دور محكمة العدل الدولية في تطور القانون الدولي للمياه

Joni Aasi جوني عاصي |

الملخّص

يلجأ عدد متزايد من الدول إلى محكمة العدل الدولية لحل نزاعاته المائية. وهذا تطور إيجابي، لأنه يسمح للمحكمة بوضع معايير استخدام الممرات المائية وتحسينها والمساعدة في حل النزاعات المائية. وتعكس قرارات المحكمة التوتر بين السيادة والقانون الدولي. وتعطي بعض القرارات الأولوية للسيادة والمعاهدات، في حين يعطي البعض الآخر المبادئ الأخلاقية والنظريات الاجتماعية وزن ا أكبر. ومع ذلك، اختارت المحكمة عدم تناول المياه باعتبارها حق ا من حقوق الإنسان. تركز هذه الدراسة على دور محكمة العدل الدولية في تطور القانون الدولي للمياه، وترى أنه من الضروري أن نفهم أن المحكمة لا تزال تقدّر السيادة في تفسيرها للقوانين، وهو ما يحدّ في كثير من الأحيان من حماية حقوق الجماعات غير التابعة للدولة. كلمات مفتاحية: الموارد المائية، محكمة العدل الدولية، القانون الدولي للمياه، النزاعات المائية.

The Role of the International Court of Justice in the Evolution of International Water Law

مقدمة

يرتبط دور محكمة العدل الدولية بما يسمى مبدأ "حكم القانون" Law of Rule، لهذا دعا الأمين العام للأمم المتحدة الدول، في تقريره ، في 16 آذار/ مارس 2012، لحل النزاعات في ما بينها من خلال التوجه إلى المحكمة؛ إذ اعتبر أن ذلك يمثل عنصرًا أساسيًا في حكم القانون في إطار العلاقات الدولية، وطالب الدول بأن تُصدر تصريحاٍتٍ اختياريةً تقبل من خلالها بالاختصاص الإلزامي للمحكمة، وفقًا لنص المادة 36 الفقرة 2 من نظامها 1. كما هو معروف، يتطلّب مبدأ حكم القانون وجود قانون فوقي وسيادي، إضافة إلى محاكم والتزام بقرارات هذه المحاكم. على الصعيد الدولي، القانون هو أفقي، لا توجد سلطة سيادية تشرف على تنفيذ الالتزامات، لهذا، قد يُعتبر هذا القانون، في الأساس، قانونًا عرفيًا (بدائيًا) أو قانونًا لينًا 2. بالطبع وفق ميثاق الأمم المتحدة، من مهمات مجلس الأمن الإشراف على تنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية، لكن في الواقع، قد لا يستطيع فعل ذلك بسبب إمكانية اعتراض إحدى الدول الخمس دائمة العضوية. وعلى الرغم من ذلك، فإن مصطلح حكم القانون يبقى ذا أهمية وصلة، بمعنى أن القانون هو فوق الدول، وأن الدول كلها متساوية أمام القانون. ليس بالضرورة كما يعتقد أنصار المدرسة الوضعية أن تكون هناك قوة تنفّذ القانون على نحو خارجي؛ إذ في الإمكان استيعاب القانون داخليًا من خلال موقف متعمق ونقدي  3. هذا ما يمكن أن نراه في مواقف دول مثل تشيلي وبوليفيا اللتين توجّهتا إلى المحكمة من أجل إيجاد حل للحوض المائي الأشد خطورةً في أميركا اللاتينية، والأشد هشاشةً وحساسيةً من ناحية هيدرو-سياسية في العالم وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة  4. يعود أول القرارات القضائية في مجال الموارد المائية إلى المحكمة الدائمة للعدل الدولي (التي توارثتها 5 محكمة العدل الدولية)، قرار Oder River في عام 1929 6 وقرار River Meuse في عام 1937 7. لكن في تسعينيات القرن الماضي، سنشهد توجهًا متزايدًا من الدول إلى محكمة العدل الدولية لحل نزاعاتها المتعلقة بالموارد المائية؛ إذ انعكس ذلك في مجموعة من القرارات، منها قرارات تخص إدارة مجاري المياه واستخدامها وحمايتها، مثل قرار حول مشروع Gabcikovo-Nagymaros في عام 1997 (هنغاريا ضد سلوفاكيا)، وقرار Mills Pulp في عام 2010 (الأرجنتين ضد الأوروغواي)، وقرار يخص River Canal/ Silala في عام 2022 (تشيلي ضد بوليفيا)، ومنها قرارات تتعلق برسم الحدود بين الدول عندما تشكل المجاري المائية حدودًا طبيعية، مثل القرار الخاص بنهر تشوبي Chobe river في عام 1999 (بوتسوانا ضد ناميبيا)، والقرار الخاص بنهر النيجر في عام 2005 (بنين ضد النيجر)، وقرار River Juan San في عام 2013 (كوستاريكا ضد نيكارغوا.) لا بد من أن يثير هذا التوجه المتزايد إلى المحكمة تساؤلات حول دورها وفاعليتها في حل النزاعات، وما يهمنا هنا هو إسهاماتها المعيارية، أي دورها في تطور القانون الدولي، وبالتحديد القواعد الخاصة بالمياه. لا شك في أن انخراط المحكمة في حل النزاعات الدولية يمنحها الفرصة بتوضيح القواعد القانونية وتطويرها. منذ التسعينيات أيضًا نجد اهتمامًا ملحوظًا في نظرية العلاقات الدولية بالجانب المعياري  8، فالمحكمة تؤدي فيه دورًا بارزًا.

  1. 1  ينظر: UN, General Assembly, Delivering Justice: Programme of Action to Strengthen the Rule of Law at the National and International Levels, Report of the Secretary-General , A/66/749, 16/3/2012, para. 15-16.
  2. Robert E. Goodin, "Toward an International Rule of Law: Distinguishing International Law-Breakers from Would-be Law Makers," The Journal of Ethics , vol. 9, no. 1-2 (2005), p. 239.
  3. Ibid., pp. 243-246.
  4. B. M. Mulligan & G. E. Eckstein, "The Silala/ Siloli Watershed: Dispute Over the Most Vulnerable Basin in South America," Water Resources Development , vol. 27, no. 3 (September 2011), pp. 595-606.
  5. 5  هناك من يرى أنه لا يوجد توارث، بل استمرارية إذا أخذنا في الحسبان أن محكمة العدل الدولية تتشارك مع المحكمة الدائمة للعدل الدولي ذات النظام وذات الاختصاص، في معنى فتاوى وقرارات حكم، ولا يوجد تمييز بين قرارات المحكمة الدائمة والمحكمة الحالية. ينظر: Bingbin LU, "Reform of the International Court of Justice - A Jurisdictional Perspective," Perspectives , vol. 5, no. 2 (30 June 2004), pp. 1-9.
  6. Case Relating to the Territorial Jurisdiction of the International Commission of the River Oder," International Water Law Project , Series A, no. 23-Series C No 17-11, Judgment of September 10 th (1929).
  7. Case Relating to the Diversion of the Water From the Meuse," Permanent Court of International Justice, Ser. A/B, no. 70, Judgment of June 28 th , 1937.
  8. 8  إضافة إلى المدرسة الواقعية البريطانية التي تعرّف النظام من خلال وجود حد أدنى من المعايير والقيم التي تسمح للأشخاص داخل هذا النظام بالتنبؤ بسلوك بعضهم بعضًا (هيدلي بيل)، ومدرسة "البنية التاريخية" التي تعتبر أن المؤسسات والأفكار هي جزء من هذه البنية، وليست العلاقات الاقتصادية فحسب (تيموتي سانكلير وروبرت كوكس)، توجد عودة إلى العقل العملي وإلى أرسطو، حيث لا يجري تعريف السياسة من خلال العقلانية والمصالح الذاتية الضيقة، بل من خلال الموقف الحكيم الذي يأخذ في الحسبان المواقف المضادة (ري روسلوفسكي وفريدريك كراتشويل.) ينظر: Hedley Bull, The Anarchical Society: A Study of Order in World Politics (New York: Columbia University Press, 1977); Timothy Sinclair & Robert Cox, Approaches to World Order (Cambridge: Cambridge University Press, 1996); Rey Roslowski & Friedrich Kratchowil, "Understanding Change in International Politics: The Soviet Empire's Demise and the International System," International Organization , vol. 48, no. 2 (Spring 1994), pp. 215-247.

يقود الحديث عن الإسهام المعياري للمحكمة الدولية إلى الحديث عن "التشريع القضائي" making law- Judicial 9، وعن القدرة التقديرية والإبداعية للقاضي التي تجد تعبيرًا واضحًا لها في الموقف الواقعي للقانون، الذي يعرّف حتى القانون من خلال التفسير القضائي، فالنصوص القانونية لا تملك دلالات ومعانَيَ قبل تدخل القاضي. من أنصار التيار الواقعي نجد المفكر القانوني الفرنسي مايكل تروبر الذي يؤكد أنه "لا يوجد معنى موضوعي، لا في نيّات المشرّع، ولا بصورة مستقلة عنها، المعنى الوحيد هو الذي يستنبطه القاضي، ويمكن القول إنه، وقبل تفسيرها على يد القاضي، لا تملك النصوص أي معنى وهي تنتظر معنى" 10. هذا ما يدعمه أيضًا المفكر الإيطالي ريكاردو غواستيني الذي يؤكد أن تفسير القاضي يتضمن قرارًا، ولا يشير إلى معرفة النصوص أو رغبة المشرّع فحسب 11. ويتطلّب التشريع القضائي، بخلاف التشريع البرلماني العادي، وجود نص ينطلق منه. مثلًافي قرارات محكمة العدل الدولية في قضية هنغاريا ضد سلوفاكيا في عام 1997، انطلقت المحكمة من معاهدة ثنائية بين البلدين 1977()، وفي قضية الأرجنتين أوروغواي انطلقت من معاهدة عام 1975. في موضوع التشريع القضائي، تعتبر قرارات القاضي بمنزلة مصدر آخر من مصادر القانون، كما هي الحال في القانون المشترك Law Common. في الإمكان أن نتوقف عند اتجاهين في التشريع القضائي، اتجاه حِذِر، وآخر نِشِط ونقدي. قد تختار المحكمة اتجاهًا حذرًا من خلال التركيز على الاتفاقية، وعلى السيادة، لكنها تستطيع، وكما تشير المواد 33-31 في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969()، أن تتجاوز المعايير المعاهداتية لتهتم أيضًا بالمعايير الُعُرفية وبالمبادئ العامة للقانون. إن تجاوز المعاهدة إلى الُعُرف والمبادئ العامة، قد يعطي المحكمة إمكانية الإبداع والتجديد  12. يشدّد الموقف الحذر على فاعلية القرار، فباسمها يطالب توم غينسبيرغ (جامعة شيكاغو) القضاة، وليس الدول، بالتقيّد الذاتي، معتبرًا أن تقديرًا فع لًامن القاضي هو تقدير محدود ومقيّد  13. في مقابل ذلك، وباسم عدالة موضوعية أو عدالة اجتماعية، نجد مواقف نشطة من داخل المحكمة عّب رعنها قضاة، مثل القاضي محمد بجاوي، والقاضي إدواردو خيمينيز دي أريشاغا Eduardo Jimenez de Aréchaga تفيد بأن قرارات المحكمة تستند إلى المعايير الأخلاقية، إضافة إلى المعايير القانونية، وتستند أيضًا إلى المعايير الُعُرفية القائمة، أو تلك التي هي في طور التشكل (قرارات الجمعية العامة التي تعتبر القانون اللين) 14. قد يأخذ الموقف النشط منحى دستوريًا أو أيديولوجيًا. يبرز المنحى الدستوري مع التيار الليبرالي الذي يمثّله المفكر القانوني الأميركي رونالد دوركين  15 الذي يعتبر أن القاضي قد يعتمد في قراراته على القواعد والمبادئ والسياسات، حيث إن المبادئ الأخلاقية أو الحقوق الأساسية هي المرجعية العليا. أما المنحى الأيديولوجي، فهو منحى نقدي، وُيُعدّ بصورة ما امتدادًا للتيار الواقعي للقانون، تجسّده حركة الدراسات النقدية التي من رموزها كينيدي دنكان  16؛ إذ ترى أن قرارات القاضي واعتماده المبادئ والقواعد، تقرّرها النظريات الاجتماعية والسياسية أو الأيديولوجية للقاضي. لا فرق وفق الموقف النقدي بين التشريع العادي والتشريع القضائي من ناحية أن القرارات هي سياسية وأيديولوجية. سأترك جانبًا الاختلاف بين التيارات الفكرية، لأركّز هنا على إقرارها بالتشريع القضائي فحسب، الذي يبرز بقوة عندما يجري التركيز على مصادر معيّنة للقانون الدولي، خصوصًا على المبادئ العامة من منطلق أنها أهم وسيلة لتحديد، ليس القواعد الُعُرفية فحسب، بل طبيعة النظام الدولي عمومًا. فلا يُستنبط الُعُرف من ممارسة الدول، بل من ثبات الاعتقاد، ومن مبادئ صادرة عن الوعي الإنساني. كذلك مبادئ مثل العدالة والإنصاف والإنسانية والاستدامة... إلخ، تحمل بالنسبة إلى النظام القانوني الدولي رؤيةً وتصوّرًا. لقد دفعت المحكمة في اتجاه الإقرار ببعض المبادئ العامة، مثل مبدأ الإنصاف والمعقولية، ومبدأ عدم إلحاق الضرر البيئي، إضافة إلى مبادئ في القانون الدولي البيئي، مثل الاستدامة التي تشكّل شبه "مظلّة" لمجموعة من الإجراءات، مثل الإبلاغ المسبق، وتقويم الأثر البيئي.

  1. Armin Von Bogdandy & Ingo Venzke, "Beyond Dispute: International Judicial Institutions as Law Makers in: International Judicial law-Making," German Law Journal , vol. 12, no. 5 (2011), p. 3.
  2. Michel Troper, "Une théorie réaliste de l´interprétation," Revista Opinião Jurídica , vol. 8, no. 2 (2006), p. 306.
  3. Jérémy Mercier, "Le droit constitutionnel réinterprété. À propos de: R. Guastini, Leçons de théorie constitutionnelle," La vie des idées , 14/5/2010, accessed on 28/4/2023, at: https://bit.ly/3GaqPvW; Riccardo Guastini, "Le
  4. Carlos Fernández de Casadevante y Romani, Sovereignty and
  5. Tom Ginsburg, "Bounded Discretion in International Judicial Lawmaking," Virginia Journal of International Law , vol. 45, no. 3 (2004), p. 635.
  6. Peter Kovacs, "Developments and Limits in International Jurisprudence," Denver Journal of International Law and Policy , vol. 31, no. 3 (2003), pp. 461-487. 15  Ronald Dworkin, Taking Rights Seriously (London: Bloomsbury Publishing, 2013). 16  Duncan Kennedy, A Critique of Adjudication (fin de siècle) (Cambridge/ London: Harvard University Press, 1998).
  7. réalisme juridique redéfini," Revus , no. 13 (June 2013), pp. 113-129.
  8. Interpretation of International Norms (Berlin Heidelberg: Springer-Verlag, 2007), p. 42.

في هذه الدراسة، أتناول، إذًا، التوجّه المتزايد من الدول إلى المحكمة الدولية من أجل حل النزاعات المائية الدولية، لأناقش في ما بعد مقاربَةَ هذه المحكمة في موضوع القانون الدولي، من خلال التطرق إلى الموضوعات الآتية: مبادئ الإنصاف والاستدامة، وحقوق الإنسان، وأخيرًا الحدود والسيادة.

أولًا: توجّه الدول المتزايد إلى محكمة العدل الدولية لحل نزاعاتها المائية

إن الإسهام المعياري للمحكمة مرتبط بإسهامها في حل النزاعات وبرغبة الدول في التوجه إليها، باعتبارها آلية قانونية لحل النزاعات. هذا التوجه قد يستند إلى اتفاق مؤقت بين الدولتين المتنازعتين، أو إلى مادة تسوية تمنح المحكمة صلاحية التفسير في حالة خلاف حول مواد اتفاقية معيّنة، أو إلى قبول الدولتين بالاختصاص الإلزامي للمحكمة. إضافة إلى ذلك، تستطيع أيّ دولة التوجّه إلى المحكمة على أساس ما يسمّى Prorogatum Forum، بمعنى أن تطلب الدولة من المحكمة أن تحصل هي ذاتها على موافقة الدولة الأخرى. في قضية بنين ضد النيجر، استندت المحكمة إلى اتفاق مؤقت بين الدولتين، أ في عام 2005 برم في مدينة كونوتو، في 15 حزيران/ يونيو 2001، وعّب رت فيه الدولتان عن الرغبة في رسم الحدود المشتركة التي تخص مياه نهر النيجر  17. وفي خلافات دول أميركا اللاتينية، استندت المحكمة إلى مادة تسوية، المادة 31 من اتفاقية بوغوتا (كولومبيا) الخاصة بالحل السلمي 1948()، والتي تشير إلى قبول الدول الأميركية بالاختصاص الإجباري للمحكمة. بالنسبة إلى النزاعات الدولية، فقد عُرّفت في قرار امتيازات Mavrommatis في فلسطين (اليونان ضد المملكة المتحدة) الحكم الصادر في 30 آب/ أغسطس 1924، بأنها اختلاف بين شخصين من أشخاص القانون الدولي حول مسألة قانونية أو واقعة، وهذا يعني أن الاختلاف قد يكون إما بين وجهات نظر قانونية، وإما بين مصالح. وتخص النزاعات الدولية مسائل عبر الحدود القومية، ومجاري المياه الدولية هي من هذه المسائل، كونها لا تعرف الحدود القومية، حيث تمر في أكثر من دولة. وفي ما يتعلق بتعريف "المجرى المائي الدولي"، اعتبرت المحكمة في قرار نهر سيلالا (تشيلي ضد بوليفيا) في عام 2022، أن المجرى يشمل المجرى الطبيعي أو الاصطناعي، بمعنى أن يحسّن الإنسان تدفّق مياهه، ويضم المياه السطحية والجوفية التي تصب في نقطة مشتركة  18. لا بد من التذكير بأن هناك أكثر من قرار في ما يتعلق بالخلاف بين تشيلي وبوليفيا: قرار يتعلق بالالتزام بالتفاوض على حق سيادي للوصول إلى المحيط الهادئ 2018()، وقرار يخص مكانة مياه المجرى المائي الدولي سيلالا بين تشيلي وبوليفيا، واستخدام مياهه في عام 2022. وخلال سير إجراءات المحاكمة، غّي رت بوليفيا من موقفها، أولًا تجاه حصولها على ممر سيادي إلى المحيط الهادئ؛ إذ لم تطالب المحكمة بالإقرار بحقها في ممر سيادي، بل اكتفت بمطالبتها بأن تطلب من تشيلي التفاوض معها على حقها في ممر سيادي إلى المحيط الهادئ  19. وغّيتر موقفها في موضوع تعريف نهر سيلالا باعتباره مجرى مائيًا دوليًا. بالطبع، جرى تأكيد مبدأ الحل السلمي للنزاعات الدولية في أكثر من نص دولي (أهمها ميثاق الأمم المتحدة، المادة 33)، كما جرى الإقرار بُعُرفيّته في قرار المحكمة الدولية الخاصة بالأفعال العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة في عام 1986.) يشير العديد من المراقبين إلى أنه في الفترة الأخيرة، أي منذ التسعينيات، هناك قبول عند الدول بالتوجّه إلى المحكمة الدولية في خصوص النزاعات الدولية بصورة عامة، والنزاعات المائية خاصة  20. في نظر آن بيترس (مديرة قسم القانون العام

  1. Frontier Dispute (Benin/ Niger)," Judgment, I.C.J. Reports 2005, p. 90. Para. 1, accessed on 28/4/2023, at: https://bit.ly/3RiXy8I
  2. Différend concernant le statut et l'utilisation des eaux du Silala (Chili c. Bolivie)," International Court of Justice (Décembre 2022), para. 94, accessed on 28/4/2023, at: https://bit.ly/3GkdeSU
  3. Obligation to Negotiate Access to the Pacific Ocean (Bolivia v. Chile)," International Court of Justice , Reports (2018), p. 507, Para. 88.
  4. 20  ينظر: " Allocution prononcée par S. EXC. M. Le Juge Peter Tomka, Président de la Cour Internationale de Justice, devant l'Organisation des Etats Américains: Le rôle de la Cour internationale de Justice dans les affaires internationales: Réalisations et défis intéressant les Etats membres de l'OEA et le pacte de Bogotá," Cycle des conférences des Amériques, 10/4/2014, accessed on 28/4/2023, at: https://bit.ly/3RbyVe3

المقارن والقانون الدولي في مؤسسة ماكس بلانك الألمانية)، هناك تطور مهم للتعاون في العلاقات الدولية من ناحية حل النزاعات الدولية، ومن ناحية استخدام الأدوات السياسية والقانونية، حيث ترى أننا في مرحلة متقدمة من التعاون قابلة للفهم والتحليل من منطلق مفهوم شبكة العلاقات  21. ويرى ج غي ميريلز (أستاذ القانون الدولي في جامعة شيفيلد، المملكة المتحدة)، أن التوجّه إلى المحكمة قد يشكل خطوةً تجاه حل الصراع، كما هي الحال مع قضية Gabcikovo-Nagymaros، حيث طالبت المحكمة الأطراف بالدخول في مفاوضات حول آليات التنفيذ  22. ويذكر هذا الأخير، في دراسته لتأثير قرارات المحكمة، أطروحةً مفادها أن هذه القرارات تأتي لسد ثغرات، أو عدم وضوح في نظام غير متطور قانونيًا، لكن هذه القرارات تبقى ضمن موقف حذر ومقيّد بحكم سيادة الدول. أود الإشارة إلى أن الدول الكبرى والقوية، حتى في ظل التعاون، تميل إلى اعتبارات وجودية ومصلحية، ويتجّل ىذلك في سياستها الخارجية القضائية  23، فهي ربما ترى في المحكمة ما يتعارض مع تمسّكها بالسيادة. على سبيل المثال، في مناقشة نظام المحكمة الدائمة، عارضت فرنسا وبريطانيا، وهما دولتان عظميان في حينه، الاختصاص الإلزامي للمحكمة. وعارضت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في اجتماع سان فرانسيسكو منح محكمة العدل الدولية هذا الاختصاص، الذي يُذكر في المادة 36، الفقرة 2. يذكر السفير الهندي كريم تشاغلا أن هذا الاختصاص الإلزامي هو امتداد لمقترح جرى تقديمه في الأعمال التحضيرية لنظام المحكمة الدائمة للعدل الدولي، يمنح المحكمة اختصاصًا إلزاميًا في بعض المسائل، إّل اأن المقترح لم ينجح 24. وما زال الإلزامي يخضع للاختياري، حيث إن هذا الاختصاص مرتبط بموافقة الدولة وبمبدأ التبادلية. بالنسبة إلى الولايات المتحدة وموقفها من المحكمة، يشير شون د. ميرفي الذي عمل لدى المحكمة مستشارًا للولايات المتحدة إلى أن الولايات المتحدة لم تصدّق على ميثاق عصبة الأمم، ولا على نظام المحكمة الدائمة. صُدّق على النظام في عام 1935 فحسب. ولم تشارك الولايات المتحدة في الجهد القضائي للمحكمة الدائمة الذي تضمّن 27 فتوى و 32 قرار حكم. يرى هذا المستشار أن الولايات المتحدة تتأرجح بين موقف واقعي، لا يعير المؤسسات الدولية بما فيها المؤسسات القضائية أي اهتمام، وموقف مؤسساتي يرى أن الحياة الدولية لا تنحصر في التنافس الوجودي، بل تتضمن أيضًا تعاونًا ومؤسسات. لذلك، بعد فترة من موقف تعاوني، اتّخذت الولايات المتحدة، منذ الثمانينيات، موقفًا متحفظًا بالنسبة إلى مواد التسوية في الاتفاقيات الدولية التي تمنح محكمة العدل الدولية صلاحية تفسير هذه الاتفاقيات  25. هذا التأرجح هو نوع من الفن أو الممارسة التي تشرعن ما هو غير شرعي من خلال تسخير المحافل المتعددة الأطراف لتقديم مصالحها، أو لرفض الانصياع إلى القانون الدولي. هذا ما تبرزه الممارسة الأميركية في القضية المتعلقة بالأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدّها (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة في عام 1986)، حيث رفضت الولايات المتحدة تنفيذ قرار الحكم لمحكمة العدل الدولية، منتهكةً بذلك المادة 94، الفقرة 1 من ميثاق الأمم المتحدة، ولتلتزم في ما بعد بالمادة 94، الفقرة 2 من الميثاق، حيث إنها نجحت في إفشال قرار مجلس الأمن بجبرها على التنفيذ  26. علاوة على ذلك، حاولت الولايات المتحدة التأثير حتى في عمل محكمة العدل الدولية من خلال عدم المشاركة في إجراءات المحكمة في قضية نيكاراغوا ضدّها في عام 1986، وهذا بالطبع يُضعف التناقض والجهد القضائي، إّل اأن المحكمة استمرت واهتمت على نحو خاص بالحقائق التي نالت حصة الأسد في القرار. تهمّنا نقطة أخرى في الحالة الفلسطينية، وهي العلاقة بين التوجّه إلى المحكمة والمفاوضات. فهل "استنفاد المفاوضات" شرط من أجل التوجّه إلى محكمة العدل الدولية؟ في نظر بيترس، لا يوجد شرط كهذا كونه من الصعب تحديد متى اسُتُنفدت المفاوضات  27. قد يكون التوجّه إلى المحكمة خطوةً من أجل جلب الطرف الآخر إلى المفاوضات، كما هي الحال بين بوليفيا وتشيلي في ما يخص حق الأولى في الوصول إلى المحيط الهادئ. وقد يكون التركيز على شرط المفاوضات للحفاظ على الوضع القائم. اعتبار إسرائيل أن التوجّه الفلسطيني للمؤسسات الدولية يمثل خطوةً أحادية الجانب، ويمس بالعملية السلمية ليس بجديد؛ فقد مثّل ذلك نهج إسرائيل منذ

  1. Anne Peters, "International Dispute Settlement: A Network of Cooperational Duties," European Journal of International Law , vol. 14, no. 1 (February 2003), pp. 1-34.
  2. J. G. Merrills, International Disputes Settlement , 4 th ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), pp. 157-174.
  3. Guy de Lacharrière, La Politique juridique extérieure (Paris: Economica,
  4. Mahomedali Currim Chagla (Ambassador of India), "Rule of Law and the International Court of Justice," Proceedings of the American Society of International Law at Its Annual Meeting (1921-1969) , vol. 54 (28-30/4/1960),
  5. Sean D. Murphy, "The United States and the International Court of Justice: Coping with Antinomies," The George Washington University Law School , Public Law and Legal Theory Working Paper, no. 291, 2008, accessed on 28/4/2023, at: https://bit.ly/3Gbu6uP
  6. Laurence Burgorgue-Larsen, "Les Etats-Unis d'Amérique et la justice internationale: Entre l'utilisation et l'instrumentalisation du droit international," in: Rafâa Ben Achour & Slim Laghmani (Sous la direction), Justice et juridictions internationales (Paris: Pedone, 2000), p. 3. 27  Peters, pp. 12-14.
  7. pp. 237-242.

البداية، حيث فضّ لت المفاوضات الثنائية على الجانب القانوني الدولي. تذكر ساندرين منصور (جامعة نانت الفرنسية) أن إسرائيل والدول العربية وافقت على بروتوكول لوزان في عام 1949 الذي أقر قرار تقسيم فلسطين رقم 181 في عام 1947 بأنه أساس لحدود دولة إسرائيل، وقد عمل الدبلوماسي الفرنسي كلود دي بويسانجر Boisanger de Claude على توضيح ذلك، إّل اأن إسرائيل فضّ لت حدود الهدنة التي نتجت من مفاوضات ثنائية، لأنها تكرس الوضع القائم وتمنحها سيطرةً على مناطق خارج حدود قرار التقسيم  28. ليس من المستغرب، إذًا، أن نرى أن التوجّه إلى المحكمة الدولية رفض لسيطرة مماثلة، فمنذ نشأتها اعتبرت المحكمة أنها لمصلحة القانون الدولي في التوتر بين السيادة والقانون الدولي  29. لكن هذا التوتر لا يتوقف عند الوصول إلى المحكمة، بل يمتد إلى قراراتها: فمن جهة، قد تراعي هذه القرارات مصالح الدول وسيادتها  30، ومن جهة أخرى قد تستند إلى مبادئ أخلاقية، مثل الإنصاف، أو إلى موقف سياسي وأيديولوجي يهتم بالعدالة الاجتماعية، ويعنى بعدم إقصاء مجموعات من النظام القانوني للمياه.

ثانيًا: مبادئ الإنصاف والاستدامة

ذُكر مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول في اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية في عام 1997، ومشاريع المواد المتعلقة بقانون طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود في عام 2008، واعُتبُر ذلك بمنزلة تقنين لمبدأ يملك قيمةً عرفيةً. في قرار هنغاريا ضد سلوفاكيا في عام 1997، أشارت المحكمة إلى هذا المبدأ، واعتبرت أن نظام مجرى النهر بين هاتين الدولتين يحدّد من خلال الاستخدام المنصف والمعقول، والالتزامات البيئية في طور التشكل والتنمية المستدامة. اعُتبُر وجود نظام تعاوني بين الدولتين شرطًا أساسيًا لتطبيق مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، بمعنى المادة 5، الفقرة 2، حيث يضمن حق وصول الأطراف إلى المياه المشتركة، وواجب التعاون بينها في ما يخص التنمية الاقتصادية  31. يشير الإنصاف إلى المساواة، بمعنى مساواة الأطراف المشاطئة من ناحية حق الوصول إلى المياه المشتركة. وطوّرت المحكمة الدائمة للعدل الدولي، قراراتها بشأن الموارد المائية، مفهوم "المصلحة المشتركة" Interest of Community للدول المشاطئة لمجرى مائي، وحقّها المتساوي في الوصول إلى هذا المجرى  32. وتتطلّب الشراكة القانونية للدول المشاطئة للنهر تطبيق مبدأ الإنصاف، أي أن تؤخذ في الحسبان مصالح الدول المشاطئة، وألا يوجد تمييز تجاه أي دولة من الدول. بعبارة أخرى، يرتكز مبدأ الإنصاف على وجود "المصلحة المشتركة" التي تتطلّب تقييد السيادة. في قضية Gabcikovo-Nagymaros في عام 1997، اعتبرتها المحكمة قضية مشروع استثماري مشترك، حيث رفضت موقف هنغاريا الخاص بتعليق الاتفاقية في عام 1977؛ لأن ذلك يمثّل تعليقًا لجزء من عمل متكامل، ورفضت المحكمة في الوقت نفسه الخطة البديلة C Variant، التي طوّرتها تشيكوسلوفاكيا (ومن ثم سلوفاكيا باعتبارها وريثة لها)، في ردة فعل على موقف هنغاريا. أكدت المحكمة أن "تحويل مجرى المياه على نحو أحادي الجانب يحرم الدول المشاطئة الأخرى من حقوقها في حصة منصفة ومعقولة من المورد الطبيعي" 33. قضية أخرى لا بد من ذكرها في هذا السياق، هي قضية "مطاحن لب الورق" Mills Pulp بين الأرجنتين والأوروغواي في عام 2010، التي تخص الخلاف الذي نتج من إنشاء مطاحن لب الورق على طول خط نهر الأوروغواي المشترك للدولتين على يد دولة الأوروغواي، الأمر الذي اعتبرته الأرجنتين يتعارض مع الالتزامات، التي نصّت عليها الاتفاقيات الثنائية بين البلدين، وبالتحديد الالتزامات الخاصة باستخدام نهر الأوروغواي مع الحفاظ على موارده البيولوجية ومنع تلويث مياهه. في هذه القضية، أقرّت المحكمة بأن مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول هو الحجر الأساسي  34 لنظام التعاون في حوض النهر بين الأرجنتين والأوروغواي، واعتبرت اللجنة المشتركة للأرجنتين والأوروغواي الخاصة بإدارة مياه نهر الأوروغواي "نظامًا متكاملًا ومجددًا" 35، ولّد اتحاَدَ مصالح وحقوق في إدارة مياه النهر، وفي موضوع حماية البيئة أيضًا.

  1. Sandrine Mansour, "L'ONU et les Palestiniens: De l'ambiguïté à l'impuissance," Cahiers d'histoire. Revue d'histoire critique , vol. 142 (2019), accessed on 27/4/2023, at: https://bit.ly/3SSbsjc
  2. 29  لم يرد أي ذكر في مقترحات الرئيس الأميركي وودرو ويلسون للمحكمة الدائمة للعدل الدولي، لأن الموقف الأميركي في حينه كان سياديًا ومعارضًا لفكرة المحكمة. ينظر: Andre Aversa, "As Determined by the United States of America," The
  3. Murphy.
  4. International Court of Justice, "Advisory Opinions and Orders Case Concerning, The Gabcikovo-Nagymaros Project (Hungary v. Slovakia),"
  5. Ishita Shukla & Gunjan Bahety, "Territorial Jurisdiction of International Community of River Oder (U.K v. Pol.)," P.C.I.J., ser. A, no. 23, 10/9/1929, para. 74. 33 " Advisory Opinions and Orders Case Concerning, The Gabcikovo- Nagymaros Project (Hungary v. Slovakia)," Para. 77, 78.
  6. American University Law Review , vol. 10 (1961), p. 152.
  7. Usines de pâte à papier sur le fleuve Uruguay (Argentine c. Uruguay), arrêt, C.I.J. Recueil 2010, p. 14, para. 174. 35  Ibid., para. 77.
  8. Reports of Judgments , Judgment of 25 September 1997, Paragraph 147.

وبالنسبة إلى القانون البيئي في طور التشكل، ذكرت المحكمة في قرار هنغاريا ضد سلوفاكيا موقفها في قرار سابق حول "الرأي الاستشاري الصادر عن المحكمة بشأن مشروعية استخدام دولة ما الأسلحة النووية في نزاع مسلح" في عام 1996، من ناحية أن حماية البيئة أصبحت جزءًا من القانون الدولي  36. إن "البيئة ليست مفهومًا مجردًا، بل تشير إلى "حيّز حياة وجودة حياة، وإلى صحة أساسية حتى للأجيال القادمة" 37. أما في ما يتعلق بالتنمية المستدامة فقد أشارت المحكمة إلى ضرورة التوفيق بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، من دون التعمق في عناصر أساسية للتنمية المستدامة، وهي العدالة بين الأجيال وداخلها (أي العدالة بين الأجيال الحالية والمستقبلية، والعدالة بين المجموعات داخل الأجيال الحالية من أمم وشعوب أصلانية وأقليات.) أصبح الاستخدام المنصف والمعقول يعني أيضًا الاستخدام المستدام. وبالنسبة إلى القاضي كريستوفر جي ويرامانتري Christopher G. Weeramantry في محكمة العدل الدولية، في رأيه المنفصل عن قرار الحكم في قضية هنغاريا ضد سلوفاكيا، أن التنمية المستدامة هي أكثر من مجرد مفهوم، وهي مبدأ له قيمة معيارية وأساسية في تحديد المصالح المتنافسة. في حين استخدمت المحكمة كلمة "مفهوم" (الفقرة 140)، وليس "مبدأ" للإشارة إلى التنمية المستدامة، وقد حاول القاضي ويرامانتري أن يرسخ هذا المبدأ في القانون الدولي، وفي القانون الدولي "العالمي" من ناحية التشديد على وجوده في قرارات دولية منذ عشية إعلان ستوكهولم في عام 1972، وفي ثقافات مختلفة، اهتمت بالعوامل البيئية في مشاريعها المعمارية والهندسية  38. لكن الجدل حول ما إذا كانت التنمية المستدامة ترتقي إلى مكانة مبدأ عام، وأن فحواها واضحة 39 لم يحسم حتى في قرار الأرجنتين ضد الأوروغواي  40. أكّدت المحكمة العلاقة بين مبدأ الإنصاف والمعقولية، ومبدأ التنمية المستدامة في قرار الأرجنتين ضد الأوروغواي في عام 2010، حيث رأت، كي يكون الاستخدام منصفًا ومعقولًا، يجب عليه أن يأخذ في الحسبان مصالح الأطراف الأخرى المشاطئة للمياه المشتركة، إضافة إلى حماية بيئية لهذه المياه المشتركة، ولهذا فرّسر ت المحكمة المادة 27 من اتفاقية عام 1975 بين الأرجنتين والأوروغواي الخاصة بنهر الأوروغواي، باعتبارها ترجمةً للعلاقة الوثيقة بين الاستخدام المنصف والتنمية المستدامة  41. هل يختصر مبدأ الاستخدام المنصف والتنمية المستدامة مجمل المبادئ الأخرى، مثل "المصلحة المشتركة"، أو عدم إلحاق ضرر، أو استخدامات سابقة، أو ضرورة إنجاز تقويم بيئي للمشاريع الاقتصادية، وخطوات إجرائية، مثل الإبلاغ والاستشارة والتفاوض؟ في قضية نهر الأوروغواي 2010()، أثارت المحكمة الجوانب الإجرائية والمؤسساتية لتطبيق مبدأ الإنصاف؛ إذ أشارت إلى علاقة وظائفية بين المبادئ الإجرائية، مثل الإبلاغ والاستشارة والتفاوض والمبادئ الجوهرية، من قبيل الإنصاف وعدم إلحاق الضرر، والامتناع عن تلويث مياه النهر  42. لا تقتصر المقاربة البيئية للمحكمة على جمع الإنصاف والاستدامة، بل تتطرق أيضًا إلى الضرر البيئي. في قضية الأرجنتين ضد الأوروغواي، تعتبر المحكمة أن لمبدأ الوقاية أو عدم إلحاق الضرر قيمةً عرفيةً. فقد جرى تأكيد ذلك في قرارات التحكيم، مثل قرار مصنع الفولاذ بين كندا والولايات المتحدة في عام 1941 43، وقرار بحيرة لانوكس بين فرنسا وإسبانيا في عام 1957 44. وقد علّل بعض المراقبين دعمهم بأن هذا المبدأ هو أقدم، ولذلك هو الأساسي في قانون المياه. فما علاقة مبدأ الوقاية بمبدأ الإنصاف؟ وهل هو المبدأ الملائم للتعامل مع الضرر البيئي؟ في اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية في عام 1997، وفي قرارات المحكمة الدولية، اعتبر مبدأ

  1. Advisory Opinions and Orders Case Concerning, The Gabcikovo- Nagymaros Project (Hungary v. Slovakia)," para. 53.
  2. Ibid., para. 112.
  3. The Gabcikovo-Nagymaros Project (Hungary v. Slovakia), "Separate Opinion of Vice-President Weeramantry," Regarding Universal International Law , pp. 96-110, accessed on 28/4/2023, at: https://bit.ly/3Ra5TLU
  4. Ulrich Beyerlin, Sustainable Development , Max Planck Institute for Comparative Public Law and International Law (Oxford: Oxford University Press, Max Planck Encyclopedia of Public International Law, 2010), pp. 1-7.
  5. 40  يرى القاضي كانسادو ترينداد Cançado Trindade أن الأرجنتين والأوروغواي استخدمتا كلمة مفهوم، وكلمة مبدأ في ما يخص التنمية المستدامة على نحو تبادلي، وكأن الجدل حول المكانة القانونية للتنمية المستدامة قد جرى تجاوزه، لكن المحكمة بقيت صامتةً، ولم تستغل الفرصة لتأكيد مكانة المبدأ وفحواه. ينظر:
  6. Recueil des arrêts: Avis consultatifs et ordonnances. Affaire relative à des usines de pâtes à papier sur le fleuve Uruguay (Argentine c. Uruguay)," para. 177.
  7. Ibid., p. 14, para. 71-79.
  8. Reports of International Arbitral Awards, Trail Smelter Case (United States, Canada): 16 April 1938 and 11 March 1941 (New York: United Nations, 2006), vol. III, pp. 1905-1982, accessed on 30/4/2023, at: https://legal.un.org/riaa/cases/vol_III/1905-1982.pdf 44  Lake Lanoux Arbitration (France v. Spain), 1957, 12 R. I. A. A. 281; 24 I. L. R. 101, Arbitral Tribunal, 1, 16 Novembre 1957 (Petrén, President; Bolla, De Luna, Reuter, De Visscher).
  9. Usines de Pâte à Papier (Opinion Individuelle de Mr. Le Juge Cançado Trindade)," 20 April 2010, pp. 135-205, accessed on 28/4/2023, at: https://bit.ly/3STAzSI

االإنصاف والمعقولية الحجر الأساسي لقانون المياه، ونجد تحوّل وإعادة اعتبار للعلاقة بين مبدأ الإنصاف ومبدأ الوقاية لدى رابطة القانون الدولي (قواعد برلين في عام 2004)، وفي لجنة القانون الدولي مع مسوّدة المواد الخاصة بالمياه الجوفية في عام 2008. يرى بعض المراقبين  45، منهم المقرر الخاص في موضوع المياه الجوفية في لجنة القانون الدولي، أن هناك توازنًا بين المبدأين، ويجب علينا أن ننتظر تأكيد ذلك في السنوات القادمة. من يدعم أولية مبدأ الوقاية، يدعم في الأساس تفضيل الاستخدامات الحالية أو السابقة على الاستخدامات المستقبلية  46. ارتبط مفهوم الاستخدام السابق بالتجربة الأميركية وبمخيمات المناجم. في تقارير المقرر لمسوّدة المواد الخاصة بالمياه الجوفية، نرى أنه لا يوجد تفضيل لأي من الاستخدامات الحالية أو المستقبلية، إضافة إلى أن الخلاف بين هذه الاستخدامات يجب أن ينطلق من الحاجيات الإنسانية الأساسية. أما بالنسبة إلى موقف المحكمة الدولية فنراها تجاهلت الاستخدامات السابقة التي عرضتها الأرجنتين، حين ذكرت أن المشاريع التي تقوم بها الأوروغواي تمس باستخدامات سابقة لها، وبالتحديد بالسياحة وبالمحطة الخاصة بالاستجمام على النهر. إن اعتماد مبدأ عدم إلحاق الضرر، يتطلّب تحديد أهمية الضرر، بينما اعتماد مبدأ الإنصاف والمعقولية يسمح بتناول سلوك الدولة، حاتى وإن لم يتضمن ضررًا مهمًاأو جسيم   47. هذا ما دفع المقرر في موضوع المياه الجوفية تشوسي يامادا إلى ترك مبدأ عدم إلحاق الضرر، إلى مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، لأن حماية الحوض الجوفي في نظره أفضل تحت مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول الذي يتطلّب عدم المساس بالنظام البيئي، من دون الحاجة إلى تحديد مستوى الضرر. ويذكّر هذا بمبدأ الاستخدام المنصف والمعقول الذي في الإمكان تفسيره على نحو واسع؛ لضمان حماية أفضل للمياه الجوفية، التي هي في وضع هش وحساس، مقارنةً بالمياه السطحية 48. في قضية نهر سيلالا (تشيلي ضد بوليفيا) في عام 2022، اعتبرت المحكمة أن مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول هو حق وواجب في الوقت نفسه. حق للدولة المشاطئة في الوصول إلى المياه المشتركة، وواجب بمعنى المادة 10 من اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية في عام 1997، التي تنص على "الحاجيات الحيوية للإنسان." تحتاج هذه الحاجيات اهتمامًا خاصًا من الدولة التي من واجبها توفير مياه صالحة للشرب لمواطنيها. ويهدف الحق في المياه إلى إرضاء الحاجيات الحيوية للإنسان. ويدعم ذلك أيضًا ستيفن سي ماكافري (أستاذ القانون في جامعة باسيفيك - مكجورج في الولايات المتحدة ومن أهم الفقهاء في القانون الدولي للمياه)، عندما حاول توضيح مبدأ الإنصاف من خلال المادة العاشرة التي تشير في رأيه إلى الحق في المياه باعتباره حقًا من حقوق الإنسان  49.

ثالثًا: حقوق الإنسان

تهتم محكمة العدل الدولية، بالطبع، بالنزاعات بين الدول، ولا يعني هذا أنها لا تستطيع تناول حقوق الإنسان التي تخص العلاقة بين المواطن والدولة.

من الملاحظ أن المياه ارتبطت منذ البداية بالدولة والسيادة والإقليم (نظرية هامون)، لتصبح في ما بعد حقًا من حقوق الشعوب، في قرار 1803 1962() للجمعية العامة حول السيادة الدائمة على المصادر الطبيعية، ومن حقوق الشعوب التي جرى تأكيدها في السبعينيات، كالحق في بيئة صحية، حيث لم تعد المياه مصدرًا طبيعيًا فحسب، بل جزءًا من نظام بيئي. من جهة، المياه هي حق للمواطنين وعلى الدولة أن تلتزم به (التزام الدولة تجاه شعبها وأفراده)، ومن جهة أخرى المياه حق للجميع، بمعنى أنه حق من حقوق الإنسان أي للمواطن وغير المواطن.

  1. Salman M. A. Salman, "The Helsinki Rules, the UN Watercourses Convention and the Berlin Rules: Perspectives on International Water Law," Water Resources Development , vol. 23, no. 4 (December 2007), p. 637.
  2. Gabriel E. Eckstein, "Protecting a Hidden Treasure: The U.N. International Law Commission and the International Law of Transboundary Ground Water Resources," Sustainable Development Law & Policy (2005), accessed on 28/4/2023, at: https://bit.ly/3MTWMw8
  3. Joseph Dellapenna, "The Customary International Law of Transboundary Fresh Waters," International Journal of Global Environmental , vol. 1, no. 3-4 (February 2001), pp. 264-305.
  4. M. Chusei Yamada, Premier rapport sur les ressources naturelles
  5. partagées , 30/4 et 30/6/2003, Document A/CN. 4/539 et Add.1; M. Chusei Yamada, Deuxième rapport sur les ressources naturelles partagées , Document A/CN. 4/539 et Add.1, 9/3 et 12/4/2004. 49  Stephen C. McCaffrey, "The International Law Commission Adopt Draft Articles on Transboundary Aquifers," American Journal of International Law , vol. 103, no. 2 (April 2009), p. 276.

في الإمكان تناول مسألة حقوق الإنسان في قرارات المحكمة من خلال ثلاثة مستويات:

المقاربة البيئية للمياه قد تكون أيض ا مقاربة حقوق إنسان

أظهرت محكمة العدل الدولية في قضية هنغاريا ضد سلوفاكيا في عام 1997 اهتمامًا كبيرًا بمسألة البيئة، وأثر المشاريع الاقتصادية في نهر الدانوب في كمية مياهه، وفي نظامه البيئي. في هذه القضية، تبنّت المحكمة مقاربةً بيئيةً للمياه، بمعنى أنها جمعت بين مبدأ الإنصاف والمعقولية ومفهوم التنمية المستدامة. لا بد من أن نوضح أن تأثير البيئة وحقوق الإنسان في موضوع القانون الدولي للمياه انعكس على التحوّل الذي مثّلته قواعد برلين في عام 1986، نسبةً إلى قواعد هلسنكي في عام 1966، وهي قواعد وضعتها رابطة القانون الدولي (مؤسسة خاصة.) ويتضح في رأي القاضي ويرامانتري أن مبدأ التنمية المستدامة يستند إلى الحق في التنمية، وهو حق متأصل، وكذلك الحق في بيئة صحية. إّل اأن المحكمة لم تتطرق إلى هذه الحقوق، كما رأينا سابقًا.

استشارة المواطنين

تطرح صعوبة تحديد الضرر البيئي علميًا تمييزًا آخر بين مبدأ عدم إلحاق الضرر، كما جاء في الفقرة 101 من قرار المحكمة، الأوروغواي ضد الأرجنتين في عام 2010، ومبدأ الحذر الذي تعود صياغته إلى إعلان ريو دي جانيرو في عام 1992، حيث إنه في حالة غياب معرفة علمية أكيدة وجب تبنّي موقف حذر  50. ومبدأ الحذر هذا ليس وفق المدرسة الوضعية، بل يعزّز مبدأ الإنصاف و"المعقولية" (التي تعني الحذر لدى أرسطو) في نظر قاضي محكمة العدل الدولي كانسادو ترينداد؛ إذ إنه يرى أن المحكمة في قرارها في قضية الأرجنتين ضد الأوروغواي في عام 2010، ركزت على الخبرة العلمية وأهميتها، لكنها نسيت مبدأ الحذر الذي يتطلب علاقةً خاصة بين المعايير العلمية والمعايير الأخلاقية، حيث إنه كلما تقدمنا في المعرفة العلمية زادت ضرورة الالتزام بالمعايير الأخلاقية، وهذا يتطلب أيضًا توسيع رقعة الحوار والجدل لتشمل المجتمع المدني والمواطنين. لم تشر المحكمة إلى ما يدعم أن استشارة السكان المحليين، الذين قد يتضررون من المشاريع، هي قاعدة ملزمة في القانون الدولي. فالمحكمة لم تبتعد، في هذه القضية، عن نظام النهر القانوني في عام 1975، وتحديدًا عن المادة 41 التي تشير إلى "الحقوق والواجبات المشتقة من المعاهدات ومن الالتزامات الأخرى السارية المفعول تجاه كل طرف في نظام النهر القانوني." لقد اعتبرت الأرجنتين أن هذه المادة تسمح بتوسيع رقعة القانون الدولي المطبق. ويذكر مارسيلو كوهين (معهد جنيف للدراسات العليا) أنه كان في مقدور المحكمة أن تعود إلى حق الأشخاص في بيئة صحية، وهو حق أكده البروتوكول الإضافي الملحق بالاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان: مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (بروتوكول سان سلفادور) الذي جرى اعتماده في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1988 ودخل حيز النفاذ في عام 1999، إّل اأن المحكمة قرّرت عدم الانخراط في ذلك  51. للمحكمة صلاحيات ضمنية قد تدفعها إلى الالتزام بالنص، كما ذكرنا، أو قد تستعين المحكمة بالعرف الدولي، أو أن تفترض وجوده لتوسيع رقعة القانون الدولي ومبادئه.

الحق في المياه ينخرط ضمن مبدأ الإنصاف والمعقولية الذي يتطلب اعتبار "الحاجيات الحيوية للإنسان" (المادة 10 من اتفاقية 1997)

في قرار تشيلي ضد بوليفيا في عام 2022، أكدت المحكمة أن مبدأ الإنصاف والمعقولية هو حق وواجب في الوقت ذاته  52. قد يفهم ذلك من خلال أن للدولة المشاطئة حَّقَ استخدام مياه النهر، أو المياه الجوفية، لكن عليها أن تأخذ في الحسبان حقوق الدول المشاطئة الأخرى (مبدأ عدم إلحاق الضرر)، لكن هذا الحق، يتضمن واجبًا على الدولة أيضًا بتوفير مياه صالحة للشرب لمواطنيها وإرضاء حاجياتهم الإنسانية الضرورية (مبدأ الإنصاف والمعقولية.) إن معايير الحق في المياه هي الكمية والجودة، إضافة إلى الوصول المتساوي. في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948() وفي العهدين الدوليين 1966()، لا يوجد أي ذكر للحق في المياه، والاتفاقية الخاصة باستخدامات أخرى غير الملاحة 1997() لم تتطرق إلى هذا الحق. وبالاستناد إلى المادة 10، فقرة 2 من اتفاقية عام 1997، التي تنص على ضرورة منح اهتمام خاص لإرضاء حاجيات إنسانية ضرورية، هناك اعتراف بالحق في المياه حقًا مستقلًا، ولم يعد حقًا ضمنيًا لحقوق أخرى في قرار لجنة

  1. UN, General Assembly, Report of The United Nations Conference on
  2. Marcelo Kohen, "The Court's Contribution to Determining the Content of Fundamental Principles of International Law," in: Giorgio Gaja & Jenny Grote Stoutenburg (eds.), Enhancing the Rule of Law through the International Court of Justice (Leiden/ Boston: Brill Nijhoff, 2014), pp. 134-145. 52 " Obligation to Negotiate Access to the Pacific Ocean (Bolivia v. Chile)," para. 97.
  3. Environment and Development , A/CONF.151/26 (Vol. I) (Rio de Janeiro, 3-14 June 1992), accessed on 14/4/2023, at: http://tinyurl.com/frpysd7e

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المكلفة بالإشراف على تطبيق العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عام 1966، في تعليقها العام رقم 2002/11/15. إن موقف اللجنة لم يكن غريبًا عن موقف الدول وممارساتها. فدول مثل جنوب أفريقيا والأرجنتين، أدخلت في دساتيرها الحق في المياه، واعتبرته من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بمعنى أنه قابل للتطبيق تدريجيًا وفق ميزانيات الدولة. في أوروبا، جرى تبنّي بروتوكول المياه والصحة في عام 1999، الذي انضمت إليه معظم الدول الأوروبية، ما عدا المملكة المتحدة. تلتزم الدول باتخاذ خطوات ضرورية لتوفير كميات ملائمة من المياه الصالحة للشرب، وخالية من مواد قد تضرّ بالصحة. وجرى تأكيد الحق في المياه في اتفاقيات دولية، مثل اتفاقية منع كل أشكال العنصرية ضد المرأة (المادة 14)، أو اتفاقية الطفل (المادة 24)، واتفاقيات إقليمية، مثل البروتوكول الأوروبي، أو اتفاقية الوحدة الأفريقية 2009()، التي تنص أيضًا على الحق في المياه باعتباره حقًا إنسانيًا. تستطيع المحكمة أن تتجه توجهًا دستوريًا في التفسير، كما تقول آن فان آكن Aaken van Anne (باحثة في القانون الاقتصادي الدولي.) يعمل هذا التوجه على نحو عمودي تجاه الدول، للحدّ من سلوكها، ويعمل أفقيًا من ناحية تفسير القوانين بالاستناد إلى مبادئ البيئة وحقوق الإنسان. وهذا ما فعلته سابقًا عندما أشارت إلى اعتبارات إنسانية أساسية في "الفتوى الصادرة عن المحكمة الدائمة للعدل الدولي في قضية كورفو" (المحكمة المتحدة ضد ألبانيا) في عام 1949، وعندما اعتبرت أن بعض حقوق الإنسان تتمتع بمكانة قواعد آمرة، ويعدّ انتهاكها انتهاكًا لأسس النظام الدولي في "القضية المتعلقة بشركة برشلونة للجر والإنارة والطاقة المحدودة." في ما يخص الممارسة الإسرائيلية، نجد أن هناك إقرارًا بالحق في المياه، يُستمدّ من قانون المياه في عام 1959، ومن القانون الأساسي في خصوص حرية الإنسان وكرامته في عام 1991، حيث اعتبر الحق في الحياة حقًا أساسيًا انطلاقًا من الحق في الكرامة الإنسانية (قرار المحكمة العليا الإسرائيلية /9535 06.) في هذا القرار، رأت القاضية في المحكمة العليا الإسرائيلية أيالا بروكاتشيا Ayala Procaccia أن مفهوم الكرامة مفهوم معقد، يتضمن جانبًا نفسيًا وجانبًا فيزيائيًا يتعلق بالشروط الضرورية لاستمرارية الحياة وبكرامة، حيث يتضمن ذلك المأوى والغذاء والمياه، والعناية الصحية... إلخ (الفقرة 21)؛ وتضيف أن الحق في المياه مدعوم دوليًا، وأن إسرائيل هي طرف في العهد الاقتصادي، وإن لم يُدمج هذا الحق في تشريع داخلي، فإنّ هذا العهد مهم في تفسير التشريعات، بما أن إسرائيل تُقرّ بهذا الحق، فعليها أن تلتزم بحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في المياه، في الإقليم الذي يخضع لسيادتها، وفي أيّ إقليم تمارس فيه). Extraterritorial Jurisdiction سيطرة فعلية (صلاحية خارج الإقليم في الأراضي الفلسطينية، إسرائيل هي دولة الاحتلال، ومن هنا، فهي تمارس سيطرة فعليّة، وعليها الالتزام بتطبيق حقوق الإنسان. وهذا يعني أنه لا يجوز أن يدفع ابن المخيم في وادي صعب 9.5 شيكل على كوب ماء، في مقابل 2.5 شيكل فقط ما يدفعه المستوطن في معالي أدوميم، وهذا يندرج ضمن سياسة الترحيل والإبادة 53.

رابعًا: الحدود والسيادة

مجاري المياه والحدود

عندما تكون مجاري المياه حدودًا طبيعية بين دولتين، ففي الإمكان أن تكون السيادة لدولة مشاطئة على مجرى النهر، وأن تُعتمد ضفته بمنزلة الحدود مع الدولة المشاطئة الأخرى، من قبيل قضية نهر سان خوان (كوستاريكا ضد نيكاراغوا) في عام 2013 54؛ إذ منحت الاتفاقية في 15 نيسان/ أبريل 1858 السيادة على النهر لنيكاراغوا. على الرغم من ذلك، فإن محكمة العدل الدولية أقرّت ببعض الحقوق لكوستاريكا، مثل حقوق ملاحية لأهداف تجارية وحقوق صيد لحاجيات السكان المحليين الذين يقطنون على ضفة النهر. قد تُطرح حالة أخرى في هذا السياق، وهي عندما يعتبر المجرى المائي الدولي حدودًا طبيعية، من دون تحديد سيادة لأي طرف عليه. وتمثل هذه الحالة قضية نهر تشوبي (بوتسوانا ضد ناميبيا)، في 13 كانون الأول/ ديسمبر 1999، حيث كان على المحكمة أن تحدّد أولًاأي فرع من فروع النهر هو الفرع الرئيس Principal Chenal؛ وتحدد ثانيًا خط الوسط Tahlweg. لتحديد الفرع الرئيس، ارتكزت المحكمة على الاختلاف بين الفروع في العرض والعمق وسرعة تدفق المياه. ولتحديد خط الوسط للفرع الرئيس باعتباره حدودًا بين الدولتين، استندت المحكمة إلى مشروع التسوية الدولية للملاحة في الأنهر لرابطة القانون الدولي (مؤسسة خاصة)، في 9 أيلول/ سبتمبر 1887 من أجل رسم الحدود 55.

  1. Human Rights Watch, "Separate and Unequal, Israel's Discriminatory Treatment of Palestinians in the Occupied Palestinian Territories," 19/12/2010, accessed on 28/4/2023, at: https://bit.ly/3GivAn9
  2. 54  قرار المحكمة الدولية: " Certaines activités menées par le Nicaragua dans la région frontalière (Costa Rica c. Nicaragua), Construction d'une route au Costa Rica le long du fleuve San Juan (Nicaragua c. Costa Rica)," Arrêt, C.I.J. Recueil 2015, p. 665.
  3. Case Concerning Kasikili/ Sedudu Island (Botswana v. Namibia) Judgment of 13 December 1999," in: Summaries of Judgments, Advisory Opinions and Orders of the International Court of Justice 1997-2002 (New York: United Nations, 2003), pp. 129-141.

الموارد المائية

في قرار هنغاريا ضد سلوفاكيا في عام 1997، اعتبرت المحكمة الدولية المياه الجوفية أكثر مورد طبيعي يُستخرج من باطن الأرض، إّل اأنها لم تتطرق إلى موضوع السيادة. وُأ ثيَرَ موضوع السيادة في مشاريع المواد المتعلقة بقانون طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود في عام 2008 في المادة الثالثة، حيث نصّت على أن الدول تستطيع ممارسة سيادتها على الجزء من المياه الجوفية الذي يقع في إقليمها، لكن هذه الممارسة يجب أن تخضع للقانون الدولي. في هذا القرار أثارت هنغاريا مصطلح "الضرورة البيئية"، بمعنى أن الخطوات الأحادية الجانب من سلوفاكيا تمس بحقوقها في الوصول إلى المياه (المساواة في الوصول إلى المياه المشتركة جزء من مبدأ الإنصاف.) هل هذا ينطبق على الحالة الفلسطينية؟ هل يمكن الحديث عن الإنصاف من دون التطرق إلى التجربة التاريخية، وإلى الإقصاء والتمييز تجاه الفلسطينيين في موضوع المياه؟ من حق الشعب الفلسطيني مثل أي شعب آخر استغلال موارده الطبيعية بهدف التنمية، كما أكد إعلان ريو دي جانيرو في عام 1992.

المياه الجوفية الفلسطينية

المياه الجوفية الفلسطينية هي مياه مستقلة وغير مرتبطة بمياه سطحية. فهل يعني ذلك أن نظامها القانوني غير واضح، وفي طور التطوير؟ يرى ستيفن سي ماكافري أن هذا الرأي يتجاهل قرار لجنة القانون الدولي التي تطالب الدول بتطبيق مواد اتفاقية عام 1997 على المياه الجوفية المستقلة، إضافة إلى أن المقرر تشوسي يامادا لم يميز بين مياه جوفية مرتبطة بمياه سطحية ومياه جوفية مستقلة. ما شرعية سياسة الاحتلال التي تتمثل في حرمان الفلسطينيين من مياه نهر الأردن كلّيًا، ومن معظم المياه الجوفية الفلسطينية؟ لا بد من إثارة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، حيث اعتبرت المحكمة في "الرأي الاستشاري الصادر عن المحكمة بشأن الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة" في عام 2004، أن سياسة الاحتلال في مسألة الجدار تمثل انتهاكًا "في المواجهة الكافة" omnes erga، أي انتهاكًا لأسس النظام القانوني الدولي، وطالبت الدول بعدم التعامل مع دولة الاحتلال ورفض ممارساتها تجاه الشعب الفلسطيني. في هذا القرار، تطرقت المحكمة أيضًا إلى انتهاك إسرائيل لحقوق الإنسان الفلسطيني، حيث إن الجدار يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم التي صودرت في بناء الجدار، وكما هو معروف، فإن بعض هذه الأراضي غني بالمياه الجوفية. ويقول تقرير لمنظمة العفو الدولية إن إسرائيل لا تحتاج إلى هذه الأراضي كي تقوم بسحب المياه، فهي تستطيع سحبها من أراضي عام 1948، وما تريده هو منع الفلسطينيين من الوصول إلى هذه المياه  56. في مسألة العلاقة بين المياه باعتبارها موردًا طبيعيًا والسيادة وحق تقرير المصير، ربما يجدر بنا أن ننظر إلى قرار جزيرة نورو ضد أستراليا في 26 حزيران/ يونيو 1992. في هذا القرار، طالبت جزيرة نورو أستراليا بإصلاح الأراضي التي اسُتُخدمت في صناعة الفوسفات قبل استقلالها في عام 1968. لا بد من أن نذكر أن صك الانتداب على هذه الجزيرة الصغيرة في المحيط الهادئ مُنح للمملكة المتحدة، إّل اأن تنفيذه تم من خلال اتفاق سبق صك الانتداب بين كل من أستراليا والمملكة المتحدة ونيوزيلاند في عام 1919 في خصوص مناجم الفوسفات في جزيرة نورو. مع الأمم المتحدة تبدّل نظام الانتداب التابع لعصبة الأمم بنظام الوصاية. وقبل أن تناقش المحكمة المسائل الجوهرية للقضية، توصلت أستراليا وجزيرة نورو إلى اتفاق حول تعويض الجزيرة بمبلغ 107 ملايين باوند بالنسبة إلى استغلال الفوسفات، و 72 مليون باوند بالنسبة إلى إصلاح الأراضي التي عملت فيها مناجم الفوسفات. إن قبول المحكمة في عام 1989 القضية، دفع أستراليا إلى إيجاد تسوية مع جزيرة نورو، بعد أن رفضت طلبها مرارًا بالتعويض. وقد أسهمت في التعويض المملكة المتحدة ونيوزيلاند وفق تقسيم الأرباح من صناعة الفوسفات خلال فترة الانتداب والوصاية على جزيرة نورو. تكمن أهمية القرار في استخدام جزيرة نورو قرارات الجمعية العامة لدعم مطالبها، وتحديدًا تلك التي تخص حق تقرير المصير والسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية (الجانب الاقتصادي لحق تقرير المصير.) في الفقرات 25 و 26 و 30، من القرار الذي خص السلطة القانونية للمحكمة، جرت الإشارة إلى ثلاثة قرارات للجمعية العامة الخاصة في جزيرة نورو. فمثلًا، في قرار 2111)XX(1965 طوِلِبت إدارة الوصاية (وهي مشتركة بين أستراليا والمملكة المتحدة ونيوزيلاند) بأن تعمل على إصلاح الجزيرة؛ كي تكون صالحةً للعيش. وفي قرار 2226 XXI()، طالبت الجمعية العامة بتمرير سلطة الإشراف على صناعة الفوسفات إلى شعب جزيرة نورو، وكررت مطالبتها إدارة الوصاية بأن يعمل شعب نورو السيادي، الذي له الحق في الاستقلال والحكم الذاتي، على إعادة الأراضي؛ لتكون صالحةً للعيش فيها. تحتاج نقطة أخرى إلى أن نقف عندها، وهي اعتماد المحكمة العليا الإسرائيلية لاتفاقية أوسلو، واعتبار أن استغلال الموارد الطبيعية أمر قانوني حتى إنهاء التفاوض مع الطرف الفلسطيني. والسؤال

  1. Amnesty International, Israel/ OPT - Troubled Waters - Palestinians Denied Fair Access to Water (October 2009), p. 53.

المطروح هو: هل الاعتراف بالدولة الفلسطينية باعتبارها مراقبًا في الأمم المتحدة في عام 2012 يسمح بإنهاء التفاوض غير القابل للانتهاء، ويسمح بالخروج من إسقاطات أوسلو، كما كانت الحال في قضية نورو ضد أستراليا؟ فقد ادّعت هذه الأخيرة أن جزيرة نورو تنازلت عن حقوقها في اتفاقية سبقت استقلالها، اتفاقية 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، لكن المحكمة رفضت هذا الادّعاء من خلال تفسير أن لها صلاحيةً تجاه الصراعات بين الدول فحسب، مستثنيةً بذلك أي اتفاق فيه أحد الأطراف غير دولة. من المتوقع أن تحيّد المحكمة أوسلو، وأن تقر بوجود دولة فلسطينية، وذلك بالاستناد إلى المادة 81 من اتفاقية عام 1969 بحكم قبولها في أكثر من منظمة دولية، ومن المتوقع، أيضًا، أن تنتهج المحكمة نهج قرارات الجمعية العامة، التي أقرّت بالسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية للشعب الفلسطيني في الإقليم المحتل منذ عام 1967 57، وأن تلتزم بقرار مجلس الأمن 2334 23(كانون الأول/ ديسمبر 2016، حيث حثّ المجلس على وضع نهاية للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، ونص على مطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وعدم شرعية إنشاء المستوطنات في الأراضي المحتلة منذ عام 1967) الذي أيّدته 14 دولة 58. لا شك في أن السيادة ما زالت مركزيةً في بنية النظام القانوني الدولي، ومن المهم عدم تحييد القانون الدولي ومبادئه باسم السيادة التي من الضروري تقييدها من أجل بناء اتحاد حول المياه المشتركة، وتدعم مبادئ القانون الدولي للمياه. فالمحكمة تستطيع أن تستند، ليس إلى المبادئ فحسب، بل تستند أيضًا إلى قرارات الجمعية العامة، أي إلى القانون اللّي نإذا أرادت تطوير القانون الدولي.

استنتاجات

لا يمكن تجاهل دور المحكمة في توضيح القواعد القانونية وتطبيقها. هذا ما نراه مع مبدأ "المصلحة المشتركة"، أو مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول. أما بالنسبة إلى التشريع القضائي فإننا نجد موقف المحكمة يتأرجح بين السيادة والقانون الدولي. وقد ينحصر دور المحكمة في التنسيق بين مصالح الدول، وفي مراعاة مواقفها، لكنها تستطيع اعتماد موقف يدعم المصلحة المشتركة والتعاون. في قضية الأرجنتين ضد الأوروغواي 2010()، ركّزت المحكمة على التعاون بين الدولتين، وعلى الآلية المؤسساتية التي تمثلها لجنة نهر الأوروغواي، حيث اعتبرت أنها تملك شخصية مستقلة، ما يعتبر أساسيًا وضروريًا لإدارة مياه مشتركة.

في ما يخص مبادئ الإنصاف والاستدامة، أكدت المحكمة مبدأ الإنصاف والمعقولية، واعتبرته الحجر الأساس في القانون الدولي للمياه، واعتبرت أن هذا المبدأ يشمل حماية البيئة، إضافة إلى المساواة في الوصول إلى المياه المشتركة والتعاون. وبالنسبة إلى التنمية المستدامة، لم تحدد المحكمة أننا نتحدث عن مفهوم أو مبدأ، وفي خصوص فحوى المفهوم، ركّزت المحكمة على التوفيق بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، وأشارت إلى ضرورة أخذ مصالح الأجيال القادمة في الحسبان. ولم تتطرق المحكمة إلى عدالة تجاه الأجيال الحالية وداخلها، ولا تجاه المجموعات والأمم. ولم توضح تأثير التنمية المستدامة في فهم مبدأ الإنصاف والمعقولية. وفي قرار هنغاريا ضد سلوفاكيا 1997() تبنّت المحكمة موقفًا متحفظًا تجاه مسائل بيئية تخص مفهوم نظام بيئي، وأقرّت بضرورة تقويم بيئي للمشاريع الاقتصادية، لكنها تركت ذلك للدول، من دون أن تضع حًّدًا أدنى لهذا التقويم. وأتيحت لها فرصة أن تثير الحق في بيئة صحية في قرار الأرجنتين ضد الأوروغواي، وهو حق أكدته مواثيق دولية، مثل البروتوكول الإضافي الملحق بالاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان: مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (بروتوكول سان سلفادور) في عام 1988، إّل اأنها استبعدت ذلك حين رفضت

  1. United Nations, General Assembly, Resolution Adopted by the General Assembly on 20 December 2018 on Permanent Sovereignty of the Palestinian People in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, and of the Arab Population in the Occupied Syrian Golan over Their Natural Resources (A/RES/73/255), 15 January 2019.
  2. United Nations, General Assembly, Resolution 2334 (2016) Adopted by the Security Council at its 7853 rd Meeting, on 23 December 2016 , S/RES/2334 (2016).

طلب الأرجنتين باستشارة السكان المحليين في ما يخص المشاريع، التي كانت الأوروغواي تنوي تنفيذها. حدّ هذا الموقف للمحكمة من إسهامها في تطوير القانون الدولي للمياه، ومن تدخّلها في حماية البيئة وحماية حقوق الإنسان. إضافة إلى حقوق ترتبط بالبيئة وبالتنمية وتؤثر في قانون المياه، جرى تطوير حق مستقل في موضوع المياه، إّل اأن المحكمة لم تتطرق إليه بعد، ربما قد يثار في المستقبل ضمن السلطة القانونية خارج الإقليم للدولة وواجبها في توفير هذا الحق. وفي موضوع الحدود، اعتمدت المحكمة على مبدأ Possidetis Uti بمعنى الالتزام بما هو متوافر من إقليم، وهو فعليًا الالتزام بالاتفاقيات التي وُضعت في فترة الاستعمار؛ إذ ميّزت المحكمة بين اعتماد ضفة المجرى المائي الدولي حدودًا في حالة إقرار الاتفاقيات بسيادة دولة مشاطئة على المجرى المائي الدولي واعتماد خط الوسط للمجرى المائي الدولي عندما يعتمد المجرى باعتباره حدودًا دولية. ولم تتطرق المحكمة إلى مسألة السيادة؛ ربما بسبب مبدأ الإنصاف والمعقولية، ولا يمكن تجاهل هذه المسألة في حالة المياه الجوفية؛ لذلك ارتأينا تناول موقف محكمة العدل الدولية في ما يخص المياه الجوفية الفلسطينية. وفي هذا السياق، جرت الاستعانة بقضية جزيرة نورو؛ إذ تبنّت المحكمة مقاربة لمسألة الموارد الطبيعية من منطلق حق تقرير المصير. وكان من اللافت تفسير المحكمة للمادة 34 من نظامها، التي تنص على أنه يحق للدول، فحسب، أن تكون طرفًا في قضايا أمام محكمة العدل الدولية. ورأت المحكمة من المناسب تحييد اتفاقية عام 1967 بين الدولتين، وهي قبل استقلال جزيرة نورو في عام 1968. ويثير ذلك السؤال التالي: هل يمثّل اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية في عام 2012 تاريخًا فاصلًا بالنسبة إلى العلاقة بين دولة الاحتلال والدولة الفلسطينية، حيث يدفع في اتجاه تحييد اتفاقية أوسلو بخلاف موقف المحكمة العليا الإسرائيلية في قضية المحاجر؟  59 ليس المهم تحييد اتفاقيات أوسلو بل عدم تحييد القانون الدولي. لا شك في أن المقاربة الضيقة التي تمثلها المادة 34 من نظام محكمة العدل الدولية تستثني قضايا لمجموعات غير الدولة من أفراد وأقليات وشعوب أصلانية. وما زالت حقوق هذه المجموعات تصطدم بمبدأ السيادة. وليس غريبًا أن تتجاهل المحكمة حقوقًا مثل الحق في بيئة صحية، وهي حق من حقوق الشعوب، وليست حقًا للدولة. وكيف تستطيع المحكمة، وفق المادة 34، توفير الحماية الفعالة لحقوق الإنسان، التي في جوهرها تتعارض مع الدولة ومؤسساتها.

  1. 59  في خصوص سياسة الاحتلال تجاه الموارد الطبيعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 يمكن أن نذكر قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية: قرار 2164/09)2011/12/26(وقرار 2407/10 2012/3/8(.) وفق الفقرة الأولى من القرار الأول، فإن 94 في المئة من إنتاج المحاجر الإسرائيلية (عشرة محاجر موجودة في منطقة ج ومنطقة ب، ثمانية منها ما زالت تعمل) يستغل في السوق الإسرائيلية الداخلية الخاصة بالبناء والبنية التحتية. تأخذ المحكمة بنظام الاحتلال (المواد 43 و 55 من اتفاقية لاهاي 1907) لتفسرره بطريقة دينامية، أي على نحو يراعى فيه طول مدة الاحتلال.

المراجع

Achour, Rafâa Ben & Slim Laghmani (Sous la direction). Justice et juridictions internationales. Paris: Pedone, 2000. Aversa, Andre. "As Determined by the United States of America." The American University Law Review. vol. 10 (1961). Beyerlin, Ulrich. Sustainable Development. Max Planck Institute for Comparative Public Law and International Law. Oxford: Oxford University Press, Max Planck Encyclopedia of Public International Law, 2010. Bogdandy, Armin Von & Ingo Venzke. "Beyond Dispute: International Judicial Institutions as Law Makers In: International Judicial Law-Making." German Law Journal. vol. 12, no. 5 (2011). Bull, Hedley. The Anarchical Society: A Study of Order in World Politics. New York: Columbia University Press, 1977. Carlos Fernández de Casadevante y Romani. Sovereignty and Interpretation of International Norms. Berlin Heidelberg: Springer-Verlag, 2007. Chagla, Mahomedali Currim. "Rule of Law and the International Court of Justice." Proceedings of the American Society of International Law at Its Annual Meeting (1921-1969). vol. 54 (28-30/4/1960). Dellapenna, Joseph. "The Customary International Law of Transboundary Fresh Waters." International Journal of Global Environmental. vol. 1, no. 3-4 (February 2001). Dworkin, Ronald. Taking Rights Seriously. London: Bloomsbury Publishing, 2013. Eckstein, Gabriel E. "Protecting a Hidden Treasure: The U.N. International Law Commission and the International Law of Transboundary Ground Water Resources." Sustainable Development Law & Policy (2005). at: https://bit.ly/3MTWMw8 Gaja, Giorgio & Jenny Grote Stoutenburg (eds.). Enhancing the Rule of Law through the International Court of Justice. Leiden/ Boston: Brill Nijhoff, 2014. Ginsburg, Tom. "Bounded Discretion in International Judicial Lawmaking." Virginia Journal of International Law. vol. 45, no. 3 (2004). Goodin, Robert E. "Toward an International Rule of Law: Distinguishing International Law-Breakers from Would-be Law Makers." The Journal of Ethics. vol. 9, no. 1-2 (2005). Guastini, Riccardo. "Le réalisme juridique redéfini." Revus , no. 13 (June 2013). Human Rights Watch. "Separate and Unequal, Israel's Discriminatory Treatment of Palestinians in the Occupied Palestinian Territories." 19/12/2010. at: https://bit.ly/3GivAn9 International Court of Justice. "Advisory Opinions and Orders Case Concerning, The Gabcikovo- Nagymaros Project (Hungary v. Slovakia)." Reports of Judgments. Judgment of 25/9/1997. Kennedy, Duncan. A Critique of Adjudication (fin de siècle). Cambridge/ London: Harvard University Press, 1998. Kovacs, Peter. "Developments and Limits in International Jurisprudence." Denver Journal of International Law and Policy. vol. 31, no. 3 (2003). Lacharrière, Guy de. La Politique juridique extérieure. Paris: Economica, 1983. LU, Bingbin. "Reform of the International Court of Justice - A Jurisdictional Perspective." Perspectives. vol. 5, no. 2 (30 June 2004). Mansour, Sandrine. "L'ONU et les Palestiniens: De l'ambiguïté à l'impuissance." Cahiers d'histoire.

Revue d'histoire critique. vol. 142 (2019). at: https://bit.ly/3SSbsjc McCaffrey, Stephen C. "The International Law on Articles Draft Adopt Commission Transboundary Aquifers." American Journal of International Law. vol. 103, no. 2 (April 2009). Merrills, J. G. International Disputes Settlement. 4 th ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Mulligan, B. M. & G. E. Eckstein. "The Silala/ Siloli Watershed: Dispute Over the Most Vulnerable Basin in South America," Water Resources Development , vol. 27, no. 3 (September 2011), pp. 595-606. Murphy, Sean D. "The United States and the International Court of Justice: Coping with Antinomies." The George Washington University Law School. Public Law and Legal Theory working Paper. no. 291. at: https://bit.ly/3Gbu6uP Peters, Anne. "International Dispute Settlement: A Network of Cooperational Duties." European Journal of International Law. vol. 14, no. 1 (February 2003). Roslowski, Rey & Friedrich Kratchowil. "Understanding Change in International Politics: The Soviet Empire's Demise and the International System." International organization. vol. 48, no. 2 (Spring 1994). Salman, Salman M. A. "The Helsinki Rules, the UN Watercourses Convention and the Berlin Rules: Perspectives on International Water Law." Water Resources Development. vol. 23, no. 4 (December 2007). Shukla, Ishita & Gunjan Bahety. "Territorial Jurisdiction of International Community of River Oder (U.K v. Pol.)." P.C.I.J. ser. A, no. 23, 10/9/1929. Sinclair, Timothy & Robert Cox. Approaches to World University Cambridge Cambridge: Order. Press, 1996. The Gabcikovo-Nagymaros Project (Hungary v. Slovakia). "Separate Opinion of Vice-President Weeramantry." Regarding Universal International Law. at: https://bit.ly/3Ra5TLU Troper, Michel. "Une théorie réaliste de l´interprétation." Revista Opiniao Juridica. vol. 8, no. 2 (2006). Yamada, M. Chusei. Premier rapport sur les ressources naturelles partagées. 30/4 et 30/6/2003. Document A/CN. 4/539 et Add.1. ________. Deuxième rapport sur les ressources naturelles partagées. Document A/CN. 4/539 et Add.1, 9/3 et