"بعض قضايا المنهج: في علوم السياسة والتاريخ والقانون والديموغرافيا"

Ahmed Qasem Hussein أحمد قاسم حسين |

عنوان الكتاب في لغته: بعض قضايا المنهج: في علوم السياسة والتاريخ والقانون والديموغرافيا المؤلف: مجموعة مؤلفين. تحرير: مراد دياني. سنة النشر:.2022 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات:.504

"Methodological Issues in Political Science, History, Law, and Demography"

مقدمة

تتنوع الظواهر والمشكلات التي يحاول باحثو العلوم الاجتماعية دراستها وتحليلها من أجل اكتساب معرفة علمية عنها. تستند المعرفة العلمية بشكل رئيس إلى إجراء ملاحظات دقيقة وتوظيف مناهج خاضعة للرقابة والصرامة العلمية في أثناء دراسة الظواهر المختلفة في العلوم الاجتماعية. فالمنهج  هو أسلوب منظم للتفكير، يتضمّن مجموعة من الخطوات الذهنية والأدوات المعرفية بغرض فهم ظاهرة محددة في سياق محدد وتحليلها، والوصول إلى حقائق تسهم في تأسيس معرفة علمية. على الرغم من اختلاف الظواهر والمشكلات والأزمات التي تحتاج إلى فهم معمق في المجتمع، فإن القاسم المشترك في العملية البحثية هو وجود المنهج، فهو بمنزلة المرشد الذي يحتاج إليه الباحث في كل خطوة من خطوات البحث؛ إذ يدوّن الباحث من خلال المنهج المعلومات ويضبط المفاهيم في بحثه، ويستخدم الأدوات التي توفرها الفروع المختلفة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، مع الإشارة إلى أن المنهج الذي يصلح لدراسة ظاهرة محددة، قد لا يصلح لدراسة حالة أخرى. وقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين ما يمكن اعتباره ثورة في المناهج البحثية في مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية، خاصة العلوم السياسية والعلاقات الدولية. وقد باتت مناهج البحث مقررًا دراسيًا أساسيًا في مختلف الخطط الدراسية في الأكاديميات العربية والأجنبية؛ إذ تسهم مادة المناهج البحثية التي يختلف اسمها من جامعة إلى أخرى، في بناء مهارات الطالب البحثية وتعليمه الانضباط في أثناء عملية البحث العلمي، التي ترتكز على العقل والملاحظة وتوظيف المنهج المناسب لفهم الظواهر التي يدرسها. عربيًا، صدر عدد كبير من الأدبيات الأكاديمية التي تركز على عملية البحث العلمي وأهميته والمناهج الواجب استخدامها في أثناء عملية إعداد البحوث (الوصفية، الكمية) في العلوم الاجتماعية، وقد كان للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إسهام معرفي في دراسة قضايا المنهج، إلى جانب الإسهامات العربية الأخرى في التصدي لقضايا المنهج. فقد صدر عن المركز سلسلة من الكتب الأجنبية التي جرى نقلها إلى العربية عبر مجموعة من المترجمين المتخصصين ضمن سلسلة "ترجمان"، ومنها ما هو من إنتاج باحثين في المنطقة العربية. وفي هذا السياق، يأتي كتاب بعض قضايا المنهج: في علوم السياسة والتاريخ والقانون والديموغرافيا، الذي يتألف من 504 صفحات، شاملةً ببليوغرافيا وفهرسًا عامًّا، وهو الجزء الثالث من سلسلة من الكتب التي صدرت عن المركز  1. وسنحاول في هذه المراجعة الوقوف على هذا الجزء وعرض أفكار الباحثين المساهمين فيه، حيث احتوى على مجموعة من الأبحاث في العلوم السياسية والتاريخ والقانون.

أولا: في أهمية الكتاب

يتضمن هذه الكتاب مجموعة من الإسهامات البحثية المميزة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إضافة إلى حقلي الدراسات التاريخية والأنثروبولوجيا؛ وهي حقول معرفية تتقاطع فيها مناهج بحثية مختلفة، وترتحل من حقل إلى آخر ضمن ما يعرف ب "تكامل التخصصات" الذي يعني تكامل المقاربات والمناهج، بغرض تفسير ظاهرة ما في العلوم الاجتماعية وفهمهما. وقبل عرض أهم الأفكار والمعالجات النظرية في قضايا المنهج التي جاءت في الكتاب، سنتوقف عند أهم ما يُ يّزه: إن هذا الكتاب ليس عرضًا للمناهج والأدوات والتقنيات البحثية، على أهميتها، فهو لا يتمحور حول برهنة أهمية منهج محدد في العلوم السياسية والتاريخ والأنثروبولوجيا في شكل كتاب "مدرسي". كما لا تهدف فصوله إلى إثبات صحة منهج ما ونفاذه عبر حوار بين المؤلفين حول المناهج بشكل عام. بل تكمن أهميته في كونه يقدم للقارئ "معالجة مقاربات تحليلية مختلفة للظواهر في العلوم السياسية والتاريخ والأنثروبولوجيا وطرائق تفسيرها، انطلاقًا من النظريات التي تقدمها تلك العلوم"؛ إذ يدرك المساهمون فيه أن "المنهج ليس شيئًا جاهزًا إلّ في ما ننسقه وننمّطه من أساليب البحث لغايات مدرسية" 2. يتّسم الكتاب بأنه محاولة لإثراء المكتبة العربية العلمية في مجال المناهج بشكل عام، وسدّ ثغرةٍ أساسية فيها، خاصة في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية، حيث نُدرة في الأدبيات التي تسلّط الضوء على مناهجه البحثية؛ إذ حاولت الأدبيات العربية التي تناولت قضايا المنهج معالجته في إطار العلوم الاجتماعية بشكل عام، وهي في معظمها كتب مدرسية

  1. صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ثلاثة أجزاء من كتاب  1 مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، فإضافة إلى الجزء الثالث الذي تتناوله هذه المراجعة، سياسات عربية، العدد والذي صدرت بعض فصوله في: 14 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2019)، في: https://rb.gy/u2ta4، فقد صدر جزآن آخران على النحو التالي: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، الجزء الأول: مقاربات فلسفية وإبستيمولوجية، تحرير مراد دياني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)؛ مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، الجزء الثاني: مقاربات اجتماعية، تحرير مراد دياني ومحسن بوعزيزي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022.)
  2. 2  عزمي بشارة، "في أولوية الفهم على المنهج"، تبين، العدد 03 (خريف 2019)، ص 10.

لم تتطرق إلى قضايا المنهج خارج إطار السررد التقني لأهمية البحث العلمي والأدوات والتقنيات البحثية وعرض المناهج المختلفة التي تساعد الطالب في أثناء عملية البحث العلمي.

ثانيًا: العلوم السياسية: في نقد المقاربات النظرية والبحث عن حلول منهجية

يتناول عبد الوهاب الأفندي في الفصل الأول من الكتاب "عن السياسة والسياسي والنظرية: تأملات في السجال بين المنهج والنظرية في وظيفة العلوم السياسية"، أزمة العلوم السياسية المعاصرة، حيث شخّصها في حالة عجز الإطار النظري الأشمل الذي يحكم العلوم السياسية عن استيعاب المتغيرات السياسية الكبرى التي يشهدها العالم، وعن التوفيق بين التطلّعات العلمية للتخصص ومتطلبات المعالجة الأشمل للشأن السياسي، وعرض التحديات الكبرى التي تواجه الطموحات العلمية للتخصص وأوجه الاستقطاب بين المدارس المختلفة بشأن معالجتها، وتطرّق إلى خطر تحوّل السجالات المنهجية إلى مواجهات سياسية، وهو وضع تكرر في السجال المستمر بين دُعاة العلموية وخصومهم. فقد أدى التسييس في التداخل بين السجالات المنهجية (السلوكية، النقدية) والاستقطاب السياسي، إلى استبدال توجه أيديولوجي ضمني بآخر صريح. ولم يشكل ذلك تقدمًا إلى الأمام من المنظور العلمي لدى كثيرين من أهل التخصص (ص. 2)4 في السياق ذاته، تصدّى الأفندي نقديًا للرأي الذي يسم "دراسات المناطق" في العلوم السياسية بالفقر النظري والدونية العلمية، وشدد على دعم الرأي القائل إن ما يُسمى معالجات نظرية هي بدورها "دراسات مناطق" تتخذ من الغرب مبتدأ التجارب السياسية وخبرها، وتسعى لتعميم تجاربه في شكل "نظريات" ذات صلاحية كونية. وفي هذا الصدد، يقترح طريقة لتجاوز التفرقة المصطنعة بين دراسات المناطق والتنظير الأعم، حيث تطرح فكرة وجود متغيرات قد تفسرر التطورات السياسية في ما يسمى الدول المتقدمة، وما يوصف ب "العالم الثالث." في السياق ذاته، تصدى خليل العناني في الفصل الثالث من الكتاب ل "مأزق علم السياسة بين الأيديولوجي والمعرفي"، عبر طرحه السؤال البحثي: كيف أصبح علم السياسة علمً "غائيًا" تتجسّد فيه بوضوح العلاقة بين القوة والمعرفة؟ وما تأثير الأيديولوجيا في البنية المعرفية والمنهجية لعلم السياسة؟ حيث عرض بداية التطور التاريخي لنشأة علم السياسة، وتوصل إلى استنتاج يقول إن المشكلة الأساسية في مسألة تطوّر علم السياسة تتمثل في كثرة الانشغال بالوصول إلى تفريعات وتصنيفات داخل حقل العلم ذاته، والتركيز على النظريات والمناهج البحثية أكثر من البحث عن حلول للمشكلات القائمة (ص. 108) وعن علاقة علم السياسة بالأيديولوجيا، يرى أن ما يحدد هذه العلاقة هي طبيعة المحتوى الإبستيمولوجي لكل منهما، ومناط الاستخدام المعرفي لكليهما. ورأى أيضًا أنها تتوقف عند خلفية الناظر إليها ومبتغاه من رصد ديناميات العلاقة بينها كلها وتحليلها. واستكشف هذ العلاقة وتفاعلاتها من خلال نماذج العلاقات التفاعلية التي حدّدها بأربعة نماذج لهذه العلاقة: التراتبية والتبادلية والهيمنة والصراع. وخلص إلى أنه إذا كان من الصعب نزع الطبيعة المتحيّزة لعلم السياسة، شأنه في ذلك شأن باقي الحقول المعرفية في العلوم الاجتماعية والإنسانية، فإن تطوير منهجيات بحثية تتجاوز الاختلافات الاجتماعية والثقافية بين الشمال والجنوب، وتلُائم حاجات هذا الأخير، ربما تقلل من جرعة هذا التحيّز وتأثيراتها السلبية، وهو ما يُلقي بالمسؤولية على باحثي العلوم السياسية، خصوصًا خارج العالم الغربي، لاجتراح مفاهيم وأدوات منهجية وبحثية جديدة تلُائم مجتمعاتهم وثقافتهم، ولا تكون بعيدة عن أجندتها وهمومها الوطنية (ص. 130) أما حسن الحاج علي أحمد، فيركز في الفصل السادس "القدرة على الاستدلال: إسهامات التحليل التتبعي في بحوث دراسات الحالة"، على الإسهام المنهجي الذي قدّمه التحليل التتبعي الذي يشير باختصار إلى التحليل المعمّق لدراسة الحالة، ويشمل القدرة على تتبع آليات التسبيب؛ أي تتبع العملية التي يؤثر فيها المتغير المستقل Independent variable في المتغير التابع Dependent variable، وهو ما تنجم عنه مخرجات محددة في البحوث التي تُعنى بدراسة حالة واحدة، أو اختبار نظرية محددة، أو توليد نظرية جديدة (ص. 214) ويجادل الكاتب هنا في أن مناهج البحث الكيفية، ولا سيما دراسة الحالة، قد تطوّرت تطورًا كبيرًا في العقود القليلة الماضية؛ إذ لم تعد تقتصر على الوصف والسررد التاريخي العام، الأمر الذي جعل دراسة الحالة تُنتقد بأنها ليست علمية وبعدم قدرتها على التعميم والاستدلال، وفي أفضل المواضع كانت دراسة الحالة تُعد استكشافية، ليست لديها القدرة على الولوج في أعماق البحث العلمي. لكن المناهج الكيفية، ولا سيما دراسة الحالة، تجاوزت هذا الوضع، وأضحى التحليل التتبعي تحليلً كيفيًا معمقًا. وخلص الحاج علي أحمد إلى أن النقاش بشأن علمية بحوث دراسة الحالة قد قاد إلى إيجاد هَمٍّ مشترك بين مناهج دراسة الحالة والمناهج الكمية، فظهرت - على سبيل المثال - دراسات هادفة إلى تقديم نظرية مشتركة للتسبيب، يمكنها الأخذ بطرف من الجانبين. كما أسهم منهج التحليل التتبعي في سد الفجوة التي تنجم عن البحوث الإحصائية في الدراسات المقارنة المتحكم فيها.

وفي حين هدفت مساهمة الباحث محمد الخراط، في الفصل السابع "التشريع القانوني والقيم: مساهمة في أنثروبولوجيا القانون من خلال أمثلة من القوانين التونسية والأردنية"، إلى "تنشيط أنثروبولوجيا القانون في الفكر العربي المعاصر"، من خلال النظر في بحث القانون عن آليات الضبط الاجتماعي؛ فإنه رأى أن دراسة القانون أنثروبولوجيًا قد تسهم في تفكيك التناقض المتعدد الأشكال في المجتمع، الذي يخفيه المظهر العقلاني الموحد للنظام الذي تقدمه كتب القانون في المجتمع الحديث. لذا تشكل الأنثروبولوجيا التاريخية منهجًا مهمً في تفكيك هذا التناقض، وقد استقى الخراط ذلك من خلال دراسته الأفكار التشريعية في كل من التجربة التونسية، ومن القانونين اللبناني والأردني، ولا سيما في ما يخص "جرائم الشرف"، بوصفها كاشفةً عن رواسب العقل وقدرة الأعراف والعادات الموروثة على مقاومة التغيرات (ص. 279) وخلص الباحث إلى أنّ المطالبة بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة، أو المطالبة بإلغاء جرائم الشرف، في حاجة إلى تأسيس تصور مشترك لما هو عادل؛ تصوّر لا ينجم عن قرارات فوقية، أو عن أوامر قهرية صادرة عن رجل السياسة، إنما يكون فعلً تربويًا وعملً تثقيفيًا دؤوبًا تسهر على القيام به مؤسسات التعليم ومنظمات المجتمع المدني في نطاق تصورٍ شامل لوظيفة القانون والسياسة والدين والتعليم، ولوظيفة المجتمع المدني، أي في إطار تصور شامل للدولة يدرك ببصيرة نافذة طبيعة الواقع ورهانات المستقبل؛ وقد يكون الأنثروبولوجي أحد أهم الفاعلين فيه.

ثًالث ا: حقل العلاقات الدولية: منهجيات السببية ومبدأ الشح والاختيار العقلاني

حدد سيد أحمد قوجيلي في الفصل الثاني "ما قلّ ودلّ: مبدأ الشحّ والنزعة الميثودية في البحوث السياسية"، هدفًا رئيسًا هو التصدي لظاهرة الفراغ في النقاشات المنهجية والنظرية في العلوم الاجتماعية العربية عن مبدأ الشح Principle of Parsimony بوصفه القاعدة المنهجية التي تدعو إلى مراعاة الاختصار وعدم الإكثار من العناصر النظرية (قوانين، أم فروض، أم متغيّ ات)، من دون أن تستدعي الحاجة إلى ذلك. ويعني المبدأ على وجه التحديد استخدام أقلّ عدد ممكن من المتغيّ ات لتفسير أكبر عدد ممكن من الظواهر (ص. 64) وانطلق قوجيلي من افتراض وجود ارتباط إيجابي بين الميثودية وانعدام الشحّ، حيث تكون المُغالاة في استخدام المناهج والانشغال بها والدفاع عنها سببًا في شيوع تصاميم البحث التي تحتوي على عدد كبير جدًّا من المتغيّ ات. وقد يكون السبب الرئيس في عدم مراعاة الشحّ في بحوث العلوم الاجتماعية هو طغيان المناهج على النظرية، أو ما يُ كن وصفه بظاهرة تغليب الميثودولوجيا على الإبستيمولوجيا في مرحلة إعداد البحث. وفي هذا الصدد، اعتبر قوجيلي التحكّم في المنهجية وإتقانها شرطًا ضروريًا لاكتساب الأهلية البحثية. لكن البراعة المنهجية التي هي أمر محمود في ذاتها، قد تتحوّل إلى نقمة أحيانًا إذا أوقعت الباحث ضحية الميثودولاترية Methodolatry. ومن ثمّ، شدّد على أهمّية مبدأ الشحّ باعتباره أحد الحلول الناجعة لتخليص البحوث الاجتماعية من الميثودية، وأنّ السبيل الوحيد للقيام بذلك هو العودة إلى سياق الاكتشاف وجعل التنظير هو الهدف الرئيس للتحقيق العلمي، عوضًا عن الممارسة المنهجية في حدّ ذاتها. يناقش محمد حمشي في الفصل الرابع "السببية كمشكلة في حقل العلاقات الدولية: ما الذي يمكن تعلّمه من علم التعقّد؟"، إشكالية السببية في حقل العلاقات الدولية بوصفها إشكاليةً إبستيمولوجية. وهي التي يعود ظهورها في حقل العلاقات الدولية بوصفها مبحثًا، منهجيًا على الأرجح، إلى سبعينيات القرن الماضي، مع الثورة السلوكية، حيث، بدلً من تشكيل أحكام تاريخية "ذاتية" بشأن أسباب الحرب، سعى المفكر الواقعي كينيث والتز لبناء نظرية قادرة على تجريد هذه الأسباب وعزلها في إطار نظري محكم ودقيق. وبناء عليه، سعى حمشي لإقحام علم/ نظرية التعقّد في النقاش بشأن هذه الإشكالية من ناحية، وإلى لفت الانتباه إلى الدروس الأساسية التي يمكن تعلُّمها منها من أجل إعادة التفكير في التصور الهيومي التقليدي للسببية، الذي هيمن على غالبية النظريات السائدة من ناحية أخرى. وركّز على دراسة الكيفية التي تُعيد بها نظرية التعقّد النظر – على نحو جريء – في مفهوم الحتمية الذي لم تكن الفيزياء الكلاسيكية تقدّمه باعتباره مبدأ أنطولوجيًا فحسب، لكن أيضًا باعتباره مبدأ إبستيمولوجيًا. وإضافة إلى البحث في تصورٍ بديلٍ ينزع عن السببية في حقل العلاقات الدولية طابع الانتظام والحتمية، دافع حمشي عن أطروحات الفلسفة الواقعية النقدية القائلة إن الأفكار والخطاب والتكوين التاريخي و/ أو البناء الاجتماعي للفواعل، تشكّل في حدّ ذاتها قوى سببية في السياسة الدولية، خصوصًا إذا تفاعل بعضُ ها مع بعض، وجنبًا إلى جنب مع القوى السببية المادية، ضمن ما يطلق عليه اسم "المُركَّبات السببية" (ص. 136) حاجّت مروة حامد البدري في الفصل الخامس "نظرية الاختيار العقلاني وبدائلها في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية"، بأنه إذا كانت نظرية الاختيار العقلاني تُخْضِ ع عمليات الاختيار لمبدأ عقلاني واحد، هو تعظيم المنفعة وخفض التكلفة، فإن ما يحدث في الواقع هو مزيج من العقل والإدراك النفسي. بمعنى أن عملية الاختيار بمعناها العقلي الوصفي تعني خضوع هذه العملية للجوانب النفسية لصانع القرار، جنبًا إلى جنب مع حساباته العقلية. فالجوانب

النفسية هي التي تحدد طريقة صوغ المشكلة. أما الجوانب العقلية، فتُحدّد طريقة الاختيار، حيث إنه لا يخضع للبيئة النفسية، لكن لبيئة نفسية عقلانية (ص. 207) وخلصت البدري إلى أن الاختيار العقلاني قد لا يؤدي بالضرورة إلى الرشادة وتعظيم المنفعة؛ ذلك أن الاختيار العقلاني قد يخضع لحسابات المكسب والخسارة، لكن وفقًا للطريقة التي يصوغ بها صانع القرارات المشكلة وكذلك المجال، في مجال المكسب أم في مجال الخسائر بما يؤثر في اختياراته في النهاية، التي قد تتّجه نحو المخاطرة في بعض الأحيان.

رابعًا: مناهج البحث في التاريخ

بحث علي الصالح مولى في الفصل الثامن '"جغرافية' الحقل التاريخي في ضوء تقاطع الاختصاصات: محاولة في إعادة تشكيل المفهوم"، في السياقات المعرفية التي ساهمت في تأسيس قضايا التخصص داخلها، ودوافع التفكير في تجديد المنهج في حقل الكتابات التاريخية عربيًا. وسلّط الضوء على الإمكانات والفرص المتوافرة من أجل النهوض بالأداء الأكاديمي في الحقل التاريخي العربي؛ إذ رأى أن المنهج موقف ورؤية قبل أن يكون أداة عمل (ص. 285)، وتقتضي فروض البحث التفريق بين درجتين خاصتين به: درجة دنيا نصطلح عليها بالمنهج الأداتي، وهو ما تُجسّده مجموعة من المداخل، مثل الوصف والتحليل والحجاج والتفكيك والمقارنة؛ ودرجة عُليا تتنزل في جوهر التصور الفلسفي للمعرفة كسؤال عن كيفيات تكوّنها وتطوّرها وسؤال الكيفيات وسؤال في صميم المنهج. وطرح مولى أسئلة عن عوائق الكتابة التاريخية العربية استنادًا إلى منهج تقاطع الاختصاصات، وذلك في إطار تركيزه على مدرسة التاريخ الجديد ومدرسة الحوليات والمناهج المستخدمة في موضوعات من التاريخ العربي. في السياق ذاته، سعى عبد الحميد هنية في الفصل التاسع، "التجديد في الكتابة التاريخية عبر منهج 'أهلنة' المعرفة"، لتقديم إسهام في ظروف التجديد في الكتابة التاريخية، وذلك بالاستناد إلى "أهلنة" المنهج. وهدف هنية عبر "أهلنة" المنهج في الدراسات التاريخية إلى فهم مجتمعاتنا وتحليلها تحليلً سليمً. وهو ما يساعد، بحسب رأيه، في تجاوز المعارف التي أُنجزت بشأن مجتمعاتنا. وهي معارف تتميز بطابع الإثنومركزية الغربية، وتجعل المجتمعات في العالم غير الغربي عمومًا، باردة وساكنة ومختلفة في جوهرها، ومن ثم معزولة عن التشكيلات التاريخية الاجتماعية والسياسية الكبرى. والجدير ذكره أن هنية لم ينكر المعارف الغربية بعمومها عن مجتمعاتنا، بل تلك التي لا تكشف الصورة السليمة عن واقعنا. وخلص إلى أن "أهلنة" المعرفة/ المنهج تساعدنا في تحديد علاقة إبستيمية بموضوعات مجتمعاتنا، تكون غير مقيّدة بمعارف صيغت من خارج الواقع المحلي (ص. 250) ركّز إبراهيم القادري بوتشيش في الفصل العاشر "منهج التأويل الرمزي لقراءة التاريخ: نحو إشراك قارئ النص التاريخي في إنتاج دلالاته؛ تشخيص نظري وتطبيقي"، في منهج التأويل الرمزي الذي يمثل انعطافة في الدراسات التاريخية؛ إذ يرى أن منهج التأويل الرمزي بقي مهيمنًا في الدراسات الهيرمينوطيقية واللغوية والأبحاث الأنثروبولوجية والإثنوغرافية أكثر من الدراسات التاريخية التي أنجزتها مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد في الغرب. وأشار إلى أن المنتج البحثي عربيًا في هذا المجال بقي حكرًا على الدراسات الأدبية والسيميولوجية (ص. 61-360)3 وانطلاقًا من ذلك، تساءل بوتشيش: كيف يساهم منهج التأويل الرمزي في إعادة قراءة التاريخ وإثراء المعرفة التاريخية، بحكم أن الإنسان حيوان رامز، ومنتج تاريخًا علاماتيًا لا تبوح وثائقه ونصوصه بأسرارها كلها؟ وخلص إلى أن منهج التأويل الرمزي يحقق إلى حدٍ ما هذه الغايات، لأنه يسعى لإقامة علاقة جدلية بين العقل وال اررث، والعالم والروح في فهم دلالات النصوص. سعى زهير سوكاح في الفصل الحادي عشر "حقل 'دراسات الذاكرة' في العلوم الإنسانية والاجتماعية: حضور غربي وقصور عربي" لتوصيف واقع حقل "دراسات الذاكرة" في العلوم الاجتماعية عربيًا، وحاول تقديم اقتراحات بهدف ردم الهوّة الذاكراتية، من خلال التعريف بهذا المجال الضروري للمشهد الأكاديمي العربي، نظرًا إلى أهمية موضوع الذاكرة في ماضي الوطن العربي وحاضره، بل في مستقبله أيضًا. وعرض سوكاح لأهم النظريات والتوجهات البحثية الراهنة في هذا الحقل، مقترحًا مجموعة من الموضوعات والقضايا الذاكراتية ذات طبيعة بين-تخصصية نحو دراسات الذاكرة عربيًا، من بينها الذاكرة والثقافة العربية، والذاكرة والأيديولوجيا في السياق العربي، والذاكرة الرقمية، والذاكرة والإعلام والذاكرة والسلطة (ص. 241-242) أما نطاق انشغال طارق مداني في الفصل الثاني عشر "المؤرخ والمقاربات الكمية: دراسات ديموغرافية لبعض الحواضر الإسلامية، عرض أطروحات وإثارة تساؤلات"، فقد كان في استقصاء مناهج وطرائق إحصاء ساكنة بعض المدن الإسلامية عبر التاريخ، من خلال استثمار بعض النظريات الديموغرافية، أو عن طريق تفعيل النصوص القديمة واستنباط الإشارات الإحصائية المتفرّقة فيها، أو بتوظيف الاستنتاج الرياضي المرتبط بمساحة الحواضر وعدد منشآتها العمومية، باعتبارها مؤشرات دالّة على دينامية عدد السكان. واستنتج مداني أن الوصل المفصلي بين الكيفي والكمي وإحداث توازن خلّ ق بينهما،

أمر كفيل بتهيئة إطار ذهني يساهم في إعادة مسررح الظواهر التاريخية ويساعد في تفسيرها، من دون أن يوقعنا ذلك في أوهام الكمال (ص. 488)

خاتمة

لطالما أثارت مسألة المنهج في العلوم الاجتماعية والإنسانية نقاشات دائمة، حيث أسهمت في طرح مجموعة من الأسئلة والإشكاليات المتعلقة بتوظيف المنهج الملائم في سبيل فهم الظواهر المختلفة وتفسيرها. ويأتي هذا الكتاب في هذا السياق، حيث ركّزت فصوله على معالجة الأبعاد النظرية التي رافقت المناهج في العلوم السياسية والتاريخ والأنثروبولوجيا. وحاول الباحثون المشاركون في فصوله تقديم إسهام نظري نقدي في موضوعات مناهج البحث، وهو ما قد يؤسس لحوار معرفي عن المنهج العلمي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ والقانون عربيًا، وذلك من خلال الاشتباك النقدي مع النظريات التي تمثل مقاربات منهجية واختبار صلاحيتها في فهم الظواهر في المنطقة العربية (الديمقراطية، النظم السياسية، التنافس الإقليمي، الطائفية، القبلية... إلخ.) هذا الحوار الذي يمكن تلخيصه بالسؤال المركزي في الكتاب: هل يجب الاستمرار بالتعامل مع النظريات، على أهميتها، كمعطى قبلي جاهز في عملية البحث، أم أننا نحتاج إلى مقاربات ومناهج أخرى تأخذ في الحسبان عنصرين بنيويين: التطورات التي تشهدها العلوم السياسية والعلاقات الدولية والقانون والأنثروبولوجيا في قضايا المنهج والنظرية. خصوصية المنطقة العربية وظروفها الإقليمية والدولية، ما يتطلّب استدعاء قضايا المنهج والمقاربات النظرية المختلفة في معالجة الظواهر المتعددة فيها، والاشتباك النقدي معها.