومحمد خالد. "عن ماذا يكتب علماء السياسة العرب: دراسة حالة لعلماء السياسة في مصر 2000 - 2014." مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. مج 22. العدد 1 (كانون الثاني/ يناير.)2021 الحيالي، نزار عبد اللطيف ومحمد عبد المجيد. "لمحات حول تدريس العلوم السياسية في مصر وسبل تأسيس مدرسة عراقية للعلوم مجلة العلوم السياسية. العدد السياسية." 9–38.3 عدد خاص بالذكرى الخمسين لتدريس العلوم السياسية في العراق. ربيع، حامد. مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي. تحرير وتعليق سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007، الجزء الأول. السيد، مصطفى كامل. "دراسة السياسة المقارنة في الجامعات الم مجلة العلوم الاجتماعية. مج يررة." 25. العدد 1 (ربيع.)1997 العيسة، سفيان. "الاقتصاد السياسي للإصلاح في مصر: فهم دور المؤسسات." مؤسسة كارنيغي. أوراق كارنيغي. سلسلة الشرق الأوسط. العدد 5 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2007 محروس، عبد الخبير محمود عطا. "أزمة المدرسة المصرية والعربية في العلوم السياسية في تحديد مصادر وأسباب الصراعات والأزمات وسياسات المواجهة الأدوار والمحددات: الرؤية والرسالة - حتمية عملية الإصلاح العلمي للمقررات الدراسية: المنهجية والمضمون – الضرورات والمتطلبات." ورقة مقدمة في مؤتمر "الصراعات والعنف في دول الجنوب: المفاهيم، المصادر والأسباب والآثار وسياسات المواجهة." جامعة أسيوط، كلية التجارة. أسيوط. آذار/ مارس.2008 مرعي، إيمان. "التغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع المصري." مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. 2021/1/31. فh يttps://bit.ly/3EDhgnU: مسعد، نيفين. سنوات الحلم والريادة 1960 – 1980. ج 1: كتاب تذكاري بمناسبة الاحتفال بمرور ستين عامًا على تأسيس الكلية. القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،.2020 مصطفى، نادية. "قراءة في أعمال د. حامد ربيع عن العلاقات الدولية والسياسة الخارجية." مركز الحضارة للدراسات والبحوث. 2017/6/3 في https://bit.ly/3GJPA3A:. المنوفي، كمال. أصول النظم السياسية المقارنة. الكويت: شركة الربيعان للنشر والتوزيع،.1987 هلال، علي الدين. "الثورة المصرية وتأثيرها على البحث والتدريس النهضة. مج في العلوم السياسية." مجلة 12. العدد 2 (نيسان/ أبريل.)2011

الأجنبية

Almashat, Abdulmonem & Salwa Thabet. "State Survival Bureaucracy (SSB): State Sustainability after Arab Revolutions." Review of Economics and Political Science. vol. 4, no. 2 (February 2019). Boncourt, Thibaud, Isabelle Engeli & Diego Garzia (eds.). Political Science in Europe: Achievements, Challenges, Prospects. London: Rowman & Littlefield International, 2020. Catherine Odencrantz, Joana. "The University Depoliticized: Research and knowledge in an Authoritarian State." PhD. Dissertation. The University of Utah. Utah. 2012. El Dessouki, Ayman. "Domestic Structures and sub-National Foreign Policy: An Explanatory Framework." Review of Economics and Political Science. vol. 3, no. 3/4 (December 2018). Elbassoussy, Ahmed. "European Energy Security Dilemma: Major Challenges and Confrontation Strategies." Review of Economics and Political Science. vol. 4, no. 4 (August 2019). Hassan, Hamdy A. "The Development of Political Science in the Arab World: A Narrative." SSRN Electronic Journal (January 2009). Jacobs, Struan. "Scientific Community: Formulations and Critique of a Sociological Motif." The British Journal of Sociology. vol. 38, no. 2 (June 1987). Kuhn, Thomas. The Structure of Scientific Revolutions. 2 nd ed. Chicago: University of Chicago Press 1970.

Mostafa Galal, Abdelraouf. "External Behavior of Small States in Light of Theories of International Relations." Review of Economics and Political Science. vol. 5, no. 1 (January 2020). Salman Abdou, Doaa & Zeinab Zaazou. "Arab Spring Future Challenges: Evidence from Egypt." Review of Economics and Political Science. vol. 3, no. 2 (September 2018). Slaughter, Sheila & Gary Rhoades. Academic Capitalism and the New Economy: Markets, State, and Higher Education. Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 2004.