لماذا لا توجد نظرية "عربية" في العلاقات الدولية؟

Mekia Nedjar مكية نجار |

الملخّص

تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف أسباب غياب التنظير غير الغربي في حقل العلاقات الدولية، وأسباب تعطل العالم العربي معرفيًا وسياسيًا في هذا الحقل، والذي تجلى أكثر بعد ثورات الربيع العربي. تناقش الدراسة موقع العالم العربي في حقل العلاقات الدولية، وترصد كيف يتعمّ د الشمال/ المركز تجاهل المعرفة المنتجة حول العلاقات الدولية في الجنوب/ الأطراف وتغييبها، معتمدًا على التجريد والاختزال والإقصاء. وترى أن هذا الوضع في العالم العربي يعبّر عن حالة استمرار الظرف الكولونيالي في شكليه؛ الإبستيمي من خلال مركب المعرفة/ القوة، والإخضاع أي إبقاء دول، حتى إن كانت مستقلة رسميًا، خاضعة لسيطرة الأقوياء في السياسة الدولية. كلمات مفتاحية: نظريات العلاقات الدولية، نقض المعرفة الاستعمارية، الأورومركزية، العنصرية الأبستيمية، العالم العربي. This study investigates the causes beneath the absence of non-Western theorizing efforts in the field of International Relations (IR), aiming to shed light on intellectually and politically defectiveness of the Arab World in the field, as manifested since the outbreak of the Arab Spring revolutions. To this end, the study discusses the position of the Arab World in IR and illustrates how the North (the Centre) deliberately ignores knowledge production on international relations from the South (the Periphery) through abstraction, reductionism, and exclusion. Finally, the study scrutinizes how the situation in the Arab World reflects the continuation of colonialism in two evident forms: epistemologically through the knowledge-power nexus; and by subjugation or keeping states, even those that are nominally independent, subservient to the Great Powers in international politics. Keywords: International Relations Theories, Decolonization of knowledge, Eurocentrism, Epistemic Racism, The Arab World.

أسباب قصور المساهمة العربية في نظريات العلاقات الدولية **

Why is there No "Arab" International Relations Theory?

Causes of the Deficiency of Arab Contributions into IR Theory

مقدمة

يُظِهِر السياق العالمي للإنتاج الفكري أنّ الغرب هو المتحِّدّث الرئيس باسم العالم؛ فهو صاحب المنظومة المعرفية المتطورة التي تسيطر على عالَمَي السياسة والعلاقات الدولية، صياغةً وقراءةً، والتي تطغى عليهما، وذلك من خلال تنامي براديم النيوليبرالية، ووسائل إنتاج المعرفة عالميّا وتوزيعها. وتعّب رسردية الغرب عن موقف "القوي" مقابل "الآخر الضعيف" موِّظِفًا خطاب الاستثنائية الثقافية أثناء الحديث عن دول الأطراف ومجتمعات الجنوب، ومن ضمنها العالم العربي  1. لذلك، يكشف الغياب الملحوظ لدراسات تُعنى بالإبستيمولوجيا عمومًا، والعلاقات الدولية للعالم العربي خصوصًا، عن مشكلة حادّة في الدراسات التي تخصّ هذه المنطقة، والتي ما زالت إلى حدّ الآن تُعّب رعن غموض في طبيعة التحدّي الإبستيمولوجي الذي يواجهه حقل العلاقات الدولية. زِد على ذلك، ظاهرة الاستشراق التي ما زالت تؤطّر رؤية "الآخر" وقراءته، كما تحدّث عنها إدوارد سعيد، إضافةً إلى الكيفية التي "ُيُحَك ى" من خلالها العالم و"ُيُفَّسر " بها. ومن ثمّ، نجد أنّ الغرب لم يوِلِ المعرفَةَ المتعلقة بكيفية تفكير سائر أنحاء العالم قدرًا من الانتباه. لذلك، نجد الدول غير الغربية، بحسب الأدبيات التقليدية، عبارة عن كيانات تتلقى المعايير وتستهلكها.2Norm-Takers، أو تتقبّلها  Passive-Subjects انتشرت في الآونة الأخيرة دراسات مكثفة ونقاشات حادّة تستفسر عن أسباب غياب التنظير والإسهام المعرفي غير الغربي، متسائلةً عمّن يكتب العلاقات الدولية وعّم ايؤهله لذلك. ويندرج عنوان هذه الدراسة، في نسختها العربية، ضمن سلسلة أبحاث طرحت تساؤلات عن إشكالية التعددية وإنتاج المعرفة في العلاقات الدولية. ويرجع سبب تكرار طرح هذه التساؤلات عبر عقود من الزمن إلى استعصاء إيجاد إجابة/ إجابات لسجالات النقاشات الفكرية والنظرية التي زخر بها ميدان العلاقات الدولية على غرار النقاشات النظرية المشهورة. وقد طرح المفكّر مارتن وايت سنة 1960 أوّل تساؤل في عِيد نشره سنة هذا السياق، وُأ 1966 في دراسته "لماذا لا توجد نظرية دولية؟"  3. وكان منطلق فضوله آنذاك هو غياب نظرية سياسية دولية فسحت فضاء التفكير للنظرية السياسية بشأن البقاء والحياة الكريمة والديمقراطية وهيمنة دراسة العلاقات بين وحدات النظام الدولي الويستفالي، من وجهة نظر غربية كما يظهر في كتابة وايت، على حساب تطوير نظرية خاصة بالعلاقات الدولية. ثمّ تلاه كٌّلٌ من باري بوزان وأميتاف أشاريا في منتدى خاصّ لمجلة العلاقات الدولية في آسيا والمحيط الهادئ سنة 2007، في إطار العنوان: "لماذا لا توجد نظرية غير غربية في العلاقات الدولية" 4؛ إذ أعادا طرح سؤال وايت من زاوية مختلفة، تتعدّى مجرّد غياب نظرية دولية إلى غياب نظريةٍ لا تنتمي إلى الغرب في العلاقات الدولية. وحتى إن كان سجال أشاريا وبوزان يفضي إلى معالجة المنظور الآسيوي بالتحديد، فإنّهما أرجعا ذلك إلى عوامل عدّة تكمن في فكر الغرب المهيمن، المتمثّل في الأورومركزية 5؛ الذي لا يكتفي بالتحليل، بل يقدّم قراءة ورؤية للعالم تخصّه، ونابعة من تجربته هو نفسه، مُقصيًا باقي العالم غير الغربي. وفي المنتدى نفسه تساءل المفكر الصيني كين تاكينغ: "لماذا لا توجد نظرية صينية للعلاقات الدولية؟" 6 على الرغم من عراقة التقاليد الفكرية للصين بوصفها فاعلًادولًّيًا تاريخًّيًا  7 ورجّح أن يكون لبروز نظرية صينية إمكانية كبيرة؛ نظرًا إلى نموّ قوّة الصين ومكانتها في العالم، حتى إن كانت تصطدم بالمثبطات المعيارية والمؤسساتية نفسها المتعلقة بالهيمنة الغربية والأورومركزية. أعاد المفكران أشاريا وبوزان طرح التساؤل نفسه بعد عقد من الزمن لتفقد حال العلاقات الدولية من خلال مراجعة أهم الأدبيات التي كُلّلت بما سمّياه مشروع بناء علاقات دولية عالمية وتطويرها IR Global؛ إذ

  1. 1  ما زلنا نوظف في الأكاديميا وفي اللغات الأجنبية تسميات البناءات الفكرية الاستعمارية التي استحدثتها القوى الإمبريالية، خصوصًا البريطانية، لخدمة الأهداف الجيوسياسية والاستراتيجية: جنوب شرق آسيا Asia South-East، والشرق الأوسط الأدنى East Near Middle، والشرق الأوسط الأقصى Middle East Far. أما في بحثنا هذا فتبنّينا تسمية 'العالم
  2. Amitav Acharya, "Towards a Global IR," in: Stephen MacGlinchey et al. (eds.), International Relations Theory (Bristol: E-International Relations
  3. Martin Wight, "Why is there no International Theory?" International Relations , vol. 2, no. 35 (April 1960), pp. 35-48.
  4. Amitav Acharya & Barry Buzan, "Why is there No Non-Western Theory in International Relations?" International Relations of the Asia-Pacific , vol. 7, no. 3 (September 2007), pp. 287–312.
  5. 5  الأورومركزية، أو المركزية الغربية، هي أسلوب تفكيٍرٍ أورو -أميركي مشحون بتقييمات متعلقة بالمجتمعات غير الغربية، تصوغه مسلمات وتحيزات ثقافية خاصة. ويعّب ر في العلاقات الدولية عن تفسير أورو-أميركي للسياسة والجيوسياسة (من بين الميادين الفرعية الأخرى) يفرز نزعة فكرية معينة في إنتاج المعرفة عالمًّيًا من خلال التحكّم والقرار والحذف والتحيّز لمصلحة الغرب وهيمنته. ينظر:  John M. Hobson, The Eurocentric Conception of World Politics: Western International Theory 1760-2010 (Cambridge: Cambridge University Press, 2012); Pinar Bilgin, "How to Remedy Eurocentrism in IR? A Complement and a Challenge for the Global Transformation," International Theory , vol. 8, no. 3 (2016), pp. 492-501. 6  Yaqing Qin, "Why is There No Chinese International Relations Theory?" International Relations of the Asia-Pacific , vol. 7, no. 3 (May 2007), pp. 313–340. 7  Ibid., p. 313.
  6. العربي' التي تمثل جوهر الموضوع قيد الدراسة.
  7. Publishing, 2017), p. 78.

أكدت إسهامات شرق آسيا بروز منطقة غير غربية تتحدّى العنصرية الإبستيمية والأورومركزية التي تأسّس عليها الحقل  8. ومن ثمّ، بدأ مشروع التفكير النقدي في العلاقات الدولية من منظوٍرٍ غير غربيّ يؤكّد أنّ النظرية لم تعد نهاية المطاف، فضلًاعن عدم تجانسها، لأنّها ذات رؤية محدودة ومختزلة ومتحيزة، ولا تُعّب رعن الأغلبية في النظام الدولي 9. وقد مثّل انهيار الاتحاد السوفياتي صدمةً لحقل العلاقات الدولية، لأنّه كان بمنزلة مؤشرٍ لفشل دراسات الاستشراف الناجمة عن قراءة ضيقة الأفق ومحدودة Parochial لبنية النظام الدولي بسبب تهميش الخطاب السائد في العلاقات الدولية للنقاش المرتبط بتنوّع وجود بناءات فرعية أخرى وتنافسها على البقاء. لم يرَ أحدٌ قدوم ذلك في حقلٍ معرفيّ يفتخر منظّروه بأدوات الاستقراء والتنبؤ في السياسة الدولية. وهو الأمر الذي كشف الغطاء عن مشكلات حقيقية تتعدّى المألوف في الغرب، لكونها نابعة من بيئة يجهل خاصياتها ومآلاتها وعوامل التأثير فيها، كما حدث للثورات العربية سنة.2011 لم تؤثر الثورات العربية في السياسة العربية والعالمية بقدر ما مثلت تحدّيًا كبيرًا للدراسات المرتبطة بالسياسة في العالم العربي، وفتحت مج لًاللنقاش حول تحديد أسباب هذه الأحداث غير المتوقعة. وهذا ما طرح تساؤلات عن مستقبل دراسات العالم العربي والسياسات المقارنة في المنطقة المتعلقة بصحة السوابق التحليلية ونظرياتها والحاجة إلى مقاربات جديدة. فكان لفعل الانتشار Spillover الأكاديمي المتعلق بالثورات العربية، باختلاف درجة التأثير، أْنْ تُوِّسِع في كلّ مجالات دراسة العالم العربي على غرار السياسة المقارنة "التقليدية" 10. وأعاد التساؤل عن النزعة التعميمية السائدة التي لم تَرَ قيام هذه الثورات، والتي أخذت المنظومة المعرفية حول العالم العربي على حين غرّة. وفي هذا الصدد، عكس الكم الهائل من دراسات أسباب هذا المشهد ومآلاته تركيز الباحثين على السياسة المقارنة وإسهامهم بإعطاء تفسيرات بوصفهم متخصصين في "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" (يفضلون التعبير عن ذلك ب MENA)، من دون أيّ إسهام جليّ للمتخصصين في نظرية العلاقات الدولية عامة  11. إن ما يلفت النظر في أطروحات المتخصصين الذين ساهموا في دراسات العالم العربي إلى حدّ بعيد، ومنهم المستشرقون، بشأن أزمة دراسات الشرق الأوسط MES Studies, East Middle وحقل العلاقات الدولية عمومًا، هو إبداء مقترحات وقراءات تنظيرية تغضّ النظر عن مسألة الإنتاج المعرفي وأهميته في تمكين هذه الدول حتى تكون متحِّدّثًا منِّظّرًا في مجال العلاقات الدولية، على نحٍوٍ يجعلها تكتسب القدرة التي تمنحها استقلالية إبستيمية ومكانة قائمة بذاتها في الحقل المعرفي؛ كما يحدث لدوٍلٍ صاعدة بدأت تقتحم مجال التنظير (بفضل نموّ قوتها الاقتصادية والسياسية على الأقل.) وقد أضحت تخطّ مسارات فكرية مستقلة في مجال العلاقات الدولية، ويمكن أن نذكر منها روسيا والهند والصين والبرازيل وتركيا  12. وقد يكون مورتن فالبيورن محًّقًا حين ركّز على أهمية الحوار بين دراسات الشرق الأوسط والميادين الأخرى، بما فيها العلاقات الدولية، في محاولة لسدّ الفراغ الهيكلي التحليلي الذي عقب الثورات العربية  13.

  1. Errol A. Henderson, "Hidden in Plain Sight: Racism in International Relations Theory," Cambridge Review of International Affairs , vol. 26, no. 1 (2013), pp. 71-92; Meera Sabaratnam, "Is IR Theory White? Racialised Subject-Positioning in Three Canonical Texts," Millennium: Journal of International Studies , vol. 49, no. 1 (2020), pp. 3-31.
  2. Allan Layug & John Hobson, Globalizing International Theory: The Problem with Western IR Theory and How to Overcome It (London: Routledge, 2022); Arlene B. Tickner & Karen Smith (eds.), International Relations from the Global South: Worlds of Difference (London: Routledge, 2020).
  3. 10  على الرغم من التطور الذي عرفته دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة عبر ما يُسمّى بدراسات المناطق، فإنّ مارتن كريمر يرى أنها فشلت أكاديميّا، وخصوصًا بعد صدور كتاب الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق لإدوارد سعيد الذي انتقده بشدّة. ويذكر أنه على الرغم من الشوط الكبير الذي عرفته هذه الدراسات، فإن كتاب الاستشراق حجب شعبيتها، لأنها كانت خاضعةً للسياسة وأجنداتها حتى بداية الألفية الجديدة، ولم تكن مكرّسةً للبحث الأكاديمي المحض. وُيُعتقد أن هذه المنطقة، على خلاف بقية مناطق العالم الثالث، استثنائية ومختلفة، لأن الحكومة الأميركية تتعامل معها على هذا الأساس. ولم يذكر كريمر "العلاقات الدولية" لأنه ظل يتحدّث عن الشرق الأوسط بوصفه موضوعًا. ينظر:  Martin Kramer, Ivory Towers of Sand: The Failure of Middle Eastern Studies in
  4. 11  لاحظ مورتن فالبيورن أنّ المؤتمرات والندوات المتعلقة بالعالم العربي تشهد اكتظاظًا في أعداد المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط وفروعها، في حين أنها تكاد تخلو من المتخصصين في نظرية العلاقات الدولية في العالم العربي. ينظر:  Morten Valbjørn, "International Relations Theory and the New Middle East: Three Levels of Debate" in: Morten Valbjørn et al., International Relations Theory and a Changing Middle East (Washington: Pomeps and Aarhus University, 2015), pp. 75-79.
  5. Huiyun Feng, Kai He & Xiaojun Li, How China Sees the World: Insights from China's International Relations Scholars (Singapore: Palgrave Macmilan, 2019); Yaqing Qin, "Development of International Relations Theory in China: Progress Through Debates," International Relations of the Asia-Pacific , vol. 11, no. 2 (2011), pp. 232-257; Audrey Alejandro, Western Dominance in International Relations? The Internationalisation of IR in Brazil and India (London: Routledge, 2018); Deepshikha Shahi & Gennaro Ascione, "Rethinking the Absence of post-Western International Relations in India: 'Advaitic monism' as an Alternative Epistemological Resource," European Journal of International Relations , vol. 22, no. 2 (July 2015), pp. 1-22; Amitav Acharya, Whose Ideas Matter? Agency and Power in Asian Regionalism (London/ Ithaca: Cornell University Press, 2009); Chih-yu Shih & Po-tsan Yu, Post-Western International Relations Reconsidered: The Pre-Modern Politics of Gongsun Long (New York: Palgrave Macmillan, 2015); Peter Marcus Kristensen, "Southern Sensibilities: Advancing the Third Wave Sociology of International Relations in the Case of Brazil," Journal of International Relations and Development (June 2017), pp. 468-494; Andrei P. Tsykangoc, Russia and the West from Alexander to Putin: Honor in International Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 2012). 13  Valbjørn, p. 75.
  6. America (Washington: The Washington Institute for Near East Policy, 2001).

ولكي تتضح معالم هذه الدراسة من حيث التخلّف المعرفي والغياب النظري للعالم العربي في حقل العلاقات الدولية، ارتأينا أن نفحص الموضوع من زاوية سوسيولوجيا العلاقات الدولية المتداولة؛ بالتطرّق إلى واقع العالم العربي ومكانته في الدراسات الدولية  14. ومن الواضح أن ضبط مصدر إشكال العلاقات الدولية للعالم العربي يقع في غير ميدان العلاقات الدولية، وهي أنسب زاوية لفهم غياب العالم العربي في العلاقات الدولية، على الأقل معرفيًا، ومن ثمّ استبصار كيفية إنتاج المعرفة على شكلها الحالي. استنبطنا بعض عناوين هذه الدراسة من محتوى معظم الأدبيات والدراسات التي تطرّقت إلى نقد ميدان العلاقات الدولية في العالم غير الغربي، والتي يمكن إسقاطها وربطها، بدرجات متفاوتة، بحال العلاقات الدولية في العالم العربي. تنطلق هذه الدراسة من مدخٍلٍ ثلاثي الأبعاد يتمثّل في "مختصر دراسات العالم العربي" في أدبيات الغرب الأنكلوسكسونية على وجه الخصوص، و"السياسة.. خلف كل شيء" بسبب طغيان الطابع السياسي على عملية إنتاج المعرفة في الحقل، ثم دور "السياق التاريخي" وأهمية نقد سرديته في تشخيص أسباب ضعف مكانة العالم العربي في العلاقات الدولية تاريخًّيًا. ونتطرق في الجزء الثاني من هذه الدراسة، المتفرع إلى ثلاثة عناوين كذلك، إلى مكاشفة العجز النسبي ل "الوضع ما بعد الكولونيالي" في التحدث وكشف الضرر، أو العنف الإبستيمي Epistemic Violence15 المتأصل في منطق الحسّ العام والصور النمطية الذي ما زال يعانيه الجنوب الكبير. ثمّ إنّ لتوظيف المقاربات وفكاكة الكولونيالية "الكولونيالية " Decolonial Colonial/، كاجتهادات إبستيمولوجية، دورًا في فضح هوية التمثيل وقوته في المعرفة على حساب الواقع، لنصل إلى مرحلة "التحول التأملي" التي تحيلنا إلى نقطة بداية مختلفة عن الإبستيمولوجيا المتداولة ومراجعة الإرهاصات المعرفية الأولى للتفكير في العلاقات الدولية. ومن أجل ذلك، يُسوغ العنوان "المعرفة والقوة" مشكلة المعرفة على أنها أوسع وأعمق إذا لم تأخذ في الحسبان علاقتها بالقوة من حيث ظروف إتاحة فهٍمٍ نوعٍّيٍٍ للسياسة وشرعنة ما نعتقد أنه حقائق. أخيرًا، لطالما مثلت "مسألة النظرية في العلاقات الدولية" موضوعًا حساسًا ومربكًا وحاسمًا. يكفي أن نعي أنها، بعد فشل النقاشات النظرية بسبب اكتفائها بالمنظور الغربي وانحسارها فيه، تشكّل بداية التحدي العالمي لمواجهة الهيمنة الغربية والأورومركزية والعنصرية الإبستيمية  16 في العلاقات الدولية.

أولًا: مختصر ميادين دراسة العالم العربي

يكمن أبسط فهم للعالم وتركيبته في سمته الأساسية التي مفادها أنّ النظام، أو المجتمع الدولي، يتكون من المركز، أو الغرب، صاحب الامتيازات، وأن له قواعد خاصة به وأخرى خاصة بالطرف الخاضع له Periphery Subaltern,، فهو نظام بني على نسٍقٍ أوروبي كولونيالي 17. أما وحدات هذا النظام، فهي بمنزلة دول صاغها المركز وفرضها بوصفها النموذج الوحيد للانتماء إلى كيان منتظم معترف به، وهو ما يُعرف بنموذج وستفاليا للدولة الحديثة التي سنعرج عليها لاحقًا. بعد استقلال دول العالم الثالث عمومًا، والعربية خصوصًا، ما بين الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، حاولت دول العالم العربي أن تنخرط في النظام الدولي وتواكب الشكل الوحيد لبناء الدولة

  1. 14  يجب أن ندرك أن وجود العالم العربي في حقل العلاقات الدولية شحيح جًّدًا، مقارنة بالميادين الأخرى التي يسيطر عليها المنظور الاستشراقي، أو إسقاط النظريات الغربية على المنطقة، من دون مراعاة خصوصيتها أو أخذ مقارباٍتٍ وليدة المنطقة في الحسبان. ومن أمثلة ذلك بعض المراجع التي نجدها مرتبطةً، مبدئيّا، بنظرية العلاقات الدولية، إذ يكون التمايز بينها وبين دراسات العلاقات الدولية المرتبطة بمناطق أخرى جلًّيًا:  Carl Brown, International Politics and the Middle East (Princeton: Princeton University Press, 1984); Tareq Y. Ismael, International Relations of the Contemporary Middle East, A Study in World Politics (New York: Syracuse University Press, 1986); Fred Halliday, The Middle East in International Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 2005); Raymond Hinnebusch, The International Politics of the Middle East (Manchester: Manchester University Press, 2015); Louise Fawcett (ed.), International Relations of the Middle East , 4 th ed. (Oxford: Oxford University Press, 2016).
  2. 15 تُعدّ غاياتري سبيفاك أوّل من طرح مفهوم العنف الإبستيمي (عام 1988)، وقد أشارت إلى عملية الإسقاط والإسكات والحذف والتحريف من أجل تشويه صورة الآخر في المعرفة. ثم اقتبس منها ذلك مفكرون محسوبون على ما بعد الكولونيالية للإشارة إلى فرض نوٍعٍ من المعرفة، غربية مركزية في هذه الحالة، على مناطق أخرى من العالم تكون محدّدةً، بحيث تخلق هرمية بين مختلف المعارف وسياقات إنتاجها. ويؤدي هذا الأمر إلى إنكار مناطق غير غربية ورفضها في إنتاج المعرفة المتعلقة بالعلاقات الدولية، فتصبح "الآخر" في الحقل المعرفي، أي إنّ أساس العنف الإبستيمي في المنظومة المعرفية يقوم بهندسة معارف من خلال عمليتي الاستخراج والشطب. ينظر:Extractions and Erasures Gayatri Chakravorty Spivak, "Can the Subaltern Speak?" in: Cary Nelson & Lawrence Grossberg (eds.), Marxism and the Interpretation of Culture (London: Macmillan, 1988); Arti Nirmal & Sayan Dey, Histories, Myths, and Decolonial Interventions: A Planetary Resistance (London: Routledge, 2022);
  3. 16  يرجع مفهوم العنصرية الإبستيمية بوصفه نوعًا من العنف الإبستيمي إلى العنصرية العلمية التي مهّدت دراسة الشعوب الأخرى لاستعمارها، والتي ازدهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من الألفية الماضية. وقد ربطها جون هوبسون بالأورومركزية، مثل كهنوت سياسي، من حيث تفرّد الرجل الأبيض بتفوقه وهيمنته الفكرية والمادية في العلاقات الدولية. أمّا بالنسبة إلى بيتر فال وفينيت تاكور وألكسندر ديفيس، فإن العنصرية متجذرة في "الحمض النووي" للعلاقات الدولية، وهي تؤثّر في الادعاءات الإمبريقية والأخلاقية والإبستيمولوجية التي تشكّل أساس بردايماتها، في حين اهتمّ كلّ من أميتاف أشاريا وباري بوزان بمعالجة أصول فكر العنصرية العلمية بوصفه أداةً لسيطرة الرجل الأبيض على الآخرين وهيمنته عليهم وتميّزه منهم. فهما يشيران إلى أن العنصرية العلمية هي أيديولوجيا متأصلة في الفكر العنصري الدارويني تقوم مقام "القومية" عند الرجل الأبيض. ينظر:  Henderson; Alexander Davis, Vineet Thakur & Peter Vale, The Imperial Discipline: Race and the Founding of IR (London: Pluto Press, 2020); Hobson; Amitav Acharya & Barry Buzan, The Making of Global International Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 2019). 17  Acharya & Buzan, The Making of Global International Relations , p. 21.
  4. Tickner & Smith (eds.); Hobson & Lyang.

باستنساخ النسق الأوروبي، لكنها كانت في حالة هشة جعلتها عرضة لكلّ تدخٍلٍ مادي و/أو معنوي 18. وهذا كان حال معظم الدول بعد الكولونيالية بوصفها من الأعضاء الُجُدد في النظام الدولي  19. إلا أن تجربة الدول العربية في بناء الدولة القومية على الشاكلة الأوروبية لم تنضج بعد، بل لم تجد السبيل لتكييف متطلبات النهضة والتنمية والاستقلال، داخلًّيًا وخارجًّيًا، مع محدّداتها الاجتماعية والثقافية وتحدّياتها الجيوسياسية إلى حدّ الآن. وانتقلت عدوى المخاوف الأمنية التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة إلى الدول العربية  20، كالمعضلة الأمنية، التي يُفترض أن تكون بين الدول، أضحت محددًا داخليًا وخارجيًا أفرز مسوغًا مفاده أولوية أمن النظام على حساب باقي مكونات المجتمع في الدول العربية. معرفًّيًا، طوّرت الولايات المتحدة الأميركية مباشرةً بعد الحرب العالمية الثانية ما يعرف بدراسات الشرق الأوسط عوضًا عن تسمية العالم العربي. ولكن في حقيقة الأمر، يرجع منبع هذه الدراسات تاريخًّيًا إلى أوروبا التي كانت تحتضن ما كان يُعرف بالدراسات الشرقية Oriental Studies ذات الجذور المتشعبة حول تجربة أوروبا في الحروب الصليبية والنهضة والتنوير والاستعمار، بوصفها سياقات ترجمت جهود أوروبا لَمَْنْهجة دراسة شعوب وأماكن أخرى  21. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، حاولت الولايات المتحدة أن تؤسس هذا التقليد على درجة عالية من التجريد على أرضها، واتخذت هذا الاستشراق شكلًّيًا وقّلمّا حاولت أن تحِسِنه  22. فتأقلم وتطور واكتسب شعبية كبرى وسط الباحثين والمتخصصين. وهكذا، لم تكن النتيجة تنوعًا في الموضوع فحسب، بل بالأحرى إعادة اختراعه كلما تعرضت تقاليده ومناهجه الاستشراقية لانتقادات لاذعة؛ كما حدث مع كتاب الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق لإدوارد سعيد23. وتعود هيكلة دراسات الشرق الأوسط إلى شهرة دراسات المناطق Area Studies والدراسات الدولية International Studies في خمسينيات القرن العشرين وستينياته  24. ويشير مارتن كريمر إلى أن علماء الاجتماع في الولايات المتحدة كانوا متحمسين لأْنْ يختبروا دراسات الشرق الأوسط بأدواتهم في العلوم الاجتماعية، وأْنْ يتركوا مجال الفلسفة والتاريخ لأوروبا حيث عرفت برامج الدراسات المتعلقة بالشرق الوسط ركودًا نظرًّيًا نوعيّا. فانصب الاهتمام المعرفي على هذه المنطقة بتطوير البرامج البحثية التي ارتبطت ببردايم التحديث، المفضل عند الأميركيين، لفهم "الشرق الأوسط." ثمّ "استولت" السياسة في الولايات المتحدة على المعرفة المرتبطة بالشرق الأوسط، وهنا يكمن البعد السياسي لدراسات الشرق الأوسط والعالم العربي تحديدًا التي طغت عليها السياسة وأجنداتها، وأبعدتها عن حقل نظرية العلاقات الدولية 25. ومن أهمّ أسباب استمرار دراسات الشرق الأوسط في الجامعات والمراكز وجود التمويل الحكومي، خصوصًا في الولايات المتحدة، ثمّ من بعد ذلك التمويل الخاص، الذي يرتبط بأهداف قومية، بالنظر إلى أن منطقة الشرق الأوسط تمثّل العناوين الإعلامية الأولى لبقعة توترات  تجذب خبراء ومحللين أغلبهم ليسوا أبناء المنطقة، أو لم يحتكوا بالبيئة على نحو كاٍفٍ.

لم تكن دراسة العلاقات الدولية لمنطقة العالم العربي منذ وقت قريب إّل ا بمنزلة توصيٍفٍ تاريخٍّيٍٍ للتطوّرات المعاصرة لقضايا العلاقات الدولية للمنطقة، من دون أْنْ ترتبط بالحقل المعرفي للعلاقات الدولية. ويشير برانت ساسلي إلى أنه كانت توجد نزعة لاستخدام الأدبيات لوصف التطورات التاريخية، على الرغم من أهميتها، بدلًا من التركيز على الأطر النظرية والمنهجية والبردايمية التي تؤسس

  1. Mohammed Ayoob, "Inequality and Theorizing in International Relations: The Case for Subaltern Realism," International Studies Review , vol. 4, no. 3 (Autumn 2002), p. 33.
  2. Antony Anghie, Imperialism, Sovereignty, and the Making of International Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2007).
  3. Bahgat Korany, Paul Noble & Rex Brennan, The Many Faces of National Security in the Arab World (London: Palgrave MacMillan, 1993); Brian L. Job (ed.), The Insecurity Dilemma: National Security of Third World States (London/ Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1992); Pinar Bilgin, Regional Security in the Middle East: A Critical Perspective (London: Routledge, 2005).
  4. Hamid Dabashi, Europe and Its Shadows: Coloniality after Empire (London: Pluto Press, 2019), pp. 36-37.
  5. 22  عّب رمارتن كرامار عن هذا التقليد واصفًا إياه بالنادر Rarified أنه ينتمي إلى سياق
  6. Ibid., pp. 121-126. 24  Ibid., pp. 7-8.
  7. أوروبي محض، ينظر: 5 p. Ibid.,.
  8. Ibid., pp. 9-23.

قضايا النقاش الإبستيمولوجي  26. وقد نجد نموذجًا عن هذه النزعة في كتاب العلاقات الدولية للشرق الأوسط للكاتبة لويز فاوست، بمشاركة متخصصين كبار في الشرق الأوسط الصادرة طبعته الأولى في عام 2005 عن جامعة أكسفورد. وقد تميّزت طبعته الثانية الصادرة في عام 2009، وهي لا تختلف كثيرًا عن طبعته الأولى، بتغطية قضايا المنطقة الأكثر أهميةً وبإسهام متخصصين في العلاقات الدولية. إلا أن هذه النسخة لا تعّب رعن مقاربات ونظريات العلاقات الدولية، وإنما تعالج قضايا ومواضيع أ دِرِجت فيها نظرية العلاقات الدولية بوصفها مدخلًا، دون تأطير نظري لمحتوى الكتاب؛ بمعنى غياب الإسقاط النظري على العلاقات الدولية للمنطقة، وهو ما يعّب رعن اعتقاد ضمنيّ لعدم مواءمتها من أجل تفسير السياسات الإقليمية في المنطقة  27. وقد تعرّضت هذه النسخة لانتقادات مفادها أنّ دراسة العلاقات الدولية في الشرق الأوسط تختلف كلًّيًا عن المناطق الأخرى حيث تدرج النظرية بوصفها إطارًا تحليلًّيًا، بل إن طريقة المعالجة توحي بأسلوب دراسات الشرق الأوسط ودراسات المناطق المبني على المعطيات والمواضيع. لتدارك الإخفاق الميداني في العلاقات الدولية، صدرت الطبعة الخامسة من الكتاب سنة 2016، ثمّ صدرت الطبعة السادسة سنة 2019، معدّلتين وُمُنقحتين؛ إذ نجد فيهما محاور نظرية العلاقات الدولية مواكبةً لآخر التوجهات البحثية من وجهة نظر علمية  28. لا يخلو كتاب فاوست، أو غيره من الدراسات المتعلقة بالشرق الأوسط، من إسهاٍمٍ مهٍّمٍٍ في فهم الديناميكية السياسية للشرق الأوسط نفِسِه، إّل اأن ذلك يُقوّض إثراء نظرية العلاقات الدولية التي ينبغي أن تنبع من قلب المنطقة نفسها. وبما أن المنطقة العربية ما زالت تختلف عن باقي العلاقات الدولية للمناطق الأخرى في الهامش والأطراف، فإنّ هذا الأمر يرجع إلى اختلاف التعامل معها سياسًّيًا واستثنائيته.

ثانيًا: السياسة.. خلف كّل شيء

قبل التفصيل في معالجة وجود روابط بين الأيديولوجيا أو السياسة والنظرية التي ما زالت تشكّل تصورات استشراقية، يجب أن نعيد التفكير في العلاقة بين النظرية والتاريخ كما سنرى لاحقًا  29، وذلك من خلال مساءلة سرديات ما بعد الحداثة بشأن السياسة العالمية، والتي استلهمت كثيرًا من أفكار الفلاسفة الأوروبيين المحسوبين على المقاربة ما بعد البنيوية  30. وأهم إسهام في الفكر ما بعد الحداثي في العلاقات الدولية هو قدرته على إظهار كيفية ارتباط الحداثة والسياسة العالمية، بوصفهما عمليات تأريخية - تنظيرية، والكيفية التي ينبغي من خلالها معالجتهما معًا غير منفصلتين، ولكن ذلك من منظور أورومركزي محض في البداية. وتكمن أهمية التاريخ في أنه يشكّل أرضية انطلاق للمعالجة الإبستيمولوجية، وفقًا لمبدأ: "التاريخي هو الإبستيمولوجي" 31. والسياسة عامٌلٌ محِّدٌِّدٌ ومحَّدٌَّدٌ في المعرفة عمومًا  32. ترى أرلين تيكنر وأولي ويفر أنه لا يمكن رصد أنساق معرفية للإنتاج المعرفي الفكري بشأن العلاقات الدولية في الجنوب 33، بمعنى أنه لا تُعرف الطبيعة الإبستيمولوجية لما ينتج معرفًّيًا في دول العالم الثالث. ما يمكن إدراكه هو أنّ التدريس في الأطراف يتبع المناهج الغربية في أغلبها، ولكنها تظلّ مشحونة بالنزعة الإمبريالية والتبعية ومنطق "المؤامرة المعرفية." وخلصت دراسة تيكنر وويفر، من خلال سياسات المعرفة الحديثة، إلى أنّ المركز/ الشمال لا يكترث بالأطراف/ الجنوب في كلّ الأحوال عدا ما يتعلق بمصالحه أو عبر مبادرات خجولة؛ ما يعني أن المركز/ الشمال لا يعرف، خارج إطار مصالحه، أو لا يهتم بأن يعرف كيفية تفكير الجنوب، وخصوصًا في العلاقات الدولية. نجد المشهد نفسه في العالم العربي، وقد يكون أسوأ، حين

  1. Brent E. Sasley, "Studying Middle Eastern International Relations Through IR Theory," Ortadogu Etutleri, vol. 2, no. 2 (January 2011), p. 12.
  2. Ibid., p. 16.
  3. 28  نجد أنّ المحتوى يعّب رعن عدّة مواضيع، منها الهوية ودور الفاعلين والإصلاح السياسي والصراع العربي الإسرائيلي والتورط الأميركي والأوروبي في المنطقة والإسلام وقضايا الأمن، وهو
  4. Acharya & Buzan, "Why is there no Non-Western Theory in International Relations Theory? Ten Years On, Revisited Forum," International Relations of The Asia-Pacific , vol. 17, no. 3 (September 2017), p. 17.
  5. 30  كثيرًا ما نقرأ خلطًا في المفاهيم والمقاربات والنظريات بين ما بعد الحداثة Postmodernity وما بعد الحداثة Postmodernism من جهة، وبين ما بعد البنيوية Poststructuralism من جهة أخرى. إنّ ما بعد الحداثة هي المرحلة التاريخية التي شهدت انفجارًا كبيرًا في السرعة والحجم والحركات العالمية للإعلام ورأس المال والأملاك وازدحام البيئة الاجتماعية والافتراضية. وقد تناولت ما بعد الحداثة من حيث الكتابات أو المقاربات أفكارًا من النظرية ما بعد البنيوية، وطبقتها على السياسة العالمية. أما ما بعد البنيوية، فهي توجّه تحليلي تبنّاه فلاسفة أوروبيون معظمهم فرنسيون لتحدّي البنى والمفاهيم الجوهرية للفكر الغربي من خلال التحليل السوسيولوجي للقوة في المعرفة، كما سنرى ذلك لاحقًا. ينظر Anthony Burke, "Postmodernism," in: Christian Reus-Smit & Duncan Snidal (eds.), The Oxford Handbook of International Relations (Oxford: Oxford University Press, 2008), p. 362.
  6. Dabashi, p. 65.
  7. ناصيف نصار،  32 الفكر الواقعي عند ابن خلدون: تفسير تحليلي وجدلي لفكر ابن خلدون في بنيته ومعناه (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1981)، ص.35 33  وهما يعترفان في كتابهما القيّم بأن معظم النظريات التقليدية، مثل النظرية التي تتعلق بالدولة والقوة والفوضى، لا توائم واقع العالم الثالث. للمزيد من التفاصيل ينظر: Arlene B. Tickner & Ole Waever, International Relations Scholarships Around the World (London/ New York: Routledge, 2009), pp. 1-2.
  8. يعالج أيضًا الجيوسياسة والتحالفات والحرب. في الطبعة الرابعة والخامسة، جرى استحداث الإسقاط باختبار النظرية على المواضيع المذكورة آنفًا، وتمّت إضافة فصول متعلقة بالربيع العربي وعلاقة القوى التعديلية والصاعدة بالشرق الأوسط، مثل روسيا والصين، بعد أن كانت مقتصرةً على القوى الكبرى (أوروبا والولايات المتحدة.) ينظر:.Fawcett

مُنحت الأولوية للأجندات الإقليمية والداخلية في الأبحاث، واسُتُبعد العمل على التنظير في العلاقات الدولية في الدول العربية. وحين يُراد مناقشة "منظورات" العالم العربي لا يمكن مناقشتها خارج نطاق دراسات المناطق. وهكذا، ارتبط إحداث دراسات الشرق الأوسط، أو اختراعها، بحسب كريمر، وارتباط العالم العربي بجغرافيا المجتمعات المهمشة أكاديمًّيًا وبنيوًّيًا بسياسة التهميش داخلًّيًا وخارجًّيًا، وقد انعكست على فعاليته المعرفية كمنطقة غائبة إبستيمولوجًّيًا. لذلك، يحتاج التطرّق إلى دراسات العالم العربي إلى نقٍدٍ مزدوج مبني على ثنائية الداخل والخارج، بحسب إليزابيث كسّاب. ويعكس السياق الداخلي معضلة السكون أو الركود الفكري العربي 34؛ أي إنه لا يمكن التفكير في أي إطار أكاديمي إن لم يرتبط بمركزية التعبير وقبول النقد العربي ضمن المجتمعات العربية. ويخص الأمر، أساسًا، الأنظمة العربية التي تعرقل تطوير النسق المعرفي، فضلًاعن قبول النقد في أراضيها 35. ومن ثمّ، نجد جلّ أنواع النشاطات المعرفية وميادينها في منطقة الشرق الأوسط العربي "تنبت" و"تنمو" و"تزدهر" خارج حدوده. ويتميّز اهتمام معظم المفكرين العرب وانشغالهم بالتركيز على المعضلات أكثر من التنظير. ومن ثمّ، يبدو أن العالم العربي قد استوعب المجال السياسي في بعده الأنطولوجي بوصفه ممارسة. أما إبستيمولوجًّيًا، فإنه ظلّ يعاني ركودًا لافتًا للانتباه؛ إذ ثمّة اعتقاد تقليدي فَصَل ممارسة/ صناعة السياسة عن عملية بناء النظرية؛ ما ترتّب عليه وجود مسافة بين التنظير والمنظرين. وهكذا، فإن استمرار الهيمنة وإخضاع العالم العربي للمنظومة المعرفية الغربية راجٌعٌ، بدرجة كبيرة، إلى استمرار تخلّف العالم العربي. ونجد في هذا السياق إشارة واضحة لبعد تحدّي ديناميكية الشرق الأوسط للعلاقات الدولية. لذا، فإنّ ما تقوم به السردية في الغرب ليس إخضاع البنى والمسائل الذاتية الاجتماعية فحسب، بل إنها تعمل أيضًا مثل "حاجٍبٍ " يغطي حقيقة سياسة البناء المعرفي عن الأنظار 36. وما تنتجه المنظومة الفكرية، في الغرب أو من ينتسب إليه، فكرًّيًا ومنهجًّيًا، من دراسات الشرق الأوسط، أو العلاقات الدولية، مشتٌقٌ كلّه من الفكر الأرثوذكسي الغربي صاحب الشرعية والسلطة المتفردة في سرد تاريخه وتاريخ العالم.

ثًالث ا: السياق التاريخي

إيضاحًا لمعالم هذه الدراسة؛ لا يعدّ الجانب التاريخي في العلاقات الدولية هدفًا في حدّ ذاته، ولكنّه يصلح أرضيةً أساسية تتبين منها معالم المعرفة من خلال تطور غايات النظرية. وفعلً، قد يكون التاريخ الضحية الأولى في تطوّر العلاقات الدولية، لأنّه يسهل تجاهل جوانب فيه عمدًا أو سهوًا. وحين تتطوّر نظريات في مكان جغرافي محدود وزمان محدود، ماذا كان يحدث في سائر الأمكنة الجغرافية الأخرى؟ ببساطةٍ، وتاريخًّيًا أيضًا، يسرد سائر العالم، غير الأوروبي، تاريخه بطريقة متعّثةر، لأنّ أوروبا فرضت مفاهيم تاريخية وتقسيمات زمنية؛ حيث الحديث عن "تاريخ الإنسانية" هو حديث بلسان أوروبي غربي محٍضٍ. وهذا سَبَب سوء فهم بقية مناطق العالم وتجاهلها، وهذا أيضًا ما تحدّث عنه جاك غودي في كتابه سرقة التاريخ، من جانب أوروبا، التي طالت العالم كله 37. وُيُفهم من سرقة التاريخ الاستحواذ على تقسيم زمن التاريخ من خلال استغلال مسارات أحداث داخلية خاصّة بأوروبا بوصفها مراحل مفصليّة لتاريخ العالم كلّه. ولكنّ أوروبا لم تكتِفِ بسرقة التاريخ، بل إنها قامت أيضًا ب "سرقة الحضارة" من خلال تأريخ مفاهيم الحضارة والثقافة وربطها بخصوصية السياق الاجتماعي، وهو سياٌقٌ أوروبي في هذه الحالة. ومن ثمّ، فإن السياق الاجتماعي الغربي هو الوحيد الذي يمكن توقّعه مصدرًا للحضارة بوصفها تقدمًا وحداثة  38؛ أي إنّ العالم الأول لديه الفلسفة والعلم، والعالم الثالث ليس لديه إّل اثقافات. وهذا ما رأى غودي أن ضرره في المستقبل أكبر من ضرره في الماضي. وفعلًا، فإنّ جزءًا كبيرًا من كتابات المؤرخين "حول المجتمعات الديمقراطية في السابق أو في الحاضر، بحسب المؤرخ جيرار نواريال، تُعتبر خطابات تبريرية تدافع عن مواقفهم السابقة، وعن مكانتهم الأكاديمية، وعن طموحاتهم أو عن سمعتهم" 39.

  1. Elisabeth Kassab, Contemporary Arab Thought: Cultural Critique in Contemporary Perspective (New York: Columbia University Press, 2010), pp. 632-633.
  2. Ibid., p. 633.
  3. Kai Jonas Koddenbrock, "Strategies of Critique in International Relations: From Foucault and Latour Towards Marx," European Journal of International Relations , vol. 21, no. 2 (2015), p. 7.
  4. 37  ينتقد غودي Goody أوروبا بشدة لأنها قامت بسرقة التاريخ والحضارة والإنسانية منذ بداية القرن السادس عشر، ولأنها اكتسبت مكانة مهيمنة في العالم بفضل النهضة Renaissance (أي بفضل التقدم في التسلّح والنقل البحري اللذين سّهلّا اكتشاف مناطق جديدة واحتلالها)، وحينئذ تطوّرت شبكات التجارة أكثر فأكثر. ومع اختراع الطباعة، جرى تأمين الرواج المعرفي على طريقة الأوروبيين وبمحتواهم أيضًا. ينظر: Jack Goody, Le vol de l'histoire, comment l'Europe a imposé le récit de son passé au reste du monde , Fabienne Durand-Bogaert (trans.) (Paris: Gallimard, 2015), pp. 29-33.
  5. Ibid., pp. 130, 284.
  6. 39  يستشير الكاتب نواريال فيما طرحه المؤرخ فرنان بروديل الذي يدعو إلى تقارب وتحاور بين التاريخ وباقي العلوم الاجتماعية من خلال توحيد لغة خطاٍبٍ تعّب رعن كّل وجهات النظر وقراءات تاريخية متعددة. ينظر: Gérard Noiriel, "Comment on récrit l'histoire: Les usages du temps dans les Écrits sur l'histoire de Fernand Braudel," Revue d'histoire du XIXe siècle , no. 25 (2002), p. 1.

إنّ ما يقوم به التاريخ في مناطق جغرافية أخرى ينطوي على فعَليَن: الأول مزدوٌجٌ مبنيّ على "العنصرية الإبستيمية أو العلمية" 40، وهو يتزامن مع "الغطرسة الحضارية" حيث الحطّ من القيمة الإنسانية لبعض الشعوب من خلال إسقاطها من المشهد، أو التقليل من شأنها، وفي الوقت نفسه يجري التشديد على عالمية الفلسفة الأوروبية وتسليط الضوء عليها. أمّا الثاني، فهو "سكوت التاريخ أو صمته"، أو مرض النسيان بوصفه "أمنيزيا" العلاقات الدولية؛ بعضه عن غير قصٍدٍ، وجلّه عن قصٍدٍ، فيما يتعلق بتاريخها. ثم إن أساس حقل العلاقات الدولية حالًّيًا هو التجريد، أو عملية بناء النظرية التي أقحمتها في نقاشات "كبرى" اختزلت واقع العلاقات في العالم وحجبته، متفاديةً التحليل الدقيق. وتفسير ذلك هو أن الحقل يحاول أن يحذف جذور العنف التي انبثق منها هو والسياسة الدولية، حيث "وصمة الاستعمار والاستعباد وسرقة الأراضي تشكّل جانب أمنيزيا العلاقات الدولية" 41. وكي نفحص عوارض الظاهرة التاريخية في تفاصيلها، يأخذنا المفكر جوزيف ستيغليتز إلى أصل أزمة التاريخ في أزمة الليبرالية التي فرضت "أرثوذكسية فكرية"، ويتحدّث عن نهاية النيوليبرالية وبداية نهضة التاريخ، وينتقد منشأ ما بعد الليبرالية التي أرادت أن تضع جانبًا جزئية سردية مهمّة من التاريخ قيد النسيان، أو الإخفاء، أو حتى التدمير  42. ويتساءل عن باقي السرديات الأخرى؛ لأنّ التاريخ ما زال حاضرًا في سياقات عرفت "تاريخًّيًا أوج الحضارات"، ولكنها اندثرت استعمارًّيًا باسم الحداثة 43. وهل يعني هذا غياب الفاعلية Agency في باقي العالم؟ حتمًالا؛ إذ لا يعني السكوت أو الضعف أو الموقف السلبي أو السكون الافتقار إلى الفاعلية. هذا ما تعالجه التأملية التي تدعو إلى أخذ العلائقية في الاعتبار، أي ارتباط القدرة على الفعل التي تنبع من ضلوعها في شبكة من كيانات أخرى والمفاهيم غير الأكاديمية بوصفها مظاهر غير ثابتة عند كلّ فاعٍلٍ 44. عمومًا، يبدأ البحث النقدي لتأريخ العلاقات الدولية من نبذ الأسس الحتمية الموضوعية للعقلانية في كل أشكالها الدوغمائية الأيديولوجية 45، ويهدف إلى تسليط الضوء على "بناءات الإبستيمولوجيا الحديثة من الداخل." وبالنسبة إلى بقية العالم، أو الجنوب الكبير، أو العالم الثالث، فإن ذلك يعتبر مسؤوليةً أخلاقيةً لمعرفة "منزل" الحداثة (أو المنَشَأ الكولونيالي للقوة/ الكولونيالية حيث نعيش) وفهمه 46، والبداية تكون من بيت المعرفة في مساره التاريخي. ميدانًّيًا، في السياق العربي، على نحٍوٍ مختصر، لجأ المفكرون العرب في تأملاتهم من كلّ أطياف المعرفة والفلسفة إلى رفض الرؤية الضيقة الاختزالية لتاريخ العرب. وجاءت مشاريعهم الفكرية النهضوية، كالتي اهتم بها المفكر مالك بن نبي  47، بوصفها محاولة لإطلاق عنان التفكير في تحديات العالم العربي في مرحلة أصبح فيها هًّشًا، ومحصورًا بين تركة الاستعمار وحاضر الإمبريالية والاضطهاد السياسي والاجتماعي الداخلي لأنظمته. كيف يمكن أن يضع التاريخ الذي يحكي عن منطقة العرب "سياقًا خاًّصًا" للأفكار بشأن السياسة العربية كوحدة "متجانسة"؟ إنّ هذا ما تعجب منه محمد عابد الجابري الذي نهى عن تكرار الخطأ والوقوع في التعميمات بسبب "لفق ونعت" صفة "العرب" على نهٍجٍ أو مقاربة أو رؤية معينة

  1. 40  يتحدث أميتاف أشاريا وباري بوزان عن العنصرية العلمية، ينظر: Acharya & Buzan, The Making of Global International Relations ; في حين يتحدث والتر منيولو وإيمانويل ووليرستين عن العنصرية الإبستيمية. ينظر:  Walter D. Mignolo, "The Geopolitics of Knowledge and the Colonial Difference," The South Atlantic Quarterly , vol. 101, no 1 (January 2002), pp. 57-96;
  2. Meghana Nayak & Eric Selbin, Decentering International Relations (London/ New York: Zed Books, 2010), p. 20; Robbie Shilliam, Decolonising Politics: An Introduction (London: Polity Press, 2021).
  3. Joseph Stiglitz, "The End of Neoliberalism and the Rebirth of History," Project Syndicate , 4/11/2019, accessed on 30/11/2022, at: https://bit.ly/3IXmQ8b
  4. Ibid. 44  Benjamin Braun, Sebastian Schindler & Tobias Wille, "Rethinking Agency in International Relations: Performativity, Performances and Actor-Networks," Journal of International Relations and Development , vol. 22, no. 1 (2018), p. 800.
  5. أما أودري أليخاندرو Alejandro Audrey، فهي تتحدث عن الكولونيالية الإبستيمية التي حلّت محلّ الكولونيالية الإدارية السياسية. ينظر: Helen Turton et al., Reappraising European IR Theoretical Traditions (London: Palgrave Macmillan, 2017); وتشير هذه المصطلحات إلى بنى تصنيفاٍتٍ وترتيباٍتٍ يقوم بها فاعلون في مؤسسات أنشؤوها، أو خوّلوا أنفَسَهم حَّقَ التصنيف والترتيب. وفضلًاعن ذلك، "تعود المراتب الأولى إليهم لأنهم أكثر إنسانيةً." ينظر: Hamid Dabashi, Can Non-Europeans Think? (London: Zed Books, 2015), pp. 24-26.
  6. 45  رفض عدد كبير من المفكرين والمتخصصين موضوعية العلوم الاجتماعية الإنسانية وحتميتها. وعلى الرغم من ذلك، فإن كتاب أحمد وحيد يعدّ مرجعيةً غير تقليدية في دراسة حالة كيفية تشكّل هوية باكستان في المجتمعات المعرفية الإبستيمية خطابيّا، وقد اتخذ من باكستان نموذج دراسة جغرافية "أخرى" في العلاقات الدولية وعملية إنتاج المعرفة حولها من خلال المقارنة بين حقول العلاقات الدولية ودراسات المناطق مع الدراسات التي تصدرها المراكز الفكرية Tanks Think. للمزيد من التفاصيل، ينظر: Ahmed W. Waheed, Constructing 'Pakistan' Through Knowledge Production in International Relations and Area Studies (London: Palgrave Macmillan, 2020).
  7. Walter D. Mignolo, The Darker Side of Western Modernity: Global Futures, Decolonial Options (Durham: Duke University Press, 2011), p. 94.
  8. 47  للمفكر العربي مالك بن نبي العديد من الكتب القيّمة التي عالج فيها "مشكلات االحضارة" و"مشكلة الثقافة" في العالم العربي، والتي تعتبر مدخلًا(قابلية الاستعمار مثل) للتفكير النقدي من أجل النهضة العربية.

تغطي على التنوع الفكري والعقائدي، وحتى المذهبي النسقي السياسي في المنطقة؛ مشيرًا إلى أطياف الشيعة والسنة وتباين الأنظمة العربية مع تباين استقطاباتها للقوى الخارجية  48. ومن جانبه، يرى محمد العروي أنّ شعوبًا أخرى عرفت هذا النوع من الوهن والتراجع حتى لجأت إلى اللغة والتاريخ من أجل تحديد ذواتها واسترجاع كرامتها، مثلما فعل الألمان والروس في مرحلة معيّنة من التاريخ. وللخروج من المأزق، يدعو العروي، كما طرح الجابري ذلك، إلى تبني مقاربة تاريخية نقدية؛ بمعنى الانخراط الصادق والعمل الإيجابي في كتابة التاريخ لمعالجة الواقع وتحديد سياق الأفكار والنظريات التي وضعها الغرب وتبِّنّي الأصلح منها  49. ومع ذلك، لم يتمكن العرب من تأكيد أنفسهم باستعادة سرد تاريخهم والتحكم في مصيرهم ما دامت المعرفة مستخفة، ووهنت مع وهن النهضة والمستقبل منذ استقلال دولهم.

في هذا القسم من الدراسة، نعرج على المأزق ما بعد الكولونيالي بوصفه مرحلة مهمة لفهم استمرار النسق الكولونيالي المعياري للنظام الدولي الذي يقوم بإخضاع الدول العربية للسلطة الغربية حتى في حال استقلالها فعلًّيًا. ونهتم بكيفية تعدّي التحوّل التأملي في العلاقات الدولية، بوصفه تقليدًا ما بعد وضعي، مجرد التحكم ضد التحيز؛ بمعنى أن يعكس التموضع الإبستيمي وتأثيره في طبيعة المعرفة المنتجة ومعناها. وبذلك، يمثل التحول التأملي جوهر مسائل الإبستيمولوجيا والأنطولوجيا والمنهجية والأخلاق التي ترافق البحث الإمبريقي للظروف التاريخية والاجتماعية لبناء المعرفة في العلاقات الدولية وإنتاجها.

رابعًا: الوضع ما بعد الكولونيالي

بعد حركة تحرّر العالم الثالث من الاستعمار في النصف الأول من القرن العشرين، انقسم العالم إلى غرب قويّ، صغير نسبًّيًا، وعالم ثالث ضعيف، كبيٍرٍ نسبًّيًا. وتمثل المنطقة العربية الحلقة الوسطى في جوهر الصراعات الجيوسياسية والفكرية، وحالة لا مثيل لها من استقطاب(ات) مع القوى الخارجية، في مقدمتها الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية. وفي غياب أيّ خياٍرٍ آخر، تبنّت هذه الأنظمة الهشة، مثل غيرها في العالم، نموذج الدولة الوستفالية وتطبيقه، ولكن ذلك كان شكلًّيًا، ومن دون مراعاة اختبار ذلك على أراضيها 50. ويشير أنطوني أنجي إلى أنه يجب الأخذ في الحسبان أنّ هذا النموذج اتسم بالعنف والغش والإخضاع والقتل واجتثاث بنى المجتمعات التي توغل فيها، بوصفها ظواهر رافقت امتداد النظام الأوروبي من البداية وانتشاره  51. ومن ثمّ، فإن من أهم الصعوبات التي يواجهها العالم الحديث الغربي بشأن العالم غير الغربي، الأفريقي والآسيوي واللاتيني، الذي لم ينجح في تحقيق النموذج الوستفالي ديمقراطًّيًا وقيمًّيًا هو إقرار "طابع العنف الذي رافق ذلك الانتشار" 52. وفي هذا المنوال، نجد موضوع "نفاذ" السيادة في دول العالم العربي مؤشرًا مربكًا إن لم يكن استثنائيًا؛ من حيث إن حالة التدخل في الشؤون الداخلية تسبب هشاشةً في السيادة، يسميها فريد هاليداي "حالة التدخل"، أو "النفاذ المستدام"؛ وهي حالة لا نجد ما يماثلها في العالم 53. ولكن

  1. 48  ينظر: محمد عابد الجابري، نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، ط 6 (بيروت: المركز الثقافي العربي،.)1993
  2. Abdallah Laroui, La crise des intellectuels arabes: Traditionalisme ou historicisme (Paris: Maspero, 1974), p. 70; وفي السياق نفسه، ينظر العروي:
  3. 50  يرى فريد هاليداي أنّ نموذج الدولة القومية الوستفالي في أصله الغربي الإمبريالي غير صالح تاريخًّيًا لكل دول العالم، ويرى أنّ دول العالم العربي مثاٌلٌ دالّ على ذلك، للمزيد من التفاصيل، ينظر: Fred Halliday, "The Middle East and the Conceptions of International Society," in: Barry Buzan & Ana Gonzalez-Pelaez, International Society and the Middle East: English School Theory and the Regional Level (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2009), pp. 15-18.
  4. Antony Anghie, Imperialism, Sovereignty and the Making of International Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), pp. 106-110; Navnita Chadha Behera, "State and Sovereignty" in: Tickner & Smith (eds.), pp. 148-149.
  5. Anghie, Imperialism , p. 18; Robbie Shilliam (ed.), International Relations and non-Western Thought: Imperialism, Colonialism and Investigations of Global Modernity (London: Routledge, 2011). 53  Halliday, "The Middle East," p. 19.
  6. Abdallah Laroui, L'idéologie Arabe Contemporaine (Paris: Maspero, 1967).

حتى مفهوم السيادة فيه ما يربك، لأنه يجدر أن يتكيف مع السياق الفكري والحضاري للحاكم والمجتمع من حيث العقد الاجتماعي الذي يجب أن يستجيب بفعالية للشأن الداخلي بوصفه مصدر شرعية الحاكم، ثم يترجم إلى الخارج في مختلف تعاملاته. وإنّ ما يحدث هو عكس ذلك تقريبًا؛ إذ تقدّم أولوية شرعية النظام إزاء الخارج، أمّا داخلًّيًا فكثيرًا ما تعتمد الأنظمة المراوغة على السند الأيديولوجي الحجاجي العاطفي لكسب الشرعية، وهو "سياق القوة بوصفه شرطًا داعمًاللسيادة في معناها الوستفالي" 54، حيث لا يمكن أن نحدّد السيادة من دون متغير القوة من منظور غربي، حتى إن ادّعت عكس ذلك في بعدها المعياري. إنّ دولة ما بعد الاستعمار هي دولة تحاول أن تتكيف مع مفهوم السيادة بمنظور غربي، أي إنه سبق شرط القوة لتعزيز السيادة. وبما أن هذه الدولة لا تكتسب كل شروط القوة اللازمة، فإنها توظفها لتغطية هشاشتها فتربك حساباتها الآنية وتقوم بترتيبات لحفظ الوضع الراهن، وكثيرًا ما يقحمها ذلك في صراعات إقليمية. وهذا الوضع يترجم عمودية سلوك الدولة على نحو يؤدّي إلى الاستعانة وطلب الحماية، وذلك في خرٍقٍ واضح لأساس السيادة. وهذا المشهد ما زال قائمًا في المنطقة العربية المشحونة بتدخلات قوى خارجية وإقليمية، وحتى القوى الصاعدة منها بدأ نفوذها يقوى في العالم العربي. زد على ذلك أن من أهم المسلمات الجوهرية في فكر الغرب التعامل مع مركزية الدولة القومية كوحدة من وحدات التحليل. وقياسًا على هذا المستوى التحليلي المركزي، فإنّ الدول "الصغيرة" (الضعيفة) ليس لديها تأثيٌرٌ في السياسة الدولية 55. إنّ مجرّد "الاعتراف السياسي" بالدولة وسيادتها لا يعني بتاتًا أنها سُتُعامل على أساس ندّ مقابل ندّ، بل إنّ لهذا الاعتراف وجٌهٌ آخر مفاده أنها خارج اللعبة أصلًا. وإنّ الاعتراف بمجموعةٍ اجتماعية، أو دولة، من جانب مجتمع وثقافة مهيمنة ومسيطرة ما هو إّل اتعبير ضمني للاندماج والامتثال لقواعد الأيديولوجيات التي تُسّي رالعالم 56. وبناءً على ذلك يُستبعد تحقيق الانعتاق لهذه الدولة. وهذا جانٌبٌ واحد مهمّ يترجم تعّث رالعلاقات الدولية وعجزها النسبي عن التحدث عن العالم الثالث أو الجنوب ما بعد الكولونيالي من حيث الضرر الذي سببته له المرحلة الاستعمارية وآثارها المستمرة، والتي كثيرًا ما يتفاداها الغرب ويتحاشاها  57؛ ما يعني نهاية المسار التاريخي للكولونيالية الأوروبية التي أطرت فكرة "الإنسانية" وربطتها بالاستعمار والإمبريالية. ولكْنْ ما زالت ظروف الكولونيالية وسياقاتها قائمةً؛ بسبب غربية المنظومة المعرفية وقوتها التي حولت مجرد الاختلافات إلى قيٍمٍ، لم تعزز "العنصرية" الإبستيمية فحسب، بل جعلت أيضًا أشك لًامن المعرفة وفلسفتها المهيمنة تنتقل إلى إدراك التابع Subaltern فيمتصها ويستهلكها  58. لذلك، لا يجدر تفسير أيّ وضٍعٍ متأزم في العالم الثالث، بما فيه العالم العربي، على أساس الهيمنة الاستعمارية وآثارها التي تجوز فعلًابوصفها فرضية قائمة. ولكن هذه القضية المعقدة أخطر كثيرًا مما نتوقع؛ بحيث لا يكفي أن نتكلم عن التحرر وتحرير العقول Decolonizing حين يوجد نوع من التواطؤ أو "قبول" للتابع أو الخاضع بالوضع، وأْخِْذِ نفسه بالمقياس الذي قاس به المستعِمِر 59.

خامسًا: الكولونيالية: فكاكة أو تفكيك الكولونيالية  60

ما الذي يربط الظاهرة "الكولونيالية" في العالم العربي بحقل العلاقات الدولية؟ كانت الانطلاقة من مرحلة "ما بعد الكولونيالية" التي هي

  1. Stephen Chan, Plural International Relations in a Divided World (Cambridge: Polity Press, 2017), p. 172.
  2. Pinar Bilgin, "Thinking Past, Western IR," Third World Quarterly , vol. 29, no. 1 (2008), p. 14; Bertrand Badie, Humiliation in International Relations: A Pathology of Contemporary International Systems (Oxford: Hart Publishing, 2017).
  3. Dabashi, Europe and Its Shadows , p. 46.
  4. 57  يجب أن ندرك أن مسألة الاستعمار، بمنزلة مركّب من السيطرة الإقليمية (الترابية)، والتشريعية، والثقافية، واللغوية، والسياسية، والذهنية/ الفكرية، والاقتصادية، لمجموعة من الأفراد من طرف مجموعة (خارجية) أو أفراد آخرين، وأنّ أوروبا في هذه الحالة شكّلت أساس النهضة والتنوير والحداثة في الغرب. وفي المقابل، بقدر ما تسببت في العنصرية والمعاناة والظلم والاستيلاء والسرقة تجاه الكثيرين، فإنها شكّلت أيضًا مصدر إزعاج لدى الغرب الذي استقوى بها واستعلى. في هذا الصدد، ينظر الموسوعة الدولية للجغرافيا الإنسانية التي تقدّم جهازًا مفاهيمًّيًا دقيقًا ومفصّلًالكلّ ما يتعلق ب "الاستعمار" من حيث مرادفاته وأضداده: Amber Murrey, "Colonialism," International Encyclopedia of Human Geography , vol. 2 (2020), pp. 315-326.
  5. 58  في هذا الصدد، يتحدث والتر مينيولو، وهو من كبار الباحثين والمتخصصين في دراسات التابع والحداثة/ الكولونيالية وإبستيمولوجيات الجنوب، عن كيفية إنتاج الكولونيالية الحديثة أشكاَلَ المعرفة المتقاطعة مع الحداثات الكولونيالية من خلال استخدام حدود التفكير التي أوجدتها الإبستيمولوجيا الغربية وفرضتها. ينظر: Walter Mignolo, Local Histories/ Global Designs: Coloniality, Subaltern Knowledge and Border Thinking, 2 nd ed. (Princeton: Princeton University Press, 2012), pp. 12-13.
  6. 59  طرحت عبارة "قابلية الاستعمار" للمفكر مالك بن نبي جدلًافلسفًّيًا كبيرًا في أوساط المفكرين، وخاصة في العالم العربي، بين معارض ومساند للفكرة، وقد ركّز على المعامل الباطني للفرد المستعَمَر الذي يستجيب للمعامل الخارجي المستعِمِر في إشارةٍ إلى ازدواجية العلّة التي حالت دون قيام النهضة في البلاد العربية. ينظر: مالك بن نبي، شروط النهضة، سلسلة مشكلات الحضارة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين، ط 4 (دمشق: دار الفكر، 1986) ص.160-156
  7. 60  يميّز نيلسون مالدونادو تورريس بين استعمار Colonialism وكولونيالية Coloniality، وبين فكّ الاستعمار Decolonization وفكّ الكولونيالية Decoloniality. فكل من Colonialism و Decolonization يعّب رعن أحداث تاريخية ماضية حلّ محلها نوع من أنساق اجتماعية سياسية واقتصادية، ويعّب رعن أشخاص هم خارج تأثير Colonialism وحتمية Decolonization. أما كلمتا Coloniality وDecoloniality، فتشيران إلى المنطق والميتافيزيقا والأنطولوجيا والمركز المتعلقين بالقوة التي أوجدتها أساليب استعمار عنيف يرتبط عضوًّيًا بالحضارة والحداثة الغربية التي هي حالة من استمراٍرٍ نسقي لهذا الاستعمار، وهو:Coloniality. ينظر Nelson Maldonado-Torres, "Outline of Ten Theses on Coloniality and Decoloniality," Fondation Frantz Fanon, 23/10/2019, accessed on 28/11/2022, at: https://bit.ly/3xUh3d4

فرع من الدراسات الكولونيالية؛ لأن أصلها يعود إلى الدراسات الثقافية وُيُعد إقحام تصورها في العلاقات الدولية حديث النشأة  61. وتتجلى الكولونيالية في نصوص وسرديات العلاقات الدولية حيث سياقات تاريخ تشكّلها ضاربةٌ في الاستعمار والإمبريالية  62. ومن هنا، فإن تفكيك الكولونيالية لا يُقَدَم بوصفه بديلًا، بل بوصفه محاولة لكشف الغطاء عن هذه النصوص واستعادة قصص وسرديات من جغرافيات ورؤى أخرى حول حقل العلاقات الدولية 63. من الواضح أنه لما بعد الكولونيالية أوجه تقارب وصلة مع التحوّل ما بعد الوضعي في العلاقات الدولية، ومع ما بعد البنيوية، وما بعد الحداثة عمومًا. ولكي نضع الأمور في نصابها، يجب أن نشير إلى أن مفكري ما بعد البنيوية مثل ميشيل فوكو Foucault Michel، وجاك دريدا Jacques Derrida، وجاك لاكان Jacques Lacan، وآخرين، لا ينتمون إلى فكر ما بعد الكولونيالية، وإنما توَّظَف أفكارهم انتقائًّيًا في العلاقات الدولية حول فكرة تشكّل المعرفة، بناءً على علائقية القوة/ الأدائية/ التجّل يأو الخفاء In-visibility، وفكرة الخروج من منطلق الحس العام كما سنعرج عليه أيضًا 64. وعمومًا، تقترب ما بعد الكولونيالية من دراسات التابع والمهمشين والجنوب التي تحاول التحرّر فعلًّيًا من الكولونيالية وهي تتجه نحو فكاكتها.Decoloniality مبدئًّيًا، نرى أن التعامل مع الكولونيالية (فكاكة الكولونيالية في العلاقات الدولية) ينطوي على عملية النزوح Decentering من موقف إصدار الحكم في دراسة السياسات الدولية عامّةً، وهو ما يعني، بحسب كيمبرلي هاتشينجس، الابتعاد عن منطلق "الحس العام أو المشترك" sense Common للنظرية الغربية والتاريخ الغربي، وكلّ ما يتصل به، من دون تجاهله أو التغاضي عنه، وهو أمٌرٌ يتطلّب اتخاذ مسافة من أجل إقحام أصواٍتٍ أخرى 65. وهذا ما تجده هاتشينجس صعبًا جًّدًا، لأنه يتحدّى مركزية العمل والحوار السائَدَين؛ بحيث لا يُنظر إلى التصنيفات والمفهمة غير الغربية على أساس خلوّها من الحنكة وحسن التوجيه، بل ببساطة على أساس أنها تصطدم مع الحس العام الإبستيمولوجي للأكاديميا الغربية. فما هو الحس العام إذًا؟ إنّ كل ما يُوزّع بوصفه معرفة من خلال الترتيبات البيداغوجية أو الدراسات، يجري تطبيعه، في الوقت نفسه، وينتج نوعًا من الحسّ العام مثل خلفية معرفية بوصفها "حقيقة" تُتداول في عبارات "وقائع"؛ بحيث 66تصف، بكل بساطة، ما هو "موجود" Is. وفي هذا إشارة واضحة إلى تبنّي أيّ معرفة تمثيل ل "الآخر" بوصفه "حًّسًا عاًّمًا معرفًّيًا" 67. ولكن كيف يتشكل الحس العام؟ تشير أودري أليخاندرو إلى عملية "تطبيع" القوة غير المرئية ضمن جهاز سلطة Dispositif Power، وهو عبارة عن ميكانيزمات مؤسساتية وبنى معرفة تعيد ممارسة القوة داخل المجتمع. وحين "يطَبَع" التهميش والانتهاك، فإنه لا يوجد خياٌرٌ آخر غير المشاركة في جهاز منطوق القوة هذا. وحين نتحدث معظم الأحيان، فإننا لا نحتاج إلى توصيف كلّ التفاصيل وشرح كل التعابير. يمكن ببساطة أن نخمّن نوع المعرفة التي نتشاركها مع المتلقي. وهكذا يتحوّل خطاب وراء خطاب إلى "الحسّ العام" 68. وفي هذه الحالة، لا يمكن مساءلة مسّلمّاتنا أو نظريتنا للعالم. وهذا حال مركزية المعرفة حول المجتمعات غير الغربية، وخصوصًا العربية منها وفي سياق لامركزية المعرفة نفسه، تُضاِعِف نورا فيشر أونر هذا النزوح عن المركزية  Double Decentering 69 في العلاقات الدولية والعالم العربي، وذلك من خلال اختبار الأسئلة والأجوبة التي قد تنسخ ثنائيات الاستشراق. وتدعو إلى "إضفاء الطابع المحلي" على ما هو أوروبي، بناءً على الأورومركزية التي تحولت بعد النزوح الأول المتمثل في هجرة العلماء الأوروبيين إلى الولايات المتحدة  70، مُرورًا

  1. Rita Abrahamsen, "Postcolonialism," in: Martin Griffiths (ed.), International Relations Theory for the Twenty-First Century: An Introduction (London/ New York: Routledge, 2007), p. 122.
  2. Linda Tuhiwai Smith, Decolonizing Methodologies: Research and Indigenous Peoples , 2 nd ed. (London: Zed Books, 2012); Naeem Inayatullah,
  3. Tickner & Smith, p. 5; Nayak & Selbin.
  4. Jenny Edkins, "Postructuralism," in: Griffiths (ed.), p. 89.
  5. Kimberly Hutchings, "Kimberly Hutchings on Quiet as a Research Strategy, the Essence of Critique, and the Narcissism of Minor Differences," Theory Talks , 10/10/2016, accessed on 23/2/2023, at: http://bit.ly/3xTQHbt
  6. Roxanne Lynn Doty, Imperial Encounters: The Politics of Representation in North-South Relations, Borderlines (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1996), p. 10.
  7. Waheed, pp. viii, 27, 61, 65.
  8. Audrey Alejandro, Western Dominance in International Relations: The Internationalisation of IR in Brazil and India (London: Routledge, 2019), pp. 1-2.
  9. Nora Fisher Onar, "International Relations and Middle East Studies," in: Valbjørn et al., p. 36. 70  من المفارقات المرتبطة بموضوع النزوح، أو نزع طابع المركزية في التاريخ، بحسب نورا فيشار أونر وكاليبسو نيكولايديس، أنه سبق أن حدث نزوح أوّل Decentering حين هاجر الأكاديميون الأوروبيون إلى الولايات المتحدة وتأسست العلاقات الدولية بوصفها علم اجتماٍعٍ أميركيًا، كما يعتقد ستانلي هوفمان 1977(Hoffmann, Stanley) وآخرون. ثم قام الأوروبيون بمساءلة المركزية الأميركية وبدأ التنافس الفكري الفلسفي بين المركزيتين. إلا أنّ الإشارة إلى المركزية الغربية، أو ما يعرف الآن بالأورومركزية، تجمع بين أوروبا والولايات المتحدة من حيث التفوق وهيمنة البنى الفكرية والمادية لكٍّلٍٍ منهما، وفي هذا إحالة إلى إدراك الغرب من حيث تفوقه الحضاري في مواجهة "الآخر والبقية" المتخلف وغير المتحضر. للمزيد من التفاصيل، ينظر Nora Fisher Onar & Kalypso Nicolaïdis, "The Decentering Agenda: Europe as a Post-Colonial Power," Cooperation and Conflict , vol. 48, no. 2 (June 2013), pp. 283-303.
  10. Why Do Some Know What's Good for Others?" in: Jenny Edkins & Maja Zehfuss (eds.), Global Politics: A New Introduction (New York: Routledge, 2014); Sabelo J. Ndlovu-Gatsheni, Coloniality of Power in Postcolonial Africa: Myth of Decolonization (Dakar: Codesria, 2013).

بالمركزية الأميركية American-Centrism، ثم المركزية الغربية Western-Centrism، أو الأورومركزية، التي أضحت مثل قوة معيارية تدّعي العالمية Universalism على أساٍسٍ إمبريالي. وفي كلتا الحالتين، هذا خطاب نقدٌّيٌ نابع من المنظومة المعرفية الغربية وموجٌّهٌ إليها، وهو - لا محالة - يضفي عليها ثراءً (المدرسة النقدية)، ما دام الدارس في هذه الحالة هو غربي الفكر والمنهج على الأقلّ. زد على ذلك مسألة استمرار الاستعمار Coloniality في شكله الإبستيمي المعرفي، وهي مسألة قّلمّا يعترف بها الغرب، ما عدا مجموعات من الوسط الأكاديمي. ومن ثمّ، فإنّ الخطوة التي يجب أن تُتّخذ هي فكاكة هذا الاستعمار، وهذه نزعة فكرية تحررية ظهرت وتطوّرت كثيرًا مؤخّرًا في أميركا اللاتينية، وانتقلت إلى آسيا وأفريقيا، بوصفها مناطق ما بعد كولونيالية مهمشة ومعنية مباشرةً بالاستعمار الإبستيمي الفكري. يبحث هذا العالم ما بعد الكولونيالي عن معنى ثقافة/ هوية ذاتية تُعّب رعن وجوده في ظلّ ضعف الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية. وهذه المهمة الشاقة تتطلب جهودًا مستدامة للتحرّر فكرًّيًا من سلطة المهيمن الأورومركزي الذي لا يتحكّم في سرد تاريخ الآخر ومعرفته فحسب، بل هو أيضًا مصدر إنتاج كلّ أنواع المعرفة المتداولة حالًّيًا. ويبدو ذلك جلًّيًا في موقف مقاربات الوضعية إزاء العلوم الإنسانية والاجتماعية، الذي يعّب رعن سلوك كولونيالي 71، حيث يكون الباحث الوضعي الملاحظ الوحيد فقط هو الذي يُخَّوَل التفسيَرَ، ومن ثمّ اتخاذ قراٍرٍ في القضايا المهمة والحقيقة والصدقية  72. ولكن كيف يحدث ذلك؟ إبستيمولوجًّيًا، يتمثل العمل ضمن العلوم الاجتماعية أساسًا في تطوير المعرفة من خلال خوض تفاعٍلٍ مكثف بين "موضوع" الدراسة (ُمُخبر أو أيّ وصف نتبناه) والباحث. ومن المعروف أنّ البحث هو شكٌلٌ من التفاعلات بين شريكين أو أكثر، وأن جودة البحث تعتمد على مدى جودة التفاعلات التي يقوم بها الباحث. وفي الأخير، فإن الباحث، أحد الشريكين في التفاعل، هو الذي يملك نتاج البحث والقرار ومعايير الصدقية، وهو أيضًا، الأقلّ معرفةً عن الموضوع المبحوث فيه  73. ينطوي استمرار الظرف الكولونيالي باستمرار السيطرة على المعرفة التي قد تنجم عنها "شيطنة" شعوب وحضارات وثقافات ومناطق، وتجريدها من الإنسانية. والمعادلة هي كالتالي: إذا كانت هذه "الشعوب متدنية أنطولوجًّيًا، فهي بالضرورة قاصرة وعاجزة إبستيمًّيًا" 74. ليس من السهل أن نجد أجوبة تُطابق واقعًا مختلفًا كلًّيًا عن الحسّ العام لقدرة التفكير وإنتاج المعرفة. وحتى نتقدّم في المعرفة، يجدر بنا أن نخطو نحو الخلف مستعينين بما يُعَرَف بالتحوّل التأّملّي، وهو يُعّب رعن سياق تأملات استفساريّة طرحها مفكرون من الهامش والأطراف؛ والعرب شركاؤهم في ذلك من قبيل: هل يمكن أن يفكّر الآسيوي؟ 75 وهل يمكن أن يتحدّث التابع؟  76 وهل يمكن أن يفكر غيُرُ الأوروبي؟77

سادسًا: التحول التأملي

بمناسبة السنة المئوية للتأسيس الرسمي لحقل العلاقات الدولية بجامعة أبيرستويث عام 1919، أصدر أميتاف أشاريا وباري بوزان كتاب صناعة العلاقات الدولية العالمية: أصول العلاقات الدولية في عيدها المئوي وتطوّرها. وُيُعدّ هذا الكتاب إضافةً ثريّة تعالج أهم مفاهيم السياسة الدولية وخصائصها، ففيه سطّر المؤلفان حالة الحقل ورسما خريطة مستقبل النظام الدولي، في إشارةٍ إلى أن العلاقات الدولية تعيش مرحلة "ما بعد الغرب" Western Post 78، وهو التصور نفسه الذي استنبطه مفكّرون ومتخصصون مؤخرًا، محسوبون على المدرسة التأملية؛ من جرّاء التحول ما بعد الحداثي، وما أفرزه من مقارباٍتٍ حول ما بعد البنيوية والأدائية Performativity والفاعلية.Agency إنّ ظاهرة التحول التي تشهدها السياسة العالمية، وتأثيرها في برامج البحث التي تقوم بمساءلة أسس قيام المعرفة المتداولة مع آليات إنتاجها في العلاقات الدولية، بحسب الباحثة إينانا حماتي عطية، تستلزمان اجتهادات إبستيمولوجية ومنهجية يمكن للتأملية، بوصفها إطارًا فكرًّيًا عملًّيًا، إتاحة فهم نوعي لهذا التحوّل. وهذا

  1. Mignolo, Local Histories.
  2. Rik Pinxten, "The Relevance of Non-Colonial View on Science and Knowledge for and Open Perspective on the World Wallerstein," in: Diederik Aerts et al. (eds.), Worldviews, Science and Us: Interdisciplinary Perspectives on Worlds, Cultures And Society - Proceedings of the Workshop on Worlds, Cultures and Society (Singapore: World Scientific Publishing, 2011), p. 33.
  3. Ibid., p. 38.
  4. Dabashi, Europe and Its Shadows , pp. 40-41.
  5. Kishore Mahbubani, Can Asians Think? 4 th ed. (Singapore: Times Marshall Cavendish Editions, 2004).
  6. Spivak, "Can the Subaltern Speak?".
  7. Dabashi, Can Non-Europeans Think?
  8. 78 يُعتبر أشاريا، إلى جانب بوزان، من دعاة التعددية في العلاقات الدولية، وهو صاحب الاتجاه "العلاقات الدولية العالمية" (أو الكونية) Global، وهي دعوة جرى تداولها في العقود الأخيرة للتفكير في العلاقات الدولية خارج سياق التفكير الغربي الذي سيطر على السردية التاريخية (اللغة الإنكليزية) في تبنيها المركزية الغربية متجاهلًابقية العالم. ينظر: Acharya & Buzan, The Making of Global International Relations , pp. 1-2; Pierre P. Lizée, A Whole New World: Reinventing International Studies for the Post-Western World (London: Palgrave Macmillan, 2011).

ما سمّته حماتي عطية بالتحول التأملي الذي يبدأ بإعادة النظر إلى "الأنا" في الميدان العلمي البحثي من خلال تقيّص يثقافة الوضعية المهيمنة وموقفها من مشكلة القيم  79. وبحسب منظورها، تقوم التأملية ب "الوضعنة" Objectivation المتزامنة والمتمّمة للقواعد والمناهج والمعاني التي تحكم عملية إنتاج المعرفة على نحو عاٍّمٍٍ، إلى جانب الآثار الاجتماعية للتمثيلات والقيم أو الأحكام التي تنبثق من ذلك  80؛ ما يُفهم منه أن لدى المعرفة حالًّيًا قوة مبدعة Creative اجتماعًّيًا، وهي قوّة التمثيل على حساب الواقع. ونفهم مّم ا سبق أنّ المعرفة بوصفها بناءًاجتماعًّيًا  81 ناتجًا من ممارسة اجتماعية تُحكم وُتُنتج وُتُصدر أحكامًا اجتماعية ذهنية متعلقة بالواقع. فشكل المعرفة لديه هدف وحكم سياسي للفعل الاجتماعي الذي كان مصدر خلاف بين فلاسفة العلم والمنظرين الاجتماعيين في مراجعة نقطة بداية التفكير في البحث العلمي التقليدية بشأن طبيعة المعرفة ومصادرها وحدودها. ومن بين الأسباب القوية للتحوّل التأملي الرجوع إلى نقطة بداية مختلفة عن الإبستيمولوجيا: ماذا يمكن أن نعرف؟ وعن الأنطولوجيا: ما الذي نعرفه؟ وتتحول المعرفة إلى موضوٍعٍ أنطولوجيّ في حدّ ذاتها؛ إذ تستدعي قفزة سوسيوتاريخية من خلال الإبستيمولوجيا الاجتماعية بالنظر إلى أنها ظاهرة اجتماعية  82. ومن ثمّ، تصبح التأملية بمنزلة بحث اجتماعي – عملي، وُتُفهم بوصفها عملية مستمرة للتقييم السوسيولوجي لأدوات المعرفة خلال عملية الإنتاج أو المعرفة التي تُفرز جزءًا من الحقائق عن طريق التحليل السوسيوتاريخي. ويصبح اللجوء إلى التأملية، بوصفها فلسفةً، بمنزلة أداة اليقظة الإبستيمية Vigilance Épistémologique وفهم الذات وترجمتها إلى محرّك أكسيولوجي لممارسة المعرفة. لذا، تكمن المسؤولية في الممارسة من خلال التوفيق بين ادعاءات المعرفة مع ظروف إمكانيتها ومسؤوليتها الاجتماعية  83، إضافة إلى الجوانب السياسية. ومع زيادة الاهتمام في الآونة الأخيرة بالمعنى السياسي والاجتماعي للمعرفة، بعد حسم قضية أنها ليست موضوعية البتة، أو حقيقية، أو صالحة، أو حيادية، بل هي تعبير لإدراكات سوسيوتاريخية، وقيم ومصالح واهتمامات معينة، فإنّ قيمة المعرفة تصبح مصدر إشكال. وتصبح مهمة الإجابة عن أسئلة من قبيل: ماذا نريد من المعرفة؟ استطرادًا لسؤال: ماذا نريد من الإبستيمولوجيا؟ تقابل من حيث الأهداف المباشرة: ماذا ننتظر من المعرفة، أو نتوقع منها، عملًّيًا؟ لأنّ المعرفة ليست "شيئًا" نحصل عليه للاستخدام، بل هي "ممارسة" تقوم بأشياء "لأنها تُؤدى (بأسلوب) ويجري تحسين أدائها كلّ مرة" 84. وهذا هو جوهر مفهوم الأدائية من حيث الأداء وتحسين الأدائية Performative and Performed. وتختم حماتي عطية، التي استلهمت من أفكار بيير بورديو التأملية المرتبطة بالمسؤولية في الممارسة، بأن "الهيمنة" في إنتاج المعرفة وتوزيعها يمّثلّان نوعًا من "النرجسية التي تجعل الذات كالمالك الوحيد لمستودع المعنى" 85، ومن ثمّ الحقيقة. محلًّيًا، لم تكن معظم دول العالم العربي بعد الاستقلال، مهتمة بتطوير العلوم الاجتماعية التي يمكن أن تتحدى أنظمتها أو تخرج عن سيطرتها. كان يوجد م يل إلى جلب باحثين أجانب بسبب حيادهم السياسي. وفي هذه الظروف، لم تكن المناهج والإبداع الأكاديمي ليزدهَرَا داخل المراكز الحكومية الرسمية التي كانت ترفض النقد؛ ما عطل تطوير علوم اجتماعية محلية بصفة عامة. وفي هذا السياق، نعيد النظر إلى مسألة حرية الفكر والتعبير وأهميتها في هذا العلم  86. وفي هذا تأكيد، مرة أخرى، على ازدواجية ظروف نشأة المعرفة وتطورها داخل العالم العربي وخارجه. وقد يكون الظرف الداخلي العامل الجوهري لأيّ نهضة معرفية في أيّ دولة كانت. وتجربة النهضة المعرفية في العالم العربي الإسلامي ليست غريبة عن المنطقة التي كانت تمثّل إحدى ركائز التنوير الحداثي الذي عرفته أوروبا والبشرية  87.

  1. Inanna Hamati-Ataya, "The 'Problem of Values' and International Relations Scholarship: From Applied Reflexivity to Reflexivism," International Studies Review , vol. 13, no. 2 (June 2011), pp. 259-261.
  2. Inanna Hamati-Ataya, "Outline for a Reflexive Epistemology," Reflexive Epistemology and Philosophy of Science , vol. 42, no. 4 (2014), p. 10.
  3. Goody, p. 295.
  4. Hamati-Ataya, "Outline for a Reflexive Epistemology," p. 9.
  5. Pierre Bourdieu & Loïc J.D. Wacquant, An Invitation to Reflexive Sociology (Chicago: Chicago University Press, 1992).
  6. Hamati-Ataya, "Outline for a Reflexive Epistemology," p. 10.
  7. Ibid., p. 13.
  8. Tahar Benjelloun, "Décolonisation de la Sociologie au Maghreb," Le Monde (Août 1974).
  9. 87  عرفت سنة 2008 جدلًاكبيرًا ونقاشًا حاًّدًا بشأن مصدر المعرفة والعلوم في أوروبا من Aristote au Mont Saint Michel: Les Racines Grecques de l'Europe سببه كتاب أرسطو إلى مونت سان ميشال: الجذور اليونانية لأوروبا للمؤرخ الفرنسي سيلفان غوغينهايم Gouguenheim Sylvain، فقد أنكر أن يكون للعرب والمسلمين أيّ دوٍرٍ أو فعٍلٍ في الترجمة فيما يخص مصدر المعرفة وتنقلها إلى أوروبا، وعزا ذلك إلى شخصية مسيحية غير معروفة، جاك دي فينيسي Venise de Jacques. واتضح فيما بعد أنه لا يوجد ما يوثّق وجود هذه الشخصية المجهولة قبل كتاب غوغينهايم. وكردّة فعٍلٍ على هذه الأطروحة التي سوَّقَت لما يُعرف ب "إسلاموفوبيا المعرفة" Savante Islamophobie، أصدر العديد من المؤرخين، ومعظمهم من الفرنسيين، وثيقة بعنوان "نعم، الغرب المسيحي يدين للعالم الإسلامي"، قابلها إصدار العديد من الدراسات التي فندت طرح غوغينهايم. ويجسد هذا المثال فكرة إنكار الأهلية المعرفية لغير الغرب المسيحي. للمزيد من التفاصيل، ينظر: Sylvain Gougenheim, Aristote à Mont Saint-Michel: Les racines grecques de l'Europe (Paris: Seuil, 2008); Philippe Büttgen et al. (eds.), Les Grecs, les Arabes et nous: Enquête sur l'islamophobie savante (Paris: Fayard, 2009).

وبما أن العالم العربي متعثر في كل الميادين، كما يؤكّد ذلك الواقع، فإن عبد العزيز حمودة يحيلنا إلى "منطقة وسط" بين مختلف الاتجاهات الفكرية، وهي تنصبّ مع ما يعرف بالتأملية للانعتاق من خلال الربط بين المعرفة، كأحد مكونات البنية الفوقية الثقافية، وبين السياسة والمصالح كقوّة محركة للبنية التحتية. ولكن هذه البنية هي التي تحدّد تلك البنية (الفوقية) 88. ويتجلى لدينا من خلال هذه المعادلة البسيطة فعل إنتاج المعرفة كأحد مخرجات "نظام عدالة وحرية" للنسق السياسي، أي إنه لا يمكن أن يكون أيّ نظام أرضية إنتاج للمعرفة إن لم تتوافر فيه الشروط النوعية المحفزة والكفيلة بذلك. ونجد أنه لا يمكن إنتاج المعرفة خارج إطار وجود القوة والبنية المادية والمعيارية اللازمة لذلك، على غرار ما نبيّنه لاحقًا.

سابعًا: المعرفة والقوة

من أجل فهم العلاقة بين المعرفة والقوة، تجدر الإشارة إلى ترابط البنية-الفاعل Structure-agency 89 داخل المؤسسات العلمية الدولية كمصدر للنماذج الخطابية وغير الخطابية للفاعلين. إّل اأن هذا النوع من التقيّص يليس هيّنًا من جرّاء صعوبة فصل عملية إنتاج المعرفة عن مسارها التاريخي في تشكل الحقول المعرفية. ولذلك، من الضروري أن نعرج على الإسهامات ما بعد البنيوية التي أثرت كثيرًا في تحليل العلاقات الدولية، والتي استعانت بها ما بعد الكولونيالية في الآونة الأخيرة. ميدانيًا، يهتم حقل العلاقات الدولية بالمسائل المتعلقة بالتصرف أو الفعل في السياسة الدولية ومن يستطيع إلى ذلك سبيلًا. ولكن أسلوب مقاربة أشكال الفاعلية غطّى على ديناميكيات جوهرية في السياسة الدولية، وجعل التطرق إلى تحليل "من يتصرف في السياسة الدولية" غير واضح وإشكاليًا؛ إذ لا يُعرف كيف تبدأ الفاعلية 90. ونجد السمة الرائجة للفعالية على المستوى الدولي؛ أي على مستوى فاعلين دوليين من خلال شرح سلوكهم الذي يكون على شكل ممارسات وتعاملات في السياسة؛ من مفاوضات دبلوماسية إلى ألعاب وتصريحات سياسية، وحتى عروض تلفزيونية ومؤتمرات أكاديمية. وتعكس هذه النماذج مشكلة تحليل المستويات ومشكلة البنية- الفاعل. ولكن سنصب اهتمامنا على المفهوم الواسع للفعالية الذي يؤثر في ميادين السياسة والعلاقات الدولية والمعرفة. وقبل التوغل في "كواليس" فعالية "الآخر" وصناعته وتمثيله معرفًّيًا في العلاقات الدولية، يجدر بنا أن نتوقف عند الشكل التناقضي للنظام الدولي الحالي؛ إذ إنه "متنوع" يشترك فيه الكل ويستفيد منه، ولكنه مبنٌّيٌ على هيمنة الولايات المتحدة والغرب ولا يُقدّم أيّ بديل منه حالًّيًا  91. وتعكس صورة هذا النظام الإطار الأيديولوجي والاقتصادي والاستراتيجي الضيق على نحو يجسد أسبقية المصالح والهوية للدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وأوروبا، ويخوّلها ذلك "الشرعية المادية الفكرية"، على حساب الشرعية المعيارية، التي أضحت محل توتّر حقيقي بعد انبثاق قوى غير غربية عالمًّيًا وصعودها. ويحيلنا المفكر برتراند بادي إلى تحليل معياري لهذا النظام؛ إذ بسط ما قيل سابقًا في ظاهرة الإذلال Humiliation بوصفه داء Pathology في العلاقات الدولية. ومن وجهة نظره السوسيولوجية، أضفت العلاقات الدولية الطابع الموضوعي على "الإذلال"، بوصفه معيار قياس موحد ينطوي على العنف الرمزي والمادي، ثلاث مشكلات رئيسة، هي: مشكلة البحث عن مكانة في العالم  92، ومشكلة تملّك الموارد واستعمالها، ومشكلة ذاتية إدراكات كلّ فاعٍلٍ للآخر؛ وذلك في تناقض تاٍّمٍٍ مع المعايير والقيم العامة التي تقوم عليها الحياة. وفي هذا السياق يقول بادي: "يقوم فاعل دولي، أثناء كفاحه للحصول على مكانة (اعتراف)، بقبول لعبة اجتماعية تافهة[...]في عالٍمٍ تكون فيه المنافسة محصورة ومحدودة. وبالنسبة إلى الفاعلين الذين يملكون أدوات السلطة (الرموز)، فإنه يمكنهم أن يدفعوا الآخرين الذين لا يملكون الرموز المناسبة إلى أسفل الدرك" 93. يُفهم من ذلك أن الدول العربية المنتمية إلى هذا النظام، مثل دول ما بعد كولونيالية، لئن لم تتمكّن من تحقيق التوازن بين متطلبات

  1. 91  Amitav Acharya, "Hegemony and Diversity in the Liberal International Order: Theory and Reality," E-International Relations , 14/01/2020, p. 1, accessed on 26/2/2023, at: http://bit.ly/3ZqzCS1 92  إن الانشغال بالبحث عن "مكانة" في السياسة العالمية هو من بين المفاهيم غير الثابتة والمتشعبة الأبعاد في العلاقات الدولية، لأن مدخلاتها (القدرة المادية، وسلوك الدولة أو القائد من حيث الفاعلية، والجرأة على مواجهة دول قوية)، تتغير وتتحول زمنًّيًا وتختلف ما بين الدول القوية والدول الصغيرة. ولكن جوناثان رينشون يشير إلى أن "الدخول في الصراع" من أجل المكانة لا يزال ثابتًا في السياسة الدولية. ينظر: Jonathan Renshon, Fighting for Status: Hierarchy and Conflict in World Politics (Princeton: Princeton University Press, 2017), pp. 261-264. 93  Badie, pp. 5-6.
  2. Alice Vadrot, "Knowledge, International Relations and the Structure–
  3. 90  ثمة جدٌلٌ كبيٌرٌ متعلق بمفهوم الفاعلية بوصفها "قدرة على التصرف"، وهي تنطوي على ذوي القدرة، من دون تحديد القدرة نفسها وقياسها، وهو ما يوحي بتجريد بعض الوحدات من سمة الفاعلية، ومن ثمّ يجري الإقصاء، وتصبح الفاعلية "نخبوية"، إّل اأن التحول التأملي الذي تشهده آخر دراسات العلاقات الدولية يُتبّي نمنها أنّ الفاعلية أشكاٌلٌ من المقاومة والتحرر والتفاوض والمعارضة، بوصف كلّ ذلك يترجم مبدأ عدم تناسق مفهوَمَي القدرة
  4. 88  عبد العزيز حمودة، الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص (الكويت: مطابع السياسة، 2003)، ص.246
  5. Agency Debate: Towards the Concept of 'Epistemic Selectivities'," Innovation: The European Journal of Social Science Research , vol. 30, no.1 (2016), p. 62.
  6. والقوة في العالم. ينظر:

الداخل وشروطه وظروفه (السياسية والاجتماعية) لأنظمة الحكم من جهة، و متطلبات الخارج من حيث الكفاح فإن ذلك ليس تنافسًا من أجل مكانة في الساحة الدولية، بل من أجل البقاء. وتبقى مسألة الكفاح من أجل الانعتاق، إلى حدّ الآن، بعيدة التحقيق. وهكذا، تنطوي قضية التعددية في العلاقات الدولية، كما يبرز أشاريا وبوزان، على "منح" الشعوب والمجتمعات غير الغربية "اعترافًا"، من حيث المكانة والأدوار والإسهامات، ضمن النظريات السائدة نفسها، أي الغربية المنشأ، وليس الأمر مجرد تنوٍعٍ بينها 94. وهكذا، تكون مشكلة المعرفة المعاصرة أوسع وأعمق إْنْ لم تُؤخذ في الحسبان علاقتها بالسياسة. وليس ذلك من حيث الأثر الذي تحدثه سياسًّيًا، بل من حيث الظروف التي أتاحت فهمًانوعًّيًا عن "السياسة" 95. والسؤال الجوهري الذي يجب طرحه هو: "َمَن يمتلك سلطة تمثيل الآخر؟  96 ثمّ كيف يتحول المتمثل إلى "الآخر"؟ على هذا النحو تساءل حميد دباشي الذي استقصى كيفية صنع "الآخر" معرفًّيًا من خلال صناعة الاستشراق التي ما زالت قائمة حالًّيًا، في إطار أكثر تعقيدًا وتطورًا، وهو الإطار نفسه الذي لجأ إليه إدوارد سعيد لتحليل علاقة دراسة الشرق والاستشراق  97 بالفكر ما بعد الكولونيالي، ويمكن حصره فيما يُعرف ببعد الحداثة Postmodernism المرتبطة بالنظرية النقدية التي تبنّت مناهج فلاسفة ما بعد البنيوية، وأهمهم ميشيل فوكو. يُعدّ أثر فكر فوكو في العلاقات الدولية عميقًا، وتدين له ما بعد البنيوية بالكثير، حتى إن كانت اهتماماته تقع خارج نطاق السياسة والعلاقات الدولية. ثم إنه لم تكن لديه أيّ صلة بالكولونيالية أو ما بعد الكولونيالية. ولكنّ أعمال ما بعد البنيويين مثل فوكو ودريدا تُعدّ مصدر الفكر النقدي في العلاقات الدولية وغيرها؛ إذ جعلت من عمل "النقدية" Criticality في المعرفة والخطابية في العلوم الاجتماعية أسس المدارس النقدية التي تبنّت الفكر التأملي في تحديها للعقلانيين والوضعيين بشأن تشكّل المعرفة وإنتاجها. المعرفة هي التحكم، والتحكم هو المعرفة؛ لأن المعرفة تعتمد على الاستراتيجيات الخطابية وغير الخطابية، كما عبر عن ذلك فوكو، لتبرير ما نعتقد أنه "حقائق" في ميدان معّي نمن العلم وشرعنته.

نفهم مما قام به فوكو في كتابته المتعلقة بالسجن والعقوبة أنه لم يربط الخطاب بأشكال أو لغة معيّنة، بل إنه اتسع لأنساق ورموز وشكل معّي نمن الممارسة الاجتماعية التي تتضمن تلك الأنساق. وحين عالج كيفية اتباع مسجونين نظامًا تربويًا تأهيليًا Disciplinaire طوعًا و لاإرادًّيًا في آٍنٍ واحٍدٍ، لأنهم تحت المراقبة، وحلّل ذلك، فإنه فّس رسلوكهم ضمن النظام المفروض عليهم في السجن بأنّهم تأدّبوا لأنّهم تحت المراقبة، وبأنهم مجموعة اجتماعية مختلفة لأنها لا تملك صوتًا سياسيّا. ومن ثمّ، لا نعرف ما الذي يجري، وقد لا يمكن أْنْ نحصل على التفاصيل والحقيقة بسبب العراقيل المسنّنة التي تمنع ذلك. انطلاقًا من ذلك، بدأ تطبيق هذا الإطار التحليلي على العلاقات الدولية في العالم الثالث الذي يعاني أكثر من غيره في مجاَل يالممارسة السياسية والاقتصادية، والذي يمثل مجموعة مختلفة ل "غياب صوته السياسي"؛ بسبب غياب القوة السياسية، أو الفاعلية، في إطار الشكل الوستفالي للدولة القومية كما رأينا آنفًا. وهذا السجن ينسجم كلًّيًا

  1. Acharya & Buzan, "Why is there no Non-Western Theory in International Relations Theory? Ten Years On, Revisited Forum," p. 15.
  2. Karena Shaw, "The Construction and Cumulation of Knowledge in International Relations," International Studies Review , vol. 6, no. 4 (December 2004), pp. 19-20.
  3. Hamid Dabashi, Post-Orientalism: Knowledge and Power in Time of Terror (New Brunswick/ London: Routledge, 2009), p. 3.
  4. 97  لجأ إدوارد سعيد إلى الفكر ما بعد البنيوي لفوكو في التحليل التاريخي من خلال التفكيك والخطابية والجينيالوجيا. ومع أنّه مفكر وفيلسوف، فإنّ اقتراباته أطّرت تحليل المعرفة الحديثة، وألهمت كثيرًا من الباحثين في الميادين الاجتماعية والإنسانية من الأنثروبولوجيا واللغة والأدب والتاريخ والفلسفة والدراسات الثقافية والسياسة استخداَمَ مناهجه في تحليل أنساق الخطاب، من خلال ارتباط المعرفة بالقوة وسياقات إنتاج المعرفة وظروفها ونسبية الحقيقة فيها.

مع المجتمع الحديث والنظام العالمي والأساليب الحديثة لاحتواء عالم الإنسان تحت سيطرة "المراقبة" 98. ما زلنا مع فكر فوكو، ولا سيما من حيث الرجوع إلى السياق التاريخي وعلاقته بحفريات فوكو. ولأن "الحفريات" و"الجينيالوجيا" والخطابية تمثل الأدوات الأكثر استعمالًافي العلاقات الدولية، فإن هذه الدراسة تواكب أيضًا هذا الإطار التحليلي الثلاثي منذ بدايته. ترادف أهمية الحفريات Archeology التاريخ، وهي محاولة التوصيف والتركيز على الطبيعة الإمبيريقية والتاريخية للأبحاث Investigations المتعلقة بعلوم البشر. والتحليل الحفري، أو التاريخي، لا يرنو إلى مواطن الحقيقة (أو البطلان) 100 من خلال محاولة تجسيد الموضوع Object م وضوعًّيًا Objectifying، بل إنه يبحث عن فهم حدوث ذلك وظروف وجودها. وهو مسار تَشَُّكُل المعرفة الذي يقدّم ادعاءات مرتبطة بالحقيقة، ولكنه يحجب في الوقت نفسه ادعاءات أخرى. الحفريات هو مفهوم محايد أكثر من مفهوم الجينيالوجيا الذي لجأ إليه فوكو بعد تقليل استعمال المصطلح الأول، وخصوصًا فيما يتعلق بجينيالوجيا المعرفة، ومفهمة الحقل المعرفي Discipline بوصفه نظامًا يتحكم في إنتاج الخطاب م ن خلال استراتيجيات "تضبط" Discipline to المعرفة. وهنا تبرز إشكالية ميدان العلاقات الدولية الذي تنشط فيه مؤسسات هجينة بوصفها إطارًا لفهم التفاعلات السياسية، يصعب تمييز عملية إنتاج المعرفة فيها من السياسة والقوة. ولذلك، يجدر معالجة دور المعرفة في العلاقات الدولية من خلال كيفية ظهور مجموعات إبستمية Epistemic Communities لُتَُقَّرَ سياسًّيًا Recognition Political "مشكلة" س بق أن حددتها المجموعات العلمية  101. وفي هذا الصدد، تقوم المجموعات الإبستمية بعقلنة ملاحظات بثتها مجموعة علمية، وتحويلها من ادعاءات معرفية إلى أجندة سياسية  102. أمّا فيما يخص نقد فوكو وأطروحاته الفكرية المتعلقة بتشابك المعرفة ومسارها مع مخرجاتها من آثار القوة والسيطرة، فإنّ منطلق نقده يتسم بالمحلي، ثمّ إنه ينتقد الادعاءات الشمولية للنظرية من عمق بيئة أوروبية غربية اتسمت آنذاك بوضع أحسن وأفضل من أوضاع بيئة الجنوب التي استعمرها الغرب، والتي تغاضى عنها فوكو. وهكذا قرّر أن ينشط من أجل "تمرد المعرفة الخاضعة" لأنّ المحتوى التاريخي حجب أهليتها وإسقاطها بوصفها معرفة عقلانية في المجتمع الأوروبي  103. ولكن ما النتائج التي يمكن أن تترتب على إسقاط علائقية قوة "المراقبة والمعاقبة" مثلًا؛ أي التي درسها فوكو داخل مجتمعات ومؤسسات أوروبا، في المجتمعات المستعَمَرة؟ 104 من هنا، نستخلص أنّ مناطق التداخل بين حقٍلٍ معرفي وآخر هي السمة الغالبة على خريطة المعارف طوال قرٍنٍ من الزمن  105. لذا، يحتاج بناء المعرفة إلى شروط اجتماعية وسياسية واقتصادية  106، والمنطقة العربية ما زالت تستورد منتوجات المعرفة وتستهلكها من دون أن تنتج، فضلًاعن ضعف توطين المعرفة واستنباتها 107. ولا يحدث ذلك كله إلا إذا توافرت الإرادة السياسية بوصفها شرطًا أوّلًّيًا. ومن ثمّ؛ حين تغيب القوة لبناء المعرفة، فإنه لا يمكن تجاهل أن القوة نفسها هي التي "تعرقل" إنتاج المعرفة في العالم الثالث وتطويرها، وهي قوة الأنظمة الشمولية. وهنا للقوة فعلان يحفزها أحدهما لتنتج وتطور نظريات ومعرفة، أو يثبطها الثاني ويدفعها إلى الركود  108. ولا يخفى علينا أنّ النظرية في العلاقات الدولية تحيلنا إلى سلطة وقوة من يُنظّر الذي يشرعن ويبرر أفعاله وبالموازاة يمكن أن يقصيي الآخرين، كما سنبين لاحقًا؛ لذلك، نجد أن تاريخ العلاقات الدولية ارتبط بتاريخ النقاشات النظرية للمدارس الفكرية الغربية مختزلة العالم في تجربتها ومنظورها الخاَّصيَن.

  1. 98  ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.66-62 99  أْيْ كلّ ما ندعيه، سواء كان حقيقةً أو باطلًا، فهي، إذًا، ادعاءات الحقيقة أو البطلان.
  2. 100  نقول إنّ المجموعات الإبستيمية Communities of Knowledge هي عبارة عن شبكة من الخبراء ذوي خبرة ومهارات معترف بها في ميدان خاص ومرجعية موثوق بها لسياسة المعرفة المنتجة ضمن هذا الميدان أو المنطقة.
  3. Vadrot, p. 3.
  4. Giorgio Shani, "De-colonizing Foucault," International Political Sociology , vol. 4, no. 2 (June 2010), p. 2.
  5. 103  من اللافت للنظر أن فوكو لم يكتب عن وضعية غير الأوروبي ولم يصرح رسميًا عنه، وأقصد هنا الشرقي العربي، وأثر فرنسا الاستعمارية في الدول العربية، ومنها الجزائر، كما أنه عاش في تونس نحو سنتين، إضافة إلى بضعة شهور في إيران بوصفه مراسل الثورة الإيرانية سنة 1978، بأيّ تصور إنساني للشعوب التي عرفت الاضطهاد والعنف والاستعباد في أبشع صوره، مقارنةً بما كتبه من انتقادات لمجتمع الحداثة والقوة وحتى الجنون في أوروبا. ينظر: Marnia Lazreg, Foucault's Orient: The Conundrum of Cultural Difference, from Tunisia to Japan (New York: Berghahn, 2017).
  6. 104  حمودة، ص.55
  7. Wallerstein, The Uncertainties.
  8. مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي،  106 تقرير مؤشر المعرفة العربي للعام 2016: الشباب وتوطين المعرفة (دبي: 2016)، شوهد في 2023/2/28، فh يttps://bit.ly/3SyIse6: وهذا ما أكدته أيضًا تقارير الإنماء العربي التابعة للأمم المتحدة، وخصوصًا التقرير الثاني لسنة 2003 الذي استشعر التأخر المهيب للمنطقة العربية معرفيًا، من دون أن تحرز تقدمًا ملحوظًا ينعكس على التنمية كما أشار إلى ذلك تقرير التنمية الإنسانية الذي ركّز على تمكين الشباب ودوره الحيوي في مستقبل المنطقة. ينظر: الأمم المتحدة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016: الشباب وآفاق التنمية واقع متغير 2016(، شوهد في 2023/2/28)، في https://bit.ly/3Y18gAQ:
  9. Sari Hanafi & Rigas Arvanitis, Knowledge Production in the Arab World: The Impossible of Promise (London: Routledge, 2016), pp. 216, 232-233.

ثامنًا: مسألة النظرية في العلاقات الدولية

تتجلى الميزة البارزة للنظرية ونقاشاتها بوصفها مدخلًاجوهريّا لمعرفة كيف تطور حقل العلاقات الدولية، وُتُكِوِن صورة أوضح لتاريخه كما أشرنا إلى ذلك سابقًا. تقول سنثيا ويبر Weber Cynthia إنّنا نستخدم نظرية العلاقات الدولية لنفهم عالم السياسة الدولية، وإن النظرية تأخذ معناها من تعلّم بعض السرديات Narrations التي تخبرنا الكثير عن العالم، وهذه القصص نسمّيها "تقاليد العلاقات الدولية" Traditions IR؛ مثل الواقعية، والواقعية الجديدة، والمثالية الليبرالية، والبنائية، والماركسية، وغيرها  109. وهنا نجد رابطًا عضويّا جليّا بين الرواية أو السردية، ومن ثمّ هوية الراوي أو الأيديولوجيا، وحقل العلاقات الدولية. عمومًا، جوهر النظرية أنها ليست خريطة أفكار موضوعة جاهزة وساكنة، وإنما هي عملية تفكير (حركية)، تؤدي كٌّلٌ من التجربة والموضعية، أو التموضع، والمنطق، دورًا Positionality كبيرًا في مسيرة لا تخلو من التوتر وتجاذبات الرفض والنقد مّم ايجعل النظرية تتكيّف وتتطوّر  110. وهكذا، فإن تورط التاريخ وتشابكه مع النظرية جٌلّيٌ في جذور النظرية الواقعية والليبرالية في التاريخ الغربي/ الأوروبي. ولا نستغرب موقع أهم مقاربات العلاقات الدولية التي تؤطّر البحث في دول العالم العربي ضمن دراسات المناطق؛ إذ نجد الواقعية التي تبحث عن فهم سلوك الجوار والإقليم أو التبعية وغيرها واستشراف جميع ذلك؛ أي إنّ العالم العربي يقرأ العلاقات الدولية ويمارسها بعدسة غربية. ولكن إلى أيّ مدى يمكن أن تكون هذه النظريات صالحة للتطبيق في العالم العربي؟ وهل يفتقر العالم الثالث والعربي إلى نظرية؟ يبدو من خلال هذين السؤالين وجود عامل آخر؛ هو الجغرافيا التي يصنّفها محمد أيوب على أنها مشكلة "عالمية" نظرية العلاقات الدولية؛ لأنّها تعّب ر عن موقٍعٍ محدّد ي مثل مصدر النظرية، وهو يرتبط بتاريخ محّل يلهذا الموقع الجغرافي حيث يستخلص بياناته عن الآخرين  111 محلًّيًا كي تؤسّس معايير إبستيمية. وبعد ذلك، تجري قراءة الآخرين وفهمهم، فضلًاعن باقي العالم، من خلال هذه المعايير، في حين لم يستطع حقل العلاقات الدولية استيعاب قراءات جغرافيات بقية العالم  112.، أو دولة من جهة أخرى، يقتضي أيّ عمٍلٍ تحليلي نظري لتاريخ معّي، ن أو منطقة، أن يجابه تحديًا مزدوجًا: ليست المسألة في انتقاء نظرية قد تُفسر، ومن ثمّ تنظم مفاهيمًّيًا السياسة أو العلاقات الدولية لدولة أو منطقة ما. ولكن، كما يرى هاليداي، "الأجدر أن نرى إلى أيّ مدى يمكن أن تتحدّى هذه الدولة أو الحدث أو المنطقة النظرية نفسها" 113. وفيما يخص منطقة العالم العربي، فهي مطابقة لمعضلة هذا الطرح تحديدًا. حين يبحث المؤرخون تفسير أحداث معيّنة ضمن شروطهم الخاصة، فإن هدف المنظرين في العلوم الاجتماعية هو استقصاء تفسيرات عامّة قابلة للتطبيق على عدّة حالات موزعة عبر الزمان والمكان. وهنا تتجلى مسألة التعميمات النظرية التي تتحاشى الخصوصية، أو حتى قابلية البيئة لاختبار نظرية ما. لذلك يُعدّ ما يقدمه تطبيق النظرية وممارستها أكبر كثيرًا من التعمق في جذور مأسستها، وهذا يمثّل نقطة إزعاج المنظرين الذين لا يحبّذون ارتباط النظرية بمسألة خدمة "أعمال" أو مصالح معينة 114. على أيّ حال، لا يمكن أن نتجاهل مركزية النظرية في المجال المعرفي ودورها "التنويري" في الفهم كما يسمّيها ستيفان تشان وهو لا يعتقد أنها كونية Universal في تصورها وعلاقاتها، بل إنها تقترح نسقًا يصلح للاشتراك فيه، ولكنّ ذلك بدوافع مختلفة، وبشروط معينة، يقتضي كلّ شرٍطٍ منها بحثًا تاريخًّيًا يُبنى على معرفة ثقافية ولغوية ولاهوتية، من دون إقصاء أيّ منها  115. ونجد أنّ موضوع النظريات والمقاربات في العلاقات الدولية يُعالج وُيُتعامل معه بإسهاب، إّل اأنّ فعل التنظير لا يلقى اهتمامًا كافيًا. بمعنى آخر، لماذا تتشارك أطراٌفٌ في المجتمع الدولي وتمارس السياسة الدولية ولا تستطيع إدراج تصوراتها في العلاقات الدولية؟ كيف نفسر فاعل التنظير من عدمه؟ قبل كلّ شيء، إنّ ممارسة السياسة مثل - أو امتلاك سلاح - ليس مؤشرًا د ل اعلى اكتساب الفاعلية الكافية Agency التي تمنح الظهور على الساحة السياسية والمعرفية، ولكن يكون ذلك من حيث المعنى الذي يعطيه الفاعل لسلوكه السياسي أو للسلاح ليتحول إلى رؤية خاصّة لهذا الفاعل، كما يرى محمد حمشي 116. بناءً على ذلك، يبدأ الاهتمام بنموّ قوة دولة، أو منطقة ما، من حيث الفكر السياسي الذي تذيعه. وهذا ما يفسر بداية التحدّي العالمي ل "الأسلوب الأميركي - الغربي" الذي أصبح محدودًا إبستيمولوجًّيًا؛

  1. Cynthia Weber, International Relations Theory: A Critical Introduction (London/ New York: Routledge, 2005), p. 2.
  2. Felix Berenskötter, "Deep Theorizing in International Relations,"
  3. Ayoob, pp. 30-31.
  4. Ibid.
  5. Halliday, The Middle East , p. 2. 113  Shaw, p. 7.
  6. European Journal of International Relations , vol. 24, no. 4 (2017), p. 821.
  7. Chan, p. 172.
  8. 115  حمشي، ص.63

ما يجعل سلطة الهيمنة الأميركية في انحطاٍطٍ مستمٍّرٍٍ، حتى إْنْ ظلّت قوتها المادية مسيطرة. ثمّ إنّ ظهور نظرية العلاقات الدولية، آسيوية أو لاتينية، أو انبثاقها، مثلما كان الأمر مع أوروبا، بمنزلة مؤشر للاستحواذ على مكانة بجانب المقاربات السائدة، وفي الوقت نفسه يضفي تنوعًا في التفكير في العلاقات الدولية. وهذا ما يُفّس رأنّ "صعود قوى أو انبثاق دول صاعدة يؤكّد ارتباط قوّة الدولة أو المجتمع بطرح رؤيتها في نقاشات العلاقات الدولية، بل يفرض وجودها وأخذها في الحسبان من طرف الآخرين" 117. والصين خير مثال على ذلك، كما يذكر أشاريا. فلولا صعودها اللافت للانتباه والمنافس للقوى الكبرى الغربية؛ إذ أصبحت تزاحمها من أجل مكانة في "نادي الأقوياء"، لما اهتم أحد بمدرستها الفكرية في العلاقات الدولية  118. ومن ثم نفهم، مما سبق، أن بروز قوى، أو صعودها، أمٌرٌ يجنح إلى تحوّل هذه القوى إلى مواقع لإنتاج نظريات العلاقات الدولية. ولكن ما تقوم به هذه الدراسات، في الحقيقة، هو أنها تفترض ذلك وتسلّم به، من دون أن تثبت العلاقة بين صعود قوة وعملية التنظير  119. لذلك، يجدر القول إن صعود أيّ دولة لا يرجع إلى شروط موضوعية ذات صلة بنموّها الاقتصادي والعسكري، ولا يرجع إلى توسيع مجال سياستها الخارجية فحسب  120 (قد يصحّ ذلك في بعض النماذج، مثل الصين والهند)، بل إنه يرجع أساسًا إلى طموحها الداخلي ومنازعة مستقبل الهويات في عالم السياسة، وقد تكون كٌّلٌ من تركيا وقطر من بين النماذج الدالّة على ذلك

خلاصة

بدأت هذه الدراسة بما انتهى به الباحث محمد حمشي  121 بشأن إشكاليات النقاشات النظرية الكبرى في العلاقات الدولية التي انتهى بها المطاف إلى خلٍلٍ في تمثّل كلّ العالم في حقل العلاقات الدولية. وقد يكون مشروع "النقاش الكبير" في العلاقات الدولية انعكاسًا للنداءات المطالبة لإشراك فاعلين آخرين لتقديم فهٍمٍ معّي نونوعيّ لما يشكّل النظام الدولي على أساس شرعي. ومع انبثاق "بقية العالم" وبروزه، أصبح جلًّيًا أنّ مستقبل العلاقات الدولية يواجه تحديات متشابكة يتوقف كلّ واحد منها على الآخر. إنّ إعادة التفكير في هندسة أسس المعرفة من دون تسييس، هي حاجة ملحّة إلى إنتاج أشكاٍلٍ من السلطة وتشاركها على نحو يؤدي إلى أن توفّر انتظامًا على أرضية تقاَوَم فيها كلّ أشكال التسلط المعرفي التي تمارس الإقصاء، أو تستخدم العنف لشرعنة سلطتها في حقٍلٍ جوهر اهتماماته مرتبط بقضايا الحرب والسلم  122. من أهم مخرجات هذه الدراسة أنه لا يخفى على متابع ميدان السياسة والعلاقات الدولية في الآونة الأخيرة ازدياد الإصدار لدراسات تعالج موضوع التعددية وإدماج أصوات من الجنوب ودول الأطراف والتابعين في الحقل المعرفي. وفي هذا الصدد، كان من اللازم التطرق إلى مقاربات ما بعد الكولونيالية التي تكشف الغطاء عن علاقات المركب القوة/ المعرفة التي تهتم بإعادة إنتاج النظام العالمي المعاصر فكرًّيًا، والتي نرى من خلالها أسلوبًا استعمارًّيًا يتمثّل في إبقاء دول، حتى إن كانت مستقلةً رسمًّيًا، خانعةً لسيطرة الأقوياء في السياسة الدولية بالضغط والمساومة والتبعية. رأينا أيضًا أن "النظرية" تستند إلى عامل الزمن كي تتشكل؛ إذ حين يحاول المؤرخون تفسير أحداث ما، فإن المنظرين الاجتماعيين يبحثون عن تفسيرات عامة تطَّبَق على العديد من الحالات موزعة في المكان والزمان. وُيُعدّ فهم النظرية، وفهم التاريخ عملين Works متلازمين 123، لا يفترقان. وهكذا تشكّل النظرية، وُيُعاد تشكيلها والتأكد منها وسط مواجهات – تاريخيًا - بين حدٍثٍ أو تجربة ومنظرين في الوقت نفسه. بمعنى آخر، يكمن دور التاريخ في سرد الأحداث وتسجيلها وتأطيرها ضمن منظومة معرفية ذات سياق معّين، وبخلفية معينة للمؤرخ، يستعين بها المنظر في بناء نظريته. ومن ثم، فإنّ "طريقة سرد قصة ما (محلًّيًا) هي في حقيقة الأمر طريٌقٌ نحو التنظير أو التفسير" 124.

  1. Acharya & Buzan, The Making of Global International Relations , pp. 24-30.
  2. Amitav Acharya, "Dialogue and Discovery: In Search of International Relations Theory beyond the West," Millennium Journal of International Studies , vol. 93, no. 3 (2011), p. 626.
  3. Peter Marcus Kristensen, "States of Emergence, States of Knowledge: A Comparative Sociology of International Relations in China and India," European Journal of International Relations , vol. 25, no. 3 (2019), p. 773.
  4. Manjari Chatterjee Miller, "The Role of Beliefs in Identifying Rising Powers," Chinese Journal of International Politics , vol. 9, no. 2 (2016), pp. 211–238.
  5. 120  تمثل أطروحة محمد حمشي للدكتوراه دراسة حديثة نوعية تبحث في إمكانية حسم ركود النقاشات "الكبرى" في العلاقات الدولية، التي لا تمثل كل دول النظام العالمي، بالانتقال إلى الحوار التالي "الخامس" في ظلّ الجدل الفكري المتعلق بإقحام بقية العالم لتكريس التعددية في علاقات دولية من المفروض أْنْ تمثل كل المجتمع الدولي. ولجأ حمشي إلى إدراج "ُبُعد التعقد" في الظواهر والبنى بوصف ذلك مقاربةً نقدية تأملية كفيلة بإعادة النظر
  6. Shaw, p. 18.
  7. 122  ينظر: Acharya & Buzan, "Why is there no Non-Western Theory in International Relations Theory? Ten Years On, Revisited Forum"; George Lawson, "The Eternal Divide? History and International Relations," European Journal of International Relations , vol. 18, no. 2 (2012). 123  Ellen Van Keer, "On Bridging Theory and Practice in the Perspective of History," in: Aerts et al. (eds.), p. 186.
  8. في إشكاليات السببية والهيمنة والفاعلية والتمثيل والانعتاق، بالنظر إلى أنها مسائل ملحّة لإعادة تشكيل وتمثيل العالم الاجتماعي.

حين نقترح مشروعًا تنظيرًّيًا غير غربي، فإن ذلك يعني نهضة "عوالم إقليمية" يكون لديها صوٌتٌ "ُيُسمع وُيُعَرَف" في محفل العلاقات الدولية، وتكرس التعددية بإشراك الكل في الممارسة المعرفية والسياسية على حٍّدٍٍ سواء. وليس الهدف تأسيس ثنائية نظريات غربية/ غير غربية تُعيد منطق الإقصاء والتهميش والإمبريالية 125، بل إنّ الفكرة هي: إذا كان "كل ما يأتي من الغرب ليس خيرًا كله فهو ليس شّرًا كله" 126، وإّن ما اكتمل السيّئ منه بما بادلته المنطقة العربية؛ أي ب "السكوت" والإذعان، فهذه بؤرة التراجيديا العربية. ولا يكون أيّ ربط يقوم به المفكرون بين المعرفة والقوة، والعلم والسياسة، والبروز والتنظير، على أساس داخلي أو خارجيّ، أو حتى علمي محض أو سياسي، بل يجمع بين هذه العناصر كلّها 127. لا يكفي أن نقوم بنزع مركزية Decentering العلاقات الدولية بوصف ذلك دعوةً إلى تفكيٍكٍ وتعطيٍلٍ للممارسات الإبستيمولوجية التي وَّطَأت المواجهات الكولونيالية، بل يستلزم الأمر دعوةً إلى بيداغوجية نقدية في كل مناطق العالم والمنطقة العربية أحوج إلى ذلك بما أنها في المراتب السفلى، مقارنةً بباقي المناطق غير الغربية التي هي في طور البروز. قد يظن المرء في الوهلة الأولى أن زمن الكولونيالية وّل ى عهده. ولكن ما زال مجال المعرفة يعج بأنساق الهيمنة والسيطرة منهاجيًا وإبستيمولوجًّيًا وحتى فلسفيّا. وفي أثناء تحليل هوية هذه الأنساق، نجد "مركّب الحمض النووي" أورومركزيّا بامتياز ليؤكّد كولونيالية إبستيمية رضخ لها وتبنّاها التابع والمهمّش والطرف قبل المركز. ومن أجل فكّ الارتباط مع هذا الوضع، يجب التحوّل نحو فكاكة الكولونيالية وإعادة التموضع الإبستيمي من خلال نهج سلوك نظري - إمبريقي يطرح الكولونيالية ويفككها باعتبارها عنصرًا مكونًا للحداثة ومرافقًا لها، وعنصرًا جوهرًّيًا للحفاظ على تميزها وتفردها. ومع تدهور مكانة الولايات المتحدة بوصفها قوة كبرى وحيدة، وصعود قوى دولية جديدة غير غربية من كلّ أطراف النظام العالمي، على العالم العربي أن يعيد حساباته وأن يراجع ترتيباته في عالم ما بعد الغرب؛ إذ أضحى لزامًا عليه أن "يستكشف معالم تعبيرات ومنظورات أخرى ودورها في فهم عالم السياسة التي أسقطتها وحجبتها نظرية العلاقات الدولية" 128 الحالية قد تكون مسألة الانعتاق سمَةَ الإنسانية وهدفها المنشود في كل أشكالها وممارساتها، وممثلةً لدور التأملية الجوهري الذي نحتاج إليه للانخراط في حدود السياسة والمعرفة والتنظير من خلال الفاعلية. وقبل ذلك يستلزم الأمر إعادة التفكير في إبستيمولوجيا المعرفة والنظرية؛ أي كيف تتشكّل المعرفة وتنتج وتحصل. في هذا الصدد، تعطي الباحثة حماتي عطية صورة لدور التأملية بوصفها نقطة بداية ينخرط فيها العالم العربي من خلال المعرفة وممارستها؛ إذ يحتاج إلى خطوة مزدوجة؛ "خطوة انحنائية نحو الوراء تتضمن فهمًادقيقًا للظروف الاجتماعية لتمكين فكره وقيمه، ومن ثمّ فحصًا نقدًّيًا لآراء ومفاهيم الحقيقة كبناء اجتماعي لها. وتشتمل الخطوة الثانية نحو الأمام على تحويل هذا الفهم الموضوعي إلى أداة الانعتاق الاجتماعي الحيوي الذي يخوّل الحرية والفاعلية ممارسة البحث المسؤول والمفيد" في المعرفة 129. تاريخًّيًا، يجب أن ندرك أنه لا يحدث أيّ تحوّل مصيري في العلاقات الدولية من دون مساءلة، وأنه ما من فاعٍلٍ له مكانة فيها إّل اكان يكافح من أجل تلك المكانة. سيكافح الغرب من أجل مكانته المتمثلة في الهيمنة، والدفاع عن امتيازاته، وسيقاوم الباقي من أجل الحصول على مكانة في العالم؛ وكلتا الحالتين تعبيٌرٌ عن نوٍعٍ من فعالية تُفّس ر قانون البقاء والاستمرار والنهوض والتحرّر؛ ليس من باب الغلبة فحسب، بل من باب الفطرة الإنسانية للانعتاق أيضًا. يجب أن نتجاوز المفهمة الغربية، وخصوصًا الأميركية، المتعلقة بالفاعلية التي حصرتها في القوة، أو المادية التكنولوجية، من خلال توسيع مفهوم القوة في إطاٍرٍ تعددٍّيٍٍ لرصد دور الفاعلية غير الغربية، كالقدرة على التصرف مثلًا. والفاعلية التي يمكن تبنيها في العالم العربي، وفي أيّ مكان آخر، هي أيضًا "أن يجلب أو يُحِدِث تغييرًا لنفسه." ولا يحدث هذا الأمر إّل ابإحداث قطيعة إبستيمولوجية مع الماضي السلبي، والتفكير فيه، ومعالجة التراث معالجةً إبستيمولوجية نقدية بالاتصال والتواصل معه معرفًّيًا في إشارة إلى فلترة المفيد منه وتبنيه، وت وظيف النص (المقروء) إبستيمولوجًّيًا، وليس أيديولوجًّيًا، من أجل نهضة تُخرج المجتمع والأمة من الوهن والتخلف  130. وهنا يكمن جوهر انطلاق فكرة علاقات دولية عالمية متعددة يتميّز فيها العالم العربي بفعاليته؛ يقاوم، ثمّ يعارض، ثم يُفنّد  - وهذا أضعف الإيمان - وليس بالمحافظة على الوضع الراهن الذي يدوسه الكبار والصاعدون. ومن وسائل فعالية غير الغربيين الأفكار أو

  1. 124  حمشي، ص.402
  2. 125  حمودة، ص.8
  3. 126  في مقاله الأخير أطلق بيتر كريستانسن Kristensen Peter لفظ Co-Production على العوامل التي تتشارك وترتبط في عملية التنظير والبروز في آٍنٍ واحٍدٍ. ينظر: Kristensen, "States of Emergence, States of Knowledge," pp. 17-18.
  4. John M. Hobson & Alina Sajed, "Navigating beyond Eurofetishist Frontier
  5. Hamati-Ataya, "Outline for a Reflexive Epistemology," p. 1.
  6. 129  الجابري، ص.13-6 130  Acharya Amitav, Constructing Global Order: Agency and Change in World Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 2018), p. 14.
  7. of IR Critical Theory: Exploring the Complex Landscapes of Non-Western Agency," International Studies Review , vol. 19, no. 4 (December 2017), p. 549.

الأيديولوجيات التي قد تُحِدِث كلّها فارقًا كما يشهدها التاريخ، من خلال إعادة النظر في الأمن وبناء أشكال مختلفة من الإقليميات، حيث المستوى الإقليمي المحلي هو أحسن مستوى لبداية الفاعلية ذات التأثير الإقليمي في النظام الدولي. قد تبدو صورة مستقبل العالم والعلاقات الدولية، ونحن نتجه نحو أشكال من التعددية، ضبابية ومعقدة. ولكن لا ريب في أنّ فتح مجال المعرفة الأكاديمية سيكون عاملً من عوامل الإثراء.

المراجع

العربية

الأمم المتحدة. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016: الشباب وآفاق التنمية واقع متغير. 2016(في https://bit.ly/3Y18gAQ:). بن نبي، مالك. شروط النهضة. سلسلة مشكلات الحضارة. ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين. ط.4 دمشق: دار الفكر،.1986 الجابري، محمد عابد. نحن وال اررث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي. ط.6 بيروت: المركز الثقافي العربي،.1993 حمودة، عبد العزيز. الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص. الكويت: مطابع السياسة،.2003 فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير مؤشر المعرفة العربي للعام 2016: الشباب وتوطين 2016: في https://bit.ly/3SyIse6:. دبي المعرفة. نصار، ناصيف. الفكر الواقعي عند ابن خلدون: تفسير تحليلي وجدلي لفكر ابن خلدون في بنيته ومعناه. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1981

الأجنبية

Ac harya, Amitav & Barry Buzan. "Why is there No Non-Western International Relations Theory? An Introduction" International Relations of the Asia-Pacific. vol. 7, no. 3 (2007). ________. "Why is there no Non-Western International Relations Theory? Ten Years On." International Relations of the Asia-Pacific. vol. 17, no. 3 (2017). ________. The Making of Global International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Acharya, Amitav. Whose Ideas Matter? Agency and Power in Asian Regionalism. London/ Ithaca: Cornell University Press, 2009.

________. "Dialogue and Discovery: In Search of International Relations Theory beyond the West." Millennium Journal of International Studies. vol. 93, no. 3 (2011). ________. Constructing Global Order: Agency and Change in World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2018.

________. "Hegemony and Diversity in the Liberal International Order: Theory and Reality." E-International Relations. 14/1/2020. at: http://bit.ly/3ZqzCS1

Aerts, Diederik et al. (eds.). Worldviews, Science and Us: Interdisciplinary Perspectives on Worlds, Cultures and Society - Proceedings of The Workshop on Worlds, Cultures and Society. Singapore: World Scientific Publishing, 2011. Alejandro, Audrey. Western Dominance in International Relations: The Internationalisation of IR in Brazil and India. London: Routledge, 2019. ________. Western Dominance in International Relations? The Internationalisation of IR in Brazil and India. London: Routledge, 2018. Anghie, Antony. Imperialism, Sovereignty and the Making of International Law. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. ________. Imperialism, Sovereignty, and the Making of International Law. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. Ayoob, Mohammed. "Inequality and Theorizing in International Relations: The Case for Subaltern Realism." International Studies Review. vol. 4, no. 3 (Autumn 2002). Badie, Bertrand. Humiliation in International Relations: A Pathology of Contemporary International Systems. Oxford: Hart Publishing, 2017. Berenskötter, Felix. "Deep Theorizing in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 24, no. 4 (2017). Bilgin, Pinar. Regional Security in the Middle East: A Critical Perspective. London: Routledge, 2005. ________. "Thinking Past, Western IR." Third World Quarterly. vol. 29, no. 1 (2008). at: https://doi.org/10.1080/01436590701726392 ________. "How to Remedy Eurocentrism in IR? A Complement and a Challenge for the Global Transformation." International Theory. vol. 8, no. 3

Bourdieu, Pierre & Loïc J.D. Wacquant. An Invitation to Reflexive Sociology. Chicago: Chicago University Press, 1992. Braun, Benjamin, Sebastian Schindler & Tobias Wille. "Rethinking Agency in International Relations: Actor- and Performances Performativity, Networks." Journal of International Relations and Development. vol. 22, no. 1 (2018). Brown, L. Carl. International Politics and the Middle East. Princeton: Princeton University Press, 1984. Büttgen, Philippe et al. (eds.). Les grecs, les arabes et nous: Enquête sur l'islamophobie savante. Paris: Fayard, 2009. Buzan, Barry & Ana Gonzalez-Pelaez. International Society and the Middle East: English School Theory and the Regional Level. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2009. Dabashi, Hamid. Can Non-Europeans Think? London: Zed Books, 2015. ________. Europe and Its Shadows: Coloniality after Empire. London: Pluto Press, 2019.

________. Post-Orientalism: Knowledge and Power in Time of Terror. New Brunswick/ London: Routledge, 2009. Davis, Alexander, Vineet Thakur & Peter Vale. The Imperial Discipline: Race and the Founding of IR. London: Pluto Press, 2020. Doty, Roxanne Lynn. Imperial Encounters: The Politics of Representation in North-South Relations, Borderlines. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1996. Edkins, Jenny & Maja Zehfuss (eds.). Global Politics: A New Introduction. New York: Routledge, 2014. Fawcett, Louise (ed.). International Relations of Middle East. 4 th ed. Oxford: Oxford University Press, 2016. Feng, Huiyun, Kai He & Xiaojun Li. How China Sees the World: Insights from China's International Relations Scholars. Singapore: Palgrave Macmilan, 2019. Goody, Jack. Le vol de l'histoire, comment l'europe a imposé le récit de son passé au reste du monde. Fabienne Durand-Bogaert (trans.). Paris: Gallimard, 2015. Gougenheim, Sylvain. Aristote à mont saint-michel: Les racines grecques de l'Europe. Paris: Seuil, 2008. Griffiths, Martin (ed.). International Relations Theory for the Twenty-First Century: An Introduction. London/ New York: Routledge, 2007. Halliday, Fred. The Middle East in International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Hamati-Ataya, Inanna. "Outline for a Reflexive and Epistemology Reflexive Epistemology." Philosophy of Science. vol. 42, no. 4 (2014). ________. "The 'Problem of Values' and International Relations Scholarship: From Applied Reflexivity to Reflexivism." International Studies Review. vol. 13, no. 2 (June 2011). Hanafi, Sari & Rigas Arvanitis. Knowledge Production in the Arab World: The Impossible of Promise. London: Routledge, 2016. Henderson, Errol A. "Hidden in Plain Sight: Racism in International Relations Theory." Cambridge Review of International Affairs. vol. 26, no. 1 (2013). Hinnebusch, Raymond. The International Politics of the Middle East. Manchester: Manchester University Press, 2015. Hobson, John M. & Alina Sajed. "Navigating beyond Eurofetishist Frontier of IR Critical Theory: Exploring the Complex Landscapes of Non- Western Agency." International Studies Review. vol. 19, no. 4 (December 2017). Hobson, John M. The Eurocentric Conception of World Politics: Western International Theory 1760-2010. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Ismael, Tareq Y. International Relations of the Contemporary Middle East, A Study in World Politics. New York: Syracuse University Press, 1986. Job, Brian L. (ed.). The Insecurity Dilemma: National Security of Third World States. London/ Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1992. Kassab, Elisabeth. Contemporary Arab Thought: Cultural Critique in Contemporary Perspective. New York: Columbia University Press, 2010. Koddenbrock, Kai Jonas. "Strategies of Critique in International Relations: From Foucault and Latour Towards Marx." European Journal of International Relations. vol. 21, no. 2 (2015). Korany, Bahgat, Paul Noble & Rex Brennan. The Many Faces of National Security in the Arab World. London: Palgrave MacMillan, 1993.

Kramer, Martin. Ivory Towers of Sand: The Failure of Middle Eastern Studies in America. Washington: The Washington Institute for Near East Policy, 2001. Kristensen, Peter Marcus. "Southern Sensibilities: Advancing the Third Wave Sociology of International Relations in the Case of Brazil." Journal of International Relations and Development (June 2017). ________. "States of Emergence, States of Knowledge: A Comparative Sociology of International Relations in China and India." European Journal of International Relations. vol. 25, no. 3 (2019). Laroui, Abdallah. L'idéologie arabe contemporaine. Paris: Maspero, 1967. ________. La crise des intellectuels arabes: Traditionalisme ou historicisme. Paris: Maspero, 1974. Lawson, George. "The Eternal Divide? History and International Relations." European Journal of International Relations. vol. 18, no. 2 (2012). Layug, Allan & John Hobson. Globalizing International Theory: The Problem with Western IR Theory and How to Overcome It. London: Routledge, 2022. Lazreg, Marnia. Foucault's Orient: The Conundrum of Cultural Difference, from Tunisia to Japan. New York: Berghahn, 2017. Lizée, Pierre P. A Whole New World: Reinventing International Studies for the Post-Western World. London: Palgrave Macmillan, 2011. MacGlinchey, Stephen et al. (eds.). International Relations Theory. Bristol: E-International Relations Publishing, 2017. Mahbubani, Kishore. Can Asians Think? 4 th ed. Singapore: Times Marshall Cavendish Editions, 2004. Maldonado-Torres, Nelson "Outline of Ten Theses on Coloniality and Decoloniality." Fondation Frantz Fanon. 23/10/2019. at: https://bit.ly/3xUh3d4 Mignolo, Walter D. "The Geopolitics of Knowledge and the Colonial Difference." The South Atlantic Quarterly. vol. 101, no. 1 (January 2002). ________. The Darker Side of Western Modernity: Global Futures, Decolonial Options. Durham: Duke University Press, 2011. ________. Local Histories/ Global Designs: Coloniality, Subaltern Knowledge and Border Thinking. 2 nd ed. Princeton: Princeton University Press, 2012. Miller, Manjari Chatterjee. "The Role of Beliefs in Identifying Rising Powers." Chinese Journal of International Politics. vol. 9, no. 2 (2016). International "Colonialism." Amber. Murrey, Encyclopedia of Human Geography. vol. 2 (2020). Nayak, Meghana & Eric Selbin. Decentering International Relations. London/ New York: Zed Books, 2010. Ndlovu-Gatsheni, Sabelo J. Coloniality of Power in Postcolonial Africa: Myth of Decolonization. Dakar: Codesria, 2013. Nelson, Cary & Lawrence Grossberg (eds.). Marxism and the Interpretation of Culture. London: Macmillan, 1988. Nirmal, Arti & Sayan Dey. Histories, Myths, and Decolonial Interventions: A Planetary Resistance. London: Routledge, 2022. Noiriel, Gérard. "Comment on récrit l'histoire: Les usages du temps dans les Écrits sur l'histoire de Fernand Braudel." Revue d'Histoire du XIXe siècle. no. 25 (2002). Onar, Nora Fisher & Kalypso Nicolaïdis. "The Decentering Agenda: Europe as a Post-Colonial Power." Cooperation and Conflict. vol. 48, no. 2 (June 2013). Qin, Yaqing. "Development of International Relations Theory in China: Progress Through Debates."

International Relations of the Asia-Pacific. vol. 11, no. 2 (2011). ________. "Why is There No Chinese International Relations Theory?" International Relations of the Asia-Pacific. vol. 7, no. 3 (May 2007). Renshon, Jonathan. Fighting for Status: Hierarchy and Conflict in World Politics. Princeton: Princeton University Press, 2017. Reus-Smit, Christian & Duncan Snidal (eds.). The Oxford Handbook of International Relations. Oxford: Oxford University Press, 2008. Sabaratnam, Meera. "Is IR Theory White? Racialised Subject-Positioning in Three Canonical Texts." Millennium: Journal of International Studies. vol. 49, no. 1 (2020). Sasley, Brent E. "Studying Middle Eastern International Relations Through IR Theory." Ortadogu Etutleri. vol. 2, no. 2 (January 2011). Shahi, Deepshikha & Gennaro Ascione. "Rethinking the Absence of Post-Western International Relations in India: 'Advaitic monism' as an Alternative Epistemological Resource." European Journal of International Relations. vol. 22, no. 2 (July 2015). Shani, Giorgio. "De-colonizing Foucault." International Political Sociology. vol. 4, no. 2 (June 2010). Shaw, Karena. "The Construction and Cumulation of Knowledge in International Relations." International Studies Review. vol. 6, no. 4 (December 2004). Shih, Chih-yu & Po-tsan Yu. Post-Western International Relations Reconsidered: The Pre-Modern Politics of Gongsun Long. New York: Palgrave Macmillan, 2015. Shilliam, Robbie (ed.). International Relations and non-Western Thought: Imperialism, Colonialism and Investigations of Global Modernity. London: Routledge, 2011. Shilliam, Robbie. Decolonising Politics: An Introduction. London: Polity Press, 2021. Smith, Linda Tuhiwai. Decolonizing Methodologies: Research and Indigenous Peoples. 2 nd ed. London: Zed Books, 2012. Stiglitz, Joseph. "The End of Neoliberalism and the Rebirth of History." Project Syndicate. 4/11/2019. at: https://bit.ly/3IXmQ8b Tickner, Arlene B. & Ole Waever. International Relations Scholarships Around the World. London/ New York: Routledge, 2009. Tickner, Arlene B. & Karen Smith (eds.). International Relations from the Global South: Worlds of Difference. London: Routledge, 2020. Tsykangoc, Andrei P. Russia and the West from Alexander to Putin: Honor in International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Turton, Helen et al. Reappraising European IR Theoretical Traditions. London: Palgrave Macmillan, 2017. Vadrot, Alice. "Knowledge, International Relations and the Structure–Agency Debate: Towards the Concept of 'Epistemic Selectivities'." Innovation: The European Journal of Social Science Research. vol. 30, no.1 (2016). Valbjørn, Morten et al. International Relations Theory and a Changing Middle East. Washington: Pomeps and Aarhus University, 2015. Waheed, Ahmed W. Constructing 'Pakistan' Through Knowledge Production in International Relations and Area Studies. London: Palgrave Macmillan, 2020. Weber, Cynthia. International Relations Theory: A Critical Introduction. London/ New York: Routledge, 2005. Wight, Martin. "Why is there no International Theory?" International Relations. vol. 2, no. 35 (April 1960).