نحو فهم للصراع المائي في شرق النيل: قضية سد النهضة والمفاهيم الخاطئة الشائعة

Mohammad Al-Saidi محمد السعيدي | * * Mohammed Basheer محمد بشير |

الملخّص

Transboundary rivers have been a source of increasing disputes due to growing populations and economies, as well as the consequences of environmental change. With the increase in river flow utilization, concerns about potential violent interstate conflicts have arisen in public debates. However, academic literature argues for more nuanced and evidence-based views of transboundary water conflicts and proposes problem-solving tools based on water diplomacy and cooperation. Using the Eastern Nile conflict as a case study, this paper identifies eight common misconceptions regarding the conflict surrounding the construction of the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD). The paper contextualizes the GERD conflict within the broader transformation of river utilization towards greater competition for water use. The ongoing Eastern Nile conflict goes beyond technical affairs related to the dam operations and involves broader issues of rights to water use, national development, and climate variability and change. It is also embedded in complex regional hydro-politics that involves new actors. Recent academic evidence shows that Eastern Nile riparian countries (Egypt, Sudan, and Ethiopia) face unique negotiating realities and diverse environmental impacts as a result of the GERD conflict. The Eastern Nile conflict presents an opportunity to facilitate benefit-sharing in the Nile Basin. Water cooperation remains the only realistic option to resolve transboundary water conflicts in the region. Keywords: Grand Ethiopian Renaissance Dam, Eastern Nile, Egypt, Sudan, Ethiopia, Water Diplomacy, Trans-boundary Water Conflicts.

Towards Understanding the Water Conflict in the Eastern Nile: The GERD Issue and Common Misconceptions

* أستاذ مشارك، مركز التنمية المستدامة، كلية العلوم والآداب، جامعة قطر (المؤلف المسؤول.) Associate Professor, Center for Sustainable Development, College of Arts and Science, Qatar University (Corresponding Author). Email: malsaidi@qu.edu.qa * أستاذ مساعد، قسم الهندسة المدنية والمعادن، جامعة تورنتو، أونتاريو، كندا. Assistant Professor, Department of Civil & Mineral Engineering, University of Toronto, Ontario, Canada. Email: mohammed.basheer@utoronto.ca

مقدمة

يمكن أن يسهم الاعتماد المتزايد على مصادر المياه في تلبية الحاجة المتصاعدة لإمدادات الخدمة، من ماء وكهرباء وإنتاج أغذية وملاحة واستخدام للبيئة والسياحة، في اتساع رقعة النزاعات على المياه. لقد ألقى تنامي الاقتصاديات وعدد السكان وتقلّب المناخ ظلال الشك على مستقبل مصادر المياه، وغذّى في كثير من الأحيان المفاهيم المتشائمة والعصية على الاختبار، بشأن "حروب المياه"، أو "النزاعات العنيفة التي تسببها" النزاعات المائية . وما زالت تلك المفاهيم تتّسم بالصلابة، مع أنها قديمة ويصعب التحقّق منها . وعلى الرغم من قَِدَم التحذيرات الخاصة باندلاع الحروب على الموارد المائية العابرة للحدود في الشرق الأوسط  ، فإن التنبؤات الأخيرة الخاصة بنشوب الحرب تتّسم بالمبالغة، بسبب غياب الأدلة التي تعضدها . ثم إن إثبات العلاقة بين تغّي رالمناخ والنزاعات العنيفة يبدو أمرًا صعبًا، بسبب الطبيعة المعقّدة للمتغّي رات المتعلّقة بذلك . وما زالت العلاقة بين تغّي رالمناخ والنمو الاقتصادي السكاني من جهة، وتنامي إمكانية نشوب نزاع دولي على المياه من جهة أخرى، من مواضيع البحث والنشر المكثّف في الوقت الراهن. بيد أن النقاشات الأكاديمية أصبحت تتضمّن، على نحو متزايد، آليات التعاون في مجال منع اندلاع مثل تلك النزاعات  . وهكذا، برزت دبلوماسية المياه بوصفها مج لًايستخدمه الأكاديميون والمعنيّون بهذا الملف في تسوية

1  Asit K. Biswas & Cecilia Tortajada, "Water Crisis and Water Wars: Myths and Realities," International Journal of Water Resources Development , vol. 35, no. 5 (2019). 2  Aaron T. Wolf, "'Water Wars' and Water Reality: Conflict and Cooperation Along International Waterways," in: S. C. Lonergan (ed.), Environmental Change, Adaptation, and Security (Dordrecht: Springer Netherlands, 1999); James R. Davis & Rafik Hirji, "The Myth of Water Wars," Georgetown Journal of International Affairs , vol. 6, no. 1 (2005). 3  Joyce R. Starr, "Water Wars," Foreign Policy , no. 82 (Spring 1991). 4  Jeroen Warner et al., "Transboundary 'Hydro-Hegemony': 10 Years Later," WIREs Water , vol. 4, no. 6 (2017). 5  Jürgen Scheffran et al., "Climate Change and Violent Conflict," Science , vol. 336, no. 6083 (2012); Emily Meierding, "Climate Change and Conflict: Avoiding Small Talk about the Weather," International Studies Review , vol. 15, no. 2 (2013). 6  Jacob D. Petersen-Perlman, Jennifer C. Veilleux & Aaron T. Wolf, "International Water Conflict and Cooperation: Challenges and Opportunities," Water International , vol. 42, no. 2 (2017).

النزاعات سلمًّيًا؛ عبر المفاوضات، وبناء الثقة والوساطة . لقد اتّسع نطاق هذه المقاربة من خلال مفاهيم مثل "الدبلوماسية المائية"، و"الهيمنة المائية" التي تركّز على السياق التاريخي والعوامل المحلية وتعايش النزاعات والتعاون ودور المؤسسات الدولية  . إن المفاهيم المعاصرة المتعلّقة بالسياسات المائية العابرة للحدود، كالهيمنة المائية مثلًا، قد تجاوزت المقاربة المتمركزة حول الدولة، لتسلّط الضوء على ما هو أوسع من قضية أحواض الأنهار  . وتمنح هذه المفاهيم الأولوية بشأن "تقاسم منافع" الأنهار، بدلًامن التركيز على "تقاسم كميات المياه" فحسب . ويوضّ ح سادوف وغراي أن مفهوم تقاسم المنافع، يستند إلى سلسلة متصلة من المستويات العملية للتعاون (من خلال تبادل المعلومات أو التعاون في القضايا المتعلّقة بأحواض الأنهار مثلًا)، حتى في أوقات التنافس أو النزاعات الناشئة  . إن التحليلات الإعلامية والعامة - غير الأكاديمية - للقضايا العابرة للحدود، بما في ذلك حوض النيل، تعمل غالبًا على إدامة مفاهيم "حروب المياه" الوشيكة الحدوث، والنزاعات "الخارجة عن السيطرة"، على الرغم من وجود المفاهيم المذكورة آنفًا. لقد شكّك الباحثون في مركزية قضايا المياه والإفراط في تسليط الضوء عليها، خلال النزاع الحالي في نهر النيل، الذي ينطوي على قضايا معقّدة مثل

7  Shafiqul Islam & Lawrence Susskind, Water Diplomacy: A Negotiated Approach to Managing Complex Water Networks (New York: RFF Press, 2013); Lawrence Susskind & Shafiqul Islam, "Water Diplomacy: Creating Value and Building Trust in Transboundary Water Negotiations," Science & Diplomacy , vol. 1, no. 3 (2012); Patrick Huntjens & Rens D. de Man, "Water Diplomacy: Making Water Cooperation Work," The Hague Institute for Global Justice (2014). 8  James Kraska, "Sharing Water, Preventing War—Hydrodiplomacy in South Asia," Diplomacy & Statecraft , vol. 20, no. 3 (2009); Jeroen F. Warner & Mark Zeitoun, "International Relations Theory and Water Do Mix: A Response to Furlong's Troubled Waters, Hydro-Hegemony and International Water Relations," Political Geography vol. 27, no. 7 (2008); Mark Zeitoun & Jeroen Warner, "Hydro-Hegemony - a Framework for Analysis of Trans- Boundary Water Conflicts," Water Policy , vol. 8, no. 5 (2006). 9  Warner et al. 10  Claudia W. Sadoff & David Grey, "Beyond the River: The Benefits of Cooperation on International Rivers," Water Policy , vol. 4, no. 5 (2002). 11  Claudia W. Sadoff & David Grey, "Cooperation on International Rivers," Water International , vol. 30, no. 4 (2005).

التكامل الإقليمي والإدارة الموحّدة لموارد المياه والطاقة والغذاء عبر حوض النهر برمّته  . لا تسعى هذه الدراسة إلى اختبار نموذج محدّد للتعاون، لكنها يمكن أن تندرج في سياق الأدبيات النقدية في دبلوماسية المياه؛ أي تلك التي تدعو إلى طرح وجهات نظر أكثر دقّة وأقلّ إثارة للقلق، وهي تهدف إلى استخدام الأدلة الحديثة، لوضع النزاع على حوض النيل الشرقي في سياقه. إن معظم النقاشات العامة بشأن نزاعات المياه في شرق النيل، قد ركّزت أساسًا على سد النهضة الإثيوبي الكبير، من دون توافر أدلّة أكاديمية كافية تخصّ طبيعة بناء السدود ودوافعه وآثاره، فضلًا عن النزاع الأكبر العابر للحدود. ومن أجل فهٍمٍ أكثر شمولًاللنزاع في شرق النيل، تستعرض هذه الدراسة التحّولّات الرئيسة الأخيرة في شرق النيل، وتركّز على أهمية التغييرات في مجال استغلال النهر. ثم تستخدم هذه الخلفية التحليلية، فضلًاعن الأدبيات الأكاديمية الحديثة، في وضع تقييم نقدي لثمانية مفاهيم خاطئة شائعة تتعلّق بالنزاع في شرق النيل.

أولًا: خلفية الدراسة

1. المساهمة الموضوعية والمفاهيمية

تهدف هذه الدراسة إلى المساهمة في معرفة طبيعة النزاع في شرق النيل على سد النهضة وحجمه. ويمكن أن يوضح تحديُدُ المفاهيم المضلّلة الخاصة بالنزاع على السد الخصائَصَ الأساسية لهذا النزاع، وأن يفرّسر ها، بوصفه نزاعًا معقّدًا يتجاوز مشكلات المياه والتشغيل التقني للسدود. إن القضايا السياسية والتاريخية والمتعدّدة القطاعات، تلك التي تتناولها النقاشات الأكاديمية المطّلعة الخاصة بالسد، تُظِهِر أن النزاع في شرق النيل يحتاج إلى معالجة أكثر دقّة تستند إلى البحث العلمي. من هنا، يمكن أن تشكّل هذه الدراسة جزءًا من الدراسات الخاصة بالنزاعات الخطرة على المياه، تلك التي تفنّد مفاهيم حروب المياه والعنف الوشيك في الدول الواقعة على المياه المشتركة العابرة للحدود  . ولمزيد من الدقة، ترتكز الدراسة على مفاهيم تقاسم المنافع، التي تُخبّئ مركزية قضايا المياه خلف

12  Mohammad Al-Saidi & Amr Hefny, "Institutional Arrangements for Beneficial Regional Cooperation on Water, Energy and Food Priority Issues in the Eastern Nile Basin," Journal of Hydrology , vol. 562 (2018); Mariam M. Allam & Elfatih A. B. Eltahir, "Water-Energy-Food Nexus Sustainability in the Upper Blue Nile (UBN) Basin," Frontiers in Environmental Science , vol. 7 (2019); Hamdy Elsayed et al., "Water-Food-Energy Nexus for Transboundary Cooperation in Eastern Africa," Water Supply , vol. 22, no. 4 (2022). 13  Biswas & Tortajada; Warner et al.; Davis & Hirji; Wolf.

البناء المفاهيمي ل "المنافع" . ويمكن أن تنتج هذه المنافع من تدفّق النهر - امن خلال المشاريع الُمُقامة عليه مثل - ومّم اوراء ذلك التدفّق، استنادًا إلى التعاون في مجال تبادل المعلومات، أو في مجال القضايا البيئية والمناخية الكبرى المرتبطة بالنهر مثلًا. ولكي يتجسّد تقاسم المنافع على الأرض، لا بد من فهم الروابط المعقّدة الكائنة في حوض النهر (مثل القضايا المتعلّقة بالمياه والطاقة والأرض وإيكولوجيا النظم البيئية مثلًا)، فضلًاعن السياق التاريخي والسياسي لتنامي استخدام النهر. ومن خلال توضيح المفاهيم الخاطئة، تُقدّم هذه الدراسة سياقًا للأبعاد التقنية وغير التقنية للنزاع على سد النهضة، وتسلّط الضوء على وجهات النظر المتباينة لأطراف النزاع، والقيود التي تحول دون حلّ النزاع. إن هدف الدراسة هو توضيح مدى التعقيد الذي يتّسم به هذا النزاع؛ ومن ثم الحاجة إلى تعاون متعدّد المستويات في مجال مياه نهر النيل، لكنها لا تحدّد الفوائد الملموسة التي يمكن أن تنتج عن هذا التعاون أو ما يتطلّبه الاتفاق بشأن السد. وغالبًا ما يُنظر إلى الدبلوماسية المائية ومفاهيم تقاسم المنافع بوصفها مقاربات متعدّدة المسارات ومتعدّدة القطاعات، تشمل الدول والمجتمعات المستفيدة والعلماء والمنّظمّات الدولية والفاعلين غير الحكوميين، في تشكيل نتائج التعاون  . ويشكّل النزاع في حوض النيل الشرقي مث لًاُيُحتَذَى في توضيح الحاجة إلى مثل هذه المقاربات المتعدّدة المستويات للتعاون في مجال المياه، في حين أصبحت القضايا أكثر تباينًا وتفاقمًا، وأصبح الفاعلون على هذا النحو أيضًا. وتوضّ ح الدراسة التحوّل الذي طرأ على قضايا التعاون المائي في النيل؛ ومن ثم فإنها تسهم في الأدبيات الأكاديمية الراهنة التي تدعو إلى التحوّل من التركيز على التعاون المائي إلى تضمين قضايا أخرى مثل الطاقة والأرض وتقلّبات المناخ والتكامل الإقليمي السلمي  .

14  Sadoff & Grey, "Beyond the River."; Undala Alam, Ousmane Dione & Paul Jeffrey, "The Benefit-Sharing Principle: Implementing Sovereignty Bargains on Water," Political Geography , vol. 28, no. 2 (2009). 15  Islam & Susskind, "Water Diplomacy: A Negotiated Approach." Patrick Huntjens et al., "The Multi-track Water Diplomacy Framework: A Legal and Political Economy Analysis for Advancing Cooperation Over Shared Waters," The Hague Institute for Global Justice (2016); Al-Saidi & Hefny. 16  Al-Saidi & Hefny; Allam & Eltahir; Mohammed Basheer et al., "Quantifying and Evaluating the Impacts of Cooperation in Transboundary River Basins on the Water-Energy-Food Nexus: The Blue Nile Basin," Science of The Total Environment , vol. 630 (2018); Elsayed et al.

2. خطوات التحليل والبيانات

من أجل فهم أفضل للنزاع على سد النهضة، تقدّم الدراسة أولًا لمحة تاريخية عن التغّي رالذي طرأ على استغلال النهر، الأمر الذي أدّى إلى تغّي رالسياسات المائية الخاصة بحوض النيل. وتكشف هذه الخطوة الأولى أسباب التميّز الذي حظيت به مشكلات النيل، من حيث القضايا والجهات الفاعلة، وكيف أنها أصبحت أكثر إثارة للجدل على مرّ السنين. إنها تمهّد الطريق لوضع النزاع على السد في سياقه، بوصفه مشكلة متعدّدة المستويات تتجاوز القضايا التقنية للمياه. وهذا يعني أن النزاع يتضمّن قطاعات وتحديّات أخرى ترتبط بالتغّي ر المناخي الذي يُعدّ جزءًا لا ينفصل عن القضايا السياسية الطويلة الأمد. ويغدو هذا التعقيد واضحًا في الخطوة الثانية التي تتعامل مع ثمانية مفاهيم خاطئة، تشيع في النقاشات العامة التي تتعلّق بالنزاع على سد النهضة. ويتلخص معيار اختيار هذه المفاهيم الخاطئة في أنها: تشكّل تبسيطًا للجوانب المتعلّقة بطبيعة النزاع على سد النهضة ونطاقه. تعرّضت للتفنيد عبر المعطيات التي قدّمتها الأدبيات الأكاديمية الخاصة بهذا النزاع. وقد حدّدت هذه الدراسة ثلاثة مجالات رئيسة من المفاهيم الخاطئة التي تحتويها النقاشات العامة، باستخدام ملاحظات المؤلَفيَن على التغطية الإعلامية، بوصفهما متخصَّصيَن قديمين في ملف النزاع على شرق النيل. أولًا، غالبًا ما تفتقر التقارير الخاصة بحوض النيل إلى تقدير طبيعة القضايا المتعلّقة بالنزاع على سد النهضة، ونطاقها التقني. والسمة الغالبة على هذا النزاع هي أنه لا يتعلّق إلا بمسائل تقاسم المياه، في حين تفتقر المعطيات التقنية الخاصة بالنزاع، في كثير من الأحيان، إلى التدقيق النقدي. وُتُظهر هذه الدراسة أن قضية سد النهضة ليست نزاعًا مائًّيًا يتعلّق بتشغيل السدود فحسب، بل إنها تسلّط الضوء أيضًا على انعدام اليقين في مجال فهم تأثيرات السد (المفاهيم الخاطئة 1 و 5.) ثانيًا، على مدار العقد الماضي أو نحو ذلك، كان لدينا عدد قليل من التغطيات النقدية المطّلعة على المواقف المتباينة في بلدان المصبّ (السودان ومصر.) وتبّي ن هذه الدراسة حاجتنا إلى معالجة قضية السد انطلاقًا من المنظورات المتباينة للسودان ومصر، مع مراعاة التأثيرات الفردية والمواقف التفاوضية (المفاهيم الخاطئة 2 و 5 و 6.) ثالثًا، غالبًا ما تسيء التقارير الإعلامية تفسير إمكانات حل النزاع، عبر تركيزها على الخيارات الثنائية (على سبيل المثال، الحرب مقابل السلام، أو التخيير بين الاتفاقات الملزمة أو تعذّر الحل.) وتظهر هذه الدراسة أن حل النزاع على سد النهضة، يجب أن يوصف بأنه عملية تنافس سياسي على القضايا الراهنة والتاريخية، باستخدام وسائل غير عنيفة (المفاهيم الخاطئة 3 و 7 و)8

ثانيًا: بروز السياسات المائية وتحوّل نهر النيل

إن التركيز المفرط على النزاعات المائية (أو حتى الحروب) المدمّرة (العنيفة) والحصرية للمشكلات المائية والفاعلين الحكوميين، قد "عفا عليه الزمن" في الأدبيات الأكاديمية، على الرغم من أن وجود النزاعات المائية والبيئية في التاريخ الحديث لحوض النيل أمٌرٌ لا لبس فيه. وفي محاولة إدراك فهٍمٍ عميق للآثار المترتّبة على تلك النزاعات، نحتاج إلى فهم سياقاتها التاريخية والمكانية (أي ارتباطها بقضايا أخرى تتجاوز نطاق تدفّق المياه في النهر.) يقدّم هذا المحور تحليلًايقوم على تقسيم التحّولّات التي طرأت على طول نهر النيل، إلى ثلاث مراحل تقريبية، هي: الاندفاع نحو مزيد السيطرة على تدفّق النهر. التنافس على استغلال النهر. إعادة تشكيل الشؤون الإقليمية لحوض النهر. وتوضّ ح هذه المراحل كيفية تطوّر القضايا ذات العلاقة، لتجاوز حصرها في مسألة واحدة؛ هي تدفّقات مياه النيل. تعود جذور مرحلة السيطرة على نهر النيل إلى الحكم البريطاني للمنطقة الذي خلّف آثارًا قانونية وسياسية كبيرة في استخدام مياه النيل. ويعرض جدول معالم التعاون في مجال المياه المعالم الرئيسة العابرة للحدود، في تاريخ التعاون والنزاع بين الدول المتشاطئة على نهر النيل. وقد أعطت اتفاقيات النيل الثنائية في سنَتَي 1929 و 1959 الأفضلية لدولَتَي المصبّ؛ مصر والسودان، وضمنت اتفاقية 1929 تدفّق مياه النيل إلى السودان ومصر من دون انقطاع، فقد كانت للبريطانيين مصالح زراعية كبيرة، ولا سيما في مجال إنتاج القطن. وحصلت مصر بموجب هذه الاتفاقية على "حقوق مطلقة" في السيطرة على تدفّق نهر النيل (المياه الزرقاء) داخل حدودها وخارجها، بما في ذلك حق الاعتراض على إنشاء المشاريع التي تؤثّر في تدفّق مياه النيل، أو إجراء الدراسات المسحية في السودان . وما زالت مصر تستخدم هذه الاتفاقية حتى اليوم، حين تشير إلى

17  Yunus Turhan, "The Hydro-Political Dilemma in Africa Water Geopolitics: The Case of the Nile River Basin," African Security Review , vol. 30, no. 1 (2021).

"حقوقها التاريخية"، وتركّز على مبدأ "عدم إحداث ضرر جسيم" في القانون الدولي؛ ما يعني أن مشاريع دول المنبع لا ينبغي لها أن تسبّب ضررًا كبيرًا لدول المصب. وبعد استقلال الدول المتشاطئة، استمر التحكّم في تدفّق النهر مسيطرًا على شؤون النيل. أما اتفاقية 1959، فقد مهّدت الطريق لمزيد من التنمية عبر تنظيم تدفّق النهر، ولا سيما في مصر، من خلال بناء السد العالي في أسوان  . وأتاحت هذه الاتفاقية للسودان إنشاء عدد من المشاريع، من بينها بناء سد الروصيرص وامتداد المناقل في مشروع الجزيرة الزراعي إبان ستينيات القرن العشرين. وعملت هذه الاتفاقية، فضلًا عن تأميم قناة السويس 1956() ثم بناء السد العالي في أسوان خلال الستينيات والسبعينيات، على إضعاف الحكم البريطاني؛ ما أدّى في نهاية الأمر إلى طرد البريطانيين من المنطقة  . وهيمنت على المرحلة الأولى، التي امتدت إلى الثمانينيات، التحّولّات السياسية والاقتصادية العالمية التي وَسََمَت بطابعها القرنين التاسع عشر والعشرين، بما في ذلك الإرث الكولونيالي. وكان الاهتمام المركزي للقوى الكولونيالية والحكومات الوطنية خلال هذه المرحلة، منصًّبًا على الوصول إلى نهر النيل والتحكّم فيه، ولا سيما من أجل الزراعة . أما المرحلة الثانية من دبلوماسية النيل التي امتدت من أواخر الثمانينيات إلى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فقد تشكّلت من خلال التحّولّات الوطنية التي شهدتها البلدان المتشاطئة على النيل، ولا سيما عبر زيادة عدد السكان والاقتصاديات المتنامية. واحتدّت المنافسة على استغلال نهر النيل مع بدء دول منبع النيل استكشاف مشاريع البنية التحتية، من أجل زيادة استخدامها لنهر النيل في مجال إمدادات المياه أو الزراعة أو توليد الطاقة الكهرومائية. وعلى الرغم من وجود بعض مبادرات التعاون المتفرّقة العابرة للحدود، مثل مشروع هيدروميت (1967-1992) Hydromet لمسح الموارد المائية في حوض النيل، فقد شهدت حقبة التسعينيات تحّولّات كبيرة. فبعد إنشاء مشروع تيكونيل (1992-1999) Tecconile الذي جمع دول نهر النيل في أنشطة ترتبط غالبًا بتوليد المعرفة وبناء القدرات، وُلدت مبادرة حوض النيل عام 1999 التي كانت تهدف بوضوح إلى التعاون على تنمية موارد مياه النيل. وتبنّت هذه المبادرة روح الشراكة المتساوية، والحاجة إلى التعاون على استخدام

18  Abdelfattah Metawie, "History of Co-Operation in the Nile Basin," International Journal of Water Resources Development , vol. 20, no. 1 (2004). 19  Bolade Eyinla, "Nationalization of the Suez Canal Company in Retrospect," International Studies , vol. 28, no. 3 (1991). 20  Aaron Tesfaye, "Conflict and Cooperation and the Evolution of the Nascent Nile Basin Regime," Northeast African Studies , vol. 14, no. 1 (2014).

النيل لتنمية البلدان المتشاطئة جميعًا. ومع ذلك، عكست تطوّرات هذه المرحلة زيادة المنافسة بدلًامن التعاون؛ إذ اتّبعت إثيوبيا في تسعينيات القرن العشرين سياسة خارجية متشدّدة حيال مياه النيل، يمكن ربطها بنمو مشروع بناء الدولة لدى الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في إثيوبيا  . وفي ظل النظام الإمبراطوري، ومن بعده حكومة الديرغ (الحكومة العسكرية المؤقّتة لإثيوبيا الاشتراكية)، تمسّكت إثيوبيا بحقوقها في استخدام نهر النيل حرصًا على التنمية في البلاد، وقدّمت احتجاجًا على أي موقف معارض يصدر من مصر أو السودان  . وحين نجحت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في توطيد سلطتها بدايةً من أواخر التسعينيات، طوّرت إثيوبيا مزيدًا من الاستراتيجيات المضادة من خلال الدبلوماسية الاستباقية (مثل تحسين العلاقات الدبلوماسية مع دول المنبع، والمشاركة في مبادرة حوض النيل)، وجمع الموارد المالية الدولية للبنية التحتية لنهر النيل، والاستثمار في القدرات الوطنية . وفي وقت مبكّر من الفترة نفسها، وقّعت إثيوبيا اتفاقية إطارية للتعاون الشامل مع مصر عام 1993، تنصّ على أن يلتزم الطرفان باستخدام نهر النيل استنادًا إلى القانون الدولي. وبموجب هذه الاتفاقية، وافق الطرفان على الامتناع عن ممارسة أي نشاط على نهر النيل، من شأنه أن يسبّب "ضررًا ملموسًا" في مصالح الأطراف الأخرى، فضلًاعن "التشاور والتعاون" في "المشاريع ذات المنفعة المتبادلة." بِرِمت عام أدّت اتفاقية الإطار التعاوني التي أ 2010، وقرار إثيوبيا بناء سد النهضة عام 2011، إلى زيادة حدّة المنافسة على استخدام نهر النيل مع مصر التي كانت الدولة "المهيمنة التقليدية." أما السودان، فقد عارض في البداية كلا المشروعين. وقد شكّلت اتفاقية الإطار ا لتعاوني مؤرّشًا د ل اعلى بدء حقبة جديدة من المنافسة المتصاعدة على نهر النيل؛ إذ برزت دول أعالي المجرى النهري لتتحدّى قوة دول المصب  . وُعُِّزِزت هذه المنافسة من خلال توافر المعرفة التكنولوجية غير التقليدية، وتمويل مشاريع البنية التحتية عبر القروض الصينية

21  Kaleb Demerew, "From Red Sea to the Nile: Water, Power, and Politics in Northeast Africa," Third World Quarterly , vol. 42, no. 12 (2021). 22  Belete B. Yihun, "Battle over the Nile: The Diplomatic Engagement Between Ethiopia and Egypt, 1956-1991," International Journal of Ethiopian Studies , vol. 8, no. 1-2 (2014). 23  Ana E. Cascão, "Ethiopia-Challenges to Egyptian Hegemony in the Nile Basin," Water Policy , vol. 10, no. S2 (2008). 24  Salman M. Salman, "The Nile Basin Cooperative Framework Agreement: A Peacefully Unfolding African Spring?" Water International , vol. 38, no. 1 (2013).

مثلًا، والمشاركة في السياسات المائية لنهر النيل . وقد أدت هذه المشاركة إلى تقديم مبادرات أحادية الجانب في المنطقة  . أما المرحلة الثالثة والأخيرة، فما زالت في طور النشوء، وهي تتشكّل من خلال تفاقم الشك في مستقبل استغلال النهر، والتعقيد الذي يِسِم قضايا التعاون في حوض النيل. وأدّت هذه العوامل إلى إعادة تشكيل الشؤون الإقليمية لنهر النيل، الأمر الذي يشمل المشكلات الجديدة والجهات الفاعلة ومستويات التعاون. وتشتمل الشكوك التي تواجه مستقبل استغلال نهر النيل، بسبب النزاع على سد النهضة، على مشكلات تتجاوز تقاسم المياه والجهات الفاعلة من خارج الدول المتشاطئة. لقد دخل حوض النيل الشرقي، مع بناء هذا السد، مرحلة سيطر فيها النزاع المائي العابر للحدود على المناقشات العامة والتعاون بين الدول في مجال المياه. ومع انعدام حل لمشكلة السد، ونحن في أواخر عام 2023، من المرجّح أن شرق النيل قد دخل حقبة وصفتها رانية توفيق بأنها غير مستقرة، تقوم على "سيطرة متناَزَع عليها"، بدلًامن التقاسم الُمُنِصِ ف لنهر النيل  . وُتُعدّ هذه الحقبة اختبارًا للهيمنة المائية المصرية على نهر النيل، إن لم نقل إنها أصبحت تسير في الاتجاه المعاكس  ؛ إذ تنخرط مصر وإثيوبيا في استراتيجيات مكافحة الهيمنة. مثال ذلك أن إثيوبيا واجهت الهيمنة المصرية مؤخّرًا، باستخدام تنظيم مياه النيل في توليد الطاقة الكهرومائية، كما تستخدم مصر الآن التجارة الثنائية وشراء الأراضي الإثيوبية الصالحة للزراعة من أجل مواجهة طموحات الطاقة لدى إثيوبيا  . ويجادل هاري فيرهوفن في أن "سياسات جديدة" بدأت تلوح في الأفق بشأن العلاقة بين المياه والطاقة والغذاء والعوامل المعقّدة؛ السياسية والاقتصادية والبيئية مثلًا، تلك التي تحدّد الأمن المائي في

25  M. K. Mahlakeng, "China and the Nile River Basin: The Changing Hydropolitical Status Quo," Insight on Africa , vol. 10, no. 1 (2017). 26  Ashok Swain, "Challenges for Water Sharing in the Nile Basin: Changing Geo-Politics and Changing Climate," Hydrological Sciences Journal , vol. 56, no. 4 (2011). 27  Rawia Tawfik, "Revisiting Hydro-Hegemony from a Benefit-Sharing Perspective: The Case of the Grand Ethiopian Renaissance Dam," Discussion Paper , no. 5/2015, Deutsches Institute für Entwicklungspolitik, 2015. بدر حسن شافعي،  28 مصر وإثيوبيا وصراع الهيمنة على حوض النيل: سد النهضة نموذجًا (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.)2021 29  Hala Nasr & Andreas Neef, "Ethiopia's Challenge to Egyptian Hegemony in the Nile River Basin: The Case of the Grand Ethiopian Renaissance Dam," Geopolitics , vol. 21, no. 4 (2016).

حوض النيل الآن  . وأدّى ذلك إلى تأثّر نتائج التعاون في مجال تنمية المياه والطاقة في الحوض بسبب جهات فاعلة جديدة من المجتمع المدني الوطني والعالمي، فضلًا عن الاقتصاد العالمي المتمثّل في الشركات الآسيوية أو الخليجية. في الوقت نفسه، تؤدّي تأثيرات التغّي ر البيئي الإقليمي والعالمي، مثل التأثيرات الناجمة عن تغّي رالمناخ، إلى زيادة التوتّرات في مجال القدرة على حل المشكلات في المستويين المحلي والوطني. ويركّز السعيدي وحفني على أهمية توسيع قضايا التعاون في نهر النيل، لتشمل المخاوف الخاصة ب "ما وراء النهر" (مثل تغّي رالمناخ والتجارة والنظم البيئية واستثمارات البنية التحتية)، على أساس فكرة التعاون الإقليمي  . ويمكن أن يخفّف هذا التعاون وتيرة بعض النزاعات على المياه والطاقة في حوض النيل الشرقي  . ويغدو ضرورًّيًا جًّدًا أن نراعي التهديدات التي تشهدها المنطقة، مثل التهديدات التي تنشأ من جرّاء تغّي رالمناخ  . وتركّز الدراسات الحديثة على ضرورة مراعاة الشكوك بشأن المناخ في أثناء تطوير أي بنية تحتية عبر نهر النيل  . في عام 2015، أبرمت إثيوبيا ومصر والسودان اتفاقية تهدف إلى استكشاف سُبل التعاون في حل مشكلة سد النهضة. وشكّلت تلك الاتفاقية انعكاسًا لإمكانية تحقيق نتائج مُربحة للأطراف كلها، من خلال مراعاة القضايا المعقّدة التي ينطوي عليها بناء المشاريع العملاقة على نهر النيل، وتشغيلها في الوقت الراهن. وفي ظل السيناريوهات التعاونية، يُقال مثلًاإن سد النهضة سُيُحسّن توليد الطاقة الكهرومائية وإمدادات مياه الري، فضلًاعن إمكانية السيطرة على الفيضانات في السودان، مع ضمان الحدّ الأدنى من التأثيرات التي

30  Harry Verhoeven, "The Politics of African Energy Development: Ethiopia's Hydro-Agricultural State-Building Strategy and Clashing Paradigms of Water Security," Philosophical Transactions of the Royal Society A: Mathematical, Physical and Engineering Sciences , vol. 371, no. 2002 (2013). 31  Al-Saidi & Hefny. 32  Mohammad Al-Saidi et al., "Water-Energy-Food Security Nexus in the Eastern Nile Basin," in: P. A. Salam et al. (eds.), Water‐Energy‐Food Nexus: Principles and Practices , Geophysical Monograph Series (NJ, USA: Wiley; Washington: American Geophysical Union (AGU), 2017). 33  Swain. 34  Mohammed Basheer et al., "Cooperative Adaptive Management of the Nile River with Climate and Socio-Economic Uncertainties," Nature Climate Change , vol. 13 (2023); Mohammed Basheer et al., "Negotiating Nile Infrastructure Management Should Consider Climate Change Uncertainties," Nature Climate Change , vol. 13 (2023).

جدول معالم التعاون في مجال المياه العابرة للحدود في نهر النيل

المعالمالأوصافالمستفيدون المتصّوّرونالأأأطراف المعارضة
اتفاقية أديس أبابا Nile
Treaty (1902)
اتفاقية أبرمتها بريطانيا العظمى (نيابة عن السودان) مع
إثيوبيا، بشأن الحدود بين البلدين. وقد وضعت شرطًا يلزم
إثيوبيا بعدم إنشاء أي أعمال عبر النيل الأزرق أو بحيرة تانا
أو نهر السوباط، من شأنها أن "تكبح تدّفّق" المياه إلى النيل،
من دون موافقة من بريطانيا العظمى.
مصر والسودانإثيوبيا
اتفاقية مياه النيل Water Nile
Agreement (1929)
اتفاقية بين المملكة المتحدة (نيابة عن دول شرق أفريقيا)
ومصر، خّصّصت فيها لمصر 48 مليار متر مكعب من تدّفّق
نهر النيل، و4 مليارات متر مكعب للسودان، فضلًاعن منح
مصر حّقّ النقض ضد أي مشروع ُيُقام في المنبع.
مصر والسودانسائر دول حوض النيل الأخرى
مفاوضات إنشاء سّدّي أسوان
والروصيرص (الخمسينيات)
مفاوضات بين مصر والسودان لبناء سّدّي أسوان والروصيرصمصر والسودانلا أحد
اتفاقية تقاسم مياه النيل Nile
Water Treaty (1959)
اتفاقية الاستغلال الكامل لمياه النيل بين مصر والسودانمصر والسودانسائر دول حوض النيل الأخرى
مبادرة حوض النيل)1999(الإطار التعاوني للتنمية المستدامة وإدارة نهر النيلبلدان النيل كّلّهالا أحد
مشروع العمل البيئي العابر
لحدود نهر النيل)2004(
المشروع الأول على مستوى الحوض، في إطار مبادرة حوض
النيل، لتعزيز مشاريع التنمية المرتبطة بالمياه في حوض النيل
بلدان النيل كّلّهالا أحد
اتفاقية الإطار التعاوني)2010(وّقّعتها ست دول متشاطئة حتى الآن، على الرغم من
معارضة مصر والسودان
بلدان النيل كّلّها باستثناء
مصر والسودان
مصر والسودان
اتفاقية إعلان المبادئ بشأن سد
النهضة)2015(
وّقّعتها مصر والسودان وإثيوبيا لُتُعيد التشديد على
المبادئ المستِنِدة إلى قانون المياه الدولي (الاستغلال العادل
والمعقول، وعدم التسّبّب في ضرر جسيم مثلًا) والتعاون
الواعد في ملء سد النهضة وتشغيله.
مصر وإثيوبيا والسودانلا أحد
مفاوضات واشنطن (محادثات
سد النيل))2020(
جولات متعّدّدة من المحادثات بوساطة أميركية، للتفاوض
على اتفاق ملزم بشأن سد النهضة.
مصر والسودانإثيوبيا (انسحبت من
المفاوضات في مراحل لاحقة)

سد النيل))2020(على اتفاق ملزم بشأن سد النهضة.

المصدر: من إعداد الباحثين.

يمكن أن تلحق بالري والطاقة الكهرومائية في مصر  . ومع ذلك، يُتوقّع أن يواجه السودان أيضًا آثارًا بيئية سلبية مع خسارة زراعته الانحسارية   Agriculture Recession. وثمة فكرة أخرى تستند إلى التعاون الإقليمي الهادف؛ هي الاستثمارات في الزراعة البعلية

35  Mohammed Basheer, "Cooperative Operation of the Grand Ethiopian Renaissance Dam Reduces Nile Riverine Floods," River Research and Applications , vol. 37, no. 6 (2021); Kevin G. Wheeler et al., "Cooperative Filling Approaches for the Grand Ethiopian Renaissance Dam," Water International , vol. 41, no. 4 (2016). 36  Nadir A. Elagib & Mohammed Basheer, "Would Africa's Largest Hydropower Dam Have Profound Environmental Impacts?" Environmental Science and Pollution Research , vol. 28, no. 7 (2021).

المفاوضات في مراحل لاحقة)

المطرية Agriculture Rain-Fed التي تعمل بكفاءة في حوض النيل، وهو ما يوفّر المياه الكافية لإنتاج الطاقة الكهرومائية بوصفها مشروعًا مُربحًا للأطراف كلها. ومن شأن ذلك أن يسهم في حل النزاع على النيل  . وعلى الرغم من أن الحلول التقنية المفيدة ممكنة، فإن هذه الحلول تحتاج إلى مراعاة الواقع السياسي والمصالح في المشهد المتغّي رللجهات الفاعلة المحلية والوطنية والإقليمية  .

37  Allam & Eltahir. 38  Detlef Müller-Mahn et al., "The Water-Energy-Food Nexus Beyond "Technical Quick Fix": The Case of Hydro-Development in the Blue Nile Basin, Ethiopia," Frontiers in Water , vol. 4 (2022).

ثالثًا: الخلافات الأخيرة المتعلقة بنهر النيل: ثمانية مفاهيم خاطئة شائعة بشأن سد النهضة

يوضح التحوّل الذي طرأ على قضايا التعاون في حوض النيل الشرقي التحديات المتنامية التي تواجه التعاون في مجال المياه العابرة للحدود في نهر النيل. لقد ظل النزاع على سد النهضة، خلال أكثر من عقد من الزمن، أهم أمٍرٍ يشغل التعاون في مجال المياه بين إثيوبيا ومصر والسودان؛ ما أدّى إلى توتّر في العلاقات بين تلك الدول. ويشكّل العجز عن حل هذا النزاع انعكاسًا لطبيعته المعقّدة التي سنوضّ حها في هذا المحور، وهو محور يشجّع على إجراء نقاشات معمّقة بشأن النزاع على شرق النيل باستخدام الأدبيات الأكاديمية، عبر تسليط الضوء على ثمانية مفاهيم خاطئة رئيسة تخصّ القضايا التقنية ومواقف الأطراف ذات العلاقة بها، فضلًاعن فرص حل النزاع. وتتمثل هذه المفاهيم فيما يلي:

1. النزاع المائي التقني المرتبط بملء السد إن سد النهضة مشروع للطاقة الكهرومائية لا يستهلك المياه، إذا استثنينا خسائر التبخّر والتسرّب  . وعلى الرغم من ذلك، تظل نقاط الخلاف الرئيسة بين الدول الثلاث مرتبطة بالآثار الطويلة الأمد للاتفاق على توزيع مياه النيل في السد. وتسعى مصر إلى ضمان أمنها المائي، من خلال اتفاقية تتضمّن أحجامًا مضمونة من الإطلاقات

39  Basheer et al., "Quantifying and Evaluating the Impacts."

المائية، ولا سيما خلال فترات الجفاف التي تستمر بضع سنين. لقد تضمّنت مسودة اقتراح واشنطن الذي قَِبِلته مصر، مثلًا، قواعد لإطلاقات المياه السنوية من السد، في أثناء الملء الأول والتشغيل الطويل الأمد، فضلًاعن تدابير تخفيف الجفاف . ومن منظور إثيوبيا، يمكن أن يحدّ الالتزام بأحجام إطلاق المياه، بوصفه جزءًا من اتفاقية سد النهضة، من توليد الطاقة باستخدام السد، ويعرقل تطوير البنية التحتية المستقبلية في إثيوبيا  . وتمخّضت عن معظم نتائج النمذجة العلمية تأثيرات واهية، مرهونة غالبًا بمجموعة من المتغّي رات. وقد وجد كيفن ويلر وآخرون أن تدفّق النيل سينخفض في أثناء ملء السد، لكن عواقب ذلك على مصر ستكون كبيرة من حيث نقص المياه  . ويرجع ذلك أساسًا إلى الاحتياطي الأولي في خزان السد العالي بأسوان   ، وهو الآن في مستوى عاٍل. ولن تتعرّض مصر للتهديد بعد ملء الخزان إلا في حالة الجفاف الذي قد يستمر بضع سنين، وهو أمٌرٌ يقتضي تنسيقًا دقيقًا . وُتُظهر نتائج مماثلة أن الأخطار التي يواجهها السودان ومصر يمكن تخفيفها على نحو ملحوظ (مع جعل إثيوبيا أفضل ح لًا) من خلال رفع مستوى التنسيق في أثناء بناء سد النهضة وبعد ذلك، بغية تحسين العوامل الخاصة بالتدفّق وسحب المياه والتخزين  . لا أحد يعرف تمامًا التأثيرات التي ستنتج من نقص المياه في مجرى النهر، خلال ملء سد النهضة، لكن تخفيف وطأتها أمٌرٌ ممكن. ومع

40  Mohamed Edress, "Letter Dated 1 May 2020 from the Permanent Representative of Egypt to the United Nations Addressed to the President of the Security Council," United Nations Security Council, 2020, accessed on 9/4/2023, at: https://bit.ly/3QZ2A95 41  Taye A. Amde, "Letter Dated 14 May 2020 from the Permanent Representative of Ethiopia to the United Nations Addressed to the President of the Security Council," United Nations Security Council, 2022, accessed on 9/4/2023, at: https://bit.ly/47QgCAB 42  Kevin G. Wheeler et al., "Understanding and Managing New Risks on the Nile with the Grand Ethiopian Renaissance Dam," Nature Communications , vol. 11, no. 1 (2020). 43  Wheeler et al., "Understanding and Managing New Risks." 44  Copernicus Global Land Service, "Water Level," European Flagship Programme on Earth Observation, accessed on 27/12/2022, at: https://bit.ly/47QgCAB 45  Mohammed Basheer et al., "Collaborative Management of the Grand Ethiopian Renaissance Dam Increases Economic Benefits and Resilience," Nature Communications , vol. 12, no. 1 (2021). 46  Befekadu G. Habteyes et al., "Mutually Beneficial and Sustainable Management of Ethiopian and Egyptian Dams in the Nile Basin," Journal of Hydrology , vol. 529 (2015); Wheeler et al., "Cooperative Filling Approaches."; Kevin G. Wheeler et al., "Exploring Cooperative Transboundary River Management Strategies for the Eastern Nile Basin," Water Resources Research , vol. 54, no. 11 (2018).

ذلك، تبدو المشكلة الأكثر إلحاحًا وغموضًا كامنة في احتمال حدوث ظواهر مناخية قاسية أثناء التشغيل المستقر، مثل الجفاف الذي يدوم بضع سنين. من هنا، لا يغدو مستغَرَبًا أن يأتي الاتفاق على قواعد تشغيل طويلة الأمد لسد النهضة، في قمة أولويات السودان ومصر، من دون أن ننسى مشكلة ملء السد. ومن شأن اتفاق كهذا أن يعالج كيفية التعامل مع تقلّبات المناخ. إن للحلول التي تستند إلى التزامات خاصة بإطلاق المياه نحو مجرى النهر آثارًا بعيدة المدى تتعلّق باستخدام موارد مياه النيل عند المنبع. أما تشغيل السد من دون أي التزامات، فإنه سيعرّض دول المصب إلى فقدان الأمن المائي الكافي في أثناء الجفاف. وفي نهاية المطاف، لا بد من الاتفاق على تسوية بين هذين النقيضين. يجمع النزاع على سد النهضة، على نحو عام، قضايا المياه والطاقة والمناخ، فضلًاعن أنه أصبح أكثر تعقيدًا بسبب المشكلات السياسية الخاصة بالنزعة الأحادية ومدى التعاون الضروري. إن مشكلة الطاقة الكهرومائية تثير الخلاف بين دول حوض النيل، وهو ما أدّى إلى توتّر العلاقات بينها  . لقد سمحت مبادرة حوض النيل بتنفيذ عدد من المبادرات (الفاشلة) في مجال التطوير المشترك لبنية نهر النيل التحتية، بما في ذلك مرافق تخزين المياه من أجل الطاقة الكهرومائية، إضافة إلى أهداف أخرى (عبر استثمارات المساهمة في المشاريع المشتركة المتعدّدة الأغراض) . لم يحدث ذلك إلا حين قرّرت دول شرق النيل - بمساعدة الصين ودول آسيوية أخرى - الاستثمار في "السياسة الواقعية" Realpolitik، من خلال إنشاء مشاريع البنية التحتية الكبرى من جانب واحد - مثل سد مروي في السودان عام 2009، وسد النهضة في إثيوبيا، وربما مشروع توشكي في مصر أيضًا . وعلى الرغم من أن هذه المشاريع كلّها لم تشتمل على تنسيق واسع عبر الحدود، فقد كانت مشاريع المصب أقل إثارة للجدل بسبب تأثيراتها في تخصيص مياه النيل، تلك التي اتسمت بأنها أقل حدّة على المدى الطويل. والأهم من ذلك أن قرار إثيوبيا إطلاق مشروع السد، بسعة 74 مليار متر مكعب من جانب واحد، قلب آمال التعاون الإقليمي في مجال الطاقة الكهرومائية. وقد جاءت هذه الخطوة بعد مضي سنوات من المحادثات الخاصة بتجارة الطاقة الإقليمية، وهو أمٌرٌ تضمّن مشاريع الطاقة الكهرومائية المشتركة (بما في ذلك مناقشات إنشاء "سد حدودي" بسعة 14.5 مليون متر مكعب في موقع السد

47  Verhoeven. 48  Alan Nicol & Ana E. Cascão, "Against the Flow - New Power Dynamics and Upstream Mobilisation in the Nile Basin," Review of African Political Economy , vol. 38, no. 128 (2011). 49  Ibid.

نفسه)، فضلًاعن الخلافات التي دارت حول اتفاقية الإطار التعاوني، وقرار مصر تعليق عضويتها في مبادرة حوض النيل  .

النزاع بين المنبع (إثيوبيا) والمصب (السودان ومصر)

في مفاوضات سد النهضة، غّي رت الحكومة السودانية موقفها على مرّ السنين، انسجامًا مع مصالحها وسياساتها الإقليمية. وعلى الرغم من تقديم مصر والسودان احتجاجًا مبدئًّيًا على إعلان سد النهضة، فإنّ سلمان محمد سلمان يوضّ ح أن موقف السودان قد تغّي رتدريجًّيًا، عبر تسليط الضوء على فوائد تنظيم تدفّق النيل الأزرق، للحدّ من الرواسب والفيضانات في السودان، أو بناءً على توافر الكهرباء في البلاد  . لكن موقف السودان أصبح قريبًا من مصر مؤخرًا، ولا سيما بعد ملء السد من جانب واحد في يوليو/ حزيران 2020، وهو ما أثّر سلبًّيًا في استخدام المياه بالسودان.

لقد وجّه السودان رسالة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أبلغه فيها أن البلاد قد عانت انقطاع إمدادات المياه البلدية ومياه الرّي ثلاثة أيام، خلال ملء سد النهضة في العام الأول، من جراء الانخفاض

50  Rawia Tawfik, "The Grand Ethiopian Renaissance Dam: A Benefit-Sharing Project in the Eastern Nile?" Water International , vol. 41, no. 4 (2016).

51  Salman M. A. Salman, "The Grand Ethiopian Renaissance Dam: The Road to the Declaration of Principles and the Khartoum Document," Water International , vol. 41, no. 4 (2016).

الحاد في منسوب المياه؛ ما أدّى إلى تعطّل عدد من محطات الضّخ . ويسلّط السودان الضوء على مسألتين رئيستين هما سلامة السد وتنسيق العمل بين سدّي النهضة والروصيرص. ويوضح ويتينغتون أن مصالح السودان الاقتصادية في استغلال نهر النيل، من خلال السد، يمكن أن تدفع في اتجاه الوصول إلى اتفاق بين إثيوبيا والسودان  . ومن الناحية النظرية، يمكن أن يستفيد السودان من التعاون الثنائي مع إثيوبيا عبر تبادل البيانات والتنسيق في مجال تشغيل السد. لكن تلك الفوائد يجب أن تتوازن مع المؤثرات السلبية التي يمكن أن تعانيها الزراعة الانحسارية والبيئة  . في بداية الأزمة، كانت نظرة السودان إلى تأثير سد النهضة أقل سلبية من مصر. وينبغي لنا تقييم هذا المنظور انطلاقًا من العلاقات المائية التي تجمع السودان ومصر. لقد ذهب بعض القادة السودانيين إلى أن اتفاقية 1959 "ليست جيدة ولا سيما للسودان"، وأن مصر استخدمت غالبًا المياه "غير المستغلة" من حصة السودان التي نصّت عليها الاتفاقية المذكورة  . وتشمل بعض الشكاوى المذكورة من اتفاقية 1959 أنها خصّصت للسودان أقل حصة من نهر النيل 18.5(مليار متر مكعب)، مقارنةً بحصة مصر البالغة 55.5 مليار متر مكعب، يضاف إل ذلك أن آلاف النوبّييّن السودانيين اضطروا إلى النزوح من أماكنهم  . وفضلًاعن ذلك، ظلّت العلاقات بين مصر والسودان متوتّرة بسبب الخلافات الحدودية (على منطقة حلايب)، والاتهامات االسياسية بالتدخّل في الشؤون الداخلية (مشكلة دارفور مثل) . وحتى في مبادرة حوض النيل، انضمّت إثيوبيا والسودان أحيانًا إلى الجهود المبذولة من أجل "إعادة مصر الكاملة" إلى البرنامج المشترك المتعدّد الأغراض، وهو أهم برامج المبادرة . وحين بدأت أعمال سد النهضة، أ نِشِئت لجنة وطنية ثلاثية لدراسة السد، ضمّت مصر وإثيوبيا والسودان، لكن أعمال تلك اللجنة انتهت عام 2017 من دون اتفاق، وكان موقف السودان أكثر انسجامًا مع إثيوبيا، فأدّى ذلك إلى

52  Ali M. O. Yassin, "Letter Dated 2 September 1994 from the Permanent Representative of the Sudan to the United Nations Addressed to the President of the Security Council," United Nations Security Council, 2022, accessed on 9/4/2023, at: https://bit.ly/46vDoge 53  Dale Whittington, John Waterbury & Marc Jeuland, "The Grand Renaissance Dam and Prospects for Cooperation on the Eastern Nile," Water Policy , vol. 16, no. 4 (2014). 54  Basheer, "Cooperative Operation." 55  Nicol & Cascão. 56  Ibid. 57  Turhan. 58  Ana E. Cascão & Alan Nicol, "GERD: New Norms of Cooperation in the Nile Basin?" Water International , vol. 41, no. 4 (2016).

توتّر علاقاتها مع مصر  . لقد استمر هذا التوتّر إلى حين قيام إثيوبيا بالملء الأول للسد من جانب واحد عام 2022، وحينئذ تغّي رالموقف السوداني ليغدو أكثر انسجامًا مع موقف مصر. من هنا، أثبت موقف السودان "الواقعي" من قضية سد النهضة، أنه ليس موقفًا ثابتًا .

عدم ارتباط اتفاقيات النيل التاريخية بمفاوضات سد النهضة

يشكّل اختيار الحد الأساسي اللازم لقياس تأثيرات سد النهضة في السودان ومصر نقطة خلاف بين الدول المتشاطئة  . وتجادل إثيوبيا في أن الاستناد إلى اتفاقية 1959، لتوقيع اتفاقية مُلِزِمة هدفها تخفيف آثار السد في السودان ومصر، سُيُعدّ اعترافًا باتفاقيتي المرحلة الاستعمارية 1902(و 1929)، وهي لا ترى نفسها مُلَزَمة بها. ولكي تعضد موقفها، تستشهد إثيوبيا بمبادئ قانونية شتى، منها "مبدأ الصفحة البيضاء" Doctrine Slate Clean ، وترى أن اتفاقية 1959 لا تُلِزِم إلا من وقّعها؛ أي مصر والسودان . من منظور علمي، ثمة حجٌجٌ تؤيّد موقف إثيوبيا القانوني وتعارضه في آن واحد، بما في ذلك وجهة النظر "الوضعية" التي تذهب إلى ضرورة الالتزام بالاتفاقيات التاريخية  . ومع ذلك، لا تنفرد إثيوبيا باتخاذ هذا الموقف؛ إذ تؤكّد دول نهر النيل المستقلة المتشاطئة الأخرى اليوم أنها ما عادت مُلَزَمة باتفاقية 1929 . أما مصر، فهي تحتجّ بنظرية "الدولة الوريثة" State Succession لتطالب بصحة الاتفاقية المذكورة   . ومنذ الخمسينيات، تأثّرت العلاقات بين مصر وإثيوبيا بالخلافات التي أفرزتها اتفاقيات النيل التاريخية  . إن المنظور الإثيوبي يقوم على أن الدولة لا ينبغي لها أن تتصرّف كما لو كانت محتاجة إلى أي

59  Salman M. A. Salman, "The GERD and the Revival of the Egyptian- Sudanese Dispute over the Nile Waters," in: Zeray Yihdego et al. (eds.), Ethiopian Yearbook of International Law 2017 (Cham: Springer International Publishing, 2018).

60  Kaleb Demerew, "Realist Perspectives on Nile Politics: Conflict and Cooperation between Ethiopia and Egypt," African Security , vol. 15, no. 3 (2022).

61  Dale Whittington, "Contested Baselines and Transboundary Water Resources Management, with Illustrations from the Nile," Water International , vol. 47, no. 6 (2022). 62  Zeray Yihdego & Alistair Rieu-Clarke, "An Exploration of Fairness in International Law Through the Blue Nile and GERD," Water International , vol. 41, no. 4 (2016). 63  Turhan. 64  Demerew, "From Red Sea to the Nile." 65  Salman, "The Grand Ethiopian Renaissance Dam." 66  Salman, "The Nile Basin Cooperative Framework Agreement." 67  Yihun.

موافقة مسبقة من مصر لبناء سد النهضة، لأن هذا الأمر سيبدو كأنه اعتراف بمبدأ غير عادل. وترفض إثيوبيا أي نقاش يتعلّق بتأثيرات السد في حصة السودان أو مصر من نهر النيل، بناءً على عدم اعترافها باتفاقية 1959 (لأنها ليست طرفًا فيها.) وفي الوقت نفسه، تفضّ ل مصر والسودان توقيع اتفاقية مُلِزِمة قانونًّيًا بشأن السد، حتى لو كان ذلك من دون الإشارة إلى اتفاقية تاريخية ما. إن الوصول إلى اتفاقية قوية يمكن أن يعضد، من الناحية العملية، موقف دول المصب، عبر الإقرار بأن إقامة أي مشاريع في المنبع يستلزم موافقة مسبقة من دول المصب، أو المشاركة في المشروع في أقل تقدير، وذلك استنادًا إلى حقوقها التاريخية. من هنا، كان لمصير تلك الاتفاقيات التاريخية تأثير ملموس في حلّ النزاع على سد النهضة. هكذا يبقى الأمر مفتوحًا للاحتمالات، إذا وافقت إثيوبيا على توقيع اتفاقية مُلِزِمة بعد ملء السد؛ فهي، في الحال التي نحن بصددها، لم تطلب موافقة مسبقة لبناء السد، لأنها لا تعترف باتفاقيات النيل التاريخية.

4. فوائد السودان من سد النهضة

يُشَتَهر التدفّق الطبيعي للنيل الأزرق بموسميّته العالية؛ إذ تبلغ نسبة التدفّق السنوي 80 في المئة خلال أربعة أشهر، ابتداءً من تموز/ يوليو حتى تشرين الأول/ أكتوبر . وُيُتوقّع أن يحدّ سد النهضة، على نحو ملحوظ، من التدفّق الموسمي للنيل الأزرق. لقد استفادت السودان تاريخًّيًا من الموسمية الطبيعية العالية في تدفّق النيل الأزرق، لكن ذلك قد ولّد أخطارًا أيضًا. إن الزراعة الانحسارية المنتشرة على طول النيل الأزرق والنيل الرئيس تستند إلى الموسمية الطبيعية لتدفّق النهر. وفضلًاعن ذلك، تعتمد نسبة كبيرة من إنتاج الآجر الأحمر في السودان على الفيضانات الموسمية للنيل الأزرق والنيل الرئيس  ، وُيُرجّح اختفاؤها بسبب السد. ولأن سد النهضة واقع قرب الحدود الفاصلة بين السودان وإثيوبيا، فإنّ معظم الآثار البيئية التي يخلّفها يمكن أن تكون محسوسة في السودان. وُيُتوقع أن يغّي رالسد عددًا من الخصائص الفيزيائية والكيميائية لتدفّق النيل الأزرق؛ ما يؤثر سلبًّيًا في الأسماك والنباتات المائية والتنوّع البيولوجي  . وتشمل تلك الخصائص درجة حرارة

68  Mohammed Basheer & Nadir A. Elagib, "Temporal Analysis of Water- Energy Nexus Indicators for Hydropower Generation and Water Pumping in the Lower Blue Nile Basin," Journal of Hydrology , vol. 578 (2019). 69  Syed A. Alam, "Use of Biomass Fuels in the Brick-Making Industries of Sudan: Implications for Deforestation and Greenhouse Gas Emission," Master Thesis, Department of Forest Ecology, Viikki Tropical Resources Institute (VITRI), University of Helsinki, 2006. 70  Elagib & Basheer.

المياه وحمولة الرواسب ومحتوى الأوكسجين والملوحة. وُيُتوقّع أن يؤدّي انخفاض حمولة رواسب النيل الأزرق بسبب السد إلى تقليل خصوبة الأراضي المروية، وزيادة الاعتماد على الأسمدة، وهو أمٌرٌ سيولّد آثارًا صحية واقتصادية. لكن يُتوقّع أن يكون لسد النهضة آثار إيجابية في السودان؛ إذ سُيُلقي تنظيم التدفّق في هذا السد بظلاله على تحسين الري وتوافر المياه  ، وتسهيل توسّع الري في النيل الأزرق  . وُيُتوقّع أيضًا أن يزداد توليد الطاقة الكهرومائية بوتيرة متوسطة قدرها 20 في المئة، بعد أن يبدأ السد تشغيله المستقر  . وفي ظل الظروف التاريخية لتدفّق النهر، يُتوقّع أن تنخفض نسبة السنوات التي تشهد إنذارات الفيضانات من 37 في المئة من دون سد النهضة، إلى 11 في المئة بعد أن يشرع هذا السد في عمله الطويل الأمد  . ومع ذلك، تبقى هذه الفوائد مرهونة بالتنسيق اليومي وتبادل البيانات الخاصة بتشغيل السد بين إثيوبيا والسودان. إن عدم تحقّق هذا التنسيق حتى ساعة كتابة هذه الدراسة، أمر يثير الأسف.

إمكان قيام سد النهضة بتوليد مقدار من الطاقة على نحو متواصل

يتضمّن أحدث تصميم لسد النهضة القدرة على توليد 5150 ميغاواط، وقد خُفّضت هذه القدرة عّم اورد في التصميم الأولي؛ إذ كانت تبلغ 5250 ميغاواط في البداية، ثم 6450 ميغاواط لاحقًا . وعلى الرغم من هذه القدرة التوليدية العالية، يُتوقّع أن تبلغ قدرة السد الفعلية أقل من نصف هذه القدرة، في معظم الأوقات. ويشير بحث أجراه بشير وآخرون إلى أنّ على السد أن يستهدف توليدًا قدره 1490 ميغاواط حتى يتمكن من تحقيق أعلى إنتاج ثابت للطاقة . أما بحث ويلر وآخرين، فقد خلص إلى أن أعلى مستوى ثابت لتوليد الطاقة يمكن تحقيقه من السد، يجب أن يستهدف 1600 ميغاواط، بنسبة اعتمادية تبلغ 90 في المئة ، ومن شأن ذلك أن يجعلنا نتوقّع بقاء نحو 8 توربينات بلا عمل (من أصل 14 توربينًا) في السد .

71  Wheeler et al., "Cooperative Filling Approaches." 72  Basheer et al., "Quantifying and Evaluating the Impacts." 73  Wheeler et al., "Cooperative Filling Approaches." 74  Basheer, "Cooperative Operation." 75  Hisham Eldardiry & Faisal Hossain, "Evaluating the Hydropower Potential of the Grand Ethiopian Renaissance Dam," Journal of Renewable and Sustainable Energy , vol. 13, no. 2 (2021). 76  Basheer et al., "Quantifying and Evaluating the Impacts." 77  Ibid. 78  Eldardiry & Hossain.

لا يمكن أن يحافظ سد النهضة على قدرة توليدية مستمرة في حدود 5150 ميغاواط، بسبب قيود تدفّق النهر. فإذا اسُتُخِدِم هذا السد مثلًافي توليد 5150 ميغاواط، فسيفرغ الخزان بسررعة كبيرة؛ ما يؤدّي إلى اضطرابات في توليد الطاقة لاستعادة المخزون. لكن هذه القدرة العالية يمكن أن تحقّق الفائدة، إذا شُغّل السد لتغطية الطلب على الطاقة في أوقات الذروة، بدلًامن تشغيل الحمل الأساسي.Baseload

المخاوف التقنية المتطابقة لدى السودان ومصر بشأن سد النهضة

أدّى وجود السد العالي في أسوان المصرية إلى مخاوف مختلفة جًّدًا بالنسبة إلى مصر، وذلك إذا قارنّاها بمخاوف السودان المتعلقة بسد النهضة. إن كميات المياه السنوية التي سيطلقها السد تشكّل مصدرًا رئيسًا للقلق المصري، لأن للسد العالي في أسوان سعة تخزينية كبيرة من شأنها تنظيم التباين اليومي والشهري لإطلاقات المياه من السد. ويكمن المصدر الأكبر للقلق المصري في الكميات السنوية من المياه التي يُطلقها السد، خلال بداية الجفاف الذي يمتدّ بضع سنين، وفي أثناء التعافي من الجفاف  .

ونظرًا إلى انعدام خزانات المياه التي تكفي السودان بضع سنين، تبقى إطلاقات المياه من سد النهضة سواء يومًّيًا أو خلال العام، أحد الاهتمامات المركزية في المفاوضات. إن غياب التنسيق الوثيق وتبادل البيانات بين إثيوبيا والسودان، بشأن إطلاقات السد، سيجعل التشغيل الآمن لسد الروصيرص السوداني أمرًا صعبًا، وربما يواجه

79  Wheeler et al., "Understanding and Managing New Risks."

مستهلكو المياه في السودان الارتباك إْنْ جرى تشغيل السد على نحو يؤدي إلى تقلّبات شديدة في إطلاقات المياه.

7. هل يكون الحل عسكريًّا؟

إن أي محاولة لتدمير سد النهضة باستخدام الوسائل العسكرية لن تشكّل خرقًا للقانون فحسب، بل إنها متعذّرة أيضًا بسبب مستويات التخزين الراهنة. وبينما تعود تهديدات مصر في الدفاع عن حصّتها من نهر النيل باستخدام الوسائل العسكرية إلى ثمانينيات القرن العشرين  ، أخذت الحكومة السابقة الخيارات العسكرية في اعتبارها؛ بما في ذلك العمل السرري لاستباق مشروع السد، وما زالت هذه الخيارات قيَدَ المناقشة في الإعلام حالًّيًا. ومع ذلك، يمكن أن يفرّس رُبُعُدُ المسافة عن إثيوبيا غياَبَ الخيار العسكري الممكن لمصر  . وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام العربية "المباِلِغة" لا تتحدّث إلا نادرًا عن الغزو البري، بوصفه خيارًا محَتَملًاللجيش المصري، فإنّ الحديث في بعض الأحيان يجري عن "قصف سد النهضة" . ثم إن الخيار العسكري يفتقر إلى الواقعية، بسبب بضعة عوامل تشمل عدم وضوح مواقف السودان وجيرانه الآخرين، والتداعيات السلبية في السودان كالفيضانات مثلًا، فضلًاعن القدرات الدفاعية الإثيوبية . وعلى الرغم من أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا في المواقف العسكرية  ، فإنّ أي ضربة عسكرية مباشرة تستهدف السد ستكون لها تداعيات خِطِرة. وقد تبدو دول حوض النيل الأعلى، مثل إثيوبيا، متخلّفة عن مصر من حيث قوتها الهيكلية، لكنها خصّصت جزءًا كبيرًا من ميزانياتها للجيش منذ أواخر القرن العشرين  . فضلًاعن ذلك، تمتلك مصر بنية تحتية ضخمة للمياه في الحقول المفتوحة (سد أسوان) يمكنها أن تتضرّر من جراء الرد الانتقامي. وُتُظهر تجارب الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للمياه في مناطق النزاع،

80  Yihun.

81  Tobias Lossow & Stephan Roll, "Egypt's Nile Water Policy under Sisi," SWP Comments, no. 11, Stiftung Wissenschaft und Politik, 2015; Tobias Von Lossow et al., "Nile conflict: Compensation Rather than Mediation," SWP Comments, no. 11, March 2020, Stiftung Wissenschaft und Politik, Berlin, 2020.

82   " سد النهضة: هل يبدو الخيار العسكري واقعًّيًا من تقلص فرص الحل الدبلوماسي؟ " بي بي سي عربي، 2021/6/6، شوهد في 2023/4/24، في: https://bit.ly/40XrIBE؛ محمود سامي، "بين الدبلوماسية والعسكرية: خيارات مصر تجاه سد النهضة في 2022 "، الجزيرة نت، 2022/1/2، شوهد في 2023/4/26، في: https://bit.ly/3RfSCRZ؛ إبراهيم مصطفى، "هل فقدت مصر خيارها العسكري تجاه سد النهضة بعد الملء الثالث"، إندبندنت عربية، 2022/8/9، شوهد في 2023/4/26، في https://bit.ly/3T0yEMi: 83  Demerew, "Realist Perspectives on Nile Politics." 84  Demerew, "From Red Sea to the Nile." 85  Ana E. Cascão, "Changing Power Relations in the Nile River Basin: Unilateralism Vs. Cooperation?" Water Alternatives , vol. 2, no. 2 (2009).

كما في العراق (سد الموصل) ، أو إمدادات المياه في العاصمة الأوكرانية كييف، أن الدول لا تحتاج إلى تطوّر عسكري كبير من أجل تدمير هذه البنية التحتية. إننا بإزاء نقطة مهمة يجب مراعاتها في أثناء توضيح أسباب عدم تفكير الجهات الحكومية الفاعلة في الاستراتيجيات العسكرية، ضد مشاريع المياه الكبيرة في حالة نشوب نزاع مفتوح. إن دول شرق النيل كلّها، تمتلك بنية تحتية مائية، مثل السدود الكبيرة، وهي تقع في أماكن مرئية، ويمكن أن تُعدّ أهدافًا سهلة للتدمير المتبادل في حالة نشوب نزاع بينها.

نزاع لا يمكن حله

ما زالت احتمالات مرتفعة بشأن التعاون في حوض النيل الشرقي، والاتفاق على مشروع سد النهضة، وذلك بسبب المخاطر الكبيرة التي يمكن أن تتمخّض عن غياب التعاون، ووجود جهود واعدة متعدّدة الأطراف. ويوضّ ح مطاوي كيف أسّست دول النيل إرثًا تعاونًّيًا قوًّيًا من خلال المبادرات المختلفة المتراكمة في مبادرة حوض النيل  . أما هيلهورست، فيذهب إلى أن الإطار الناشئ العابر للحدود، الذي يحكم نهر النيل، يتسم بأنه "مجَّزَأ"، لكنه "ما زال فاعلًا" في ظل تطوّر التعاون في الحوض  . وفي حين أن التعاون في النيل ما زال مفتوحًا، فإننا لا نعرف كيف سيتطوّر بعد (أو ما وراء) النزاع على اتفاقية الإطار التعاوني؛ إذ ربما تبدو معالجة النزاع على سد النهضة أقل صعوبة من إبرام اتفاقية الإطار التعاوني التي تمسّ الحقوق التاريخية على نحو صريح. وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقية قد أثارت الخلافات بين دول نهر النيل، فإنه لا يبدو أن هناك بديلًا للتسوية والتعاون  ، سواء كان ذلك بناءً على اتفاقية الإطار التعاوني أو أي أطر مستقبلية أخرى قد تظهر لاحقًا. لقد أثار بعض الباحثين نقطة مماثلة، من خلال التركيز على المصالح الثقافية والاقتصادية المشتركة لدول النيل، فضلًاعن فرص تعزيز التعاون، على نحو يتجاوز التركيز على السد وتدفّق المياه  . وحتى أواخر عام 2023، شهدنا

86  Peter H. Gleick, "Water as a Weapon and Casualty of Armed Conflict: A Review of Recent Water-Related Violence in Iraq, Syria, and Yemen," WIREs Water , vol. 6, no. 4 (2019). 87  Metawie. 88  Bart Hilhorst, "Water Management in the Nile Basin: A Fragmented but Effective Cooperative Regime," Center for International and Regional Studies, Georgetown University Qatar, 2016. 89  Salman, "The Nile Basin Cooperative Framework Agreement." 90  Ahmed Tayia, Antonio Ramos Barrado & Fernando Alonso Guinea, "The Evolution of the Nile Regulatory Regime: A History of Cooperation and Conflict," Water History , vol. 13, no. 3 (2021); Al-Saidi & Hefny; Marcella Nanni, "Water Challenges in the IGAD Region: Towards New Legal Frameworks for Cooperation," Water International , vol. 41, no. 4 (2016).

تدّخلّات - غير ناجحة - من أطراف ثالثة (الولايات المتحدة الأميركية، والبنك الدولي، والاتحاد الأفريقي) للتوسّط بين الأطراف المتنازعة، وهذا يعكس حرص المجتمع الدولي الشديد على المشاركة في العملية القائمة على إيجاد حل للنزاع في شرق النيل، وإعادة التعاون إلى مساره الصحيح في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

خاتمة

مع ازدياد الضغوط على الموارد المائية، تزداد أيضًا احتمالات نشوب النزاعات على المستويين المحلي والعابر للحدود. وُيُعدّ النزاع على سد النهضة في حوض النيل مث لًا رئيسًا على كيفية التسابق في خضم هذه النزاعات، من خلال تقديم تصوّرات متباينة بشأن حدّة النزاع وآثاره ونتائجه المحتَمَلة. إن النقاشات العامة تتضمّن غالبًا تنبؤات بشأن الحرب، أو مفاهيم مُضِّللِة تتعلّق بآثار النزاع الأحادية الجانب، تلك التي تناقض النقاشات الأكاديمية الأكثر تفاؤلًا في مجال قدرة دبلوماسية المياه على حل النزاعات، وجدوى تقاسم المنافع من استغلال الأنهار العابرة للحدود. ويمكن أن نعزو هذا التناقض بين النقاشات الأكاديمية والعامة بشأن النزاعات الدولية على المياه، إلى انعدام تحليلات متعلقة بالتقنية والسياسات المائية، تراعي المنظورات الزمانية والمكانية الطويلة التي تتجاوز قضايا المياه. وتوضّ ح هذه الدراسة ضرورة وضع النزاع الحالي على مياه شرق النيل في السياق الأوسع للتغّي رفي استغلال النهر؛ على نحو يتضمّن المنافسة المحتدمة على استخدام النهر ومشكلة التعقيد والشكوك المتعلقة بقضايا التعاون في مجال المياه. ومن خلال تقديم رؤى مستقاة من المعرفة الأكاديمية الحديثة الخاصة بطبيعة النزاع على السد، توضّ ح الدراسة أيضًا الحاجة إلى مزيد من السياقات الخاصة بالنزاعات العابرة للحدود؛ على نحو يتجاوز النزاعات التقنية على تقاسم المياه. فضلًاعن ذلك، تواجه مفاهيم تقاسم المنافع في دبلوماسية المياه تحديًا ناجمًاعن تفاقم التعقيد والشكوك فيما يتعلق بمسائل التعاون (في مجالات المياه والطاقة والأرض والمناخ مثلًا) والجهات الفاعلة ذات العلاقة بها. وُيُعدّ النزاع على سد النهضة في النيل الشرقي حالة نموذجية للتحديات المرتبطة بالخلافات حول السدود العابرة للحدود، تلك التي تتجذّر غالبًا في اتفاقيات تخصيص المياه، والحقوق التاريخية، والتطلّعات الوطنية إلى التنمية والطاقة، وتأثيرات تقلّبات المناخ وتغّي راته غير المحسومة. ولما كانت القضايا التقنية الخاصة بتشغيل السد وتدفّق المصب تتصدّر شؤون النزاع، فإنّ معالجة المخاوف التقنية لحل النزاع في شرق النيل لن تكون كافية، وهذا ما أظهرته الدراسات السابقة.

من هنا، ينبغي لدول النيل المتشاطئة العمل معًا على إيجاد حلول مشتركة لإدارة النهر ومواجهة المستقبل الغامض، بما في ذلك التهديد الناجم عن تغّي رالمناخ وتقلّبه. ومع تغّي رالتحالفات، والخلافات حول خط الأساس التاريخي للمفاوضات، ازدادت المفاوضات الخاصة بالسد طوال العقد الماضي تعقيدًا. لقد اتّفق السودان ومصر على موقف موحّد، لكن لديهما مخاوف تقنية متباينة بشأن هذا السد؛ إذ يشكّل تبادل البيانات والتنسيق على المدى القصير قضية رئيسة للحكومة السودانية. وُيُعدّ التنسيق بين السودان وإثيوبيا أمرًا مهًّم ا جًّدًا، من أجل تحقيق الفوائد المرجوّة من تنظيم تدفّق النهر. وعلى الرغم من إمكانية وجود فوائد محتَمَلة، فإنه ثمة ملاحظة مهمة مفادها أنّ السد سيحدّ أيضًا من الموسمية الطبيعية للنهر؛ ما سيؤدي إلى آثار بيئية واقتصادية سلبية في السودان. إن من الأهمية اتباع مقاربة دقيقة قائمة على البيانات في معالجة النزاع على سد النهضة، وذلك لتجاوز التفسيرات غير الواقعية فيما يتعلّق بحجم الآثار وجدوى الحلول. ويغدو مهًّم اأيضًا دمج الرؤى المستقاة من الدراسات النقدية الخاصة بنزاعات المياه في المناقشات العامة، لتثقيف مجتمعات حوض النيل بشأن ضرورة الحل السلمي للنزاعات والمشكلات العابرة للحدود. لقد تعالت الدعوات إلى التعاون بين الدول المتشاطئة منذ فترة طويلة، بوصفه المقاربة الفضلى في المنطقة، في حين افتقرت فكرة المواجهة العسكرية إلى الواقعية والتأييد. وقد أظهرت الأطر النظرية للتعاون العابر للحدود في حوض النيل مجموعة من الفوائد للبلدان المتشاطئة كلّها، بما في ذلك الفرص المتاحة خارج النهر. ويمكن أن يشكّل حُّلُ النزاع على السد اختبارًا لقدرات دول شرق النيل والمجتمع الدولي على صناعة السلام، والتعاون على إدارة المياه العابرة للحدود. ومن المهمّ أيضًا إعطاء الأولوية للتسوية والتعاون، بوصفهما أفضل الخيارات لإدارة حوض النيل، وضمان مستقبل مستدام للبلدان المتشاطئة كلّها.

المراجع

العربية

شافعي، بدر حسن. مصر وإثيوبيا وصراع الهيمنة على حوض النيل: سد النهضة نموذجًا. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2021

الأجنبية

Alam, Syed A. "Use of Biomass Fuels in the Brick-Making Industries of Sudan: Implications for Deforestation and Greenhouse Gas Emission." Master Thesis. Department of Forest Ecology. Viikki Tropical Resources Institute (VITRI). University of Helsinki. 2006. Alam, Undala, Ousmane Dione & Paul Jeffrey. "The Benefit-Sharing Principle: Implementing Sovereignty Bargains on Water." Political Geography. vol. 28, no. 2 (2009). Allam, Mariam M. & Elfatih A. B. Eltahir. "Water-Energy- Food Nexus Sustainability in the Upper Blue Nile (UBN) Basin." Frontiers in Environmental Science. vol. 7 (2019). Al-Saidi, Mohammad & Amr Hefny. "Institutional Arrangements for Beneficial Regional Cooperation on Water, Energy and Food Priority Issues in the Eastern Nile Basin." Journal of Hydrology. vol. 562

Basheer, Mohammed & Nadir A. Elagib. "Temporal Analysis of Water-Energy Nexus Indicators for Hydropower Generation and Water Pumping in the Lower Blue Nile Basin." Journal of Hydrology. vol. 578 (2019). ________. "Would Africa's Largest Hydropower Dam Have Profound Environmental Impacts?" Environmental Science and Pollution Research. vol. 28, no. 7 (2021). Basheer, Mohammed et al. "Quantifying and Evaluating the Impacts of Cooperation in Transboundary

River Basins on the Water-Energy-Food Nexus: The Blue Nile Basin." Science of The Total Environment. vol. 630 (2018). ________. "Collaborative Management of the Grand Ethiopian Renaissance Dam Increases Economic Benefits and Resilience." Nature Communications. vol. 12, no. 1 (2021). ________. "Cooperative Adaptive Management of the Nile River with Climate and Socio-Economic Uncertainties." Nature Climate Change. vol. 13 (2023). ________. "Negotiating Nile Infrastructure Management Should Consider Climate Change Uncertainties." Nature Climate Change , vol. 13 (2023). Basheer, Mohammed. "Cooperative Operation of the Grand Ethiopian Renaissance Dam Reduces Nile Riverine Floods." River Research and Applications. vol. 37, no. 6 (2021). Biswas, Asit K. & Cecilia Tortajada. "Water Crisis and Water Wars: Myths and Realities." International Journal of Water Resources Development. vol. 35, no. 5 (2019). Cascão, Ana E. & Alan Nicol. "GERD: New Norms of Cooperation in the Nile Basin?" Water International. vol. 41, no. 4 (2016). Cascão, Ana E. "Changing Power Relations in the Nile River Basin: Unilateralism Vs. Cooperation?" Water Alternatives. vol. 2, no. 2 (2009). Cascão, Ana E. "Ethiopia-Challenges to Egyptian Hegemony in the Nile Basin." Water Policy. vol. 10, no. S2 (2008). Davis, James R. & Rafik Hirji. "The Myth of Water Wars." Georgetown Journal of International Affairs. vol. 6, no. 1 (2005). Demerew, Kaleb. "From Red Sea to the Nile: Water, Power, and Politics in Northeast Africa." Third World Quarterly. vol. 42, no. 12 (2021). Demerew, Kaleb. "Realist Perspectives on Nile Politics: Conflict and Cooperation Between Ethiopia and Egypt." African Security. vol. 15, no. 3 (2022). Eldardiry, Hisham & Faisal Hossain. "Evaluating the Hydropower Potential of the Grand Ethiopian Renaissance Dam." Journal of Renewable and Sustainable Energy. vol. 13, no. 2 (2021). Elsayed, Hamdy et al. "Water-Food-Energy Nexus for Transboundary Cooperation in Eastern Africa." Water Supply. vol. 22, no. 4 (2022). Eyinla, Bolade. "Nationalization of the Suez Canal Company in Retrospect." International Studies. vol. 28, no. 3 (1991). Gleick, Peter H. "Water as a Weapon and Casualty of Armed Conflict: A Review of Recent Water-Related Violence in Iraq, Syria, and Yemen." WIREs Water. vol. 6, no. 4 (2019). Habteyes, Befekadu G. et al. "Mutually Beneficial and Sustainable Management of Ethiopian and Egyptian Dams in the Nile Basin." Journal of Hydrology. vol. 529 (2015). Hilhorst, Bart. "Water Management in the Nile Basin: A Fragmented but Effective Cooperative Regime." Center for International and Regional Studies. Georgetown University Qatar (2016). Huntjens, Patrick & Rens D. de Man. "Water Diplomacy: Making Water Cooperation Work." The Hague Institute for Global Justice. 2014. Huntjens, Patrick et al. "The Multi-track Water Diplomacy Framework: A Legal and Political Economy Analysis for Advancing Cooperation Over Shared Waters." The Hague Institute for Global Justice. 2016.

Islam, Shafiqul & Lawrence Susskind. Water Diplomacy: A Negotiated Approach to Managing Complex Water Networks. New York: RFF Press, 2013. Kraska, James. "Sharing Water, Preventing War— Hydrodiplomacy in South Asia." Diplomacy & Statecraft. vol. 20, no. 3 (2009). Lonergan, S. C. (ed.). Environmental Change, Adaptation, and Security. Dordrecht: Springer Netherlands, 1999. Lossow, Tobias & Stephan Roll. "Egypt's Nile Water Policy under Sisi." SWP Comments. no. 11. Stiftung Wissenschaft und Politik. 2015. Lossow, Tobias Von et al. "Nile conflict: Compensation Rather than Mediation." SWP Comments. no. 11. March 2020. Stiftung Wissenschaft und Politik. Berlin. 2020. Mahlakeng, M. K. "China and the Nile River Basin: The Changing Hydropolitical Status Quo." Insight on Africa. vol. 10, no. 1 (2017). Meierding, Emily. "Climate Change and Conflict: Avoiding Small Talk About the Weather." International Studies Review. vol. 15, no. 2 (2013). Metawie, AbdelFattah. "History of Co-Operation in the Nile Basin." International Journal of Water Resources Development. vol. 20, no. 1 (2004). Müller-Mahn, Detlef et al. "The Water-Energy-Food Nexus Beyond 'Technical Quick Fix': The Case of Hydro-Development in the Blue Nile Basin, Ethiopia." Frontiers in Water. vol. 4 (2022). Nanni, Marcella. "Water Challenges in the IGAD Region: Towards New Legal Frameworks for Cooperation." Water International. vol. 41, no. 4 (2016). Nasr, Hala & Andreas Neef. "Ethiopia's Challenge to Egyptian Hegemony in the Nile River Basin: The Case of the Grand Ethiopian Renaissance Dam." Geopolitics. vol. 21, no. 4 (2016). Nicol, Alan & Ana E. Cascão. "Against the Flow - New Power Dynamics and Upstream Mobilisation in the Nile Basin." Review of African Political Economy. vol. 38, no. 128 (2011). Petersen-Perlman, Jacob D. Jennifer C. Veilleux & Aaron T. Wolf. "International Water Conflict and Cooperation: Challenges and Opportunities." Water International. vol. 42, no. 2 (2017). Sadoff, Claudia W. & David Grey. "Beyond the River: The Benefits of Cooperation on International Rivers." Water Policy. vol. 4, no. 5 (2002). ________. "Cooperation on International Rivers." Water International. vol. 30, no. 4 (2005). Salam, P. A. et al. (eds.). Water‐Energy‐Food Nexus: Principles and Practices. Geophysical Monograph Series. NJ, USA: Wiley; Washington: American Geophysical Union (AGU), 2017. Salman, Salman M. "The Nile Basin Cooperative Framework Agreement: A Peacefully Unfolding African Spring?" Water International. vol. 38, no. 1 (2013). ________. "The Grand Ethiopian Renaissance Dam: The Road to the Declaration of Principles and the Khartoum Document." Water International. vol. 41, no. 4 (2016). Scheffran, Jürgen et al. "Climate Change and Violent Conflict." Science. vol. 336, no. 6083 (2012). Starr, Joyce R. "Water Wars." Foreign Policy. no. 82 (Spring 1991). Susskind, Lawrence & Shafiqul Islam. "Water Diplomacy: Creating Value and Building Trust in Transboundary Water Negotiations." Science & Diplomacy. vol. 1, no. 3 (2012).

Swain, Ashok. "Challenges for Water Sharing in the Nile Basin: Changing Geo-Politics and Changing Climate." Hydrological Sciences Journal. vol. 56, no. 4 (2011). Tawfik, Rawia. "Revisiting Hydro-Hegemony from a Benefit-Sharing Perspective: The Case of the Grand Ethiopian Renaissance Dam." Discussion Paper. no. 5/2015, Deutsches Institute für Entwicklungspolitik. 2015. ________. "The Grand Ethiopian Renaissance Dam: A Benefit-Sharing Project in the Eastern Nile?" Water International. vol. 41, no. 4 (2016). Tayia, Ahmed, Antonio Ramos Barrado & Fernando Alonso Guinea. "The Evolution of the Nile and Regulatory Regime: A History of Cooperation and Conflict." Water History. vol. 13, no. 3 (2021). Tesfaye, Aaron. "Conflict and Cooperation and the Evolution of the Nascent Nile Basin Regime." Northeast African Studies. vol. 14, no. 1 (2014). Turhan, Yunus. "The Hydro-Political Dilemma in Africa Water Geopolitics: The Case of the Nile River Basin." African Security Review. vol. 30, no. 1 (2021). Verhoeven, Harry. "The Politics of African Energy Hydro-Agricultural Ethiopia's Development: State-Building Strategy and Clashing Paradigms of Water Security." Philosophical Transactions of the Royal Society A: Mathematical, Physical and Engineering Sciences. vol. 371, no. 2002 (2013). Warner, Jeroen et al. "Transboundary 'Hydro-Hegemony': 10 Years Later." WIREs Water. vol. 4, no. 6 (2017). Warner, Jeroen F. & Mark Zeitoun. "International Relations Theory and Water Do Mix: A Response to Furlong's Troubled Waters, Hydro-Hegemony and International Water Relations." Political Geography. vol. 27, no. 7 (2008). Wheeler, Kevin G. et al. "Cooperative Filling Approaches for the Grand Ethiopian Renaissance Dam." Water International. vol. 41, no. 4 (2016). ________. "Exploring Cooperative Transboundary River Management Strategies for the Eastern Nile Basin." Water Resources Research. vol. 54, no. 11 (2018). ________. "Understanding and Managing New Risks on the Nile with the Grand Ethiopian Renaissance Dam." Nature Communications. vol. 11, no. 1 (2020). Whittington, Dale, John Waterbury & Marc Jeuland. "The Grand Renaissance Dam and Prospects for Cooperation on the Eastern Nile." Water Policy. vol. 16, no. 4 (2014). Baselines "Contested Dale. Whittington, Transboundary Water Resources Management, with Illustrations from the Nile." Water International. vol. 47, no. 6 (2022). Yihdego, Zeray & Alistair Rieu-Clarke. "An Exploration of Fairness in International Law Through the Blue Nile and GERD." Water International. vol. 41, no. 4 (2016). Yihdego, Zeray et al. (eds.). Ethiopian Yearbook of International Law 2017. Cham: Springer International Publishing, 2018. Yihun, Belete B. "Battle over the Nile: The Diplomatic Engagement Between Ethiopia and Egypt, 1956-1991." International Journal of Ethiopian Studies. vol. 8, no. 1-2 (2014). Zeitoun, Mark & Jeroen Warner. "Hydro-Hegemony - a Framework for Analysis of Trans-Boundary Water Conflicts." Water Policy. vol. 8, no. 5 (2006).