نظام الفصل العنصري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في القانون والممارسة
الملخّص
This paper seeks to explore the main features of the Israeli apartheid system in Palestine, both in law and practice, since Zionism, as a settler colonial project, began the collective displacement of Palestinians in 1948. This displacement was aimed at maintaining a dominant Jewish majority (the hegemonic nation) controlling Palestine and all key aspects of the newly established Israeli political entity. The paper aims to diagnose the apartheid system targeting Palestinians in Israel, known as the 1948 territories, in the Palestinian territories occupied since 1967 , and the Palestinian refugees deprived of exercising their legitimate right to return to their homes, thereby denying the Palestinian people their right to self-determination and independence. The paper relies on an analysis of the most prominent studies and reports that have addressed the Israeli apartheid system in Palestine, discussing these in detail. This includes reports from Palestinian, Israeli, and international human rights organizations, as well as key Israeli laws and legislations governing the apartheid system in Palestine, particularly within the 1948 territories. Keywords: Settler Colonialism, Apartheid, Israel, Palestine.
The Israeli Apartheid Regime Against the Palestinians in Law and Practice
تحاول هذه الدراسة استكشاف أبرز معالم نظام الفصل العنصري "الأبارتهايد" الإسرائيلي في فلسطين في القانون والممارسة منذ إقدام الصهيونية، بوصفها مشروع استعمار استيطاني إحلالي، على التهجير الجمعي للفلسطينيين في عام 1948 للحفاظ على أغلبية يهودية مهيمنة (الأمة المهيمنة) ومسيطرة على فلسطين، ومتحكمة في مختلف مفاصل الكيان السياسي الإسرائيلي المستحدث. وتسعى لتشخيص نظام الفصل العنصري الذي يستهدف الفلسطينيين في إسرائيل، المعروفة بأراضي 1948، وفي الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، واللاجئين الفلسطينيين المحرومين من ممارسة حقهم المشروع في العودة إلى ديارهم، ومن ثم حرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير ونيل استقلاله. تستند الورقة إلى تحليل أبرز الدراسات والتقارير التي تناولت نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين، ومناقشتها، ومن ضمنها تقارير منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والإسرائيلية والدولية، إضافة إلى أبرز القوانين والتشريعات الإسرائيلية التي تحكم نظام الفصل العنصري في فلسطين، ولا سيما داخل أراضي 1948. كلمات مفتاحية: الاستعمار الاستيطاني، الأبارتهايد، إسرائيل، فلسطين.
مقدمة
تزامن فرض نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بقوة القانون، بصفته مشروعًا حكومًّيًا رسمًّيًا، مع النكبة الفلسطينية وإنشاء دولة إسرائيل عام 1948. وفي حين لاقى هذا النظام إدانة شعبية واسعة النطاق تنامت مع مرور السنين لغاية المقاطعة الدولية الشاملة 1، فقد حافظت إسرائيل على تحالف وثيق معه حتى عام 1987 2. وعلى الرغم من أوجه الشبه المتعددة بين نظام جنوب أفريقيا وإسرائيل، فإن حالة إنكار سادت من جانب المجتمع الدولي بشأن سياسة الفصل العنصري التي انتهجتها إسرائيل ضد الفلسطينيين منذ إنشائها في عام 1948. تزعم هذه الدراسة أن إسرائيل تفرض نظامًا شبيهًا بنظام الفصل العنصري "الأبارتهايد" في فلسطين منذ إقدام الصهيونية، بوصفها مشروع استعماٍرٍ استيطاني إحلالي قام على التهجير الجمعي للفلسطينيين في عام 1948 للحفاظ على أغلبية يهودية سائدة ومهيمنة في البلاد، وذلك بإتاحة الإمكانيات والفرص كافةً لليهود: "الأمة المهيمنة"، من أجل التوسع والسيطرة على الإقليم الجغرافي المتنازع عليه، والتحكم المطلق في مفاصل الكيان السياسي الإسرائيلي المستحدث كافة 3. تهدف الدراسة إلى تشخيص نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين عن طريق تفكيك عناصره الأساسية، وجلاء قواعده وأبعاده، بوصفه نظامًا يستهدف الفلسطينيين داخل إسرائيل منذ عام 1948، وفي الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، واللاجئين الفلسطينيين المحرومين من ممارسة حقهم المشروع في العودة إلى ديارهم، بوصفه حًّقًا أساسًّيًا غير قابل للتصرف به من جانب أحد، ما يحول دون ممارسة الشعب الفلسطيني حقّه في تقرير المصير ونيل الاستقلال. تستند الدراسة إلى تحليل أبرز القوانين والتشريعات الإسرائيلية، التي تحكم نظام الفصل العنصري في فلسطين، بغية تعزيز نظام القمع والهيمنة الذي تمارسه الأغلبية اليهودية وإدامته، ومناقشتها في ضوء القانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. تستخدم الدراسة المنهج النظري المتمثل في إجراء مسح لأبرز الدراسات الأكاديمية الصادرة عن مراكز البحث الفلسطينية والإسرائيلية، والمعاهدات الدولية، وتقارير الأمم المتحدة، والخبراء والهيئات المعنيّة بحقوق الإنسان، فضلًاعن المنهج الوصفي التحليلي لإجلاء (تفسير) نظام الفصل العنصري، وتحليل أبرز القوانين الإسرائيلية التي تحكمه لمحاولة الخروج بتوصيات لمواجهته وتفكيكه. تتكون الدراسة من ثلاثة مباحث، إضافة إلى مقدمة وخاتمة. يتناول المبحث الأول صكّ الانتداب البريطاني على فلسطين بوصفه أداةً لتنفيذ (وعد) بلفور وما سبّبه من ظلم بسبب إنكار حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ودور ذلك الوعد في النكبة الفلسطينية. ويستعرض المبحث الثاني أبرز القوانين الإسرائيلية والتشريعات العسكرية الناظمة للفصل العنصري في فلسطين داخل أراضي 1948 وفي الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، في حين يتناول المبحث الثالث الآثار القانونية المترتبة على الفصل العنصري في فلسطين في ضوء القانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
أولًا: في العلاقة بين تصريح بلفور وصّك الانتداب البريطاني على فلسطين والنكبة الفلسطينية
وافق يوم 15 أيار/ مايو 2023 الذكرى ال 75 للنكبة الفلسطينية في عام 1948، حيث شهدت تلك السنة ذروة التطهير العرقي الصهيوني في فلسطين. وقد أحيت لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، أول مرة، الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة بتنظيم حدثين، في مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك 4، تُوّجا بالإعلان عن أن "النكبة ومعاناة أجيال من الفلسطينيين هي قصة نادرًا ما يجري تدريسها في كتب التاريخ، وغالبًا ما يجري تغييبها ونسيانها. واليوم، يجب الاعتراف بقدرة الفلسطينيين على " 5الصمود طوال تاريخهم وخاصة منذ عام.1948
1. صك الانتداب البريطاني على فلسطين: إنكار للحّق الفلسطيني وتنفيذ لوعد بلفور يجادل مؤرخون وكتّاب بأنّ بريطانيا أوجدت، إبّان فترة انتدابها على فلسطين، الظروف التي أفضت إلى النكبة الفلسطينية، وذلك بانتهاكها المادّة 22 من ميثاق عصبة الأمم، الذي اشترط استشارة الشعوب المنتدبة في اختيار دولة الانتداب. ويدعم هؤلاء ادعاءاتهم أنّ آرثر بلفور، الذي وعد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، قد رفض استشارة العرب في اختيار قوة الانتداب، لأنه كان يعلم أنهم لو كانوا مُنحوا حرية الاختيار لعارضوا الحكم البريطاني بشدّة 6. أضحى نظام الانتداب مرجعيةً للنظام الدولي، الذي تكوّن بعد الحرب العالمية الأولى لاقتسام الأقاليم التي سُلخت عن الإمبراطوريات المهزومة الألمانية والعثمانية والروسية، والتي قسّمها المستعمرون الجدد المنتصرون إلى ثلاث فئات: فأدرجت الأقاليم الأكثر تطوّرًا ضمن الفئة (أ)، والأقل تطوّرًا أصبحت ضمن الفئة (ب)، أمّا المناطق التي كانت بلا كثافة سكّانية فُصُنّفت ضمن الفئة (ج) 7. وصنّفت فلسطين، التي كانت تابعةً للإمبراطورية العثمانية، ضمن فئة الانتداب (أ) ذات الطابع المؤقت، نظرًا إلى أنّ شعبها بلغ مستوى من التطوّر، وصار قادرًا على إدارة شؤونه بنفسه. وقد كُلّفت حكومة بريطانيا بالانتداب على فلسطين لإسداء النصح والمشورة للفلسطينيين، وتقديم المعونة لهم لنيل استقلالهم 8. وقد أكّدت محكمة العدل الدولية على هذه الأمور في الرأي الاستشاري حول الوضع الدولي لجنوب غرب أفريقيا ووصفته بعهدة الحضارة المقدّسة 9. شكّلت المادة 22 من "ميثاق عصبة الأمم" 10 السند القانوني لنظام الانتداب الذي فُرض على الشعوب المستعَمَرة، ومن ضمنها الشعب الفلسطيني، وتضمّنت نصوصًا شكلية تعترف بشعوب المستعمرات التي لم تُعُد، نتيجةً للحرب العالمية الأولى، خاضعةً لسيادة الدول التي حكمتها سابقًا، وتعترف بحقّها في التطور والازدهار والرفاه، واعتبرتها "عهدة مقدسة" في عنق الحضارة، وفوّضت الدول المتقدمة بالوصاية على هذه الشعوب والمستعمرات نيابةً عن العصبة 11. لكنّ صكّ الانتداب البريطاني على فلسطين جاء منافيًا للمادة 22 من ميثاق العصبة، وُصُمّم لتحقيق وعد بلفور القاضي بإنشاء وطني قومي لليهود في فلسطين، وتنكّر كلًّيًا للحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقّ تقرير المصير، إذ تعمّد واضعو الصكّ حشوه بنصوص ملزمة تقضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين تحقيقًا لتصريح بلفور، في حين خلا من أيّ أحكام تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير ونيل الاستقلال، واكتفوا بالإشارة إليهم بوصفهم أقلّيات دينية وإثنية لها حقوق مدنية ودينية 12، على الرغم من أنّ اليهود كانوا يشكّلون أقلّية ضئيلة في البلاد لا تتجاوز 11 في المئة 13. تضمّن الصك نصوصًا متناقضة ومضلّلة، إذ أكّد على مسؤولية دولة الانتداب في المحافظة على الوحدة الإقليمية لفلسطين، وعدم التنازل عن أيّ جزء منها لصالح حكومة دولة أجنبية، وعدم تأجيرها، أو وضعها تحت تصرفها 15، في حين جاءت ديباجة الصكّ في تناقٍضٍ مطلق مع هذا الالتزام، وذلك بإيلاء حكومة بريطانيا مسؤولية تنفيذ تصريح بلفور القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بالتعاون مع الوكالة اليهودية التي تقوم بإسداء المشورة لسلطة الانتداب والتعاون معها في القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تلبّي مصالح اليهود وتساعد في إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين 16. وقد اعترف الصكّ بالجمعية الصهيونية بأنّها وكالة مناسبة للحصول على معونة اليهود الراغبين في إقامة وطن يهودي في فلسطين 17، واكتفى بالإشارة إلى ترقية مؤسّسات الحكم الذاتي لتتولى مسؤولية صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكّان فلسطين بصرف النظر عن الجنس والدين، وذلك في تجاهٍلٍ مطلق لحقوق الفلسطينيين السياسية 18.
2. قلب الميزان الديموغرافي والنكبة الفلسطينية
استغل القادة الصهيونيون فترة الانتداب لترسيخ دعائم دولة اليهود في فلسطين، مستفيدين من تسهيل حكومة الانتداب البريطاني هجرَةَ اليهود إلى البلاد، وغضّ ها الطرف عن تشييد المستوطنات اليهودية، واستحداث قوة عسكرية صهيونية تكون قادرة على احتلال البلاد وفرض السيطرة عليها بعد جلاء القوات البريطانية عنها 19. وقد دعمتهم بريطانيا بانتهاجها سياسة إقصاء الفلسطينيين لتقوية دعائم دولة اليهود المزمع إقامتها على أرض فلسطين، فسهّلت هجرة اليهود إلى فلسطين واكتسابهم الجنسية الفلسطينية، ومرّرت الأراضي الأميرية والأراضي الموات إلى الوكالة اليهودية، وساعدتها في توطينهم فيها 21. وقد أسفرت هذه السياسات عن ارتفاع نسبة اليهود في البلاد إلى 13/ قياسًا على السكّان العرب، في حين أنّها كانت 12/1 قبل الانتداب. ففي حين كان عدد اليهود في فلسطين 55 ألفًا 8(في المئة من السكّان) سنة 1918، فقد بلغ 650 ألفًا 1(3 في المئة من السكّان) سنة 1948 22. تخلّت الحكومة البريطانية عن مسؤوليّاتها في فلسطين بعدما استطاعت قلب الميزان الديموغرافي فيها لصالح المهاجرين اليهود؛ وأحالت، في نيسان/ أبريل 1947، القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة في وقٍتٍ وصل فيه الصراع بين العرب واليهود في فلسطين إلى الذروة 23. وفي 15 أيار/ مايو 1947، تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 106 الذي شُكّلت بموجبه لجنة خاصة بفلسطين UNSCOP 24، أ وكلت إليها مهمّة إعداد تقرير يتعلق بالقضية الفلسطينية، ومنحت صلاحيات واسعة للاّطلّاع على جميع الحقائق وتسجيلها، بما في ذلك صلاحية التحرّي عن الملابسات المتعلّقة بقضية فلسطين، وحق القيام بما تراه مناسبًا من تحقيقات، وتلقّي الشهادات الشفوية والخطّية من سلطة الانتداب، ومن سكّان فلسطين العرب واليهود 25. قدّمت اللجنة الخاصة تقريرها الختامي للجمعية العامة مرفقًا باقتراحين، تضمّن الاقتراح الأوّل منهما، الذي عُرف آنذاك بمشروع الأكثرية، توصية تقضي بوجوب تقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة للعرب وأخرى لليهود، على أن تكون مدينة القدس بمنزلة كيان منفصل Corpus Separatum يُدار وفق نظام دولي خاص تحت إشراف الأمم المتحدة. أما الاقتراح الثاني، الذي عُرف بمشروع الأقلّية، فقد طالب بضرورة إنهاء الانتداب البريطاني، وإقامة دولة موحّدة ثنائية القومية في فلسطين لليهود والعرب، تكون عاصمتها القدس 26. في إثر مناقشة المشروعين، أقرّت الجمعية العامّة للأمم المتحدة مشروع الأكثرية القاضي بإنشاء دولتين، وذلك بموجب توصيتها رقم 181 (د 2)، من تاريخ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947. وقد جاء قرار التقسيم منافيًا لرغبة الفلسطينيين وتطلّعاتهم، بصفتهم أهل البلاد الأصليين، إضافةً إلى أنه قرار اُّتُخذ من دون العودة إليهم في مسألة تمسّ حقهم الأصيل في تقرير المصير، وهو حق غير قابل للتصرف فيه من أيّ جهة 27. ألحق قرار التقسيم ظلمًا خطيرًا بالفلسطينيين، ولم يكن تنفيذه ممكنًا، فقد عارضه الفلسطينيون نظرًا إلى أنه يتعارض مع القانون، ويخالف مبادئ العدل والديمقراطية. وفي مقابل ذلك، اغتنمت الحركة الصهيونية هذه الفرصة التاريخية، وقبلت القرار حتى تتمكن من إقامة دولة اليهود، ثم تثبّت أقدامها في المنطقة لتنفيذ خططها التوسعية انطلاقًا من حدود هذه الدولة 28. وقد أفضى الواقع الجديد إلى اندلاع اضطرابات ومواجهات بين الفلسطينيين والعصابات الصهيونية، التي كانت مسلّحة بأحدث أنواع العتاد الحربي، ومدرّبة تدريبًا جيدًا، تخلّلها ارتكاب الصهاينة عشرات المجازر في حقّ الفلسطينيين، أبرزها مجزرة دير ياسين الواقعة غرب القدس، والتي راح ضحيّتها حوالى 003 من النساء والأطفال والرجال 29.
وتزامنًا مع إعلان حكومة بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين رسميًا في 14 أيار/ مايو 1948، اجتمع "مجلس الشعب" في اليوم نفسه في تل أبيب، وأعلن عن إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين بموجب "وثيقة الاستقلال" التي تضمنت نًّصًا صريحًا بهذا الشأن، جاء فيه: "وعليه، فقد اجتمعنا نحن أعضاء مجلس الشعب، ممّثلّي السكّان اليهود في البلاد وممّثلّي الحركة الصهيونية في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على أرض إسرائيل، وبحكم حقّنا الطبيعي والتاريخي بمقتضى قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فإنّنا نعلن عن إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل هي دولة إسرائيل" 30. اندلع، في إثر هذا الإعلان، نزاع مسلّح بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، ووقع الفلسطينيون ضحية كارثة جماعية تمثّلت في النكبة الفلسطينية التي تكلّلت بتدمير الميليشيات الصهيونية 253 قرية ومدينة فلسطينية من أصل 774، وقتل نحو 15000 فلسطيني، وتشريد 750 ألفًا، أي ثلثي سكّان البلاد العرب الذين طُردوا من ديارهم وأصبحوا لاجئين، والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم ونهبها، ما خلق مأساة ملازمة للشعب الفلسطيني منذ ذلك الوقت حتى الوقت الحاضر 31.
ثانيًا: نظرة على بعض القوانين التي تحكم منظومة الفصل العنصري الإسرائيلية
لم تُعُد هناك أيّ ادعاءات بوجود فصل عنصري رسمي في أيّ مكان في العالم بعد تفكّك نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا 32، باستثناء بعض الطروحات الهامشية بشأن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين، التي اكتسبت زخمًاأوسع في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وحازت لاحقًا اهتمام العديد من المفكرين وفقهاء القانون الدولي وخبراء الأمم المتحدة ووسائل الإعلام 33.
1. اتساع الجدال بشأن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين
أدرك الباحثون الفلسطينيّون منذ زمٍنٍ بعيد حقيقة أنّ مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين يقوم على تطهير البلاد من السكّان الأصليين، وأنّه شبيه بالفصل العنصري 34. وقد تنامت انتقادات المفكرين والباحثين الفلسطينيين هذه لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين، واتسع الخطاب الرافض للصهيونية بوصفها شكلًا من العنصرية والتمييز العنصري والهيمنة، وأداة للاستعمار الاستيطاني 35. وقد اكتسبت رواية "الفصل العنصري الإسرائيلي" زخمًاقوًّيًا في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، إذ انبرى مفكرون وكتّاب وفقهاء في القانون الدولي وحقوق الإنسان يجادلون بأن إسرائيل تفرض نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا في جميع أرجاء فلسطين، في حين رفض آخرون ربط إسرائيل وسياساتها ضدّ الفلسطينيين بالفصل العنصري الممنهج، بدعوى أنّ هذا ينطوي على افتراء غير عادل يستهدف شيطنة إسرائيل ونزع الشرعية عنها 36.
يقول أوري ديفيس إنّ إسرائيل بوصفها دولة استعمار استيطاني تُقيم نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا (أبارتهايد) في فلسطين باعتماد سياسات وأساليب متنوعة، من ضمنها تمرير الكنيست قوانين يُحدّد بموجبها الأشخاص الذين يمكن اعتبارهم تلقائيًا مواطنين فعلّييّن 37. وقد تعزز هذا الأمر بتمرير قانون العودة لسنة 1950، الذي قصر حقّ اكتساب الجنسية تلقائيًا على اليهود أينما وُجدوا، وذلك بمجرد ممارسة "حق العودة" إلى إسرائيل، بوصفه حًّقًا أصيلًالكلّ يهودي، بينما منع القانون الفلسطينيين الأصلانيين، الذين كانوا يسكنون البلاد حتى عام 1948 وُهُجّروا منها قسريًا، من حيازة الجنسية الإسرائيلية لمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين 38. وبموازاة ذلك، أدّت منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية وحلفاؤها حول العالم، على مدار العقدين الماضيين، دورًا مهًّم افي فضح نظام الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي القائم على الفصل العنصري في فلسطين عن طريق التعبئة المستمرة وتنظيم الحملات لمناصرة حقوق الإنسان في فلسطين، ما أسهم في تزايد الاعتراف من جانب منظمات المجتمع المدني وهيئات الأمم المتحدة وخبرائها وفقهاء القانون بأن إسرائيل تفرض على الفلسطينيين نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا بوصفه أداةً للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين 39. أسهمت هذه الجهود إلى حد بعيد في جعل مسألة نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين محطّ اهتمام الأمم المتحدة وخبراء القانون الدولي منذ عام 2007، إذ أثار جون دوغارد، بصفته المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في فلسطين، مسألة إذا ما كان ينطبق على ممارسات إسرائيل التعريف القانوني للفصل العنصري في الأرض الفلسطينية المحتلة. وقد جاء في تقريره الدوري الصادر في كانون الثاني/ يناير 2007 أنّه "من الواضح أن إسرائيل تمارس احتلالًاعسكرًّيًا للأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي الوقت نفسه تشكّل عناصر الاحتلال شكلًامن أشكال الاستعمار والفصل العنصري، التي تتعارض مع القانون الدولي." واستنادًا إلى ذلك، أثار دوغارد - وهو مواطن جنوب أفريقي وبروفيسور في القانون الدولي - مسألة التبعات القانونية لنظام الاحتلال المطوّل الذي يحمل طابع الاستعمار والفصل العنصري على الشعب المحتل وقوة الاحتلال والدول الثالثة 40. بدأ بعض مسؤولي الأمم المتحدة في إثر ذلك بالتعامل مع هذه المسألة الحساسة بموضوعية أكثر، فقد صرّح ميغيل ديسكوتو بروكمان - بصفته رئيسًا للجمعية العامة للأمم المتحدة في جلستها العامة بشأن قضية فلسطين المنعقدة في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2008 - بكل وضوح، أنّ استخدام الأمم المتحدة مصطلح الفصل العنصري لوصف السياسات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة بات أمرًا ضرورًّيًا، وأضاف: "أعتقد أنه من المهمّ للغاية أن نستخدم هذا المصطلح في الأمم المتحدة. يجب أّل انخاف من أن نسمّي الأشياء بأسمائها. إنها الأمم المتحدة، بعد كلّ شيء، التي أقرّت الاتفاقية الأممية لمناهضة جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، التي وضحت للعالم أجمع أنّه يتعين حظر ممارسات التمييز الرسمي أينما حدثت" 41. في العام نفسه، تشكّل فريق ضمّ خبراء في القانون الدولي وحقوق الإنسان من فلسطين وإسرائيل وجنوب أفريقيا وأوروبا لإجراء دراسة حول الموضوع، خلصت إلى أنه يسود في الأرض الفلسطينية المحتلة نظام فصل عنصري راسخ، يقوم على قمع الفلسطينيين وإبقاء الهيمنة الإسرائيلية عليهم، وشبّهت انتهاكات إسرائيل المستمرة للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان بأنها حصيلة لنظامين متميّزين من الاستعمار والفصل العنصري، كلاهما ضارّان بالسلام والأمن الدولَييَن، وحمّلت المجتمع الدولي مسؤولية الفشل في الاعتراف بضلوع إسرائيل في هذه الأنظمة، والتصدي لها، ووقف الجرائم التي تنطوي عليها، وإلزام إسرائيل بالإيفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي 42. وأثار ريتشارد فولك المقرر الخاص لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة مسألة الفصل العنصري في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 2010، إذ ورد في تقريره الدوري لمجلس حقوق الإنسان: "يرى المقرّر الخاص الحالي أن طبيعة الاحتلال، بدءًا من عام 2010، تؤيد الادّعاءات السابقة عن الاستعمار والفصل العنصري بالأدلة والقانون أكثر مما كان عليه
الحال قبل ثلاث سنوات، وأن ملامح الاستعمار والفصل العنصري للاحتلال الإسرائيلي ترسخت نتيجة عملية تراكمية، وكّلمّا طالت مدة استمرارها كان التغلب عليها أكثر صعوبة، وازدادت خطورة اختزال الحقوق الأساسية للفلسطينيين" 43. اقتصر توصيف منظمات حقوق الإنسان وخبراء القانون الدولي لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين على الأرض الفلسطينية المحتلة حتى عام 2011، وقت انعقاد محكمة راسل - وهي محكمة دولية رمزية غير رسمية - بخصوص فلسطين في كيب تاون في جنوب أفريقيا، إذ أفتت بأن إسرائيل تُخضع الشعب الفلسطيني لنظام هيمنة ممنهج يرقى إلى الفصل العنصري كما هو محدّد في القانون الدولي، وأكّدت أنّ نظام إسرائيل التمييزي يتجّل ىبدرجات متفاوتة الشدة والأشكال تجاه فئات مختلفة من الفلسطينيين، وأنّ الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة يخضعون على نحو خاص لشكل مشدّد من الفصل العنصري. وقد خلصت المحكمة إلى أن سلطة إسرائيل المفروضة على الشعب الفلسطيني، أينما كان، ترقى إلى نظام فصل عنصري متكامل الأركان 44.
تنامى اهتمام المفكرين والكتّاب وخبراء القانون الدولي والسياسّييّن بتشخيص منظومة الحكم الإسرائيلي في فلسطين، في الوقت الذي واصلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رفض جميع الخيارات المطروحة للتسوية، والتمسك بخيار بقائها دولةً يهوديةً شبيهة بنظام الفصل العنصري بوصفها بديلًامن حلّ الدولتين والدولة الواحدة 45. يقول عزمي بشارة في هذا الخصوص: "إنّ إسرائيل بطبيعتها هي نتاج مشروع استعمار استيطاني، يمثل حالة استثنائية، أفرزت نظامًا إثنوقراطًّيًا بعد التهجير الجمعي للفلسطينيين في عام 1948 ومنح الأقلية التي تبقت المواطنة الإسرائيلية، وتحولت إلى دولة أبارتهايد بعد احتلال عام 1967 وفرض حكمها على الفلسطينيين الذين لم يطرد غالبيتهم في هذه الحالة. لكنهم لم يمنحوا المواطنة، بل أخضعوا لاحتلال مباشر تحوّل تدريجًّيًا بفعل الاستيطان إلى نظام فصل عنصري" 46. وبّي نبشارة أنه "يصح إطلاق وصف أبارتهايد على نظام الحكم الإسرائيلي القائم في فلسطين، الذي هو نتاج استعمار استيطاني" 47. يلاحظ في السنوات الأخيرة انخراط منظمات لحقوق الإنسان فلسطينية وإسرائيلية ودولية، لها صدقيتها في تشخيص النظام الإسرائيلي بأنه نظام فصل عنصري في كل فلسطين، كمركز بتسيلم (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة)، الذي نزع الشرعية عن النظرة السائدة إلى إسرائيل بأنّها دولة ديمقراطية، لأنها تدير في الوقت نفسه نظام احتلال، واعَتبَرَ كل المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل داخل الخط الأخضر وفي الضفة الغربية وشرق القدس وقطاع غزة خاضعةً لنظام فصل عنصري (أبارتهايد) ترسّخ واتّضحت معالمه بمرور السنين بواسطة القوانين والممارسة والدعم الجماهيري والقضائي الذي حظي به 48. إن تكييف بتسيلم لطبيعة السلطة السائدة في كل فلسطين يفضي إلى استنتاج واضح هو أنّ إسرائيل تفرض نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا على نطاق فلسطين، وخاصة أنها تعلن بكل وضوح: "ثمة نظام واحد فقط يحكم هنا، وهو يتّخذ قرارات تخصّ مصير جميع البشر الذين يعيشون تحته. نظام واحد يعمل وفق مبدأ ناظم واحد: السعي لتحقيق وإدامة تفوّق وفوقية جماعة من البشر (اليهود) على جماعة أخرى (الفلسطينيّون.) في هذا النظام يمتلك المواطنون اليهود القوّة السياسيّة بصورة حصريّة، وحدهم دون غيرهم. فقط هُم يتمتّعون بمكانة كاملة تخوّلهم الجلوس حول الطاولة التي يتقرّر فيها مصيرهم هم ومصير الفلسطينّييّن. هذه ليست ديمقراطيّة. هكذا
يبدو نظام الأبارتهايد" 50. إن مقاربة بتسيلم لنظام الأبارتهايد، الذي تحكم إسرائيل بواسطته كل فلسطين، وتتّخذه أداة للسيطرة على الفلسطينيين وقمعهم واضطهادهم أينما كانوا، وإنّ حقيقة اكتمال معالمه مع السنين، لَتفتحان الباب أمام الباحثين والمهتمين لإجراء مقاربات أعمق لمحاولة إثبات أن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي يسري على فلسطين منذ إقامة إسرائيل في عام 1948، وأنّه امتد لاحقًا إلى الأرض الفلسطينية التي احُتُلت في عام 1967، وأنّ إسرائيل تحكم الفلسطينيين في سائر أماكن وجودهم بواسطة هذا النظام، بمن فيهم اللاجئون الممنوعون من العودة إلى بلادهم. انضمت منظمة العفو الدولية Amnesty International إلى قائمة المنظمات التي تُقرّ بأن إسرائيل تفرض نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا في فلسطين، حيث أكّد تقرير "نظام الفصل العنصري 'أبارتهايد' الإسرائيلي ضد الفلسطينيين"، الذي أصدرته في بداية عام 2022، أنّ إسرائيل فرضت نظامًا من القمع والهيمنة على الفلسطينيين داخل إسرائيل وفي الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 - لعزل الفلسطينّييّن - يقوم على التمييز الممنهج ضدّهم بموجب قوانين وممارسات للهيمنة عليهم، وقمعهم، ومنعهم من المطالبة بحقوقهم، أو التمتع بها على قدم المساواة مع الإسرائيليين اليهود داخل إسرائيل وفي الأرض الفلسطينية المحتلة 51. وقد عدّد التقرير السمات الأساسية لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين القائم على القمع والهيمنة، ونزع ملكية الأراضي، والتمييز ضدّ الفلسطينيين، والسيطرة عليهم بحرمانهم من المساواة وحقوق المواطنة، وتقييد حريتهم في الحركة والتنقل، وفرض قوانين تنطوي على تمييز مجحف لمنع جمع شمل العائلات الفلسطينية، واستخدام الحكم العسكري والقيود على الحقّ في المشاركة السياسية وفي المقاومة الشعبية، وإعاقة التنمية البشرية للفلسطينيين، وحرمانهم من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية 52. لم تُعُد مسألة وصم النظام الإسرائيلي في فلسطين بالفصل العنصري تقتصر على الباحثين والخبراء الفلسطينيين والأجانب، بل شملت بعض الأكاديميين والمسؤولين والصحافيين الإسرائيلّييّن، الذين أدركوا المخاطر المترتبة على رفض الحكومات الإسرائيلية الوصول إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين، وبدؤوا ينتقدون معاملة إسرائيل للفلسطينيين، إذ شبّهها بعضهم بالفصل العنصري، أو بما هو أسوأ منه 53. هذا دفع قادة من الطيف السياسي الصهيوني "المعتدل - " ولأسباب عنصرية على الأرجح تتعلق بالحرص على بقاء إسرائيل "دولةً يهودية ديمقراطية" - للتعبير عن مخاوفهم من أن الفشل في إنهاء الاحتلال سيترك إسرائيل في مواجهة نضال من أجل المساواة في الحقوق على غرار ما حدث إبان نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ما سيؤدي في حصيلة الأمر إلى زوال إسرائيل بصفتها دولة قومية يهودية 54. استنادًا إلى ما سبق، وعلى الرغم من استمرار السكوت الدولي الرسمي واستمرار المحاباة لإسرائيل، فقد بات من الصعب دحض الادّعاءات التي تقول إن إسرائيل تفرض نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا في فلسطين يستهدف قمع الفلسطينيين وإبقاء الهيمنة عليهم أينما وجدوا. هذا الواقع المستجدّ ي ملي على الباحثين والمهتمين إعادة تقويم النظام الرسمي الإسرائيلي، وبأثر رجعي، بوصفه نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا بالقانون والممارسة منذ إقامة إسرائيل في عام 1948، وذلك أسوة بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا على الرغم من بعض أوجه الاختلاف بينهما. 2. نظرة على أبرز قوانين الفصل العنصري الإسرائيلية استحدثت إسرائيل منذ إقامتها عام 1948 منظومة تشريعات مدنية وعسكرية كرّست بموجبها سياسات التمييز الممنهج والمجحف ضد الفلسطينيين في مسائل المواطنة وملكية الأراضي وحيازتها والتصرف فيها والتخطيط والبناء، للسيطرة عليهم وقمعهم واضطهادهم ونزع ملكية الأرض منهم وإنكار مسالة اللاجئين لإدامة تفوّق العنصر اليهودي على الفلسطينيين وهيمنته، وأوجدت بذلك نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا شبيهًا بنظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا، يرتقي إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية كما سنبين لاحقًا في المبحث الثالث.
أ. طبيعة الدولة
أثار إقرار الكنيست الإسرائيلي قانون القومية في 18 تموز/ يوليو 2018 جدلًاواسعًا، إذ وصفته جمعية حقوق المواطن في إسرائيل بالقانون القومي والعنصري لتصنيفه غير اليهود في إسرائيل أنّهم
مواطنون من الدرجة الثانية، ولأنه يتجاهل مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وينتهك انتهاكًا صارخًا التوازن القائم في تعريف الدولة بأنها "يهودية وديمقراطية" 55. ومركز "عدالة" ذهب إلى أبعد من ذلك بنزع المشروعية عن هذا القانون، لأنه يؤسس لنظام استعماري وفصل عنصري لإبقاء سيطرة اليهود من حيث هم مجموعة إثنية قومية، على الفلسطينيين بوصفهم مجموعة إثنية قومية أصلانية، ما يعزز التفوق الإثني وترسيخ السياسات العنصرية في معظم مجالات الحياة الأساسية 56. وما من شك في أنّ القانون يكرّس فوقية اليهود على الفلسطينيين، ويرسّخها في صلب المنظومة القانونية لخدمة أيديولوجيا يمينية أكثر تطرفًا 57، بإعلانه إسرائيل دولةً للشعب اليهودي ووطنًا قومًّيًا له فحسب، وذلك تكريسًا لنظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الإسرائيلي علنًا وبالقانون. هنا يثور السؤال المفصلي حول إذا ما جاء هذا القانون بجديد في ضوء سياسات إسرائيل في فلسطين وممارساتها منذ إقامتها في 14 أيار/ مايو 1948 بموجب وثيقة الاستقلال التي وقّعها آنذاك 73 عضوًا جميعهم من اليهود، أمام مجلس الشعب باعتباره البرلمان المؤقت للدولة 58. الإجابة عن هذا التساؤل هي بالنفي بطبيعة الحال، فعلى الرغم من أن وثيقة الاستقلال نصّت على المساواة في "دولة يهودية وديمقراطية"، فإن المساواة بقيت شكلية منذ عام 1948 حتى الوقت الحالي عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين. ذلك يفضي إلى الاستنتاج أن الدوافع لإقرار قانون القومية دوافع شعبوية أكثر من كونها تطبيقات عملية، لأن العرب لم ينعموا بالمساواة بتاتًا، خاصة في المسائل الأساسية المتعلقة بالمشاركة السياسية الفعلية والأرض والتخطيط والبناء والخدمات. حتى محكمة العدل العليا تلتفّ على مسألة الانتهاكات المجحفة للحقّ في المساواة عندما يتعلق الأمر بغير اليهودي، أي العربي، وتستحضر دائمًا الطابع اليهودي لإسرائيل لتغطية تقاعسها عن إعمال حقوق الفلسطينيين الجمعية والفردية، وتسترشد بالأهداف الأساسية للصهيونية، وفي مقدمتها هجرة اليهود إلى فلسطين، والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، والاستيطان، وتوفير الأمن 59.
ب. مواطنة تلقائية لليهود وإنكار لحق الفلسطينيين
يقول إيرل وارين، قاضي المحكمة العليا الأميركية، في قضية "تروب ضدّ دالاس" عام 1958 "إن المواطنة ليست رخصة تنتهي بسبب سوء السلوك. [...]إن الحرمان من الجنسية ليس سلاحًا يمكن الحكومة استخدامه للتعبير عن عدم رضاها عن سلوك المواطن، مهما كان خطيرًا" 60. انتهجت إسرائيل التمييز المجحف في حق العرب الذين بقوا في فلسطين بعد النكبة، ومنعت اللاجئين من العودة، منتهكةً شروط قبولها عضوًا في الأمم المتحدة، حينما تعهدت باحترام قرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك قرار التقسيم وقرار عودة اللاجئين الفلسطينيين والتعويض 61. فبينما حُرم اللاجئون الفلسطينيون من حق العودة بموجب قانون المواطنة (الجنسية) لعام 1952، فقد أقر الكنيست قانون "العودة" لسنة 1950 ليعطي الحق لكلّ يهودي ولذوي الأصول اليهودية حول العالم في حيازة الجنسية الإسرائيلية بمجرّد الهجرة إلى إسرائيل 62، إضافةً إلى قانون الدخول إلى إسرائيل لسنة 1952، الذي يمنح أفضلية للقادمين الجدد اليهود استنادًا إلى قانون العودة، ويتعامل معهم على أنهم مواطنون في الدولة 63. لقد جرى إقرار قانون المواطنة لتعزيز حزمة القوانين التي تنصّ على أن إسرائيل دولة اليهود بصرف النظر عن مكان إقامتهم، إذ أعاد التأكيد على أن "كل قادم إلى إسرائيل بحسب قانون العودة 1950() هو مواطن إسرائيلي بحكم عودته (المادة 2")، بينما حرم الفلسطينيين، الذين كانوا يقيمون في البلاد حتى عام 1948 من الحصول على الجنسية الإسرائيلية (المادة)3 لمنع اللاجئين من العودة 64. تمادت الحكومات الإسرائيلية في حرمان الفلسطينيين من حق الإقامة للحفاظ على أغلبية يهودية مهيمنة في فلسطين بسنّها قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (أمر مؤقت) لعام 2003، وهو قانون عنصري، يمنع جمع شمل العائلات الفلسطينية عندما يكون أحد الزوجين من مواطني إسرائيل والآخر من سكّان الضفة الغربية أو قطاع غزة (يستثنى من ذلك يهود مستوطنات الضفّة.) وفي عام 2007، عُدّل قانون منع توحيد العائلات ليشمل تلك التي يكون فيها أحد
الزوجين من المواطنين أو السكان في إيران ولبنان وسورية والعراق 65. وهذا القانون عنصري بامتياز، لأنه يهدف إلى تشتيت الفلسطينيين وذوي الأصول الفلسطينية أينما كانوا، ويجمّد البت في طلبات جمع شمل العائلات الفلسطينية على جانَبَي الخط الأخضر وفي القدس المحتلة، ويفرض قيودًا صارمة على جمع شمل الأزواج وعلى تسجيل المواليد الجدد ويجعله شبه مستحيل، ما يفضي إلى تشتيت الأسر الفلسطينية، ويحرمها من حقّها في العيش في بيئة أسرية آمنة وسليمة، ويجبر الفلسطينيين على الهجرة القسرية والإقامة شرق جدار الضم والتوسع والفصل العنصري، أو ترك البلاد والهجرة إلى الخارج للالتحاق بعائلاتهم المشتتة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل عمدت الحكومات الإسرائيلية إلى إسكات كل من يعّب رعن دعمه نضال الفلسطينيين ضد الاحتلال ويدين العدوان، وإلى معاقبته، وذلك بإجراء التعديل رقم 9 على البند 11 من قانون (سحب المواطنة) 2008() الذي يتيح لوزير الداخلية طلب سحب جنسية أيّ مواطن في غيابه ومن دون إدانة، بدعوى خيانة الأمانة مع دولة إسرائيل 66. اعتبر مركز "عدالة" إبطال المواطنة، حتى على أساس الإدانة، من أكثر الوسائل العقابية التي تنتهجها الدول تطرّفًا، ويمكن أن تؤدي إلى ممارسة عقاب قاٍسٍ وغير متكافئ، لأنه يستهدف مجموعة محددة من المواطنين، هم مواطنو إسرائيل الفلسطينيّون في هذه الحالة 67. جرى التصديق على القانون، مع اقتراب مرور عشر سنوات على خروج المفكّر الفلسطيني عزمي بشارة إلى المنفى القسري، بعد أن لفّقت له السلطات الإسرائيلية ملًّفًا أمنًّيًا، بسبب مواقفه المساندة لحق أبناء شعبه الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، ووقوفه إلى جانب المقاومة اللبنانية إبّان العدوان الإسرائيلي الثاني على لبنان في تموز/ يوليو 2006 68. لقد أقر الكنيست الإسرائيلي في 6 آذار/ مارس 2017، بأغلبية 15 صوتًا مقابل 17 صوتًا "قانون عزمي بشارة" الذي يجيز مناقشة إسقاط جنسية المواطن من دون حضوره، وذلك بموجب طلب من وزير الداخلية 70. وقد قدّم وزير الداخلية الإسرائيلي، أرييه درعي، في 26 تموز/ يوليو 2017، طلبًا رسمًّيًا للمستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية يطلب فيه سحب الجنسية من عزمي بشارة، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ أن أقيمت إسرائيل على أرض فلسطين في عام 1948، إذ لم تقدم على سحب الجنسية أو المواطنة من أيّ مواطن، بمن فيهم مواطنون يهود وعرب دِينوا في سنوات الخمسينيات والستينيات بُتُهم أمنية خِطِرة أو بتسريب أسرار عسكرية لجهات أجنبية 71. من الواضح أن تلفيق الملفّ الأمني لعزمي بشارة قد جاء، إضافةً إلى مواقفه الوطنية، بدافع الانتقام لنجاحه في التأسيس لخطاب جديد لم يكن مألوفًا للقوى الوطنية الفلسطينية داخل إسرائيل، ولا للقوى القومية واليسارية، وهو المتمثل في استخدام منصّة الكنيست لتجسيد موقف سياسي وطني غير اندماجي في إسرائيل، والتأكيد على الهوية العربية الفلسطينية لعرب الداخل، والدعوة للاعتراف بحقوقهم الجماعية بوصفهم سكّانًا أصليين، وتمتعهم بالمواطنة المتساوية في دولةٍ لجميع مواطنيها 72.
ج. الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وسلبها
كانت مسألة الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين ونهبها في صلب الفكر الصهيوني الحديث منذ نشوئه، إذ قامت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1948، استنادًا إلى جملة من قوانين الأراضي والتخطيط والبناء، بالاستيلاء على كل أراضي اللاجئين ونهب أملاكهم، ووضعت اليد على أجزاء واسعة من أراضي الفلسطينيين الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية بذريعة التطوير، واستولت على مساحات شاسعة في الضفة الغربية، ومن ضمنها القدس، وأقامت عليها مئات المستوطنات غير الشرعية، والدافع الأساسي للمصادرة هو بناء المستوطنات لتكريس أغلبية يهودية مهيمنة 73. لقد أُقر قانون أملاك الغائبين لسنة 1950 ليكون وسيلة للاستيلاء على أملاك اللاجئين الفلسطينيين، إذ إنّ كلّ من هُجّر أو نزح أو ترك حدود دولة إسرائيل حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، خاصة في إثر الحرب، احُتُِسِب
غائبًا 74. واحُتُِسِبت جميع أملاكه من أراٍضٍ وبيوٍتٍ وحسابات بنوك وغيِرِها "أملاَكَ غائبين" تُنقل ملكيّتها إلى دولة إسرائيل، ويديرها وصيّ من الدولة هو (القيّم على أملاك الغائبين) الذي له صلاحية بيعها وتأجيرها 76. تطبّق إسرائيل هذا القانون الجائر في كلّ الأراضي العربية التي احتلتها وضمّتها، بما في ذلك القدس الشرقية والجولان السوري. وتسري في الضفة الغربية أوامر عسكرية مستمدة من هذا القانون، كالأمر العسكري (رقم 8)5 الذي عرّف الغائب بمن ترك أرض الضفة الغربية قبل حرب حزيران/ يونيو 1967، أو في أثنائها، وبذلك أجاز الاستيلاء على ممتلكاته وأراضيه 77. وكلّ ذلك يستدعي القول إن قانون أملاك الغائبين هو بمنزلة أداة خبيثة لسرقة أراضي العرب وممتلكاتهم، وتخصيصها لأغراض الاستيطان بهدف فرض أغلبية عرقية مهيمنة متمثلة في الحضور القوي للمستوطنين اليهود، والفصل العنصري بينهم وبين العرب. أقرّ الكنيست الإسرائيلي في فترة لاحقة قانون شراء الأراضي (التصديق على العمليات والتعويضات) لسنة 1953 لتنظيم عمليات الاستيلاء على أراضي اللاجئين ومصادرة أراضي الفلسطينيين الذين بقوا في البلاد، حيث بات اليوم حوالى 93 في المئة من أراضي إسرائيل (لا تشمل الأراضي المحتلة عام 1967) ملكًا للدولة والصندوق القومي اليهودي. أما العرب، فيملكون -33.5 في المئة من الأراضي فقط، مقارنةً ب 48 في المئة من الأراضي التي كان العرب يملكونها في عام 1945 78. وبذلك، جرت السيطرة على أراضي العرب داخل منطقة 1948 باستخدام قانون شراء الأراضي 79، إضافةً إلى قانون أملاك الغائبين. وقد صادرت إسرائيل من العرب، استنادًا إلى قانون شراء الأراضي، ما بين 1.2 و 1.3 مليون دونم. وهذه الأراضي صودرت من 493 قرية وبلدة، بما فيها المناطق المبنيّة في 86 قرية 80. استحوذت إسرائيل على الأراضي بواسطة قانون الصندوق القومي اليهودي "كيرين كايميت" لسنة 1953، الذي استحدث في عام 1901 من أجل جمع التبرعات لشراء الأراضي وجعلها ملكيّةً عامّة أو "أراضي دولة" يقتصر استخدامها لمصلحة اليهود 81، ولا يجوز نقل ملكيّتها بالبيع أو بأيّ طريقة أخرى 82. واستحدثت الحكومة الإسرائيلية لاحقًا قانون دائرة أراضي إسرائيل لسنة 1960 لتعزيز سيطرة اليهود على الأراضي والتصرف فيها لمصلحتهم فقط، وأنشأت بموجبه دائرة أراضي إسرائيل التي تضع سياسات الأراضي في الدولة. وتعّي ن الحكومة أعضاء مجلس دائرة أراضي إسرائيل، الذي نصف أعضائه من الحكومة، ونصفهم الآخر من الصندوق القومي اليهودي. وبهذا، تُعطى لدائرة إسرائيل، التي تخدم مصالح اليهود فحسب، الصلاحية الكبرى في تحديد سياسات الأراضي في إسرائيل، بما في ذلك شراؤها ونقلها وتبادلها بين الدولة وهيئة التطوير والصندوق القومي اليهودي لحماية "أراضي إسرائيل" وجعل استخداماتها مقصورةً على اليهود داخل الخط الأخضر وفي الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 83.
لعلّ تزامن قيام إسرائيل مع تطبيق نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في عام 1948، هو مصادفة. لكن الأمر الثابت هو أن السيطرة على الأرض بنزع ملكية السكان الأصليين تشكّل أحد الأركان الأساسية لأي نظام قائم على الفصل العنصري، إذ طبّقت سلطات جنوب
أفريقيا قوانين تضع قيودًا صارمة على امتلاك الأفارقة السود للأرض أو استخدامها. وكان قانون أراضي السكان الأصليين (رقم 27 لعام 1913) كارثًّيًا بالنسبة إليهم، إذ حظر شراء الأراضي أو استئجارها في 93 في المئة من جنوب أفريقيا، على الرغم من أن ما يملكه الأفارقة كان محصورًا في 7 في المئة من الأراضي. وقد جرت زيادة هذه النسبة إلى 13.5 في المئة بموجب قانون السكان الأصليين والأراضي لعام 1936 84.
د. تخطيط لليهود وتهميش للعرب
تسعى المؤسسة الرسمية الإسرائيلية دائًا، عن طريق الاستيلاء على الأرض والتخطيط والعمران، للسيطرة على المجال (الحيّز) الفلسطيني، وإعادة استخدامه لأغراض أيديولوجية وجيوسياسية واجتماعية واقتصادية تخدم مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والسيطرة على العرب بالإبقاء على هيمنة اليهود 85، فسياسة التخطيط الرسمي الإسرائيلي قائمة، منذ عام 1948، على التمييز المجحف ضدّ الفلسطينيين، حيث تُبقيهم في قراهم وبلداتهم التي هي معازل شبه محاصرة وغير قابلة للتوسيع إّل افي حالات نادرة، ما يحول دون تلبية احتياجاتهم في مجال البناء والسكن. هذه السياسات العنصرية بامتياز تستهدف توسيع الفوارق بين اليهود والفلسطينيين، وتتجاهل مبادئ المساواة والعدالة في مجال التخطيط والتطوير. يخوّل القانون الإسرائيلي للمؤسسات الحكومية سلطة اتخاذ القرار في مسائل تخطيطية جوهرية، وليس للفلسطينيين قدرة على التأثير في قرارات التخطيط، لأن تمثيلهم في مؤسسات التخطيط والبناء هامشي جًّدًا وشبه معدوم، فعلى سبيل المثال أ نشئت، بموجب القانون والبناء لسنة 1965، اللجنة الُقُطرية واللجان المناطقية (اللوائية)، وهي لا تضم في عضويتها ممثّلين عن المجتمع العربي في إسرائيل 87، إضافةً إلى أن الفلسطينّييّن غير ممثلين في "سلطة أراضي إسرائيل" التي تشارك في تخطيط ما هو معروف بأراضي الدولة التي تعود ملكيتها في الأساس إلى العرب، وجرى الاستيلاء عليها بقوة "القانون" وبطرق ملتوية لمصلحة اليهود فحسب 88. تترسّ خ سياسة تهميش العرب في مسائل التخطيط باستمرار عن طريق إقرار المزيد من القوانين العنصرية إمعانًا في تضييق الخناق عليهم في مسائل البناء والتطوير كقانون التخطيط والبناء: تقييد الكهرباء والماء والهاتف لعام 1965، الذي يحظر البند 157 (أ) منه على شركات البنى التحتيّة (الكهرباء، وشركة المياه، وشركات الاتصالات) ربط المباني غير المرخصة من السلطة المحلّية ذات العلاقة بشبكاتها 89. ومع أنّ هذا المطلب قد يبدو منطقًّيًا، إّل اأنه وُجد في الأساس لتضييق الخناق على العرب لأن سياسات التخطيط العنصرية أرغمتهم على البناء من دون ترخيص لتلبية احتياجاتهم وليكون ضدّ القرى البدوية غير المعترف بها. ثمّ هنالك قانون دائرة أراضي إسرائيل (طرد مقتحمي الأراضي) لعام 1981، الذي عُدّل في عام 2005، ووسّع صلاحيات دائرة أراضي إسرائيل بأن الأشخاص مكلّفون بإصدار أوامر تقضي بإخراج مقتحمي الأراضي العامة أو التابعة لإدارة سلطة محلّية منها، وأوامر هدم إدارية للإخلاء، تستهدف في الأساس البدو العرب في النقب، وتخرجهم من أراضيهم التي يستخدمونها من أجل البناء والزراعة 90. وكان الأمر ذاته في الضفة الغربية، ومن ضمنها القدس، إذ يُستخدم جهاز التخطيط الإسرائيلي لسلب الأراضي وإقامة المستوطنات وتوسيعها باستمرار، بينما تُفرض قيوٌدٌ صارمة على تطور الفلسطينيين العمراني في سياق خطة سياسية غايتها تمكين إسرائيل من تسخير أقصى مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية لاحتياجاتها الاستيطانية، وفي المقابل تبذل ما في وسعها لتقليص موارد الأرض المخصّصة لخدمة احتياجات السكّان الفلسطينيين 91، وتستغل قواعد القانون الدولي الإنساني التي تعطي للمحتل حقّ إدارة الأراضي والأملاك الحكومية في الإقليم المحتل والانتفاع بها من أجل الاستيلاء على الأرض، وقد أصدر القائد العسكري للجولان أوامَرَ عسكرية من أجل فرض سلطته على الأراضي والأملاك الحكومية والخاصة كافّة، وتخويله صلاحية اتخاذ أيّ إجراءات بخصوص هذه الأراضي والأملاك. وقد انتهج القادة العسكريون طريقتين أساسيتين للاستيلاء على الأرض، هما: السيطرة على الأرض بحجّة أنّها "متروكة"، والسيطرة على الأرض بإعلانها "أملاكًا حكومية" 92، فضلًاعن قانون التسوية لسنة 2016، الذي يسمح لإسرائيل بمصادرة أراٍضٍ فلسطينية خاصة بالضفة الغربية لغرض بناء المستوطنات 93.
ثالثًا: الآثار القانونية المترتبة على نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين
حدد المجتمع الدولي ثلاثة أنظمة معادية للقانون الدولي وحقوق الإنسان هي: الاستعمار، والفصل العنصري، والاحتلال الأجنبي. إن تمتع الفلسطينيين في إسرائيل بحق التصويت - على العكس من السكان السود إبان الفصل العنصري في جنوب أفريقيا - لا ينفي حقيقة نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، مع أن المجموعة المهيمنة (اليهود) ليست أقلية ديموغرافية كما كان البيض في جنوب أفريقيا 94. ثمّ إن حقيقة الاحتلال العسكري الإسرائيلي المطوّل للأرض الفلسطينية منذ عام 1967، يمثّل شكلًامن أشكال من الاستعمار والفصل العنصري التي تنتهك القانون الدولي 95. كانت مؤسسة الحق الفلسطينية الرائدة في مجال الدفاع عن حقوق الفلسطينيين أول القائلين، وبكل وضوح، إنّ نظام الفصل العنصري الإسرائيلي قد وجد في فلسطين مع قيام دولة إسرائيل بوصفها مشروعًا استعمارًّيًا استيطانًّيًا صهيونًّيًا أضفى الطابع المؤسسي على نظام الهيمنة العنصرية وقمع الشعب الفلسطيني؛ وهو ليس واقعًا جديدًا، بل استمراٌرٌ لعقود من الاستعمار الاستيطاني والنكبة المستمرة والفصل العنصري 96. وقد بنت مؤسسة الحقّ ادعاءاتها على أسس قانونية استقتها من التشريعات العنصرية التي أقرّها المشرّعون الإسرائيليون منذ قيام إسرائيل، كقانون ملكية الأرض، وقانون القومية، وقانون العودة، وقانون أملاك الغائبين، وغيرها. وجرى تحديثها مع مرور الزمن للحفاظ على نظام الفصل العنصري في فلسطين. وبيّنت أنّ القانون الدولي يحظر الفصل العنصري، وينصّ على معاقبة مرتكبي جريمة الفصل العنصري سواء في محاكم الدول الثالثة من خلال مبدأ الولاية القضائية العالمية، أو في محكمة الجنايات الدولية. ثمّ إنّه يتعّي نعلى الدول والمجتمع الدولي عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناجم عن الفصل العنصري الإسرائيلي، والامتناع عن تقديم أيّ مساعدة قد تسهم في استمراره، والتعاون من أجل تفكيك الفصل العنصري الإسرائيلي وإنهائه 97.
1. قانون حقوق الإنسان
يعدّ نظام الفصل العنصريّ الإسرائيلي شبيهًا بالفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا، لأنه يشاركه بعض السمات الرئيسة وفق تعريفات المواثيق الدولية، وتحديدًا الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لسنة 1965، والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لسنة 1973 98. ويتعارض التمييز العنصري مع قاعدة عدم التمييز الواردة في المادة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 99، إضافة إلى الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، التي كانت أول معاهدة دولية تحظر الفصل العنصري. وإذ عّب رت ديباجة الاتفاقية عن مدى قلق الدول الأطراف من مظاهر التمييز العنصري التي لا تزال ملحوظة في بعض مناطق العالم، وللسياسات الحكومية القائمة على أساس التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، مثل سياسات الفصل العنصري أو العزل أو التفرقة، فقد التزم الموقّعون على الاتفاقية، بموجب المادة الثالثة منها، بشجب العزل العنصري والفصل العنصري، والتعهد بمنع كل الممارسات المماثلة في الأقاليم الخاضعة لولايتها، وحظرها واستئصالها 100. وتضمّنت أيضًا اتفاقية القضاء على كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة أحكامًا بشأن القضاء على الفصل العنصري، وجميع أشكال العنصرية، والتمييز العنصري، والاستعمار، والاستعمار الجديد، والعدوان، والاحتلال الأجنبي، والسيطرة بوصفها أساسياٍتٍ للتمتع الكامل بحقوق الرجل والمرأة على حدّ سواء 101.
2. الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لسنة 1976
إنّ تعريف الفصل العنصري في الاتفاقيات الدولية، إضافة إلى ممارسات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا يوفّران الأسس القانونية لتكييف سياسات إسرائيل وممارساتها ضدّ فلسطين بوصفها نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا. توضّ ح الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لسنة 1973 الأفعال التي ترقى إلى مستوى
الفصل العنصري، وتصفها بأنّها "الأفعال اللاإنسانية الُمُرتكبة لغرض إقامة وإدامة هيمنة فئة عنصرية (عرقيّة) ما من البشر على أيّ فئة عنصرية (عرقيّة) أخرى من البشر، واضطهادها إيّاهم بصورة منهجيّة" 102. وبالمثل، حدّدت المادة 7 2() (ح) من نظام روما الأساسي جريمَةَ الفصل العنصري بأنها أفعال لاإنسانية تُرتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب.د جماعة عرقية واحدة إزاء أيّ جماعة أو جماعات عرقية أخرى، بقصد الإبقاء على ذلك النظام 103. وُيُستدلّ من كلّ ذلك أن الفصل العنصري يتصف بالطابع المؤسسي والممنهج الذي يعتمد سياسة التمييز والقمع للسيطرة والهيمنة من خلال نظام سياسي وقانوني ومؤسساتي تقرّه الدولة، وهذا يجعل الفصل العنصري مميّزًا من غيره من أشكال.ه التمييز المحظورة. تتضمن المادة 2 من اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة.و عليها نًّصًا واضحًا وصريحًا بخصوص جريمة الفصل العنصري التي تشمل السياسات والممارسات التي تُرتكب بطريقة منهجية للحفاظ على هيمنة مجموعة عرقية على أخرى، من ضمنها:.أ حرمان عضو أو أعضاء في فئة أو فئات عنصرية من الحقّ في الحياة والحرية الشخصية: قتل أعضاء من فئة أو فئات عنصرية. إلحاق أذى خطير، بدني أو عقلي، بأعضاء في فئة أو فئات عنصرية، أو التعدي على حرّيتهم أو كرامتهم، أو إخضاعهم للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطّة من الكرامة. توقيف أعضاء فئة أو فئات عنصرية تعسفًا وسجنهم بصورة منافية للقانون..ب إخضاع فئة أو فئات عنصرية عمدًا، لظروف معيشية يُقصد منها أن تفضي بها إلى الهلاك الجسدي، كليًّا أو جزئيًّا..ج اتخاذ أيّ تدابير تشريعية وغير تشريعية يُقصد بها منع فئة أو فئات عنصرية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وتعمّد خلق ظروف تحول دون النماء التام لهذه الفئة أو الفئات، وخاصة بحرمان أعضاء فئة أو فئات عنصرية من حريات الإنسان وحقوقه الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، والحق في تشكيل نقابات معترف بها، والحق في التعليم، والحق في مغادرة الوطن والعودة إليه، والحق في حمل الجنسية، والحق في حرية التنقل والإقامة، والحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في حرية الاجتماع وتشكيل الجمعيات سلميًّا. اتخاذ أيّ تدابير، بما فيها التدابير التشريعية، تهدف إلى تقسيم السكان وفق معايير عنصرية بخلق محتجزات ومعازل مفصولة لأعضاء فئة أو فئات عنصرية، وبحظر التزاوج فيما بين الأشخاص المنتسبين إلى فئات عنصرية مختلفة، ونزع ملكية العقارات المملوكة لفئة أو فئات عنصرية أو لأفراد منها. استغلال عمل أعضاء فئة أو فئات عنصرية، لا سيمّا بإخضاعهم للعمل القسري. اضطهاد المنظمات والأشخاص، بحرمانهم من الحقوق والحريات الأساسية، لمعارضتهم للفصل العنصري. نستنتج من خلال نظرة سريعة إلى هذا النص أنّ إسرائيل تتبنى معظم السياسات التي تحظرها المادة الثانية من اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري، وتمارسها على نحو منهجي، سواء في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، أو داخل إسرائيل. هذا ما أكدت عليه منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، وهو أنّ إسرائيل أنشأت نظامًا للفصل العنصري في أنحاء إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلّة، يقوم على القمع الممنهج ضدّ الفلسطينيين والهيمنة عليهم وإدامته عن طريق تعزيز القوانين والسياسات والممارسات التي تتّسم بالتمييز المجحف، وانتهاك حقوقهم الأساسية والسيطرة على جوانب حياتهم كافة، والتحكّم فيها 105. ليست إسرائيل دولةً طرفًا في الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، ولا في نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية، وذلك لتتلافى المساءلة القانونية عن سياسات الفصل العنصري وممارساته التي تنتهجها ضدّ الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وفي الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. لكن ليس لهذا التوجه ما يسنده في القانون ولا في الواقع، إذ إن القواعد القانونية التي تُعنى بالقضاء على جميع أشكال الفصل العنصري لها طابع عرفيّ، وهي ملزمة بمواجهة الكلّ. وإضافةً إلى ذلك، فقد صنّفت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة سياسة الفصل العنصري بأنها تتعارض مع مبادئ أساسية في القانون الدولي بشأن احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية من
دون تمييز، ولأي سبب كان، على النحو المنصوص عليه في المادة 55 من ميثاق الأمم المتحدة والمادة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 106. وبفضل تضافر جهود المجتمع الدولي أضحت جريمة الفصل العنصري قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي 107، وهي تندرج ضمن قواعد القانون الدولي الآمرة التي تُنشئ التزامات تجاه الكلّ، بوصفها محظورة على نطاق واسع في المعاهدات والأعراف الدوليّة التي لا تقبل أي استثناء 108.
3. القانون الجنائي الدولي
تندرج جريمتا الفصل العنصري والاضطهاد ضمن إحدى عشرة جريمة ضدّ الإنسانية منصوص عليها في نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية 109، وهي من أخطر الجرائم في القانون الدولي110 لما تشكّله من هجوم خطير من جانب الحكومة أو سلطة الأمر الواقع على كرامة الإنسان وتتعمد إذلاله وإهانته 111. أعادت اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها التأكيد على شجب الفصل العنصري، وتعهدت الدول الأطراف في الاتفاقية بمنع هذه الممارسات وإبطالها في الأقاليم الخاضعة لولايتها 112. وذهبت الاتفاقية إلى أبعد من ذلك بتجريم الفصل العنصري وإعلانه جريمة ضد الإنسانية، وألزمت الدول الأطراف بتجريم المنظمات والمؤسسات والأشخاص الذين يرتكبون جريمة الفصل العنصري بوصفها تنتهك مبادئ القانون الدولي، ولا سيما مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتشكّل تهديدًا خطيرًا للسلم والأمن الدوليين . يصنف القانون الجنائي الدولي - بما في ذلك "الاتفاقية الدولية بشأن قمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لعام 1973، ونظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية لسنة 1998 - الفصل العنصري بأنه جريمة ضدّ الإنسانية متى توافرت فيها جملة عناصر أساسية، بما في ذلك نية هيمنة فئة عرقية على أخرى، واضطهاد المجموعة المهيمنة للمجموعة الخاضعة للهيمنة بصورة منهجية، والانتهاكات الخطيرة جدًا والمعروفة بالأفعال اللاإنسانية . وتعهدت الدول الأطراف في هذه الاتفاقية باتخاذ كلّ التدابير، التشريعية وغير التشريعية، اللازمة لقمع أو ردع أيّ تشجيع على ارتكاب جريمة الفصل العنصري وسياسات العزل الأخرى المماثلة أو مظاهرها، وبمعاقبة الأشخاص المرتكبين لهذه الجريمة، سواء أكانوا من رعايا هذه الدولة أم من رعايا دولة أخرى أم كانوا بلا جنسية . وجرى الإبقاء على الفصل العنصري جريمةً ضد الإنسانية في نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية، متى ارُتُكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجيّ موجّه ضد أيّ مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم . وقد عرّف نظام المحكمة جريمة الفصل العنصري بأنها "أيّ أفعال لاإنسانية[...]ُتُرتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أيّ جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وُتُرتكب بنيّة الإبقاء على ذلك النظام" . وأوضحت منظمة العفو الدولية أن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين يتحمل مسؤولية ارتكاب الجرم الدولي المتمثل في الفصل العنصري، بصفته انتهاكًا جسيمًاللقانون الدولي وحقوق الإنسان، مؤكدة ضلوع جميع السلطات الإدارية المدنية والعسكرية والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية الإسرائيلية في فرض نظام الفصل العنصري ضد الفلسطينيين في مختلف أنحاء إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، وضد اللاجئين الفلسطينيين وأبنائهم وأحفادهم الموجودين خارج هذه الأراضي، ووصفت هذه الأفعال الوحشية وغير الإنسانية المحظورة في القانون الدولي بأنها تشكّل اعتداء ممنهجًا وواسع النطاق موَّجَهًا ضد السكّان الفلسطينيين بقصد إدامة ذلك النظام، وهي ترقى إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الفصل العنصري بموجب
الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية .
خاتمة
هآرتس في نشرت صحيفة 28 آب/ أغسطس 2022 مق لًاللبروفيسور أرنون سوفر تضمّن معطيات ديموغرافية تُبين أنّ هناك تساويًا بين عدد اليهود وعدد العرب الذين يعيشون في فلسطين (بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.) وقد جاء في المقال أنّ هناك ما يقرب من 7454000 يهودي و 7503000 عربي في "أرض إسرائيل" منهم حوالى 0000055 عربيّ في يهودا والسامرة وغزة . تفرض إسرائيل سلطتها الفعلية على جميع هذه الأراضي على الرغم من وجود السلطة الوطنية الفلسطينية التي تتمتع بحكم ذاتي محدود في الضفة الغربية، يُستثنى منها القدس، إذ تمنع إسرائيل السلطة الفلسطينية من ممارسة أيّ مهّم ات إدارية أو غيرها فيها. وهنالك سلطة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في قطاع غزة المحاصر، الذي لا يزال خاضعًا للاحتلال الإسرائيلي بحكم ممارسة إسرائيل السيطرة الفعلية عليه من الجو والبحر والبر، وتحكّمها على نحو مطلق في سجلّ السكّان وحركة الفلسطينيين داخل غزة وعند الخروج منها والعودة إليها، وذلك على الرغم من إعادة التموضع الذي نفّذته في عام 2005، مدّعية أنها انسحبت منه. تنتهج السلطات الإسرائيلية في جميع أرجاء فلسطين سياسة تتمثّل في منح امتيازات لليهود في معظم مناحي الحياة، بينما تميّز ضد الفلسطينيين على نحو مجحف. وبذلك تكون إسرائيل قد أرست نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا ضد الفلسطينيين بالقانون، وذلك عن طريق منظومة تشريعات مدنية وعسكرية متشابكة ومعقدة تقوم على نزع ملكية الأراضي، والتمييز ضد الفلسطينيين والسيطرة عليهم بحرمانهم من المساواة وحقوق المواطنة، وتقييد حريتهم في الحركة والتنقل، وفرض قوانين تنطوي على تمييز مجحف لمنع لمّ شمل العائلات الفلسطينية، واستخدام الحكم العسكري والقيود على الحقّ في المشاركة السياسية وفي المقاومة الشعبية، وإعاقة التنمية البشرية للفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كان هذا الحرمان شديدًا إلى درجة أنه يرقى إلى مستوى الفصل العنصري والاضطهاد، وهما جريمتان ضدّ الإنسانية. يتواصل كل ذلك في ضوء مواصلة إسرائيل رفض أيّ حل للقضية الفلسطينية، سواء أكان حلّ الدولة أم الدولتين، ما يستدعي اندماج كل الفلسطينيين في مشروع وطني فلسطيني يقوم على النضال لإنهاء حالة الاستعمار الاستيطاني ونظام الفصل العنصري في فلسطين، وتحويلها إلى وطن ديمقراطي يضمن مبادئ المساواة والعدالة لجميع مواطنيه، بمعزل عن انتماءاتهم الإثنية، ويحظر التمييز لأيّ سبب كان. ويتعين على الباحثين والكتّاب في سياق ذلك – وخاصة الفلسطينيين منهم - الانغماس على نحو واسع في تكييف النظام الرسمي الإسرائيلي السائد في فلسطين بوصفه نظاَمَ فصٍلٍ عنصريًا تشكّل مع قيام إسرائيل في عام 1948، وطرح الحلول لتفكيكه وإقامة دولة لكلّ مواطنيها.
المراجع
العربية
"اقتراح قانون الأساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي." ورقة موقف. المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل – عدالة 2018/7/16. في https://bit.ly/3ZMRU1d:. ميثاق الأمم المتحدة. سان فرانسيسكو الأمم المتحدة.: 1945/6/26. فh يttps://bit.ly/45zEMOD: الأمم المتحدة، الجمعية العامة. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. باريس 1948/12/10: في https://bit.ly/3RPgxbt:. ________. القرار 1761 (الدورة 17:) سياسة الفصل العنصري التي تتبعها حكومة جمهورية أفريقيا الجنوبية. نيويورك: 1962 في https://bit.ly/45rK3Z6:. ________. لااتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. نيويورك:. 1965/12/21 فh يttps://bit.ly/45cbu8Y: ________. اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. نيويورك:. 1968/11/26 فh يttps://bit.ly/48KqFs3: ________. لااتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة 1973/11/30: في https://bit.ly/44bTI4l:.. نيويورك عليها ________. اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. نيويورك 1979/12/18: في https://bit.ly/3sbAmz0:. ________. حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967: مذكرة من الأمين العام. نيويورك. 2010/8/30: فh يttps://bit.ly/44aj3Mc: الأمم المتحدة، الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان. تقرير المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 (جون دوغارد). جنيف. 2007/1/29: فh يttps://bit.ly/47DQBoJ: ________. تقرير المقرّر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ريتشارد فولك. جنيف:.2014/1/13 بشارة، عزمي. "كم مرة سوف يعلنون قيام إسرائيل؟." تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2018/7/24. فh يttps://bit.ly/46kCLXC: ________. "استعمار استيطاني، أم نظام أبارتهايد: هل علينا أن عمران. مج نختار؟." 10، العدد 83 (خريف.)2021 بشارة، مروان. إسرائيل/ فلسطين: سلام أم فصل عنصري؟ ترجمة وسيم وجدي. القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق، الإنسان 2001 في https://bit.ly/3qIsmp3:. "تجاوزوا الحدّ: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد." هيومن رايتس ووتش. 2021/4/27. فh يttps://bit.ly/3LT8B5g: خمايسي، راسم. "الأرض والتخطيط والعمران." مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2021/4/9. في https://bit.ly/3LNp4I9:. "سياسة التخطيط في الضفة الغربية." مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم.) 2019/2/3. فh يttps://bit.ly/46ipChv: شحادة، رجا. قانون المحتل: إسرائيل والضفة الغربية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية؛ الكويت: جامعة الكويت،.1990 صالح، محسن محمد. القضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخيّة وتطوراتها المعاصرة حتى سنة 2001. بيروت: مركز الزيتونة، للدراسات 2002 في https://bit.ly/3YP67uh:. عصبة الأمم. صك لاانتداب البريطاني على فلسطين. جنيف:
"قانون التسوية لسنة 2016." المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في https://bit.ly/45jzPsA:. في 2016/12/5.)إسرائيل (عدالة "قانون أملاك الغائبين لسنة 1950." المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل – عدالة. في: https://bit.ly/48FtyKJ "قانون شراء الأراضي (المصادقة على العمليات والتعويضات) لسنة 1953." المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل – https://bit.ly/3tnb6qo:عدالة. في كتن، هنري. فلسطين في ضوء الحق والعدل. ترجمة وديع فلسطين. بيروت: مكتبة لبنان،.1970 ________. قضية فلسطين. ترجمة رشدي الأشهب. رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية،.1999
"ليس عرسًا ديمقرطًّيًا، بل أبارتهايد." مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بيتسلم) (تشرين الأول/ أكتوبر 2022 في https://bit.ly/3ZGuXN5:). أركان الجرائم. نيويورك المحكمة الجنائية الدولية.: /9/10-3 2002. فh يttps://bit.ly/3PPrLdo: ناصر، قيس. "التخطيط والبناء في إسرائيل: بين السلطة المركزية والأقلية العربية." قضايا إسرائيلية (المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار.) العدد 54.)2014("نظام الفصل العنصري 'أبارتهايد' الإسرائيلي ضد الفلسطينيين: نظاٌمٌ قاٍسٍ يقوم على الهيمنة وجريمة ضد الإنسانية." منظمة العفو الدولية 2022/2/1. في https://bit.ly/3qwDJAf. "نظام الفصل العنصري 'أبارتهايد' الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين: نظرة على عقود من القمع والهيمنة." منظمة العفو الدولية. 2022/2/1 في https://bit.ly/3reDG8M:. "نظام تفوق يهودي من النهر إلى البحر: إنه أبارتهايد." مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة بتسيلم 2021/1/12.)(في https://bit.ly/3tn9BIo:. نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية. روما. 1998/7/17: فh يttps://bit.ly/3OF0oCt:
العبرية
"تعديل رقم 9 لقانون المواطنة (إلغاء المواطنة جراء إدانة) 2011." 2011(في https://bit.ly/46xOrFR:). الكنيست "قانون أساس: أراضي إسرائيل لسنة 1965 ". قاعدة البيانات القانونية https://bit.ly/3PZKyUJ: في الإسرائيلية. "قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي (قانون القومية.") 2018/7/19. في https://bit.ly/3RQcPyi:. الكنيست "قانون ال 'كيرين كايميت' [الصندوق القومي اليهودي] لسنة ". قاعدة البيانات القانونية الإسرائيلية. 1953 فh يttps://bit.ly/3ZIRfhs: ". بوابة الحكومة الإسرائيلية "قانون التخطيط والبناء لسنة 1965. 1965/8/12 في https://bit.ly/46yleL7:. "قانون التخطيط والبناء: تقييد الكهرباء والماء والهاتف لسنة ". قاعدة البيانات القانونية الإسرائيلية. 1965 فh يttps://bit.ly/3ZHGGuI: "قانون الجنسية لعام 1952 الكنيست.".. 1952/7/14 فh يttps://bit.ly/49nzQhM: "قانون الدخول إلى إسرائيل لسنة 1952 ". قاعدة البيانات القانونية https://bit.ly/45vD4h3:. في الإسرائيلية ". قاعدة البيانات القانونية الإسرائيلية "قانون العودة لسنة 1950. فh يttps://bit.ly/3tiG17b: ". قاعدة البيانات القانونية الإسرائيلية "قانون المواطنة لسنة 1952. فh يttps://bit.ly/48Afouu: "قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (أمر مؤقت.") الكنيست 2003(في https://bit.ly/46hfzJM:). "قانون أملاك الغائبين لسنة 1950 ". قاعدة البيانات القانونية https://bit.ly/3LLXOK2:. في الإسرائيلية "قانون دائرة أراضي إسرائيل (طرد مقتحمي الأراضي) 1981، عدل https://bit.ly/3F2wioc:".. في 2005 سنة الكنيست "قانون دائرة أراضي إسرائيل لسنة 1960 ". قاعدة البيانات القانونية https://bit.ly/46xTE0n:. في الإسرائيلية "قانون شراء الأراضي (المصادقة على العمليات والتعويضات) لسنة الكنيست 1953. في.": https://bit.ly/45gQg9k (بالعبرية) الكنيست "وثيقة الاستقلال لسنة 1948. في https://bit.ly/3rzXaIS:". الكنيست "وثيقة الاستقلال.". 1948/5/14:. في https://bit.ly/3seK97n
الأجنبية
Bisharah, Marwan. Palestine/ Israel: Peace or Apartheid: Occupation, Terrorism and the Future. London/ New York: Zed Books, 2001. Davis, Uri. Israel: An Apartheid State. London: Zed books, 1987. Dugard, John & John Reynolds. "Apartheid, International Law, and the Occupied Palestinian Territory." The European Journal of International Law. vol. 24, no. 3 (2013).
"History of the Question of Palestine: Timeline of Events." United Nations - The Question of Palestine. at: https://bit.ly/48ySHqm International Court of Justice. International Status of South-West Africa: Advisory Opinion of July 11, 1950. The Hague: 11/7/1950. at: https://bit.ly/47yESrv ________. Legal Consequences of the Construction of the Wall in the Occupied Palestinian Territory: Advisory Opinion of July 9, 2004. The Hague: 9/7/2004. at: https://bit.ly/3YEzord Jackson, Miles. "The Definition of Apartheid in Customary International Law and the International Convention on the Elimination of All Forms of Racial Discrimination." International & Comparative Law Quarterly. vol. 71, no. 4 (2022). at: https://bit.ly/45CfgZk Mansour, Camille (ed.). The Palestine Yearbook of International Law. Leiden: Martinus Nijhoff,
Muhareb, Rania et al. Israeli Apartheid: Tool of Zionist Settler Colonialism. Ramallah: Al-Haq, 2022. at: https://bit.ly/46xKPUw "Russell Tribunal on Palestine: Findings of the South Africa Session." Third International Session of Bertrand Russell Peace Foundation. Cape Town, 5-7 November 2011. at: https://bit.ly/3QJQe64 Sayegh, Fayez. Zionist Colonialism in Palestine. Beirut: PLO Research Centre, 1965. The Covenant of the League of Nations 1919." League of Nations-Official Journal (February 1920). at: https://bit.ly/46Aispf "The Natives Land Act of 1913." South African History Online. at: https://bit.ly/3qIcZwz Tilley, Virginia (ed.). Beyond Occupation: Apartheid, Colonialism, and International Law in the Occupied Palestinian Territories. London: Pluto Press, 2012. U.S. Supreme Court. Trop V. Dulles, 356 U.S. 86 (1958). Washington, DC: 2/5/1957. at: https://bit.ly/3PKDYjT United Nations International Law Commission. "Draft Articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts, with commentaries." Yearbook of the International Law Commission. vol. 2, Part 2 (2001). at: https://bit.ly/44gh1dA United Nations, General Assembly. Establishment of UN Special Committee on Palestine (UNSCOP): GA first Special Session, Resolution 106 (S-1): Special Committee on Palestine. 1 st Special Session. New York: 15/5/1947. at: https://bit.ly/3tjXvje ________. Majority Plan (Partition), Minority Plan (Federal State): UN Special Committee on Palestine (UNSCOP) Report. New York: 1947. at: https://bit.ly/468oixI ________. Israel Membership in the UN – GA Resolution 273 (III). Admission of Israel to Membership in the United Nations. New York: 11/5/1949. at: https://bit.ly/3timN1l ________. International Convention on the Suppression and Punishment of the Crime of Apartheid. New York: 1973. ________. Statement of H.E. Miguel D'escoto Brockmann, President of the United Nations General Assembly, at the 57 th Plenary Meeting on Agenda Item 16, the Question of Palestine. New York: 24/11/2008. at: https://bit.ly/47A67Cb