الليطاني نهرًا جامع ا بين الطوائف: نحو إعادة بناء فضلى في لبنان

Hussein Abdulmunim Amery حسين عبد المنعم عميري |

الملخّص

This study addresses the vital importance of the Litani River in Lebanon and tackles the environmental challenges resulting from severe pollution in the river, where approximately 40 million cubic meters of untreated sewage are dumped annually. The study argues that political fragility and inadequate governmental response in Lebanon, along with the sectarian system, civil war, and extreme poverty, have contributed to the failure to resolve Lebanon's water crisis. The study emphasizes the urgent need for sustainable development and balanced reconstruction in Lebanon, through the implementation of integrated solutions and effective governance of water and land. The study highlights the importance of efficiency in using natural resources and the adoption of innovative technologies to build resilience against climate change, such as remote sensing services, improving rainwater collection, and enhancing soil moisture. Keywords: Litani River, Lebanon, Water Management, Governance.

Litani River as It Connects the Sects: Towards Better Reconstruction in Lebanon

تتناول هذه الدراسة الأهمية الحيوية لنهر الليطاني في لبنان، وتعالج التحديات البيئية الناجمة عن التلوث الشديد في النهر، حيث يُلقى حوالى 40 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة سنويًا. وتحاجّ في أن الهشاشة السياسية والاستجابة الحكومية غير الكافية في لبنان، مع النظام الطائفي والحرب الأهلية والفقر المدقع، عوامل أسهمت في تعزيز عدم التوصل إلى صيغة لحل أزمة لبنان المائية. وتؤكد الدراسة على الحاجة الملحّة لتنمية مستدامة وإعادة إعمار متوازنة في لبنان، من خلال تطبيق حلول متكاملة وحوكمة فعالة للماء والأرض. وُت برز أهمية الاستخدام الفعّ ال للموارد الطبيعية وتبّن ي تقنيات مبتكرة لبناء مرونة تجاه تغير المناخ، مثل خدمات الاستشعار عن بعد وتحسين جمع مياه الأمطار وتعزيز رطوبة التربة. كلمات مفتاحية: نهر الليطاني، لبنان، إدارة المياه، الحوكمة.

"ليس من المبالغة القول إَّنَ نهر الليطاني أصبح قناةً تنقل السموم بين قرى عدة، ومدن تقع على مجراه. فعلى طول مجرى النهر، ثمة تراكمات هائلة من الفضلات الصلبة، ومصبّات الصرف الصحي والمصبّات الصناعية، فضلًاعن رائحة لا تُطاق" (Mouin Hamzé & Amin Shaban, The Litani River, Lebanon: An Assessment and Current Challenges , Cham, Switzerland: Springer International, 2018) "اكي تحكم بلدًا، احكم مياهه أول " , 2022) Economist The، الرئيس الصيني، شي جين بينغ(

مقدمة

يتميز لبنان بمناخ متوسّطي، مع أمطاٍرٍ غزيرة على سهوله الساحلية، ومعتدلة في الداخل؛ إذ يحظى، عمومًا، بمتوسط قدره 661 ملم من الأمطار سنوًّيًا، وهذا أعلى كثيرًا من دول أخرى في المنطقة 1. لكنّ الإخفاقات الاقتصادية والسياسية استنزفت هذه الوفرة النسبية في موارد البلد المائية، وأدّت إلى تدهور البيئة الطبيعية، لا سيما الأنهار، ومنها الليطاني، وألحقت الضرر بأمن البشر الغذائي والمائي. ترى هذه الدراسة أنّه يمكن لتعاٍفٍ مستدام أن يبدأ بحوكمة رشيدة للموارد المائية عن طريق مخطّطات اجتماعية الأساس، مثل الحدّ من تدفّق الفضلات في نهر الليطاني، والزراعة المتجدّدة والتثقيف البيئي. فمن شأن ذاك أن يشكّل بذورًا لإعادة بناء أفضل. يمكن أن تجري إعادة بناء الثقة الاجتماعية عبر إدارةٍ للموارد المائية تعاونيةٍ متكاملة؛ ففي النهاية، يمكن الاتّفاق على أهداٍفٍ، كالماء النظيف ومنظومة أنهاٍرٍ سليمة بيئًّيًا، أن يربط بين البشر في سعيهم وراء مصالحهم المتشابكة

أولًا: نظرة عامة على تحديات إدارة المياه

الليطاني بالنسبة إلى لبنان شأنه شأن النيل بالنسبة إلى مصر. فهو أكبر أنهاره، حجمًاوطولًاوحوضًا. يقيس جريانه حوالى 750 مليون متر مكعّب، ويغطّي حوضه 2110 كيلومترات مربّعة، أي ما يعادل خُمس مساحة لبنان 10452(كلم 2.) ويشكّل النهر بحيرة القرعون، أكبر بحيرات البلد، بسعة 220 مليون متر مكعّب. ويمتد مسافة 174 كلم، ويمرّ بمناطق مناخية عدة، ويساهم في تلبية الاحتياجات المائية لما يقارب المليون نسمة  2. وحوضه موطن لمسلمين ومسيحيين من المذاهب كلها، يعيشون في 246 مدينة وبلدة وقرية، على امتداد أربع محافظات. يعادل حجم الماء الُمُصرّف من حوض الليطاني 24 في المئة من صافي هطول الأمطار في لبنان، ويمثّل هذا ما يزيد على 30 في المئة من مجمل المياه الجارية في الأنهار الداخلية  3. وللحوض أهميته البيئية المتأتية من إمداده أوسع الأراضي اللبنانية الرطبة في منطقتي عمّيق وكفر زبد. تقع الأولى ناحية منبع النهر، وهي المتبقّية من مجموعة أكبر بكثير من الأهوار والبحيرات التي كانت يومًا ما وفيرةً في وادي البقاع. وهذا ما أكّده المؤرخ اللبناني كمال الصليبي 4، إذ قال إن اسم "البقاع"، يشير إلى "مناطق"، "بقع" مائية في الوادي الذي يمر فيه الليطاني. واليوم، مع أن أرض عمّيق أصغر حجمًاكثيرًا مما كانت، فإنها لا تزال آخر أرض رطبة أساسية متبقية في لبنان، حيث تعمل منطقة تجمّع للطيور المهاجرة بين أوروبا وأفريقيا. في العقود الخمسة الأخيرة، عاش أهل لبنان حربًا أهليّة مطوّلة، وحروبًا وغزوات عدة، شنّتها إسرائيل، والتدخل الأجنبي المباشر وغير المباشر من مختلف الدول أبرزها سورية وإيران والسعودية، وجمودًا سياسيًا على الصعيد المحلي، وتحوّلًاديموغرافيًا بسبب تدفّق اللاجئين الهائل جرّاء الحرب الأهلية السورية 2011(.) ومنذ عام 2019، يعاني لبنان انهيارًا اقتصاديًا شاملًا؛ إذ فقدت العملة المحلية 90 في المئة من قيمتها، واجتاح الفساد المتفّش يمناحي الحياة كلها. أضف إلى ذلك لعى ديزي ال ملائًاااه ارًاجفنا 0052 أفرم ف يموينوملاأ تاتنر نم نط بيروت، أسفر عن مئات القتلى، وأضرار شديدة في الكثير من المساكن والمتاجر، فضلًاعن التدمير الكامل لصوامع الحبوب الأساسية في البلد  5. وفي خريف 2022، منعت المشاحنات السياسية البرلمانيين مجددًا من الاتّفاق على رئيس. ومقعد الرئاسة شاغر الآن، كما شغر مرات عدّة في العقود الأخيرة  6.

  1. FAO, The State of Land and Water Resources for Food and Agriculture
  2. Hussam Hussein et al., "Syrian Refugees, Water Scarcity, and Dynamic Policies: How Do the New Refugee Discourses Impact Water Governance Debates in Lebanon and Jordan?" Water (MDPI), no. 12 (January 2020), p. 325; Talal Darwish et al., "Sustaining the Ecological Functions of the Litani River Basin, Lebanon," International Journal of River Basin Management , no. 21 (February 2021).
  3. Ibid.
  4. 4  كمال الصليبي، مقابلة شخصية، الجامعة الأميركية في بيروت،.1998/6/3
  5. Samar Al-Hajj et al., "Beirut Ammonium Nitrate Blast: Analysis, Review, and Recommendations," Frontiers in Public Health , vol. 9 (June 2021). 6 " Chronology of Events: Lebanon," Security Council Report (New York: 2022), accessed on 5/4/2023, at: https://bit.ly/3Rdj4f4
  6. in The Near East and North Africa Region , Summary Report (Cairo: 2022), accessed on 4/4/2023, at: https://bit.ly/47tTw30

مسررح هذه الحوادث بلد صغير مكتظ بالسكان، يقارب في مساحته مساحة دولة قطر وقبرص، بتعداد للسكان أكبر ثلاث مرّات من كليهما. وفي العقود القليلة الأخيرة، قوّضت هذه الحوادث تدريجيًا، على نحو كبير، دور حكومة لبنان المركزية، حتى بات تأمين خدمات كالماء والكهرباء، على سبيل المثال، متقلّبًا بعيدًا عن الانتظام، مع معاناة المناطق الريفيّة انقطاعاٍتٍ تفوق كثيرًا ما تعانيه بيروت، أو مراكز حضرية أخرى.

لطالما كان لبنان معلّقًا بين فوضى تامّة وواجهة نظام. الهشاشة السياسية متّصلة؛ إذ يصنّف باعتباره يعاني مستويات عالية من الهشاشة المؤسسية والاجتماعية. والاستجابة السياسية "غير الكافية" للحكومة، هي في المقام الأول، نتيجة "غياب الإجماع السياسي على مبادرات سياسية فعالة"، و"الإجماع السياسي في الدفاع عن نظام ااقتصادي مفلس، أفاد قلّة من الناس زمنًا طويل " 7. تستمر المؤسسات في العمل، على الرغم من أن الخدمات التي تقدّمها تتضاءل بسبب الانخفاض الشديد في الميزانية. وقد ابتكر زعماء الطوائف وعامة الشعب اللبناني طرائق وأطرًا استنزفت المؤسسات الحكومية وأضعفتها على مدى عقود. واستغلّت بعض الشركات التجارية الانهيار الاقتصادي والاجتماعي لتعظيم هامش ربحها عن طريق تخريج تكلفة التخلّص من النفايات عبر رميها علانية في البيئة الطبيعية، بما فيها نهر الليطاني. فقد قال مدير عام المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، سامي علوية، إن مياه الصرف الصحي والملوّثات من المعامل ومصانع الغذاء والبلدات والقرى ومئات مخيمات اللاجئين، تمرّ عبر مدن بعلبك وزحلة، وقرى غربي وادي البقاع، لينتهي بها المطاف في بحيرة القرعون. وتبلغ تلك الملوّثات، بحسب تقديرات علوية، المليون متر مكعّب في السنة 8. وما يجعل الانتهاكات الصريحة للقوانين البيئية ممكنةً، هو أنّ الملوّثات الصناعية محميّة سياسًّيًا من الزعماء المحليين أو الوطنيين، والكثير من البلدات والقرى ومخيمات اللاجئين العديدة، غير المخطط لها، تفتقر إلى أنظمة الصرف الصحي. بعبارة أخرى، ليس لبنان حاليًا، على الصعيد المؤسسي، سوى قوقعة فارغة لدولة. لعلّ الجذور الأولى لهذه الحالة تعود إلى المفارقة التي طرحها بيار الجميّل، مؤسّس حزب الكتائب اللبنانية (المسيحي.) فهو الذي سكّ مفهوم "قوة لبنان في ضعفه"، في دعوة إلى أن يكون البلد شديد الضعف عسكريًا، فلا يشكّل خطرًا أمنيًا على الآخرين. ويوجد مفهوم مشابه في الدستور اللبناني، حيث تصوَّرَ كاتبه، ميشيل شيحا، حدًا أدنى من القوانين الناظمة تضعها الحكومة، لأنّ "السلطات العامة تاجعل التنفّس مستحيل " 9. وما يثير الاهتمام أن اقتصاد لبنان تدهور منذ عام 2019، إلى درجة أن نقص الماء والوقود أدّى إلى أن المرافق العامّة توفرهما على نحو متقطع فحسب، ما دفع كثيرين إلى شراء الماء ونقله بالصهاريج. وارتفع سعر الماء الصالح للشرب باطراد، وُقُدّر أنه بحلول عام 2022، وصل إلى ما يقارب ستّة أضعاف، مقارنة بعام 2019. علاوة على ذلك، يشتري معظم المنازل المياه المعبأة للشرب، لأنه لا يمكن الوثوق بجودة مياه الصنبور. ويقَّدَر أن عائلةً من خمسة أاشخاص، تشرب إجمال 10 ليترات من الماء يوميًا، عليها إنفاق حوالى 261 دولارًا أميركيًا سنوًّيًا، وهو عبٌءٌ ماٌلّيٌ كبير على غالبية العائلات. وهذا لا يتضمّن ثمن الماء الضروري لأغراض الطبخ والتنظيف  10. ويقدّر البنك الدولي  11 أنه "منذ عام 2020، ارتفعت تكلفة الإمداد من الصهاريج حوالى 35 في المئة، بينما تضاعف تقريبًا سعر المياه المعبّأة." وفي بعض أنحاء لبنان، تكاد المرافق العامة أن تكون قد توقفت عن توفير الماء والكهرباء، إلى درجة أن المطار الوحيد في البلد (مطار رفيق الحريري الدولي) قد غرق في الظلام بضع مرات،

  1. Lebanon Economic Monitor: Lebanon Sinking (To the Top 3)," World
  2. Sarah Abdallah, "Why Lebanon's Largest Artificial Lake is Turning Green," Al-Monitor , 20/8/2019, accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/40Rg2Ap
  3. O. Barak, "Lebanon: Failure, Collapse, and Resuscitation," in: R. I. Rotberg (ed.), State Failure and State Weakness in a Time of Terror (Washington, D.C.: The Brookings Institution Press, 2003).
  4. UNICEF, "Lebanon's Water Infrastructure Struggles on, but Remains on the Brink," 21/7/2022, accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/47sh9sx 11 " Lebanon Economic Monitor: Lebanon Sinking (To the Top 3)."
  5. Bank (Spring 2021), accessed on 5/4/2023, at: https://bit.ly/49TjluN

شأنه شأن بعض إشارات المرور في العاصمة بيروت، وعادة ما تصاب طائرات الركّاب المدنية برصاصة طائشة  12، وُتُرمى المخلّفات المحلّية والصناعية غير المعالجة على نحو روتيني في الليطاني وفي أنهار لبنانية أخرى. تاريخًّيًا، أهملت الحكومة، إلى حٍدٍ كبير، التنمية الاقتصادية في جنوب لبنان، الأمر الذي جلب الميليشيات المسلّحة وعدم الاستقرار ساييسلا. ةدّع تاضرّحم لمهالاإ اذه تمقافو. رهن ناك الامطل، لاوًااأ الليطاني موضع جدل جيوسياسي، منذ أن أطلقت منظّمة صهيونية مزاعم إقليمية حيال أجزاء من جنوب لبنان. ثانيًا، على مدى عقود، كان النظام السياسي لتقاسم السلطة على أساس طائفي حكرًا على نخب سياسية واقتصادية من السنّة والموارنة الذين رأوا عمومًا أنه يجب على الشيعة، الذين تتركز غالبيتهم في منطقة الجنوب، أن يثبتوا عروبتهم وانتماءهم إلى لبنان  13 قبل أن تستثمر الحكومة المركزية في مشاريع تنموية في مناطقهم. ثالثًا، كان المقاتلون الفلسطينيون المتمركزون في الجنوب وما بعده منخرطين مدة عقدين في حرب منخفضة الشدة مع إسرائيل. وهذا ما جعل الحكومة تتردّد أكثر بشأن القيام بمشارع تنموية، يمكن أن تُدَّمّر في نوبة من نوبات العنف العارضة. وفي مطلع ثمانينيات القرن العشرين، حين أخلى المقاتلون الفلسطينيون المنطقة، حلّ محلّهم حزب الله الشيعي، الذي ما زالت قوّاته متمركزة في الجنوب، وانخرطت مرّات في معارك دامية مع إسرائيل. رابعًا، عمّقت الحرب الأهلية اللبنانية 1990-1975()، التصدّعات الاجتماعية، وأضعفت المؤسسات الوطنية، ووسمت بداية التأكل المطرد لحضور الدولة اللبنانية وسلطتها. وخلال هذا الوقت، خلقت إسرائيل جيش لبنان الجنوبي بقيادة مسيحية، ومكّنته من السيطرة على ما دعته الحزام الأمني على طول الحدود مع إسرائيل. فاقم توسّع إسرائيل شمالًا، واحتلالها بين 20 و 40 في المئة من مساحة لبنان 2000-1978()، تكهّنات الشعب اللبناني حيال دوافع المحتلّ المائية؛ إذ بدت هذه الخطوة تنفيذًا لزعم يرى أنّ حدود إسرائيل الطبيعية هي عند نهر الليطاني  14. وفرض الجيش الإسرائيلي رقابة صارمة على إمكانية الوصول إلى حوض النهر ومنع الصحافيين الاستقصائيين والأكاديميين من القيام بزيارات ميدانية، ما زرع الشكّ في أنهم يخفون شيئًا ما  15. يفرّس رهذا الستار الحديدي المفروض على المعلومات تغطية الإعلام اللبناني لمطامع إسرائيل الملموسة في ما يخصّ نهر الليطاني. شمل بعض التغطية المتعلقة بتغيير مجرى النهر بياناٍتٍ وخرائط أيضًا توضح أين يجري تغيير مجرى الليطاني، وإشارة في تقرير للأمم المتحدة، وشهادة أكاديمية في مجلس النواب الأميركي، وتعليقات لأعضاء البرلمان اللبناني ومسؤولين آخرين في الحكومة اللبنانية. وبلغ القلق حدًا شديدًا جعل المسؤولين اللبنانيين والأمين العام لجامعة الدول العربية يتكلمون عن "طمع" إسرائيل و"تغييرها" مجرى المياه عن جنوب لبنان 16. من المؤّشر ات الأخرى على مدى تدّن يصحّة "نيل لبنان" البيئية، أنه أصبح من النادر، إن لم يكن مستحيلًا، إيجاد مقالات في الإعلام اللبناني تخصّ "خطط" إسرائيل لنهر الليطاني. يكاد هذا الموضوع الذي كان شائعًا في يوم من الأيام أن يتلاشى في الإعلام اللبناني، ما خلا إشارات من حين إلى آخر في مقالات رأي مشحونة سياسًّيًا في وسائل إعلام مدعومة من إيران. وفي مؤتمر أكاديمي عقدته جامعة بيروت العربية عن نهر الليطاني في عام 2016، وبحضور مسؤولين لبنانيين، من ضمنهم وزير البيئة في حينه، محمد المشنوق، قلت إن الليطاني ملوّث إلى درجة أنه حتى لو قدّمه لبنان لإسرائيل على طبق من فضّ ة، فسوف ترفضه. كانت آرائي مبنية على ما رأيته وشممته في النهر، إضافة إلى أبحاثي. واللافت أنّه لم ينازع أحٌدٌ في المؤتمر مزاعمي هذه.

ثانيًا: فساد وتلوّث مفرط

الفساد سبٌبٌ مهم لانعدام الأمن والاستقرار؛ إذ يسبّب الفساد المستشري بلا رقيب ولا حسيب الإحباط على المستوى الوطني، ويولّد لدى السكان نزعة مسعورة، ويقوّض دعم المؤسسات الحكومية، ويدفع الشعب إلى حلول عنيفة ومثالية. وحين تفشل الحكومات المركزية أو المحلية في كبح دوافع النهب، يبدأ الناس في البحث عن حلول توفّر لهم ما يشعرون بنقصه  17. تنتج العولمة والتكنولوجيا والحداثة درجات مختلفة من التجانس الثقافي. أمّا في لبنان، فدفع النظام السياسي الطائفي، والحرب الأهلية التي دامت 15 عامًا، وتفجّر العنف السياسي المتكرّر وعدم الاستقرار،

  1. Middle East Airlines Plane Hit by Stray Bullet While Landing in Beirut, no Injuries," Reuters , 10/11/2022, at: https://bit.ly/4a3LFL7
  2. Linda Sayed, "Sectarian Homes: The Making of Shi ʿ i Families and Citizens under the French Mandate, 1918-1943," PhD. Thesis, The Graduate
  3. 17  Sarah Chayes, Thieves of State: Why Corruption Threatens Global Security (New York: W.W. Norton & Company, 2015).
  4. H. Amery, "A Popular Theory of Water Diversion from Lebanon: Towards Public Participation for Peace," in: H. A. Amery & A. T. Wolf (eds.), Water in the Middle East: A Geography of Peace (Austin: University of Texas Press, 2000), pp. 121-149. 16  Ibid.
  5. School of Arts and Sciences, Columbia University, 2013.
  6. 14 " The Current Situation in Israel," Central Intelligence Agency (USA), ORE 68-49, 18/7/1949.

وفي الآونة الأخيرة الفقر المدقع الواسع الانتشار، كل مجموعة دينية إلى تطوير جذوٍرٍ جغرافية أعمق، وحياكة نظرتها الخاصة إلى التاريخ الوطني، وخلق ثقافتها وسردياتها السياسية الخاصة. ومع أنّ جميع أفراد تلك المجموعات لبنانيون، فإنّ مواقفهم السياسية والثقافية أمست أقل تجانسًا بمرور الوقت؛ إذ إنهم في أفضل الحالات، لا يثقون بالمجموعات الأخرى، وفي أسوئها، يرهبونها. واليوم، بناءً على ذلك، يعيش الناس بعضهم مع بعض، لكنهم منفصلون. ولا يثقون بمؤسسات الدولة التي لطالما فشلت في توفير الأمن وأدنى مستويات الخدمات الأساسية. على مرّ السنين، تقلّبت مشاعر اللبنانيين حيال انعدام الأمن بين مدّ وجزر، ما دفع بعضهم إلى النظر إلى الداخل؛ فسعى كثيرون للاحتماء داخل شرانق جماعاتهم، على نحو أدّى إلى تعميق مشاعر الطائفية، في حين اعتنق بعضهم الاعتماد على الذات بالبحث عن السلام والرخاء في بلدان أخرى. وعلى مستوى الجماعات والقرى، جمع السكان التبرّعات محلًّيًا، ومن المهاجرين لشراء مولّدات الطاقة وحفر آبار المياه وشراء سيارات الإسعاف وإقامة العيادات. أدّت هذه التكيّفات الاجتماعية الاقتصادية إلى شعور أكبر بالاستقلال الذاتي، وبدّلت الروح السياسية للسكان ووسّعت الهوّة بين الشعب والحكومة المركزية. وبينما كانت المؤسسات تتضعضع، بزغت استراتيجية بقاء "ربي أسألك نفسي"، حيث يطور الأفراد والجماعات آليات تأقلمهم الخاصّة من أجل البقاء. أمسى استنزاف المواهب التدرجي من لبنان "هجرةً جماعية" 18. وهذا إنذاٌرٌ سيّئ بالنسبة إلى قدرة الحكومة اللبنانية على إيجاد المهنيين المتخصصين ليقودوا المؤسسات المائية والبيئية المتعددة، ويضعوا التصورات اللازمة لإدارة مستدامة للأنهار، خصوصًا أكبرها، الليطاني. يرى البنك الدولي  19 أن "انهيار خدمات الصرف الصحي يخلق خطر اشتداد انتشار الأمراض المنتقلة عن طريق الماء، ما يؤثّر سلبيًا في صحّةٍ عامة متردّية أصلًا." وبعد سنة من هذا التقرير، عانى لبنان تفشي الكوليرا في خريف 2022. ومع أنّ ذلك كان مرتبطًا في جزء منه بالحرب وعدم الاستقرار في سورية المجاورة، فإنه كان أيضًا نتيجة تدهور البنية التحتية، وسوء إدارة المياه والانهيار الاقتصادي. ولمنع انتشار هذا المرض المنقول عبر الماء، يحتاج البلد إلى محطّات لضخ المياه ومعامل لمعالجة مياه الصرف الصحي، تبقى في ظروف عمل حسنة. وهذا كان تحقيقه صعبًا؛ لأن الحكومة لا تملك ما يكفي من المال لشراء إمدادات الوقود. ويقول ممثّل منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، في لبنان إنّ مكتبه "حذّر أكثر من عام من الانهيار الحتمي للبنية التحتية المائية، إذ نقص الكهرباء يجعل من المستحيل ضخّ الماء بكميّات كافية، ما يضع صحة الملايين، خصوصًا الأطفال، على المحك" 20. نهر الليطاني، اليوم، ملوث بشدّة؛ بسبب "انعدام خدمات الصرف الصحي في قرى حوض النهر." فحوالى 40 مليون متر مكعّب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة تُلقى في النهر سنويًا  21. وتدخل النفايات الصناعية السائلة الخام النهر من مصانع الورق والبطاريات في بلدة زحلة، ومصانع السكّر على امتداد نهر غزيّل، أحد روافد الليطاني. وأخيرًا، فإن الزراعة هي النشاط الاقتصادي الأساس لسكان حوض الليطاني. واستخدام الفلاحين المفرط للمواد الكيميائية الزراعية، يجعل بقايا هذه المواد تتسررب، خاصة عند استخدامها بكميات زائدة، إلى التربة، ومن ثم تلوّث المياه السطحية ومصادر المياه الجوفية 22. وأظهرت الدراسات أنّ المياه الجوفية في وادي البقاع ملوّثة بأسمدة النتروجين التي يستهلك لبنان منها نحو 1816 طنًا سنويًا، وهذا يفوق استهلاك سورية 1422(طنًا سنويًا) 23. ومنذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990، يضم قضاء البقاع الغربي، الواقع على الجزء الأعلى لليطاني، بلدات مثل بر الياس والقرعون، وذكر السكّان ارتفاعًا ملحوظًا في أمراض السررطان الذي يعزونه إلى تلوّث النهر  24؛ إذ جعلت آثار التدفّق المستمر والمتراكم للملوّثات مياه الليطاني شديدة السمّية  25، لكنّ سلطات فرض القانون غائبة إلى حٍدٍ بعيد. وفي عام 2016، استضاف فرع البقاع من جامعة بيروت العربية ورشة عمل عن الأزمة البيئية التي يعانيها نهر الليطاني. وفي لحظة من لحظات تلك المناسبة التي استغرقت يومًا، صرّح وزير البيئة محمد المشنوق، علنًا أنّ لدى معظم منتهكي البيئة الكبار "غطاءً سياسيًا" (أي حصانة)، تمنع وزارته من إيقافهم. ولم يرفّ جفٌنٌ لأي من الحضور اللبنانيين، لأن الوزير كان يؤكّد أمرًا معروفًا أصلًاعلى نطاق واسع في المجتمع.

  1. 24  Shaban & Hamzé (eds.).
  2. Lebanon Economic Monitor: Lebanon Sinking (To the Top 3)."
  3. UNICEF, "UNICEF is Actively Supporting the Lebanese Government Fighting the Cholera Outbreak," 26/10/2022, accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/3T0t1xE
  4. Amin Shaban & Mouin Hamzé (eds.), The Litani River, Lebanon: An Assessment and Current Challenges (Cham, Switzerland: Springer International, 2018).
  5. Ibid.
  6. Ibid; FAO, The State of Land and Water Resources for Food and Agriculture in The Near East and North Africa Region.
  7. 18  Samia Nakhoul & Issam Abdallah, "Hundreds of Disillusioned Doctors Leave Lebanon, in Blow to Healthcare," Reuters , 12/11/2020, at: https://bit.ly/3MYSkwl
  8. Rodayna Raydan, "As Lebanon's Electricity Crisis Deepens, Water Becomes Scarcer," Al-Monitor , 12/6/2022, accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/40Y3MxO

وضعت الحكومة اللبنانية أو وكالات العون الأجنبية خططًا عديدة وموّلتها للحدّ من تلوّث مياه الليطاني وبحيرة القرعون. على سبيل المثال، قادت وزارة البيئة اللبنانية لجنة من وزارات متعدّدة، هدفها تنظيف النهر، تضمّنت مساهمة قدّمها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مُِّوِلت في عام 2016، بقرض قدره 55 مليون دولار أميركي من البنك الدولي  26. لكن زياراتي في الفترة 2022-2019 تكشف أنّه لم يُحَرَز إّل ا تقدم ضئيل في تطبيق خطة الحدّ من التلوّث هذه. تتخطى الإدارة الجيدة للموارد البيئية، خصوصًا مصادر المياه العذبة، الخطوط الدينية والاقتصادية. وتساعد البيئة السليمة الناس كي يعيشوا حياةً منتجة تدعم النمو الاقتصادي. تاريخيًا، كان قبلاي خان، إمبراطور الصين في القرن الثالث عشر الذي بنى بيجين، يدرك الدور الحاسم الذي تنهض به المشاريع المائية، كالقناة الصينية الكبرى، في النمو الاقتصادي للشعب. وعلى غراره، قال مؤخرًا الرئيس الصيني شي جين بينغ -2013(:) "كي تحكم دولةً، عليك أن تحكم مياهها أاول " 27. ولأجل إعادة الإعمار على نحو أفضل، يجب على لبنان إعطاء الموارد المائية الأولوية، وإعادة إنشاء الترابط المائي والاجتماعي بإحياء الأنهار كالليطاني. يقوم الترابط البيئي على "تدفّقات حيوية ولاحيوية"، وعلى "انتشار الحرائق أو نقل الرواسب والمواد الغذائية في الممرّات المائية." ويقوم الترابط أيضًا حين تدار الموارد عن طريق تقاسم المعرفة والأدوات والخبرات التي "تمكّن من التعاون الفعّال" 28. ويبّي نمفهوم الترابط البيئي الاجتماعي "الاعتماد المتبادل والتغذية الراجعة المتأصَليَن" بين البشر والموارد البيئية "في شبكة تعُب رالمكان وتجتاز الزمان." ويغطّي هذا المفهوم موارد مثل الموائل وتدفّقات المياه والفضاءات الاجتماعية المشتركة، وتمكّن مقاربته على مستويات بالغة المحلّية أو واسعة، تبعًا للمسألة قيد التحليل 29. يجب أن يرتكز تعافي لبنان على خطة شاملة وصوغ عقد اجتماعي جديد. ويمكن ضروب التعاون بين الطوائف على مستوى الجماعة المحلية أن تخلق اعتمادًا متبادلًا، وتعيد الثقة الاجتماعية. سوف يكون ترميم نهر الليطاني بداية إعادة إعمار اجتماعية سياسية لبلٍدٍ دمّرته الحروب والفساد، وسوف يمكّن شعبًا عانى طويلًا إهمال الحكومة المركزية الفادح. تربط المنظومة النهرية بين البشر من مختلف مناحي الحياة؛ بين أبناء الريف وأبناء المدن، ومن مختلف الفئات الاقتصادية والإثنية والدينية والاجتماعية وسواها. وتتقلّب "درجة الترابط المائي وطبيعتها" بحسب ضروب الأنشطة البشرية ومداها، وبحسب قوى الطبيعة. وتعدّل الأنشطة البشرية الترابط البيئي في المستويات المحلية والإقليمية والعالمية؛ إذ يمكن هذه الأنشطة أن تُِّخِل بالترابط من طريق التلوّث السام، على سبيل المثال، أو أن تحسّنه من طريق إزالة العوائق المادّية من الأنهار  30. في خريف 2019، اجتاحت لبنان مظاهرات حاشدة شهورًا عدة، عكست "حاجة متنامية وملّحة إلى عقد اجتماعي جديد بين الدولة ومواطنيها[...]ولذلك، فإن القضية السياسية التي تواجه لبنان في هذه اللحظة هي تمتين العقد الاجتماعي الوطني، في سياق دولة وهوية وطنية محطّمتين، وحوكمة رديئة، وبنية تحتية معطّلة" 31. ويجب على العقد الاجتماعي الجديد أن يكون مبنيًا على التعايش الاجتماعي الديني، والشفافية واستقلال القضاء والحماية الاجتماعية للعّم ال، وعلى حماية البيئة وأشياء أخرى كثيرة. قد تستغرق هذه المهمّة الصعبة وقتًا طويلًالإنجازها. ويجب على الشعب اللبناني ومنظوماته المائية أّل اينتظر حتى تُحلّ المشكلات السياسية المعقّدة. بعبارة أخرى، يمكن المنظمات غير الحكومية أن تعمل مباشرة مع الجماعات المحلية في حوض النهر لتسهيل التعاون من أجل مصالحهم المشتركة، وهي بذرة ستنمو في نهاية المطاف لتشكّل حجر أساس في إعادة الإعمار الوطنية. في مقالة حديثة عن لبنان، يرى سامي زغيب 32 أنّ "غياب الدولة شبه التام على المستوى الاجتماعي، أدّى إلى انتشار قنوات إعانة غير رسمية بهدف ملء الفراغات. تقوم هذه القنوات، عمومًا، على الجماعة في بنائها، وتفتقر إلى تخطيط مركزي لسياستها." وهي عبارة عن "تدّخلّات محلية من فاعلين سياسيين أو دينيين يستخدمون البلديات والمؤسسات الدينية، وسواها من المؤسسات الموالية سياسًّيًا لهؤلاء الفاعلين." ويمكن هذه الجهود أن تمَّوَل عبر "صدقات أعضاء

  1. Shaban & Hamzé (eds.).
  2. Taming the Waters: China's Grand Canal is Full for the First Time in Decades," The Economist , 14/5/2022, accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/3uJ5tDA
  3. Clare E. Aslan et al., "Coupled Ecological and Management Connectivity across Administrative Boundaries in Undeveloped Landscapes," Ecosphere , vol. 12, no. 1 (2021).
  4. Monika Egerer & Elsa Anderson, "Social-Ecological Connectivity to Understand Ecosystem Service Provision across Networks in Urban Landscapes," Land , vol. 9, no. 12 (December 2020), p. 530.
  5. Y. Zhang et al., "The Concept, Approach, and Future Research of Hydrological Connectivity and its Assessment at Multiscales," Environmental Science Pollution Research , no. 28 (August 2021), pp. 52724-52743.
  6. UNICEF & ILO, "Towards A Social Protection Floor for Lebanon, Policy Options and Costs for Core Life-Cycle Social Grants," Policy Note (Beirut: March 2021), accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/3GfHOgf
  7. Sami Zoughaib, "Distorted Social Contract: The Dangerous Trajectory of Social Protection Systems in Lebanon," The Policy Initiative , 4/11/2022, accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/3N1FQUz

الأحزاب السياسية والمؤسسات السياسية الأغنياء في لبنان والشتات." وثمة مقاربة أخرى من خلال "تدّخلّات محلّية تقودها الجهات المانحة، وتنفّذها المنّظمّات الدولية أو فاعلون غير حكوميين." وتدافع مقالة زغيب عن مقاربة محلّية، أي مقاربة تتجاوز المؤسسات الحكومية المفلسة والمعطّلة في الواقع  33. على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، كانت حصة العمل في الزراعة في انحداٍرٍ ثابت، وصل إلى 11 في المئة في عام 2019. وبالمثل، كانت حصة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني في انحدار حتى عام 2019 عندما قفزت فجأة من 3.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 8.9 عام 2020 34. يتزامن هذا الانقلاب الجذري مع الوقت الذي بدأ فيه الاقتصاد الوطني انحداره الحلزوني، ومع بداية أزمة مصرفية شديدة غير مسبوقة. إجمالًا، يقدّر أّن 31 في المئة من دخل الأسر في حوض الليطاني يأتي من الزراعة، ما يعكس الانتشار الواسع للمنتجات والخدمات الزراعية.

ثالثًا: إعادة البناء بطريقة أفضل على مستوى المجتمع

يحتاج لبنان إلى أن يتّجه نحو تنمية مستدامة بيئيًا واقتصاديًا، وقابلة للحياة اجتماعيًا، وإلى إعادة إعمار أفضل. يمكن تحقيق ذلك بتطبيق حلول متكاملة وبتبنّي حوكمة للماء والأرض، جامعة ومستدامة. وسوف يساعد الاستخدام الفعّال للموارد الطبيعية بطرائق تقلل من تأثيراتها البيئية السلبية في بناء مرونة تجاه تغّي رالمناخ. ويمكن دعم ذلك بتبنّي تقنيات مبتكرة وإدارة موارد، كخدمات الاستشعار عن بعد وتحسين جمع مياه الأمطار وتعزيز رطوبة التربة  35. وُتُعدّ الروابط بين الفاعلين البشر "عنصرًا من عناصر الاستدامة والمرونة؛ إذ تحدّ من العزلة الاجتماعية والتشظّي الاجتماعي، ما قد يساهم في ثبات المجتمعات في وجه التغّي رات، ويشجّع على التحّولّات البيئية الإيجابية." ومثل "الترابط البيئي، يتطلّب إنماء الترابط الاجتماعي موازنة التوتّرات بالتنوّع والحد من التنازلات، ويمكن ربطه بوضوح بالبنية البيئية المادّية التي تحدّد كيف يتحرك الناس ويتفاعلون" 36. تستطيع المنظمات غير الحكومية مساعدة سكان حوض النهر المنحدرين من خلفيات دينية واقتصادية مختلفة، بتكريس لوجستيات لضروب التعاون بين الجماعات، وتيسير وضع الأجندات وتوسّط اللقاءات. ويمكن أن تتخذ مشاريع صغيرة هيئة تثقيٍفٍ وإلهام للسكان بشأن فوائد تجميع النفايات وفرزها والتخلّص السليم منها. وفي بعض القرى، ثمة مكبّات للنفايات مفتوحة قريبًا من الليطاني، أو ضمن سهله الفيضي، ما يبرّر الحاجة إلى إعطاء الأولوية لهذه التدابير للحدّ من التلوّث في تلك المناطق. وبالمثل، فإنّ إشراك المزارعين في حوارات حول كيفية تطبيق المواد الكيميائية الزراعية على نحو فعال، وحول أساليب بديلة، مثل الزراعة العضوية والزراعة بلا حراثة والزراعة التجديدية. وعلى القيّمين على برامج الإرشاد التربوي أن يعملوا مع أفراد محليين يثق بهم المجتمع، كالزعماء الدينيين والمخاتير والعلماء. إضافة إلى ذلك، يمكن تقوية المرونة المائية والغذائية بدعم خطط لحفظ الماء وتخزينه. "اليوم، لا يخزّن لبنان سوى 6 في المئة من مجمل موارده المائية"، وهذا أقل بكثير من المتوسط، 85 في المئة، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا  37. ويمكن أن يساعد تمويل بناء خزّانات المياه وجهود جمع مياه الأمطار في تأمين مخزون مياه أكثر ثباتًا، ما يحسّن حياة البشر العاديين، لا سيما المزارعين القاطنين في حوض الليطاني. من شأن إقامة البنية التحتية المادّية والقدرات البشرية الخاصة بجمع ومعالجة مياه الصرف الصحي المنتجة في المناطق التي تفتقر إليها الآن في حوض الليطاني، أن تحسّن كثيرًا من جودة مياه النهر.

  1. Ibid.
  2. The World Bank, "Agriculture, Forestry, and Fishing, Value Added ( %
  3. FAO, "The State of the World's Land and Water Resources for Food and Agriculture - Systems at Breaking Point," Synthesis Report (Rome: 2021), accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/47OVSJt
  4. Egerer & Anderson. 37  The World Bank, Lebanon Economic Monitor: The Deliberate Depression , Document of the World Bank (Fall 2020), at: https://bit.ly/40RR97L
  5. of GDP) - Lebanon," World Bank National Accounts Data and OECD National Accounts Data Files (2022), accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/46ATvJc

وقد يحمل ذلك فائدة إضافية، تتمثّل في دعم تعافي النهر. "يمكن أن تعالج مياه النهر الملوّثة إمّا في الموقع، وإما بمكافحة التلوّث عند نقطة المصدر" 38. والتحدّي أنّ البلدان النامية ذات الَّدَين الخارجي المرتفع، مثل لبنان، عادة ما تكون غير قادرة على الوصول إلى التمويل الضروري للمساعدة في وضع اقتصادات بلدها على طريق الاستدامة  39، فلبنان مدين بدين سيادي يبلغ 179.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022 40، وهو مستوى لم تتجاوزه سوى ثلاث دول في العالم. يمكن التعامل مع مشاريع الإدارة المائية التي تتطلب استثمارات مالية كبيرة عن طريق مقايضة الديون، في مقابل الطبيعة، يوافق على أساسها بلٌدٌ ناٍمٍ عليه ديون، مثل لبنان على استخدام الصناديق الوطنية لتمويل برامج صيانة، في مقابل إلغاء جزءٍ من ديونه الخارجية  41. عندها، "ُيُلغى الدين العام لبلد ناٍمٍ لقاء استثمارات في مشاريع متعلقة بحماية الطبيعة ضمن البلد المدين" 42. وكان تطبيق مقايضة الدين في مقابل الطبيعة قد جرى بصورة ناجحة في سيشل والفلبين وكوستاريكا، وفي أماكن أخرى. يمكن إعادة تصور إطار الدْيْن في مقابل الطبيعة، باعتباره دْيْنًا في مقابل المناخ. ففي حين أنّ الزراعة التقليدية مصدٌرٌ أساس لانبعاثات الكربون، تستطيع الزراعة التجديدية حجز الكربون، "ما يساعد في الحدّ من التغير المناخي، ويجعل أراضي المحاصيل في الوقت ذاته أكثر إنتاجًا ومرونة، مع ارتفاع حرارة الكوكب" 43. بهذه الطريقة، يستفيد الدائن والمدين، أي لبنان والمجتمع الدولي. تساعد إدارة المياه التعاونية بين المعنيين من مرجعيات دينية واقتصادية مختلفة، إضافة إلى الحوكمة الجيدة لنهر الليطاني في تعزيز النمو الاقتصادي وتقليص الفقر، وتساعد في تجاوز توزيع المياه غير المتساوي، وتحمي البيئة. ويمكن التعاون في شأن الإدارة الأفضل لليطاني أن يبني روابط ثقةٍ ثقافية واجتماعية متينة بين أفراد الجماعات المختلفة؛ إذ يمكن أن توحّدهم المصيبة التي حلّت بالنهر الذي يتقاسمونه ويعتمدون عليه، وحقيقة أنهم يؤثّرون في النهر، وأنه يؤثّر فيهم، وإدراكهم أنهم "يعيشون جميعًا على مجرى النهر"، وأنّ صحّته ستؤثّر في جميع المعنيين. تاريخيًا، لم يكن حجم لبنان الصغير قادرًا على إعالة سكانه، ما جعله مُصِّدّرًا كبيرًا للبشر. وُتُسرّع الأزمات الاقتصادية، كتلك التي بدأت في عام 2019، معّدلّات الهجرة. فعلى سبيل المثال، أظهرت بيانات عام 2021 أن النمو السكاني تقلّص بمعدل 0.8 في المئة 44. وُيتُرَجَم الحجم الهائل لجاليات المهاجرين اللبنانيين إلى مصدر خارجي يمكنه المساعدة في إعادة إعمار حوض الليطاني على نحٍوٍ أفضل. والهجرة شائعة إلى درجة أن بين 30 و 50 في المئة من اللبنانيين يعيشون حاليًا خارج البلاد  45. وقد سمحت تحويلات المهاجرين السخيّة إلى أقاربهم بأن يصمدوا خلال الحرب الأهلية الطويلة، والعثرات الاقتصادية، وفي الآونة الأخيرة، الانهيار الاقتصادي شبه التام 46. وفي عام 2022، مثّلت الحوالات المالية 38 في المئة من مجمل الإنتاج المحلي للبلد؛ أو ما يقارب 6.8 مليارات دولار 47. فالخطط الحسنة الموحّدة لتنمية القطاع الزراعي وتطوير المراكز السكانية في حوض الليطاني سوف تجلب غالبًا الاستثمار الأجنبي، خصوصًا من المهاجرين اللبنانيين. حالما يتبّي نالبشر أدلّةً ملموسة على التقدّم في إعادة تأهيل الليطاني، سيضطرون إلى شنّ حرب صوٍرٍ ورسائل تساعد في خلق التأييد لسيرورة التغيير في المنطقة. وما يعنيه حجم الأزمة الحالية العميقة وجذورها هو استمرار ارتياب البشر وتشككهم. وسوف تستغرق الإصلاحات الإيجابية وقتًا لُتُقَبَل وُتُستدَخَل. وفي نهاية المطاف، سوف تخلق الرسائل والتأثيرات التراكمية لإعادة الإعمار إحساسًا مميّزًا وملموسًا بعلاقة جديدة بالنهر، وبين البشر.

  1. Hossain MD Anawar & Rezaul Chowdhury, "Remediation of Polluted River Water by Biological, Chemical, Ecological and Engineering Processes," Sustainability , vol. 12, no. 17 (August 2020).
  2. Igor Lukši ć et al., "Innovative Financing of the Sustainable Development Goals in The Countries of the Western Balkans," Energy, Sustainability and Society , vol. 12 (February 2022).
  3. Marc Jones, "Foreign Creditors Urge Lebanon to begin Debt Restructuring Talks," Reuters , 21/9/2021, accessed on 4/4/2023, at: https://bit.ly/46vEOay
  4. Organisation for Economic Co-operation and Development, "OECD Stat," 2001, accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/3SWqe8C
  5. Lukši ć et al.
  6. Nuna Teal & Karl Burkart, "Regenerative Agriculture Can Play a Key Role in Combating Climate Change," One Earth (June 2023), accessed on 6/6/2023, at: https://bit.ly/47NyY57
  7. The World Bank, "Agriculture, Forestry, and Fishing, Value Added ( % of GDP) - Lebanon."
  8. Fawwaz Traboulsi, A History of Modern Lebanon (London: Pluto Press,
  9. Demand Lifts Lebanese Real-Estate Prices," The Daily Star , 25/11/2010, accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/40V4Rqd; Hussein A. Amery & William P. Anderson, "International Migration and Remittances to A Lebanese Village," The Canadian Geographer , vol. 39, no. 1 (1995), pp. 46-58.
  10. Kareem Chehayeb, "Lebanon's Financial Pains Eased by Remittances Over Holidays," Associated Press , 22/12/2022, accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/4aaEwJg; "Remittances Grow 5 % in 2022, Despite Global Headwinds," Press Release , The World Bank, 30/11/2022, accessed on 6/4/2023, at: https://bit.ly/3Gj9UaK

دفعت البيئة الطبيعية، ولا سيما نهر الليطاني، ثمن أزمات لبنان السياسية والأمنية الممتدة عقودًا، التي ساعدت في تأكل المؤسسات الوطنية. ويمكن تحسين صحّة الليطاني عن طريق إطلاق ودعم عدد من المشاريع المجتمعية الصغيرة، التي تقوم بها الجماعات، فتجمع البشر للبدء بعملية إعادة إعمار بطيئة من خلال الزراعة التجديدية، ومن خلال ترابط مائي واجتماعي أكبر.

المراجع

Al-Hajj, Samar et al. "Beirut Ammonium Nitrate Blast: Analysis, Review, and Recommendations." Frontiers in Public Health. vol. 9 (June 2021). Amery, H. A. & A. T. Wolf (eds.). Water in the Middle East: A Geography of Peace. Austin: University of Texas Press, 2000. Amery, Hussein A. & William P. Anderson. "International Migration and Remittances to A Lebanese Village." The Canadian Geographer. vol. 39, no. 1 (1995). Anawar, Hossain MD & Rezaul Chowdhury. "Remediation of Polluted River Water by Biological, Chemical, Ecological and Engineering Processes." Sustainability. vol. 12, no. 17 (August 2020). Aslan, Clare E. et al. "Coupled Ecological and Management Connectivity across Administrative Boundaries in Undeveloped Landscapes." Ecosphere. vol. 12, no. 1

Chayes, Sarah. Thieves of State: Why Corruption Threatens Global Security. New York: W.W. Norton & Company, 2015. Darwish, Talal et al. "Sustaining the Ecological Functions of the Litani River Basin, Lebanon." International Journal of River Basin Management. no. 21 (February 2021). Egerer, Monika & Elsa Anderson. "Social-Ecological Connectivity to Understand Ecosystem Service Provision across Networks in Urban Landscapes." Land. vol. 9, no. 12 (December 2020). FAO. "The State of the World's Land and Water Resources for Food and Agriculture - Systems at Breaking Point." Synthesis Report. Rome: 2021. at: https://bit.ly/47OVSJt ________. The State of Land and Water Resources for Food and Agriculture in The Near East and North

Africa Region. Summary Report. Cairo: 2022. at: https://bit.ly/47tTw30 Hussein, Hussam et al. "Syrian Refugees, Water Scarcity, and Dynamic Policies: How Do the New Refugee Discourses Impact Water Governance Debates in Lebanon and Jordan?" Water (MDPI). no. 12 (January 2020). Lukši ć , Igor et al. "Innovative Financing of the Sustainable Development Goals in The Countries of the Western Balkans." Energy, Sustainability and Society. vol. 12 (February 2022). Rotberg, R. I. (ed.). State Failure and State Weakness in a Time of Terror. Washington, D.C.: The Brookings Institution Press, 2003. Sayed, Linda. "Sectarian Homes: The Making of Shi ʿ i Families and Citizens under the French Mandate, 1918-1943." PhD. Thesis. The Graduate School of Arts and Sciences. Columbia University, 2013. Shaban, Amin & Mouin Hamzé (eds.). The Litani River, Lebanon: An Assessment and Current Challenges. Cham, Switzerland: Springer International, 2018. Teal, Nuna & Karl Burkart. "Regenerative Agriculture Can Play a Key Role in Combating Climate Change." One Earth (June 2023). at: https://bit.ly/47NyY57 The World Bank. Lebanon Economic Monitor: The Deliberate Depression , Document of the World Bank. Fall 2020. at: https://bit.ly/40RR97L ________. Lebanon Economic Monitor: The Great Denial. Global Practice for Macroeconomics: Trade & Investment, Middle East and North Africa Region. Document of the World Bank. Fall 2021. at: https://bit.ly/3uBIDOc ________. "Agriculture, Forestry, and Fishing, Value Added ( % of GDP) - Lebanon." World Bank National Accounts Data and OECD National Accounts Data Files (2022). at: https://bit.ly/46ATvJc Traboulsi, Fawwaz. A History of Modern Lebanon. London: Pluto Press, 2007. UNICEF & ILO. "Towards A Social Protection Floor for Lebanon, Policy Options and Costs for Core Life-Cycle Social Grants." Policy Note (Beirut: March 2021). at: https://bit.ly/3GfHOgf Zhang, Y. et al. "The Concept, Approach, and Future Research of Hydrological Connectivity and its Assessment at Multiscales." Environmental Science Pollution Research. no. 28 (August 2021).