تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية: النشأة والتطور

Hassan Elhagali Ahmed حسن الحاج علي أحمد | ** Yasir Awad Abdalla ياسر عوض عبد الله |

الملخّص

ترك ز هذه الدراسة على تناول نشأة تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية وتطوره. وتبدأ بتأسيس جامعة الخرطوم التي تطوّرت من كلية غردون التذكارية المنشأة في عام 1902 بوصفها أقدم الجامعات السودانية، وأول جامعة يبدأ فيها تدريس العلوم السياسية. اتّبع قسم العلوم السياسية في الجامعة مناهج الجامعات البريطانية، متأثرًا بأهداف تأسيس كلية غردون التذكارية والارتباط بجامعة لندن قبيل الاستقلال وأوائل الأساتذة الذين درّسوا. كما تتناول الدراسة توسّ ع تدريس العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإس مااية والجامعات الأخرى. وتتطرق إلى التوجهات الفكرية التي أثّرت في تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية، والمناهج وطرق التأهيل المستخدمة وتطوّر المقررات، وتتعرّض لأثر السياسة والسياسات العامة في تدريسها. كلمات مفتاحية: تدريس العلوم السياسية، جامعة الخرطوم، كلية غردون التذكارية.

Keywords: Teaching Political Science, University of Khartoum, Gordon Memorial College.

Teaching Political Science in Sudanese Universities: Formation and Development

This study examines the foundations and development of teaching political science in Sudanese universities. It begins with the establishment of Gordon Memorial College in 1902 which became later the University of Khartoum. This is because it is the oldest Sudanese university, and the first to teach political science. Influenced by the objectives of the Gordon Memorial College formation, the attachment with the University of London before independence, and the early lecturers who taught there, the department of political science in the university adopted curricula pursued in British universities. In addition, the study discusses the expansion of political science to include Umdurman Islamic University and other universities. Moreover, it analyzes the intellectual perspectives that influenced the development of teaching political science in Sudanese universities, curricula development, means of training, and the impact of politics and policies on political science teaching.

مقدمة

تتناول هذه الدراسة تطوّر تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية. وتهتم، ابتداءً، بتطور التعليم العالي في السودان، خاصة تطور جامعة الخرطوم وتدريس العلوم السياسية فيها، على اعتبار أنها أقدم الجامعات السودانية، وقسم العلوم السياسية فيها هو أقدم الأقسام وله تأثير مهم في نشأة أقسام العلوم السياسية الأخرى وتطورها. تكمن أهمية التعرّض لنشأة جامعة الخرطوم في أنها تعكس الفلسفة من وراء إنشائها. وتتطرق الدراسة إلى التوجهات الفكرية التي أثّرت في تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية، والمناهج وطرق التأهيل المستخدمة وتطوّر المقررات، وتتناول أثر السياسة والسياسات العامة في تدريس العلوم السياسية، فمثل سائر المؤسسات العامة في السودان، تأثّرت الجامعات السودانية بتقلبات السياسة السودانية. وتتعرّض الدراسة للتحديات التي تجابه تعليم العلوم السياسية في الجامعات السودانية. ومن الجوانب المهمة في أثناء تحليل تطوّر تدريس العلوم السياسية في هذه الجامعات، النظر في وضع الدراسات العليا داخل أقسام العلوم السياسية، والتحديات التي تجابه الطلاب في هذا التخصص. تستخدم الدراسة منهجًا تاريخيًّا يمكّنها من تتبّع تطوّر تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية، مستندة إلى جمع البيانات من المقابلات والوثائق والتقارير والكتب. تنقسم الدراسة إلى سبعة أقسام، تتناول المواضيع التالية: أولً: تطوّر جامعة الخرطوم وتكوين قسم العلوم السياسية فيها. ثانيًا: التوسّع في تدريس العلوم السياسية في جامعات أخرى. ثالثًا: التحولات بعد التوسّع في التعليم العالي وأثر تلك السياسات في تدريس العلوم السياسية. رابعًا: استراتيجيات التعليم العالي وسياساته وأثرها في تدريس العلوم السياسية. خامسًا: واقع الدراسات العليا في العلوم السياسية. سادسًا: تأثير السياسة والحرية الأكاديمية وواقع الجودة. سابعًا: التحديات التي تجابه مستقبل تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية.

أولا: تطوّر جامعة الخرطوم

1. كلية غوردون: المرحلة الأولى

نشئت كلية غوردون التذكارية في عام أ 1902 تخليدًا لذكرى الجنرال تشارلز غوردون، حاكم السودان العامّ الذي عينته مصر، وقد اغتالته قوات الثورة المهدية عند فتح الخرطوم في كانون الثاني/ يناير 1886. كان على رأس أولويات الإدارة البريطانية الجديدة بقيادة اللورد كتشنر وضع برنامج للتعليم الحديث في البلاد، لذا وجّه اللورد نداءً للبريطانيين لجمع 100 ألف جنيه إسترليني لإنشاء كلية إحياءً لذكرى غوردون. تجاوزت التبرعات المبلغ المطلوب، إذ بلغت نحو 120 ألف جنيه إسترليني. كان الهدف من إنشاء كلية غوردون التذكارية، كما ذكر ريجينالد ونجت الذي خلف كتشنر في منصب الحاكم العام، التأثير في المجتمع السوداني من خلال تأهيل الطلاب الذين يلتحقون بها عبر التعليم الحديث. وقد ذكر مسؤول في الخارجية البريطانية أن الإدارة الاستعمارية في السودان تعتزم تجنّب الأخطاء التي ارتكبتها في التعليم في الهند بعدم اهتمامها ببناء الشخصية  1، لذا لم تكن كلية غوردون التذكارية مدرسة عادية، بل كانت مؤسسة ثقافية متعددة الجوانب 2. وقد تطوّرت الكلية التي أمدّت الإدارة البريطانية الجديدة في السودان بموظفين صغار للعمل فيها، فكانت مدرسة أولية بدأت في عام 1902 ضيفت إليها مدارس ثانوية في عام، ثم أ 1905، منها مدارس صناعية لتخريج مساعدي مهندسين وملاحظي أشغال عامة، ثم أُضيفت مدرستان لتدريب المعلمين والقضاة. لم يقتصر التدريس في تلك المرحلة على الطلاب السودانيين، بل شمل طلابًا مصريين وسوريين، ففي عام 1903 بلغ إجمالي عدد طلاب الكلية نحو 149 الباقون مصريون أو سوريون 3طالبًا، منهم 91 سودانيًا وال 58. في فترة لاحقة، تأسست مدارس مهنية عليا ارتبطت ابتداءً بإدارات نشئت مدرسة كتشنر الطبية في عام حكومية، فقد أ 1924، ثم مدرسة القانون في عام 1935. لكن أكبر تطوّر للكلية حدث عندما قدمت لجنة ديلاوير تقريرها للحاكم العام في عام 1937، الذي طلب فيه منها تقييم أوضاع كلية غوردون التذكارية والتعليم في السودان، وأوصى بالشروع في تأسيس التعليم فوق الثانوي في السودان، وترفيع كلية غوردون التذكارية إلى المستوى الجامعي. وافق مجلس الحاكم على توصية اللجنة 4العام في حزيران/ يونيو 1938، وشهد العام أُنفسه إنشاء مدرستَي البيطرة والزراعة. وفي عام 1939 سّست مدرستا الهندسة والعلوم، ثم مدرسة الآداب في عام 1940، وأخيرًا وُحّدت كل هذه المدارس تنظيميًا تحت اللجنة الاستشارية للمدارس العليا في عام 1942 5.

  1. Heather J. Sharkey, "Colonialism, Character‐building and the Culture of Nationalism in the Sudan, 1898–1956," The International Journal of the History of Sport , vol. 15, no. 1 (1998), p. 3.
  2. Ibid., p. 4.
  3. John S.R. Duncan, The Sudan: A Record of Achievement (Edinburgh/ London: William Blackwood & Sons Ltd., 1952), p. 112.
  4. Zain A. Ibrahim. A Hundred Years of the University of Khartoum 1902-2002: The Making of a University (Khartoum North: The University of Khartoum Printing Press, 2007), p. 30.
  5. Ibid., p. 37.

2. التحوّل التدريجي إلى الجامعة

في عام 1945، قدّمت لجنة السير سيريل آسكويث، التي كُلّفت بتقديم تقرير عن سياسات التعليم العالي في المستعمرات، توصيتين لتطوير التعليم العالي في المستعمرات البريطانية؛ الأولى إنشاء مجلس جامعي Council Inter-University لمساعدة الكليات الجامعية الجديدة، والثانية أن تقيم الكليات الجامعية في المستعمرات علاقة خاصة مع جامعة لندن لتساعدها في بلوغ مرحلة النضج الجامعي. وفقًا لذلك، أعدّت كلية غوردون "برنامجًا خاصًا" مع جامعة لندن في كانون الأول/ ديسمبر 1945، وغدت أول كلية في المستعمرات تنضمّ إلى المجلس الجامعي بعد إنشائه في عام 1946، تبعتها بعد ذلك كلية ويست أنديز في الكاريبي في عام 1947، وإبادان في نيجيريا في عام 1948، وساحل الذهب (غانا) في عام 1948، وماكاريري في أوغندا في عام 1949، وروديسيا في عام 1956، ونيروبي في عام 1961. طلب المجلس الجامعي في عام 1948 من الجامعات البريطانية الاعتراف بشهادة كلية غوردون، وقد استجاب عدد من الجامعات لذلك الطلب، منها درام وبيرمنغهام وإدنبره وبريستول وويلز. وبحلول عام 1951، انضمت مدرسة كيتشنر الطبية إلى كلية غوردون لتشكلّا "كلية الخرطوم الجامعية"، التي بلغ عدد طلابها نحو 500 طالب 6. وتأسيسًا على العلاقة الخاصة، بدأت جامعة لندن في عام 1951 تمنح شهادة البكالوريوس لخريجي كلية غوردون الذين أكملوا دراستهم في عام 1950، ولكلية الخرطوم الجامعية لاحقًا. استمرت العلاقة الخاصة مع جامعة لندن حتى عام 1958 7، ومع استقلال البلاد في عام 1956 رُفّعت الكلية الجامعية إلى جامعة الخرطوم.

3. تأسيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخرطوم

بعد عامين من قيام جامعة الخرطوم، أُنشئت فيها كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في عام 1958، بعد أن كانت مواد الاقتصاد والعلوم الاجتماعية تُدرَّس في كلية الآداب، وفي العام نفسه، عُيّ أول متخصص في العلوم السياسية في الكلية الجديدة في قسم الاقتصاد.، تأسس قسم العلوم السياسية، وترأّوفي عام 1960 سه الأستاذ المشارك بي. أس شارما من الهند، الذي تحصل على الدكتوراه من جامعة لندن، وازداد عدد الأساتذة المتخصصين في العلوم السياسية فبلغ ثلاثة في عام 19638. كان عدد الطلاب في جامعة الخرطوم قليلً في ذلك الوقت، إذ بلغ نحو 890 طالبًا في عام 1958، ومن ثم كان عدد طلاب كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية محدودًا كذلك، فقد بلغ في الدفعة الأولى للعام الدراسي /1958 1959 نحو 56 دارسًا، منهم 55 طالبًا وطالبة واحدة، ثم ارتفع العدد في العام الدراسي /1959 1960 إلى نحو 124 دارسًا، منهم 117 طالبًا و 7 طالبات 9، ولا يتوافر إحصاء عن الذين تخصصوا في العلوم السياسية. وقد كانت العلوم السياسية تدرَّس، قبل تأسيس كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، في قسم الاقتصاد بكلية الآداب، بداية من عام 1952، وذلك عبر مقررين في تخصص العلوم السياسية، هما النظرية السياسية والمؤسسات السياسية 10. أما التخصصات الأخرى في كلية الآداب فهي التاريخ واللغة العربية والفلسفة واللغة الإنكليزية والجغرافيا. وحتى بعد قيام كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، كان في إمكان طلاب كلية الآداب الانتقال إليها لدراسة العلوم السياسية بعد إكمال عام أو عامين. نسبة إلى عدم توافر عدد كاف من الأساتذة السودانيين المؤهلين للتدريس في جامعة الخرطوم في السنوات التي أعقبت تأسيس الجامعة، فقد اعتمدت على أساتذة غير سودانيين. ففي عام 1959 بلغ عدد أعضاء هيئة التدريس في الجامعة نحو 158 أستاذًا، منهم 54 سودانيًا، و 56 بريطانيًا، و 29 مصريًا، و 19 من جنسيات أخرى. وسارت كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية على المنوال نفسه، حيث بلغ عدد أعضاء هيئة التدريس فيها في عام 1959 - السنة الثانية بعد التأسيس - نحو 14 أستاذًا، منهم 3 سودانيين و 4 بريطانيين و 3 مصريين و 4 من جنسيات أخرى 11. بدأ القسم في التوسع في التخصصات التي يغطّيها، حيث أُضيف تخصصَا الإدارة العامة والعلاقات الدولية في عام 1963، غير أن أكبر عندما ترأ تطوّر حدث في قسم العلوم السياسية كان في عام 1965 سه مدثر عبد الرحيم الذي عاد من جامعة مانشستر، حيث كان يعمل محاضرًا، ليصبح أول سوداني يترأس القسم. وأُضيفت في العام ذاته تخصصات السياسة الأفريقية، وسياسة الشرق الأوسط، والدراسات الاستراتيجية، والفكر السياسي الإسلامي، والمؤسسات السياسية. استمرت سياسة الاستعانة بأساتذة غير سودانيين في القسم حتى نهاية السبعينيات. ففي دليل القسم الصادر في عام 1966 وردت

  1. British Information Services, The Sudan 1899-1953 (New York: Central Office of Information, 1953).
  2. Ibrahim, pp. 40-44.
  3. Dept. of Political Science, Political Science at Khartoum (1966), p. 5.
  4. M.O. Beshir, "Some Problems of University Education in the Sudan," Comparative Education Review , vol. 5, no. 1 (June 1961), p. 51.
  5. 10  في مقابلة مع مدثر عبد الرحيم، أول سوداني ترأس قسم العلوم السياسية في جامعة الخرطوم، أشار إلى أن سعد الدين فوزي كان يدرّس المقررين، مع أن تخصصه كان في الاقتصاد، وقد أصبح فوزي لاحقًا أول عميد لكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية عند تأسيسها عام 1958. مدثر عبد الرحيم، مقابلة شخصية، السودان، 2020/8/15.
  6. Beshir, p. 53.

أسماء أعضاء هيئة التدريس في القسم وبلغ عددهم عشرة أساتذة منهم 3 سودانيين و 3 بريطانيين وأربعة من جنسيات أخرى 12.

أمضى البريطانيون وقتًا أكبر في التدريس في القسم؛ فقد ظل فيه بيتر وودورد نحو ثلاث سنوات، من 1968 حتى 1971، وانضم بعد ذلك إلى جامعة ريدينغ متخصصًا في الشأن السوداني، وأمضى فيه تيم نبلوك الذي جاء إلى قسم العلوم السياسية من جامعة ريدينغ، نحو ثماني سنوات، من 1969 حتى 1977، والتحق بعد ذلك بجامعة إكستر نائبًا لمدير مركز دراسات الخليج العربي في الجامعة. وأثّر هذا الارتباط الوثيق بالجامعات البريطانية في القسم في بعدين: يتمثل أولهما في اتباع النظام البريطاني في المناهج وطريقة التقييم ومسميات الشهادات، كما سيأتي تفصيله لاحقًا، أما ثانيهما فيتمثل في إضفاء تميّز أكاديمي أعطى القسم سمعة جيدة، وجعل انتقال أعضاء هيئة التدريس بين جامعة الخرطوم، في ذلك الوقت، والجامعات البريطانية أمرًا متيسررًا. اتّبع القسم المنهجَ البريطاني الذي كان سائدًا في الجامعات البريطانية في ذلك الوقت. وبأخذ عيّنة من الكتب الدراسية المقررة على الطلاب في مادتين في العام الدراسي /1966 1967، تظهر كتب في مادة السياسة المقارنة مثل الأحزاب السياسية البريطانية لروبرت ماكينزي، و مقدمة لإجراءات مجلس العموم McKenzie R.T. للورد كامبيون، و نظرية وممارسة الحكومات الحديثة Lord Campion لهيرمان فاينر Finer Herman. وفي مادة الإدارة العامة المقارنة، توجد كتب الإدارة المركزية في بريطانيا لماكينزي MACKENZIE W.J.M. وغروف GROVE J.W.، و الخدمة العامة العليا لكمونولث أستراليا لهوارد سكارو Scarrow A. Howard. ويعكس وجود هذه الكتب الدراسية ضمن المقررات أن دارسها، بعد تخرجه، يتوافر لديه إلمام عام بالنظام السياسي والإداري البريطاني، ويحيط بصورة تفصيلية بهذا النظام كما يدرَّس في الجامعات البريطانية. حاول أول رئيس قسم سوداني، الذي كان متأثرًا بمرجعيته الفكرية، أن يدخل مقررًا جديدًا لم يكن يدرّس في الجامعات البريطانية، فقد ذكر أنه خطط لإدخال مقرر الفكر السياسي الإسلامي، واتصل في هذا الخصوص بقسم العلوم السياسية في جامعتَي القاهرة والجامعة الأميركية في بيروت، فلم يجد مثل هذا المقرر في منهجيهما، بينما كان القسم في جامعة القاهرة يدرّس مقرر نظم إسلامية. استشار رئيس القسم ألبرت حوراني، الذي كان يدرّس تاريخ الشرق الأوسط الحديث في جامعة أكسفورد، فنصحه باستقطاب أكاديمي لأداء هذه المهمة. وكانت النتيجة التعاقد مع حامد عنايت لذلك الغرض 13، الذي التحق بالقسم عامًا أكاديميًا واحدًا، /1965 1966، ليدرّس مقرر الفكر الإسلامي، عاد بعده إلى جامعة طهران ثم التحق في عام 1980 بجامعة أكسفورد  14. إذا افترضنا أن السياسة بوصفها علمً تهتم بتطورها المعرفي، وعلاقة هذا المعرفي بالواقع الذي هو مادته الدراسية، فيجب النظر، عند تناول تاريخ تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية، إلى التوجهات والتحولات النظرية التي واكبت مسيرة تطورها، وارتباط هذه التحولات بالواقع السياسي السوداني وتحولاته. ولا يستجيب هذا فقط للسؤال التأسيسي: هل العلم من أجل العلم، أو من أجل الحياة؟ أو إلى التعريف الإغريقي للسياسة باعتبارها علم/ فن البحث عن الفضيلة، بل هو بحث في العلاقة الديناميكية بين العلوم السياسية بوصفها تخصصًا معرفيًا، والسياسة في الواقع، أو التفاعل بين العلمية Sceintificity والاستجابة Relevance لسياقات الواقع. تبعًا لما ذُكر، يمكن القول إن تاريخ إنشاء العلوم السياسية وتدريسها في السودان ظلّ، منذ البداية، مرتبطًا بالسياسة السودانية وتحولاتها، وذلك إذا لم نقتصر على إنشاء الكلية التي تُدرس فيها (كلية الدراسات

  1. 12  شملت الجنسيات الأخرى: أميركا والهند وباكستان وإيران.
  2. 13  عبد الرحيم.
  3. 14  ألّف حامد عنايت وترجم العديد من الكتب، من أشهرها: Hamid Enayat, Modern Islamic Political thought (Austin: University of Texas Press, 1982).

الاقتصادية والاجتماعية بجامعة الخرطوم) مث لً هنا، بل نذكر إنشاء جامعة الخرطوم نفسها. ففكرة إنشاء الجامعة، كما سبقت الإشارة، تعود إلى إحياء ذكرى الجنرال غوردون الذي اغتاله أنصار الإمام المهدي، الذي قاد الثورة ضد الحكم التركي المصري، في سرايا الحاكم العام، وهي إشارة لا تحتاج إلى توضيح. حُددت مهمة كلية غوردون التذكارية في البداية في تخريج فنيين وموظفين وكتبة ليعملوا في الرتب الدنيا من الخدمة المدنية في إطار الحكم الاستعماري غير المباشر في السودان، وقد نشأت كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، كما أسلفنا، من رحم كلية الآداب. وهذا ما يفسرر الطبيعة التعددية Multi-Disciplinary والفلسفية وسيادة المنهج التاريخي في بداية تدريس العلوم السياسية فيها. نشئت الكلية في عام وقد أ 1958 بعد عامين من استقلال السودان، الذي عُرف بأنه استقلال سياسي لم يصحبه استقلال اقتصادي  15. ويرى الكرسني أن المؤسّسين استشعروا الحاجة إلى إضافة البعد الاقتصادي لاستقلال البلاد السياسي. ويضيف أن إنشاء الكلية تزامن مع زيادة تأثير أفكار "الجمعية الفابية"، بنظرتها الاشتراكية والعمل على الإصلاح التدريجي في أوساط المثقفين السودانيين وفي الحكومة البريطانية آنذاك على حد سواء  16. تتضح العلاقة بين العلوم السياسية والسياسة السودانية أكثر إذا ما نظرنا إلى مراحل تطور تدريس العلوم السياسية في قسم العلوم السياسية بجامعة الخرطوم التي حددها الكرسني بثلاث مراحل  17؛ المرحلة الأولى (النشأة -1972)، وقد ركزت فيها المقررات الدراسية على تخريج موظفي الخدمة المدنية وخاصة في الحكومات المحلية، وهي المرحلة التي ظهر فيها أول برنامج للدراسات فوق الجامعية، برنامج دبلوم الإدارة العامة. والمرحلة الثانية 1984-1972()، هي المرحلة التي أُجري فيها الإصلاح الأكاديمي الأول للمواد الدراسية، والذي حمل في طيّاته التحولات التي حدثت في السياسة السودانية وفق حكومة جعفر نميري 1985–1969() وتوجّهها نحو المعسكر الاشتراكي حينها. فكما أُدخلت دراسات السياسة في أفريقيا والشرق الأوسط والفكر السياسي الإسلامي في بداية الستينيات، فقد أُدخلت دراسات مدارس الفكر الاشتراكي وساد منهج الاقتصاد السياسي في التدريس والبحوث في هذه المرحلة. أما المرحلة الثالثة 2019–1984() فشهدت تعريب تدريس العلوم السياسية وفقًا لثورة التعليم العالي التي انتهجتها حكومة الإنقاذ الوطني.

ثانيًا: التوسّ ع في تدريس العلوم السياسية

1. العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية

بدأ تدريس العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية، وتحديدًا في قسم العلوم السياسية والإدارية في كلية العلوم الاجتماعية، في عام 1973، لتكون بذلك ثاني جامعة سودانية تهتم بتدريس هذا التخصص، وقد كان الطلاب يدرسون العام الأول دراسة عامة، ثم يتخصصون في دراسة العلوم السياسية والإدارية من السنة الثانية. تأثر القسم، بحكم نشأته، بالمنهج المصري. فقد كان جلّ أعضاء هيئة التدريس في السنوات الأولى من الأساتذة المصريين، ومنهم أسماء معروفة، مثل محمد طه بدوي، الرئيس الأسبق لقسم العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، وسليمان الطماوي، العميد الأسبق لكلية الحقوق في جامعة عين شمس. كما كان بالكلية والجامعة علماء مشهورون، مثل علي عبد الواحد وافي، والشيخ محمد أبو زهرة. وزارها لتقديم محاضرات مفكرون معروفون، مثل المفكر الجزائري مالك بن نبي. كان هناك وجود محدود لأساتذة سودانيين، مثل الهادي عبد الصمد، وعابدين سلامة، وأحمد عثمان الحاج 18، وكان التدريس باللغة العربية. واتساقًا مع قلة عدد الطلاب الذين يدرسون في الجامعات السودانية في تلك الفترة، كان عدد المتخرجين في الدفعة الأولى للقسم نحو أحد عشر طالبًا  19. لاحقًا، "تسودنت" رئاسة القسم حين أصبح إبراهيم البشير الكباشي أول رئيس سوداني للقسم في عام 1984. على الرغم من تشابه أسماء عدد من مقررات العلوم السياسية التي تدرّس في القسم مع تلك التي تدرّس في جامعة الخرطوم، فإن فلسفة الجامعة الإسلامية قامت على تدريس العلوم السياسية من رؤية إسلامية. وتميّز القسم بتدريس مقررات مرتبطة بالتراث السياسي الإسلامي، مثل النظم الإسلامية والعلاقات الدولية في الإسلام، إضافة

  1. 15  تجدر الإشارة هنا إلى الشعار الذي ساد حينها "تحرير لا تعمير."
  2. 16  عوض السيد السعيد الكرسني، "تجربة تدريس العلوم السياسية بالجامعات
  3. 17  المرجع نفسه، ص.271-255 18  أحمد مجذوب أحمد (من طلاب الدفعة الأولى التي درست العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية)، مقابلة عبر الهاتف،.2021/5/19
  4. السودانية: دراسة حالة جامعة الخرطوم، أم درمان الإسلامية والزعيم الأزهري" في: عمرو حمزاوي، خبرات تدريس العلوم السياسية في العالم العربي: تحديات المنهج العلمي والدور المجتمعي (القاهرة: جامعة القاهرة، 2004)، ص.340–250
  5. 19  إبراهيم البشير الكباشي (من طلاب الدفعة الأولى للقسم، وأول رئيس لقسم العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية)، مقابلة عبر الهاتف،.2021/5/20

إلى الفكر السياسي الإسلامي. اختلفت كذلك الكتب الدراسية المقررة في الجامعتين، فبينما اعتمد القسم في الجامعة الإسلامية بصورة رئيسة على الكتب المصرية، غلب على قسم جامعة الخرطوم التركيز على الكتب الإنكليزية. وبحكم التوجّه العام للجامعة الإسلامية، كان على الطلاب أن يدرسوا، إضافة إلى حفظ القرآن، مقررات في الشريعة والدراسات الإسلامية مثل مقاصد الشريعة والسيرة. وابتعث القسم عددًا من خريجيه للتخصص في الولايات المتحدة الأميركية. في عام 1990، تأسست كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية، وأصبح قسم العلوم السياسية جزءًا منها  20، ثم تغيّ اسم الكلية في عام 1991 إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، تأثرًا بالمسمى المصري الذي أخذت به بعض الجامعات العربية. وتميزت الجامعة الإسلامية بالفصل بين الجنسين في الدراسة، حيث تدرّس الطالبات في قاعات منفصلة عن الطلاب الذكور، ثم بدأ القسم برنامجًا للدراسات العليا في عام 1984، حيث أُنشئ برنامجَا الدبلوم العالي والماجستير في العلوم السياسية.

2. العلوم السياسية في جامعة جوبا

تعدّ جامعة جوبا ثالث جامعة افتتحت تدريس العلوم السياسية في السودان قبل انفصال الجنوب، وقد صدر قانون تأسيس الجامعة في عام 1975 ليكون مقرها في مدينة جوبا في جنوب السودان، وبدأ القبول فيها في عام 1977 في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وتأسس قسم العلوم السياسية في الكلية في عام 1979، وترأسه عبد الماجد علي بوب، وكان أعضاء هيئة التدريس خليطًا من سودانيين وبريطانيين ومصريين منهم حلمي الشعراوي. كانت خطة مؤسّس الجامعة، السماني عبد الله يعقوب، أن تخرّج الجامعة طلابًا بشهادات وسيطة Intermediate، غير أن الخطة تغيّ ت تحت ضغط الطلاب ليتخرجوا بشهادات بكالوريوس كاملة. كان طلاب جامعة جوبا في سنوات التأسيس الأولى بكلياتها الثلاث: الموارد الطبيعية والدراسات البيئية، والاقتصاد، والتربية يدرسون – بمن فيهم طلاب العلوم السياسية – مقررات مشتركة مثل الجيولوجيا وعلم النبات والتفاضل والتكامل والاقتصاد. وكان عليهم أن يدرسوا مقررًا عن تاريخ السودان وسياسته يحمل اسم Course Foundation Sudan. ويبدأ التخصص في العلوم السياسية في السنة الثالثة. تأثّر قسم العلوم السياسية في الجامعة بالجامعات البريطانية، وعكَس ذلك المقررات التي تدرّس، وعضوية هيئة التدريس والتمويل المقدَّر من مؤسسات أوروبية مانحة. تخرّجت دفعة قسم العلوم السياسية الأولى في عام 1981 وتكوّنت من ثلاثة طلاب فقط  21. وفي عام 1986 انتقلت جامعة جوبا بسبب اندلاع الحرب في جنوب السودان إلى الشمال، واستقرت في العاصمة الخرطوم، ثم عادت إلى جنوب السودان بعد انفصاله في عام 2011، وقد شكّل معظم الطلاب والأساتذة من شمال السودان، الذين استمروا في مرافق الجامعة في العاصمة السودانية، جامعة بحري التي تأسست في تموز/ يوليو 2011، واستمر قسم العلوم السياسية في العمل تحت اسم الجامعة الجديدة التي اتخذت من مدينة الخرطوم بحري مقرًا لها.

ثًالث ا: التوسّ ع في التعليم العالي وآثاره

كان انقلاب 1989 من أهم الأحداث السودانية التي أثّرت في مجال التعليم العالي في البلاد وفي تدريس العلوم السياسية، فقد أطلقت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ما سُمّي ب "ثورة التعليم العالي." وهي سياسة كان الغرض منها التوسّع في التعليم العالي وتعريبه وتأصيله، وفي إطارها عُقد مؤتمر تمخّض عنه قانون التعليم العالي لسنة 1990 22. وردت الاستراتيجية الخاصة بالتعليم العالي أولً في الاستراتيجية القومية الشاملة 2002-1992() التي وضعت

  1. 20  حسن علي الساعوري (أول عميد لكلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية في جامعة أم درمان الإسلامية)، مقابلة عبر الهاتف،.2021/5/11
  2. 21  فائز عمر جامع (الأستاذ في جامعة بحري، من طلاب الدفعة الأولى في قسم العلوم السياسية في جوبا)، مقابلة عبر الهاتف،.2021/5/21
  3. Gamal Gasim, "Reflecting on Sudan's Higher Education Revolution under Al-Bashir's Regime," Journal of Comparative & International Higher Education , vol. 2 (2010), p. 50.

أهدافًا للتعليم العالي، من أهمها: ربطه بأهداف التنمية القائمة على الأصالة والسمو الخلقي والرقي الاجتماعي، شمل ذلك إعادة صياغة المناهج بما يجعلها تتوافق مع توجهات الدولة في مجالات الاقتصاد والاجتماع وغيرها، وتأصيل الثقافة والعلوم، ورفض التغريب، وجعل اللغة العربية هي الأصل في التدريس  23. وفي إطار سياسة التوسّع في التعليم العالي، أُنشئت نحو عشرين جامعة حكومية جديدة في مختلف أرجاء البلاد، وشهد التعليم العالي الخاص توسّعًا، فافتُتحت أربعون كلية وجامعة خاصة بحلول عام 2005. وقفز عدد طلاب التعليم العالي من 23385 طالبًا في بداية التسعينيات إلى 290640 في عام 2006. لكن لم يصاحب هذا التوسّع الهائل والسرريع توسّع مماثل في تأهيل أعضاء هيئة التدريس، فنجم عنه زيادة في العبء التدريسي لعضوية الهيئة  24. ونتيجة لسياسة التعليم العالي الجديدة، فرضت الوزارة تدريس مقررات إلزامية في كل الكليات (عُرفت بمطلوبات الجامعة)، وهي الدراسات الإسلامية واللغة العربية واللغة الإنكليزية والدراسات السودانية. وقد أُلغيت هذه المطلوبات في عام 2021. نتيجة للتوسع في إنشاء جامعات جديدة وزيادة عدد الطلاب المقبولين، توسّع كذلك تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية، ففي جامعة النيلين أُنشئ قسم العلوم السياسية في كلية التجارة بالجامعة بعد "سودنتها" وتغيير اسمها من جامعة القاهرة فرع الخرطوم في عام 1993. وقد تخرجت أول دفعة في تخصص العلوم السياسية في عام 1996. استمر القسم في كلية التجارة والدراسات الاقتصادية والاجتماعية حتى عام 2013 حيث قُسمت الكلية كليتين؛ هما كلية التجارة، وكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وأصبح قسم العلوم السياسية جزءًا من الكلية الأخيرة. يقدم القسم برامج البكالوريوس وبرامج دراسات عليا تشمل الدبلوم فوق الجامعي والماجستير والدكتوراه. تأسّست أيضًا أقسام جديدة للعلوم السياسية في جامعات القضارف، والجزيرة، وغرب كردفان، ودنقلا، وجامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم (في مدينة ود مدني) وجامعة القرآن الكريم (في أم درمان)، وكذلك في جامعة البحر الأحمر، وجامعة أفريقيا العالمية. أما في جامعة الزعيم الأزهري، فقد تأسست كلية العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية في عام 1994، لتكون بذلك أول كلية تتخصص في تدريس الدراسات الاستراتيجية على مستوى البكالوريوس في العالم العربي، وفي الكلية تخصصان هما العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية. توسّع تدريس العلوم السياسية ليشمل بعض الجامعات والكليات الخاصة، لكن بتركيز على دراسة العلاقات الدولية والدبلوماسية والاستراتيجية بناء على متطلبات سوق العمل ورغبة الطلاب. ففي جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، تأسس قسم العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية في عام 2008 ضمن كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويتخصص الطلاب من السنة الثالثة بعد دراستهم مقررات مشتركة مع بقية طلاب الكلية مدة عامين  25. أما في الجامعة الوطنية فقد أُنشئت كلية العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية. ومع وجود مقررات في العلوم السياسية، ظلّ التركيز على مواد العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية مثل الدبلوماسية الأفريقية والدبلوماسية الثقافية. ويتميّز برنامج الكلية بوجود مقررات تتناول قضايا معاصرة يقلّ تدريسها على مستوى البكالوريوس في الأقسام الأخرى، مثل النوع والعلاقات الدولية، والسياسة البيئية الدولية، والهجرة الدولية وقضايا اللاجئين. تدرّس المقررات في الجامعتين باللغة الإنكليزية. أما كلية الصفوة للعلوم والتقانة فسارت على ذات نهج الجامعات الخاصة، فأسّست برنامجًا حمل اسم "إدارة المنظمات الدولية والدبلوماسية" مستهدفةً جذب شريحة من الطلاب تهدف للعمل في المنظمات الدولية، وتميّز البرنامج بمقررات ذات طبيعة عملية مثل إدارة المعسكرات، وبروتوكول السلوك الراقي، والقيادة وكتابة التقارير. تتركّز معظم مؤسسات التعليم العالي في ولاية الخرطوم، وقد ذكرت وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي أن "عدد مؤسسات التعليم العالي في ولاية الخرطوم حوالي 90، 8 منها جامعات حكومية، و 17 جامعة خاصة، أهلية وأجنبية، و 65 كلية خاصة، أهلية وأجنبية[...] وأن عدد طلاب وطالبات هذه المؤسسات حوالي "575.719 26. لهذا السبب فإن جلّ أقسام العلوم السياسية والعلاقات الدولية موجودة في ولاية الخرطوم، حيث توجد أربعة أقسام في جامعات الولايات الأخرى من جملة الأقسام البالغة 14 قسمً في الجامعات الحكومية والخاصة.

  1. 23   الاستراتيجية القومية الشاملة (الخرطوم: مركز الدراسات الاستراتيجية،)1992،
  2. Yasin Abdalla Eltayeb Elhadary, "The Higher Education 'Revolution' in
  3. ص.82-81
  4. Sudan and its Impact on Research in Higher Education Institutions," Bulletin of Higher Education Research , no. 16 (December 2010), p. 10. 25  محمد أحمد مختار (الأستاذ بالقسم في جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا)، مقابلة عبر الهاتف،.2021/5/11 26   " وزيرة التعليم العالي: عدد الطلاب والطالبات بالخرطوم 575.719'' والتخطيط مهم"، المواكب، 2020/4/14، شوهد في 2022/12/22، في: https://bit.ly/3lWPo8R

رابعًا: أثر الاستراتيجيات والسياسات الرسمية

يضطلع المجلس القومي للتعليم العالي، الذي يرأسه وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بمهمة وضع سياسات التعليم العالي والبحث العلمي، بينما تتولى الوزارة الجانب التنفيذي، وضمن المجلس لجان فنية متخصصة تشكل الجهات الاستشارية له وتقر قيام المؤسسات والبرامج التعليمية الجديدة، كما يضمن المجلس تمثيل الجامعات والكليات والمؤسسات الحكومية ذات الصلة وأصحاب المصلحة بطرق مختلفة داخله. تركز استراتيجية التعليم العالي والبحث العلمي في السودان 2030-2020() على تطوير القطاع في ظل أوضاع متغيرة، وتهتم بمتطلبات سوق العمل واحتياجات البلاد التنموية. ولهذه الاستراتيجية تأثير مهم في تدريس العلوم السياسية على مستوى الجامعات في السودان، فقد أشارت الاستراتيجية إلى "تغيير نسب القبول بين العلوم الإنسانية والأعمال والتجارة والعلوم والهندسة والتقانة من النسبة الحالية خلال العشر سنوات القادمة، لتنحاز للبرامج المهنية والتقانية" 27. ويعكس هذا الهدف التوجه إلى زيادة عدد الخريجين من حملة شهادة عام أو عامين والدبلومات التقانية الوسيطة، ما يعني تخصيص الموارد بعيدًا عن العلوم الإنسانية، وسيكون لهذا التوجه آثار سلبية في تخصص العلوم السياسية. تتولى الوزارة اعتماد الكليات والأقسام والبرامج الجديدة، إذ تُعرض مشاريع الأقسام الجديدة للعلوم السياسية على لجنة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التابعة للمجلس القومي للتعليم العالي، فتشكل لجانًا فنية فرعية للنظر في البرامج الدراسية، بما في ذلك الهيئة التدريسية والمرافق ومعينات التدريس، ثم توصي تلك اللجان بالموافقة أو عدمها على قيام البرامج الجديدة. وضعت اللجنة نموذجًا تهتدي به الكليات التي تودّ إنشاء برامج جديدة في العلوم السياسية، سُمّي "الإطار النموذجي الموحد لتخصص العلوم السياسية"، يحتوي الإطار النموذجي أهدافًا عامة ومخرجات التعليم، وتشمل المهارات المعرفية والمهارات الإعدادية والمهارات التطبيقية، واشتمل الإطار على ثلاثة مطلوبات: أولها مطلوبات الجامعة (قبل إلغائها عام 2021) وعددها 20 ساعة معتمدة، ومطلوبات الكلية، وعددها 16 ساعة معتمدة، ومطلوبات التخصص في العلوم السياسية، وعددها 84 ساعة معتمدة، ومطلوبات التخصص الاختيارية وعددها 25 ساعة معتمدة. وأشار الإطار النموذجي إلى أن درجة الشرف تحدد بعدد الساعات المعتمدة وليست بعدد السنوات. وحددت الكلية النموذج – وهو نموذج وضعته اللجنة لكليات الدراسات الاقتصادية والاجتماعية – ساعات الشرف بألا تتجاوز 174 ساعة.

سياسة القبول

هناك سياسات قبول مختلفة للجامعات الحكومية في السودان نجمت عن مشاكل التمويل وضعف تمثيل بعض المناطق الجغرافية في البلاد، فإضافة إلى شروط القبول العام، يوجد القبول الخاص الذي يتيح للطلاب الدراسة على نفقتهم الخاصة، مقابل قبولهم بنسبة تقل بنحو 10 في المئة عن نسبة القبول العام. كما يوجد قبول طلاب الولايات الأقل نموًا بنسبة تقل بنحو 10 في المئة عن نسبة القبول العام، وخُصّص نصف مقاعد الجامعات الحكومية في تلك الولايات لهم. يضاف إلى ذلك قبول أبناء دارفور، الإقليم المتأثر بالحرب، وفق اتفاقيات سلام أبوجا والدوحة وجوبا، حيث يُقبل أبناء الإقليم بنسب تقلّ بنحو 10 في المئة من نسب القبول العام، كما يجرى تمييزهم إيجابيًا في القبول في بعض الكليات. درجت بعض الجامعات على قبول الطلاب مباشرة للتخصصات في كليات مختلفة حتى عام 2020، فجامعة النيلين والجزيرة على سبيل المثال كانتا تقبلان الطلاب مباشرة في أقسام العلوم السياسية عند تقديمهم للقبول في الجامعات، بينما عملت جامعات أخرى، مثل جامعة الخرطوم، على توزيع الطلاب على تخصص العلوم السياسية بعد إكمال العامين الأولين، وفيها يخيّ الطالب أخذ تخصص آخر بعد السنة الثانية للدراسة حتى السنة الرابعة ليتخرّج بتخصصين مثل سياسة/ اقتصاد، أو سياسة/ اجتماع، أو سياسة/ إحصاء. وإذا رغب الطالب في المواصلة في دراسة السنة الخامسة – درجة الشرف، فإنه يتخصص في العلوم السياسية في هذا العام، وعليه أن يختار تخصصًا فرعيًا في النظرية السياسية، أو العلاقات الدولية، أو دراسة المناطق، أو الإدارة العامة. وتتفاوت الجامعات في عدد الساعات التي يقضيها الطالب في الدراسة العامة في الكلية قبل التخصص في العلوم السياسية.

خامسًا: واقع الدراسات العليا في التخصص

أُطلقت برامج الدراسات العليا في قسم العلوم السياسية في جامعة الخرطوم في العام الأكاديمي /1966 1967، حيث طُرح دبلومان عاليان؛ الأول في الإدارة العامة، والثاني في العلاقات الدولية، كما فُتح الباب لتسجيل الطلاب الراغبين في التحضير لدرجتَي الماجستير

  1. 27  لمزيد من التفاصيل حول هذه الاستراتيجية ينظر: "استراتيجية التعليم العالي والبحث العلمي في السودان 2030-2020"، صفحة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، السودان، فيسبوك، 2020/8/19، شوهد في 2022/12/22، في: https://bit.ly/3knOTnN

والدكتوراه. يشير دليل الدبلوميَن إلى أن البرنامجين صُممّا ليفيا بحاجة الحكومة التي ترغب في وجود برامج قصيرة ومكثّفة لتأهيل العاملين في مرافقها الإدارية والدبلوماسية. لذا فإن فترة الدبلومين كانت عامًا واحدًا، ومتطلبات القبول في أيٍّ منهما الحصول على درجة بكالوريوس من جامعة الخرطوم أو ما يعادلها من دون اشتراط نسبة أو معدل بعينه. وقد جرت تقاليد الجامعة في ذلك الوقت على تأهيل أعضاء هيئة التدريس في جامعات خارج السودان، وعندما ساءت علاقات البلاد الخارجية مع الدول الغربية، تراجعت فرص التأهيل والمنح التي كانت تُقدَّم للجامعات الحكومية السودانية. مع التوسّع الكبير في برامج الدراسات العليا في عدد من أقسام العلوم السياسية (والدراسات الاجتماعية بصورة عامة)، وبدء بعض أقسام العلوم السياسية الصغيرة والحديثة التكوين في تقديم برامج دراسات عليا، ثار نقاش حول جودة هذه البرامج. اهتمت بهذا الأمر الجامعات الأكبر والأقدم، حيث عقدت كلية الدراسات العليا بجامعة الخرطوم ندوة في عام 2006 حول أوضاع الدراسات العليا بالجامعة. وقد قُدّمت ورقة في الندوة حول غياب فلسفة ناظمة توجّه سياسات الدراسات العليا. وإذا كان هذا الواقع مبررًا في السابق لحاجة البلاد إلى أي نوع من الدراسات العليا، فإنها برزت الآن لمثل هذه الفلسفة. وأثارت الورقة أسئلة مهمة مثل: ما الهدف من الدراسات العليا؟ هل هو إعداد باحثين؟ أم تأهيل الراغبين في توسيع القدرات المهنية؟ أم الحصول على موارد مالية للجامعة؟ وهل الدراسات العليا مفتوحة لمن يرغب وفقًا لفلسفة ديمقراطية التعليم؟ أم مغلقة ومتاحة للذين يمتلكون المؤهلات ويمكنهم الاستفادة من هذه الدراسات فقط؟  28 هذه الأسئلة مطروحة أيضًا في مجال العلوم السياسية وربما بطريقة أكبر، فقلة عدد أعضاء هيئة التدريس، وافتقار عدد من أقسام العلوم السياسية إلى التأهيل والخبرة الكافية لمرحلة الدراسات العليا، وعزوف الطلاب عن تخصصات بعينها في العلوم السياسية، مثل النظرية السياسية، تجعل طرح هذه الأسئلة ملحًّا لدى هذه الأقسام. لعل الجانب الذي أثار اهتمامًا أكبر في مجال الدراسات العليا في العلوم السياسية خاصة، وفي العلوم الاجتماعية عامة، هو التأهيل اللازم في منهجية البحث العلمي لطلاب الدراسات العليا. فكل برامج الدكتوراه في العلوم السياسية في الجامعات السودانية متاحة بالبحث فقط، ما يعني عدم تلقي مقررات في منهجية البحث. ويتفاقم الأمر بالنسبة إلى الطلاب الذين أكملوا الماجستير بالبحث فقط كذلك، علمً أن عددًا من أقسام العلوم السياسية يطرح مقررًا واحدًا فقط في منهجية البحث العلمي في مرحلة الدراسة الجامعية. ويعتمد الطلاب على توجيهات المشرف في ترقية قدراتهم البحثية  29. ولأن موضوع منهجية البحث العلمي لطلاب الدراسات العليا في مجال العلوم الاجتماعية أصبح همًّ لعدد من الدول الأفريقية، فقد اهتمت منظمة العلوم الاجتماعية لشرق وجنوب أفريقيا The Organization for Social Science Research in Eastern and Southern Africa بهذا الأمر، ونظّمت مؤتمرًا لمناقشة موضوع المنهجية في الدراسات العليا لطلاب العلوم الاجتماعية. ونتيجة لهذا المؤتمر، تولّت المنظمة عقد برنامج سنوي في كل جامعة عضو في المنظمة في منهجية البحث لطلاب الدكتوراه يستمر أسبوعين. كما موّلت شراء كتب عن منهجية البحث العلمي لكل جامعة بمبلغ عشرة آلاف دولار. وعلى الرغم من توقف هذا البرنامج بسبب تعثر التمويل، فما قدّمه في تأهيل طلاب الدكتوراه كان مهمً.

  1. 28  عمر محمد عبد الرحمن الأقرع، ومهدي أمين التوم، وزين العابدين كرار، "مفاهيم عامة لفلسفة وسياسات الدراسات العليا بالإشارة إلى جامعة الخرطوم"، في: مداولات ندوة الدراسات العليا بالسودان الحاضر وآفاق المستقبل: تجربة جامعة الخرطوم (الخرطوم: مطبعة جامعة الخرطوم، 2006)، ص 17-16.
  2. Hassan E. Ahmed, "The Current Status of Social Sciences' PhD Training Programmes in Sudan," in: Tekeste Negash & Abiye Daniel (eds.), PhD Training in Eastern and Southern Africa: The Experience of OSSREA (Addis Ababa: Organization for Social Science Research in Eastern and Southern Africa, 2013), p. 117.

سادسًا: الحرية الأكاديمية وضمان الجودة

1. التأثير السياسي والحرية الأكاديمية

كانت الجامعات السودانية، خاصة جامعة الخرطوم، فضاءً مهم للنشاط السياسي، حيث شارك أساتذتها وطلابها منذ عقود في العمل السياسي، شمل ذلك النضال من أجل الاستقلال، والمشاركة في إسقاط حكومات استبدادية. بناءً عليه، فقد كان التأثير المتبادل بين الأنظمة السياسية والجامعات مقدّرًا، وكان لأقسام العلوم السياسية دور في التفاعل مع البيئة السياسية، ومع ذلك كان تأثير الأنظمة السياسية في مناهج العلوم السياسية، وحتى في تعيين أعضاء هيئة التدريس في جامعة الخرطوم محدودًا. يقول محمد نوري الأمين، الأستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الخرطوم: "لم يتمكن أي نظام شمولي من التأثير في المقررات أو تعيين هيئة التدريس أو التأثير فيهم، وتأثر القسم بالصراع الأيديولوجي بين الإسلاميين والشيوعيين" 30. وقد تركز تدخل الأنظمة السياسية في فصل المخالفين لها في التوجه السياسي من الجامعة واعتقال بعضهم. وقد حدث ذلك لأساتذة في جامعة الخرطوم في عام 1970 خلال عهد جعفر نميري، وفي عام 1990 خلال حكم عمر البشير، كما حدث في الفترة الانتقالية 2021 لأستاذ علوم سياسية.

2. ضمان الجودة والاعتماد الأكاديمي

حظي ضمان الجودة العلمية في جامعة الخرطوم باهتمام منذ أن تحوّلت إلى كلية جامعية، فقد عمدت إلى الاستعانة بممتحنين خارجيين للتأكد من جودة برامجها العلمية. واعتمدت في السنوات الأولى على أساتذة جامعة لندن في ذلك. يذكر تونينغ، الذي كان محاضرًا في كلية القانون في جامعة الخرطوم في عام 1959، أن اجتماع الممتحنين الخارجيين لطلاب كلية القانون انعقد في لندن بحضور عدد من أساتذة القانون في جامعة لندن، حيث نظر هؤلاء الممتحنون في كرّاسات طلاب القانون في جامعة الخرطوم واعتمدوا الدرجات التي وضعها الممتحنون الداخليون  31. وقد ظلّ نظام الممتحنين الخارجيين متَّبعًا في كل كليات الجامعة، وكان الكتاب السنوي لجامعة الخرطوم يورد أسماء الممتحنين الخارجيين لكليات الجامعة المختلفة. وقد درجت الجامعة لاحقًا على دعوة الممتحنين الخارجيين للحضور إلى الخرطوم، وهو تقليد استمر حتى نهاية الثمانينيات. تعتمد معظم الكليات والأقسام حاليًا، ومن بينها أقسام للعلوم السياسية، على ممتحنين داخليين لأداء هذه المهمة. لكن بعض الجامعات الخاصة، مثل جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، تتّبع نظام الممتحن الخارجي، من جامعات خارج السودان، في برنامج العلاقات الدولية. وقد اتجهت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قبل سنوات قليلة إلى إنشاء إدارة للجودة والاعتماد، وأعربت عن نيّتها تطبيق برامج الجودة والاعتماد على الجامعات السودانية. وكانت الوزارة قد أوقفت إنشاء مؤسسات أو برامج تعليمية جديدة حتى يجري التحقق من جودة جيز في عام البرامج القائمة. وقد أ 2021 قانون المجلس القومي لتقويم واعتماد مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي. ويتوفر عدد من كليات العلوم الاجتماعية على وحدات للاعتماد وضمان الجودة، كما يشترط عدد من الجامعات حضور مساعدي التدريس دورات تأهيلية، من بينها محاضرات عن الجودة والاعتماد وطرق التدريس. درجت بعض أقسام العلوم السياسية على تطوير مقرراتها على نحو دوري، ولما كان العدد الأكبر من أقسام العلوم السياسية حديث النشأة، وبعضها لم يمضِ على تأسيسه إلا سنوات قليلة، نجد أن موضوع التحديث والمواكبة همّ شاغل للأقسام القديمة. وعلى الرغم من إدراك هذه الأقسام أهمية التحديث، فإن عمليات التطوير تتباطأ. ففي جامعة الخرطوم مضى على آخر عملية تطوير لمناهج العلوم السياسية نحو عشر سنوات. وتعمل لجنة جديدة حاليًا على تطوير المناهج. أما كلية العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية في جامعة الزعيم الأزهري فقد حدّثت المناهج قبل خمس سنوات  32، وأكمل قسم العلوم السياسية في جامعة النيلين تطوير المناهج قبل ثماني سنوات.

سابعًا: التحديات التي تجابه مستقبل تدريس العلوم السياسية

بدأ تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية في وقت شهد فيه المجال جدلً أكاديميًا في الولايات المتحدة حول المناهج المستخدمة، ونقدًا للتركيز على المناهج التقليدية، مثل المداخل القانونية والتاريخ والفلسفة. ترافق هذا مع دعوات إلى الانتقال إلى مداخل أكثر دقة وموضوعية، يصير ممكنًا بتطبيقها تفسير السلوك السياسي. ولمّا كانت

  1. 30  محمد نوري الأمين (الأستاذ بقسم العلوم السياسية في جامعة الخرطوم)، مقابلة شخصية، السودان، 2021/4/12. وربما بدا تعارض بين ما ذكره محمد نوري الأمين في عدم وجود تدخل حكومي، وما ذهب إليه عوض السيد الكرسني من وجود تأثير لنظام نميري في المقررات حين اختار القسم تدريس بعض مقررات الاشتراكية، غير أن هذه الدراسة ترى إمكانية الجمع بين الرأيين، إذ عمد أساتذة لهم ميول اشتراكية إلى مسايرة التوجه العام للحكومة حينئذ.
  2. W.L. Twining, "Laws," in: F.M.L. Thompson (ed.), The University of
  3. London and the World of Learning 1836-1986 (London: The Hambledon Press, 1990), p. 105. 32  فاطمة العاقب (الأستاذة بكلية العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية، جامعة الزعيم الأزهري)، مقابلة عبر الهاتف،.2021/5/25

جامعة الخرطوم عند نشأتها وتطوّرها قد ارتبطت بالتعليم العالي في بريطانيا، فقد تأثر قسم العلوم السياسية فيها بهذا الارتباط، ما جعل تأثير هذا الجدل محدودًا في نشأة القسم. وعلى الرغم من محاولات مؤسسّي القسم إدخال مقررات تعكس اهتمامات البيئة المحلية والإقليمية للبلاد، تعزّز التأثير البريطاني، الذي ظل الأكبر في العقود الأولى لنشأة القسم، بوجود أساتذة بريطانيين درّسوا فيه، وأساتذة سودانيين تأهلوا في الجامعات البريطانية. ومع وجود أساتذة تلقَّوا تأهيلً جيدًا في جامعات خارجية، فإن محاولات التطوير الأكاديمي في القسم ظلت محدودة، خاصة في مواجهة تحديات تأهيل الأساتذة وهجرة العقول وضعف الموارد. ويبقى التحدي الأكبر الذي يواجه تدريس العلوم السياسية في الجامعات السودانية إنتاج علم سياسة يفسرر قضايا الواقع المحلي والإقليمي بمناهج نابعة من هذا الواقع، ومن دون انقطاع عن التواصل والتفاعل مع مؤسسات هذا العلم على المستوى العالمي. تجدر الإشارة إلى أن المناهج المستخدمة في تدريس العلوم السياسية والبحث فيها في السودان، في مجملها في حاجة إلى تطوير حتى تلحق بمسيرة التطورات المنهجية التي حدثت في هذا الحقل المعرفي عالميًا. ففي حين يشهد المنهج حاليًا في السودان تحولً من الاعتماد على الفلسفة والفكر، وريثَي المنهج البريطاني القديم في العلوم السياسية، إلى استخدام المنهج السلوكي والبحوث الكمية والاعتماد على النماذج الرياضية والإحصائية، نجد أن علماء السياسة في الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما الجمعية الأميركية للعلوم السياسية، شرعوا منذ الستينيات في نقد اتجاه السلوكية. وقد تبلور ذلك في عدة اتجاهات، منها ما عُرف بالعلوم السياسية الجديدة New Political Science في العقود القليلة الماضية. تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن مجهودًا كبيرًا ينتظر العلوم السياسية في السودان، ليس من أجل مواكبة التطورات المنهجية العالمية فحسب، بل من أجل تطوير علم يدرس الواقع السياسي السوداني المتسارع والمتشعب بارتباطاته الإقليمية والعالمية ويفيه حقه. من أجل ذلك، ينتظر علماءَ العلوم السياسية ودارسيها في السودان مجهودٌ نظري ومراجعة كبرى أشبه بالنهضة الفكرية. وإلى حين ذلك، يمكن الاعتماد، في البحوث والبرامج الدراسية، على البحث والتدريس القائم على المشكلات الراهنة Learning Problem-Based، من قبيل دراسات الحالة Study Case، والتمثيل Simulation، (ليس بالضرورة الاستناد فيها إلى نظريات قائمة مسبقًا) وتجاوز التدريس التقليدي القائم على المحاضرة والسيمنار فقط. هذه التطورات المطلوبة أصبحت أشد إلحاحًا مع التطورات المتسارعة في مجال التكنولوجيا وزيادة أعداد الطلاب والحاجة إلى التعليم عن بعد.

المراجع

العربية

الاستراتيجية القومية الشاملة. الخرطوم: مركز الدراسات الاستراتيجية،.1992 حمزاوي، عمرو. خبرات تدريس العلوم السياسية في العالم العربي: تحديات المنهج العلمي والدور المجتمعي. القاهرة: جامعة القاهرة،.2004 مداولات ندوة الدراسات العليا بالسودان الحاضر وآفاق المستقبل: تجربة جامعة الخرطوم. الخرطوم: مطبعة جامعة الخرطوم، 2006.

الأجنبية

Beshir, M.O. "Some Problems of University Education in the Sudan." Comparative Education Review. vol. 5, no. 1 (June 1961). British Information Services. The Sudan 1899-1953. New York: Central Office of Information, 1953. Dept. of Political Science. Political Science at Khartoum

Duncan, John S.R. The Sudan: A Record of Achievement. Edinburgh/ London: William Blackwood & Sons Ltd., 1952. Elhadary, Yasin Abdalla Eltayeb. "The Higher Education 'Revolution' in Sudan and its Impact on Research in Higher Education Institutions." Bulletin of Higher Education Research. no. 16 (December 2010). Gasim, Gamal. "Reflecting on Sudan's Higher Education Revolution under Al-Bashir's Regime." Journal of Comparative & International Higher Education, vol. 2 (2010). Ibrahim, Zain A. a Hundred Years of the University of Khartoum 1902-2002: The Making of a University. Khartoum North: The University of Khartoum Printing Press, 2007.

Negash, Tekeste & Abiye Daniel (eds.). PhD Training in Eastern and Southern Africa: The Experience of OSSREA. Addis Ababa: Organization for Social Science Research in Eastern and Southern Africa, 2013. Sharkey, Heather. "Colonialism, Character‐building and the Culture of Nationalism in the Sudan, 1898–1956." The International Journal of the History of Sport. vol. 15, no. 1 (1998). Thompson, F.M.L. (ed.). The University of London and the World of Learning 1836-1986. London: The Hambledon Press, 1990.