تحولات العلوم السياسية في الجامعة التونسية: مفارقة المسارات وأزمة الموضوع، كلية الحقوق والعلوم السياسية نموذجًا

Chaker Houki شاكر الحوكي |

الملخّص

في خطوةٍ لمجاراة نسق الدراسات الغربية التي انتشرت مع مطلع القرن الحادي والعشرين، اخترنا ألاّ نقصر طموحنا في هذه الدراسة على تناول مكانة العلوم السياسية في "الجامعة التونسية" عموما، وفي كلية الحقوق والعلوم السياسية على وجه الخصوص (مع ما يقتضيه ذلك من رصدٍ لعلاقتها بالقانون العام والقانون الخاص على حدّ السواء، ومن تتبعٍ لمختلف المحطات التي مرّت بها، والتحديات التي واجهتها، والأسباب التي أدّت إلى ضمورها أو حتى إلى إلغائها)، بل نتعمّ ق أكثر من خلالها في الرهان على وضع العلوم السياسية نفسها موضع نظر وتحقيق في كل ما يت صل باستقلاليتها وحِرفيتها ودرجة تأثيرها، فضل ا عمّ ا يت صل بتطورها وتدويلها. كلمات مفتاحية: الجامعة التونسية، الحقوق. In order to keep pace with trends in Western studies that became popular in the early twenty-first century, this study addresses the status of political science in the Tunisian University, focusing on the Faculty of Law and Political Science. It monitors the Faculty's relationship to public and private law, tracking its development and the challenges it faced. The study further examines the obstacles to its progression, its professionalism, and influence, as well as looking at its ability to stand up to international scrutiny. Keywords: Tunisian University, Law.

Transformations of Political Science in the Tunisian University: A Case Study of the Faculty of Law and Political Science

مقدمة

الظاهر أن إدراج العلوم السياسية في منظومة التعليم الجامعي منذ تأسيس كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس عام 1960 1، لم يكن نتيجة خيار سياسي مدروس بقدر ما كان نتيجة تأثر بالمنظومة التعليمية الفرنسية. بل إننا لا نبالغ إن قلنا إنّ إدراجها لم يكن إلا نتيجة خيارات زعيم دولة الاستقلال الحبيب بورقيبة، وهو ما نبّه إليه العميد محمد رضا بن حماد فعلً حين أشار إلى أن تخصص بورقيبة في العلوم السياسية بفرنسا لم يكن له التأثير المباشر في إدراج هذه العلوم في كلية الحقوق والعلوم السياسية فحسب، بل أيضًا في أن تجمع هذه الكلية الوليدة في بداياتها بين الحقوق والعلوم الاقتصادية والسياسية  2. ومع أن تخصص العلوم السياسية بقي قائمًا في هذه الكلية منذ تأسيسها، سواء في مرحلة الأستاذية أو في المرحلة الثالثة أو في مرحلة الدكتوراه، فإنّه سرعان ما وقع التخلّ عنه بعد اندلاع الثورة التونسية وانخراط تونس لاحقًا في مسار الانتقال الديمقراطي. وعلى الرغم من تميّز مسار تدريس العلوم السياسية في هذه الكلية، في أحيان كثيرة، بالتذبذب والارتباك، على صعيد علاقته ببقية المواد القانونية (وذلك نتيجة ارتباط مواد العلوم السياسية حينًا بمسار طلبة القانون، وانفصالها عنه جزئيًّا حينًا آخر)، أو على صعيد علاقته بمسار شعبة العلوم السياسية نفسه (حيث يمتدّ تدريس العلوم السياسية أحيانًا إلى أكثر من مرحلة: في نطاق الأستاذية والدراسات المعمقة، وأحيانًا أخرى يقتصر على مرحلة واحدة هي الماجستير تحديدًا)، فقد استمر تخصّص العلوم السياسية مع ذلك من دون انقطاع إلى حدود عام 2018. فكان قِبلة الطلبة من مختلف الجامعات، داخل حدودنا التونسية وخارجها، يتزوّدون منه بما يلزمهم من التكوين الضروري لتنمية معارفهم وإنجاز بحوثهم في العلوم السياسية، سواء كان ذلك على صعيد الإجازة أو الدكتوراه. ولقد كان لهذا التخصّص دور فعّال في زيادة إشعاع الكلية، وفي إثراء التكوين القانوني لطلابها من حيث فتْحُ آفاقهم على مناهج العلوم السياسية وترسيخُ باعهم في الفكر السياسي 3، وهو ما أفضى إلى استحداث نواة صلبة ومستقلة لهذا التخصّص لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها 4. وعلى أيّ حال، شكّل تدريس العلوم السياسية في "كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس" - التي تعدّ أمّ الكليات وأبرزها في هذا التخصّص المستحدث - دافعًا رئيسًا للبحث في مكانة العلوم السياسية وتحولاتها  5؛ لا لكون ذلك يصدر عن خيارات شخصية فحسب، بل أيضًا لأنّه يتنزّل ضمن مبحث مستجدّ يراهن على جعل

  1. 2  معلومة أفادنا بها العميد محمد رضا بن حماد في حوارنا معه. وهو عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس خلال الفترة.2002-1995
  2. 3  تجدر الإشارة إلى أن عدد الأطروحات المتعلّقة بالعلوم السياسية التي جرت مناقشتها بكلية الحقوق والعلوم السياسية منذ عام 1974 إلى حدود عام 2022 قد بلغ 127 أطروحة من مجموع 541 عدت في القانون بمختلف تخصّصاته، منها أطروحة أ 85 أطروحة لطلبة غير تونسيين (معظمهم من دول عربية)، في حين بلغ عدد المذكرات في الفترة 2022-2014 نحو.146 مذكرة
  3. 4  ربما من المهم الإشادة بالدور المهم الذي قام به بن حماد في تطوير الفكر السياسي، من خلال ما وضعه من كتابات في الفكر السياسي، أو من خلال تأطيره لجملة من المذكرات التي أتت على مجمل أعلام الفكر السياسي العربي والإسلامي، على غرار أبي الحسن علي بن محمد الماوردي، وأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، وأبي نصر محمد بن محمد الفارابي، وأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد، ويمكن الإشارة هنا إلى أحد أهم كتبه باللغة العربية، وهو التيارات الكبرى للفكر السياسي في الغرب والعالم العربي الإسلامي منذ القرن التاسع عشر (تونس: مركز النشر الجامعي، 2017.) لا بد من الإشادة كذلك بالدور المهم الذي أدّاه حمادي الرديسي من خلال كتاباته المرجعية في السياسات المقارنة وغيرها، ودوره في تمكين جيل كامل من التخرج على يديه وحمل المشعل من بعده بتأمين مواصلة تدريس العلوم السياسية، لا في كلية الحقوق والعلوم السياسية فحسب، بل في بقية الكليات في تونس أيضًا.
  4. 5  تجدر الإشارة إلى أن نظام التعليم التونسي يشتمل على 13 جامعة موزعة على تراب الجمهورية كلّها. وتعتبر الجامعة هيكلً إداريًّا يضم مجموعة من الكليات والمعاهد والمدارس العليا في مختلف الاختصاصات في مكان معيّ. وفي تونس ثلاث جامعات لها علاقة بالقانون، ومن ثم لها علاقة على نحو أو آخر بالعلوم السياسية: اثنتان منها في العاصمة، وهما جامعة المنار وجامعة قرطاج، والثالثة في وسط البلاد، وهي جامعة سوسة. أما جامعة المنار فهي قطب جامعي تأسس عام 2000 في إطار إعادة هيكلة مؤسسات التعليم العالي، وهي تضم - من بين عدة كليات أخرى في الطب والهندسة والعلوم الطبيعية والعلوم الاقتصادية - كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. كما تضم جامعة قرطاج كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، وتضم جامعة سوسة كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة. وبناءً عليه، توجد في تونس ثلاث كليات فقط لها علاقة بالعلوم السياسية، هي كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس التابعة لجامعة المنار، التي يعود تأسيسها إلى عام 1962، وكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس التابعة لجامعة قرطاج، وقد تأسست عام، وكلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة التابعة لجامعة سوسة، التي أُ1988 نشئت عام 1985. وما ينبغي الإشارة إليه هنا على وجه الخصوص حتى نفرسّ أسباب التركيز على كلية الحقوق والعلوم السياسية دون غيرها من الكليات - وذلك إضافةً إلى المسألة المنهجية التي تفرض علينا الالتزام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس ما دمنا اتخذناها نموذجًا - تزامُن بداية تدريس العلوم السياسية مع تأسيس كلية العلوم السياسية نفسها، في حين أن نشأة العلوم السياسية في بقية الكليات لم تظهر إلا بعد الثورة، أي في مطلع السنة الجامعية 2013-2012، حين جرى استحداث "ماجستير بحث في العلوم السياسية" في كلتا الكليتين، علمً أن كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس كانت قد استحدثت مع مطلع السنة الجامعية 1998-1997 "شهادة الدراسات المعمقة في العلوم السياسية"، ولكن سرعان ما جرى التخلي عنها، بسبب رفض وزارة التعليم العالي إقرار شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية. وينبغي الإشارة إلى أن ماجستير العلوم السياسية التي استحدثت منذ 2012 أصبحت تسمى مع مطلع السنة الجامعية 2023-2022 "ماجستير العلوم السياسية والحوكمة" إثر دمج ماجستير العلوم السياسية وماجستير الحوكمة في ماجستير واحدة. وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتها ماجستير العلوم السياسية في كلية العلوم القانونية والاجتماعية بتونس وكلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة، فإنها نجحت في أن تصمد، وأن تطور نفسها بأشكال مختلفة.

العلوم السياسية نفسها موضوعًا ممكنًا للبحث والدراسة. وأعني به ذلك المبحث الذي لا يقف الاهتمام فيه عند مجرّد دراسة العلوم السياسية من حيث استقلاليتها وحرفيتها Professionnalisation وتأثيرها، بل يمتدّ كذلك إلى دراسة تطورها وتدويلها 6. على أنه لا بد من الإشارة إلى أن هذا المبحث لم يكن ليظهر في الغرب لولا الدراسات المكثفة التي اشتغل بها عدد كبير من علماء السياسة، منذ مطلع القرن الحادي والعشرين)2010-2001( 7 على وجه الخصوص. ولم تزد الندوات العلمية المميزة التي أشرف على تنظيمها عدد من الجمعيات الوطنية والدولية تلك الدراسات إلا تأكيدًا لصدقيتها وتثبيتًا لمشروعيّتها. ومن تلك الجمعيات نذكر خاصّة "الجمعية البريطانية للدراسات السياسية"، و"الجمعية الفرنسية للعلوم السياسية"، و"الجمعية الأميركية للعلوم السياسية"، و"الجمعية الدولية للعلوم السياسية"، و"المرصد الأوروبي للبحوث السياسية" 9، علاوة على دور كبرى المجلات المتخصّصة في العلوم السياسية في نشر جملة من المقالات المهمة، فقد كان لها إسهام واضح في تأهيل هذا المبحث الجديد لانتزاع استقلاليته ووجوده. إنّ هذه الدراسة إذ تنطلق من هذا الهاجس التأسيسيّ، لا تسعى إلى تدشين نمط جديد من البحوث باللغة العربية في هذا المجال فحسب، بل تروم أيضًا وضع العلوم السياسية في تونس، أوّلَ مرة، موضع بحث ودراسة. وهو ما سنحاول الاشتغال به في ضوء إشكالية يمكن بلورتها من خلال سؤال الكيفية التي بها يمكن رصد تحولات العلوم السياسية في "كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس." وسنحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال فرضية مفارقةِ المسارات وأزمةِ الموضوعِ، معتمدين في ذلك على المنهج التحليلي الوصفي، بإسناد جزئيّ من المنهج التاريخي، ومع الاستئناس بآليات المنهج الاجتماعي على سبيل المحاورة L'entretien فيما يخدم أغراض البحث. وكل ذلك في إطار أفق إصلاحي ينهض على ثنائية التشخيص واقتراح الحلول، ضمن خطة تتوزع على جزأين رئيسين: أوّلهما يتعلّق بمفارقة المسارات، والثاني بأزمة الموضوع.

أولا: مفارقة المسارات

يمكن القول إن المسارات التي ميزت نشأة العلوم السياسة، وإن تعددت أشكالها، فإنها كانت مصطبغة بمفارقتين أساسيتين: المفارقة الأولى تتعلق بمكانة العلوم السياسية في تونس حاضرًا وماضيًا، في حين تتعلق المفارقة الثانية بمكانة العلوم السياسية قبل الثورة وبعدها.

1. مفارقة الحاضر والماضي

ربما لا يكون قد تراكم لتونس من الإرث الفلسفي والسياسي ما تراكم لليونان منذ تاريخها العريق، غير أن ما ورثناه في ثقافتنا العربية والوطنية من كتابات عبد الرحمن بن خلدون وخير الدين باشا وأحمد بن أبي الضياف، يفصح عن وجود جذور محلية لمدرسة تونسية في علم السياسة  10. وهو ما يدفع إلى التساؤل: كيف يُعقل حينئذ إلغاء تدريس العلوم السياسية في "كلية الحقوق والعلوم السياسية" في موطن تملك فيه جذورًا راسخة؟ ألا يمثّل ذلك مفارقة تبعث الحيرة والتساؤل أيضًا؟ هل نحتاج هنا إلى التذكير بريادة ابن خلدون في تأسيس "علم الاجتماع السياسي" أو "علم السياسة" 11، وبِراهنيّته في مقاربة موضوعات غير مسبوقة في "العمران البشري" تتعلّق ب "الدولة" و"السلطة" و"الملك"، على غرار ما نجده في مقاربات "علم الاجتماع السياسيّ المعاصر" 12؟ وحتى لو جارينا محمد عابد الجابري وافترضنا أن "علم العمران البشري" ليس توأمًا ولا مقدّمة ل "علم الاجتماع الحديث"، فإننا لا نملك إلا أن نسلّم معه باندراج "علم العمران" في عمومه ضمن "علم السياسة" 13، وذلك ليس لأن مؤسسه استفاض في دراسة "الدولة" بوصفها ظاهرة سياسية 14، واستفرغ جهده في تتبع مراحل نشأتها وتطورها في سياق الأحداث التاريخية والاجتماعية

  1. Thibaud Boncourt, L'internationalisation de la sciences politique: Une comparaison franco-britanique (1945-2010) (Bordeaux: Centre Emile Durkheim, 2011), p. 14.
  2. Ibid. تجدر الإشارة إلى أهمية كتابات أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الفرنسية بيار فافر Pierre Favre منذ الثمانينيات الذي وضع العديد من الكتابات التأسيسية في هذا المجال. وسنكتفي بذكر أحدها، على أن تُعرض البقية ضمن قائمة المراجع. Pierre Favre, "Les professeurs de l'École libre des sciences politiques et la constitution d'une science du politique en France," in: Le personnel de l'enseignement supérieur en France au XIXe et XXe siècles , Actes du Colloque de l'IHMC et de l'EHESS des 25 et 26 Juillet 1984 (Paris:
  3. 9  أحمد عبد السلام، دراسات في مصطلح السياسية عند العرب، ط 2 (تونس: الشركة التونسية للتوزيع، [د. ت)].؛ بن حماد، ص.303-247
  4. 10  حسن صعب، علم السياسة، ط 4 (بيروت: دار العلم للملايين، 1976)، ص 88؛ عبد تقديم مقدمة ابن خلدون، ج الواحد وافي، 1 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2006)، ص.224
  5. 11  الجدير بالملاحظة أن هذه المسائل التي شكّلت مركز الاهتمام في تفكير ابن خلدون لا نكاد نعثر لها على أثر فيما حبّ ه نظراؤه في العصور الوسطى ممّن ذاع صيتهم وملؤوا الدنيا بأفكارهم، كالفارابي والماوردي والغزالي وابن تيمية.
  6. محمد عابد الجابري،  12 فكر ابن خلدون، العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط 3 (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1982)، ص.204 13  المرجع نفسه، ص.176
  7. Editions du CNRS, 1985), pp. 261-272; Boncourt, p. 10.

المرافقة لها  15 فحسب، بل لأنها مثّلت في تفكيره عنصرًا من عناصر الظاهرة الاجتماعية العامّة أيضًا  16. وهذا ما أقرّ به الجابري فعلً، استنادًا إلى نجاح ابن خلدون في تحويل "العصبية" إلى "وسيلة غير مسبوقة في فهم نشأة الدولة وسقوطها، وفي تفسير "كل ما يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال العمران في الملك والكسب والعلوم والصنائع بوجوه برهانية يتضح بها التحقيق في معارف الخاصة والعامة، وتدفع بها الأوهام وترفع الشكوك" 17. فهي - أي العصبية - وإن كانت في طورها البدويّ الأوّل لا تعدو أن تكون القاعدة السياسية الصلبة للمجتمع، فإنّها سرعان ما تتحوّل مع الدولة الناشئة إلى قوّة ضاربة لتوطيد أركانها وتثبيت دعائمها، ثمّ لا تلبث مع مرور الوقت أن تصبح أساسًا لتوارث سلطان الدولة. وعندما تبلغ الغاية من تطوّرها - وهي الملك - تبدأ الدولة في التهرّم والتحلّل والانهيار، مفسحة المجال لعصبية أخرى آخذة في التشكل حتى تحلّ محلّها  18، وهكذا دواليك. وبذلك تتحوّل "الدولة"، بموجب هذا التحديد، إلى كائن اجتماعيّ حيّ يخضع لأحكام الطبيعة وشروط التاريخ خضوعًا "حتميًّا"، كخضوع الأشخاص الطبيعييّن تمامًا، بل إنه يصبح من المتاح قياس مدّته التي لا تزيد في الغالب على مئة وعشرين عامًا، أي ما يعادل أعمار ثلاثة أجيال (هي جيل البداوة، وجيل التحوّل، وجيل النسيان) 19. ويمكن مقابلة كل جيل من هذه الأجيال بما يزامنه من الأطوار الخمسة (وهي طور الظفر بالبغية، وطور الانفراد بالملك، وطور الفراغ والدّعة، وطور القنوع والمسالمة، وطور الإسراف والتبذير) 20؛ ليصبّ كلّ ذلك أخيرًا في تصوّر ابن خلدون للآباء الأربعة (الباني، والمباشر، والمقلّد، والهادم) الذين ينتهي عندهم الحسَبُ في العقِب الواحد  21. ولما كانت الدولة تقوم عنده على العصبية، والعصبية تتخذ أشك لً مختلفة؛ فلا مراء في أن تتحول العصبية نفسها إلى ما يشبه المعيار الذي يسمح بالتمييز بين مختلف أشكال الدول؛ فطبقًا ل "نوعية العصبية" تتحدد "طبيعة الدولة." فإن كانت العصبية محددة في إقليم محدد، كانت الدولة "دولة خاصة" على غرار الدولة البويهية بالنسبة إلى الدولة العباسية، أو كانت الدولة "دولة كلية" على غرار دولة الروم أو الفرس أو دولة العرب على العموم، أو كدولة بني أمية أو بني العباس. وإن كانت العصبية عامة - بمعنى أنه يرجع إليها الولاء وتمتد سلطتها إلى أقاليم عديدة - كانت الدولة حينها إما "دولة عامة" على غرار الدولة العباسية، لاستيعابها الإمارات التي تقوم على العصبيّات الضيّقة، كالساميين والحمدانيين والبويهيين وغيرهم، أو كانت الدولة "دولة شخصية"، كدولة أنو شروان أو دولة هرقل، أو دولة عبد الملك بن مروان، أو دولة الرشيد 22. ويُضاف إلى هذا ما يطرحه ابن خلدون في علاقة العصبية بالدولة من مباحث متعلقة ب "الجند والمال والخراج والعدل والرعية والرزق والعمارة" 23، إلى جانب ما يقدمه من تصنيفات في طبيعة نظام الحكم (الملك الطبيعي، والملك السياسي، والخلافة، والمدينة الفاضلة)، وأنواع السياسات الممكنة (السياسة العقلية، والسياسة الدينية، والسياسة المدنية) 24، وهو ما يزيد في ترسيخ اعتبار هذه المادة من مباحث العلوم السياسية، سواء كان ذلك بمعناها الخلدوني أو بمعناها المعاصر. أما خير الدين التونسي، فبقدر ما كان فكره مسكونًا بشرعنة الإصلاح السياسي وتأصيله لإثبات أن التنظيمات (أي الإصلاحات السياسية) لا تتعارض مع الشريعة، بل هي واجبة بالشرع 25، وأن المسلمين يمكنهم أن يصبحوا جزءًا من العالم الحديث من دون أن يتخلوا عن دينهم  26، فإنّ هاجسه السياسي الأكبر كان يدفعه في اتجاه نبذ الحكم المطلق المفضي إلى الاستبداد، وتقييده بقانون تقييدًا يحقّق للشعوب الإسلامية من العدل والحرية والازدهار ما تحقّق بالفعل للشعوب الحرّة والمتقدّمة في ظلّ أنظمتها الدستورية، ويخرجها نهائيًّا من بوتقة التخلّف والاستبداد  27. ولا يكون ذلك - بحسب رأيه - إلا بوجود حكومة مسؤولة أمام رئيس الدولة، وخاضعة لرقابة مجلس الأمّة، حتى إن كان ذلك المجلس معيّنًا وغير منتخب، على أن يدلي المجلس برأيه الاستشاري في كليات أمور السياسة، ويتولى محاسبة السلطة الحاكمة على أفعالها ومقاومة نزوعها إلى الطغيان والظلم بكل الوسائل المتاحة قانونيًّا، حتى إن اقتضى الأمر خلعها 29.

  1. 14  المرجع نفسه، ص.193
  2. 15  المرجع نفسه، ص.193-192
  3. 16  عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون (بيروت: دار الجيل، [د. ت)].، ص.45
  4. 17  سيفيتلانا باتسييفا، العمران البشري في مقدمة ابن خلدون، ترجمة رضوان إبراهيم (ليبيا/ تونس: الدار العربية للكتاب، 1978)، ص.250-248
  5. 18  ابن خلدون، ص.189-188
  6. 19  المرجع نفسه، ص.195-194
  7. 20  المرجع نفسه، ص.156
  8. 21  المرجع نفسه، ص.417
  9. 22  المرجع نفسه، ص.44-43
  10. 23  المرجع نفسه، ص.211-210
  11. 24  خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة الممالك (تونس: وزارة الثقافة،)1998، ص.157
  12. ألبرت حوراني،  25 الفكر العربي في عصر النهضة 1939-1798 (بيروت: دار النهار للنشر، [د. ت)].، ص.121
  13. 26  التونسي، ص. 95-94
  14. 27  المرجع نفسه، ص.135

وهذا تقريبًا ما ذهب إليه ابن أبي الضياف فيما عبّ عنه من آراء سياسية في كتابه إتحاف أهل الزمان؛ إذ إنه لم يتوانَ في نقد الحكم المطلق على أساس أنه حكمٌ لا يتعارض مع العقل فحسب، بل مع الشرع أيضًا؛ مشددًا على أن ذلك مدخل إلى الظلم ومؤذن بالخراب والتخلّف وموجب لمعارضة الحاكم الظالم ورفض طاعته حتى يقيّد حكمه بقانون ضامن للعدل والحرية والتقدم  31. وهذه الأفكار التي تبدو اليوم بديهية، كان من الجرأة الدعوة إليها على ذلك العهد الذي كان فيه العالم العربي والإسلامي يعيش أسوأ فترات انحطاطه حضاريًّا وماديًّا. ولكنّ هذه الأفكار، في المقابل، بقدر ما تشكّل في عمومها مادة أساسية للبحث والدرس في نطاق مباحث العلوم السياسية بالنظر إلى تركيزها على مبحث "الدولة والسلطة"، نراها اليوم - وهذا من المفارقة - تواجَه في عقر دارها (التي مهّدت لنشأتها وتبلورها من خلال ثلاثة كتب مرجعية في الثقافة التونسية، بل في الثقافة العربية والإسلامية، هي المقدمة و أقوم المسالك و الإتحاف)، وذلك بإلغاء هذا التخصص من "كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس"، على مستوى الماجستير وعلى مستوى الإجازة أيضًا.

2. مفارقة ما قبل الثورة وما بعدها

على الرغم مما واجهه تخصص العلوم السياسية من صعوبات في أطواره المتلاحقة زمن ما قبل الثورة، فقد حافظ على استمراره بأشكال مختلفة في مسار يمكن تقسيمه إلى ثلاث فترات أساسية، هي:

أ. الفترة الأولى: 1960 - 197332

في هذه الفترة، كانت العلوم السياسية حاضرة بقلّة، وكان التعليم في "الكلية" يفضي في مرحلة أولى إلى تحصيل شهادة الإجازة في الحقوق (مدّتها 4 سنوات)، ثم تحصيل شهادة الكفاءة في الحقوق (مدّتها سنتان.) فأما على صعيد الإجازة في الحقوق، فقد برزت العلوم السياسية من خلال ارتباطها بالقانون العام في نطاق السنة الرابعة ضمن ما كان يسمى ب "شعبة القانون العام والعلوم السياسية" 33، وذلك نظرًا إلى كونها شعبة شبه مستقلة يعود إلى الطلبة وحدهم اختيار التوجه إليها بعد النجاح في السنة الثالثة. وفي مقابل ذلك، جرى الإبقاء على تدريس عدد من المواد القانونية المشتركة بين مختلف الشعب. ويوضّ ح الجدول 1() مختلف الشعب والتخصصات الموجودة على مستوى السنة الرابعة "إجازة في الحقوق" وموقع شعبة القانون العام والعلوم السياسية فيها. وأول ما يتبادر إلى الذهن من خلال هذا الجدول المتعلق بتحصيل الإجازة في الحقوق هو اقتصار شعبة القانون والعلوم السياسية على تدريس بعض مواد العلوم السياسية على غرار "المصالح العمومية الكبرى"، وتاريخ المذاهب والأفكار السياسية"، وطرق البحث في العلوم السياسية، لكن ذلك لم يحُل في الواقع دون مشاركتها لباقي الشعب في تدريس مواد أخرى ذات صلة بالقانون. ونظرًا إلى أن الإجازة في الحقوق كانت تعتمد على الدروس التطبيقية إلى جانب دروسها النظرية، فقد اقتصرت على تدريس مادة واحدة من مواد العلوم السياسية على مدار السنة الجامعية هي "المصالح العمومية الكبرى" إلى جانب مادة أخرى يقع اختيارها خلال كل سداسي من "القانون الدولي الخاص" أو "القانون التجاري" أو "احتساب المعاملات والقواعد الجبائية"، كما يتضح من الجدول 2(.) هذا فيما يخص المرحلة الأولى من "شهادة الإجازة في الحقوق." أما على مستوى "شهادة الكفاءة في الحقوق" التي كانت تستغرق سنتين وتعادل اليوم شهادة الماجستير، فلم تكن تشتمل إلا على مواد القانون العام والقانون الخاص، وكانت تقتصر في السنة الأولى على تدريس القانون المدني، والقانون العام، والقانون الجنائي، والاقتصاد السياسي، والاحتساب التجاري، في حين كانت تقتصر في السنة الثانية على تدريس القانون المدني، والقانون التجاري، والمرافعات المدنية والتجارية، والنزاعات الإدارية، والمؤسسات المالية. وفي هذه المرحلة، لم يكن للعلوم السياسية أيّ حضور؛ لا من خلال تدريس بعض موادها، ولا من خلال تمكينها من شهادة في الكفاءة في العلوم السياسية.

  1. 28  أحمد بن أبي الضياف، إ تحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، ج 1 (تونس: الدار التونسية للنشر، 1976)، ص 12، 58،.68
  2. 29  الجمهورية التونسية، "أمر عدد 172 لسنة 1960، مؤرخ في 16 ذي القعدة 1379 12(ماي 1960) يتعلق بالإجازة وشهادة الكفاءة في الحقوق"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 26، 1960/5/27، ص.911-910 30  المرجع نفسه. المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: "الأمر" عدد 172 لسنة 1960، مؤرخ في 16 ذي القعدة 1379 12(ماي 1960) المتعلق بالإجازة وشهادة الكفاءة في الحقوق"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 26، 1960/5/27، ص.911-910 المصدر: المرجع نفسه، ص.910

الجدول)1(السنة الرابعة (إجازة في الحقوق)

أنواع
الشعب
شعبة القانون العام والعلوم السياسيةشعبة القانون
الخاص
الشعبة الإداريةالقسم المشترك بين مختلف
الشعب (قانون خاص، وقانون
عمام، وعلوم سياسية، وإدارة)
المدة
المواد
المدرّسة
املمصالح العمومية الكبرىالمبادئ العامة
لملقانون الخاص
المصالح العمومية
الكبرى
القانون الدولي الخاصسنة
تاريخ المذاهب والأفكار السياسيةالقانون الجنائي
االخاص
الاحتساب في المالية
العمومية
القانون التجاري6 أشهر
القانون الدولي العام المعمقاملقانون البحريطريقة التصرف في
المصالح العمومية
القانون المدني6 أشهر
طرق البحث في العلوم السياسية (اختيارية)قاانون التأمينالاقتصاد المالي
(اختيارية)
تنفيذ الأحكام6 أشهر
الحريات العامة (اختيارية)القانون الدولي
(اختيارية)
النزاعات الإدارية6 أشهر

الجدول)2(السنة الرابعة (شعبة القانون العام والعلوم السياسية)

المواد المدرّسةدروس نظريةدروس تطبيقيةدروس اختياريةالمدة
المصالح العمومية الكبرىXXسنة
تاريخ المذاهب والأفكار السياسيةX6 أشهر
القانون الدولي العام المعمقX6 أشهر
طرق البحث في العلوم السياسيةX6 أشهر
الحريات العامةX6 أشهر
القانون الدولي الخاصXX
القانون التجاريXX
احتساب المعاملات والقواعد الجبائيةXX

الجدول)3(السنة الأولى من المرحلة الثانية في العلوم السياسية

دروس نظريةدروس تطبيقيةالمدة
الطرق السياسية المقارنةالطرق السياسية المقارنةسنة
المدخل إلى العلوم السياسيةسنة
العلاقات دوليةالعلاقات الدوليةسنة
الإنكليزية6 أشهر
تاريخ الأفكار السياسية6 أشهر
الطرق الإدارية المقارنة6 أشهر
علم أساليب البحث السياسيعلم أساليب البحث السياسي6 أشهر بالنسبة إلى النظري وسنة
واحدة بالنسبة إلى التطبيقي

هكذا، نلاحظ أنّ تدريس العلوم السياسية ظل مرتبطًا بالأساس بالقانون العام وحتى ببعض مواد القانون الخاص؛ مقتصرًا على سنة جامعية واحدة هي السنة الرابعة، ولم يكن له من أثر في باقي المراحل. غير أنّ هذه الفترة لن تلبث أن تعرف تطورات أخرى جوهرية.

ب. الفترة الثانية: 1973 - 2008

إنّ ما يميّز تدريس العلوم السياسية في هذه الفترة أنه كان ينطلق بعد تحصيل الطالب لعامين من التكوين القانوني المشترك والشامل  34. وكان هذا التكوين مدعّمً ببعض مواد العلوم السياسية، على غرار علم الاجتماع السياسي، والاقتصاد السياسي، وتاريخ الأفكار السياسية. بعد ذلك كان الطالب الناجح ينتقل إلى المرحلة الثانية التي تستغرق سنتين أيضًا، متوجّهًا إلى إحدى ثلاث شعب: القانون العام أو القانون الخاص أو العلوم السياسية. وفي شعبة "العلوم السياسية"، كان من حقّ الطلبة الناجحين الحصول بعد ذلك على شهادة "الإجازة في الحقوق والعلوم السياسية"، شأنهم في ذلك شأن الطلبة الناجحين في شعبتي "القانون العام" و"القانون الخاص." ومن ثم، كان في وسعهم التسجيل في المرحلة الثالثة لنيل شهادة "الدراسات العليا في العلوم السياسية" 35، والتسجيل لاحقًا في مرحلة دكتوراه الدولة للعلوم السياسية 36، على أن هذه المرحلة كانت تستغرق سنتين، وكانت تتكون من دروس نظرية وأخرى تطبيقية، وكانت تفضي أيضًا إلى الحصول على إجازة في الحقوق والعلوم السياسية، يجري خلالها دراسة مواد العلوم السياسية وغيرها من المواد، على نحو ما يبيّنه الجدولان)3(و)4( 37. وبالنسبة إلى مرحلة الدراسات العليا في العلوم السياسية التي اعتبرت في هذه الفترة بمنزلة المرحلة الثالثة، وتعادل اليوم مرحلة الماجستير، فكانت تستغرق نحو سنة (أي سداسيّتين)، وكان التسجيل فيها مفتوحًا أساسًا لحاملي الإجازة في الحقوق والإجازة في العلوم الاقتصادية، ثم تتوج بنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية بعد أن تُقدّم مذكرة بحث في الغرض وتُناقش أمام لجنة متخصصة  38.

  1. 35  الجمهورية التونسية، "قرار وزير التربية القومية مؤرخ في 6 سبتمبر 1973 يتعلق بضبط تنظيم الدروس والامتحانات لشهادة الدراسات العليا للعلوم السياسية"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، 11-7 سبتمبر 1973، ص.1546-1545
  2. 32  الجمهورية التونسية، "أمر عدد 074 لسنة 1973، مؤرخ في 6 سبتمبر 1973 يتعلق بإحداث شهادات الدراسات العليا بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 34، 1973/9/11-7، ص.1540-1539
  3. 33  الجمهورية التونسية، "أمر عدد 084 لسنة 1973 مؤرخ في 6 سبتمبر 1973 يتعلق بإحداث دكتوراه دولة تمنحها كلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية بتونس"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 34، 1973/9/11-7، ص.1540
  4. 34   " أمر عدد 224 لسنة 1973"، ص.904-903
  5. 31  الجمهورية التونسية، "أمر عدد 224 لسنة 1973، مؤرخ في 19 ماي 1973، يتعلق بضبط نظام الدراسة بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 20، 1973/5/22-18، ص.904-903
دروس نظريةدروس تطبيقيةيجري اختيار 3 مواد من بين 6 مواد
ممقترحة
المدة
الطرق السياسية المقارنةالطرق السياسية المقارنةسنة
أساليب البحث التجريبي في العلوم السياسيةأساليب البحث التجريبي في العلوم السياسيةسنة
مشاكل التنمية في البلاد التونسيةسنة
العلاقات الدوليةالعلاقات الدولية6 أشهر
تاريخ الأفكار السياسية6 أشهر
أهم المذاهب المعاصرة6 أشهر
حل النزاعات الدولية6 أشهر
أساليب تنظيم المصالح العمومية والتصرف فيها6 أشهر
قانون الشغل6 أشهر
الحسابيات العمومية6 أشهر
القانون الدولي الخاص6 أشهر

ويمكن أن نلاحظ هنا أن المواد التي اعتمدت في المقرر الدراسي كانت تركز في مجملها على مواد العلوم السياسية، وذلك طبقًا للمنوال الذي يوضحه الجدول.)5(وتجدر الإشارة هنا إلى أن الطلبة الحاصلين على شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية كانوا مطالبين بنيل شهادة الدراسات العليا في القانون العام، مثلما كان نظراؤهم في القانون العام مطالبين أيضًا بنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية، وذلك حتى يتمكنوا من اجتياز المناظرات الوطنية  39 التي كانت تُجرى في تلك الفترة من أجل انتداب مدرسّي القانون العام في "كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس" 40. الجدول)4(السنة الثانية من المرحلة الثانية في العلوم السياسية

ولكن مع بدء العمل بشهادة الدراسات المعمقة في العلوم السياسية عام 1979 41، طُويت مرحلة الدراسات العليا في العلوم السياسية دون رجعة، علمً أن مرحلة الدراسات المعمقة في العلوم السياسية، كانت تستغرق سنتين إجمالً، وكانت تتوّج بإعداد بحث في أحد موضوعات العلوم السياسية لنيل شهادة في الدراسات المعمقة في العلوم السياسية. وقد تميزت المواد التي اعتمدت في المقرر الدراسي بجمعها بين مواد العلوم السياسية ومواد القانون بفرعيه العام والخاص، طبقًا لما هو مبيّ في الجدولين 6(.)7() و استمرّت هذه المرحلة تقريبًا بخيارتها الكبرى من عام 1979 إلى تاريخ اعتماد نظام "إمد" (أي نظام "الإجازة" و"الماجستير" و"الدكتوراه)" في، باستثناء بعض التعديلات التي أُحدود 2008 درجت في التسعينيات، والتي كانت تتعلق بحذف التعليم التطبيقي، وإعادة توزيع مواد

  1. 36  تجدر الإشارة إلى أن الشروع في عملية التدريس في كلية الحقوق، كان يمر عبر مناظرة وطنية، تُجرى بصورة دورية مرة في كل سنة أو مرة كل سنتين، إذ تعيّ وزارة التعليم العالي لجنة مختصة من الأساتذة الجامعيين تسند إليها اختيار منتدبين من المترشحين للمناظرة من الذين أثبتوا جدارتهم بالنجاح، وذلك في حدود العدد الذي تحتاج إليه الكلية.
  2. 37  توصلنا إلى هذه المعطيات من خلال حوارنا مع الأستاذ منصف بوقرة مدير قسم العلوم الجنائية سابقًا بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، والأستاذ أحمد بن طالب مدير مدرسة الدكتوراه بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس حاليًّا. المصدر: المرجع نفسه.
  3. 38  الجمهورية التونسية، "أمر عدد 824 مؤرخ في 28 سبتمبر 1979 يتعلق بإحداث شهادات الدراسات المعمقة بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية بتونس"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 59، 1979/10/9، ص 2656؛ الجمهورية التونسية، "أمر عدد 826 لسنة 1979 مؤرخ في 28 سبتمبر 1979 يتعلق بضبط تنظيم الدراسات والامتحانات لشهادة الدراسات المعمقة في العلوم السياسة بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد بتونس"، 59، 1979/10/9، ص.2662-2659 المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: "قرار وزير التربية القومية المؤرخ في 6 سبتمبر 1973 المتعلق بضبط تنظيم الدروس والامتحانات لشهادة الدراسات العليا للعلوم السياسية"، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، 11-7 سبتمبر 1973، ص.1546-1545 المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: "الأمر عدد 826 لسنة 1979 مؤرخ في 28 سبتمبر 1979 المتعلق بضبط تنظيم الدراسات والامتحانات لشهادة الدراسات المعمقة في العلوم الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد السياسية بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية بتونس"، 59، 1979/10/9، ص.2660 المصدر: المرجع نفسه.

الجدول)5(مواد مرحلة الدراسات العليا في العلوم السياسية

دروس في شكل محاضراتا دروس في شكل دراسات مسّيّ ة
الموادالمؤسسات السياسية المقارنةاألعلاقات الدولية
النظريات السياسيةتاريخ الأفكار السياسية
العلاقات الدوليةلغة أجنبية

العلاقات الدولية

الجدول)6(السنة الأولى لشهادة الدراسات المعمقة في العلوم السياسية

طبيعة المادةالمادة
مواد إجباريةالأنظمة السياسية والقانون الدستوري
الأنظمة الدولية والقانون الدولي
مناهج العلوم الاجتماعية
مواد اختياريةيجري اختيار مادتين من بين المواد التالية:
تاريخ الأفكار السياسية
النظرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية
التنظيمات الإدارية التونسية
عناصر العلوم الإدارية
قانون الشغل والضمان الاجتماعي

الجدول)7(السنة الثانية لشهادة الدراسات المعمقة في العلوم السياسية

طبيعة المادةالمادة
مواد إجباريةالعلاقات الدولية
علم الاجتماع السياسي
النظم السياسية المقارنة
مواد اختياريةيجري اختيار مادتين من بين المواد التالية:
علم اجتماع التنظيمات
تسوية النزاعات الدولية
السياسة الخارجية للبلاد التونسية
قانون الإعلام والصحافة
الأنظمة الإدارية المقارنة/ نظم القرار/ التجارة والتطور الاقتصادي

لغة أجنبية

قانون الشغل والضمان الاجتماعي

الأنظمة الإدارية المقارنة/ نظم القرار/ التجارة والتطور الاقتصادي

العلوم السياسية، واعتماد شهادة الأستاذية في الحقوق والعلوم السياسية (شعبة العلوم السياسية) بدلً من الإجازة في الحقوق 42. ومنذ عام 1979 إلى عام 1995، استقرّ الأمر على تدريس العلوم

الدروس النظرية الإجباريةالأشغال المسّيّ ة
قانون دولي عام 2X
منظمات دولية 1X
تسوية النزاعات الدوليةX
مناهج العلوم السياسيةX
علاقات دولية 1
منظمات دولية 2
علاقات دولية 2
تونس والمنظمات الدولية
الدروس النظرية الاختياريةتُختار 3 مواد فقط
السياسة المالية والجبائية
الأيديولوجيا المعاصرة
النظرية السياسية
المالية الدولية
ويمكن أن تتوسع الدروس النظرية
الاختيارية لتشمل دروسًا أخرى على
أّلّ تقع الزيادة في العدد الجملي
للدروس النظرية المحددة لكل
سنة، وهي:
العلاقات الدولية في العالم الثالث
السياسة الخارجية للبلاد التونسية
تقنيات علوم الاجتماع

السياسية في مستوى السنتين الأولى والثانية من المرحلة الثانية، اعتمادًا على عدد من المواد المتعلقة بعلم الاجتماع السياسي وتاريخ الأفكار السياسية ومناهج العلوم السياسية، إلى جانب مواد أخرى تتعلّق بالقانون الدولي العام، وذلك على نحو ما يبيّنه الجدولان 8(.)9() و الجدول)8(السنة الأولى من المرحلة الثانية في شعبة العلوم السياسية

الدروس النظرية الإجباريةالأشغال المسّيّ ة
القانون الدولي العام 1X
المشاكل السياسية الكبرى المعاصرةX
علم الاجتماع السياسيX
القانون الدبلوماسي والقنصليX
التاريخ السياسي للبلاد التونسية
الحريات العامة
تاريخ الأفكار السياسية
الدروس النظرية الاختياريةتُختار 3 مواد فقط
الفلسفة السياسية
الأنظمة السياسية المقارنة
الأنظمة السياسية المغاربية
م الأنظمة السياسية العربية
م السياسة الاجتماعية

الجدول)9(السنة الثانية من المرحلة الثانية في شعبة العلوم السياسية

يمكن اعتبار هذه الفترة التي دامت 16 عامًا تقريبًا بمنزلة العصر الذهبي للعلوم السياسية في كلية الحقوق والعلوم السياسية، وذلك نظرًا إلى ما عرفته من استقرار هيكلي وتطور مضموني، بسبب تمتّعها بنوع من الاستقلالية عن تخصص القانون بفرعيه الخاص والعام، وتعزيز مكانة بعض موادّها في برامج التدريس. لكن هذه الفترة - لأسباب أيديولوجية وسياسية 43 - ما لبثت أن شهدت مع منتصف

  1. 39  الجمهورية التونسية، "أمر عدد 1081، لسنة 1989 مؤرخ في 10 أوت 1989 يتعلق
  2. بضبط نظام الدراسات والامتحانات لشهادة الأستاذية في الحقوق والعلوم السياسية بكلية الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد الحقوق والعلوم السياسية بتونس"، 58، 1989/8/29، ص.1284–1280 المصدر: المرجع نفسه، ص 1284–1283. 40  معلومة أفاد بها حمادي الرديسي الباحث، في حوار معه، ومفادها أن السلطة السياسية كانت تخشى من أن تعزيز مكانة العلوم السياسية في الجامعة التونسية سيؤدي إلى نقد تلك السلطة والتشكيك في شرعيتها. المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: "قرار وزير التعليم العالي المؤرخ في 3 نوفمبر 1995، المتعلق بضبط نظام الدراسات والامتحانات للتحصيل على الشهادتين الوطنيتين للمرحلة الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد الأولى والأستاذية في الحقوق"، 92، 1995/11/17، ص 2262-2261؛ دليل الطالب: 1999-1998 (تونس: كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 1999)، ص.24 المصدر: المرجع نفسه.

الجدول)10(السداسي الأول من السنة الأولى من شعبة العلوم السياسية

االوحداتباالاشتراك مع شعبة القانون العامبىالاشتراك مع شعبة القانون الخاصعلى نحو مستقل
القانون الدولي العام 1: المقدمة والمصادرX
كبريات المسائل السياسية المعاصرةX
القانون التجاري 1: المقدمة والأصل التجاريX
القانون المدني: قانون العائلةX
الفلسفة السياسيةX
مدخل إلى دراسة العلوم السياسيةX

الجدول)11(السداسي الثاني من السنة الأولى من شعبة العلوم السياسية

االوحداتباالاشتراك مع شعبة القانون العامبىالاشتراك مع شعبة القانون الخاصعلى نحو مستقل
القانون الدولي العام 2:X
علم الاجتماع السياسيX
القانون التجاري 2: الشركات التجاريةX
القانون الجبائيX
القانون الدستوري المقارنX
تاريخ الأفكار السياسيةX

التسعينيات شيئًا من التراجع تمثل خاصة في إعادة توزيع مواد العلوم السياسية، وإرساء علاقة جديدة مع مواد القانون العام والخاص، كان لها من الأثر السلبيّ؛ ما أخلّ بمكانة هذه العلوم 44. وهو ما دفع رئيس قسم العلوم السياسية، الأستاذ فرحات الحرشاني في تلك الفترة، إلى المطالبة بإدخال إصلاحات على هذا التخصص لوقف هذا التراجع. وكانت العلوم السياسية في هذه الفترة تدرّس في مستوى السنة الأولى من المرحلة الثانية اعتمادًا على المواد التالية: مدخل إلى دراسة العلوم السياسية، والفلسفة السياسية، وعلم الاجتماع السياسي، وتاريخ الأفكار السياسية، في حين توزعت بقية المواد بين القانون الدولي، والقانون العام، وحتى القانون الخاص. وكانت هذه العلوم تدرّس في هذه السنة على نحو مشترك مع بقية طلبة شعبة القانون العام وشعبة القانون الخاص، كما هو مبين في الجدولين 10(.)11() و أما في مستوى السنة الثانية من المرحلة الثانية من العلوم السياسية، فلم يكن لمواد العلوم السياسية حضور إلا من خلال مناهج العلوم

  1. 41  الجمهورية التونسية، "قرار من وزير التعليم العالي مؤرخ في 3 نوفمبر 1995، يتعلق بضبط نظام الدراسات والامتحانات للتحصيل على الشهادتين الوطنيتين للمرحلة الأولى الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد والأستاذية في الحقوق"، 92، 1995/11/17، ص.2262-2261 المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: الجمهورية التونسية، "قرار وزير التعليم العالي المؤرخ في 3 نوفمبر 1995، المتعلق بضبط نظام الدراسات والامتحانات للتحصيل على الشهادتين دليل الطالب الوطنيتين للمرحلة الأولى والأستاذية في الحقوق"، ص 2262-2261، ص؛.28 المصدر: المرجع نفسه. المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: "قرار وزير التعليم العالي المؤرخ في 3 نوفمبر 1995، المتعلق بضبط نظام الدراسات والامتحانات للتحصيل على الشهادتين الوطنيتين للمرحلة دليل الطالب الأولى والأستاذية في الحقوق"، ص 2262-2261، ص؛.35
االوحداتباالاشتراك مع شعبة القانون العامبىالاشتراك مع شعبة القانون الخاصعلى نحو مستقل
القانون الدبلوماسي والقنصلي×
مناهج العلوم الاجتماعية×
العلوم الإدارية×
القانون الدولي الخاص 1: تنازع القوانين
وتنازع المحاكم
×
قانون الإجراءات المدنية×
النزاع الإداري×

النزاع الإداري

االوحداتباالاشتراك مع شعبة القانون العامبىالاشتراك مع شعبة القانون الخاصعلى نحو مستقل
المنظمات الدولية×
العلاقات الدولية×
تسوية النزاعات بالطرق السلمية×
القانون الدولي الخاص 2: الجنسية ومركز الأجانب×
القانون الإداري للأموال والملك العمومي×
القانون المدني 7: قانون التأمينات×

القانون المدني 7: قانون التأمينات

الوحداتدروسندوات
الأنظمة السياسية المقارنة×
العلاقات الدولية×
مناهج العلوم الاجتماعية×
الفكر السياسي المعاصر
السياسة الاجتماعية
علم الاجتماع السياسي المعمق

علم الاجتماع السياسي المعمق

الجدول)12(السداسي الأول من السنة الثانية من شعبة العلوم السياسية

الجدول)13(السداسي الثاني من السنة الثانية من شعبة العلوم السياسية

الجدول)14(مرحلة الدراسات المعمقة

الاجتماعية. وقد جرى التركيز على القانون العام والقانون الدولي وبعض مواد القانون الخاص، وهو ما يوضّ حه الجدولان 12(.)13() و وأما بالنسبة إلى مرحلة الدراسات المعمقة، من شعبة العلوم السياسية، فقد انحصرت فيها وحدها إمكانية التسجيل في المرحلة الثالثة، دون الدراسات العليا في العلوم السياسية 45، وكانت تستغرق عامين؛ عامًا للدراسة وعامًا لإعداد رسالة البحث، مع متابعة تكوين بيداغوجي تكميلي يجري في شكل ندوات أسبوعية إجبارية. ومن الموادّ التي كانت تدرّس في هذه المرحلة ما يوضّ حه الجدول.)14(جملة القول، إذًا، إن مواد القانون العام والقانون الخاص، بسبب هيمنتها في نطاق شهادة "الأستاذية" على مواد العلوم السياسية، مثّلت سببًا رئيسًا في تهميش مكانة هذه الأخيرة. ويكفي شاهدًا على ذلك أن معظم المواد المعتمدة في المقرر الدراسي في هذه الفترة بقيت بعيدة عن مواد العلوم السياسية؛ إذ تندرج في 12 مادة من المواد التي يشترك جميع طلبة الحقوق في دراستها وجوبًا، في مستوى المرحلة الثانية، سبع مواد في القانون الخاص (القانون التجاري الأول، والقانون التجاري الثاني، وقانون الأسرة المدني، والإجراءات المدنية، والقانون الدولي الخاص الأول، والقانون الدولي الخاص الثاني، وقانون التأمينات)، وتندرج المواد الخمس الباقية في القانون العام (النزاع الإداري، والقانون الدولي العام، والقانون الجبائي، والقانون الإداري للأموال، والملك العام.) أما في مرحلة الدراسات المعمقة في العلوم السياسية، فكان الأمر مغايرًا؛ إذ استردّت مواد هذه العلوم شيئًا من مكانتها. على أن هذه الفترة ستشهد كذلك تغيرات جذرية بحلول نظام "إمد."

ج. الفترة الثالثة: مرحلة "إمد"

من خلال اعتماد نظام "إمد" (أي نظام "الإجازة" و"الماجستير" 46و"الدكتوراه)" في التعليم العالي عام 2008، دخلت العلوم السياسية مرحلة جديدة تميّزت بالتخلي عن الأستاذية في العلوم السياسية والاكتفاء بماجستير البحث ومرحلة الدكتوراه. ولئن تعززت مكانة العلوم السياسية بفضل هذا النظام من حيث طبيعة المواد المدروسة، فإن العلاقة بمواد القانون العام لم تنقطع؛ إذ استمر تدريسها بشكل أو بآخر. وهو ما يتضح من الجداول 15(16() و.)17()، و يمكن القول، على سبيل الاستنتاج، إن العلوم السياسية، سواء أتعلق الأمر بالنظام القديم للتعليم الجامعي أم بالنظام الجديد (إمد)، قد حافظت على حضورها في مختلف المستويات، وذلك في تطور مطّرد في اتجاه بروز أكثر واستقلالية أكبر وكسب مساحات جديدة من المواد المدرجة في العلوم السياسية على حساب مواد القانون العام والقانون الخاص، حتى إن بقيت العلاقة مع القانون العام، على وجه الخصوص، محافظة على نوع من الاستمرار. وقد ظلت هذه العلوم قِبلة الباحثين والطلبة من تخصصات علمية وجامعية شتى. يستوي في ذلك المتخرجون من ماجستير العلوم السياسية والمتخرجون من القانون العام والقانون الخاص، بل حتى المجازون في التاريخ والصحافة والفلسفة وعلم الاجتماع وسائر تخصصات العلوم الإنسانية. وقد سمح هذا التنوع بإيجاد حالة من تبادل المعارف بين مختلف فروع الإنسانيات. وليس ذلك بغريب على العلوم السياسية، التي تبقى مدينة في تطورها للوشائج المتينة مع هذه التخصصات 47. لكنّ وضعًا على هذا النحو لم يكن ليتَرك للمتخرجين في العلوم السياسية إلا خيارات محدودة على الصعيد المهني؛ إذ لم يكن أمامهم إلا أن يمتهنوا التدريس في الجامعة، وهذا يتطلب منهم المشاركة في المناظرة الوطنية الخاصة بانتداب مدرسين جامعيين في خطّة مساعد في القانون العام  48، أو أن يتوجّهوا إلى المشاركة في مختلف المناظرات الوطنية (مثل مناظرة المدرسة القومية للإدارة على سبيل المثال.)

  1. 42  يجري الترسيم بعد دراسة لجنة مؤهلة في هذا الشأن، من أساتذة الكلية، الملفات،
  2. 43  الجمهورية التونسية، "القانون عدد 19 لسنة 2008، مؤرخ في 25 فيفري يتعلق الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد بالتعليم العالي"، 19، 2008/3/4، ص.873-868
  3. Jean-Louis Loubet del Bayle, "De la science politique," Politique , no. 20 (1991), pp. 107-108. 45  في سنة 2022 على وجه التحديد، جرى فتح مناظرة وطنية للعلوم السياسية من أجل انتداب عدد من المساعدين، إلى جانب مناظرة وطنية أخرى عبر الترشح من خلال تقديم الملفات للارتقاء إلى رتبة أستاذ. الرائد الرسمي للجمهورية التونسية المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: "القانون عدد 19 لسنة 2008، مؤرخ في 25، العدد فيفري يتعلق بالتعليم العالي"، 19، 2008/3/4، ص.873-868 المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه.
  4. وتُراعى في ذلك إمكانات التكوين والتأطير بالكلية والحصص المسندة إلى مختلف الكليات.

الجدول)15(السداسي الأول من السنة الأولى من مرحلة الماجستير - شعبة العلوم السياسية

الوحداتدروس نظرية: 3 ساعات أسبوعيًّامدة الدروسندوات البحثالضوارب
النظام السياسي التونسيأساسية24 س21 س4
الأنظمة السياسية المقارنةأساسية24 س21 س4
مناهج العلوم السياسيةأساسية24 س3
القانون الدولي الإنسانيأساسية28 س3
الاقتصاد السياسي الدولياختيارية21 س1
الإنكليزيةاختيارية21 س1

الجدول)16(السداسي الثاني من السنة الأولى من مرحلة الماجستير - شعبة العلوم السياسية

الوحداتدروس نظرية: 3 ساعات أسبوعيًّامدة دروسندوات البحثالضوارب
الأنظمة السياسية في العالم العربي الإسلاميأساسية24 س21 س4
الأنظمة الانتخابيةأساسية24 س21 س4
الأحزاب والأنظمة المواليةأساسية24 س3
السياسات العموميةأساسية28 س3
الدين والسياسةاختيارية21 س1
الأنظمة السياسية المقارنةاختيارية21 س1

الجدول)17(السداسي الأول من السنة الثانية من مرحلة الماجستير - شعبة العلوم السياسية

الوحداتدروس نظرية: 3 ساعات أسبوعيًّامدة دروسندوات البحثالضوارب
العلاقات الدوليةأساسية24 س21 س4
الانتقال الديمقراطيأساسية24 س21 س4
الفكر السياسيأساسية24 س3
الاقتصاد السياسيأساسية28 س3
الدولة والثقافةاختيارية21 س1
مناهج وتقنيات البحث في العلوم السياسيةاختيارية21 س1

ومع ذلك، قد نجح هذا النظام في استيعاب الطلبة الراغبين في التخصص في العلوم السياسية، ومكّنهم من فرص التشغيل في الوظيفة العمومية، بل التدريس بالجامعة التونسية، أو حتى الالتحاق بمهنة المحاماة. وسمح لهم أيضًا بإنجاز بحوثهم العلمية سواء كان ذلك في نطاق مذكّرات الماجستير أو رسائل الدكتوراه. لكن بعد أن شهدت البلاد عام 2011 ثورة جعلتها تنخرط في تجربة الانتقال الديمقراطي 2014، ومع مطلع السنة الجامعية 2020-2019 تحديدًا، حصل ما لم يكن في الحسبان؛ إذ كان المتوقّع، بالنظر إلى أهمية الموضوعات المستجدة واتساع مناخ الحريات بالبلاد، أن يكون للعلوم السياسية مستقبل مشرق تتعزّز فيه استقلاليتها وتترسّخ مكانتها، وذلك بموجب انفتاحها على خمسة حقول معرفية رئيسة على الأقل، كانت تفرض نفسها في السياق الجديد؛ هي: "علم الانتقال الديمقراطي"، و"علم الثورات"، و"السياسات العمومية"، و"نظرية العلاقات الدولية"، و"الأنظمة السياسية المقارنة." فإذا بنا نواجه – وهذه مفارقة - قرارًا بالتخلي عن ماجستير العلوم السياسية من كلية الحقوق والعلوم السياسية، وهو أمرٌ حرم الثورة التونسية والانتقال الديمقراطي بحسب رأينا من سند معرفي كنّا في أمسّ الحاجة إليه. إن نظريات العلاقات الدولية، مثلً، كان في وسعها أن تساعد على فهم ما يجري في بلادنا، حتى لا تبقى نظريات المؤامرة هي المرجع الأساس لعموم الشعب، وحتى لبعض النخب أيضًا، في تفسير أسباب اندلاع الثورة التونسية والانخراط في مسار الانتقال الديمقراطي. وكان لعلم الانتقال الديمقراطي أن ينبهنا إلى مزالق مساراته الهشة واللايقينية حتى لا يغالطنا الاعتقاد الخادع في نهايتها الحاسمة  49، وإلى ما يجب أن نتسلّح به من ثقافة سياسية ناضجة لترشيد دور النخب، وفضح عبث الشعبوية، واستنفار القوى الحية لتحقيق التنمية الاقتصادية. وقِس على ذلك أيضًا عِلم الثورات الذي كانت تكفي دراسته على منوال النموذج التفسيري الذي وضعته حنة أرندت مثلً، لبلورة تصور جديد عن أهداف الثورة يقطع مع الاختزال الماركسي السائد الذي وقف مهمة الحدث الثوري على مجرد القطيعة الحاسمة والدموية مع الماضي بداعي تحقيق المساواة وتوفير الخبز والشغل والازدهار الاقتصادي، مع أن الأمر بحسب ما ذهبت إليه هذه الفيلسوفة لا يستدعي أكثر من وضع دستور وإرساء نظام سياسي جديد بكل ما يتطلّبه ذلك من احترام للحقوق وللحريات  50. وعلى أي حال، فإنّ الحاجة إلى العلوم السياسة لا يفترض أن تكون موضع نقاش أصلً؛ ليس لما تتيحه للباحث من تحصيل علمي ومعرفي فحسب، بل لقدرتها على مواكبة مجريات الأحداث وتفسير مختلف الظواهر السياسية ودراستها واستخلاص النتائج منها أيضًا. أما أن يتم الاستغناء عن تدريسها في البلد الذي تملك جذورًا فيه، وهو تونس موطنها "الأمّ" على صعيد الدول العربية، فذلك لا يُبقِي لقسم العلوم السياسية من أفق إلا التحول إلى مجرد قسم إداري بلا محتوى تقريبًا  51. ولئن اعتبر بعض الأساتذة أن تخصص العلوم السياسية لم يحذف، وإنما ترك مكانه لماجستير آخر هو "الديمقراطية وإدارة الانتخابات"، فإنّ الثابت أن هذه الماجستير غير مؤهّلة لأن تحلّ بأي حال من الأحوال محل العلوم السياسية، وذلك لأسباب ثلاثة على الأقلّ: أولها أن الماجستير الجديدة ماجستير مهنية وليست ماجستير بحث. وثانيها، وهو الأهم، أن العلوم السياسية أشمل وأوسع من أن تنحصر في دراسات الانتقال الديمقراطي، وثالثها أن جلّ المواد المدرجة ضمنها لا صلة لها على الحقيقة بمواد العلوم السياسية، بل إنّ صلتها بمواد القانون العام أوثق، كما هو مبين في الجدول.)18(ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى أن ظهور هذه الماجستير الجديدة كان ثمرة تعاون بين "كلية الحقوق والعلوم السياسية" و"المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية La fondation internationale pour ". وليس من قبيل المصادفة حينئذ les systèmes électoraux, IFES أن تكون هذه الماجستير موجّهة أساسًا إلى العاملين في الهيئات المستقلة والصحافيين والبرلمانيين، وذلك من أجل تكوينهم في المادة الانتخابية وتمكينهم من الإلمام ببعض أساسيات العلوم السياسية. وحيث لم يعد ممكنًا أمام تراجع إقبال الطلبة على العلوم السياسية أن يتسع المجال للتخصصيَن معًا، كان أن جرَت التضحية بأحدهما لمصلحة الآخر. مهما يكن من أمر، فإن الاستغناء عن العلوم السياسية يبقى غير مبرر؛ لا بالنظر إلى أهمية العلوم السياسية بالنسبة إلى أي منظومة تعليمية جامعية معاصرة، وإلى العلاقة الوثيقة بين هذه العلوم والتحولات السياسية الكبرى التي يعيشها العالم وتونس تحديدًا فحسب، بل بالنظر أيضًا إلى أنّ الأسباب التي قدمت لتبرير الاستغناء

  1. Adam Prezworski, Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), p. 49; Javier Santiso, "La démocratie incertaine, La démocratie incertaine. La théorie des choix rationnels et la démocratisation
  2. 47  حنة أرندت، في الثورة، ترجمة عطا عبد الله (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.38 48  قسم العلوم السياسية هو قسم إداري يديره أحد الأساتذة المنتخبين ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وهو يهدف إلى متابعة مصالح الأساتذة، والإشراف على المسائل العلمية في الكلية، في كل ما يتعلق باختصاصه. المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى الوثائق الداخلية لكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس.
  3. en Amérique latine," Revue française de science politique , no. 6 (1993), p. 984; Dankwart A. Rustow, "Transitions to Democracy: Toward a Dynamic Model," Comparative Politics , vol. 2, no. 3 (1970), p. 345.
السداسي الأول من السنة الأولىالسداسي الثاني من السنة الأولىالسداسي الأول من السنة الثانية
الأنظمة السياسية المقارنةالنظم الانتخابيةالعدالة الانتخابية
القانون الانتخابيالانتقال الديمقراطيالمناهج والآليات
المالية والانتخاباتالأحزاب السياسيةإدارة المسارات الانتخابية
علم الاجتماع الانتخابيالحكومة المفتوحةالقواعد والمعايير الدولية
الإعلام والانتخاباتالاتصال السياسيالتكنولوجيا والانتخابات
الحملة الانتخابيةالتربية المدنية للناخبينإنكليزية

عنها، سواء بتعلّة محدودية عدد المقبلين عليها أو بتعلّة الرغبة في الالتصاق أكثر بالواقع السياسي الجديد، أو حتى بتعلّة محاولة انتشال العلوم السياسية من السقوط في الابتذال واللامعنى، تبقى حججًا واهية ولا ترقى إلى درجة الإقناع. ومع أنّ البحوث العلمية التي أُعدّت في نطاق كلية الحقوق والعلوم السياسية حول الثورة، أو حول الانتقال الديمقراطي (في إطار الحصول على شهادة الدكتوراه أو شهادة الماجستير) كان عددها مهًّمًّ، بل مجديًا في إثراء العنصر البشري في المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني بالكفاءات اللازمة، فإن إشعاع الكلية على محيطها بقي محدودًا، ولم يرتق بها في أي وقت من الأوقات إلى مستوى المرجعية العلمية التي يُحتكَم إليها.

ثانيًا: أزمة الموضوع وسبل تجاوزها

لعل التحدي الإشكالي الأكبر الذي بقيت العلوم السياسية تواجهه ويمثل عنوان أزمتها، هو ذاك الذي يتعلق باستقلاليتها، وبمدى قدرتها على تخطّي العقبات التي تعترض طريقها.

1. غياب الاستقلالية

ربما لا نجانب الصواب إذا قلنا إن أهم ما يجسّد أزمة العلوم السياسية في تونس هو تبعيتها للقانون الدستوري؛ فمنذ تأسيس "كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس"، قُدّمت هذه العلوم على أنها مجرد فرع مكمّل أو تابع للقانون الدستوري؛ وليس ذلك على الصعيدين الهيكلي الجدول)18(ماجستير مهني: "الديمقراطية وإدارة الانتخابات"

والموضوعي فحسب، بل حتى على الصعيد المنهجي أيضًا؛ إذ عُدّت مجرد وسيلة لتجاوز سطحية المنهج القانوني من أجل إبراز عمقه المفهومي وتنزيل قواعده في سياقها السوسيولوجي  52، وهو الموقف الذي عبّ عنه كبار الفقهاء الفرنسيين، على غرار جورج بوردو 53، وموريس دوفرجيه  54، وجاك شوفاليه55. وهذا التوجه، الموروث أصلً من التجربة الفرنسية في القرن التاسع عشر، ما فتئ يلقي بظلاله على التجربة التونسية في تدريس العلوم السياسية إلى اليوم، باعتبارها فرعًا من فروع القانون، ومن حيث كونها امتدادًا للقانون الدستوري، وحتى للقانون الدولي أيضًا. ولذلك، كان تخصص القانون العام في مختلف مستوياته معززًا باستمرار بتدريس عدد من مواد العلوم السياسية (على غرار علم الاجتماع السياسي، والفكر السياسي، والسياسات العمومية)، مثلما كانت العلوم السياسية معزّزة باستمرار بعدد من مواد القانون العام. وليس من قبيل المصادفة، مثلً، أن نجد في المناظرة الوطنية للارتقاء إلى رتبة أستاذ محاضر إلى حد اليوم جمعًا بين "القانون الدستوري"

  1. 49  محمد رضا بن حماد، القانون الدستوري والأنظمة السياسية (تونس: مركز النشر الجامعي، 2016)، ص.35
  2. G. Burdeau, Traité de science politique , tome I (Paris: LGDJ, 1949), p. 7.
  3. موريس دوفرجيه، المؤسسات السياسية والقانون الدستوري:  51 الأنظمة السياسية الكبرى، ترجمة جورج سعد (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2014)، ص.14
  4. J. Chevalier, "Droit constitutionnel et institution politiques: Les mésaventures d'un couple fusionnel," Mélanges en l'honneur de Pierre Avril (2001), p. 199.

و"العلوم السياسة" في التخصص نفسه 56، أو أن يقوم بتدريس مواد "العلوم السياسة" أساتذة متخصصون في "القانون العام"، وأن يقوم بتدريس مواد "القانون العام" أساتذة متخصصون في "العلوم السياسية" 57، أو أن ينزع معظم طلبة "العلوم السياسية" أو جزء كبير منهم إلى اختيار موضوعات رسائلهم في الدكتوراه أو الماجستير في "القانون الدولي" أو "القانون الدستوري." على أنّ كل هذه المظاهر وإن أكّدت، هي وغيرها، تبعية العلوم السياسية للقانون الدستوري، خصوصًا وللقانون العام عمومًا، فإنها في المقابل قد مكّنت المتخصصين في القانون العام من الانفتاح على العلوم السياسية ومناهجها؛ ومن ثمّ مكّنت من دراسة القانون بعيدًا عن شكلياته الصارمة وتحليلاته الوصفية، وعن قيود قراءة النص بالنص 58. وسمح هذا الوضع للعلوم السياسية، أيضًا، بأن تقتلع مكانتها – على نحو أو آخر - بوصفها تخصصًا مستقًّلًّ بذاته، قادرًا على التأقلم مع حاجات الطلبة، وعلى مسايرة الوضع السياسي في البلاد، وإن لم تكن السلطات الرسمية في الدولة مستعدة على ما يبدو لتطويره. لكن إضافة إلى هذا الوجه الذي يجسّد أزمة العلوم السياسية في تونس من خلال تبعيتها للقانون العام، ثمّة وجه آخر يتّصل بتبعيتها للأيديولوجيا. وهي مسألة سبق أن أثارها ماكس فيبر في سياق طرحه لإشكالية "الموضوعية" في العلوم الإنسانية والحاجة إلى اعتماد "الحياد الأكسيولوجي"، وذلك بعد أن اكتشف أن الجامعة أصبحت تعج ب "الأنبياء" الموظّفين لدى الدولة عوضًا عن الأساتذة "العلماء"؛ أي بأولئك الذين أصبحوا يستغلون الفضاء العلمي في نشر أفكارهم بلا نقاش ولا اعتراض، بدلً من أن ينشروا "دعوتهم" في الشوارع والكنائس والفضاءات العامة  59. ولئن حاولت كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس النأي بنفسها في خطّها العامّ عن إقحام الأيديولوجي في المعرفي، فإن انخراط بعض الجامعيين في تيارات أيديولوجية معيّنة كان سببًا في انزلاقهم بدرس العلوم السياسية في بعض موادّها إلى التوظيف الأيديولوجي، وتحويله إلى مناسبة لتمرير أفكار معينة؛ فيتحوّل معهم علم الاجتماع السياسي، مثلً، إلى "درس" في "علم الاجتماع الديني"، أو حتى في "علم الإسلاميات"، وسرعان ما ينقلب درس "العلمانية" على أيديهم إلى أداة للنضال من أجل إثبات ضرورة تكريس الفصل بين الدين والسياسة طبقًا للنموذج الفرنسي تحديدًا، وكأنه لا توجد تجارب أخرى مغايرة له يمكن أن تنجح في ممارسة الديمقراطية من دون الفصل بينهما، كما هو الحال مثلً بالنسبة إلى التجربة البريطانية. ولذلك، فمهما كانت أهمية الضغط الأيديولوجي في المجتمع، فإن خيارات مثل هذه النخب الجامعية المنخرطة في معظمها في النضال ضد "الإسلام السياسي" ورفع لواء الفصل بين الدين والدولة على منوال بعينه، تبقى من أهمّ الموانع التي لا تحول دون استقلالية العلوم السياسية والتزامها برسالتها العلمية والبيداغوجية في نطاق الحرم الجامعي بحياد صارم وموضوعية تامّة فحسب، بل إنها تحول أيضًا دون تمكين الطلبة من الأدوات المعرفية اللازمة لتحرير أفكارهم من لوثة الأيديولوجيا، والتجاذب السياسي، وتأمين الحدّ الأدنى المطلوب من الاستقلالية والعقلانية عند خوضهم في قضايا الشأن العام  60. إنّ مثل هذا "الانزلاق" بالخطاب المعرفي نحو نوع من الخطاب النضالي بالمعنى الذي شرحناه (أي بما هو دفاع عن قضية أيديولوجية أو سياسية باستغلال التخصص المعرفي والفضاء الجامعي)، وإن كان غير جديد في هذا السياق، ويمكن تفهمه من وجهة نظر معينة، يطرح جملة من الإشكاليات العويصة تتعلّق بمعنى الأيديولوجيا والحياد العلمي وكيفية الفصل بين الحقل المعرفي والحقل النضالي الأيديولوجي  61، وإلّ فكيف نفرسّ مثلً تدريس مباحث مثل الماركسية أو الليبرالية أو غيرهما من الأفكار؟  62 ألا ينطوي ذلك على فجوة تسمح بتسلّل الأيديولوجيا والنفَس النضاليّ إلى درس العلوم السياسية؟ أوََلَ يقتضي ذلك أنّ كل خطاب معرفي في عمقه ليس أكثر من واجهة برّاقة لخطاب مسكون بالأيديولوجيا وحماسة النضال وأنه، من ثمّ، لا معنى للتمييز بين الخطابين؟ 63 فأين هي الاستقلالية حينئذ عندما تتحوّل العلوم السياسية إلى وسيلة لخدمة السلطة، أو إلى مشروع خلاص لاقتراح أفضل الأنظمة السياسية والاقتصادية،

  1. 53  بحسب المنشور عدد 22/08، الصادر في 19 كانون الأول/ يناير 2022، فإنّ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تنظم مناظرة لانتداب أساتذة محاضرين في مادة القانون العام بعنوان دورة 219، وضمن هذه المادة تتنزل الاختصاصات التالية: القانون الدستوري والعلوم السياسية، والقانون الإداري والعلوم الإدارية، والقانون الدولي والعلاقات الدولية، والمالية العمومية والقانون الجبائي.
  2. 54  يمكن استثناء هذه السنة، فقد قررت الوزارة تنظيم مناظرة في العلوم السياسية خاصة بانتداب مساعدين 2022، وهي أول مرة تقريبًا يحصل فيها ذلك. وقد قررت أيضًا - وهذا لا يحصل دائمًا - فتح مناظرة أخرى خاصة بالعلوم السياسية طبقًا للملفات موجهة إلى الارتقاء إلى رتبة أستاذ جامعي في العلوم السياسية.
  3. Michel Troper, "Légitimité et constitution: les trois types purs de la jurisprudence constitutionnelle," Droit et Société , no. 56-75 (2004), p. 240;
  4. Max Weber, Essais sur la théorie de la science (Paris: Plon, 1965), p. 371.
  5. 57  لا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه المسألة لا تتعلق بالضرورة بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس وحدها، بل بكل الكليات.
  6. Loubet del Bayle, p. 119. 59  ستيفن دي تانسي، علم السياسة: الأسس، ترجمة رشا جمال (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2012)، ص.132
  7. Michel Troper, "Le constitutionnalisme entre droit et politique," Droit et Politique (1993), p. 88, accessed on 22/12/2022, at: https://bit.ly/3IxiP9g
  8. Loubet del Bayle, p. 120.

حتى إن لم يكن ذلك من مشمولاته أصلً؟ ثم أين هي الاستقلالية إذا تحوّل هذا العلم إلى أداة للتوظيف الأيديولوجي والسياسي بيد الإطار المدرّس في حصص الدرس، أو في الندوات العلمية، أو حتى في أثناء مناقشة الأعمال البحثية للطلبة بعد تسييجها بتصورات أيديولوجية مسبقة؟ لا شك في أن اللغة الواجب اعتمادها في التدريس تشكّل في حدّ ذاتها وجهًا آخر من وجوه أزمة العلوم السياسية، لارتباطها هي أيضًا بمعضلة الاستقلالية؛ شأنها في ذلك شأن الموضوع فيها. ولئن كان في اعتماد العربية ما يحقق التواصل الأفضل مع الطلبة ويمكّن من توطين المفاهيم السياسية المعاصرة في ثقافتنا الوطنية والعربية، وهو هدف في حد ذاته لا ينبغي إهماله، فإن الاكتفاء بها عن غيرها من اللغات يحرم الطالب من الاستفادة من المراجع الأجنبية، ويتركه أسيرًا لما يقدمه له الأستاذ من معارف، ذلك أنّ دور اللغة لا يقتصر على مجرد نقل المعلومة، بل إنه يعكس تصورًا كاملً للمعرفة والعالم، نظرًا إلى ارتباطها بالثقافة التي تنهل منها من حيث المراجع والنظريات والأفكار. والعربية، من هذه الناحية، لا يتوافر لها من الثراء المعرفي في مجال العلوم السياسية، سواء من حيث الإنتاج أو من حيث الترجمة، ما يؤهّلها فعلً لأن تكون لغة تدريس لهذه المادة. هكذا تتّضح طبيعة الإشكاليات التي تواجه العلوم السياسية، ويبقى بعد ذلك الحديث عن التحديات وسُبل تجاوزها؟

2. تحديات الأزمة وأفق تجاوزها

لا تمثّل عودة العلوم السياسية إلى سالف عهدها إشك لً في حدّ ذاته؛ إذ يكفي أن تأذن وزارة التعليم العالي بالنظر في مطالب تأهيل الشهادات الوطنية للإجازة والماجستير وإعادة تأهيلها؛ وذلك في مختلف تخصصات الحقوق والعلوم السياسية، حتى يتمّ ذلك. وهو ما يحدث في الواقع على نحو متواتر، بل إنّ الإشكال الحقيقيّ يتمثّل في عدد من الإكراهات والتحدّيات الطارئة التي تجد هذه العلوم نفسها مضطرّة إلى مواجهتها والتصدّي لها. من ذلك مثلً غياب إطار التدريس الكفء والكافي من أساتذة جامعيين من مختلف الأصناف والرتب، إما بسبب إحالة أغلبهم على التقاعد، وإما بسبب الهجرة إلى الخليج التي شملت عددًا من الجامعيين، من دون أن تتمكن الكلية من تجديد طاقمها بالكفاءات المطلوبة. ومن ذلك أيضًا غياب المناخات الأكاديمية اللازمة لتوفير الحد الأدنى من الحزام الجمعياتي والأكاديمي القادر على متابعة الأعمال العلمية وتوثيقها ونشرها، على غرار ما أتيح مثلً للتجربتين الأميركية والفرنسية في هذا المجال؛ إذ تزامن ظهور العلوم السياسية في التجربة الأولى مع تأسيس الجمعية الأميركية للعلوم السياسية وبروز المدرسة الواقعية التي أسسها كبار علماء السياسية من أمثال فرانك جونسون غودناو Franck j. Goodnow وشارلز أوستن بيرد Charles A. Beard وآرثر فيشر بنتلي Arthur Fisher Bentley وشارل ميريام Merriam Charles. وقد تحقّقت نشأتها وتطورها الفعلي في التجربة الثانية في أثناء نشأة المؤسسة الوطنية للعلوم السياسية ومعاهد الدراسات السياسية La Fondation Nationale des.64 Sciences Politiques et des Instituts d'études Politiques وذلك ما لم يتحقّق بعدُ في التجربة التونسية؛ إذ على الرغم من نشر بعض الأبحاث ذات الصلة بالعلوم السياسية، وعلى الرغم من توافر بعض المراجع القيّمة على صعيد الترجمة والتأليف بفضل جهود بعض المراكز والجمعيات البحثية التي نشأت إثر الثورة التونسية (مثل المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي، والجمعية التونسية للدراسات السياسية، والجمعية العربية للعلوم السياسية والقانونية، وخصوصًا المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - فرع تونس)، فإنّ الإنتاج العلمي بقي ضعيفًا ومحدودًا، ولم يحقق الطفرة العلمية المنشودة. وبقيت كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس تفتقر إلى مجلة متخصصة في العلوم السياسية تساعد على مواكبة آخر التطورات والمستجدات  65، فضلً عن غياب التنسيق المستمر والدائم بينها وبين سائر الأطراف الفاعلة، ما عدا ما كان من تعاون بسيط يجري من حين إلى آخر  66. غير أنّ التحدّي الأكبر الذي ينبغي للعلوم السياسية أن تواجهه يتّصل بعجزها البنيوي عن تمكين المتخرجين فيها من الولوج إلى سوق الشغل، على نحو يلبّي طموحاتهم ويؤمّن لهم مستوى لائقًا من العيش. وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود إرادة سياسية فاعلة لتنزيل العلوم السياسية في قلب الرؤى السياسية للدولة، لا على هامشها، وبتشجيع الباحثين على نشر أعمالهم وتمويل بحوثهم. تلك، إذًا، أهم التحديات والإكراهات التي تشكّل ملامح الأزمة التي تمرّ بها العلوم السياسية في تونس اليوم، والتي أمكن لبعض أهل

  1. Loubet del Bayle, p. 107.
  2. 62  يمكن الإشارة إلى المجلة التونسية للعلوم السياسية التي تصدر عن "الجمعية التونسية للدراسات السياسية"، وليس عن مؤسسة جامعية، وهي تُعد أول مجلة في العلوم السياسية تظهر في تونس. وهذه المجلة نصف سنوية يديرها أستاذ العلوم السياسية حاتم مراد، ويعود أوّل إصدار لها إلى شباط/ فبراير:2019. يُنظر Revue Tunisienne de Science Politique (RTSP) , accessed on 23/12/2022, at: https://bit.ly/3xWa3gv
  3. 63  يمكن أن نذكر، على سبيل المثال، الندوات التي جرت، عام 2021، بالاشتراك بين قسم العلوم السياسية بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - فرع تونس. وقد نُظمت الندوة الأولى بعنوان "عشر سنوات من الثورة وسبع سنوات من وضع الدستور: المنجز والإخفاقات"، في حين نظمت الندوة الثانية حول "تأويل الدستور."

الاختصاص من المشتغلين في هذا الحقل أن يبلوروا لتجاوزها عددًا من الاقتراحات الجدية يمكن إجمالها في التصوّرين التاليين:

أ. التصوّر الأول

يدعو هذا التصور إلى ضرورة الفصل الكامل بين العلوم السياسية والقانون العام، وهو موقف يتبنّاه ثلة من الأساتذة الذين درّسوا العلوم السياسية، أو أشرفوا على إدارة قسمها. وخلاصته التأكيد على ضرورة إحداث مسار خاص بتخصص العلوم السياسية يتكوّن من إجازة وماجستير ودكتوراه، مع جعلها مستقلة هيكليًّا وموضوعيًّا؛ لا عن تخصص القانون العام فحسب، بل حتى عن "كلية الحقوق والعلوم السياسية" نفسها، على أن تنفتح الماجستير والدكتوراه على مختلف التخصصات بما فيها القانون العام والخاص، فضلً عن التاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة والصحافة، وسائر تخصصات العلوم الإنسانية. ومما يشدّد عليه هذا الموقف أيضًا أن تكون الغاية من تدريس العلوم السياسية، علاوة على البحث، إيجاد نخب سياسية محترفة قادرة على الاشتغال في المجالس النيابية والبلدية والحكومية، وتأمين الوظائف الاستشارية، إضافةً إلى الاشتغال في مراكز استطلاعات الرأي وجمعيات المجتمع المدني والأحزاب السياسية  67، وأن يجمع تكوين الطلبة بين العلوم الإنسانية والقانونية والعلوم الاقتصادية، بحيث يشتمل على دراسة علم الاجتماع السياسي، وعلم النفس السياسي، والفلسفة السياسية، ونظريات العلاقات الدولية، والتاريخ السياسي، والنظريات الأيديولوجية الكبرى، فضلً عن العلوم الإدارية، والقانون الدستوري، وأن يجري توزيع هذه المواد على مختلف سنوات دراستهم بطريقة محكمة. ولئن حظي هذا الموقف بتوافق أغلب الأساتذة الجامعين  68، فإنه لم يخلُ من بعض الفوارق البسيطة التي تميّز بها أستاذ من آخر. فمثلً، يقترح العميد محمد رضا بن حماد، أستاذ تاريخ الفكر السياسي والقانون الدستوري، أن تُدرَج في العلوم السياسية مواد تتعلق بالقانون القنصلي والدبلوماسي، وأن تضاف إليها إجازتان: إحداهما "إجازة بحثية" تتخصّص في تدريس كل ما هو نظري ذو علاقة بالانتقال الديمقراطي والأخلاق والاقتصاد وعلم الاجتماع السياسي والفلسفة السياسية وحقوق الإنسان، والثانية "إجازة مهنية" تتخصّص في تدريس كل ما هو تطبيقي من مالية عمومية وتسيير أحزاب ومادة انتخابية وسبر آراء وقانون دبلوماسي وقنصلي  69، في حين يشدد منير الكشو، أستاذ الفلسفة السياسية 70، على بعث معهد عالٍ للعلوم السياسية مستقلّ هيكليًّا عن كلية الحقوق والعلوم السياسية، على أن يُسمَح فيه بتدريس المواد المتعلقة بالقانون في حدود نسبة لا تتجاوز 04 في المئة، على غرار القانون الدستوري والأنظمة السياسية المقارنة والعلوم الإدارية وقانون العلاقات الدولية، بينما توزّع بقية المواد على مختلف مواد العلوم الإنسانية، مثل علم التاريخ السياسي وعلم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا السياسية والفلسفة السياسية وعلم النفس السياسي وعلم الاقتصاد السياسي وعلم الإحصاء، وبصفة أخص على السياسات العامة واقتصاديات التنمية والجغرافيا البشرية، وعلى الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه أيضًا. غير أن المقترحات الأهمّ ضمن هذا التصوّر الأوّل، للخروج بتخصص العلوم السياسية في تونس من أزمته وتجاوز عثراته، تبقى في الواقع تلك التي تقدّم بها على نحو رسمي إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كل من قسم العلوم السياسية تحت إدارة الأستاذ فرحات الحرشاني خلال الفترة 2003-2002 71، وأستاذَي العلوم السياسية بالجامعة التونسية حمادي الرديسي وحاتم مراد عام 2015 72، ثم أعادا تقديمها في عام 2017 إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزير التعليم العالي في حكومته  73. خلاصة المقترح الأول أن يستمر - ولو على نحو مؤقت - توجيه الطلبة إلى شعبة العلوم السياسية في إطار المرحلة الثانية من شعبة العلوم

  1. حاتم مراد، "حان الوقت لإنشاء معهد للعلوم السياسية"،  64 جريدة المغرب،.2017/9/9
  2. Appel en faveur de la création d'un institut d'Etudes politiques," La presse , 17/7/2014.
  3. 66  يقترح العميد محمد رضا بن حماد أستاذ العلوم السياسية أن تستقل العلوم السياسية عن القانون العام، وأن تُستحدث إجازة للعلوم السياسية لا تكون مقتصرة على طلبة الحقوق، بل تنفتح على كل التخصصات الأخرى من مختلف الكليات والمعاهد الجامعية، وأن تأخذ في الحسبان تكوين الطلبة العاملين في الحياة العامة والمشتغلين بالحياة النيابية والحزبية وجمعيات المجتمع المدني والصحافيين، وأن تكون مفتوحة للطلبة التونسيين والطلبة العرب، وأن تأخذ في الحسبان أيضًا الحاجة إلى التكوين الدبلوماسي. وهو يدعو إلى استحداث نوع من الشراكات مع الكليات الأخرى والجامعات الأجنبية، على أن يكون ذلك بمقابل يسمح بسداد تكاليف دعوة الأساتذة الأجانب لتقديم دروسهم في الكلية.
  4. 67  أستاذ الفلسفة السياسية في الجامعة التونسية، وهو رأي أردنا أن يكون من خارج دائرة أساتذة كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. ويمكن أن نذكر مساهمته في مجال النظرية السياسية من خلال دراسته المنشورة حول الفيلسوف الأميركي المعاصر جون رولز وترجمته لكتاب كيملشكا: ينظر: ويل كيملشكا، مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة منير الكشو (تونس: المركز الوطني للترجمة – دار سيناترا،.)2010
  5. 68  أفادنا بهذا المقترح الخاص بإصلاح اختصاص العلوم السياسية العميد فرحات الحرشاني، وكان قد أعدّه حينما كان مديرًا لقسم العلوم السياسية.)2003-2002(
  6. 69  حمادي الرديسي أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق والعلوم السياسية ومدير قسم العلوم السياسية في الفترة 1999-1997؛ حاتم مراد أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس ومدير قسم العلوم السياسية والقانون العام في الفترة.2011-2005
  7. 70  معلومة أفادنا بها حمادي الرديسي وحاتم مراد اللذان أمدّانا بنص الرسالة التي وجهت إلى كل من رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزير التعليم العالي سليم خلبوس، في نيسان/ أبريل.2017 المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى المقترح الذي كان أعدّه مدير قسم العلوم السياسية الأستاذ فرحات الحرشاني خلال السنة الجامعية 2003-2002، وتقدّم به رسميًا إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

مواد إجبارية مشتركة مع القانون العام والقانون الخاص في السنتين الثالثة والرابعة

النزاع الإداري • القانون الدولي العام 1 الفلسفة السياسية • القانون الدولي العام 2 القانون المدني علم الاجتماع السياسي القانون الجبائي • القانون الدولي الخاص 1 تاريخ الأفكار السياسية • القانون الدولي الخاص 2 القانون الإداري للأموال والملك العام مناهج العلوم الاجتماعية العلوم الإدارية المنظمات الدولية العلاقات الدولية

اللغة الإنكليزية

السياسية التي تستغرق سنتين، مع الحفاظ على علاقة هذا التخصص بالقانون العام، وتعزيز علاقته بالقانون الخاص، على أن يجري إيلاء مكانة أكبر لمختلف مواد العلوم السياسية وتمكين "المجلس العلمي بالكلية" من سلطة تقديرية واسعة تسمح له بالاجتهاد في توزيعها بحسب الضوارب والسنوات والأهمية: بحيث يخصص ثلث هذه المواد للمواد المشتركة، والثلث الثاني للمواد الخاصة بالعلوم السياسية، بينما يخصّص الثلث الباقي للمواد الاختيارية. وأما بالنسبة إلى تدريس المواد فيجري طبقًا للجدول.)19(الجدول)19(المواد المقترح تدريسها في تخصص العلوم السياسية

مواد خاصة بالعلوم السياسية تدرس في مواد اختيارية خاصة بالسنتين الثالثة السنتين الثالثة والرابعة والرابعة

كبرى القضايا السياسية المعاصرة مقومات الاقتصاد عناصر الإدارة (التسويق، الإدارة) مدخل إلى دراسة العلوم السياسية الإحصاء وتحليل البيانات النظرية السياسية القانون الدستوري المقارن السياسات العمومية الأنثروبولوجيا السياسية القانون الدبلوماسي والقنصلي السياسة المقارنة كبريات الأيديولوجيات المعاصرة تقنيات البحث قانون الاتحاد الأوروبي تاريخ تونس فض المنازعات بالطرق السلمية الإعلام القانون التجاري الإجراءات المدنية

ومما يراهن عليه مشروع قسم العلوم السياسية، أيضًا، الدعوة إلى استحداث ماجستير بحث في المرحلة الثالثة تكون على درجتين: "ماجستير للدراسات العليا المتخصصة في العلوم السياسية" تتيح للمتخرجين من مختلف شعب العلوم الإنسانية غير القانونية (على غرار شُعَب الفلسفة، والاقتصاد، والآداب، والصحافة) ممن يرغبون في التسجيل بالمرحلة الثالثة من العلوم السياسية، فرصة الاطلاع على هذا التخصص وتلبية حاجاتهم المعرفية، وتأهيلهم للتسجيل لاحقًا في "ماجستير الدراسات المعمقة للعلوم السياسية."

"ماجستير للدراسات المعمقة في العلوم السياسية" ينحصر هدفها في التركيز على مواكبة آخر التطورات في العالم، وإدماج العلوم السياسية في الدورة الاقتصادية من خلال توثيق العلاقة بالقطاع الخاص وتدريس عدد من المواد المتعلقة بالاقتصاد الكلي والجزئي، والتسويق والإدارة، ونظرية الألعاب والإحصاء وتحليل البيانات. وتبقى الموادّ الاختيارية بعد ذلك لتدريس النظرية السياسية، والاتصالات، والعلاقات الدولية، والعلوم الاقتصادية. وأما بالنسبة إلى الطلبة الذين واكبوا المرحلة الأولى من التعليم الجامعي وما زالت تحدوهم الرغبة في مزاولة الدراسة والتكوين في العلوم السياسية، فاقترح "الم وررع" لفائدتهم شعبة قصيرة يمكن وصفها بأنها "تطبيقية" أو "مهنية"، على أن تفتح أبوابها أيضًا للمحامين والموظفين وكل الراغبين في تعزير معارفهم في العلوم السياسية، في انتظار أن يجري استيعاب كل هذه التخصصات في معهد مستقل هو "معهد الدراسات السياسية بتونس." الجدول)20(السداسي الأول من السنة الأولى

العددالوحداتالدروس
املنظرية
الدروس
المسيرة
الدروس
التطبيقية
االرصيدنظام
الامتحانات
1مناهج العلوم الاجتماعيةأساسي24 س22 س6مزدوج
2مدخل لعلم الاجتماعأساسي24 س22 س6مزدوج
3علم الاجتماع السياسي 1أساسي24 س22 س6مزدوج
4الاقتصاد السياسياختياري24 س4فرض نهائي
5تاريخ تونس المعاصراختياري24 س2فرض نهائي
6الإنكليزيةأفقي22 س2مراقبة مستمرة
7الإعلامأفقي22 س2مراقبة مستمرة
المجموع210 س66 س44 س30

أما المقترح الثاني الذي وُوجه بالرفض الصريح من وزارة التعليم العالي بتعلّة أنه لا يوفر آفاقًا مهنية للطلبة (على الرغم من أنه جاء معززًا بتوقيع 04 جامعيًّا من بينهم عمداء ومديرو معاهد عليا وأساتذة وباحثون) 74، فتقوم فلسفته على تحرير العلوم السياسية هيكليًّا ومعرفيًّا من علاقتها بعموم كليات الحقوق، حتى تخرج من وضع التهميش الذي تكابده حاليًّا في نطاقها، وتحيّ من ثمّ مواكبتها للتطورات التي يشهدها البلد على الصعيد السياسي والديمقراطي، بما يمكن أن تتيحه للباحثين من فرص لتنمية مهاراتهم البحثية، ولمؤسسات الدولة والمجتمع المدني من رصيد احتياطي من أجل تزويدها بالكفاءات اللازمة  75. ولتحقيق ذلك، يدعو هذا الاقتراح إلى تأسيس معهد للعلوم السياسية بمسار ثلاثيّ المراحل (الإجازة، والماجستير، والدكتوراه)، على أن تستغرق مرحلة الإجازة ثلاث سنوات موزعة على 6 سداسيات، وذلك طبقًا للجداول 20(21() و) و 22(23() و 24() و.)25() و

  1. Appel en faveur de la création d'un institut d'Etudes politiques," La presse , 17/7/2014.
  2. 72  مراد. المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه.

الجدول)21(السداسي الثاني من السنة الأولى

العددالوحداتطبيعة الوحدة
(أساسية/ اختيارية)
الدروس
املنظرية
الدروس
المسيرة
الدروس
التطبيقية
االرصيدنظام
الامتحانات
1القانون الدستوريأساسي24 س22 س6مزدوج
2تاريخ الأفكار السياسيةأساسي24 س22 س6مزدوج
3الإعلام والاتصالأساسي24 س22 س6مزدوج
4مدخل إلى القانوناختياري24 س4فرض نهائي
5العلاقات الدوليةاختياري24 س2فرض نهائي
6الإنكليزيةأفقي22 س2مراقبة مستمرة
7الإعلامأفقي22 س2مراقبة مستمرة
المجموع210 س66 س44 س30

الجدول)22(السداسي الثالث من السنة الثانية

العددالوحداتطبيعة الوحدة
(أساسية/ اختيارية)
الدروس
املنظرية
الدروس
المسيرة
الدروس
التطبيقية
االرصيدنظام
الامتحانات
1علم الاجتماع السياسي 2أساسي24 س22 س6مزدوج
2القانون الإداري العامأساسي24 س22 س6مزدوج
3النظريات السياسيةأساسي24 س22 س6مزدوج
4القانون الدولي العاماختياري24 س4فرض نهائي
5الإدارة العامةاختياري24 س2فرض نهائي
6الإنكليزيةأفقي22 س2مراقبة مستمرة
7حقوق الإنسان والحرياتأفقي22 س2مراقبة مستمرة
المجموع210 س66 س44 س30

الجدول)23(السداسي الرابع من السنة الثانية

العددمادة التدريسطبيعة الوحدة
(أساسية/ اختيارية)
الدروس
املنظرية
الدروس
المسيرة
الدروس
التطبيقية
االرصيدنظام
الامتحانات
1السياسات المقارنةأساسي24 س22 س6مزدوج
2المرافق العموميةأساسي24 س22 س6مزدوج
3علم الاجتماع السياسي
للعالم العربي
أساسي24 س22 س6مزدوج
4عدالة الانتقالاختياري24 س4فرض نهائي
5علم اجتماع الانتخاباتاختياري24 س2فرض نهائي
6الإنكليزيةأفقي22 س2مراقبة مستمرة
7الإعلامأفقي22 س2مراقبة مستمرة
المجموع210 س66 س44 س30

الجدول)24(السداسي الخامس من السنة الثالثة

العددمادة التدريسطبيعة الوحدة
(أساسية/ اختيارية)
الدروس
املنظرية
الدروس
المسيرة
الدروس
التطبيقية
االرصيدنظام
الامتحانات
1جيوبوليتيك الإشكاليات
المعاصرة
أساسي24 س22 س6مزدوج
2الفكر الإسلاميأساسي24 س22 س6مزدوج
3المالية العموميةأساسي24 س22 س6مزدوج
4العلوم الإداريةاختياري24 س4فرض نهائي
5الدبلوماسيةاختياري24 س2فرض نهائي
6الإنكليزيةأفقي22 س2مراقبة مستمرة
7الإعلامأفقي22 س2مراقبة مستمرة
المجموع210 س66 س44 س30
العددمادة التدريسطبيعة الوحدة
(أساسية/ اختيارية)
الدروس
املنظرية
الدروس
المسيرة
الدروس
التطبيقية
االرصيدنظام
الامتحانات
1الحوكمةأساسي24 س22 س6مزدوج
2السياسات العموميةأساسي24 س22 س6مزدوج
3مقدمة في الصحافةأساسي24 س22 س6مزدوج
4النظريات الاقتصادية
المعاصرة
اختياري24 س4فرض نهائي
5القانون الجبائياختياري24 س2فرض نهائي
6الإنكليزيةأفقي22 س2مراقبة مستمرة
المنشآت والصفقاتأفقي22 س2مراقبة مستمرة
المجموع210 س66 س44 س30

ب. التصور الثاني

يتبنى هذا التصور العميد لطفي طرشونة، أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة  76، ونتبناه معه، وهو تصور يراهن على الإبقاء - ولو هيكليًّا - على ربط هذه العلوم ب "كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس" في مستوى الماجستير، إلى جانب الإبقاء على ربطها بمواد القانون العام، على أن يجري تعزيز هذا الأخير في مستوى الإجازة بأهم موادّها، حتى إن أصبح الإجماع بين علماء السياسية معقودًا تقريبًا بضرورة الفصل بين التخصصين؛ ذلك أنّ المكمن الحقيقي لأزمة العلوم السياسية اليوم في رأينا، ليس في تبعيتها لهذا القانون أو استقلاليتها عنه، بقدر ما هو في نتائجها الوخيمة بالنسبة إلى مستقبل الطلبة، لأنها بالنظر إلى حالة الهشاشة التي تمرّ بها في الوقت الراهن، سيكون من نتائج فكّ الارتباط بينها وبين مواد القانون العام على الصعيد المضموني، وبينها وبين كلية الحقوق على الصعيد الهيكلي، أن يُحرَم طلبتها من النفاذ إلى سوق الشغل والاستفادة من الآفاق التي يتيحها لهم تخصص القانون العام في المشاركة في بعض المناظرات الوطنية، وأن يُحَشَوا من ثمّ، جنبًا إلى جنب مع أكداس العاطلين من المتخرجين في شعب الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ. إن واقع العلوم السياسية في تونس اليوم يؤكّد أنها الجدول)25(السداسي السادس من السنة الثالثة

ليست عاجزة عن تأمين فرص شغل جديدة للمتخرجين فيها فحسب، بل إنها عاجزة أيضًا حتى عن الحفاظ على الفرص المتوافرة لهم حاليًّا أيضًا، على أن طرشونة يشدد على أهمية الإبقاء على ماجستير العلوم السياسية في مختلف كليات الحقوق حتى لو جرى استحداث معهد خاص للعلوم السياسية؛ لأنّ تمكين طلبة القانون العام من دراسة مختلف مواد العلوم السياسية والاطلاع عليها، على نحو أو آخر، من شأنه أن يثري معارفهم و"يجعلهم أكثر ذكاءً"؛ مقترحًا في الوقت نفسه إذا وقع استحداث معهد خاص للعلوم السياسية أن تُستحدَث إجازة تطبيقية في العلوم السياسية، جنبًا إلى جنب مع إجازة في البحث، بحيث تؤمّن للطلاب كل الدروس والمواد ذات العلاقة باستطلاعات الرأي ومناهج العلوم السياسية الميدانية، على غرار الاستبيانات والأسئلة والحوارات البؤرية وحلقات النقاش، وغيرها من التقنيات والآليات المعتمدة في سبر آراء المواطنين. ثمّ علينا أَّلَّ ننسى من ناحية أخرى أن العلوم السياسية في فرنسا، التي كان بروزها عام 1872 على يد إميل بوتمي Boutmy Emile من خلال تأسيس "المدرسة الحرة للعلوم السياسية"، لم تشق طريقها بالفعل نحو الاستقلالية إلا بعد الحرب العالمية الثانية؛ أي بعد أن جرى إرساء مناخ متكامل من المؤسسات البحثية والأكاديمية  77، وبعد إنفاق عقودها الأولى في تكوين الإطارات وتأهيلها للوظيفة

  1. 73  مقابلة مع لطفي طرشونة، أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق والعلوم السياسية
  2. بسوسة، تونس، 23 تشرين الأول/ أكتوبر.2022 المصدر: المرجع نفسه. 74  Loubet del Bayle, p. 107.

العمومية. ثمّ إنه يجب ألّ ننسى أيضًا أنّ الجدل حول موضوع العلوم السياسية وحدود العلاقة بينها وبين غيرها من التخصّصات لم يُحسَم بعد  ، وإن كان من الثابت أنّ علاقتها بالقانون الدستوري لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مسقطة أو اعتباطية، وذلك بالنظر إلى أنّ القانون الدستوري هو قانون السياسة بامتياز  ، في حين أن القواعد القانونية من منظور علم السياسة ليست إلا أدوات في إدارة الصراع حول السلطة  . وفيما عدا ذلك، فإننا نشاطر بقية الأساتذة اعتقادهم أن عودة العلوم السياسية ينبغي أن تكون مبنية على قاعدة الانفتاح على المُجازين في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية للاستفادة من موادّها في تعزيز معارفهم، وعلى مختلف الشرائح العمرية أيضًا، ولا سيما أولئك الذين لم يعودوا معنييّن بالبحث عن وظيفة بقدر ما تحرّكهم الرغبة في إشباع شغفهم المعرفي، ذلك أن ارتفاع أمل الحياة لدى التونسيين دفع الكثير من الشرائح الاجتماعية إلى التفكير في استئناف مسارهم الجامعي بعد التقاعد بدلً من الإخلاد إلى الراحة والركون إلى العطالة. زد على ذلك أنّ التحولات السياسية الراديكالية التي ما انفكّت تهز البلاد منذ الثورة التونسية قد أوجدت نوعًا من الحاجة لدى المواطنين إلى امتلاك الأدوات المعرفية الكافية من أجل فهم الوقائع والمتغيرات. وقُل الشيء ذاته بالنسبة إلى ضرورة انفتاح هذه العلوم على الطلبة الأجانب من العرب ومن غيرهم، مع التفكير الجدّي في إيجاد حلّ ملائمٍ ومرنٍ لمشكلة اللغة المعتمدة في تدريسهم حتى تبقى لهم حرية اختيار اللغة التي يرتضونها من بين اللغات الثلاث المعتمدة في التدريس (العربية، والفرنسية، والإنكليزية)، وذلك نسجًا على منوال التجربة التركية في التعاطي مع مشكلة التعدد اللغويّ في الجامعات، باعتبار ذلك أمرًا لا غنى عنه في عملية التعليم في تخصص العلوم السياسية. فهناك يتاح للطلبة الحقّ في اختيار اللغة التي يرتضونها لاجتياز الاختبارات، على أن يوفر لهم الأستاذ ما يحتاجون إليه من مادة علمية بتلك اللغة. فضلً عن ذلك، لا بدّ من إيجاد إطار للتواصل بين مختلف أقسام العلوم السياسية في الكليات العربية من أجل فتح فضاء معرفي مشترك يسمح بتبادل الخبرات والتجارب وتوحيد الجهود، ليكون ذلك مقدمة لتحقيق تعاون أكبر مع كبرى الجامعات الغربية.

خاتمة

من الواضح أنّ أزمة العلوم السياسية في "كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس" لم تكن في حقيقتها إلا صدى لأزمة ظلّت تخترق التعليم الجامعي برمته، وانعكاسًا لحالة من الارتباك السياسي بقيت تعيشها تونس منذ فترة الاستقلال إلى فترة ما بعد الثورة. فعلى الرغم من ارتباط اسم "كلية الحقوق والعلوم السياسية" بالعلوم السياسية، فإنّ مكانة هذه العلوم فيها بقيت مهمشة إلى حد بعيد، وبقيت أسيرة مفهوم كلاسيكي لم يأخذ التطور الهائل الذي شهده هذا التخصص في الحسبان. أما بعدَ الثورة، فقد كان المفترض على إثر طيّ صفحة حكم التسلط، الذي اعتبر السبب الرئيس في عرقلة تطور العلوم السياسية، أن يدشّن هذا التخصص مرحلة جديدة من الفتوحات المعرفية، يتيحها السياق الجديد الذي تشكّل مع انطلاق المسار الديمقراطيّ وشيوع مناخ الحرية، وتقتضيها طبيعة هذه العلوم نفسها من حيث إنها أجدر العلوم الإنسانية بتحقيق مثل تلك الفتوحات في مثل هذا السياق. وخلافًا لما كان مفترضًا، إذا بنا نقف على الحقيقة "المرّة"؛ ذلك أنّ أزمة العلوم السياسية كانت في الواقع بقدر من العمق والرسوخ يفوق التصوّر ويستعصي على أيّ تأثير يمكن أن تحدثه فيها عشرية الثورة أو تداعيات حدث 25 تموز/ يوليو 2021 من بعدها؛ إذ يبدو أنّ الطريق أمامها ما زالت محفوفة بالمكاره حتى يتيرسّ لها أن تستعيد أنفاسها والاستواء على سوقها، وأن توسّعَ من أفقها؛ فلا تُختزَلَ في مجرّد دروس يقع اجترارها سنوات من بعد سنوات، ثمّ إنّ نهوضها لا يكون على الحقيقة إلا بمقدار نجاحها في استيعاب القديم جنبًا إلى جنب مع مواكبة الجديد، وكذلك بمقدار كفاءتها في تحيين الإشكاليّات، ونَحْت المفاهيم الجديدة، واختراع النظريات والتصورات الطريفة، وتطوير الإنتاج الكتابي، فضلً عن مجاراة الديناميكية السياسية الوطنية، والمبادرة إلى تصميم خطة عمل وطنية تبيّ الهدف الرئيس من تدريس هذا التخصص. نعم، قد نقف من رصدنا لأهم التحولات التي شهدتها العلوم السياسية على حقيقة أن هذه التحولّات لم تُفضِ إلى تعزيز مكانة هذه العلوم في "كلية الحقوق والعلوم السياسية"، ولا إلى تحقيق

  1. Laurence McFalls, " Une discipline peut-elle être indisciplinée? " in: Laurence McFalls, La politique en question: Par les professeurs de science politique de l'Université de Montréal (Montréal: Presses de l'Université de Montréal, 2008), pp. 43-49; Bernard Voutat, " Les objets de la science politique réflexions sur une discipline... sans objet ," in: Lucien Sfez, Science politique et interdisciplinarité: Conférences (1998-2000) (Paris: Editions de la Sorbonne, 2002), pp. 56-60.
  2. J. Gicquel & J-E. Gicquel, Droit constitutionnel et institutions politiques , 34 ème éd. (Paris: LGDJ, 2020), p. 23.
  3. Pierre Bourdieu. "La force du droit," Actes de la recherche en sciences sociales , De quel droit? vol. 64 (Septembre 1986), pp. 3-4.

استقلاليتها الموضوعية والمنهجية والهيكلية، ومع ذلك، لا أحد في إمكانه أن يشكّك في قدرتها، منذ أن وقع إدراجها في المقررات الدراسية زمن التأسيس، على اقتحام مساحات جديدة، وفرض نفسها على نحو ثابت ومستمر، على الرغم من كل ما واجهته من صعوبات وإكراهات. ولا نستبعد أن مصير هذه العلوم كان يمكن أن يكون مغايرًا، وذلك بتحقيق طفرة نوعية في مسارها، وفي نظامها القانوني، لو أنه جرى الاستثمار في زخم الإصلاحات الذي فرضه واقع الثورة التونسية. ولكن تلك على الحقيقة كانت مأساة العلوم السياسية، وتلك كانت مفارقتها.

المراجع

العربية

ابن أبي الضياف، أحمد. إ تحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. تونس: الدار التونسية للنشر،.1976 ابن خلدون. مقدمة ابن خلدون. بيروت: دار الجيل، [د. ت.]. أرندت، حنة. في الثورة. ترجمة عطا عبد الله. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008 باتسييفا، سيفيتلانا. العمران البشري في مقدمة ابن خلدون. ترجمة رضوان إبراهيم. ليبيا/ تونس: الدار العربية للكتاب،.1978 بن حماد، محمد رضا. القانون الدستوري والأنظمة السياسية. تونس: مركز النشر الجامعي، 2016. ________. التيارات الكبرى للفكر السياسي في الغرب والعالم العربي الإسلامي منذ القرن التاسع عشر. تونس: مركز النشر الجامعي،.2017 التونسي، خير الدين. أقوم المسالك في معرفة الممالك. تونس: وزارة الثقافة،.1998 الجابري، محمد عابد. فكر ابن خلدون، العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي. ط.3 الدار البيضاء: دار النشر المغربية،.1982 الجمهورية التونسية. "أمر عدد 172 لسنة 1960، مؤرخ في 16 ذي القعدة 1379 12(ماي 1960) يتعلق بالإجازة وشهادة الكفاءة في الحقوق." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد.26.1960/5/27 ________. "أمر عدد 224 لسنة 1973، مؤرخ في 19 ماي 1973، يتعلق بضبط نظام الدراسة بكلية الحقوق والعلوم السياسية الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد والاقتصادية." 20.

________. "أمر عدد 074 لسنة 1973، مؤرخ في 6 سبتمبر 1973 يتعلق بإحداث شهادات الدراسات العليا بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد.1973/9/11-7.34 ________. "أمر عدد 084 لسنة 1973 مؤرخ في 6 سبتمبر 1973 يتعلق بإحداث دكتوراه دولة تمنحها كلية الحقوق والعلوم

السياسية والاقتصادية بتونس." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد. 1973/9/11-7.34 ________. "أمر عدد 824 مؤرخ في 28 سبتمبر 1979 يتعلق بإحداث شهادات الدراسات المعمقة بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية بتونس." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد.1979/10/9.59 ________. "أمر عدد 826 لسنة 1979 مؤرخ في 28 سبتمبر 1979 يتعلق بضبط تنظيم الدراسات والامتحانات لشهادة الدراسات المعمقة في العلوم السياسة بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية بتونس." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد.59.1979/10/9 ________. "أمر عدد 1081، لسنة 1989 مؤرخ في 10 أوت 1989 يتعلق بضبط نظام الدراسات والامتحانات لشهادة الأستاذية في الحقوق والعلوم السياسية بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد.58.1989/8/29 ________. "قرار من وزير التعليم العالي مؤرخ في 3 نوفمبر 1995، يتعلق بضبط نظام الدراسات والامتحانات للتحصيل على الشهادتين الوطنيتين للمرحلة الأولى والأستاذية في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد الحقوق." 92.

________. "القانون عدد 19 لسنة 2008، المؤرخ في 25 فيفري يتعلق بالتعليم العالي." الرائد الرسمي للجمهورية التونسية. العدد.19.2008/3/4 الفكر العربي في عصر النهضة حوراني، ألبرت. 1939-1798. بيروت: دار النهار للنشر، [د. ت.]. دوفرجيه، موريس. المؤسسات السياسية والقانون الدستوري: الأنظمة السياسية الكبرى. ترجمة جورج سعد. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2014 دي تانسي، ستيفن. علم السياسة: الأسس. ترجمة رشا جمال. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2012 علم السياسة. ط.4 بيروت: دار العلم للملايين صعب، حسن.،.1976 دراسات في مصطلح السياسية عند العرب. ط عبد السلام، أحمد. 2. تونس: الشركة التونسية للتوزيع، [د. ت.]. كيملشكا، ويل. مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة. تونس: المركز الوطني للترجمة – دار سيناترا،.2010 تقديم مقدمة ابن خلدون. ج وافي، عبد الواحد. 1. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2006

الأجنبية

Boncourt, Thibaud. L'internationalisation de la sciences franco-britanique comparaison Une politique: (1945-2010). Bordeaux: Centre Emile Durkheim, 2011. Bourdieu, Pierre. "La force du droit." Actes de la recherche en sciences sociales , De quel droit? vol. 64 (Septembre 1986). Burdeau, Georges. Traité de science politique. Paris: LGDJ, 1949. Chevalier, Jacques. "Droit constitutionnel et institution politiques: Les mésaventures d'un couple fusionnel." Mélanges en l'honneur de Pierre Avril

Favre, Pierre. "Le personnel de l'enseignement supérieur en France au XIXe et XXe siècles." Actes du Colloque de l'IHMC et de l'EHESS des 25 et 26 juillet 1984. Paris: Editions du CNRS, 1985. Gicquel, J. & J-E. Gicquel. Droit constitutionnel et institutions politiques. 34 ème ed. Paris: LGDJ, 2020. Loubet del Bayl, Jean-Louis. "De la science politique." Politique. no. 20 (1991). McFalls, Laurence. La politique en question: Par les professeurs de science politique de l'Université de Montréal. Montréal: Presses de l'Université de Montréal, 2008. Prezworski, Adam. Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America. Cambridge: Cambridge University Press, 1991.

Rustow, Dankwart A. "Transitions to Democracy: Toward a Dynamic Model." Comparative Politics. vol. 2, no. 3 (1970). Santiso, Javier. "La démocratie incertaine, La démocratie incertaine. La théorie des choix rationnels et la démocratisation en Amérique latine." Revue française de science politique. no. 6 (1993). Sfez, Lucien. Science politique et interdisciplinarité: Conférences (1998-2000). Paris: Editions de la Sorbonne, 2002. Troper, Michel. "Le constitutionnalisme entre droit et politique." Droit et Politique (1993). at: https://bit.ly/3IxiP9g Troper, Michel. "Légitimité et constitution: Les trois types purs de la jurisprudence constitutionnelle." Droit et Société. no. 56-75 (2004). Weber, Max. Essais sur la théorie de la science. Paris: Plon, 1965.