ملف المياه في مصر: أزمة مرّك بة واستجابة قاصرة
الملخّص
تعاني أجزاء عديدة من العالم أزمة ندرة المياه العذبة، التي تعدّ عاملًا رئيسا في الحد من التنمية، لا سيما في ظل الصراعات التي تغّذ يها، مع ندرة الموارد المائية المستدامة والقابلة للتجدد. تتناول هذه الدراسة حالة مصر، حيث يعيش معظم سكانها على بُعد بضعة كيلومترات من نهر النيل، الذي يعتمدون عليه على نحو مباشر في الزراعة وصيد الأسماك وتوليد الطاقة الكهرومائية. ومع أن مصر تعدّ من دول المصبّ، فهي تعاني ندرة مائية هائلة. ومنذ أن بدأت إثيوبيا في بناء ما يُعرف بسد النهضة، تصاعد الخلاف حوله بينها بوصفها دولة منبع، وبين مصر بوصفها دولة مصبّ ترى أن السد يهددها بتفاقم أزمة المياه العذبة. تبحث هذه الدراسة في ملف المياه العذبة في مصر، وتحلل التحديات، ثم تقدّم تقييمًا للاستجابة الرسمية لها. كلمات مفتاحية: مصر، إثيوبيا، نهر النيل، سد النهضة.
Water in Egypt: A Complex Crisis with a Limited Response
مقدمة
"العالم ينفد من المياه"، هكذا وصفت تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الوضع، فقد أشارت إلى أن موارد المياه العذبة في العالم، وخاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تتضاءل على نحو متسارع 1. ويمكن إرجاع شح المياه إلى عوامل عدة، منها المشكلات العالمية العابرة للحدود، بما فيها النمو السكاني وتغير المناخ والتلوث والتحضر، إضافة إلى تغّي رالنظم الغذائية نتيجة النمو الاقتصادي. ومع تفاقم الأزمة المائية تزايدت التنبؤات بحروب المياه في الخطاب السياسي العالمي. في عام 1995، تنبّأ نائب رئيس البنك الدولي إسماعيل سراج الدين بأنه "إذا كانت حروب هذا القرن على النفط، فإن حروب القرن المقبل ستكون على المياه" 2. وخلص تقرير صادر عن مجلس الاستخبارات القومي الأميركي إلى أن احتمالية نشوب نزاع بين الدول على المياه سوف تزداد في المستقبل 3. ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP، لن تكون الموارد المائية قادرة على تلبية المطالب المتزايدة عليها في العقود القادمة. ومن ثم، سيكون النقص الهائل في المياه أحد عوائق التنمية في أنحاء كثيرة من العالم. أيضًا "مع ارتفاع الطلب العالمي على المياه، انخفض منسوب المياه الجوفية في عشرات البلدان، بما في ذلك الصين والهند والولايات المتحدة، التي تنتج ما يقرب من نصف المحاصيل من الحبوب في العالم" 4، بما ينذر بأزمة غذاء عالمية ويهدد الأمن الغذائي العالمي. إن للمياه دورًا رئيسًا في الاقتصاد، فأغلب الصناعات تعتمد عليها، بما في ذلك مصائد الأسماك والطاقة والتصنيع الثقيل وإعادة التدوير والبناء والنقل والزراعة، وإن شح أو ندرة المياه يدفعان نحو مزيد من الهجرة، وتراجع الوظائف، ويؤثران في الاستقرار 5، ما يولّد مخاوف لدى البعض من أن يؤدي هذا إلى النزاعات العنيفة، أو ما يسمى حروب المياه. على المستوى النظري، تنطلق التنبؤات بحروب المياه من محاولات استشراف آثار التغير المناخي والنمو السكاني، ضمن الإطار العام للنظرية الخضراء 6، والمدعومة بأحداث تاريخية سابقة في الصراع على المياه مثل التوترات بين العرب وإسرائيل، والهند وبنغلاديش، والدول المشاطئة للنيل. لكن، رغم أن المياه قد تمثّل عاملًاللصراع ضمن العوامل الأخرى، وأن آثار التغير المناخي، بما فيها الجفاف والضغط على الموارد ومن ثم الهجرة، قد تفاقم النزاعات بين المجموعات والدول، فإن هذا يصعب تعميمه على نحو منهجي 7، خاصة أن السائد في مسألة المياه هو التعاون وليس الصراع، إذ وُقّعت 145 معاهدة في هذا القرن وأكثر من 3600 معاهدة تاريخيًا حول جوانب مختلفة مرتبطة بالمياه، عالميًا 8. من ناحية أخرى، فجوهر قضية حروب المياه هو إدارة موارد المياه المشتركة وليس شح المياه 9. وفي العموم، تعّب رحروب المياه عن صراع تقليدي على الموارد يُعاد إنتاجه بمسميات مختلفة 10، عبر خطابات إعلامية وسياسية واقتصادية موجّهة 11. في مصر، يعدّ نهر النيل 12 مصدرًا استراتيجيًا ورئيسًا للثروة المائية العذبة، إذ تقَّدَر حصته منها بنحو 55.5 مليار متر مكعب من إجمالي مواردها المائية البالغة 60 مليار متر مكعب، أي إنه يزودها بما نسبته 93 في المئة من مواردها المائية 13. وتساهم المصادر الأخرى للمياه في مصر بنسب متفاوتة وضئيلة مقارنة بمياه النيل، منها مياه الأمطار
متدنية المنسوب 14، والمياه الجوفية المتوافرة في الدلتا والصحراء الغربية وسيناء، والتي في العموم تعدّ غير متجددة ومهددة بالتلوث، فضلًاعن عدم وجود بيانات كافية حولها 15. لذا، قيل "مصر هبة النيل"، حيث ارتبط وجودها وبقاؤها ارتباطًا تاريخيًا به، واليوم تشير التقديرات إلى أنّ نصيب كل فرد في مصر من موارد المياه العذبة المتجددة الداخلية هو في حدود 500 متر مكعب فقط 16. ومن حصتها من مياه نهر النيل، تستخدم مصر نسبة 85 في المئة منها للزراعة، والنسبة المتبقية للبلديات والقطاع الصناعي والقطاعات الأخرى 17. ومن مجموع إنتاجها للكهرباء، تنتج مصر 6 في المئة من كهربائها باستخدام الطاقة الكهرومائية، معظمها من السد العالي بأسوان 18. بعد عام 2011، ظهرت أزمة سد النهضة مهِّدِدةًالأمن المائي في مصر، إذ في حال انتهت إثيوبيا من مخططها، فسيؤدي ذلك إلى نقص تراكمي في المياه في مصر يصل إلى 120 مليار متر مكعب، ما يؤثر في توافر مياه الشرب والحياة اليومية لملايين المصريين 19، بما في ذلك، بدرجات مختلفة، إنتاج المحاصيل والأسماك، وخصوبة التربة، وصناعة السياحة، والمخاطر الاقتصادية والاجتماعية 20. وسيضاعف ذلك بالنتيجة الفجوة المائية بين الموارد والاحتياجات في البلاد 21، إلى جانب توقع خسارتها قرابة 3 ملايين فدان من الأراضي الزراعية وتشريد ما يراوح بين 5 و 6 ملايين مزارع 22. علاوة على ذلك، فحتى بحصتها غير المنقوصة قبل إنشاء سد النهضة، كانت مصر قد "وصلت إلى الندرة المائية منذ عام 1996 وحتى الآن، حيث انخفض نصيب الفرد من 1138 مترًا مكعبًا عام 1970 ليصل إلى نحو 637 مترًا مكعبًا عام 2016 23، ومن ثم إلى حدود 500 متر مكعب. ومن المعروف أن حد ندرة/ شح المياه المطلق Absolute Scarcity Water هو أقل من 500 متر مكعب سنويًا للفرد 24، أي إن مصر وصلت إلى حد الإجهاد المائي Stress Water الذي يراوح بين 500 و 1000 منذ عام 2000 25. ويقدّر النقص الحالي في المياه في مصر بحوالى 13.5 مليار متر مكعب في السنة، وفي حال استمرار السياسات الحالية، فإن هذا الرقم مرشح ليصل في عام 2025 إلى 26 مليار متر مكعب/ السنة 26. وثمة توقعات بأن "تتسع الأزمة المائية في مصر بحلول عام 2050 حيث سيصل نصيب الفرد من المياه إلى 294 مترًا مكعبًا" 27. من خلال إجراء مسح ومراجعة واسعة للتقارير الرسمية والأدبيات ذات الصلة؛ تبدأ هذه الدراسة بمراجعة للأدبيات تقدّم فيها نظرة عامة حول المخاوف العالمية والاتفاقيات الدولية بشأن نقص المياه العذبة مع استعراض الحلول ونماذج الاستجابة المتوافرة، ثم تركّز على سياقها الخاص، حيث تستكشف وتحلل المشكلات التي يواجهها ملف المياه العذبة في مصر، لتنتقل إلى مناقشة الاستجابة المصرية الرسمية وتقييمها، من خلال فحص السياسات والمشاريع التي تبنّتها الحكومة، ومدى فاعليتها في تخفيف حدة أزمة المياه، ومدى اقترابها من الأطر النظرية ذات الصلة بالسياق، مثل الإدارة المتكاملة للمياه، والتفاعل بين أمن الطاقة والغذاء والماء، والإدارة المتعددة المستويات، لتختتم الدراسة بتقديم عدد من التوصيات.
أولًا: نقص المياه العذبة: نظرة عامة
بات نقص المياه العذبة شائعًا في مناطق ودول عديدة حول العالم تعاني تحديات كبيرة في هذا الصدد، وهو ما دعا المجتمع الدولي
للاهتمام به على صعيد القانون والسياسات، لا سيما مع خطورة ما يتوقع من النتائج. وبالنظر إلى التجارب في مختلف الدول، نجد حلولًا ونماذج استجابة مختلفة، ونتائج متفاوتة في كل منها، وهذا يستدعي الاطلاع عليها قبل الشروع في دراسة حالتنا الخاصة لتكوين خلفية مناسبة حول القضية من زوايا مختلفة، إلى جانب ضرورة الاطلاع على الأطر النظرية التي ترتبط بالسياق الخاص بالحالة.
1. المخاوف العالمية والاتفاقيات الدولية
حددت الأمم المتحدة البيئة والموارد الطبيعية بوصفهما من عوامل التنمية، وظل هذا الاهتمام متواصلًا حتى صُكّ مفهوم التنمية المستدامة في عام 1992، في مؤتمر ريو، في ريو دي جانيرو في البرازيل، الذي عُرف بمؤتمر قمة الأرض. هذا الاهتمام العالمي الخاص بالبيئة والتحذير من الاستغلال غير الرشيد لمصادر الثروة الطبيعية لم يكن جديدًا أو طارئًا، ففي مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة البشرية في ستوكهولم في عام 1972، جرى تشكيل ملامح رأٍيٍ عام عالمي وإدارة سياسية دولية تضع في مقدمة اهتمامها جوانب البيئة الطبيعية، كالأرض والمياه والمعادن والغلاف الجوي والمناخ والتصحر 28. كان أحد نواقيس الخطر التي دعت المجتمع الدولي لتوجيه اهتمام خاص بالبيئة والموارد الطبيعية هو زيادة النزاعات الداخلية والدولية القائمة على التنافس على الموارد الطبيعية، إذ قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن ما لا يقل عن 40 في المئة من الصراعات داخل الدول في السنوات الستين الماضية كان له صلة بالموارد الطبيعية. ومنذ عام 1990، كان التنافس على استغلال الموارد الطبيعية سببًا في تغذية 18 صراعًا على الأقل، سواء كانت الموارد النادرة مثل الأراضي الخصبة والمياه أو الموارد "عالية القيمة" مثل الأخشاب والماس والذهب والمعادن والنفط. وبناءً عليه، حددت الأمم المتحدة يوم 6 تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام يومًا دوليًا لمنع استغلال البيئة في الحروب والنزاعات المسلحة 29، وُعَُّدَ يوم 22 آذار/ مارس من كل عام اليوم العالمي للمياه 30. في الواقع، تواجه دول عديدة في العالم تحديات متنامية لتلبية الطلب المتزايد بسررعة على المياه، بسبب النمو السكاني ونفاد الموارد والتلوث. ويبرز هذا الوضع على نحو حاد في المناطق الأشد جفافًا في العالم، حيث تؤثر ندرة المياه وتلوث المتوافر منها في معدلات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بانتشار الفقر والجوع والمرض 31. في هذا الصدد، يوضح لويك فوشون، رئيس مجلس المياه العالمي، أن الإجهاد المائي هو أمر تناسبي مع عدد السكان، ويشير إلى التغيرات المناخية والبيئية بوصفها أسبابًا للإجهاد المائي وشح المياه.
ولمواجهة ندرة الموارد المائية، اتجه المجتمع الدولي إلى ترشيد استخدام المياه عبر إدراجه بندًا/ مبدأ في عدد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية؛ مثل قواعد هلسنكي بشأن استخدامات مياه الأنهار الدولية عام 1966، التي طالبت بمبدأ ضرورة الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية التي أقرّت بمبدأ الانتفاع والمشاركة المنصفين، بحيث "تنتفع دول المجرى المائي، كل في إقليمها، بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة" 32، وقواعد برلين بشأن الموارد المائية عام 2004 من خلال المحافظة على المياه وإدارتها 33، وصولًاإلى اتفاقيات خاصة بين الدول المشاطئة للأحواض
المائية 34. ويرجع سبب هذه المعاهدات وكثرتها إلى اللامساواة في استخدام الموارد المائية وتوزيعها، التي تعتبر سمة عالمية 35.
الحلول ونماذج الاستجابة وأطرها النظرية
تسعى الدول عادة لمواجهة شح المياه بحلول مبتكرة، مثل استغلال المياه الجوفية، وتحلية مياه البحر، وزيادة تخزين المياه، ونقل المياه بين الأحواض، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وإدارة ملف المياه بطريقة ناجحة تشمل جميع الأطراف والجهات المعنية 36. وقد نجحت بعض الدول في استخدام عدة استراتيجيات لمعالجة مشكلة نقص المياه. على سبيل المثال في المناطق الحضرية ومن خلال الهندسة والبنية التحتية، صُممت خزانات واسعة لتخزين المياه خلال فصل الشتاء من خلال تجميع مياه الأمطار، لاستخدامها في فصل الصيف لتجنب نقص المياه، وهي من بين النظم لإدارة مياه الأمطار، إذ تُستخدم الخزانات لجمع مياه الأمطار وتحسين جودتها بواسطة عمليات طبيعية مثل الترسيب والتحليل الكيميائي والتعقيم الشمسي والترشيح من خلال التربة 37. في حين تلجأ المدن الساحلية إلى تحلية مياه البحر على نحو كبير، فمثلًالجأت دول الخليج العربية إلى استخدام تكنولوجيا تحلية مياه البحر للتغلب على ندرة المياه، وسجلت في ذلك أعلى معدلات للقدرة على تحلية مياه البحر بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 38. ويحدد شونغ يانغ وآخرون39 عددًا من الاتجاهات لمعالجة ندره المياه العالمية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال تطبيق التقنيات الحديثة لتوفير المياه، وبناء المدن الإسفنجية أو المدن المنخفضة الكربون؛ وهي مدن تشبه الإسفنج من حيث كون طرقاتها مسامية تسمح بتسررب المياه وترشيحها على نحو طبيعي بواسطة التربة، ويسمح لها بالوصول إلى طبقات المياه الجوفية، ومن ثم معالجتها وإعادة تدويرها لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المياه 40، إضافة إلى السيطرة على النمو السكاني والتحضر في المناطق التي تعاني ندرةً في المياه، من خلال سياسات تشجّع تنظيم الأسرة والتخطيط الإقليمي لتعزيز هجرة السكان من المناطق التي تعاني ندرة المياه إلى مناطق أخرى. ومع ذلك، لا تعدّ هذه الحلول والاستثمار في البنية التحتية للمياه فعالة في جميع الأحوال وهي مكلفة جدًا، إذ تتطلب موارد بشرية ومادية هائلة، إضافة إلى الظروف الطبيعية كالتضاريس والموقع الجغرافي، التي قد يكون لها تأثيرات بيئية كبيرة تساهم في الحد من نجاح تلك الحلول. ونظرًا إلى ما سبق، قد لا تناسب الحلول المذكورة جميع الدول خاصة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل؛ حيث يتطلب تحسين كفاءة استخدام المياه توسيع البنية التحتية وتطويرها، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى الاستثمارات الاقتصادية الكبيرة. وقد تلجأ الدول إلى وسائل أقل تكلفة مقارنة بالطرائق السابقة، وهي معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدام المياه المنتجة لأغراض الزراعة وغيرها 41. على سبيل المثال، وفقًا لوزارة المياه والري الأردنية "يعيد الأردن استخدام 98 في المئة من مياه الصرف الصحي المعالجة في الزراعة لإعادة تخصيص المياه العذبة للأغراض المنزلية" 42. وقد نجح الأردن من خلال إدارة ملف المياه، وآليات التكييف والابتكارات التقنية، إضافة إلى الإدارة الفعالة من مؤسسات الدولة، في التغلب على مشكلة ندرة المياه، وطبّق سياسات التكيف التي أدت إلى خفض الطلب على المورد على نحو كبير، وأصبح من الدول الرائدة في مجال الحصول على المياه من طرائق مبتكرة، خصوصًا فيما يتعلق بمعالجة المياه العادمة. إذًا، يتلخص عدد كبير من الحلول الموجودة حاليًا لمعالجة ندرة المياه في توفير اقتصاد يحمي البيئة، وتقع في نطاق ما يسمى بالنمو الأخضر الذي عرّفته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنه "نمو يهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية، مع ضمان استخدام الأصول
الطبيعية بصورة مستدامة، ومواصلة توفير الموارد والخدمات البيئية التي يعتمد عليها رفاههم" 43. ويرتبط النمو الأخضر بالعمران الأخضر الذي يعني تقليل استخدام الطاقة والمياه والموارد الطبيعية إلى الحد الأدنى. وعلى الرغم من فوائد هذا النهج في تقليل استنزاف الموارد المائية، فإن هناك الكثير من الصعوبات التي تحدّ استخدامه، مثل العوامل الفيزيائية في المدن الكبيرة وصعوبات التخطيط والإدارة. إن استراتيجيات الاقتصاد الأخضر قائمة أساسًا على رفع كفاءة استخدام المياه (وخفض الطلب عليها) بدلًامن البحث عن موارد وإمدادات جديدة، لكنّ تحسين كفاءة استهلاك المياه وفاعليته بالتزامن مع استمرار النمو يحتاج إلى أموال هائلة وتقنيات حديثة وخبرات للتكيف؛ وبما أن الدول النامية تفتقر إلى هذه الإمكانيات فإن هذه الاستراتيجيات مهددة بعدم نجاحها، فضلًاعن أن مشكلة ندرة المياه والحلول المحتملة تتطلب فهمًاشاملًامن الدول كافة لتعزيز مستقبل أكثر استدامة وصالح للعيش 44. أما بالنسبة إلى المنطقة العربية، تحديدًا، فهي تعاني إجمالًافقرًا شديدًا في الموارد المائية منذ منتصف القرن الفائت تقريبًا؛ ما أدى إلى تدهور بيئي كبير. يرى بعض الباحثين أن التحديات التي تواجهها المنطقة ذات الصلة بالمياه العذبة تتلخص في ثلاثة اتجاهات؛ يتعلق الأول بنضوب الموارد الطبيعية، أما الاتجاه الثاني فبالنمط الاستهلاكي للموارد، في حين يرتبط الاتجاه الثالث بارتفاع معدلات العنف والحروب وآثارها المدمرة في البيئة. وتجادل الدراسة في أن التدهور البيئي - ومنه المائي - الحاصل في المنطقة العربية هو تدهور هائل ويقابله عدم وجود استجابة فعالة من الحكومات والشعوب 45. في ظل ما سبق من تعقيدات، يُنتظر من الحكومات اتخاذ تدابير فعالة، من خلال تبنّي مناهج تشاركية مع جميع أصحاب المصلحة من مستفيدين ومقدمي خدمات في إدارة الأزمة، والعمل عبر القطاعات والمستويات الداخلية والخارجية، فالسياسات تتأثر ببعضها فيما يتعلق بمسائل الأمن الغذائي والمياه والبيئة والوظائف والاقتصاد والتجارة 46. على هذا الأساس وضع نهج "الإدارة المتكاملة للموارد المائية" IWRM على أجندات القمة العالمية للتنمية المستدامة عام 1992، الذي عُرف بأنه "الإدارة المتكاملة للموارد المائية هي عملية تعزز التنمية المنسقة وإدارة المياه والأراضي والموارد ذات الصلة، من أجل تعظيم الرفاه الاقتصادي والاجتماعي بطريقة عادلة من دون المساس باستدامة النظم البيئية الحيوية" 47. ويعتبر هذا النهج فع لًاعلى المستوى النظري لتحقيق التنمية المستدامة بالنسبة إلى المياه، وقد أثبت نجاحه في أستراليا 48 وأميركا الشمالية49 وجنوب وشرق آسيا 50. ويدعو هذا النهج لإدماج مبادئ الحكم الرشيد في إدارة المياه ومواءمتها مع السياق الخاص لكل حالة 51. ولعل توفير البيئة المؤسسية والقانونية يمثّل المعضلة الأكبر، خصوصًا في الدول النامية مثل ما حدث في إندونيسيا 52 والهند والصين53، لا سيما أن هذا النهج يشوبه النقد في التركيز على مبادئ الحكم الرشيد المستمدة من الأدب والخطاب الغربَّييَن 54، ولذا يترتب على الدول ذات الخصائص الأخرى تطوير نموذجها الخاص في الإدارة المتكاملة للمياه والموائم لسياقها. إن إدارة ملف المياه ترتبط بالغذاء أيضًا في بعض الدول، وذلك يتطلب العمل وفقًا للمبادئ التوجيهية لنهج "الترابط بين الماء والغذاء والطاقة" 55، هذه الاحتياجات ترتبط ببعضها في دورة
معقدة داخل النظام البيئي 56، والخلل في أحدها سينتقل تلقائيًا إلى الرابطة كلها 57. اسُتُخدمت هذه الطريقة في حوض ميكونغ جنوب شرق آسيا 58، وحول حوض الدانوب في أوروبا59. وتفيد الأمم المتحدة بأن "الزراعة هي أكبر مستهلك لموارد المياه العذبة في العالم، وتستخدم المياه لإنتاج معظم أشكال الطاقة"، ومن ثم فإن الضغوط على هذه المكونات ستزداد مستقبلًامع النمو العالمي 60. وذلك يتطلب العمل على تنسيق السياسات والإدارة ومواءمة الأهداف ضمن هذه القطاعات الثلاثة، وضمان الحلول العلاجية المراعية للمكونات الثلاثة معًا، وتجنب انتقال المشاكل بين هذه القطاعات، وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة 61: "العلاقة بين الماء والطاقة والغذاء تدور حول فهم وإدارة المصالح المتنافسة في كثير من الأحيان مع ضمان سلامة النظم البيئية." وفي حال وجود موارد مهمة للمياه من خارج الحدود، فإن ذلك يتطلب تحليلًاإضافيًا ضمن إطار "متعدد المستويات" للمياه، وهو من الأدوات المستخدمة باعتبارها استراتيجية لتحليل الصراع والتعاون بين الدول المشاطئة للمسطحات المائية المشتركة، وتكمن أهمية هذا التحليل في عالم يزداد فيه الاحتياج إلى الاعتماد المتبادل عبر الحدود، وتتكاثف فيه الضغوط الداخلية على الموارد 62، لذا فإن النجاح في أي سياسة، في حالة كهذه، يتطلب العمل على المستويين الخارجي والداخلي. وبصورة عامة، إن ضمان تنفيذ الابتكارات الناجحة في ملف المياه يخضع لمدى قوة التحالفات والسياسات عبر أنظمة الحوكمة المتعددة المستويات 63.
ثانيًا: أزمة المياه العذبة في مصر
يعدّ نهر النيل أحد أهم مصادر المياه العذبة في أفريقيا، إذ تشترك فيه إحدى عشرة دولة 64، ويمتد على مدى أكثر من 6650 كيلومترًا 65، ويعتبر الشريان المائي الحيوي الرئيس في المنطقة الشمالية الشرقية من القارة، طوال قرون، استفاد سكانها من هذا المورد المائي، سواء في الشرب أو في الزراعة أو في سُبل العيش المختلفة 66. ويؤدي هذا الممر المائي، الذي يتكون من رافدين رئيسين هما النيل الأبيض والنيل الأزرق في إثيوبيا، وينضم إليهما نهر عطبرة شمال الخرطوم 67، دورًا كبيرًا في توجيه السياسات الخارجية بين دول المنطقة 68. وتشير الدراسات منذ مطلع القرن/ الألفية الثالثة إلى تزايد اهتمام الدول المطلّة على النهر بمياهه، نظرًا إلى التوقعات بتضاعف أعداد سكانها خلال سنوات وجيزة، ما سيؤدي إلى استنزاف إمدادات المياه في المنطقة 69. وفي سياق ذلك الاهتمام، تصنف مصالح مصر والسودان وإثيوبيا في النيل بأنها عالية جدًا، أما مصالح أوغندا فتصَّنَف باعتبارها عالية، وتصنف مصالح تنزانيا وكينيا وبوروندي ورواندا بأنها متوسطة، أما بالنسبة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية فهي منخفضة 70. 1. التنافس على نهر النيل وأزمة سد النهضة تستغل مصر والسودان النيل للأغراض الزراعية والطاقة الكهرومائية، أما إثيوبيا، التي توفر مرتفعاتها أكثر من 85 في المئة من مياه النيل
(باستثناء الفاقد بالتبخر 71)، فهي تطالب منذ فترة طويلة "بأحقيتها في استخدام مواردها الطبيعية" لتحسين مستويات معيشة شعبها من خلال الطاقة الكهرومائية ومشاريع الطاقة المقامة على النيل 72. يشكل هذا خطرًا بالنسبة إلى مصر تحديدًا، نظرًا إلى كون نهر النيل المصدر الرئيس لثروتها المائية العذبة؛ إذ إن ما يزيد على 90 في المئة من مساحة مصر هي صحراء 73، ولاعتمادها الكبير عليه مقارنة بالموارد المائية المتاحة الأخرى. وتستغل مصر 85 في المئة من مجموع مواردها المائية لسدّ الاحتياجات المائية في قطاع الزراعة، وتذهب النسب الباقية إلى الشرب والصناعة والطاقة وغيرها من الاحتياجات 74. وتحكم السياسة المشتركة لمصر مع دول حوض النيل الأخرى مجموعة من الاتفاقيات القديمة والحديثة، معظمها جرى توقيعه خلال فترة الانتداب البريطاني على الدول الأفريقية. ففي عام 1902، نظّم الانتداب البريطاني اتفاقية بالنيابة عن مصر والسودان مع إثيوبيا، حيث تمتنع بموجبه الأخيرة عن القيام بأيّ أعمال على النيل الأزرق، أو بحيرة تانا منبع النيل الأزرق، قد تؤثر في تدفق مياه النيل في مصر والسودان، ويجب أخذ موافقة الحكومة البريطانية للقيام بأي من هذه الإجراءات 75. إضافة إلى ذلك، وقّعت الحكومة البريطانية نيابةً عن أوغندا وكينيا وتنزانيا اتفاقية عام 1929 تتضمن اعتراف هذه الدول بنصيب مصر في مياه النيل، وحقّها في الاعتراض في حال إنشاء أي مشروعات على ممر نهر النيل قد تقدّر أنها تمثّل تهديدًا لأمنها المائي 76. وفي عام 1959، وُقّعت اتفاقية تقاسم نهر النيل في القاهرة بين مصر والسودان، التي جرى بموجبها تنظيم السياسة المائية التي تحكم توزيع المياه بين الدولتين، وتسببت في اتهامات من إثيوبيا لمصر، الدولة المصبّ وغير المساهمة، في الحصول على النصيب الأوفر من مياه النهر 77، بينما الباقي يستخدمه السودان78. بموجب تلك الاتفاقية تتوزع حصة نهر النيل التي تبلغ نحو 84 مليار متر مكعب على مصر والسودان، ويكون نصيب مصر فيها 55.5 مليار متر مكعب، ونصيب السودان 18.5 مليار متر مكعب، لكنّ مصر تستهلك فعليًا من مياه نهر النيل 61.5 كيلومترًا مكعبًا في المتوسط، استهلاكًا مباشرًا، من عام 1988 إلى عام 2017، وهذه الزيادة عادة ما تكون من نصيب السودان 79. بناءً عليه، بخلاف السودان، فإن دول المنبع الثماني الباقية، التي صارت تسعًا بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، لم توافق على تلك الاتفاقية واعتبرتها غير عادلة 80.
ويمكن القول إن جميع الاتفاقيات الموقّعة المتعلقة بنهر النيل تشترك في ضمانها استمرار تدفق المياه عبر نهر النيل، من خلال تعهّد الدول المطلة عليه بعدم إقامة أي مشروعات على مجراه أو فروعه، إذا كانت قد تسبب نقصًا في نسبة تدُّفّق المياه إلى مصر. وإن اتفاق عام 1959، أسوةً باتفاقيات مياه النيل السابقة، يحتوي شرطًا بموجبه
يجري الإخطار المسبق والحصول على موافقة دولتي المصب، وهما مصر والسودان، عند التفكير في إقامة أيّ مشروعات تؤثر في تدفق النهر 81، فقواعد القانون الدولي تؤكد على ضرورة التعاون والتنسيق في شؤون موارد المياه المشتركة 82، أي إن جميع الاتفاقيات والمواثيق حول نهر النيل دارت حول ضمان دول المصب - ومنها مصر - الحصول على نصيبها من المياه، ولعل ذلك هو سبب عدم اعتراف عدد كبير من دول حوض النيل ببعض تلك الاتفاقيات، إلى جانب اتهامها لها بعدم العدل كونها عقدتها القوى الاستعمارية، وبحجة أن الأطراف المعنية بالأزمة الحالية لم تكن طرفًا فيها، وإنما حكمت هذه الاتفاقيات الظروف والسياسات التي كانت تحكم من خلالها القوى الاستعمارية وفقًا لوجهة نظرها، ولعل هذه إحدى القضايا التي تعود إلى إرث الاستعمار 83. بدأت الأزمة حول نهر النيل 84 تتفاقم مع دول الحوض، تحديدًا في أيار/ مايو 2010، حينما وقّعت ست دول، هي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي، اتفاقية مشتركة في مدينة عنتيبي الأوغندية على معاهدة جديدة للتعاون عُرفت باسم "اتفاقية الإطار التعاوني" CFA، تنوي من خلالها تغيير الوضع التاريخي للنهر والمقرر وفقًا لاتفاقيَتَي 1929 و 1959، حيث احتجت مصر والسودان على هذه الاتفاقية 85. ومن دون توافق بين أصحاب المصلحة، بدأت إثيوبيا من طرف واحد في بناء سد النهضة على الحدود السودانية عام 2011، الأمر الذي صعّد الصراع على مياه النيل، وتحديدًا بين مصر وإثيوبيا 86. اعترضت مصر والسودان على ما قامت به إثيوبيا، وسعت الحكومة المصرية لحل الخلاف الناشئ عن طريق المفاوضات التي تجري حتى اللحظة، والتي نجم عنها في آذار/ مارس 2015 اتفاٌقٌ إطاري يمهد لحل الأزمة من خلال دراسة الوضع بين الدول الثلاث والاتفاق على خارطة طريق بشأن ما سيجري في المستقبل 87. سيؤثر تشغيل وملء سد النهضة في مصر سلبيًا وإلى حد بعيد على الأغلب 88، خصوصًا إذا ما اتخذت إثيوبيا خطوات متسارعة في ملء خزان السد بسعته الإجمالية البالغة 74 مليار متر مكعب 89، وهناك من يرى أنه حتى بعد ملء الخزان فإن "إثيوبيا ستحتفظ بمفتاح السد" 90، ما يعني المزيد من الضغوط على السياسة المصرية لتوفير احتياجات السكان مستقبلًا، وضمان عدم الاستخدام المسيس للسد في وقت لاحق، خصوصًا مع الاحتياجات المتنامية نتيجة التغير المناخي والنمو السكاني. ولعل سد النهضة هو المشكلة الأهم بالنسبة إلى مصر في موضوع المياه العذبة، ولكنها ليست المشكلة الوحيدة، إذ ثمة عدد من القضايا/ المشاكل الرئيسة الأخرى، كما سيتضح فيما يلي
قضايا أخرى
إلى جانب قضية سد النهضة، يمكن القول إن هناك خمس قضايا/ مشكلات أساسية تحدد معالم أزمة المياه في مصر، وتشكل تحديًا للحكومة المصرية في سبيل تحقيق التنمية والأمن المستدام للمياه.
. أ الزيادة السكانية
منذ التسعينيات، ازداد عدد سكان مصر بنسبة 41 في المئة، ليصل في عام 2021 إلى 102.5 مليون نسمة، ويتوقع أن ينمو إلى حدود 110 ملايين بحلول عام 2025، بحسب التقديرات المتوسطة المدى. وتشير التوقعات إلى وصوله إلى نحو 151 مليون نسمة بحلول عام 2050. من شأن هذه الزيادة المطردة التأثير على نحو كبير في الموارد الطبيعية، لا سيما المياه والطاقة، حيث تؤثر هذه الزيادة غير المنضبطة سلبيًا في حصة الفرد من مياه نهر النيل من الحصة المتقلصة أصلًامن جراء بناء السد. فالنمو السكاني المتسارع يزيد الاحتياجات المباشرة للمياه بأنواعها، إذ يرفع استهلاك المياه المستخدمة لتغطية المشاريع الزراعية المقامة لتوفير الاحتياجات الغذائية للسكان، والحفاظ على العوائد المتوقعة من تجارة المحاصيل الزراعية 91.
. ب المحاصيل المختارة من جانب المزارعين
يعدّ القطاع الزراعي من أكثر القطاعات استهلاكًا للمياه؛ وفي مصر يستهلك هذا القطاع النسبة الأكبر من الموارد المائية (نحو 85 في المئة) 92. فالزراعة في دلتا ووادي النيل تاريخية، وهي تعمل على توفير احتياجات السكان إلى حد كبير، لكنّ بعض المحاصيل التي يختارها المزارعون هناك، مثل الأرز وقصب السكر والموز والقمح والذرة، تُعدّ من الأكثر استهلاكًا للمياه، وهي من المحاصيل المطلوبة بشدة في الأسواق المحلية والعالمية، ما يجذب العديد من المزارعين للاستمرار في إنتاجها 93. أضف إلى كل ذلك أن الطلب على هذه المحاصيل، بطبيعة الحال، سيزداد بازدياد أعداد السكان 94.
. ج نظم الري المستخدمة
يُعدّ نظام الري في مصر ضخمًاومعقدًا؛ فوفقًا لأطلس " الموارد المائية لحوض النيل"، فإنه يمتد على قرابة 1200 كيلومتر، من أسوان إلى البحر الأبيض المتوسط، ويتكون من سَّدَي تخزين في أسوان (السد المنخفض والعالي في أسوان)، وسبع قناطر رئيسة على النيل تحوّل مياه النهر إلى شبكة واسعة من قنوات الري. وتنقسم الأراضي الزراعية في مصر إلى فئتين: الأراضي القديمة التي تشمل الواجهة البحرية ومصر الوسطى والصعيد، والتي بدأت زراعتها في وقت مبكر 95، والأراضي الجديدة والتي استصلحت حديثًا على أطراف الدلتا 96. تستخدم الأراضي القديمة تقنيات الري السطحي 97، ويستخدم المزارعون نظام الري بالغمر، الذي يستهلك بطبيعة الحال كميات كبيرة من المياه، ويعطي إنتاجًا بنسبة 50 في المئة من بعض المساحات المزروعة. يمثل الري بالغمر تحديًا كبيرًا يحول دون الاستفادة الكاملة من مياه النيل، لكنّ معارضة بعض المزارعين في التخلي عن الأساليب القديمة للري واستخدام أساليب حديثة تمثّل تحدّيًا كبيرًا أمام ترشيد الري وتحديث أساليبه، خاصة بالنسبة إلى مزارعي المحاصيل الأكثر استهلاكًا للمياه مثل الأرز وقصب السكر، لاعتقادهم أن الري الحديث قد يؤثر في إنتاجية هذه المحاصيل بالذات، واعتقاد بعضهم أن الري بالغمر ينظّف التربة من المعادن الزائدة، ما يحسّن جودة المحصول 98.
. د الهدر المائي
تشير التقديرات، وفقًا لرئيس مجلس إدارة الشركة المصرية القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، إلى أن نسبة الهدر المائي من المياه مرتفعة، خصوصًا المياه المستخدمة في الزراعة والشرب، وذلك لأسباب التبخر وسوء الاستخدام وسوء الإدارة وتهالك البنية التحتية 99.
. ه التلوث
نتيجة للصرف الصحي والزراعي والصناعي، فإن التلوث يهدد جودة مياه النيل والمياه الجوفية ومياه البحيرات في مصر 100، حيث يجري التخلص من النفايات بصورة غير منضبطة عبر المصارف المختلفة
الواقعة على طول ضفاف نهر النيل 101، ما ينعكس سلبيًا على الصحة العامة والبيئة في البلاد، حيث تقدّر نسبة مياه الصرف الصحي غير المجتمعة بطرائق آمنة بنحو 2.54 مليار متر مكعب/ سنة. أما الزراعة فتتسبب في التلوث من خلال الاستخدام غير الصحي للأسمدة والمبيدات، بينما تصُرف مخلفات المصانع من دون معالجة في مجاري المياه المنتشرة في مصر، رغم وجود قوانين لحماية مصادر المياه سُنّت عامي 1982 و 1994، والتي يبدو أن هناك خللًافي آليات تطبيقها 102. ومع كثرة الملوثات، لا تُعالج معظم المياه معالجة صحيحة، ما يؤدي إلى شرب 95.5 في المئة من المصريين مياهًا سيئة المعالجة 103. وفي أحد إصدارات المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، برنامج العدالة البيئية، تناقش الباحثة إيزابيل بوتومز أضرار أنواع تلوث المياه المختلفة في مصر 104، حيث تشير إلى أن مياه الصرف الصناعي تحتوي ملوثات مثل الرصاص والزئبق والبتروكيماويات، التي تسبب أضرارًا جسيمة بالمياه فور رميها فيها، والمواد المشعة الناتجة من إنتاج الأسلحة ومعالجة الخامات، التي تضر بالمياه السطحية والجوفية على نحو كبير. وفي عام 2008، سجلت الأجهزة الحكومية المصرية كثيرًا من المنشآت الصناعية التي تلقي مياه صرفها الصحي في النيل، إما مباشرة وإما من خلال نظام البلدية. وتحتوي النفايات الناتجة من هذه الصناعات على بعض المواد والمبيدات الأشد خطورة. وقد وصلت هذه الملوثات الصناعية الملقاة في نهر النيل إلى مستويات تقارب ال 5.4 أطنان في السنة 106. أما بالنسبة إلى مياه الصرف الزراعي فتلقى جميع المصارف الزراعية في نهر النيل وهي محملة بالكيماويات والأسمدة والمبيدات التي تحتوي ملوثات خطيرة، مثل الفوسفات والنترات والأليمنيوم التي تلوث المياه وتهدد الحياة البحرية فيه. كما تُستخدم المبيدات الحشرية غير القانونية مثل "الدي دي تي" DDT التي لا تهدد حياة الكائنات النيلية فحسب، بل تتسررب إلى باطن الأرض حيث تؤدي إلى تلويث المياه الجوفية والمجرى إلى النهر، وأخيرًا، مياه الصرف الصحي المنزلي التي تحمل الكثير من الملوثات المخلّفة عن النشاطات الإنسانية. ووفقًا لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام /2010 2011 فإن 7.24 في المئة فقط من سكان الريف متصلون بنظام صرف صحي، مقارنة ب 88 في المئة في المناطق الحضرية. وأولئك "المتصلون" بخزانات صرف صحي، يلقونها في الغالب في النيل والبحر المتوسط، ما يتسبب في زيادة نسب التلوث على نحو بالغ. ويضاف إلى ما سبق التغير المناخي وما له من آثار خطيرة، فارتفاع درجات الحرارة نتيجة للاحتباس الحراري العالمي سيؤثر في الأراضي الزراعية في مصر ونسب المياه المخصصة لها 107، فضلًاعن تراجع معدل الأمطار وتأثيره في تدفق نهر النيل 108. سيعني كل هذا تراكم التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لمشاكل المياه في مصر 109، وبالفعل فإنه يجري رصد خسائر مالية نتيجة الاعتداءات على موارد المياه وبنيتها التحتية المتآكلة أساسًا 110.
ثالثًا: استجابة الحكومة المصرية بشأن ملف المياه: الماهية والتقييم
نظرًا إلى ما تعانيه البلاد من نقص حالي في المياه العذبة، ولما هو متوقع من تفاقم الأمر إلى أزمة قد تمثل خطرًا حقيقيًا، فإن الحكومة المصرية بمختلف مكوناتها سعت بأساليب عديدة للتعامل مع ملف المياه ومعالجته، فقد عملت الجهات المسؤولة في مصر على دمج خطط الحفاظ على المياه في الرؤى والسياسات المتعددة. ففي عام 2015 أطلقت رؤية مصر 2030 لمواكبة أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة المتعلقة بالماء والغذاء والمساواة، وقد اعتمدت ضمن الرؤية عددًا من السياسات المتعلقة بالمياه إلى جانب سياسات الزراعة والقانون والتجارة والاستثمار والتعاون الدولي. فيما يتعلق بالمياه، سعت السياسات إلى وضع نظام مناسب لتسعير المياه يستهدف المستهلكين والفنادق والصناعات لصالح صغار المزارعين في محاولة لتقديم إدارة أفضل للمياه 111.
وفي عام 2016 أصدرت الحكومة "استراتيجية تنمية وإدارة الموارد المائية حتى عام 2050 بتكلفة نحو 58 مليار دولار 112، ووفقًا للموقع الرسمي للحكومة، ثمة خطط تنفذها الحكومة حاليًا ضمن خطة 2050؛ تشمل المشروع القومي لإعادة تأهيل القنوات، والتحول من الري بالغمر إلى تقنيات الري الحديثة، والتكيف مع التغيرات المناخية، والحماية من ارتفاع منسوب المياه إلى جانب مشاريع حصاد الأمطار 113، حيث ارتكزت خطة 2050 على الإدارة المتكاملة للمياه وفقًا للأسس الآتية: تنمية موارد المياه التقليدية وغير التقليدية، والحفاظ على المياه وتعظيم القيم المضافة لاستخدام المياه في الزراعة والصناعة والمنازل، وتحسين جودة المياه، وتعزيز البيئة المواتية من أجل الإدارة المتكاملة للموارد المائية 114. وفيما يخص مشكلة الزيادة السكانية وتأثيرها في أزمة المياه، فالحلول أمام الحكومة المصرية في هذه المسألة تبدو بديهية، فإما السيطرة على النمو السكاني وإما تطوير مصادر بديلة للمياه، وإما تنمية موارد المياه وفقًا لخطة 2050. بداية، بالنسبة إلى تطوير الحلول غير القائمة على المياه مثل البرامج التعليمية والصحية والتوعوية التي تهدف إلى خفض النمو السكاني، فستكون إضافة أساسية لحل تنمية الموارد المائية التقليدية، لكنها ليست سهلة وبطيئة الوتيرة 115. في الواقع، فإن النمو السكاني في مصر ما زال يزداد في ظل غياب اهتمام حقيقي وخطوات فعالة من جانب صانعي السياسات والباحثين في هذه المسألة 116، خصوصًا مع سنوات من العمل الحكومي على تنظيم الأسرة من دون جدوى 117، عدا عن أن الحلول التقليدية القائمة على خفض النمو السكاني لم تعد مقنعة، وكثيرًا ما يجري التشكيك في فاعليتها والغرض من الترويج لها 118. لذلك يبدو أن الحلول التقنية والابتكارية مثل معالجة مياه الصرف الصحي وتنقية مياه البحر وزيادة كفاءة استخدام المياه والمشاريع الكبرى من أهم التوجهات الممكنة لعلاج مشاكل المياه، وبالفعل تقوم الحكومة ببناء مجمعات للمياه، خاصة في سيناء والبحر الأحمر، في محاولة للاستفادة من مياه المطر التي يجري إهدار أغلبها 119. وهناك أيضًا محاولات لتطوير الاستفادة من المياه الجوفية 120، لكن هذه المحاولات جميعًا لا يتوقع أن توفر مقدارًا موازيًا أو حتى مقاربًا للنقص الحاصل. وعلى صعيد آخر، كان التفكير في وسائل الترشيد، ففي عام 2017، جرى تصميم الخطة الوطنية للموارد المائية 2017-2037 NWRP 121، بالتنسيق بين 9 وزارات حكومية على رأسها وزارة المياه والري ووزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، والتي تستهدف توفير 20 في المئة من الاستهلاك الحالي، عبر ترشيد استخدام المياه من خلال القوانين التي جرى إقرارها حديثًا، والتي ستحدد بموجبها الحكومة مناطق زراعة بعض المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل الأرز وقصب السكر، إضافة إلى استخدام الطاقة الشمسية في أنظمة الري جنبًا إلى جنب مع تقنيات الري الحديثة، إلى جانب تحسين جودة المياه من خلال قوانين لتقليل مستويات تلوث المياه العالية، فضلًاعن توفير المزيد من الموارد المائية، مثل تحلية مياه البحر، وإعادة تكرير مياه الصرف الصحي، وتهيئة المناخ للإدارة المثلى للمياه 122. عملت الحكومة بالفعل على التعامل مع مشكلة المحاصيل المستهلكة للمياه، إذ حاولت تقنين استخدام الأراضي في زراعة الأرز، ووضعت غرامات على ذلك 123، ولكنها بهذا كانت تحاول معالجة مشكلة المياه وتخلق مشكلة في الغذاء في مكان آخر، من دون توفير بدائل سوى الاستيراد، الذي ترتفع من خلاله قيمة السلع الاستراتيجية. وعلى أي حال فإن محاولات التقنين لم تنجح، فما زالت المساحات المخصصة للمحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة والبرسيم والأرز ومنتجات السكر والقطن والموز كما هي تقريبًا لتلبية الاحتياجات الغذائية الفعلية 124. ومن ناحية أخرى، في ظل النمو السكاني سيزداد الطلب على المحاصيل المزروعة التي تستنزف المياه أساسًا، وسيصبح حتى الحفاظ على المناطق المروية الموجودة حاليًا صعبًا 125، ويتطلب ذلك
الموازنة بين احتياجات السكان والعوائد الاقتصادية للصادرات الزراعية من جهة، والتكلفة المترتبة على استهلاك المياه 126. ويمكن إرجاع ما سبق إلى عدم تصميم الاستجابة بما يتوافق مع نهج الترابط بين الماء والغذاء والطاقة، والافتقار إلى التنسيق المطلوب بين أصحاب المصلحة المختلفين، وهو ما يرتبط أيضًا بركيزة الإدارة المتكاملة للمياه التي تقول بضرورة تعزيز الترابط التنموي بين إدارة المياه والأراضي والموارد ذات الصلة. وفي سياق التوجه نحو الإدارة المتكاملة للمياه، ثمة دعوات نحو تبني "الإدارة الذكية لحافظات الصادرات والواردات الزراعية"، بمعنى تحفيز صادرات المحاصيل ذات الكفاءة المائية والقيمة الاقتصادية العالية، واستيراد المحاصيل ذات الكفاءة المائية والقيمة الاقتصادية المنخفضة 127. ولكن في ظل تمسك المزارعين والتجار بأنماط الزراعة التقليدية، وعدم القدرة على الوصول إلى معادلة متكافئة تضمن عوائد مناسبة من المحاصيل غير التقليدية في مصر، سيستمر النمط الحالي في الزراعة التقليدية المستنزفة للمياه، مما يعمق الخلل في منظومة المياه والغذاء والطاقة 128، وهذا سيقود إلى استمرار التضارب في السياسات والمصالح التجارية والمائية في ظل غياب نهج متكامل وواقعي لإدارة الملف 129. أما بالنسبة إلى نظم الري، فتستمر المحاولات لتحويل الأراضي القديمة المروية حاليًا بالغمر إلى تقنيات ريّ حديثة 130. ففي عام 2019 اعتمدت مصر ثلاث طرق جديدة للريّ بدلًامن الري بالغمر الذي يستنزف المياه: الري بالأنابيب والذي يقلل الهدر بنسبة 60 إلى 70 في المئة، والريّ بالرش، الذي يقلل الفاقد من المياه بنسبة 70 إلى 80 في المئة، والريّ بالتنقيط، الذي يساهم في تقليل الفاقد بنسبة 90 في المئة. لكن ما زالت التكلفة العالية تمثّل عائقًا أمام استكمال هذا المشروع. وقد أطلقت الحكومة المصرية بالتعاون مع البنك الدولي خططًا طموحة في الأعوام الأخيرة لاستخدام تقنيات الري الحديثة في الأراضي القديمة تشمل مساحات واسعة من الأراضي 131. أما بالنسبة إلى الأراضي الجديدة، فيفرض القانون على المزارعين استخدام تقنيات الريّ بالرش أو الريّ بالتنقيط. في المقابل، يواجه تطبيق أساليب الريّ الحديثة بعض التحديات طبقًا لوزارة الموارد المائية والريّ؛ يتمثل أبرزها في اعتبار بعض المزارعين حملات الحكومة لتشجيع أساليب الريّ الحديثة معاِرِضةً لمصالحهم، خاصة مزارعي المحاصيل الأكثر استهلاكًا للمياه، الذين يعتقدون أن نظم الريّ الحديثة تؤثر في إنتاجيتهم، ويرون أن الريّ بالغمر ينظف التربة من المعادن الزائدة ويحسن جودتها كما أسلفنا. لذلك تحاول الحكومة تغيير هذه المفاهيم الخاطئة من خلال حملات التوعية والإرشاد الزراعي ومنح حوافز مالية للمزارعين لإنجاح مشروع التحول إلى نظم الري الحديثة 132. لكن نتائج المحاولات ليست في حدود ما هو مأمول بعد، ويمكن إرجاع قسم كبير من هذا إلى ضعف ركيزة مهمة من ركائز الإدارة المتكاملة للمياه، وهي ركيزة توفّر البيئة المؤسسية والقانونية القوية بدرجة كافية بما يدعم تطبيق تلك السياسات، وهذه المرة أيضًا، كما تبين من مواقف المزارعين، يعدّ ضعف التنسيق بين أصحاب المصلحة من أسباب عدم تحقيق النتائج المطلوبة. وأطلقت الدولة حزمة من المشاريع الاستراتيجية القومية الحيوية للتعامل مع هدر المياه، مثل المشروع القومي لإعادة تأهيل وتبطين قنوات الري عام 2019، لغرض تقليل الفاقد نتيجة التسررب، في محاولة لتوفير 20 مليار متر مكعب سنويًا، حيث شمل المشروع حوالى 30 ألف كيلومتر مربع 133. كان المشروع، ضمن جهود الدولة لإدارة أزمة المياه، مدفوعًا باحتياجات المزارعين والتحديات التي يواجهونها 134. في الواقع، تعدّ إعادة تأهيل شبكات توزيع المياه WDNS إحدى الطرق الرئيسة لتقليل هدر المياه، لكنها من الطرق المكلفة 135. جرى الاعتماد على بيانات تجريبية متنوعة لقياس فاعلية القنوات المعاد تأهيلها في إطار المشروع، ومن خلال محاكاة ثلاث حالات في دلتا النيل، التي تحوي ثلاثة أنواع من القنوات (القنوات غير المبطنة، والمبطنة، والمبطنة بأنبوب الصرف) تمّت المقارنة بينها، كانت النتائج إيجابية فيما يتعلق بتقليل الفاقد، مع آثار سلبية انعكست على مخزون المياه الجوفية 136. وجرى تأكيد هذا في دراسة أخرى، أضافت آثارًا جانبية أخرى للمشروع تتمثل في فقدان التنوع البيولوجي على طول
السدود بسبب تبطين القنوات 137. ما سبق لا يتماشى مع قواعد الإدارة المتكاملة للمياه؛ نظرًا إلى أثره في الإخلال باستدامة النظم البيئية الحيوية. رغم ذلك، فإن تنفيذ المشروع ما زال ضروريًا لتوفير كميات هائلة من المياه 138. في محافظة البحيرة، كان للمادة المبطنة دوٌرٌ في "تقليل نموّ البكتيريا وتركيز المعادن"، ما يعني الحد من تسررب مياه الصرف الصحي إلى القناة 139. وقد عّب ر المزارعون المستفيدون والمشاركون في إحدى الدراسات عن رضاهم عن المشروع بصورة عامة 140. أما بالنسبة إلى ما يتعلق بمشاكل تلوث المياه، فرغم وجود قوانين لحماية مصادر المياه سُنّت عامي 1982 و 1994، فإنّ مخلفات المصانع لا تزال تصُرف من دون معالجة في مجاري المياه، فيما يبدو أن هناك خللًافي آليات تطبيق القوانين 141. ومع كثرة الملوثات، لا تعالج معظم المياه معالجة صحيحة، ما يؤدي إلى شرب 95.5 في المئة من المصريين مياهًا سيئة المعالجة 142. وفي محاولة لمواجهة ما تعانيه كل من بحيرات قارون والتمساح ووادي الريان ومريوط وإدكو والمنزلة والبرلس والبردويل وسيوة ونبع الحمراء وبور فؤاد وناصر وبحيرات توشكى والبحيرات الُمُرّة، من تسرريبات الصرف الصحي الزراعي والتلوث، فقد تبنت الحكومة المصرية المشروع القومي لتنمية البحيرات بهدف الحفاظ على التوازن البيئي وتطهيرها من الملوثات 143. كما سعت مصر إلى بناء عدد من محطات التحلية والمعالجة لمياه البحر والصرف الصحي في كل من مطروح والبحر الأحمر وجنوب سيناء والإسماعيلية وبورسعيد والسويس والدقهلية وكفر الشيخ والبحيرة، لكنّ منظومة معالجة المياه في مصر أساسًا تعاني مشاكل، منها التركيز على الملوثات التقليدية مثل المواد الصلبة وإهمال علاج الملوثات الدقيقة مثل المبيدات، إضافة إلى غياب آليات التنسيق والتواصل وتبادل البيانات بين الوزارات المسؤولة 144 ا. فضل عن أن للمحطات المذكورة تكاليف باهظة أيضًا 145. لقد حاولت الحكومة في مصر مواجهة تحديات ملف المياه من خلال حزمة من الرؤى والسياسات والمشاريع التي جرى التطرق إليها، ويبدو أن تلك الاستجابة ما زالت قاصرة عن تحقيق التحول المطلوب في أزمة المياه 146؛ ويمكن إرجاع هذا إلى مجموعة من الأسباب. أولها: غياب الفاعلية القانونية أو البيئة القانونية اللازمة (كما سبقت الإشارة)، سواء من حيث التشريع أو التطبيق؛ فمصر سنّت أوّل القوانين "الشاملة" بخصوص المياه في عام 2021 فقط، علمًاأن القوانين المجزّأة ولوائح الوكالات الرسمية السابقة بخصوص المياه انُتُهكت باستمرار، ولم تكن لها قيمة عملية، بسبب ضعف جهاز المراقبة وتطبيق القانون في هذا الشأن. ثانيها: افتقرت السياسات والمشاريع إلى وجود قدر مناسب من التفاعل والتنسيق المؤسسي على المستوى الداخلي والخارجي. ثالثها: غياب اتفاٍقٍ قانوني وضمني حيوي مع دول حوض النيل، مع عدم وجود إطار مؤسسي واضح لترجمة الخطط والرؤى على نحو متراكم، ونقص المعلومات والمهارات، وغياب إشراك أصحاب المصلحة، وضعف المراقبة والتقييم. رابعها: غياب الثقافة المجتمعية والوعي العام اللازم بمسألة المياه في مصر. ويتمثل التحدي أمام الحكومة المصرية في النجاح في تصميم وتنفيذ سياسات مجدية تراعي معضلة الاحتياجات المتزايدة من دون استنزاف الموارد المائية، ضمن إطار مرن يستطيع التكيف مع التغيرات الخارجية مثل تغير المناخ وقضية سد النهضة .
الخاتمة والتوصيات
تعاني أجزاء مختلفة من العالم شحّ المياه، وقد نالت هذه القضية اهتمامًا كبيرًا من المجتمع الدولي خلال العقود الأخيرة، بناءً عليه، سنّت قوانين وعقدت اتفاقيات لضمان ترشيد الاستخدام والتوزيع العادل ولتجنب تغذية هذه القضية للنزاعات، وظهرت وسائل ونهج وأطر نظرية متعددة استجابةً للأزمة، وكانت نتائجها متفاوتة في السياقات المختلفة. لم تكن الاستجابة في عدد من الدول العربية فعّالة على نحٍوٍ كاٍفٍ، في حين تعاني دولة مثل مصر أزمة مركبة في ملف المياه العذبة، استكشفتها هذه الدراسة مسلطةًالضوء على حيثياتها، بدءًا من التنافس على مياه النيل - المصدر الأساسي والأكبر
للمياه العذبة في البلاد - وأزمة سد النهضة، ومن ثم شخصت خْمْسًا أخرى من المشكلات/ القضايا التي تؤثر على نحو مباشر ومهمّ في تفاقم الأزمة المائية، وهي الزيادة السكانية والمحاصيل كبيرة الاستهلاك للمياه ونظم الري غير الفعالة والهدر المائي والتلوث بأنواعه. وأجرت الدراسة مسحًا لاستجابة الحكومة المصرية لتلك القضايا، وحاولت تقييم عناصر تلك الاستجابة، والتي تبين أنها، رغم المحاولات المتنوعة والكثيرة، لا تحقق الهدف المنشود بدرجة كافية، ويرجع ذلك إلى خلل في السياسات وتصميمها ونقص في التنسيق بين الجهات المختلفة المعنية في الدولة، والتنسيق مع أصحاب المصلحة أيضًا، وعدم مراعاة التأثير المتبادل أو الممتد بين قطاع المياه وعدة قطاعات أخرى، مثل الغذاء والبيئة والطاقة والاقتصاد والقانون. وبناءً على ما سلف، تقدّم الدراسة عددًا من التوصيات: لمواجهة شحّ المياه، من الضروري تصميم خطة استجابة ملائمة تراعي كلً من العوامل والقطاعات السياسية والاقتصادية والقانونية والبيئية والاجتماعية، فلا يمكن فرض استجابات منسوخة أو مقتطعة من سياقات أخرى، من دون النظر في ملامح السياق المحلي. وفقًا لنهج الترابط بين الماء والغذاء والطاقة، ينصح بإدماج الحلول عبر القطاعات الثلاثة، والحرص على تجنب توليد مشكلات جديدة أو تمددها بين هذه القطاعات. ثقافة الترشيد وكفاءة الاستخدام ما زالت غائبة بصورة كبيرة، ما يفرض على الحكومة إطلاق برامج توعوية وتثقيفية موسعة تشرك السكان في تحمل مسؤولياتهم تجاه ندرة المياه. دراسة البيئة القانونية والتشريعات التي سبق سنّها للتعامل مع قضايا المياه، مع تقييم مدى تنفيذها وتحري أسباب أي قصور، وطرائق معالجته. تبنّي نهج متكامل ومتعدد المستويات، داخليًا وخارجيًا، والعمل على تحقيق التنسيق الكامل والتعاون الفعال بين مصر ودول حوض النيل وخصوصًا إثيوبيا، وإلا فسيستمر الأمن المائي في مصر معلقًا بدرجة كبيرة بالخارج. بالطبع يتطلب هذا إشراك جميع أصحاب المصلحة والخبراء في تصميم السياسات لكل مستوى، بعد إجراء دراسة معمقة للتجارب الشبيهة في الدول الأخرى ولتجارب الماضي واستخلاص الدروس المستفادة وتوظيفها في النهج المحدّث. العمل على زيادة التحالفات وتعزيزها في أنظمة الحوكمة المتعددة المستويات في الدول المطلّة على النيل أو الفاعلة في إدارة النزاع. تقوية البيئة المؤسسية ذات الصلة وضخّ دماء جديدة للعمل على تصميم خطة الاستجابة ووضعها وتنفيذها ومراقبتها وتقييمها، وقد يساعد في ذلك استحداث هيئة أو لجنة جديدة، وللتنسيق بين مختلف القطاعات المرتبطة أو ذات العلاقة في الدولة. الحاجة إلى الاستثمار الممأسس في البحوث الأكاديمية المتنوعة الخاصة بالمياه، بما يخدم صناع القرار والسياسات. يذكر أن المنهج الذي اتبعته هذه الدراسة محدود بالأدبيات ذات الصلة التي جرت مراجعتها، والتي اعتمد المؤلف عليها نظرًا إلى عدم توافر مصادر أخرى في المتناول. وهذا يشير إلى ضرورة إجراء بحوث مستقبلية تجريبية، تراقب تحولات الوضع المائي في مصر، وتفحص المخرجات الكمية والنوعية للسياسات والمشاريع المطبقة من جانب الحكومة المصرية.
المراجع
العربية
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. لمحة عامة: تقرير التنمية البشرية 2016: تنمية للجميع. نيويورك: 2016. في: https://shorturl.at/ePQW8 بوتومز، إيزابيل. تلوث المياه في مصر: الأسباب والمخاوف. المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية - برنامج العدالة البيئية، آذار/ مارس 2014:. في https://bit.ly/3MJrIhf جردي، مي وريم فياض وعباس الزين. "التدهور البيئي في الوطن العربي: التحدي لاستدامة الحياة." مجلة المستقبل العربي. العدد 419 (كانون الثاني/ يناير.)2014 جمهورية مصر العربية، رئاسة الجمهورية. إدارة نظم الحماية البيئية في مصر: نحو تحقيق بيئة مستدامة والتصدي لمخاطر https://shorturl.at/xH125:. في تغير المناخ جمهورية مصر العربية، وزارة البيئة. تقرير حالة البيئة: جمهورية مصر العربية 2016. القاهرة: 2017. في: https://shorturl.at/joFOZ ________. مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري.) تقرير حالة البيئة 2017: جمهورية مصر العربية. القاهرة. فh يttps://shorturl.at/dgKUX: جمهورية مصر العربية. وزارة الموارد المائية والري. استراتيجية تنمية وإدارة الموارد المائية حتى عام 2050. كانون الأول/ ديسمبر 2016 في https://shorturl.at/cfMO1:. شراقي، عباس محمد. "تداعيات سد النهضة الإثيوبي على الأمن المائي المصري." ورقة مقدمة في المؤتمر الدولي الخامس عشر لعلوم المحاصيل. قسم المحاصيل الزراعية بكلية الزراعة بجامعة عين شمس بالتعاون مع الجمعية المصرية لعلوم المحاصيل. القاهرة 2018/10/2-1. في https://cutt.ly/JlFhnZU:. عباس، إسراء عباس إبراهيم. "سد النهضة الإثيوبي ما بين اتفاقيات مياه النيل والنظام القانوني للأنهار الدولية: دراسة حالة الوضع المصري في حصة مياه النيل في ظل أزمة سد النهضة الإثيوبي." المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية 2021/1/11.، في https://bit.ly/3I2RhWU: عمروسي، حنان. "دور تكنولوجيا تحلية مياه البحر في سد الفجوة المائية في الدول العربية: دراسة حالة الجزائر." مجلة العلوم الاقتصادية والإدارية. مج 20. العدد 1.)2019(عودة، جهاد ومحمد العراقي وعاطف جودة. "سد النهضة الإثيوبي والزراعة المصرية." مجلة اتحاد الجامعات العربية للعلوم الزراعية. مج 28. العدد 2 (آب/ أغسطس 2020.) فهمي، عبد القادر محمد. النظريات الجزئية والكلية في العلاقات الدولية. عّم ان: دار الشروق للنشر والتوزيع،.2010 مسيليتي، نبيلة وسليمة بن زعمة ويزيد تقرارت. "النمو الأخضر كأداة لتحقيق التنمية المستدامة." مجلة العلوم الإدارية والمالية. مج 2. العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر.)2018 المنظمة المصرية لحقوق الإنسان. تلوث المياه قنبلة موقوتة تهدد حياة المصريين. القاهرة: كانون الأول/ ديسمبر.2009
الأجنبية
Abd‐Elaty, Ismail et al. "Modelling the Impact of Lining and Covering Irrigation Canals on Underlying Groundwater Stores in the Nile Delta, Egypt." Hydrological Processes. vol. 36. no. 1 (January 2022). Abdelkader, A. et al. "National Water, Food, and Trade Modeling Framework: The Case of Egypt." Science of the Total Environment. vol. 639 (2018). Abdel-Satar, Amaal M. Mohamed H. Ali & Mohamed E. Goher. "Indices of Water Quality and Metal Pollution of Nile River, Egypt." The Egyptian Journal of Aquatic Research. vol. 43, no. 1 (March 2017). Abd-Elziz, Sherien et al. "Spatial and Temporal Effects of Irrigation Canals Rehabilitation on the Land and Crop Yields, a Case Study: The Nile Delta, Egypt." Water. vol. 14, no. 5 (March 2022). Abdulrahman, Salam Abdulqadir. "The River Nile and Ethiopia's Grand Renaissance Dam: Challenges to Egypt's Security Approach." International Journal of Environmental Studies. vol. 76, no. 1 (January 2019).
Abebe, Fekade. "Exclusion vs Cooperation in the Utilisation of Transboundary Watercourses: The Case for Decolonising the Nile Water Agreements." Journal of the History of International Law/ Revue d'histoire du droit international. vol. 24, no. 2 (June 2022). Allan, Tony, Martin Keulertz & Eckart Woertz. "The Water-Food-Energy Nexus: An Introduction to Nexus Concepts and some Conceptual and Operational Problems." International Journal of Water Resources Development. vol. 31, no. 3 (2015). Al-Saidi, Mohammad. "Conflicts and Security in Integrated Water Resources Management." Environmental Science & Policy. vol. 73 (July 2017). Ashour, Mohamed A. et al. "A Comparative Technical Study for Estimating Seeped Water from Irrigation Canals in the Middle Egypt (Case Study: El-Sont Branch Canal Network)." Ain Shams Engineering Journal. vol. 14, no. 2 (June 2022). Ashour, Mohammed, Tarek Sayed & Abdalla Atef. "Water- Saving from Rehabilitation of Irrigation Canals Case Study: El-Sont Canal, Assiut Governorate." Aswan University Journal of Environmental Studies. vol. 2, no. 3 (September 2021). Ashton, Peter J. "Avoiding Conflicts over Africa's Water Resources." AMBIO: A Journal of the Human Environment. vol. 31, no. 3 (May 2002). Asseng, Senthold et al. "Can Egypt Become Self-Sufficient in wheat?" Environmental Research Letters. vol. 13, no. 9 (September 2018). Avgoustaki, Dafni Despoina & George Xydis. "Plant Factories in the Water-Food-Energy Nexus Era: A Systematic Bibliographical Review." Food Security. vol. 12, no. 2 (January 2020). Azzam, Ahmed Mohamed, Nahed Mohamed Ismail & Bayaumy Bayaumy Mostafa. "Impact of Lining Material on Chemical and Microbial Irrigation Water Quality of Nubaria Canal, Egypt." Asian Pacific Journal of Tropical Disease. vol. 6, no. 2 (February 2016). Barnett, Jon. "Destabilizing the Environment-Conflict Thesis." Review of International Studies. vol. 26, no. 2 (April 2000). Bellamy, Jennifer A. & Andrew K. L. Johnson. "Integrated Resource Management: Moving from Rhetoric to Practice in Australian Agriculture." Environmental Management. vol. 25, no. 3 (March 2000). Cascão, Ana Elisa et al. "Why are Water Wars Back on the Agenda? And Why We Think It's a Bad Idea!" Undisciplined Environments (March 2018). at: https://shorturl.at/uOX39 Conca, Ken. Governing Water: Contentious Transnational Politics and Global Institution Building. Cambridge, MA: The MIT Press, 2005. Daniell, Katherine A. Peter J. Coombes & Ian White. "Politics of Innovation in Multi-level Water Governance Systems." Journal of Hydrology. vol. 519 (November 2014). Dunne, T. M. Kurki & S. Smith (eds.). International Relations: Discipline and Diversity. Oxford: Oxford University Press, 2007. El Tahlawi, M. R. A. A. Farrag & S. S. Ahmed. "Groundwater of Egypt: 'An Environmental Overview'." Environmental Geology. vol. 55, no. 3 (August 2008). El‐Fadel, M. et al. "The Nile River Basin: A Case Study in Surface Water Conflict Resolution." Journal of Natural Resources and Life Sciences Education. vol. 32, no. 1 (2003). El-Nahry, Alaa H. & Reiner Doluschitz. "Climate Change and its Impacts on the Coastal Zone of the Nile Delta, Egypt." Environmental Earth Sciences. vol. 59, no. 7 (February 2010).
Eslamian, Saeid & Faezeh A. Eslamian. Handbook of Drought and Water Scarcity: Environmental Impacts and Analysis of Drought and Water Scarcity. Boca Raton, FL: CRC Press, 2017. Farouk, Abdelrahman M. Rahimi A. Rahman & Noor Suraya Romali. "Economic Analysis of Rehabilitation Approaches for Water Distribution Networks: Comparative Study between Egypt and Malaysia." Journal of Engineering, Design and Technology. vol. 21, no. 1 (2021). Fulazzaky, Mohamad Ali. "Challenges of Integrated Water Resources Management in Indonesia." Water. vol. 6, no. 7 (July 2014). Gersfelt, Birgitte. Allocating Irrigation Water in Egypt. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2007. Goher, Mohamed E. et al. "Water Quality Status and Pollution Indices of Wadi El-Rayan Lakes, El-Fayoum, Egypt." Sustainable Water Resources Management. vol. 5, no. 2 (June 2019). He, Chunyang et al. "Future Global Urban Water Scarcity and Potential Solutions." Nature communications. vol. 12, no. 1 (August 2021). International Law Association. Berlin Conference. Water Resources Law. Fourth Report. "The Berlin Rules on Water Resources." Berlin: Berlin Conference on Water Resources Law, 2004. Karabulut, Arma ğ an et al. "Mapping Water Provisioning Services to Support the Ecosystem-Water-Food- Energy Nexus in the Danube River Basin." Ecosystem services. vol. 17 (February 2016). Khairy, W. M. et al. "Estimation of Evaporation Losses from Water Bodies in the Sudan and Ethiopia." International Journal of Energy and Water Resources. vol. 3, no. 3 (July 2019). Power, Khalifa, Essam. "Safe Wastewater Use in Agriculture in Egypt: Case Study," The UN-Water Activity Information System (UNW-AIS) (2014). at: https://bit.ly/35N3DFt Khalifa, Mona, Julie DaVanzo & David M. Adamson. Population Growth in Egypt: A Continuing Policy Challenge. Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2000. Leb, Christina. "One Step at a Time: International Law and the Duty to Cooperate in the Management of Shared Water Resources." Water International. vol. 40, no. 1 (January 2015). Llorens, P. & F. Gallart. "A Simplified Method for Forest Water Storage Capacity Measurement." Journal of Hydrology. vol. 240, no. 1-2 (December 2000). Lowi, Miriam R. "Water and Conflict in the Middle East and South Asia: Are Environmental Issues and Security Issues linked?" The Journal of Environment & Development. vol. 8, no. 4 (December 1999). Mackenzie, S. H. "Toward Integrated Resource Management: Lessons about the Ecosystem Approach from the Laurentian Great Lakes." Environmental Management. vol. 21, no. 2 (March 1997). McCaffrey, C. et al (eds.). Research Handbook on International Water Law. Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2019. Meky, Marwa & Bakenaz Zeidan. "Nile River Morphological Changes: State of the Art." Proceedings of the 4 th International E-Conference on Advances in Engineering. Technology and Management - ICETM 2021. Conference Paper , Institute of Research Engineers and Doctors. January 2021. at: https://bit.ly/3q2wIDN Mirumachi, Naho & John Anthony Allan. "Revisiting Governance: Water Transboundary Conflict Cooperation and the Political Economy." Proceedings from CAIWA International Conference
on Adaptive and Integrated Water Management: Coping with Scarcity. Basel: 12/11/2007. Mishra, Arabinda. "Outgrowing the Earth: The Food Security Challenge in an Age of Falling Water Tables and Rising Temperatures." Journal of Resources, Energy, and Development. vol. 2, no. 2
Mosher, Steven W. Population Control: Real Costs, Illusory Benefits. London/ New York: Routledge,
Mostafa, Kareem et al. Water Security in Egypt Issues and Perspectives: A Policy Paper. The Public Policy HUB/ The School of Global Affairs and Public Policy GAPP/ The American University (AUC). June 2021. Mostafa, Soha M. et al. "Potential Climate Change Impacts on Water resources in Egypt." Water. vol, 13. no. 12 (June 2021). Negm, Abdelazim M. & Sommer Abdel-Fattah (eds.). Grand Ethiopian Renaissance Dam Versus Aswan High Dam: A View from Egypt. The Handbook of Environmental Chemistry 79. Cham: Springer, 2019. Negm, Abdelazim M. (ed.). The Nile River. The Handbook of Environmental Chemistry 56. Cham: Springer International Publishing, 2017. Resources Water Conventional (ed.). and Agriculture in Egypt. The Handbook of Environmental Chemistry 74. Cham: Springer, 2019. Negm, Abdelazim M. Mohamed Ali Bek & Sommer Abdel-Fattah (eds.). Egyptian Coastal Lakes and Wetlands: Part I: Characteristics and Hydrodynamics. The Handbook of Environmental Chemistry 71. Cham: Springer, 2019. Nikiel, Catherine A. & Elfatih A. B. Eltahir. "Past and Future Trends of Egypt's Water Consumption and its Sources." Nature Communications. vol. 12, no. 1 (July 2021). Obengo, Joel Okundi. "Hydropolitics of the Nile: The Case of Ethiopia and Egypt." African Security Review. vol. 25, no. 1 (January 2016). Office of the Director of National Intelligence. Global Water Security. Intelligence Community Assessment. February 2012. at: https://shorturl.at/dfhry Omar, Mohie El Din M. & Ahmed M. A. Moussa. "Water Management in Egypt for Facing the Future Challenges." Journal of Advanced Research. vol. 7, no. 3 (May 2016). Omran, El-Sayed E. & Abdelazim M. Negm (eds.). Technological and Modern Irrigation Environment in Egypt: Best Management Practices & Evaluation. Cham: Springer, 2020. Osama, Sara, Mohamed Elkholy & Rawya M. Kansoh. "Optimization of the Cropping Pattern in Egypt." Alexandria Engineering Journal. vol. 56, no. 4 (December 2017). Roetter, Reimund P. et al. "Combining Farm and Regional Level Modelling for Integrated Resource Management in East and South-east Asia," Environmental Modelling & Software. vol. 22, no. 2 (February 2007). Salman, Salman M. A. "The Helsinki Rules, The UN Watercourses Convention and the Berlin Rules: Perspectives on International Water Law." International Journal of Water Resources Development. vol. 23, no. 4 (2007). Smajgl, Alex, John Ward & Lucie Pluschke. "The Water- Food-Energy Nexus-Realising a New Paradigm." Journal of Hydrology. vol. 533 (February 2016). Sultan, Nourhan Ahmed. "The Consistency of Export and Agricultural Policies in Egypt." Master's Thesis. The American University in Cairo. Cairo. 2020.
The Hashemite Kingdom of Jordan. Ministry of Water and Irrigation. Establishing the Post-2015 Development Agenda: Sustainable Development Goals (SDG) towards Water Security: The Jordanian Perspective. Amman: March 2014. Turton, Antony R. et al. (eds.). Governance as a Trialogue: Government-Society-Science in Transition. Berlin/ Heidelberg: Springer, 2007. UNESCO. World Water Assessment Programme. The United Nations World Water Development Report 2016: Water and Jobs. Paris: 2016. Programme. Environment Nations United Transboundary River Basins: Status and Trends. vol. 3: River Basins. Nairobi: UNEP-DHI and UNEP, 2016. Wada, Yoshihide, Tom Gleeson & Laurent Esnault. "Wedge Approach to Water Stress." Nature Geoscience. vol. 7, no. 9 (August 2014). Warner, Jeroen & Neda Zawahri. "Hegemony and Asymmetry: Multiple-Chessboard Games on Transboundary Rivers." International Environmental Agreements: Politics, Law and Economics. vol. 12, no. 3 (September 2012). Watkins, Kevin (dir.). Human Development Report 2006: Beyond Scarcity: Power, Poverty and the Global Water Crisis. New York: UNDP, 2006. Wehling, Philine. Nile Water Rights: An International Law Perspective. Berlin/ Heidelberg: Springer, 2020). Wolf, Aaron T. "Shared Waters: Conflict and Cooperation." Annual Review of Environment and Resources. vol. 32 (November 2007). Wolf, Aaron T. Kerstin Stahl & Marcia F. Macomber. "Conflict and Cooperation within International River Basins: The Importance of Institutional Capacity." Water Resources Update. vol. 125, no. 2 (June 2003). Yount, Kathryn M. & Hoda Rashad (eds.). Family in the Middle East: Ideational Change in Egypt, Iran and Tunisia. London: Routledge, 2008. Yousef, Sahar Farid. "Water Scarcity and Conflict between Upstream and Downstream Riparian Countries." Water Economics and Policy. vol. 7, no. 03 (July 2021). Zeidan, Bakenaz A. "Water Conflicts in the Nile River Basin: Impacts on Egypt Water Resources Management and Road Map." Research Gate (August 2015).