في الثقافة والحداثة وأزمات الانتقال الديمقراطي:

Abdelwahab El-Affendi عبد الوهاب الأفندي |

تفكيك نظرية التحديث وإعادة تركيبها، عن كتاب عزمي بشارة "الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة"

عنوان الكتاب: لاانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. المؤلف: عزمي بشارة. سنة النشر:.2020 الناشرر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات: 624 صفحة.

On Culture, Modernity, and the Crises of Democratic Transition:

Deconstructing and Reconstructing Modernization Theory: On Azmi Bishara's Book "Problems of Democratization: A Comparative Theoretical and Applied Study"

مقدمة

يمكن أن يُنظر إلى كتاب عزمي بشارة لاانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة على أكثر من مستوى، فهو من جهة يصلح كتابًا مدرسًّيًا Textbook؛ لأنه يقدّم مداخل مختصرة وواضحة لكثير من مسائل السياسة المقارنة، بدءًا من الديمقراطية وتعريفاتها وشروطها، وتاريخها وأهم المساهمات النظرية التي عالجت منشأها ومتطلباتها وتحدياتها، مرورًا بأساسيات نظرية التحديث التي يقدّمها خلفيةً للسجالات السياسية في نشأة الديمقراطية ومقومات استمراريتها. هذا فضلًاعن أنه يُعِّفرِ بالعديد من المدارس التحليلية في العلوم السياسية، منها المدرسة المؤسسية الأصيلة والجديدة، والتحليلات الراديكالية الماركسية وتفرعاتها في نظرية التبعية وغيرها. ويندرج في هذا دور البرجوازية في التحديث والانتقال الديمقراطي معًا، وعلاقة كل ذلك بالرأسمالية. ويدلف إلى قضايا محورية أخرى، مثل الشرعية ومصادرها وتقلباتها، ودور الثقافة السياسية في نشأة الديمقراطية أو استقرارها، وإشكاليات التعددية الثقافية ومزاياها من زاوية دعم الديمقراطية أو تقويضها. ويتناول الكتاب كذلك طبيعة دراسات الانتقال الديمقراطي ونشأتها، والخلفيات الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي نتجت منها، ومدارسها المختلفة، ويتتبع التطورات في داخل هذا التخصص من السياسة المقارنة، ومحاولاته القطيعة مع نظريات التحديث، ثم يورد ما تعرّض له النموذج من انتقادات، مع مناقشة الردود عليها في هذه السجالات. وفي الأثناء، يتناول بشارة تطبيقات التنظير في هذا المجال في الشأن العربي، قبل أن يقوم في القسم الأخير من الكتاب بعملية معاكسة، وهي تقديم استنتاجات نظرية من الواقع العربي. لكل هذا، يصبح مطالع الكتاب في نهاية جهده مطّلعًا على معظم ما يحتاج باحث الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية إلى الاطلاع عليه: أهم النظريات في الديمقراطية والانتقال الديمقراطي، وأهم السجالات النظرية في هذا الجانب من السياسة المقارنة، وأهم مساهمات المنظّرين والنظريات والقضايا المطروحة... إلخ. ومن المهم لمدّرسّي السياسة المقارنة ودارسيها أن يجد الباحث بين دفتي كتاب واحد كل هذه المعلومات، خاصة حين تكون مصحوبة بتناول نقدي للمقاربات. وهذا يقودنا إلى الجانب الآخر من الكتاب، وهو مساهماته النقدية (الراديكالية في كثير من الأحيان) تجاه هذه الحصيلة من المساهمات التي شكّلت العلوم السياسية خلال عقود، بل خلال قرون. فالمتابع للملاحظات الموزعة على فصول الكتاب بالخط البارز، لا يجد فيها تلخيصات كافية لأهم خلاصات السجالات فحسب، بل في معظم الأحيان "قنابل متفجرة" تعيد صياغة كل ما سبق في قالب جديد. كثير من هذه الملاحظات يصلح لكتابة كتاب جديد، أو على الأقل ورقة جديدة. من ذلك ما يصفه ب "الربط الخاطئ" عند سيمور مارتن ليبست وآخرين في شأن "علاقة رسوخ النظام الديمقراطي بطبيعة نشأته"، وكون هذا الخطأ هو أساس "المنشأ النظري لدراسات الانتقال"، وليس مقاربة دانكوارت روستو التي جاءت بعدها بعقدين من الزمان، "حتى لو لم يعترف بهذا المنشأ منظّرو الانتقال الديمقراطي المتأخرون" (ص. 0)5، فنحن هنا أمام نقض مزدوج لأساسيات نظريات التحديث وسردية نشأة علوم الانتقال، مع نسبة هذه النشأة إلى خطأ غفل عنه المختصون. وهذا قد يكون نقطة بداية لسجال يملأ كتبًا. ونشجّع الباحثين الشباب العرب وغيرهم على أن يقبلوا هذا التحدي. وهناك ملاحظات لا حصر لها من هذا النوع وعلى هذا المستوى؛ ما يجعل هذا العمل نقدًّيًا بامتياز. وهذه ميزة نادرة؛ أن يجمع الكتاب بين الطبيعة المدرسية وهذا المستوى النقدي القوي، في تداخل سلس بينهما.

الثقافة السياسية والعامل الخارجي

ليست هناك مساحة في هذه العجالة لتتبع كل النقاط المهمة، ولكن سأكتفي بتناول موضوعين، هما سجالات الثقافة السياسية، التي جرى تناولها بعمق هنا، وكذلك دور العامل الخارجي في الانتقال، وهو ما تهمله معظم المصادر، ثم أ تبع ذلك بتناول نقد نظرية التحديث وعلاقتها بدراسات الانتقال. فالقارئ لهذا الجزء من الكتاب يتابع عملية معقدة في تفكيك كامل لنظرية التحديث، ثم إعادة بنائها من جديد. بل يكاد الأمر يكون أشبه بقيادة شاحنة ضخمة في قلب النظرية. ولكن المساهمة الأهم هي في إعادة التركيب. فمعروف أن نظرية التحديث تعرّضت لنقد شديد، حتى إنها عُدّت من الماضي. ولكن هذا الكتاب يجمع بين نقد أكثر راديكالية مما سبق، وفي الوقت نفسه، إعادة الاعتبار إلى النظرية في صيغة أكثر تواضعًا. من أهم النقاط التي يتناولها الكتاب مسألة الثقافة السياسية، وأهميتها شرطًا مسبقًا للانتقال الديمقراطي وأيضًا لاستقرار الديمقراطية. ويرفض بشارة هذا الربط، بداية بتوضيح أنه لا يوجد شعب يحمل ثقافة واحدة مُجمعًا عليها، كما أن الحجج التي تدفع بهذا الربط ضعيفة ولا تثبت علاقة سببية. إضافةً إلى ذلك، تواجه الشعوب في الغالب الإقصاء من السياسة. وما يحدد السلوك السياسي ليس ثقافة بعينها، وإنما التفاعل بين هذه الثقافة والظروف السائدة، بما فيها توجهات الدولة (ص. 409-410)

وفي المقابل، فإن الاعتقاد أن سيادة ثقافة الطاعة لأهل السلطان تحبّذ الاستكانة السياسية، وأن الأنفة تدفع إلى التمرد، قد لا يصدّقه الواقع. فثقافة الطاعة قد تدعم التمرد عبر الطاعة لمن يقوده، وكذلك الأنفة يمكن تحييدها واحتواؤها بإضفاء الوجاهة (الشكلية) على أهلها (ص. 410-411) ويرفض الكتاب كذلك حجج هشام شرابي وعبد الله العروي وغيرهما بأن الثقافة "الأبوية" أو "السلطانية" هي المشكلة في منطقتنا، وهي ما عوّق نشأة ثقافة ديمقراطية عندنا؛ ذلك أنه من الصعب توقّع نشأة ثقافة ديمقراطية في ظل سلطات استبدادية قاهرة. وبالقدر نفسه، تواجه مقولة هذه الفئة من المفكرين إن الديمقراطية لن تزدهر إلا بتطوير الفكر الديمقراطي والممارسة الديمقراطية سؤلًامهمًامفاده: كيف تتأتى الممارسة في ظل استبداد لا يسمح حتى بحرية الفكر والنشاط المدني؟ (ص. 413-414) ويمكن أن نضيف هنا أنه لو كانت الثقافة العربية تحبّذ بالفعل الاستكانة كما يزعم، فلماذا تستخدم أنظمتنا هذا القدر الهائل من القمع الذي لا يوجد له مثيل في العالم، وتستعين بالخارج في ذلك؟ فلو كانت الثقافة السائدة هي الفيصل، فإن نظام الحكم الاستبدادي في أمة ثقافتها استبدادية يجب أن يكون محل إجماع وترحاب. من جهة أخرى، كيف يمكن أن يقال إن أمة مثل الأمة الصربية تقبّلت بثقافتها في وقت ما الأيديولوجيات الاشتراكية واحتضنتها، ثم تبنت في فترة لاحقة توجهًا فاشيًا، وعادت اليوم فتقبّلت الديمقراطية؟ فكيف يمكن أن تصبح الثقافة متغيرًا يحكم التوجهات السياسية؟ يضيف بشارة كذلك الإشارة إلى تأثير البيئة والظروف في أصحاب الثقافة الواحدة، المتمثلة في تطوير المهاجرين البريطانيين إلى أميركا الشمالية ثقافات سياسية متنافسة، بل متناحرة، بين شمال أميركا وجنوبها، كما ظهر في الخلاف على استمرار الرق، على الرغم من الأصول الثقافية والدينية الواحدة، المتمثلة في الأصل الإنكليزي والبروتستانتية واللغة الواحدة (ص. 416) ويتفق هذا مع دراسة جيمس روبنسون ودارون عاصم أوغلو عن التطور السياسي لمجتمعات ذات خلفية ثقافية واحدة، بل كانت موحدة، كما في مناطق على الحدود الأميركية - المكسيكية، وبين شطري كوريا وألمانيا 1. ويخلص بشارة إلى أن الثقافة السياسة هي نتيجة للممارسة السياسية ونوع من التأقلم معها، وليست السبب في النتيجة السياسية، أو على أقل تقدير هناك تفاعل ديناميكي بين الاثنين تحكمه عوامل أخرى. ولكنّ بشارة، إذ ينكر العلاقة السببية بين الثقافة السياسية والديمقراطية، لا ينفي تأثيرها في جوانب مهمة، خاصة ثقافة النخب في فترة الانتقال، وتوجّهها نحو الاعتدال وقبول المساومة مع الخصوم (ص. 418-419) ونضيف هنا أن المهم هو ثقة النخب بالجماهير. فرفض قطاع من النخب للديمقراطية منشؤه الاعتقاد أن الجماهير ستصوت للممثلين الخطأ، وتدعم السياسات الخطأ. وبناء عليه، يجب أن تحتكر النخبة السلطة والقرار، وتمارس الوصاية على الشعوب حتى لا يقع هذا المحذور. وقد يرى بعضهم أن الشعوب ربما تتغير بالتعليم والضغط والتوجيه، وتصبح قادرة وراغبة في اتخاذ القرارات "الصائبة." وبالمناسبة، هذه كانت رؤية "الآباء المؤسسين" في الولايات المتحدة الأميركية، ولهذا لم يسمحوا بأن تكون الانتخابات الرئاسية مباشرة، ومنحوا المحكمة العليا حق نقض قرارات الرئاسة والكونغرس معًا. ولكن في الغالب، فإن أصحاب هذا التوجه ينتهي بهم المقام إلى استدامة الوصاية، والترويج لعجز الجماهير الأبدي عن بلوغ الرشد. وهذه هي أيضًا خلفية تشبيهي لوصاية الليبراليين التي نادى بها أمثال فريد زكريا وعدد من "الليبراليين" العرب بصيغة "ولاية الفقيه"، وهو ما اعترض عليه بشارة في هذا الكتاب. ووجه الشبه عندي في الحالين هو أن الليبرالي والفقيه معًا لا يثقان بأن الجماهير يمكن أن تكون "إسلامية" بما يكفي، أو "ليبرالية" بما يكفي، (ويمكن أن نضيف إليهما الاشتراكي الذي يرى الأمر نفسه.) كل هذا يستوجب وصاية "مستبدّ عادل"، في شكل فقيه مؤهل في الحالة الأولى، أو ليبرالي بصير في الحالة الثانية. وقد قدّم زكريا الحكم الاستعماري البريطاني لهونغ كونغ باعتباره النموذج الأمثل لمثل هذه الولاية الليبرالية. وهذا في نظري أشد صرامة من ولاية الفقيه. ينبّهنا الكتاب كذلك إلى وجود رابط بين مقولات تأثير الثقافة وأهمية تأثير العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي، ويذكّرنا بأن هذا عامل يهمله كثير من المنظّرين في هذا المجال. فهناك، من جهة، التفاعل الثقافي وانتشار فكرة الديمقراطية وجاذبيتها (ص. 66-365)3، ومن جهة أخرى ربط السجالات الغربية من مصادرها المختلفة، خاصة عند المحافظين الجدد، الديمقراطيَةَ بمحاربة الإرهاب، خاصة في غزو العراق في عام 2003. ويذكّرنا الكتاب بأن فترة الحرب الباردة شهدت تنافسًا في دعم الأنظمة الاستبدادية الموالية، في حين أصبحت الولايات المتحدة أقل تمسكًا بأوليائها المستبدين بعد نهايتها. ويرتبط هذا أيضًا بديناميكيات إقليمية، خاصة بقيام منظمات مثل السوق الأوروبية المشتركة (ثم الاتحاد الأوروبي)، وما وفّرته سياساته من حوافز للانتقال الديمقراطي، وعوامل ردع ضد التراجع عنها. وقد شمل ذلك دولًاخارج الاتحاد وطامحة إلى دخوله، مثل تركيا (ص. 199) ويخلص الكتاب إلى أن للعامل الخارجي أهمية كبيرة في المجال العربي، ترتبط بالأهمية الاستراتيجية للبلد، خاصة قربه من إسرائيل أو ثراءه النفطي. وفي المقابل، أصبح لروسيا تأثير كبير في محيطها

  1. Daron Acemoglu & James Robinson, Why Nations Fail: The Original of Power, Prosperity, and Poverty (New York: Crown Publishing Group, 2012).

في شرق أوروبا وآسيا الوسطى، وحالًّيًا في المنطقة العربية (سورية وليبيا.) بل إن روسيا (ومعها دول عربية) أصبحت تحاول التدخل في الديمقراطية الأميركية نفسها. ويمكن أن نضيف هنا دور إسرائيل المحوري في هذه الدعاية، بدايةً بربط بنيامين نتنياهو معارضته لاتفاقية أوسلو بنقد السلطة الفلسطينية لعدم ديمقراطيتها، وترويجه (في مواجهة ضغوط أميركية ودولية لتقديم تنازلات للسلام) لأولوية نشر الديمقراطية في العالم العربي؛ لأنه من دون ذلك لن يكون هناك سلام. وبالمثل، تأثر جورج بوش الابن في حملته للشرق الأوسط الجديد بناتان شارانسكي وكتابه حجج الديمقراطية 2004()، كما تبنّى المحافظون الجدد هذه الحجج، وبرروا بها غزو العراق. ولعل المفارقة أن هذا الغزو أنتج تحالفًا بين الدكتاتوريات العربية التي شعرت بالتهديد من هذه الهجمة الأميركية؛ فشهدنا دعم سورية والسعودية وبقية دول المنطقة للتمرد ضد الوجود الأميركي في العراق، بما في ذلك دعم تنظيم القاعدة، كذلك رأينا قيادة إسرائيل الهجمة ضد الثورات العربية، ووصفتها بأنها "ثورة إسلامية"، وتبعها في ذلك حلفاؤها العرب. يمكن أن يضاف إلى هذا أيضًا وجود المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجموعة هلسنكي التي مهّدت للتحول في أوروبا الشرقية. فمواثيق الأمم المتحدة شملت اتفاقيات ومواثيق دولية حول حقوق الإنسان يمكن استخدامها للضغط. فلم تُعُد القيم الديمقراطية مجرد أفكار جذابة، بل هناك آليات دولية تجسدها. وانتقل هذا إلى منظمات إقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي، ومنظمة الدول الأميركية، وأخيرًا الاتحاد الأفريقي وفروعه الإقليمية. وأصبحت هذه المنظمات فاعلة في هذا المجال، حيث رأينا تدخّل الاتحاد الأفريقي ضد انقلاب موريتانيا في عام 2008، وكذلك في انقلاب عبد الفتاح السيسي في عام.2013 إذًا، فالعامل الخارجي يعمل على مستويات عدة فيما يتعلق بنشر الديمقراطية وحمايتها، وهو يعمل إلى حد بعيد ضدها في منطقتنا.

نظرية التحديث

نعود إلى نقطة البداية، وهي نقد نظرية التحديث بوصفها المدخل الكلاسيكي لتفسير التحولات الديمقراطية، وأيضًا باعتبار نظريات الانتقال مثّلت "نقدًا جدلًّيًا لنظريات التحديث" (ص. 35) ويؤكد الكتاب ابتداءً على عدة نقاط تتعلق بالإطار الفوق-نظري للسجالات، بدءًا من الإشارة إلى أن العلوم الاجتماعية الحديثة نشأت في إطار البحث في الانتقالات والتحولات والثورات (ص. 27)، وأن علم الاجتماع على الأخص نشأ "في سياق تفسير الانتقال الأوروبي إلى الحداثة وشروطه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وآثاره في المجتمع والدولة." وهذ يجعل "علم الاجتماع الكلاسيكي برمّته هو نظريات في التحديث والحداثة" (ص. 6-35)3 وترتبط نشأة علم الاجتماع السياسي بقرارات سياسية شجّعت بها الإدارات الأميركية والمجالس العلمية التابعة لها الأكاديميين على دراسة العالم الثالث وعوامل التنمية والاستقرار فيه، في إطار الحرب الباردة طبعًا (ص. 7-36)3 وقد صُوّرت الحداثة في هذه الدراسات على أنها نقلة راديكالية مما سمي "المجتمع التقليدي" في اتجاه سيطرة أكثر على الطبيعة، وتنظيم المجتمعات "عقلانيًا" لزيادة الفاعلية المجتمعية. ونتج عن ذلك تمايز الوظائف والبنى المجتمعية، وزيادة نسبة التمدين والتعليم والتصنيع ونمو وسائل الاتصال، مع تمايز البنى السياسية من الاقتصادية، والمؤسسات الدينية من غيرها، ومرونة الحراك الوظيفي والمكاني، ونشأة أطر جديدة للحراك والتعاون الاجتماعي. وأدى هذا بدوره إلى بروز ملامح جديدة في "الشخصية الحداثية"، وهي شخصية تتميز باستقلالية وعدم التصاق بالبنى التقليدية، مثل العائلة الممتدة أو العشيرة، مع قدرة على فهم الآخر، والانسجام مع أطر التعاون الجديدة من المنظمات المدنية وغيرها، والميل إلى الانخراط في الشأن العام، والتطلع إلى المساواة. وفي هذه المجتمعات، تصبح الكفاءة، لا العلاقة، هي معيار التوظيف، وتتمايز بيروقراطية الدولة عن النخب السياسية (ص. 40-48) ركزت الدراسات المبكرة للتحديث على تضافر عوامله الإيجابية، وتزايد فاعلية المجتمعات وتخلصها من أنماط التفكير العقيمة والسلوكيات الضارة، ومن ثم تمهيد الطريق إلى الديمقراطية، التي تعد أفضل أنواع الحكم، وربطت بين ظروف نشأة النظام الديمقراطي وشروط ترسيخه، ورأت أن الشروط التي تسمح باستدامة الديمقراطية (وهي منظومة التحديث ومؤشراتها) هي عينها الضرورية لنشأتها. وهذا خلط أساسي، حيث إن الديمقراطيات أخذت تتبلور في دول افتقدت إلى الكثير من مؤشرات "الحداثة" (من مستوى دخل مرتفع، وتصنيع، ومستوى تعليم... إلخ)، بل كانت الغالبية الساحقة من سكانها من المزارعين وأهل الريف، وجلّهم من الفقراء غير المتعلمين (ص. 65) وإذا كان الكتاب يسلّم بعلاقة واضحة (مستخدمًا المنهج الكمي هنا) بين رسوخ الديمقراطيات ومؤشرات مستوى الدخل والتعليم، فإنه يرى أن هذا المؤشر غير كاٍفٍ لتفسير النشأة، لعدم وضوح العلاقة السببية وقطعيتها، ولوجود استثناءات مهمة (ص. 81)، وينتهي إلى محورية إرادة الفاعلين السياسيين، وهو محور اهتمام دراسات الانتقال، ولكن هذا العامل وحده ليس كافيًا أيضًا.

يناقش بشارة فرضية ليبسيت بمحورية التسوية مع القوى القديمة النافذة لضمان الاستمرارية وتعزيز شرعية الديمقراطية (الَمَلكيات الدستورية نموذجًا)، ولكنه يورد أمثلة تشكّك في هذه الدعوى (ص. 87-89) وفي المقابل، هناك شواهد من تاريخ أوروبا والحالة العربية على أن تعنت النخبة القديمة المتنفذة قد يؤدي إلى الثورات والانقلابات. فحتى الدول التي تقَّدَم بوصفها نموذجًا للتوافق والاستمرارية والتدرج الحميد في بناء الديمقراطية (مثل بريطانيا والولايات المتحدة) نجد أنها لم تخُلُ من الحروب الأهلية والعنف. على أنه ليس كل القضايا يمكن أن تُحسم بالمساومة، خاصة في ظل شروخ مجتمعية أو أيديولوجية عميقة. وقد يبدو الصراع العلماني الإسلامي من هذا النوع، إلا أن بشارة لا يرى أنه يستعصي على الحل، خاصة إذا جرى تجنّب بعض مواطن التناقض الكبرى، مثل التدخلات في الشؤون الخاصة والمسّ بالكرامة (ص. 89-98) ويمكن أن نضيف أنّ الوصول إلى تفاهم، حتى في مثل هاتين الحالتين، ممكن. وعلى سبيل المثال، فإن مسألة الرق في الولايات المتحدة على الرغم من أنها أدت إلى حرب، فإنها نتجت منها فيما بعد توافقات. يخلص بشارة إلى استحالة نسخ التجارب الغربية الأولى في الديمقراطية بسبب تغير الظروف، مع التذكير بأن ذلك الانتقال سبق كثيرًا مظاهر الحداثة ومؤشراتها. ولم يعد ممكنًا أن يجري الانتقال إلا عبر انفتاح من أعلى، أو ثورات تتفجر. ويشير إلى أن معظم رواد نظرية التحديث عادوا عن اشتراط المتطلبات البنيوية المسبقة، وتقاربوا مع منظّري الانتقال باشتراط الإرادة السياسية له. إلا أنه يرى مشكلة في بعض هذه "المراجعات"، خاصة ما وصفه بالخطأ "الثقافوي" عند ليبسيت وهو يحاول توسيع نطاق نظرية التحديث بإضافة عناصر من خارج العوامل الاقتصادية باستعادة ربط ماكس ڤيبر التطور الرأسمالي بالبروتستانتية. ويرفض بشارة هذا الزعم، مؤكدًا أن "سلوك البشر لا تحدده نصوص الديانات وعقائد المذاهب، بل أنماط ممارسة الدين التي تتشابه بين الديانات المختلفة، والتي تساهم في بلورتها عوامل عدة، منها البنية الاجتماعية والأعراف الموروثة وطبيعة نظام الحكم السائد، والعقيدة أيضًا والمذهب." ويضيف: "أما علاقة الدين بالديمقراطية فلا تتوقف على نوع الدين أو المذهب، بل تتوقف على نوع العلمنة التي مرّت بها البلاد، وأنماط التديّن الجديدة التي نجمت عن تفاعل العلمنة والتحديث مع أنماط التدين والثقافة الدينية السائدة، ومستوى التطور الاجتماعي في زمن العلمنة" (ص. 124) وهذه الخلاصات العميقة هي من النوع الذي قلنا إنه يحتوي اكتشافات مهمة تنقض مقولات رائجة، ويحتاج إلى كتب لمناقشته. وبعد أن يعترف الكتاب لبعض جوانب نظرية التحديث بشيء من المشروعية، مؤكدًا أهمية الشروط الاقتصادية الاجتماعية والثقافية في تحديد مسارات التحولات الديمقراطية، يذكّر بصعوبة "إنتاج معادلة عامة تتيح التنبّؤ بنشوء الديمقراطية"، وذلك بسبب كثرة هذه العوامل وتداخلها. ثم يضيف نقطة أخرى صاعقة: "بذلك لا تمكّن النظريات الاجتماعية الباحثين دائمًا من وضع قاعدة يمكن التنبؤ بموجبها، ولا يجوز الاستعجال في تحديد الاستثناءات في غياب تلك القاعدة. ولهذا لا يصحّ الحديث عن استثناء عربي مثلًافي الانتقال إلى الديمقراطية لأنه لا توجد قاعدة أصلًا" (ص. 125) نحن هنا أمام تناول معمّق ومتشعب، يتقّص ىنظرية التحديث، ثم يُخضعها لنقد عميق يودي بمعظم مقولاتها، قبل أن يعيد تأهيل النظرية في صورة أكثر عقلانية وواقعية، معترفًا لها ببعض القدرات التفسيرية في مجال نظرية الديمقراطية. هذه نماذج ومقتطفات تشير إلى ثراء هذه المعالجة لقضايا الانتقال الديمقراطي، ليس بالمعلومات والتحليل والتناول النقدي المعمق للمجال فحسب، ولكن بمثل هذه الكنوز الصغيرة المنشورة في ثناياها، بما تدحضه من مقولات رائجة في جمل صغيرة، تطرح في الوقت نفسه عددًا لا حصر له من الأسئلة. وقد يفجّر بعض "الثوريين" تلك القنابل الصغيرة التي تفجر المقولات، وينتج منها في الوقت نفسه أضواء ساطعة.

المراجع

الأجنبية

Acemoglu, Daron & James Robinson. Why Nations Fail: The Original of Power, Prosperity, and Poverty. New York: Crown Publishing Group, 2012.