هامشية المنهج الكمّي في العلوم السياسية العربية: الإحصاء الاستدلالي نموذجًا
الملخّص
منذ ما اصطُ لح عليه ب "الثورة السلوكية" في العلوم السياسية في خمسينيات القرن العشرين، أصبحت المناهج الكمّ ية، بمختلف أنواعها، إحدى أهمّ الأدوات المنهجية ال تي يعتمد عليها الباحثون لدراسة الظواهر السياسية، خصوصًّا أولئك الذين يُصن فون إبستيمولوجيًا في خانة المقاربة الوضعية الإمبريقية. من هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى الإسهام في تشخيص حال هذا المنهج داخل العلوم السياسية العربية، من خلال، أولّا، الوقوف على مدى استخدام إحدى أهمّ أدواته المتمث لة في الإحصاء الاستدلالي، انطلاق ا من تحليل عينة مكوّنة من أكثر من ثمانية آلاف بحث نُشرت في ثمانٍ وعشرين دورية محك مة عربية. ثانيًا، المجادلة في أنّ الحضور الهامشي للمنهج الكمّ ي الذي يظهره هذا التحليل يؤثّر سلبيًا في قدرة العلوم السياسية العربية على الخوض بفعالية في البحث العلمي حول بعض الموضوعات ذات الأهمّ ية البالغة لمجتمعاتنا وقضاياها السياسية. ثالث ا، اقتراح السبل الممكنة لتجاوز هذا الوضع، وعلى رأسها النهوض بالتدريب على المناهج الكمّ ية في الجامعات العربية. كلمات مفتاحية: المنهج الكمّ ي، العلوم السياسية العربية، الإحصاء الاستدلالي. This paper analyses the state of quantitative methods in Arab political science, focusing specifically on the utilization of inferential statistics. It surveys a sample of over eight thousand papers published in twenty-eight Arab peer-reviewed political science journals. The study reveals the marginality of quantitative methods in Arab political science and argues that this condition has a negative impact on the ability of Arab political science to engage effectively and critically with international literature on research topics heavily dominated by the collection and analysis of numerical data, such as political behaviour. Keywords: Quantitative Methods, Arab Political Sciences, Inferential Statistics.
The Marginalization of Quantitative Methods in Arab Political Science: Inferential Statistics as an Example
مقدّمة
منذ ما اصطلح عليه ب "الثورة السلوكية" في العلوم السياسية في خمسينيات القرن العشرين، أصبحت التقنيات 1 الكمّية بأشكالها المختلفة إحدى أهمّ الأدوات المنهجية التي يعتمد عليها علماء السياسة، خصوصًا أولئك الذين يُصنّفون إبستيمولوجيًا ضمن المقاربة الوضعية الإمبريقية 2؛ إذ لم تكن المرحلة السلوكية من التاريخ الحديث لهذا 3الحقل المعرفي مجرّد تحوّل موضوعاتي في البردايم Paradigm السائد، بانتقال علم السياسة 4 من المؤسّساتية التقليدية ذات التوجّه المعياري Normative والمتمركزة حول دراسة أنظمة الحكم، إلى الانفتاح على موضوعات بحثية جديدة من قبيل: سلوكات الناخبين والتنظيمات السياسية بأنواعها المختلفة، بل شكّلت أيضًا حقبة عرفت طفرة منهجية. وكان هذا باعتماد المنهج الكمّي وأدواته الإحصائية في العلوم السياسية آليةً لتحقيق العلمية المبتغاة على غرار "العلوم التجريبية"، كالبيولوجيا والدراسات السرريرية، التي يُعدّ فيها المنهج التجريبي العمود الفقري للبحث العلمي. لم تكن العلوم السياسية في المنطقة العربية - على غرار مثيلاتها في العالم - بمنأى عن العدوى السلوكية من الناحية الموضوعية 5؛ فعلى الرغم من الارتباط الوثيق بين العلوم السياسية والدراسات القانونية في عدد كبير من الجامعات العربية، وبغض النظر عن كون كثير من الأبحاث العربية، التي تصنّف في خانة العلوم السياسية، أقرب إلى الدراسات الدستورية، فإنّه لا يمكن إنكار التطوّر والتنوّع الكبيرين في الموضوعات التي عرفتها العلوم السياسية العربية خلال السنوات السبعين الأواخر، فعدد الباحثين العرب في العلوم السياسية يبلغ المئات 6؛ منهم أصحاب التوجّه القانوني، ومنهم المتأثّر بالعلوم الاجتماعية ومقولاتها التفسيرية المختلفة والمتأرجحة بين البنيوية Structuralism ونظرية الفاعل Agency، مرورًا بالمؤسّساتية الجديدة Institutionalism New 7 على أصنافها المختلفة. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل ترافق انفتاح العلوم السياسية العربية 8 على موضوعات بحثية مختلفة، سواء تلك التي أدخلتها السلوكية للعلوم السياسية أو تلك التي ركّزت عليها مدرسة "ما بعد السلوكية"، بوصفها نموذجًا معرفيًا مهيمنًا منذ سبعينيات القرن الماضي، مع انفتاح مشابه على الأساليب المنهجية التي رسّختها السلوكية في العلوم السياسية، والتي ما زالت حاضرة بقوّة اليوم في حقلنا هذا، حتّى بعد أفول المدرسة التي قعّدت أسس استعمالها في دراسة الظواهر السياسية، تحديدًا فيما يتعلّق بتوظيف تقنيات الإحصاء الاستدلالي، الذي يعدّ اليوم من أهمّ الأدوات المنهجية الكمّية المستعملة في العلوم السياسية لاختبار الفرضيات التفسيرية؟ وبعبارة أخرى، ما المكانة التي يتبوّؤها المنهج الإحصائي الاستدلالي في العلوم السياسية العربية المعاصرة؟ يفضي بنا التعامل مع هذا السؤال إلى ذكر ثلاثة عناصر ستجري هيكلة الورقة وفقها: أوّلً، الوقوف على مفهوم المنهج الكمّي وأصوله في العلوم السياسية، والعوامل التي أدّت إلى انتشاره من "موطنه الأصلي" في الولايات المتّحدة الأميركية، إلى باقي أنحاء العالم. وثانيًا، رصد مستوى حضور الإحصاء الاستدلالي 9 في العلوم السياسية العربية، عن طريق تحليل عينة مكوّنة من أكثر من ثمانية آلاف
بحث منشور في ثمانٍ وعشرين دورية محكّمة عربية خلال الفترة من كانون الثاني/ يناير 2010 إلى حزيران/ يونيو 2021. وثالثًا، تحديد الآثار السلبية لهامشية المنهج الكمّي في العلوم السياسية العربية، تلك الهامشية التي ستتبين من خلال التحليل المقدّم، الأمر الذي سيدفع بنا إلى اقتراح الآليات الممكنة لتجاوز هذا الوضع.
أولا: المنهج الكمّي في العلوم السياسية: الأصول والانتشار
ترى جانت بوكس - ستفنسمير وزملاؤها أنّ دور المنهجية Methodology في علم السياسة يتمثّل في تمكين الباحثين من الوسائل اللازمة للتعامل مع الأسئلة البحثية التي تعترضهم بعيدًا عن الاعتبارات المعيارية 10، التي تبقى أساسًا من اختصاص الفكر السياسي؛ أي إنّ المنهجية - بعبارة أخرى - ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يسمّيه دانييل ستوكمر "العلوم السياسية الإمبريقية"، والتي في حالة دراسة الديمقراطية مثلً، ستولي اهتمامها أكثر لسؤال "كيف تتصرّف الديمقراطية في العالم الحقيقي؟"، وليس لسؤال "كيف يجب أن تكون الديمقراطية؟"، والذي سيحظى باهتمام الدراسات المعيارية في العلوم السياسية 11. تحقّق المنهجية هذا الأمر من خلال ثلاث آليات: أوّلً، أن تضع رهن إشارة الباحث مجموعة من الأساليب و"التقنيات التي تسمح بتوضيح المفاهيم النظرية" الموظّفة في دراسته للظاهرة السياسية موضوع البحث 12. وثانيًا، السماح بتطوير أدوات وصفية وإجراء الاستطلاعات اللازمة لدراسة تلك المفاهيم النظرية. وثالثًا، تمكين الباحثين من اختبار الفرضيات السببية 13. يتميز علم السياسة على هذا المستوى بتعدّد الأساليب المنهجية التي يجري توظيفها لبلوغ هذه الغايات، والتي يمكن تصنيفها - بمستوى عالٍ من التعميم - إلى مجموعتين كبيرتين: الطرق الكيفية، والطرق الكمّية 14. هذا المصطلح الأخير هو بمنزلة "المصطلح المظلّة term Umbrella الذي تقع تحته مجموعة كبيرة من المواضيع المتخصّصة والمقاربات" 15، والتي تشترك باعتمادها على "الأدوات والتقنيات [المنبثقة من علم الإحصاء Statistics 16] في وصف المعطيات الكمّية أو التي يمكن قياسها عدديًا، وتأويلها 17"؛ أي المعطيات التي يمكن تكميمها. يرتبط المنهج الكمّي في العلوم السياسية، كما في غيرها من العلوم الاجتماعية، ارتباطًا عضويًا بالبردايم الوضعي Positivistic الذي يرى أنّ البحث التجريبي هو "أدقّ أنواع البحوث العلمية" 18. لكن أمام صعوبة إخضاع الظواهر الاجتماعية للدراسة التجريبية، سواء داخل المختبرات أو خارجها، طوّر علماء الإحصاء مجموعة من التقنيات المنهجية التي يمكن أن تكون بديلة منه في بعض الدراسات، وعلى رأسها الإحصاء الاستدلالي، حيث يعتبر المنهج الإحصائي الاستدلالي حسب دلال القاضي ومحمّد البياتي: "الطريقة الأك رر علمية" والأكثر قدرة على محاكاة المنهج التجريبي 19. وهكذا، فإنّ المنطق المتحكّم في توظيف الإحصاء الاستدلالي في العلوم السياسية يقوم على "محاولة إعادة إنتاج بردايم التجربة المتحكّم فيها في إطار دراسة رصدية Study "Observational 20 لعينة مختارة بطريقة عشوائية 21. إجرائيًا، يعني هذا اتّباع عدد من الخطوات، والقيام بمجموعة من العمليات، التي تجري بعد تحديد عينة مناسبة: 1. جمع بيانات عنها؛ 2. تحليل تلك البيانات من خلال مجموعة من
التقنيات الإحصائية؛.3 الخروج بخلاصات حول الظاهرة المدروسة؛.4 بحث تعميم هذه الخلاصات على الحالات المشابهة من خارج العينة؛ 5. السماح بالتنبّؤ بتأثير تقلّبات المتغيرات المستقلّة في المتغيرات التابعة 22 المتعلّقة بالظاهرة قيد التحليل. تُجمع الأدبيات في هذا المجال على أنّ الباحثين الأميركيين كان لهم السبق إلى توظيف الطرق الكمّية في العلوم السياسية 23. ويشير لويس–بك وبيلانجيه إلى أنّ المحاولات الأولى لتوظيف الطرق الكمّية في العلوم السياسية ترجع إلى أواخر القرن التاسع عشر؛ أي إلى الفترة نفسها التي بدأ يتبلور فيها علم السياسة بوصفه حقلً معرفيًا مستقًّلًّ عن الدراسات القانونية والتاريخ في الجامعات الأميركية 24. أمّا الإسهامات التي كانت خلف تقعيد المنهج الكمّي في العلوم السياسية ومأسسته داخل برامج الكلّيات، فنجد إرهاصاتها الأولى في عشرينيات القرن الماضي مع ما اصطُلح عليه ب "مدرسة شيكاغو"، ومؤسّسها شارلز مريام Charles Merriam الذي كان له الفضل هو ومجموعة من طلبته، خصوصًا هارولد غوسنل Gosnell Harold 25 في "القفزة النوعية نحو الصرامة البحثية الإمبريقية" 26 في البحث العلمي في العلوم السياسية. أمّا الترسيخ النهائي لاستعمال المنهج الكمّي في العلوم السياسية، فحدث بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا في مطلع خمسينيات القرن الماضي عندما "انتقل التحليل [المهيمن في العلوم السياسية الأميركية] من البنى الفلسفية والقانونية والخلفيات التاريخية إلى تحليل المؤسّسات والنظم والسلوكيات وشبكات العلاقات [الاجتماعية"] 27، مع ظهور البردايم السلوكي وما صاحب ذلك من "محاولة بناء نظريات عامّة قادرة على الشرح، والتحليل، والتعميم، والتنبّؤ، ومحاولة الوصول إلى علم مستقلّ عن منظومة القيم على شاكلة العلوم الطبيعية" 28. جرى ذلك عن طريق مجموعة من الأعمال البحثية الشهيرة على غرار كتاب الناخب الأميركي29 لأنجس كامبل وزملائه، الصادر سنة 1960، والذي قدّم نموذجًا تفسيريًا جديدًا لشرح السلوكات الانتخابية في الولايات المتّحدة الأميركية. تلتها الدراسة المرجعية لسدني ڤيربا وغابرييل ألموند، الصادرة سنة 1963 حول موضوع الثقافة السياسية 30، والّتي دافعا فيها عن وجود ثقافة سياسية خاصة بكلّ دولة، أو مجموعة من الدول (مثلًالأنكلوسكسونية في الولايات المتّحدة وبريطانيا)، اعتمادًا على مجموعة من التحليلات الإحصائية. وفي سعيهم لتوظيف التقنيات الكمّية في العلوم السياسية، استفاد هؤلاء الروّاد ومَن تلاهم ممّ استلهموه من الأدوات المنهجية التي "طُوّرت في الاقتصاد السياسي Econometrics، والقياس النفسي Psychometrics، وعلم الاجتماع وعلم الإحصاء "Statistics 31، حيث إنّ علماء النفس والاجتماع كانوا من السبّاقين إلى توظيف المناهج الكمّية في حقليهما.
ولمّا كان لهيمنة البردايم السلوكي على العلوم السياسية الأميركية، في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، دورٌ أساسيٌ في شرعنة
حضورها في هذا الحقل المعرفي، فإن هناك عاملين رئيسين ساهما في نشرها خارج "حواضنها الشعبية" التقليدية؛ جامعتا (شيكاغو وميشيغن) داخل الولايات المتّحدة في مرحلة أولى، ثمّ خارجها في السنوات التي تلت. العامل الأوّل، هو تطوّر المعلوماتية، فبحلول ستينيات القرن الماضي وبدء تعميم الحواسيب على مراكز البحث والجامعات، لم يعد الباحثون الذين يستعملون الطرق الكمّية في دراساتهم مضطرّين إلى إجراء العمليات الحسابية المرهقة التي قد يقتضيها علم الإحصاء بطريقة يدوية، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بقواعد بيانات كبيرة. جعل هذا الأمر المنهج الكمّي أكثر جاذبية وأسهل استخدامًا ممّ كان عليه في بدايته. وقد عُزّز هذا لاحقًا بظهور أوائل البرامج المعلوماتية المتخصّصة في معالجة البيانات وترتيبها، وإجراء الاختبارات الإحصائية المصمّمة خصّيصًا للباحثين في العلوم الاجتماعية، مثل برنامج Statistical Package for the Social Sciences المشهور ب SPSS، الذي بدأ استخدامه سنة 1975 32. أمّا العامل الثاني، وهو الأهمّ في حقيقة الأمر، فهو ظهور مجموعة من المدارس والجامعات "الصيفية" المتخصّصة في تدريب الباحثين على استخدام الطرق الكمّية في العلوم الاجتماعية بصفة عامّة، والعلوم السياسية بصفة خاصّة. وأهم هذه المدارس، المدرسة الصيفية لجامعة ميشيغن، المسمّ ة "تحالف ما بين الجامعات للبحث السياسي 33والاجتماعي" والمعروفة اختصارًا ب ICPSR. وتعتبر هذه الأخيرة أعرق المدارس الصيفية حول الطرق الكمّية في العلوم السياسية وإلى يومنا هذا 34وأكبرها منذ نشأتها سنة 1962؛ حيث عملت على تدريب آلاف الباحثين من مختلف دول المعمورة على مدى حوالى ستيّن سنة من عملها، فعلى سبيل المثال، حضر دورة عام 2020 من هذه المدرسة الصيفية أكثر من 1600 مشاركٍ، بعدما كانت قد انطلقت في دورتها الأولى ب 64 متدربًا فقط35. ونظرًا إلى الانتقادات الحادّة التي وجّهت إلى المدرسة السلوكية منذ سبعينيات القرن العشرين، خصوصًا لتهميشها الدولة بوصفها عنصرًا مركزيًا في دراسة الظواهر السياسية المختلفة، فقد تراجعت هذه المدرسة قبل انحسارها من حيث هي بردايم مهيمن في الحقل لصالح بردايم بديل سُمّيَ "ما بعد السلوكية ". إلّ أنّ الطفرة المنهجية الكمّية، التي عرفتها الفترة السلوكية، لم يُصبها التراجع نفسه أو فقدان المشروعية الإبستيمولوجية 36. وبعبارة أخرى، إذا كانت السلوكية قد تراجعت موضوعاتيًا، فإنّها لم تتراجع منهجيًا في العلوم السياسية، فوفقًا للإسهامات المنهجية التي قدّمتها، اكتسبت مشروعية في الحقل؛ لأنها دفعت بالدارسين إلى العناية والتدقيق في الأساليب المنهجية التي يوظّفونها في أبحاثهم 37؛ وذلك بغضّ النظر عن تموقعهم الإبستيمولوجي، أو عن أنهم من الباحثين الذين يستعملون الطرق الكمّية في أبحاثهم أم لا. فالمرحلة السلوكية بتطلّعها نحو صبغ دراسة السياسة بالعلمية، يرجع إليها الفضل في جعل الاختيارات المنهجية في أي بحث من الأبحاث في العلوم السياسية أحد العناصر الأساسية التي يحكم بها على رصانته وجودته. وإذا كانت هذه هي حال المنهج الكمّي في العلوم السياسية على "المستوى الدولي"، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما واقعه في العلوم السياسية العربية؟
ثانيًا: واقع المنهج الكمّي في العلوم السياسية العربية: حالة الإحصاء الاستدلالي
بغرض الإجابة عن السؤال السابق، سنتناول بالتحليل حالة الإحصاء الاستدلالي في العلوم السياسية العربية 38؛ لأنه من أهمّ الأدوات المنهجية التي يلجأ إليها علماء السياسة من أصحاب التوجّه الوضعي الإمبريقي لاختبار الفرضيات التفسيرية أو العلاقات السببية بين المتغيرات المستقلّة والتابعة 39.
1. منهجية تجميع العينة وخصائصها
وضعنا استراتيجية بحثية تقوم على ثلاثة عناصر: أوّلً، حصر الأبحاث التي نشُرت في الدوريات العربية المحكّمة المتخصّصة في العلوم السياسية، بما فيها العلاقات الدولية 40. وكان الاعتماد على التصنيف الذي تقدّمه "دار المنظومة" 41 لحصر قائمة بهذه الدوريات، بالاقتصار على الدوريات التي يمكن الولوج إلى أعدادها على شبكة الإنترنت، والصادرة خلال الفترة من كانون الثاني/ يناير 2010 إلى 03 حزيران/ يونيو 2021، لدواعٍ عملية مرتبطة بمدى سهولة الحصول على الأعداد المنشورة. وفي حالة عدم توفّر بعض أعداد هذه الدوريات على الإنترنت، راجعنا النسخ الورقية إن توفّرت في مكتبة معهد الدوحة للدراسات العليا. بلغ عدد الدوريات التي تحقّق هذا الشرط الأوّل ثمانيًا وعشرين دوريةً (ينظر الجدول 1)، بما مجموعه 777 عددًا. وتنقسم إلى فئتين: الفئة الأولى، تضمّ تسع عشرة دوريةً صدرت في الفترة التي يغطّيها البحث. مثال ذلك، دوريتا المستقبل العربي و المجلّة العربية للعلوم السياسية الصادرتان عن مركز دراسات الوحدة العربية في لبنان، وتغطّي أعدادهما الفترة 2021-2010. أمّا الفئة الثانية، فتشمل تسع دوريات بدأت بالصدور بعد كانون الثاني/ يناير 2010، كدورية سياسات عربية الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر، و مجلّة العلوم القانونية والسياسية الصادرة عن جامعة ديالى في العراق. يعكس الجدول 1() التنوّع الجغرافي للعينة؛ إذ إنّ الدوريات التي تتكوّن منها تغطّي مختلف مناطق العالم العربي من العراق 10(دوريات)، إلى الجزائر 7(دوريات)، فمصر (دوريتان)، فلبنان 3(دوريات)، فالسعودية (دورية واحدة)، فقطر (دورية واحدة.) يُضاف إليها أربع دوريات تصدر من ألمانيا عن المركز العربي الديمقراطي 42. وتتميز العينة بالتنوّع من حيث طبيعة المؤسّسات التي تُصدرها، ما بين جامعات (كجامعات بغداد والجزائر والملك سعود)، ومراكز بحثية متخصّصة أو مستقلّة (كالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات والمركز الديمقراطي العربي)، ومؤسّسات نشر عامّة (مثل دار الأهرام المصرية.) ومع أنّ العينة لا تشمل كلّ الدوريات العربية المحكّمة في العلوم السياسية، فإنّ التنوّع الذي يميزها، سواء من حيث الجغرافيا أم من حيث طبيعة الناشرين، يسمح بالاطمئنان إلى أنّ محتواها يعكس إلى حدّ بعيد التوجّهات الكبرى السائدة في البحث العلمي في العلوم السياسية العربية. ثانيًا، من خلال مراجعة شاملة لمحتوى كلّ أعداد الدوريات المحكّمة التي جرى حصرها وفق الشرط الأوّل، حُدّدت لائحة "الأبحاث الأصلية" المتضمنة فيها؛ من خلال استبعاد الأبحاث المترجمة عن دراسات جرى نشرها في دوريات محكّمة أجنبية، ومراجعات الكتب. بحثًا 43وقد مكّن هذا الأمر من تعداد 8883. تختلف الدوريات المدرجة في العينة اختلافًا كبيرًا من حيث معدّل الأبحاث الأصلية التي تنشرها في كلّ عدد (ينظر الشكل 1)، فإذا كان المعدّل العامّ للعينة المدروسة قرابة أحد عشر بحثًا، فإنّ الحيز يراوح ما بين أربعة أبحاث في مجلّة الحقوق والعلوم السياسية (جامعة الملك سعود بالسعودية)، وستّة وعشرين بحثًا في مجلّة دفاتر السياسة والقانون (جامعة قاصدي مرباح بالجزائر)؛ أي أكثر من ضعف المعدّل العامّ. ولا تسمح المعطيات التي في حوزتنا بتفسير هذه التفاوتات، ولا حتّى بتخمين فرضيات منطقية قد تفرسّها، عدا
| الرقم | عدد سنوات الصدور | الدولة | الناشر | اسم الدورية |
|---|---|---|---|---|
| 1 | أكثر من المدّة المدروسة (إحدى عشرة سنة ونصف) | العراق | جامعة بابل | المحقّق الحّلّ للعلوم القانونية والإنسانية |
| 2 | العراق | جامعة الأنبار | مجلّة جامعة الأنبار للعلوم القانونية والسياسية | |
| 3 | العراق | الجامعة المستنصرية | مجلّة الجامعة المستنصريّة للدراسات العربية والدولية | |
| 4 | العراق | جامعة الموصل | مجلّة دراسات إقليمية | |
| 5 | العراق | مركز حمورابي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية | مجلّة حمورابي للدراسات | |
| 6 | العراق | جامعة بغداد | دراسات دوليّة | |
| 7 | العراق | جامعة بغداد | العلوم السياسية | |
| 8 | العراق | جامعة النهرين | قضايا سياسية | |
| 9 | لبنان | مركز دراسات الوحدة العربية | المستقبل العربي ّ | |
| 10 | لبنان | مركز دراسات الوحدة العربية | المجلّة العربية للعلوم السياسية | |
| 11 | لبنان | مركز الدراسات الاستراتيجية | شؤون الأوسط | |
| 12 | الجزائر | جامعة يوسف بن خدّة الجزائر | المجلّة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية | |
| 13 | الجزائر | جامعة مولود معمّري تيزي وزّو | المجلّة النقديّة للقانون والعلوم السياسية | |
| 14 | الجزائر | جامعة قاصدي مرباح ورقلّة | دفاتر السياسة والقانون | |
| 15 | الجزائر | جامعة الوادي | مجلّة العلوم القانونية والسياسية | |
| 16 | الجزائر | جامعة الجزائر 3 | المجلّة الجزائرية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية | |
| 17 | السعودية | جامعة الملك سعود | مجلّة الحقوق والعلوم السياسية | |
| 18 | مصر | مؤسّسة الأهرام | السياسة الدولية | |
| 19 | مصر | دار الكتب والوثائق القوميّة | مصر الحديثة | |
| 20 | أقل من المدة امممملمدروسة | قطر | المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات | سياسات عربية |
| 21 | العراق | جامعة ديالى | مجلّة العلوم القانونية والسياسية | |
| 22 | العراق | جامعة تكريت | تكريت للعلوم السياسية | |
| 23 | الجزائر | جامعة زيّان عاشور الجلفة | مجلّة البحوث السياسية والإدارية | |
| 24 | الجزائر | مركز جيل البحث العلميّ | جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية | |
| 25 | ألمانيا | المركز الديمقراطيّ العربيّ | مجلّة اتّجاهات سياسية | |
| 26 | ألمانيا | المركز الديمقراطيّ العربيّ | مجلّة العلوم السياسية والقانون | |
| 27 | ألمانيا | المركز الديمقراطيّ العربيّ | مجلّة الدراسات الأفريقيّة وحوض النيل | |
| 28 | ألمانيا | المركز الديمقراطيّ العربيّ | مجلّة القانون الدولي للدراسات البحثية |
المركز الديمقراطيّ العربيّ
الجدول)1(لائحة الدوريات المحكّمة التي شملها البحث
عن جنوح الدوريات الصادرة عن مراكز الأبحاث (مثلً، مركز دراسات الوحدة العربية في لبنان، والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر) إلى نشر عدد أقلّ من الأبحاث في المعدّل مقارنة بالدوريات الصادرة عن الجامعات، دون أن يبلغ هذا الأمر درجة القاعدة العامّة، بسبب وجود استثناءات لهذا الأمر (مثلً، مجلّة الدراسات الأفريقية وحوض النيل الصادرة عن المركز الديمقراطي العربي في ألمانيا.) يقوم العنصر الثالث من الاستراتيجية البحثية التي اعتمدناها على تحديد المنهجية المستخدمة في كلّ بحث من هذه الأبحاث ال 8883، بعد الاطلّاع على مضمونها واحدًا تلو الآخر، وحصر تلك التي استعملت الإحصاء الاستدلالي منها. وقد صنّفنا هذه الأخيرة في مجموعتين: تحوي الأولى الأبحاث التي استعملت تقنية تحليل الانحدار المتعدّد بأنواعه المختلفة Analysis Regression Multiple، بينما تتضمّن الثانية الأبحاث التي استعملت ما سواها من التقنيات الإحصائية الاستدلالية (مثلً، اختبارات الترابط، Correlation والجدولة... إلخ). Cross Tabulation المتقاطعة إنّ إيلاء أهمّية خاصّة لقياس مدى حضور تقنية تحليل الانحدار المتعدّد في أبحاث العينة، وتميزها ممّ سواها من تقنيات الإحصاء الاستدلالي، يبرّره أمران على الأقلّ: أوّلهما، مركزية هذه التقنية المقتبسة من الاقتصاد القياسي في المنهج الكمّي الاستدلالي في العلوم السياسية المعاصرة، حيث تعتبر من الأدوات الرئيسة التي يلجأ إليها الباحثون الكمّيون في العلوم السياسية ل "دراسة تأثير المتغيرات المستقلة المتعدّدة (اثنان أو أكثر) في متغير تابع واحد" 44، على خلاف النوع الثاني الذي يسمح فقط "باختبار العلاقة الكلّية بين متغير تابع واحد ومتغير مستقلّ واحد" 45. فتقنية تحليل الانحدار تعدّ، دون منازع، من "أكثر أدوات الإحصاء المتقدّمة استخدامًا في أبحاث العلوم الاجتماعية" 46. وقد اكتسبت تقنية تحليل الانحدار مكانة محورية في العلوم السياسية الكمّية، كما يشير لويس-بك، في مقالة له نشرت في بداية الألفية الجديدة، قائلً إنّه: "بحلول سبعينيات القرن الماضي، أصبح تحليل الانحدار المتعدّد الأداة المهيمنة في الأبحاث الكمّية في العلوم السياسية 47، ولا يزال الأمر كذلك حتّى اليوم "48. وبمرور عشرين سنة على صدور مقالة لويس-بك، وعلى الرغم من أنّ أدوات الإحصاء الاستدلالي الموظّفة في العلوم السياسية عرفت تطوّرًا وابتكارًا كبيرين، فإنّ مركزية تحليل الانحدار كالتقنية الأكثر شيوعًا لاختبار الفرضيات التفسيرية ما زالت كما هي. يكفي الاطلّاع على أي مجلّة محكّمة غربية في "العلوم السياسية الكمّية"، أو على أي وصف لمقرّر من مقرّرات المنهجية الكمّية المدرّسة في كلّيات العلوم السياسية وبرامجها، ليقتنع المرء بمدى مركزية تحليل الانحدار في المنهج الكمّي في العلوم السياسية. العنصر الثاني، الذي يبرّر إيلاءنا أهمّية خاصّة لقياس مدى حضور تحليل الانحدار في الأبحاث التي تشكّل العينة، هو نظرة المتخصّصين إلى هذه التقنية الإحصائية الاستدلالية، خصوصًا نوعها الذي يسمّى المربّعات الصغرى العادية Squares Least Ordinary، والمعروفة اختصارًا ب OLS، أنّها تمثّل مستوى متوسّطًا في الصعوبة ما بين تقنيات إحصائية أكثر تعقيدًا من قبيل التحليل العاملي Analysis Factor، وتحليل العنصر الرئيس Principal Component Analysis، وتقنيات أخرى توصف بالبسيطة مثل الجدولة المتقاطعة والترابط 49. أي إنّ تحليل الانحدار فيه من الصعوبة التقنية ما يسمح بقياس "الحضور الكمّي" للإحصاء الاستدلالي في العلوم السياسية العربية، والحكم على مستوى تطوّره النوعي. وبعبارة أخرى، فإنّ هدفنا هنا يتعدّى مجرّد تعداد الأبحاث التي استعملت تقنيات الإحصاء الاستدلالي في العلوم السياسية العربية، إلى بحث مدى توظيف الدراسات المنشورة باللغة العربية للتقنيات التي تستدعي مستوى متقدّمًا من الكفاءة والمعرفة التقنية.
2. نتائج تحليل بيانات العينة
يبلغ عدد الدوريات المحكّمة في العينة، التي نشرت أبحاثًا توظّف إحدى أدوات الإحصاء الاستدلالي (تحليل الانحدار، الترابط التائي، معامل الترابط... إلخ)، ثمانيَ دوريات 50 من أصل ثمانٍ وعشرين.) وتشغل دورية سياسات عربية (ينظر الشكل 2 (قطر) المرتبة الأولى بسبعة أبحاث صدرت منذ سنة 2013، تليها دورية المستقبل العربي (لبنان) و مجلة العلوم السياسية والقانون (ألمانيا) بثلاثة أبحاث لكليهما، ثمّ دوريات مجلّة المستنصرية للدراسات العربية والدولية (العراق)، و مجلّة دراسات إقليمية (العراق)، و المجلّة العربية
الشكل)1(عدد الأبحاث المنشورة في كلّ عدد في الدوريات
الشكل)2(عدد الأبحاث التي توظف تقنيات الإحصاء الاستدلالي في كلّ دورية
للعلوم السياسية (لبنان)، و مجلّة العلوم السياسية (العراق)، و مجلّة حمورابي للدراسات (العراق)، ببحث محكّم لكلّ واحدة منها. تقدّم هذه المعطيات رؤية واضحة عن مدى هامشية الإحصاء الاستدلالي في العلوم السياسية العربية، فمجموع الأبحاث التي وظّفت المنهج الإحصائي الاستدلالي على اختلاف أدواته لا يتعدّى ثمانية عشر بحثًا من أصل 2463 بحثًا نشرتها هذه الدوريات الثماني؛ أي بنسبة لا تتعدّى %0.5 من مجموع ما نشرته من أبحاث محكّمة. وتنخفض هذه النسبة إلى %0.2 إذا أخدنا كلّ الأبحاث ال 8883 المنشورة في الدوريات الثماني والعشرين التي تحتويها العينة. ولا تتغير هذه الصورة كثيرًا إذا أمعنّا النظر في محتوى كلّ دورية على حدة؛ إذ تكون نسبة الدراسات التي استعملت الإحصاء الاستدلالي سياسات عربية كالآتي: %1.6()، مجلّة العلوم السياسية والقانون %0.6(المجلّة العربية للعلوم السياسية)، %0.6()، مجلة العلوم السياسية %0.4(مجلّة دراسات إقليمية)، %0.4()، مجلّة حمورابي للدراسات %0.4(المستقبل العربي)، %0.3()، مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية %0.2(.) وهكذا، فباستثناء دورية سياسات عربية، لم يتعدّ حضور الأبحاث الكمّية في كلّ الدوريات المحكّمة الأخرى حاجز.)%1(
الشكل)3(الدوريات المحكمة التي نشرت أبحاث ا تستعمل تحليل الانحدار أمّا حول مدى حضور تحليل الانحدار في الأبحاث الثمانية عشر التي جرى حصرها في العينة، فإنّنا نجد أن اثني عشر منها استخدمته (ينظر الشكل)3؛ أي ما يعادل الثلثين. ويعكس هذا الرقم أمرين: أوّلهما، أنّ الأبحاث العربية المنشورة في الدوريات المحكّمة في العلوم السياسية، التي توظّف تقنيات الإحصاء الاستدلالي على قلّتها، لا تختلف في الحقيقة من ناحية طبيعة التقنيات الإحصائية التي تحظى بالأولوية عمّ هو رائج في الدوريات المحكمة الدولية؛ فعلى غرار العلوم السياسية الكمّية خارج المنطقة، يبقى تحليل الانحدار هو المفضّ ل عند أغلبها؛ أي إنّ التوجّه العامّ عند توظيف الإحصاء الاستدلالي في الدراسات العربية، من الناحية النوعية، هو محاكاة لما يجري العمل به خارج المنطقة من حيث مستوى الكفاءة المعرفية والقدرة التقنية التي تتطلّبها الأدوات الإحصائية المستعملة. الأمر الثاني الذي يعكسه هذا الرقم هو أنّ عدد المقالات، على الرغم من أن العنصر الأوّل إيجابي، يبقى جدّ منخفض، وذلك ما لا يسمح بنفي المحصّلة المتمثّلة في التهميش الحقيقي للبحث الكمّي الاستدلالي في العلوم السياسية العربية، فنسبة الأبحاث المنشورة على مدى أكثر من إحدى عشرة سنة ونصف السنة التي تغطّيها الدراسة والتي اعتمدت تقنية تحليل الانحدار، لا تتعدّى %0.4 من مجموع الأبحاث الأصيلة في الدوريات الأربع التي نشرت مقالات
سياسات عربية كمّية توظّف هذه التقنية: - قطر 7(أبحاث)، المستقبل العربي لبنان 3(أبحاث)، دراسات إقليمية - – العراق، المجلّة العربية للعلوم السياسية و - لبنان (بحث واحد لكلّ منهما.) تنخفض هذه النسبة بحدّة إلى %0.1 من مجموع الأبحاث المحكّمة 8883() التي تشكّل العينة. يؤكّد ما سبق أنّ الأمر لا يعدو أن يكون مجموعة دراسات معزولة هنا وهناك، تُنشر من حين إلى آخر من طرف بعض الباحثين، وليس انعكاسًا لوجود "جماعة علمية كمّية" وازنة في العلوم السياسية العربية. وتؤكّد هذا الأمر البيانات التي يوفّرها الجدول.)2(
| الرقم | الدورية | السنة | اسم المؤلف | عنوان البحث |
|---|---|---|---|---|
| 1 | مجلة دراسات إقليمية | 2011 | مفيد يونس، نزار القهوجي | مسبّبات الفساد في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA() دراسة تطبيقية باستخدام بيانات تجميعية بسيطة للفترة ) اريمي2007-2003( |
| 2 | سياسات عربية | 2014 | عبد الحق دحمان، جواهر إدريس | تحليل الانحدار لنمذجة تأثير إنتاج النفط في الديمقراطية في سياق أطروحة "لعنة الموارد" |
| 3 | سياسات عربية | 2017 | دانا الكرد | قدرة الدولة وتأثيرها في الرأي العام |
| 4 | سياسات عربية | 2018 | دانا الكرد | التديّن وتأثيره السياسي |
| 5 | سياسات عربية | 2018 | دانا الكرد | الآراء تجاه حقوق المرأة والقيم الديمقراطية |
| 6 | سياسات عربية | 2018 | وحدة استطلاع الرأي العام | ما محدّدات المشاعر الطائفية؟ |
| 7 | سياسات عربية | 2019 | نبيل حسين | ااايلقضية الفلسطينية في الرأي العام ّ العربي ّ |
| 8 | سياسات عربية | 2020 | هشام رائق، محمّد أوريا | مدى رضا الشباب في ظلّ التحولّات السياسية والاقتصادية بعد "الربيع العربي:" تحليل انحدار لوجستيّ ثنائيّ الاستجابة لعيّنة من المغرب ااناييرلعربي |
| 9 | المستقبل العربي | 2017 | بن أحمد حوكا | الثقافة السياسية الحضرية في الوطن العربي: العلاقة بين الاتجاه نحو ايرإاالديمقراطية والاحتجاج السياسيّ |
| 10 | المستقبل العربي | 2019 | محمود ميعاري | اتّجاهات الجمهور الفلسطينيّ نحو مقاومة الاحتلال الإسرائيليّ للضفّة الغربية وقطاع غزة |
| 1 م1 | املمستقبل العربي | 2019 | عامبد الرحمن البارودي | ايايياملاغتراب السياسيّ لدى الشباب الأردنيّ: دراسة ميدانية |
| 12 | المجلّة العربية للعلوم السياسية | 2015 | عبد الحقّ دحمان | الممالك النفطية وثورات "الربيع العربيّ:" دراسة في الاقتصاد السياسي ّ للعنة الموارد |
12 السياسية
يقدم الجدول 2() لائحة المقالات التي استعانت بتحليل الانحدار في العينة. فمن الناحية الموضوعاتية، يمكن تصنيفّ الموضوعات التي تناولتها الدراسات الاثنتا عشرة إلى مجموعتين: المجموعة الأولى (المُشار إليها باللون الرمادي الداكن في الجدول) تتضمّن الأبحاث التي تتمحور حول المواضيع المرتبطة بما يسمّى بالسلوكات السياسية Behavior Political. على سبيل المثال لا الحصر، المحدّدات الفردية للطائفية، والتوجّهات الأيديولوجية والحزبية، والموقف من القضية الفلسطينية، وتفضيل النظام الديمقراطي... إلخ. وقد حضر هذا النوع من الموضوعات في 9 دراسات من أصل 12. وهذا ليس بالأمر الجدول)2(لائحة الأبحاث في العينة التي استخدمت تحليل الانحدار
للعنة الموارد
المفاجئ؛ باعتبار أنّ حقل السلوكات السياسية ليس فقط الحقل الموضوعاتي الذي كان له الفضل في اعتماد الطرق الكمّية في العلوم السياسية في الفترة التي عرفت هيمنة البردايم على هذا الحقل، كما وضّ حنا في الجزء الأوّل من الدراسة، بل إنّه ما زال يعدّ، بلا منازع، أكثر الحقول البحثية في العلوم السياسية المعاصرة اعتمادًا على الإحصاء الاستدلالي عامّة وتحليل الانحدار بأنواعه المختلفة خاصّة، بوصفه نتيجةً طبيعية للتوظيف الكبير للمسح الاجتماعي في الدراسات. أمّا النوع الثاني من الموضوعات البحثية، التي تبرز من خلال تحليل محتوى الجدول، فهو ما يمكن وضعه في خانة الاقتصاد السياسي (المشار إليه باللون الرمادي الفاتح الفاتح.) وعلى وجه الخصوص ما يبحث مسألة أثر النفط في الديمقراطية في المنطقة العربية (دراستان)، أو ما يعرف كذلك ب "لعنة الموراد" Curse Resource، ومسألة الفساد (دراسة واحدة.) حيث إنّ ثلاث دراسات من أصل اثنتي عشرة دراسة تبحث في هذين الموضوعين. الملاحظ أنّ مجمل الموضوعات التي تعاملت معها هذه الدراسات، سواءٌ أكانت من النوع الأوّل أو من النوع الثاني، والتي استخدمت تقنية تحليل الانحدار، تدخل في إطار ما يوصف "بهموم الأمّة"؛ ما يعطي مؤشًّا أوّليًا إلى الإمكانات الحقيقية للمنهج الكمّي الاستدلالي للمساهمة في دراسة موضوعات بحثية ذات أهمّية كبيرة لمجتمعاتنا، إن لم نقل إنّها مصيرية لبعضها. وسنتناول هذه النقطة بتفصيل أكبر في الجزء الأخير من الدراسة. ثمة عناصر إضافية تلفت الانتباه عند تحليل محتوى الجدول 2(:) أوّلها أنّ غالبية الأبحاث التي استخدمت تحليل الانحدار قد نشُرت في السنوات الأخيرة، فالأبحاث التي تستعمل هذا النوع من التحليل والتي نشُرت قبل 2017 تقتصر على بحثين فقط؛ أحدهما في دورية سياسيات عربية (قطر)، عن تأثير النفط في التحوّل الديمقراطي سنة 2014، للباحثين عبد الحقّ دحمان وجواهر إدريس. أمّا الثاني، فهو حول أثر الموارد النفطية في التحوّل الديمقراطي لعبد الحق دحمان، في المجلّة العربية للعلوم السياسية التي نشُرت سنة 2015 (لبنان.) العنصر الثاني هو أنّ أغلب المقالات المنشورة في دورية سياسات عربية وظّفت في تحليلاتها معطيات المؤشّ العربي الذي يسهر على إعداده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ونصفها تقريبًا 3(من أصل 7) من أعمال الباحثة دانا الكرد. هل التزايد في عدد الأبحاث المعتمدة على الإحصاء الاستدلالي عامّة، وتحليل الانحدار خاصّة، في الدوريات العربية المحكّمة خلال السنوات الأخيرة، يعكس منحى تصاعديًا لحضور المنهج الكمّي في العلوم السياسية العربية؟ يصعب قول ذلك؛ إذ إنّ جماعة الكمّيين العرب تبقى محدودة كما يُظهر الوقوف على أسمائهم، فتكرار أسماء بعضهم (عبد الحقّ دحمان ودانا الكرد) يشير بقوّة إلى أنّ استعمال المنهج الكمّي الاستدلالي في العلوم السياسية العربية يبقى محصورًا في مجموعة ضيقة من الباحثين 51، خصوصًا إذا ما أخذنا في الحسبان أنّ بعضهم علماء اقتصاد أكثر من كونهم علماء سياسة بالتخصّص الذي حصلوا فيه على شهادة الدكتوراه: مفيد يونس، ونزار القهوجي، وجواهر إدريس. والنتيجة التي نخلص إليها في نهاية هذا الجزء الثاني من الدراسة، هي أنّ حضور الإحصاء الاستدلالي في العلوم السياسية العربية يبقى بعيدًا جدًّا عن المأمول، خصوصًا إذا ما قورن بمستوى حضوره في العلوم السياسية خارج المنطقة، وهو يبين هامشية المنهج الكمّي في العلوم السياسية العربية. وعلى الرغم من تزايد عدد الأبحاث الكمّية، التي وظّفت أدوات مختلفة من الإحصاء الاستدلالي خلال السنوات الأخيرة، فإنّ المسألة لا تتعدّى أن تكون استثناءات محدودة. ومن المفيد التأكيد على أنّنا لا ندّعي أن العينة التي حللناها تغطّي كلّ الدوريات المحكّمة العربية في حقل العلوم السياسية، ثمّ لا ندّعي أيضًا أنّ الخلاصات التي توصّلنا إليها تنفي وجود دوريات عربية محكّمة في العلوم السياسية قد يكون فيها حضور المنهج الكمّي الاستدلالي أقوى من غيرها. ولكن حتّى لو سلّمنا بهذا الأمر، فإنّه ليس هنالك مجال للشكّ في أنّ هذه الاستنتاجات التي عرضناها تعكس الاتّجاه العامّ أو الغالب في العلوم السياسية العربية.
ثًالث ا: تداعيات هامشية المنهج الكمّي وسبل تجاوزها
إنّ القول بالحضور الهزيل للطرق الكمّية في العلوم السياسية العربية، عن طريق إثبات هامشية الاعتماد على الإحصاء الاستدلالي في الدراسات المنشورة، لا يعدّ في حدّ ذاته كافيًا للقول بضرورة العناية بها، أو إنّ هناك حاجة موضوعية لحضورها بشكل أكبر في العلوم السياسية العربية، فالأمر يحتاج إلى استجلاء التداعيات السلبية التي تترتّب على هذا الوضع.
1. لماذا تعدّ هامشية المنهج الكمّي إشكالية؟
ينتج من هامشية التقنيات الكمّية في العلوم السياسية العربية طائفة من الآثار السلبية، نقترح الوقوف على ثلاثة منها نعتبرها جوهرية. أوّلً، اقتصار الإسهام العلمي الفعلي للعلوم السياسية العربية على لائحة من الموضوعات البحثية المعينة دون غيرها، على اعتبار أنّ بعض الحقول يطغى فيها المنهج الكمّي الاستدلالي على ما سواه من المناهج البحثية. قد يجادل المرء في أنّ ذلك ليس إشك لً في حدّ ذاته، لأنّ العلوم السياسية العربية ليست مطالبة بالخوض في جميع الموضوعات التي تقع تحت قبّة العلوم السياسية، خصوصًا منها ما يعدّ بعيدًا عن التحدّيات التي تواجهها منطقتنا، ففي النهاية لا يمكن أن نعيب على العلوم السياسية العربية تهميشها أدوات المنهج الكمّي ما دام المنهج الكيفي وافيًا بالغرض في دراسة الموضوعات البحثية التي هي في صميم اهتمامات شعوب المنطقة وباحثيها. وجوهر الإشكال هو أنّ واقع العلوم السياسية العربية مخالف لهذا الطموح، فلا يمكن مثلً إنكار الإنتاج المعرفي المتميز للعلوم السياسية العربية في مجال الفكر السياسي المعاصر حول قضايا مثل ثنائية الحداثة والتراث، التي تبقى مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالأدوات التحليلية للمنهج الكيفي 52. لكن يصعب القبول بأنّ موضوعات مثل السلوكات السياسية على اختلافها (التشدّد، الطائفية، التفضيلات الأيديولوجية للأفراد، التصويت... إلخ)، التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالمنهج الكمّي، تفتقر إلى أي أهمّية بحثية للعلوم السياسية العربية. يصعب إذًا تصوّر أنّ البحث الشافي الكافي في هذه الموضوعات في العلوم السياسية العربية يمكن أن يحدث في ظلّ هامشية المنهج الكمّي في المنطقة. بل، أكثر من ذلك، إنّ مدى حضور موضوعات بحثية معينة في العلوم السياسية العربية بالتباين مع حضور رمزي أو غياب شبه تامّ لموضوعات أخرى، يجد تفسيره، ليس في كون الباحثين العرب يركّزون على موضوعات ذات صلة بهموم مجتمعاتهم وخصائصها فقط، بل ينتج أيضًا من التقوقع المنهجي على المنهج الكيفي ما ينتج منه تهميش المنهج الكمّي. ثانيًا، هامشية المنهج الكمّي في العلوم السياسية العربية تحدُّ من قدرتها على الاشتباك الفكري مع البحث العلمي غير العربي حول المنطقة العربية، الذي يشكّل فيه البحث الكمّي قسطًا لا يُستهان به من الأدبيات. نذكر على سبيل المثال لا الحصر: دراسة الأنظمة السياسية والنزاعات المسلّحة، حيث يلُاحظ وجود اعتقاد خاطئ "عند كثير من الأكاديميين [في العالم وليس في المنطقة فقط] أنّ البحث الكمّي يخصّ فقط الانتخابات، النظم الانتخابية، برامج الأحزاب والسلوكات السياسية" 53. مثال ذلك السجالات العلمية الدائرة حول مفهوم "لعنة الموارد" التي جرى توظيفها في محاولات تفسير العوامل التي تجعل بعض الدول عصيةً على النظام الديمقراطي، خصوصًا في المنطقة العربية. تقوم هذه الفكرة، التي روّج لها مايكل روس في مقالته الشهيرة بعنوان: "هل النفط يمنع قيام الديمقراطية؟" 54، على أنّ استعصاء التحوّل الديمقراطي في الدول الغنية بالموارد الطبيعية، سواء النفطية منها والمعدنية، كالذي نجده في دول الخليج، راجع إلى ما توفّره تلك الموارد من أموال طائلة تمكّن الأنظمة، من بين ما تمكّنها منه، من شراء السلم الاجتماعي أو تطوير أجهزة أمنية قادرة على منع أي تحرّكات معارضة للأنظمة القائمة. يكشف محرّك البحث "غوغل سكولار" Scholar Google 55 أنّ هذه المقالة، التي استعملت المنهج الكمّي الاستدلالي، وعلى وجه أدقّ تحليل الانحدار، جرت الإحالة إليها من جانب أكثر من 7004 بحث 56، في حين أنّنا نجد في العينة محلّ الدراسة، أنّه لم تَجرِ دراسة هذا الموضوع بالطرق الكمّية الإحصائية الاستدلالية إلّ في بحثين عربيين فقط.
طبعًا، لا يعني هذا الأمر البتّة أنّ الأبحاث العربية لم تهتمّ بدراسة مسألة "لعنة الموارد"، فقضية "اقتصاد الريع" حاضرة بقوّة في العلوم السياسية العربية التي درست طبيعة الأنظمة في المنطقة، سواء في الخليج أو خارجه، موظّفة في ذلك المنهج الكيفي. ولا يعني أيضًا أنّ اعتمادها هذا المنهج يجعل النتائج التي تتوصّل إليها هذه الدراسات أقلّ مشروعية أو علمية. لكنّ هذا الأمر لا ينفي إشكالية الوضع المتمثّل في أنّ قدرة العلوم السياسية العربية على الاشتباك مع الأبحاث الكمّية الغربية المقابلة تظلّ محدودة، على الأقلّ باستعمال الأدوات المنهجية نفسها التي توظّفها تلك الأبحاث. علمً أنّه حتّى لو جرى الاشتباك مع تلك الأبحاث عن طريق دراسات كيفية، فإنّ النقد العلمي البنّاء لها يقتضي من الباحث معرفة ولو بسيطة بالمنهج الكمّي الاستدلالي. وبعبارة أخرى: حتّى لو اعتبرنا أنّ للأبحاث العربية، في الوضع الحالي المتّصف بهامشية الطرق الكمّية، إسهاماتٍ قيمة حول مثل تلك الموضوعات التي أشرنا إليها، فإنّ ذلك لا يبطل الحاجة إلى تطوير القدرات المحلّية فيما يتعلّق بالطرق الكمّية. ثالثًا، النتيجة السلبية الأخيرة في نظرنا الناجمة عن هامشية الطرق الكمّية في العلوم السياسية العربية هي ضعف العناية بالمنهجية بصفتها حقلً بحثيًا قائمًا بذاته داخل حقل العلوم السياسية المعاصرة. إنّ التطوّر الهائل الذي عرفته الطرق الكمّية في العلوم السياسية خلال العقود الأخيرة كان من تجلّياته بروز المنهجية بصفتها أحد الفروع الموضوعاتية التي يمكن تخصّصُ علماء السياسة فيها حصرًا، أو موازاةً مع موضوعات بحثية من السياسة المقارنة، أو العلاقات الدولية، أو الفكر السياسي. وكان من تجلّيات بروز هذا الحقل الموضوعاتي بدايةً، ثمّ تطوّره إلى فرع تخصصّي حقيقي داخل العلوم السياسية، أن ظهرت شبكات علمية، ودوريات علمية محكّمة متخصّصة، كالجمعية من أجل المنهجية السياسية Political Analysis The Society for Political Methodology، ودورية مثلً، التي تعتبر من أكثر دوريات العلوم السياسية شهرة وتأثيرًا 57 في العلوم السياسية على المستوى العالمي. في حين أنّه - على حدّ علمنا - لا توجد حتّى الآن أي دورية محكّمة عربية متخصّصة في المنهجية في العلوم السياسية، أو شبكة للباحثين العرب الذين يشتغلون عليها.
2. سبل تجاوز الوضع الهامشي للبحث الكمّي في العلوم السياسية العربية
إنّ النهوض بالبحث الكمّي في العلوم السياسية يبقى رهينًا بعنصرين: أوّلهما وجود جماعة علمية قادرة على توظيف الأدوات الإحصائية الاستدلالية في أبحاثها. وثانيهما، توفّر الحدّ الأدنى من الموارد المادّية التي تتطلّبها الأبحاث الكمّية في كثير من الحالات. وفيما يخصّ العنصر الأوّل، فمن البديهي أنّ تجاوز حالة التهميش، التي تعانيها "العلوم السياسية الكمّية" في المنطقة، لا يمكن أن يكون إلّ من خلال تشكّل جماعة علمية من الباحثين الكمّيين العرب ذوي القدرات المعرفية والتقنية التي تسمح باستخدام المنهج الكمّي الاستدلالي في أبحاثهم. ويبقى تحقيق هذا المراد رهينًا بتوفير التكوين المعرفي الضروري سواء داخل برامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية التي تنشط داخل الجامعات العربية، على الأقلّ بشكل أوسع ممّ هو حاضر اليوم. فمثلً، في بلد كالمغرب لا يوفّر - حسب علمنا - أي برنامج إجازة (بكالوريوس) في العلوم السياسية، التي تُدرّس في كلّيات القانون في الجامعات الحكومية تدريبًا على طرق البحث الكمّي، فإن تدريس المنهجية في برامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية يبقى فيه الغالب، أقرب إلى المقاربة القانونية منه إلى العلوم الاجتماعية. الآلية الثانية، التي يمكن من خلالها تجاوز هذا الوضع، هي العمل على تنظيم جامعاتٍ أو مدارس "صيفية" باللغة العربية، لخدمة الباحثين الراغبين في تطوير قدراتهم المنهجية الكمّية، سواء من الأساتذة الجامعيين، أو من طلّ ب الدراسات العليا، على غرار ما هو معمول به خارج المنطقة. حيث تنتشر الجامعات الصيفية المتمركزة حول توظيف المنهج الكمّي في العلوم السياسية في مختلف أنحاء المعمورة؛ ومن أشهرها وأقدمها ICPSR في الولايات المتّحدة الأميركية، إيسكس Essex في بريطانيا 58، وسلسلة المدارس الصيفية التي تنظّمها سنويًا الجمعية الدولية للعلوم السياسية IPSA 59 في كلّ من أنطاليا (تركيا)، والمكسيك، ومونتريال (كندا)، وكابري (إيطاليا)، وسانت بطرسبرغ (روسيا)، وساوباولو (البرازيل) وسنغافورة. أمّا العنصر الثاني، الذي يمكن أن يسهم في النهوض بالبحث الكمّي في العلوم السياسية العربية، فهو توفّر الحدّ الأدنى من الدعم المادّي اللازم، فمن جهة أولى يرتبط استعمال أساليب المنهج الكمّي وتقنياته، من الناحية العملية، بشكل وطيد، بالقدرة على الولوج إلى البرمجيات المعلوماتية المتخصّصة في الإحصاء ك SPSS وSTATA، التي تعدّ
رسوم اشتراكها باهظةً بالنسبة إلى غالبية الباحثين في المنطقة 60. ومن جهة أخرى، يحتاج العمل على بعض الأفكار البحثية المتميزة إلى تجميع معطيات جديدة عن طريق إجراء المسوح الاجتماعية، التي قد تقتضي من الباحث التعاقد مع شركات متخصّصة للقيام بها. يترتب على ما سبق تكلفة مالية لا تقلّ عن بضعة آلاف من الدولارات الأميركية في أحسن الأحوال. طبعًا ليست كلّ الأبحاث الكمّية بمثل هذه التكلفة، ويبقى هذا الأمر استثناءً؛ لأنّ الغالبية العظمى من علماء السياسة الكمّيين عبر العالم، حتّى أولئك الذين يعملون على المنطقة العربية، يستعينون بقواعد البيانات التي توفّرها مؤسّسات متخصّصة بشكل مجّاني، كالمؤشّ العربي الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 61، والباروميتر العربي62، والبنك الدولي 63، وبيت الحرّية64، وغيرها. لكن يُحتمل في حالات كثيرة أن تقصّ هذه المصادر عن تلبية حاجة الباحثين إلى معطيات تختبر الفرضيات قيد الدرس لديهم، ما يضعهم أمام تحدّي إيجاد التمويل المناسب. يصعب تصوّر كلٍّ من العنصرين السابقين في غياب الدعم المؤسسّي، سواء في الجامعات العربية أو المراكز البحثية، وذلك لأنّ المبادرات الفردية مهما حسنت نياتها، وقويت عزائمها، لن يكون في إمكانها تحقيق الاخ اررق الكافي للنهوض بالبحث الكمّي داخل العلوم السياسية في المنطقة.
خاتمة
حاولنا في هذا البحث تشخيص واقع المنهج الكمّي في العلوم السياسية العربية، بالوقوف على مدى توظيف أدوات الإحصاء الاستدلالي، خصوصًا تحليل الانحدار، في عينة مكوّنة من أكثر من ثمانية آلاف بحث نشُرت على مدى أكثر من عشر سنوات في لائحة من الدوريات العربية المحكّمة. أثبت التحليل الذي قمنا به ضآلة حضور هذه الأدوات في العلوم السياسية العربية، الأمر الذي يعبّ في الحقيقة عن تهميشٍ بينٍ للمنهج الكمّي في المنطقة. ويؤثّر هذا الوضع سلبيًا في العلوم السياسية العربية على عدّة مستويات، أهمّها الحدّ من قدرة الإنتاج العلمي العربي على الاشتباك بفعالية مع الأبحاث التي يحضر فيها المنهج الكمّي بقوة أو يغلب عليها كالسلوكات السياسية. يجب ألّ تُعدّ دعوتنا إلى حضورٍ أكبرَ للبحث الكمّي في العلوم السياسية العربية نوعًا من "التبشير" الدوغمائي بالإبستيمولوجيا الوضعية الإمبريقية، ولا ادّعاءً بأنّ "التكميم" Quantification هو الطريق الوحيدة لدراسة الظواهر السياسية. ويجب أيضًا ألّ تُفهم دعوتنا على أنّها تهجّم أو تقليل من "علمية" المنهج الكيفي مقارنة بالمنهج الكمي، فيمكن لكلّ من المنهجين أن ينتج أبحاثًا ممتازة، أو أبحاثًا دون المستوى المطلوب. وكما أنّ هناك إشكاليات بحثية قد تكون أكثر ملاءمة للدراسة بالطرق الكمّية، فإنّ هناك أسئلة بحثية يكون من الأنسب دراستها عبر البحث الوثائقي التاريخي أو الملاحظة الإثنوغرافية أو غيرها من أساليب المنهج الكيفي. في حين أنّه قد يوجد هناك نوع ثالث من الإشكاليات البحثية يحتاج إلى كليهما. تحتاج العلوم السياسية العربية إلى الانفتاح على جميع التقاليد الإبستيمولوجية والتوجّهات المنهجية، ويعدّ هذا أمرًا أساسيًا في النهوض بهذا الحقل المعرفي في منطقتنا، ليكون قادرًا على الاستجابة لمسؤولياته المجتمعية.
المراجع
العربية
أبو بدر، سليمان حسن. استخدام الأساليب الإحصائية في بحوث العلوم الاجتماعية. ترجمة باسم سرحان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات،.2019 عارف، نصر محمد. الاتجاهات المعاصرة في السياسة المقارنة: التحوّل من الدولة إلى المجتمع ومن الثقافة إلى السوق. عمّ ن: المركز العلمي للدراسات السياسية،.2006 عبد الحي، وليد. "العلوم السياسية في الجامعات العربية: اقتراح عمران. مج نموذج." 1، العدد 2 (خريف.)2012 عطوي، جودت عزّت. أساليب البحث العلمي: مفاهيمه – أدواته - طرقه الإحصائية. عمّ ن: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.2015 القاضي، دلال ومحمود البياتي. منهجية وأساليب البحث العلمي وتحليل البيانات باستخدام البرنامج الإحصائي SPSS. عمّ ن: دار الحامد للنشر والتوزيع،.2008 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي. برنامج قياس الرأي العام العربي (الدوحة.) في: http://bit.ly/3St70W4
الأجنبية
Almond, Gabriel A. & Sidney Verba. The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1963. Bala, Jyoti. "Contribution of SPSS in Social Sciences Research." International Journal of Advanced Research in Computer Science. vol. 7, no. 6 (2016). Beck, Nathaniel. "Political Methodology: A Welcoming Discipline." Journal of the American Statistical Association. vol. 95, no. 450 (2000). Bevir, Mark & R.A.W. Rhodes. Routledge Handbook of Interpretive Political Science. London: Routledge, 2016. Brown, Emery N. et al. "What is Statistics?" The American Statistician. vol. 63, no. 2 (2009). Box-Steffensmeir, Janet. M., Henry E. Brady & David Collier (eds.). The Oxford Handbook of Political Methodology. Oxford: Oxford University Press, 2008. Campbell, Angus et al. The American Voter. New York: Wiley, 1960. Goodin, Robert (ed.). The Oxford Handbook of Political Science. Oxford: Oxford University Press, 2011. Goodin, Robert E. & Hans-Dieter Klingemann (eds.) A New Handbook of Political Science. Oxford: Oxford University Press, 1998. ICPSR. "Summer Program." at: https://bit.ly/43Pd8g8 Lewis-Beck, Mickael S. & Éric Bélanger. "Quantitative Methods in Political Science: Research in France and the United States." French Politic. vol. 13, no. 2 Lowndes, Vivien, David Marsh & Gerry Stoker (eds.). Theory and Methods in Political Science. 4 th ed. London: Palgrave, 2018. Mahoney, James & Gary Goertz. "A Tale of Two Cultures: Contrasting Quantitative and Qualitative Research." Political Analysis. vol. 14, no. 3 (2006). Munck, Gerardo L. & Richard Snyder (eds.). Passion, Craft, and Method in Comparative Politics. Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 2007. "Notes from the Editors: Increasing Qualitative Submissions." American Political Science Review. vol. 116, no. 2 (April 2022). Roca, Josep Gallifa. "Research Traditions in Social Sciences and Their Methodological Rationales." Aloma. vol. 36, no. 20 (2018). Ross, Michael L. "Does Oil Hinder Democracy?" World Politics. vol. 53, no. 3 (2001). Somekh, Bridget & Cathy Lewin. Research Methods in the Social Sciences. London/ Thousand Oaks/ New Delhi: Sage Publications, 2015. Stockemer, Daniel. Quantitative Methods for the Social Sciences. A Practical Introduction with Example in SPSS and Stata. Switzerland: Springer. 2019.