الأصالة والتجدد في علم السياسة في المجتمعات العربية تجاه التحولات في عالم اليوم

Antoine Nasri Messarra أنطوان نصري مسرّة |

الملخّص

يقدّم أنطوان نصري مسرة (1938 -)، وهو أحد روّاد علم الدستور وعلم السياسة في لبنان والعالم العربي، خلاصات لحزمة من الأفكار الأساسية التي بناها خلال مسيرته العلمية، والتي ترّك ز على نقد تجربة العلوم السياسية عربيًا، من جهة ارتكازها على ثقافة سياسية اغترابية، تتبنى نظريات البناء القومي الأوروبية، وتقسرها على مجتمعات المشرق، من دون أن تسعى إلى توظيف الإرث العربي الإسلامي في إدارة التعددية في هذه المجتمعات. ويرى مسرة أن الإنتاج العربي في علم السياسة تحّك مت فيه مقاربتان: الأولى هي المقاربات الاغترابية التي تستمد من النماذج اليعقوبية الأوروبية، وفشلت، بسبب ذلك، في فهم الديناميات المجتمعية العربية. وتشمل هذه المقاربات دراسات الطائفية، التي تتنكر للتعدد الإثني والديني، ودراسات العلمنة التي تقاطع الإرث الدستوري الإسلامي. والثانية، هي المقاربات الأصيلة (وحّظ ها أقل)، التي يرى أنها تنطلق من الواقع، وتنهل من تراث المنطقة.

كلمات مفتاحية: علم السياسة، لبنان، القانون الدستوري، المقاربات اليعقوبية، التراث الدستوري العربي والإسلامي. Antoine Nasri Messarra (b. 1938), a pioneer of Constitutional and Political Science in Lebanon and the Arab region, outlines a selection of the fundamental political ideas he developed over the course of his academic career. Messarra focuses on his critique of Arab political science in its reliance on a diasporic political culture that adopts European theories of nation building and applies them to Middle Eastern societies, without bringing to bear Arab-Islamic heritage in dealing with pluralism in those societies. Messarra argues that Arab production in political science has been dominated by two approaches. The first are diaspora approaches that draw on European Jacobite models , which have consequently failed to understand the Arab social dynamics. These include sectarianism studies that overlook ethnoreligious diversity and secularization research that rejects the Islamic constitutional tradition. The second (smaller) group are authentic approaches, which Messarra argues are grounded in reality and draw on the region’s heritage. Keywords: Political Science, Lebanon, Constitutional Law, Jacobite Approaches, Arab-Islamic Constitutional Tradition.

Originality and Renewal in Arab Political Science in Light of the Transformations of Today's World

مقدمة

يكمن جزء كبير من مشكلات الحكم في اغتراب الثقافة السياسية في المجتمعات العربية، ولا سيما في ما يتعلق بإدراك طبيعة المجتمع والعلاقة مع الجوار، وكذلك إدراك مفهوَمَي "الدولة" و"السيادة." يمثّل هذا الاغتراب حالة نموذجية لاغتراب الثقافة السياسية بفعل انتشار مفاهيم مستوردة في البناء القومي Nation Building والحداثة وأنظمة الحكم، وبفعل الابتعاد عن التجارب الدستورية والسياسية العربية بالذات، التي قد تكون مصدرًا غنًّيًا لزيادة فاعلية الأنظمة العربية ولعلم السياسة المقارن في الإطار الدولي. إن إنتاج علم السياسة عربيًا هو، غالبًا، في طلاق مع المجتمع، وربما مع الثقافة السياسية التي يعيشها الناس في حياتهم اليومية، فبدلًا من أن تحثّ بعض الأسس، على الرغم من سنوات من الحروب والثورات والانتفاضات والخبرات، على الانطلاق من هذه الأسس والخبرات لطرح المواضيع ومقاربتها، نجد اغترابًا وخجلًاوانشطارًا، تفتقر بسببه الثقافة السياسية إلى أن تدرك بعمق طبيعة المجتمع وثغراته وحدوده ومجالاته. ومن ثم، لا ينبغي أن تُفَهَم "الشرعية" Légitimité بأنها التطابق مع النصوص القانونية، بل القبول في الإدراك الجماعي للأسس التي يقوم عليها المجتمع السياسي الذي لا يستقر من دون شرعية جامعة تتبلور في الذاكرة الجماعية، بفضل إنتاج الباحثين. لن أبحث في أجوبة علماء السياسة عن القضايا السياسية المهمة، بل سأبحث في النماذج والمفاهيم والمقاييس التي تمثّل مصادر أجوبتهم يتمحور إنتاج علم السياسة عربيًا، منذ بداية القرن العشرين، في توجّهين: المقاربات الاغترابية اليعقوبية jacobine السائدة التي تستلهم مصادرها من نماذج الدولة القومية والعصرنة والانصهار، والمقاربات الأصيلة التي لا تزال خجولة بسبب انتشار النماذج الاغترابية. يُعدّ هذان التوجّهان في علم السياسة مصدَرَي الثقافة السياسية، وهما يفسران السلوك السياسي للجماعات والقيادات والمواطنين وضعف مثاقفة الدولة بالذات في الإدراك الجماعي.

المقاربات الاغترابية

تستند المقاربات الاغترابية إلى النموذج السائد للبناء القومي، المقتبس من تجارب بعض المجتمعات الغربية. وتقوم فرضياُتُ هذا النموذج الذي تعمّمه مؤلفات وأدبيات في الوطنية، على أن الأوطان تُبنى بالحديد والنار، وأن التجانس القومي هو ما يوفّر الاستقرار. برزت الأيديولوجيا اليعقوبية التي تشكّل روَحَ هذه المقاربات، في خلال الثورة الفرنسية)، وتتضمن 1799-1789(مفهومًا متصلبًا لسيادة الشعب، ولديمقراطية الإرادة الوطنية الواحدة، ولضرورة تأمينها بتحقيق التجانس الشامل، والقضاء على أي تباين، مع تحريف لنظريات الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو 1778-1712(الوطنية الإرادة في) Jean-Jacques Rousseau والعقد الاجتماعي. تستمد الذهنية الاغترابية نماذجها في مقاربة قضايا المجتمع من مصادر مختلفة. وسأورد، هنا، أهم المقاربات الاغترابية.

1. مقاربة ما يسمى "الطائفية"

يخضع وجود الطوائف في لبنان لسجال يتجاهل طبيعة التعددية الثقافية، بالمعنى الاجتماعي، تأثرًا بأنماط البناء القومي. ويؤول السجال إلى أنه، في أقصى الحالات، "يجب أّل اتوجد طوائف" في دولة تبتغي الحداثة. وفي علم السياسة، فإن أكثر ما يُنتج فيه، مما يتبنّى المنهجية الكمية، يتجه نحو ما يسمّى "الطائفية." ومن الوجهة المنهجية، لا يعتمد هذا السجال تحديدًا لمفهوم "الطائفية"، يربطها مسبقًا بالإيمان أو بالتعصب. وقديمًا، سخر الرئيس اللبناني شارل حلو 2001-1913()، على نحو واقعي، من توجّه الكتابة السياسية إلى تصريف "الطائفية" على مختلف الموازين1. ومع ذلك، لم تتبدل المقاربة منهجيًا، وبقي ما يسمى "الطائفية" موضوعًا مبتذلًالكل من يبحث عن موضوع أطروحة أو كتاب.

2. المقاربة اللاسياسية

إن غياب العناصر الأساسية لجوهر السياسة عن البحث، يفسح المجاَل واسعًا لنوع من البحوث، تُسمّى "بحوثًا سياسية"، لكنها بعيدة الانطباق على السياسة. ويظهر فقدان البعد السياسي في عدم التمييز بين الممكن والمرغوب، ففي حين أن السياسة هي المجال الذي يجابه فيه الإنسان حدوده، يبحث بعض الاختصاصيين عن "حلول" في السياسة، ويسعى غيرهم ل "النظام الأمثل"، من دون توضيح كيفية هذه "الحلول" وتكلفتها. إن وظيفة علم السياسة هي احتواء النزاعات، لا "حلّها." وقد كان "الحل"، دائمًا في التاريخ، مرادفًا للإبادة، أو التصفية، أو القهر. ولا يمكن في أي حال بناء وطن أمثل لا ينتفي فيه النزاع. إن البحث عن "حل"، ونبذ التسوية التفاوضية Compromis، خلافًا للمساومة Compromission، هما مظهران لثقافة وتوجه

  1. ورد هذا في افتتاحية كتبها في صحيفة , 18/8/1945: Le Jour.

يعقوبَييَن، لا تنفرد بهما أي جماعة، وكذلك بالنسبة إلى "المثالية" و"المرغوب" اللذين قد يكونان، أحيانًا، السبَبَ الكامن للعنف. إنهما تعبير عن "الإرادية" Volontarisme في الفكر السياسي اللبناني والعربي عمومًا، التي ترى أن السياسة فعل إرادي مطلق، بينما السياسة جدلية، متشابكة في الأفعال والأوضاع2، ليس للفاعل فيها قدرة أحادية الجانب. تحاول الإرادية، لتحقيق "المرغوب"، كسر الواقع على رؤوس أصحابه. من هنا، يجب الخوف من هذا المرغوب، عندما ينطلق من فكر يعقوبي، كالخوف من القذائف. ولا يعني ذلك، بأي حال، العدول عن مثالية واقعية، كشجرة الأرز التي تصبو أغصانها إلى السماء، بينما جذورها راسخة في الأرض. وهكذا، يجعل فقدان الُبُعد السياسي من علم السياسة وسيلة لإذكاء النزاعات، بدلًامن احتوائها، ليتحوّل علماء السياسة (أو بعضهم) إلى وسيلة يستغلّها سياسيون شعبويون، بدلًامن أن يكونوا بُناة ثقافة بعيدة عن الاستغلال الظرفي، والتنافس السياسي. وفي الخلاصة، أجد أن المقاربات اللاسياسية هي الأشد تأثرًا بالنموذج اليعقوبي، لأنه يغلب فيها الطابع الشعوري أو الانفعالي، بدلًامن المقاربة العلمية المنهجية.

3. المقاربات القانونية الشكلية وليست الحقوقية

يغلب على الدراسات التي تتبنى هذه المقاربة الطابُعُ القانوني المؤسسي الشكلي، على نحو صريح أو ضمني، انطلاقًا من المقاربات التي تناولت الدساتير الفرنسية والبريطانية والأميركية، ولا سيما دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة، ومن النظام البرلماني البريطاني الطراز.

4. المقاربة التاريخية التنبئية والاستعادية

إنها مقاربة للتاريخ السياسي من منطلق أيديولوجي أسطوري وسلفي، وذلك بالعودة إلى وحدوية إلهية حتمية، ترفض ما تسميه "الإقليمية"، أو باللجوء إلى تحليل مطلقي، خلافًا للتراث العربي القديم الشديد التعمّق في التحليل.

5. مقاربة الوحدة والتعدد

تشكو مقاربة الوحدة من تبسيط في الطرح، يؤدي إلى وحدة تفرّق، بدلًامن أن توحّد، في حين أوجدت الأنظمة العربية في التاريخ سُبلًا ونماذج، مختلفة بحسب البلدان، لتحقيق الوحدة والتضامن، انطلاقًا من أطر تحتية، لا فوقية إرادية. إن التباينات في المجتمع المتعدد أو المنوّع، ليست تباينات في الرأي العام، بل هي تباينات ثقافية لغوية، أو عرقية، أو دينية، أو ما يدور في هذه الدائرة، لها حدود مرسومة تتسم بالاستمرارية وعدم التحرك، من دون أن تكون نزاعية حتمًا. ولا يؤول مفهوم "التعددية" الذي يرد في مؤلفات بعض المتخصصين، إلى الاعتراف بأرجحية الديمقراطية في المجتمع المنوّع3.

6. مقاربة "العلمنة"

إن طرح "العلمنة" هو نموذج لاغتراب الثقافة السياسية العربية؛ إذ هناك من يطالب بتطبيق عصرنة مستوردة، تتنافى مع الخبرات العربية، بينما يغلق آخرون، من الذين لا ينظرون إلى العلمنة إّل ا من باب غربي، كل مجال للبحث والاجتهاد للتوصل إلى مفهوم أكثر انطباقًا على الواقع العربي، وأكثر شمولية بالنسبة إلى الغرب نفسه، وإلى العديد من المجتمعات المعاصرة، وسعيًا لإرساء علمنة عربية. لا تعني العلمنُةُ فصَلَ الدين عن الدولة والفصل بين الديني والدنيوي، ولم تكن المسيحية لا تفصل ولا تميّز، على النحو الذي يقوله بعض المنظرين، والذين يذكرون قول المسيح: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، يغفلون مقدمة النص التي هي أساس الموضوع بالنسبة إلى مفهوم "العلمنة" في كل مجتمع سياسي. ورد في مقدمة النص: "إن الفرنسيين أرسلوا إليه جواسيس يراؤون إنهم صديقون لكي يأخذوه بكلمة فيسلّموه إلى سلطة الوالي، فسألوه قائلين: يا معلم أيجوز لنا أن ندفع الجزية لقيصر أم لا؟ وإذ أدرك مكرهم، قال لهم: أروني دينارًا، لمن هذه الصورة؟ وهذه الكتابة؟ قالوا: لقيصر. قال لهم: ردّوا إذن ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. فلم يستطيعوا أن يأخذوا عليه شيئًا في هذا الكلام، أمام الشعب، بل دُهشوا من جوابه ولزموا الصمت("لوقا، الفصل 20: 26-20)؛ (متى، الفصل:23 22-15)؛ (مرقس، الفصل:12 17-13.) لم يجب المسيح عن السؤال – الحيلة. وأنا أرى أن هذا النصّ يعرض مشكلَةَ استغلال الدين في السياسة religion la de Politologie. وفي مجال آخر، طرد المسيح التجار من الهيكل، مؤكدًا عدم المتاجرة بالأديان. ومن ثم، يفترض الحؤول دون الاستغلال والمتاجرة "فصل الدين عن السلطة" Power، وليس عن الدولة. للدولة وظائف "دينية"، فضلًاعن وظائفها الأخرى. وتتحدد هذه الوظائف الدينية في ثلاثة شؤون: إصدار التشريعات الضامنة للممارسات والحريات الدينية، وحماية هذه الحريات من قبل قضاء مستقل، وإجازة الممارسات في المجال العام عبر بناء أماكن عبادة

  1. Léo Hamon, Acteurs et données de l'histoire , 2 vols. (Paris: PUF, 1970-1971), pp. 360, 384.
  2. عن استحالة الإدارة الديمقراطية للتعددية الأيديولوجية الصهيونية، ينظر: موشيه السفير شامير، "يوجد حل: تقسيم لبنان"،، 1982/10/24 معاريف، نقلًاعن.

وغيرها. تهدف العلمنة إلى حماية الدين من السلطة، ومن السياسيين. وتشمل هذه المشكلة المجتمعات كلها، من دون استثناء، ما دامت السياسة سياسة والبشر يتنافسون على السلطة والنفوذ والموارد. وأيّ طرح آخر للعلمنة فيه شيء من الإلحاد أو عدم الواقعية، فكيف يمكن المؤمن، من أي دين كان، أن يفصل بين الديني والدنيوي؟ أجد أن المتخصصين بالشريعة الإسلامية مرغمون على درس المشكلة، إذا أرادوا الحفاظ على جوهر الإسلام. وبالنسبة إليّ، أرى أنّ دراسة التاريخ الإسلامي تُظهر واقعيًا أن أكثر القرارات كانت تتخذ لأسباب تتعلق بمنطق الدولة، لكنها كانت تُنسب إلى الدين لتبريرها أو استغلالها. ولا يختلف الأمر في المجتمعات الغربية. وفي تقديري، يبالغ بعض الدراسات العربية عن العلمنة في التنظير للتمييز بين الديني والدنيوي، بإغفال دافعه الأصلي، وهو تجنب الاستغلال السياسي للدين. كل مجتمع سياسي، إسلاميًا كان أم مسيحيًا أم بوذيًا، مرغٌمٌ على إيجاد سُبل تحول دون الاستغلال السلطوي للدين. وشكلت خطبة العلامة محمد حسين فضل الله 2010-1935()، في مناسبة عاشوراء، في تشرين الأول/ أكتوبر 1983 إطارًا عمليًا ومنهجيًا لمقاربة الموضوع؛ إذ قال: "إن الفصل بين الجانب الروحي والسياسي في الإسلام هو الذي يجعل الحياة السياسية تسير في طريق الضلال [.]... انظروا إلى أكثر هؤلاء السياسيين: أغلبهم لا يتديّنون بدين المسيحية. إنها ورقة يلعبون بها، والإسلام ورقة يلعبون بها. الناس بسطاء: المسيحي لا يشعر بحقد، والمسلم لا يشعر بحقد." ويحلل فضل الله ظاهرة محاربة الإسلام في المجتمع العربي، فيقول: "أصبحنا نفكر بعقلية استعمارية، ونحن يوحى لنا أنها عقلية إسلامية.[...]يعيش المسلمون قضية الخلاف المذهبي، حتى إن بعض الدول العربية الإسلامية ليس لها همّ في العالم إّل اأن تعمل مجازر إسلامية.[...]تستخدم كل المؤسسات الإسلامية التي تصرف عليها من موازنة المسلمين من أجل مواجهة المسلمين،[...]باسم الحفاظ على التوحيد وعلى الإسلام. هكذا تبذل الأموال وتبذل كل المواقف السياسية"4. وحين ننظر إلى مشاريع التقسيم المذهبي في المنطقة، ومشاريع نشر التعُّصُب والعنصرية، ندرك أن قضية الاستغلال السياسي للدين حاضرة بقوة في المشهد العربي. ومن ثم، ينبغي البحث في التاريخ العربي عن الُّسُبل التي اعتمدت لمنع هذا الاستغلال من خلال من يصفهم القرآن ب "المنافقين"، وهو ما عّب رعنه بوضوح مفتي الجمهورية اللبنانية الأسبق الشيخ حسن خالد 1989-1921()، حين قال: "إن المشكلة اللبنانية هي مشكلة إسلامية ومسيحية معًا، وليست في جوهرها تدخّل الإسلام والمسيحية في السياسة، بل هي مشكلة عكسية، تتلخص في تدخّل السياسة ورجال السياسة في شؤون الدين والتحدث باسمه"5. إن المجتمعات العربية التي تعتمد الإسلام مصدرًا للتشريع، تشكو من العمل السياسي الذي ينطلق باسم "الإسلام"، لكنه يخالفه. وأنا أرى أن الذين يتبنون هذا العمل قد يكونون هم من وصفهم القرآن ب "المنافقين"، مع أن فقهاء الإسلام لم يتعمّقوا، في دراسة تفصيلية، عن من هم "المنافقون." ولذلك، تكون الأسئلة المهمة التي ينبغي نقاشها هنا، والتي تمثل معضلة تواجهها المجتمعات العربية في واقعها السياسي، هي: كيف يمكن التمييز، في العمل السياسي، وبعيدًا عن العقائدية، بين سياسة إسلامية، وسياسة "باسم الإسلام"؟ وهل يمكن أن يتحقق الفصل في التنافس السياسي؟ وكيف يمكن حماية الدين من التسييس؟ تنطلق بعض الأبحاث السياسية عن العلمنة ونقيضها من نماذج غربية، بينما أوجدت المجتمعات العربية سبلًافي تاريخها، يقتضي الانطلاق منها لحماية الدين من التسييس، وهو ما يمكن أن يمثّل جانبًا إمبريقيًا في البحث. وأظن أن مثل هذا التوجه يمكن أن يغني الدراسات المقارنة، ويحدّ من الطابع النزاعي للجدل في العلمنة ونقيضها. وقد قدّمت إسهامًا في دراسة تطبيقية للأنماط العربية في تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، وذلك في الكتاب الذي حرّرته وصدر بعنوان الإدارة الديمقراطية للتعددية الدينية والثقافية: لبنان من منظور مقارن6.

7. مقاربة الفدرالية الجغرافية

ومما يرتبط بهذا الجانب، الاعتماد على التشريع الإسلامي، من بين مصادر أخرى، لتأسيس فدرالية شخصية، غير النمط الفدرالي السائد، ذي الطابع الجغرافي. لا ترى الثقافة الاغترابية مج لًافي إدارة التعددية إّل افي "هندسة شعوب" على أسس جغرافية، خلافًا للتراث الدستوري العربي والإسلامي. ويظهر هذا الانعكاس في الفكر السياسي اللبناني، الذي قد يسعى ل "تقسيم جغرافي لما لا ينقسم"، بحسب تعبير قنصل فرنسا في لبنان بوريه Bourée في 25 حزيران/ يونيو 1845، في أثناء البحث في نظام القائمقاميتين. ومع ذلك، أظن أنه لا يمكن الزعم أن النمط الذي استخلصته الدراسُةُ المقارنة منذ سبعينيات القرن الماضي عن الأنظمة البرلمانية التعددية

  1. النهار،.1985/1/5
  2. النهار،.1984/3/26
  3. ينظر: 6 الإدارة الديمقراطية للتعددية الدينية والثقافية: لبنان من منظور مقارن، إشراف أنطوان نصري مسرة (بيروت: كرسي اليونسكو لدراسة الأديان المقارنة والوساطة والحوار، جامعة القديس يوسف، 2018)، ولا سيما المبحث المعنون ب "علم تسييس الدين في المجتمعات العربية: معضلة رسم الحدود في حالات لبنان ومصر والأردن، مقاربة عملانية واستشراف"، ص.74-45

هو نمط مستورد، فهي اتخذت لبنان نموذجًا لبناء النظرية، عدا عن أن التاريخ العربي طوال قرون يساعد في إغناء النظرية العامة. إن الإدارة الذاتية personnelle Autonomie في بعض الشؤون، بحسب مبدأ الشخصية على نحو ما طُبّقت في التاريخ العربي والإسلامي، تحتوي على شروط الفدرالية كلها: إدارة ذاتية في بعض الشؤون لمصلحة الوحدات الفدرالية، وتمثيل خاص لهذه الوحدات، وتفويض لها في قضايا الأحوال الشخصية والتعليم. إن التاريخ الدستوري في البلدان العربية هو أفضل نموذج لتطبيق مبدأ الشخصية، حفاظًا على الهوية الثقافية. لقد طُرح في لبنان الخيار بين المبدأ الشخصيي Principe de personnalité والمبدأ المناطقي أو الإقليمي territorialité de Principe، وذلك من خلال البحث في نظام القائمقاميتين السالف الذكر، وجرى التوصل إلى أن اعتماد المبدأ الشخصيي ينسجم مع التراث الدستوري العربي والإسلامي، فهل ينبغي تخطي التراث الدستوري العربي في الإدارة الذاتية في بعض الشؤون، لأنه مجرد تقاليد يقتضي تخطّيها في سبيل الحداثة؟ لقد اعتمدت بلجيكا نموذجًا لفدرالية بحسب مبدأ الشخصية، أو لأقل: فدرالية مختلطة، مناطقية وشخصية، ولم يكن ممكنًا حل قضية بروكسل التي يسكنها ناطقون باللغتين، ولا يمكن حسم وضع بروكسل العاصمة، إّل ابالاستناد صراحة إلى مقاييس غير مقاييس الفدرالية الجغرافية. إن المأزق الذي يواجهه بعض المجتمعات، مثل إيرلندا ونيجيريا والسودان والهند وسريلانكا، يثبت أهمية بعض النظم الدستورية في البلاد العربية، ولا سيما أن بعض الحركات الناطقة باسم جماعات ثقافية في العالم اليوم، لا تطالب دائمًا بإدارة ذاتية في شكل إقليمي. ولأذكّر بأن من بين مطالب السيخ ال 45 في الهند، مثلًا، إقرار نظام خاص لهم في الأحوال الشخصية. إن التشريع الإسلامي هو أساسًا تشريع "شخصيي"7؛ إذ يطبّق على المسلمين تشريع يختلف عن التشريع المطبق على غير المسلمين. ويمكن في هذا الإطار التمييز بين ثلاثة أنواع من التشريعات في التاريخ الإسلامي: التشريع الإقليمي، والتشريع القنصلي الذي يتعلق بالنزاعات بين الأجانب، والتشريع المّل يالذي يرعى أمور الملل.

8. مقاربة التغيير السياسي

إن المقاربة الاغترابية للتغيير في المجتمع السياسي العربي، عدا عن شكليتها القانونية، تنطلق من إرادة الاستئصال؛ إذ ترى أن التغيير يتم بالاستئصال، أي باقتلاع الواقع، لأنه "مرض" اجتماعي. وأنا أرى أن النظرية الاستئصالية هي، ك "الحل" السياسي، قمة اليعقوبية، على نحو ما مارسها اليعقوبيون في خلال الثورة الفرنسية، فمنهجية المعالجة لا تنحصر في الاستئصال. وحتى في المجال الطبي الذي أ خذت منه هذه الاستعارة، لا يتوقف العلاج على الاستئصال الجراحي، فهل يقتلع الطبيُبُ عيَنَ المريض، أو رجله، أو أحد أعضائه، بسبب أي مرض؟ ومن ثم، يشمل التطبيُبُ الجسدي والاجتماعي المعالجَةَ التدرّجية أو التكيّف مع المرض، لأن الاستئصال قد يؤدي إلى الموت، أو إلى ضرر أكبر من المرض. وبقدر ما تبدو المقاربة الاستئصالية بريئة ظاهريًا، فإنها تنمّ عن نزعة توتاليتارية بالغة التكلفة في التنفيذ، والأيديولوجيا الاستئصالية لم تُعالج، ميدانيًا وتجريبيًا، ولم تُقاَرَن بسواها من أنماط العلاج.

المقاربات الأصيلة

اعتمد علماء سياسة عرب مقاربات نابعة من التراث الدستوري العربي والإسلامي، على الرغم من الثقافة اليعقوبية السائدة عن العصرنة والانصهار والدولة–الأمة والفاعلية السياسية والاستقرار السياسي، التي تعرّضت لنقد الاختصاصيين أصحاب النماذج الاغترابية. تنطلق المقاربات الأصيلة، في علم السياسة العربي من الواقع الاجتماعي، وهي، على عكس التوجه الاغترابي، تربط بين المجتمع والمؤسسات، وتستخلص بكثير، من التردد في بادئ الأمر، المفاهيم والمقاييس والنماذج والنظم. وقد شملت هذه المقاربات اختصاصيين من خارج حقل علم السياسة المتخرجين في كليات الحقوق، أي اختصاصيين في السيكولوجيا والتربية والسوسيولوجيا والتاريخ والاقتصاد والقانون، الدولي والإداري والخاص، وغير ذلك، فضلًاعن سياسيين وعاملين في حقل السياسة، كتبوا مذكرات، أو نشروا مجموعة خطب تشكل منطلقًا للتعرف الميداني إلى مشكلات التقرير والتغيير واحتواء النزاعات. ويعتمد هؤلاء الأكاديميون الاختصاصيون المنهجيَةَ التوثيقية والتاريخية والميدانية والمقارنة، بدلًامن التنظير المؤسسي الصرف. تضم المدرستان، الاغترابية (اليعقوبية) والأصيلة، باحثين من الاتجاهات كلها. والتمايز بينهما واضح، على مستوى النماذج والمنهجية والمفاهيم والمقاييس، فهما في طلاق بينهما في التنظير السياسي والدستوري. ويلجأ هذا الطلاق إلى "الاستقواء"، بحسب تعبير رئيس الوزراء اللبناني الأسبق شفيق الوزان 1999-1925()، أي

  1. Emile Tyan, Histoire de l'organisation judiciaire en pays d'Islam, 2 eme éd. (Leiden, E.J.: Brill, 1960), p. 93; Jean Bruhat, Histoire de l'Indonésie , "Que sais-je ?" (Paris: Presses Universitaires de France, 1968), p. 101; Marlène Tuininga, "L'Indonésie, carrefour des religions," Actualité religieuse , Juillet- Août 1984, pp. 31-39.

أن يستقوي كل طرف بجهة، سواء لفرض الشريعة الدينية، أم العلمنة على النمط الفرنسي على المجتمع كله، وسوى ذلك من سلوك وتنظير وللتبصر بهذا الطلاق، يقتضي تحليل المفاهيم، لا التوقف عند التعابير الظاهرية، فالدراسات عن الديمقراطية والمساواة قد تؤدي في التطبيق إلى الطغيان أو العزل، وبعض الدراسات عما يسمى "التعددية"، يتعلق بتعددية تجانسية، وبعض آخر من الدراسات يعالج إشكاليات التعددية التي هي أشد انسجامًا مع بنية المجتمعات العربية. يمكن تحديد توجهات المدرسة الأصيلة بثلاث مقاربات رئيسة:

1. المقاربة التاريخية العقلانية

تمثّل دراسة حسن صعب 1990-1922()، أحد مؤسسي الجمعية اللبنانية للعلوم السياسية وأول رئيس لهيئتها الإدارية، منطلقًا للتحديد التاريخي لما يسميه "المدرسة العقلانية في السياسة اللبنانية"، حيث قال: "تشكّل المعضلة القديمة في السياسة اللبنانية، بين العقلانية على مستوى البنى الفوقية واللاعقلانية العضوية التقليدية والفئوية، مشكلَةَ لبنان الفعلية[...]، فلم يحصل تقدم على مستوى المجتمع اللبناني كاملًا؛ إذ يتطلّب هذا التقدم عقلانية إنسانية وسياسية شاملة ولاأبرشية[...]ومفهومًا ديناميكيًا للوقائع السياسية.[...]العقلانية سلوك من يسعى إلى تحليل المواضيع من منطلق العقل والتجربة، بدلًامن الشعورية والانفعالية، وسلوك من هو مستعد للاستماع إلى الحجج النقدية والاستفادة من الاختبار"8. تُدرج في هذا السياق الأبحاث التاريخية اللاعقائدية عن الكيان السياسي اللبناني، وموقف الطوائف المسيحية والإسلامية منذ عام 1920 منه، وقراءة هذه الطوائف لتاريخها9.

2. المقاربة المقارنة

تلجأ المقاربات الأصيلة إلى المقارنة بالمجتمعات ذات البنية الاجتماعية المشابهة. ومن ذلك، أن بعض الباحثين لجأ إلى مقارنة لبنان بسويسرا أو بلجيكا، غير أن هذه المقارنات، في الغالب، دستورية محض، أو جزئية، فلم تأخذ من سويسرا مثلًاإّل االتنظيم الكانتوني.

3. مقاربة الشرعية

لم يحقق علم السياسة عربيًا شرعنة للمجتمع السياسي وتأمين نظرة جامعة إلى النظام، فالمثقفون المتأثرون بنماذج العصرنة والبناء القومي، يرفضون هذا المجتمع. لكن، حين تصف للمريض الأدويَةَ كلها، فذلك يعني إما أن هناك ارتباكًا في التشخيص، وإما أن المريض يعاني الأمراض كلها. ومن ثم، كي يكون التغيير ممكنًا، ينبغي الانطلاق من منهجية ومعايير استنتاجية. يظهر الطلاق في الثقافة السياسية، الذي تحدثُتُ عنه آنفًا، بين تلك المتأثرة بنماذج الاستعمار من جهة، وتلك الناتجة من المعطيات الاجتماعية الوضعية العربية، من جهة أخرى. يمثّل اغتراب علم السياسة مؤشرًا مهمًاعلى اغتراب الثقافة السياسية في العالم العربي، وفي المجتمعات التي تهيمن عليها ثقافة اغترابية نقلها نموذج وستمنستر وكليات الحقوق وكتب القانون الدستوري والفلسفة السياسية. لقد شهدت دول العالم الثالث، مع نهاية الاستعمار، اضطرابات ناجمة عن عدم تكيّف مؤسساتها ذات الطابع البريطاني أو الفرنسي مع بنيتها الاجتماعية. وقد كان من الصعب إخماد هذه الاضطرابات، ولا سيما أن نخبة هذه البلدان، التي كانت قد تلقّت تدريبًا في مدارس قانونية غربية، كانت عاجزة عن تصور شكل آخر من أشكال الحكم. تطرّق مفكرون عديدون، منذ الخمسينيات، إلى الاغتراب السياسي، ولا سيما جورج نقاش 1972-1904() الذي ميّز بين الذين يسيرون في التوجه التاريخي، والخارجين على التاريخ، وهو يقول إن الإنتليجنسيا اللبنانية "سعت في تنظيرها إلى احتواء وقائع لا تدخل في هذا التنظير"10. ويتجلى اغتراب بعض المثقفين في خجلهم من الأسس التي يقوم عليها المجتمع السياسي، وهو خجل يلقى استحسانًا في الخارج، ولا سيما عند أنصار شتى صيغ التقسيم أو التجزئة.

  1. Hassan Saab, "The Rationalist School in Lebanese Politics," in: Leonard Binder (ed.), Politics in Lebanon (New York: John Wiley, 1966), pp. 271-282.
  2. ينظر مثلًا: محمد المجذوب، 9 مصير لبنان في مشاريع: نظام الكانتونات، اللامركزية السياسية، تدويل الأزمة اللبنانية، البوليس الدولي، حياد لبنان وتحييده (بيروت: منشورات عويدات، 1978)؛ باسم الجسر، ميثاق 1943، لماذا كان؟ وهل سقط (بيروت: دار النهار للنشر، 1978)؛ باسم الجسر، الصراعات اللبنانية والوفاق: 1975-1920(بيروت: دار النهار للنشر، اللامركزية ومسألة تطبيقها في لبنان 1981 (بيروت: دار عويدات)؛ خالد قباني،، 1981)؛ Pierre Rondot, L es institutions politiques du Liban (Paris: Institut d'Etudes de l'Orient Contemporain, 1947); Riad Younes, Politik und proporzsystem in einer sudlibane-sischen dorfgemejnschat (Munchen, Weltforum Verlag: Arnold-
  3. Bergstraesser Institut, 1975); Clement Henry Moore, "Le système bancaire Libanais: Les substituts financiers d'un ordre politique," Maghreb-Machrek , no. 99 (Janvier 1983), pp. 30-36; Salim Nasr & Theodor Hanf, Gewerschaftliche Konkordanz in Lebanon (Frankfurt am Main: Deutsche Institut fur International Padagogische Forschung, Abteil ung Sociologie, 1983). 10  George Naccache, "Un temps à gagner ou le procès de l'intelligence Libanaise," Conférence du Cénacle , vol. 4, no. 7-8 (25 Juin 1950). هنا، ينبغي لنا ذكر دور مؤسّس الندوة اللبنانية، ميشال أسمر 1984-1914() في بناء ثقافة سياسية أصيلة، ينظر: قواعد الإعراب في السياسة اللبنانية: مقتطفات من محاضرات "الندوة اللبنانية:" 1974-1946، إعداد طوني عطا الله (بيروت: دار النهار،.)2010

وإذا كانت وظيفة علم السياسة المقارن تتخطى مقارنة النصوص، لتنجز مقارنةً بين الثقافات ودراسةً لعملية التثاقف Acculturation، ومع أنني أرى أن الاستقرار في المجتمعات العربية لن يبدأ سوى بمحو الذهنية السياسية المستوردة التي تمثّل عنصر عدم الاستقرار، فإنه ينبغي لنا القول، مع ذلك كله، إنّ أجي لًافي المجتمعات المستعمرة سابقًا نشأت على ثقافة سياسية ذات قيمة ديمقراطية نسبية. تُظهر دراسة الاغتراب السياسي أهمية الثقافة السياسية في البناء الديمقراطي، التي تمثّل شرطًا ملازمًا لمرجوحية الديمقراطية واستقرارها. ويتطلّب بناء هذه الثقافة في المجتمعات حوارًا علميًا مستمرًا بين منتجي علم السياسة، سواء الذين يعملون في مؤسسات أكاديمية، أم أولئك الذين ينشطون في إطار جمعيات علمية جامعة، ومن أمثلتها لبنانيًا الجمعية اللبنانية للعلوم السياسية والندوة اللبنانية والنادي الثقافي العربي وندوة الدراسات الإنمائية والحركة الثقافية - إنطلياس، وعربيًا الجمعية العربية للعلوم السياسية، وسواها. إن توقّف بعض هذه المؤسسات الفكرية الجامعة عن العمل، أضرّ على نحو كبير التفاعل الفكري بين منتجي علم السياسة المنتمين إلى مدارس مختلفة. وقد أفرز هذا التوقف نخبة غير النخبة القممية، غير قادرة على أن تبلور ثقافة سياسية جامعة. وعلى نحو عام، لا تتبلور القواسم المشتركة، ولا تُبنى في لجان ومؤتمرات حوار، بل في الإدراك الجماعي الذي يُخَلَق بفضل جمعيات علمية ذات طابع وطني، لا تناقض الانتماءات الأولية، بل تعلو عليها وتحقق وتنظّم التفاعل الفكري بينها. من هذا المنطلق، أرى أن من الضروري تشجيع إنشاء جمعيات علمية متخصصة لعلماء السياسة وعلماء الاقتصاد والسوسيولوجيين والسيكولوجيين وعلماء التاريخ، من ضمن سياسة عامة تشجّع الجمعيات العلمية المتخصصة. للتجار وللصناعيين ولأصحاب المصارف جمعياتهم، بينما لم يِنْب الاختصاصيون في مختلف حقول المعرفة جمعياتهم العلمية بعُدُ، على الرغم من ضرورة التفاعل العلمي في المجتمع. إن المدرسة الأصيلة في علم السياسة، عدا مبرراتها العلمية، تخدم عمليًا المنظرين والعقائديين والثوريين والمطالبين بالتغيير؛ إذ يفيد هؤلاء التعرف إلى المعطيات الوضعية والانطلاق منها لتغييرها. كان سليم اللوزي 1980-1922() يقول، إنه في "حالة عدم التطابق بين الرأس والطربوش، فالحل هو توسيع الطربوش لا تكسير الرأس." وفي الاتجاه نفسه، يقول كمال المنوفي 2014-1947(:) "إن علم السياسة في العالم العربي بحاجة إلى ثورة، تصبح معها اهتماماته عربية بدرجة يُعتدّ بها، وتصبح معها مناهجه وأدواته قادرة على تناول تلك الاهتمامات." المشكلة، إذًا، هي في تحديد تكلفة العملية اليعقوبية ومنافعها. في النتيجة، يؤدي الواقع الاغترابي وفقدان الدراسات الميدانية إلى وضع يكون فيه خوري الضيعة وبيك الهرمل (منطقة في البقاع اللبناني) ومختارها أقرَبَ إلى واقع المجتمع السياسي وأشد التصاقًا بالتاريخ من قانونيين (ولا أقول حقوقيين) ومثقفين من دون خبرة. أرى أن دور علم السياسة في المجتمعات العربية عامة، وكذلك دور كليات الحقوق والعلوم السياسية وعلم التاريخ السياسي، يتمثل في إيجاد إطار منهجي لفهم المجتمعات العربية، بعيدًا عن أنماط مستوردة لا تنطبق على هذه المجتمعات، ويكون هدف علم السياسة، بهذا المعنى، التمكين من فهم المشكلات السياسية في المجتمع واكتساب الوسائل المنهجية لتحليل هذه المشكلات. في المؤتمر الأول الذي نظمته الجمعية اللبنانية للعلوم السياسية في شباط/ فبراير 1959، ذكر حسن صعب أن "الفترات الانتقالية في التاريخ الإنساني هي أغنى عهوده بالأفكار السياسية وبنوابغ الفكر السياسي.[...]ونحن الآن نعيش فترة تاريخية انتقالية جديدة. أما نحن، فإننا لم نبدأ بعد في العصر الحديث بأن نعالج معالجة موضوعية منهجية حقائق تجاربنا، لا تجارب الآخرين للسياسة. ولذلك، فعلم السياسة لم يتكوّن في ثقافتنا أو في مجتمعنا بعد.[...]لا بد أن ينطلق العامل لتكوين علم السياسة من أعمق تفهم ممكن لهذه الأصول. يكون كل هذا جزءًا من عملية فهمنا لذاتنا، وهي مدعوة لخلق علم جديد حسب تحديد السياسة في لسان العرب، وهي القيام بالشيء مما يصلحه." والمعنى نفسه قصده بطرس ديب 1984-1936()، في نصه الطويل الذي أقتبسه: "أي مدرسة يمكن أن تكون أوفى هنا من المجتمع اللبناني ذاته لتلقين السياسة؟[...]ما أشدنا حاجة إلى تدريس أصول السياسة بطريقة علمية.[...]تاريخ الشرق خضم شاسع الأطراف، وقد ملأته آلاف السنين بالعبر المفيدة، فلنأخذه كما جاء في واقعه ولنشر طياته مبعدين كل المركبات، والعياذ بالله من سلطانها، وأنها لمن أهم عوامل التشويه عندنا[...]، فلنحرّر النشء من المركبات، ولنعوّده على مجابهة الحقائق، مع ما قد تحويه من مرارة، فقد كلفتنا الملابسات غالي الثمن، وحسبنا بذلك رادعًا.[...] إن الإعداد للسياسة يفترض مزيجًا من العلوم النظرية والتطبيقات العملية، بحيث لا تكون الآفاق محدودة، ولا يحلق الطالب فوق هذه الدنيا إلى درجة الانقطاع عنها." أخيرًا، وبعد كل ما تقدم، ما التقييم الإبستيمولوجي للمقاربات في علم السياسة العربي؟ إن الواقع نفسه هو المعيار لقدرة مختلف المقاربات في التفسير، وفي المعالجة، غير أن الثقافة اليعقوبية ترفض

هذا التقييم، فبدلًامن الإقرار بفشل بعض المقاربات، تتهم الواقع، وبدلًامن تغيير المنهجية والمقاربات، تنسب الفشل إلى المداخلات والصراعات الدولية والمؤامرات وتبدّل المعطيات، وليس إلى المنهجيات والثقافات. أليست الذهنيات والموروثات الثقافية جزءًا من مادة علم السياسة؟ الأنظمة البشرية كلها، من دون استثناء، لأنها بشرية، معرّضة للفساد. إن عنصر الثقافة السياسية يساعد في استقرار الأنظمة السياسية وصلاحها، ومن ثم، هو أشد أهمية من النصوص الوضعية، غير أن الأدبيات العربية، للأسف، لا تتعامل معه بجدية؛ ففي تقرير سنوي لمركز عربي رسمي لحقوق الإنسان، بالغ الشمولية في الرصد وتحليل واقع التشريعات وتعديلاتها، مع وصف لحالات العنف في المجتمع، لا نجد أي إشارة إلى أي عمل ثقافي تربوي في قلب المجتمع، بل مجرد اقتراحات تشريعية جديدة لمعالجة قضايا العنف، من جهة أن القانون هو أداة قمع والسبيل الوحيد للمعالجات كلها. قد يعاني الإنسان مشكلة ثقافية نفسية تربوية، وتتطلب حالته معالجة، ليس بالعقاقير، بل من خلال سياق تربوي في البنى التحتية للمجتمع. وفي دراسة بالغة التنقيب الإحصائي والتحليل، يتساءل الكاتب: "هل فشل العرب في بناء الدولة، وهل قدرهم أن يعيشوا في دولة فاشلة؟ سؤال طرحته بفجاجة انتفاضات 'الربيع العربي' ومآلاتها منذ نهاية 2010، خصوصًا فشلها في إعادة صوغ الدولة العربية الناجحة، وفي المقابل نرى نجاح الدولة العميقة (العسكر والأمن) في استعادة السلطة مجددًا في بعض الدول، أو سيادة الفوضى الميليشياوية في أخرى، بعد فشل/ تفشيل بناء سلطة ديمقراطية"11. ومع أن الدراسة تتضمن وصفًا للانتفاضات والتشريعات والإخفاقات، فإنها لا تتضمن أي ملاحظة ذات بعد ثقافي أو تربوي. وأنا أرى أن ذلك يعّب رعن عمق ذهنية سلطوية وتجذّرها، حتى لدى مطالبين بالديمقراطية والحريات والمواطنية. لقد رافقت مراحل إعادة البناء التي تعقب الثورات في العالم، برامج ثقافية تربوية ومراجعات جذرية في التراث الفلسفي والأدبي الذي كان مطموسًا ومهمشًا في مراحل القمع. إن كتابات إيتيان دو لا بويسي Boétie la de Etienne 1563-1530()، على سبيل المثال في القرن السادس عشر عن العبودية الطوعية، لم تكن معروفة إّل الدى بعض النخب، وكذلك كتابات الفلاسفة في عصر التنوير، مونتسكيو 1755-1689()، وفولتير 1778-1694()، وديدرو 1784-1713()، وروسو 1778-1712()، وسواهم، لم تكن معروفة إّل الدى بعض النخب. وفي التجربة السوفياتية، روجعت بعد الثورة البلشفية حتى كتب الحساب الملقنة في المدارس، لأنها كانت تشتمل على حالات حسابية رأسمالية في الربح والخسارة والفائدة.

أيّ توجهات في علم السياسة لبنانيًا وعربيًا ومقارنة للمستقبل؟

إن المجتمعات العربية التي أدارت تعددية نسيجها الاجتماعي طوال قرون، ومنذ "ميثاق المدينة"، لهي مهددة بعدوى الترادف بين مساحة جغرافية محدّدة وهوية دينية identitaire Espace، على نمط الأيديولوجيا الصهيونية التي تعاني أكبر مأزق في تاريخها داخل إسرائيل تجاه تنظيمات أصولية داخلية، وتجاه المكوّن العربي داخل إسرائيل، وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين. لا يعني ذلك، بالضرورة، العودة إلى تنظيمات من الماضي، بل اعتماد منهجيات أكثر أصالة (ولا نقول أصولية)، وعدم إدراج التراث الدستوري العربي في خانة الرجعية، مع الاّطلّاع على الأبحاث الدستورية العالمية والمقارنة، ولا سيما تلك التي أ نجزت في سبعينيات القرن الماضي. يمكن تحديد التوجهات المستقبلية لعلم سياسة عربي أصيل ومجدد في ستة توجهات: استعادة التلازم بين السياسة والحقوق: إن الفصل المطلق بين الحقوق وعلم السياسة، منذ منتصف القرن الماضي، في بعض المؤسسات الجامعية عربيًا وعالميًا، أدى إلى نتائج كارثية في عالم اليوم، فكيف التوفيق في علم السياسة بين طبيعة السياسة، التي هي صراع على السلطة والنفوذ والموارد، والسياسة التي هي أيضًا إدارة للشأن العام؟ من الضروري تحليل واقع التنافس وطبيعة الصراع واعتماد التفاوض في سبيل ضبط الصراع، لكن، من دون اختزال السياسة بعلاقات سلطة ونفوذ. نشاهد في برامج تلفزيونية مسماة "حوارية" سجالات في السياسة، وكأن السياسة خلاف بين جيران، وفي مؤتمرات عالمية راقية، تعقدها الجمعية العالمية لعلم السياسة ترد الحوكمة Gouvernance وكأنها مشكلة إدارة Management في شركة. الحوكمة في علم السياسة هي إدارة للشأن العام، ومن ثم، خاضعة للدستور، أي لمفهوم الدولة التي تتمتع بكامل وظائفها المسماة ملكية (ملك، Regis Rex,) وخاضعة لمعايير دستورية وبوصلة حقوقية. هل أذكّر بأن كتاب روسو العقد الاجتماعي يحمل العنوان الآتي: العقد الاجتماعي، أو مبدأ الحق السياسي الصادر عام 1762، ما يضبط السياسة في كل ما يتعلق بالشأن العام Publica Res هو القانون. السياسة خارج المعايير الدستورية هي توازن قوى وفساد وشعبوية ومخادعة. هذا ما نعيشه غالبًا في عالم اضطربت، وغابت فيه المعايير. التراث الديمقراطي والدستوري العربي والإسلامي: هذا التراث غائب على نحو شبه شامل في التعليم الجامعي في الجامعات

  1. أنيس محسن، "قراءة في الدولة العربية الفاشلة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 130 (ربيع 2022)، ص.134-116

العربية، أو أنه يُختزل بمقاربات أصولية (ولا نقول أصيلة)، أو يُنعت ب "الرجعية"، بسبب جهل الأبحاث الحقوقية والدستورية العالمية والمقارنة، ولا سيما منذ سبعينيات القرن الماضي. إن المؤلفين والجامعيين في القانون الدستوري، يحصرون دراسة مبدأ الفصل بين السلطات والمبادئ الديمقراطية الأخرى، بذكر مؤلفين أجانب من الغرب، وكأنه لا أثر إطلاقًا لمبادئ ديمقراطية في التراث الدستوري العربي، في ميثاق المدينة ومؤلفات ابن رشد والفارابي وابن خلدون. ومن أجل هذا، لا نستغرب من بعض الإدراك السائد لدى جماهير عربية بأن مبادئ الديمقراطية الواردة في شرعة حقوق الإنسان وغيرها مستوردة. تتمثل أبرز القضايا في التراث الدستوري العربي في: نظرية التعددية الحقوقية juridique Pluralisme، والإدارة الذاتية الحصرية personnelle Autonomie، أو الفدرالية الشخصية Fédéralisme personnel ضمانًا لإدارة ديمقراطية للتعددية الثقافية (ولا نقول الحضارية) بالمعنى الاجتماعي، أي الدينية واللغوية والعرقية12. قراءة التراث الفلسفي والأدبي العربي لاستخلاص القيم الإنسانية: إن غالبية ما نشكو منه على مستوى الأنظمة السياسية، ولا سيما ما يتعلق بالسلطة والإدارة والشأن العام، له جذور في البنى الذهنية العربية. تصادفنا إشكاليات القيم الديمقراطية في حياتنا اليومية، وتعني المجتمع بكامله: الآباء والأمهات والمعلمون والأساتذة والمسؤولون والأطفال والشباب والتلامذة والطلاب، وكذلك المؤسسات السياسية والإدارات العامة والجمعيات الأهلية. وفي ما يخص الأدب العربي، أرى أن الاستمرار في تعليم أغراض، من قبيل المدح والهجاء، بدلًامن استنباط قيم التحرر والقيم الإنسانية في هذا الأدب، لا يساهم في مساعي التحوّل الديمقراطي في المجتمعات العربية13. غالبًا ما يرد في توصيات المؤتمرات ذات الصلة، ضرورة تنمية الثقافة المواطنية. لكن، يتحوّل مفهوم "المواطنية"، هنا إلى شعار جديد، من دون عناية حقيقية بتحديد مكوّناته وضروراته في البنى العربية بالذات14. دعم شرعية الدولة: إن أنثروبولوجيا نشوء الدولة غائب في التأريخ العربي، وفي العلوم السياسية، في إطار الخلط بين ثلاثة أمور:. أ الدولة، التي لا توصف إلّ بذاتها في وظائفها المسمّ ة ملكية (ملك، Regis Rex,)، وهي أربع: احتكار القوة المنظمة، واحتكار العلاقات الدبلوماسية، وفرض الضرائب وجبايتها، وإدارة السياسات العامة..ب النظام السياسي، الذي قد يكون ديمقراطيًا أو سلطويًا أو ريعيًا أو فاعلً، أو فاشلً.. ج الأمة، التي هي الجماعة التي يتشارك أعضاؤها، بحسب تحديد أرنست رينان Renan Ernest 1892-1823()، تراثًا مشتركًا، ومعاناة، وإنجازات مشتركة ومصيرًا15. يتوافر حكام في المجتمعات العربية ضامنون للاستقرار والتنمية. لكن، هل تتمتع الشعوب العربية بمناعة ثقافية راسخة Immunité (بالمعنى الطبي) بإزاء الدولة وشرعيتها وشرعية أنظمتها الجمهورية أو الملكية، في حال حصول تحولّات ضخمة دولية أو سياسية أو طبيعية؟ الدين، الدولة، السياسة: إن العلاقة المعيارية المنتظمة بين الدين والدولة والسياسة والمواطنين هي في أساس الحياة الديمقراطية. بناء عليه، ثمة حاجة إلى رصد ما أنتجه الفقه والفكر الدستوري العربي من توجّهات في انتظام العلاقة عربيًا، ذات منهجية إيمانية وعلمية وسياسية، ولا تخالف المعايير العالمية الديمقراطية في الوقت نفسه، وخارج الاتجاه السائد في الخطاب المتداول لتنظيم العلاقة. جمعيات العلوم السياسية العربية ومنظمات المجتمع المدني: كان للجمعية العربية للعلوم السياسية ومؤتمراتها ومجلتها الدورية، وكذلك للجمعية اللبنانية للعلوم السياسية، ولجمعيات عربية أخرى، أبرزها مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية في القاهرة وغيرها، دورٌ بارز في إغناء علم السياسة العربي ومتابعة المستجدات والعمل في سبيل التغيير. ومن هنا، ثمة حاجة جدية إلى استعادة أعمال مثل هذه الجمعيات الريادية في سبيل النهوض.

  1. Hugues Moutouh, "Pluralisme juridique," in: Denis Alland & Stéphane Rials (dir.), Dictionnaire de la culture juridique (Paris : PUF, 2003), pp. 1158-1162.
  2. ينظر: فكتور الكك، "قراءة أخرى للحضارة العربية: الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان ونصوص مختارة"، في: مرصد الديمقراطية في لبنان، إشراف أنطوان مسرة (بيروت: مؤسسة جوزف ولور مغيزل، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي؛ المكتبة الشرقية، 2020)، ص.702-677
  3. أنطوان مسرّة، "مؤشرات الديمقراطية"؛ "مؤشرات العيش المشترك"، في: المرجع نفسه، ص.78-49
  4. عن الدولة وشرعيتها ومثاقفة الدولة، ينظر: أنطوان مسرّة، 15 الدولة والعيش معًا في لبنان: ثقافة وذاكرة وتربية (بيروت: كرسي اليونسكو لدراسة الأديان المقارنة والوساطة والحوار، جامعة القديس يوسف؛ جمعية تصالح، بدعم من مؤسسة غزال للتربية والبحث)؛ الإدارة الديمقراطية للتعددية الدينية والثقافية العلمي والسلم في لبنان، 2023.

المراجع

العربية

الإدارة الديمقراطية للتعددية الدينية والثقافية: لبنان من منظور مقارن. إشراف أنطوان نصري مسرة. بيروت: كرسي اليونسكو لدراسة الأديان المقارنة والوساطة والحوار، جامعة القديس يوسف،.2018 الجسر، باسم. ميثاق 1943، لماذا كان؟ وهل سقط. بيروت: دار النهار للنشر،.1978 ________. الصراعات اللبنانية والوفاق 1975-1920:. بيروت: دار النهار للنشر،.1981 قباني، خالد. اللامركزية ومسألة تطبيقها في لبنان. بيروت: دار عويدات،.1981 قواعد الإعراب في السياسة اللبنانية: مقتطفات من محاضرات "الندوة اللبنانية:" 1974-1946. إعداد طوني عطا الله. بيروت: دار النهار،.2010 المجذوب، محمد. مصير لبنان في مشاريع: نظام الكانتونات، اللامركزية السياسية، تدويل الأزمة اللبنانية، البوليس الدولي، حياد لبنان وتحييده. بيروت: منشورات عويدات،.1978 محسن، أنيس. "قراءة في الدولة العربية الفاشلة." مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 130 (ربيع.)2022 مرصد الديمقراطية في لبنان. إشراف أنطوان نصري مسرة. بيروت: مؤسسة جوزف ولور مغيزل، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي؛ المكتبة الشرقية،.2020 مسرة، أنطوان نصري. الدولة والعيش معًا في لبنان: ثقافة وذاكرة وتربية. بيروت: كرسي اليونسكو لدراسة الأديان المقارنة والوساطة والحوار، جامعة القديس يوسف؛ جمعية تصالح، بدعم من مؤسسة غزال للتربية والبحث العلمي والسلم في لبنان،.2023

الأجنبية

Alland, Denis & Stéphane Rials (dir.). Dictionnaire de la culture juridique. Paris : PUF, 2003. Binder, Leonard (ed.). Politics in Lebanon. New York: John Wiley, 1966. Bruhat, Jean. Histoire de l'Indonésie. "Que sais-je?". Paris: Presses Universitaires de France, 1968. Hamon, Léo. Acteurs et données de l'histoire. Paris: PUF,

Moore, Clement Henry. "Le système bancaire Libanais: Les substituts financiers d'un ordre politique." Maghreb-Machrek. no. 99 (Janvier 1983). Naccache, George. "Un temps à gagner ou le procès de l'intelligence Libanaise." Conférence du Cénacle. vol. 4, no. 7-8 (25 Juin 1950). Nasr, Salim & Theodor Hanf. Gewerschaftliche Konkordanz in Lebanon. Frankfurt am Main: Deutsche Institut fur International Padagogische Forschung, Abteil ung Sociologie, 1983. Rondot, Pierre. Les institutions politiques du Liban. Paris: Institut d'Etudes de l'Orient Contemporain, 1947. Tuininga, Marlène. "L'Indonésie, carrefour des religions." Actualité religieuse. Juillet-Août 1984. Tyan, Emile. Histoire de l'organisation judiciaire en pays d'Islam. 2 eme éd. Leiden: E.J. Brill, 1960. Younes, Riad. Politik und proporzsystem in einer sudlibane- sischen dorfgemejnschat. Munchen, Weltforum Verlag: Arnold-Bergstraesser Institut, 1975.