"الحركة القومية الكردية: نشأتها وتطورها"

Hoger Taher Tawfiq هوَكَر طاهر توفيق |

الملخّص

* أستاذ التاريخ، مساعد رئيس الجامعة، جامعة نوروز، دهوك، إقليم كردستان العراق.

Professor of History, University's Vice President, University of Nawroz, Duhok, Kurdistan Region of Iraq. Email: hoger.tawfiq@nawroz.edu.krd

. Kurdish National Movement: Its Origins and Development عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: الحركة القومية الكردية: نشأتها وتطورها. المؤلف: وديع جويدة. المترجم: مجموعة من المترجمين. إشرراف وتدقيق: غازي برو. سنة النشر:.2013 الناشرر: بيروت: دار الفارابي؛ أربيل: دار آراس. عدد الصفحات: 716 صفحة.

"Kurdish National Movement: Its Origins and Development"

مقدمة: عن الكتاب والمؤلف

مؤلف الكتاب هو الباحث والأكاديمي وديع إلياس جويدة 2001-1916()، أميركي من أصل عراقي، وُلد في مدينة البصرة في جنوب العراق، لعائلة مسيحية، انتقلت في ما بعد إلى بغداد. سكن آل جويدة في الأصل في كردستان، ونزحوا قديمًا إلى جنوب العراق. حصل على البكالوريوس في القانون من جامعة بغداد في عام 1942، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية، وحصل على الدكتوراه من جامعة سيراكيوز University Syracuse، في نيويورك، في عام 1960. وبعدها، عمل أستاذًا للتاريخ في جامعة إنديانا University Indiana في الفترة 1985-1960، ثم في جامعة كاليفورنيا 1990-1985()، وعمل أيضًا مستشارًا للشؤون الكردية والشرق الأوسطية لدى الرئاسة الأميركية في أواخر سبعينيات القرن العشرين وبداية ثمانينياته. الكتاب، في الأصل، هو أطروحة دكتوراه، حملت العنوان نفسه، لكنها لم تُنشر بصيغتها الأصلية، باللغة الإنكليزية، في حياة المؤلف، على الرغم من ريادتها في دراسة الحركة القومية الكردية وكثرة طلب الباحثين في الشؤون الكردية إيّاها. نشُرت، أولًا، مترجمة إلى اللغة التركية في عام 1999، ثم طُبعت بلغتها الأصلية الإنكليزية في عام 2006، وُتُرجمت إلى العربية في عام.2013 يتحدث جويدة، في مقدمة الكتاب، عن بدايات اهتمامه الأكاديمي بتاريخ الشعب الكردي، فيقول: "اهتمامي بالكرد بدأ عاَمَي 1944-1943، حين كنُتُ أشغل منصب مفتش التموين للمحافظات العراقية الشمالية الخمس، التي - هي وحدها من بين المحافظات العراقية الأربع عشرة - تضم المناطق الكردية. كانت مهمتي تقضي بأن أتجوّل كثيرًا في إقليم كردستان، وجعلتني على تواصل مباشر مع الشعب الكردي، وعلى مستوياته كلها، بمن فيهم المسؤولون الحكوميون وزعماء القبائل ورجال الدين" (ص. 23) وهذا يكشف عن أن جويدة كان مهتمًابالبحث في تاريخ الكرد منذ وقت مبكر من حياته. وقد أسهم قربه هذا من الشعب الكردي، إلى جانب المادة العلمية التي تمكّن من الحصول عليها، من وثائق ومذكرات وكتب، في أن يفهم المشكلة الكردية بصورة أعمق وأشمل. ولعل هذا كان أحد العوامل التي أسهمت في المكانة التي حازها الكتاب في الدراسات الكردية، فضلًاعن ريادته. يحدد الأنثروبولوجي الهولندي مارتن فان بروينيسن Bruinessen van Martin -1946()، في مقدمته للطبعة الإنكليزية للكتاب، أهمية الكتاب باعتباره (على الرغم من أن الأطروحة الأصل كُتبت قبل الحدث المفصلي الكبير في القضية الكردية، أي ثورة أيلول/ سبتمبر 1961، واستندت إلى أبحاث ميدانية في الخمسينيات) يقدّم ملاحظات مهمة جدًا عن الحركة القومية الكردية، لا تجعل أهميته تاريخيةً فحسب، بل تجعله إطارًا أساسيًا لا غنى عنه لدراسة هذه الحركة أيضًا (ص. 10) يحتوي الكتاب، فضلًاعن مقدمة وخاتمة وملاحق، على ستة عشر فصلًا. يعرّف المؤلّف في الفصول الأولى بالشعب الكردي بوجه عام، ثم يتحدّث بالتفصيل عن تاريخ الحركة التحررية القومية الكردية، بدءًا من انتفاضة الشيخ عبيد الله النهري 1883-1826() في عام 1880، مرورًا بالعديد من الحركات الكردية في العراق وإيران وتركيا، ليتوقف في عام.1959 اعتمد المؤلّف في مصادره، على نحو أساسي، على الوثائق البريطانية الرسمية، وكتب الرحّالة والسياسيين البريطانيين الذين زاروا كردستان وعملوا فيها. وتأتي في الدرجة الثانية مؤَّلَفات المؤرخين والسياسيين الكرد الذين كتبوا عن قضيتهم في تلك البلدان، وكذلك بعض الوثائق والمراجع باللغات التركية والفارسية والفرنسية. ولذلك يظهر، عند تتبّع فصول هذا الكتاب، أن المؤلّف قد فصّل أكثر في تاريخ كرد العراق، في مقابل تاريخهم في الدول الأخرى، وذلك راجع بطبيعة الحال إلى أن غالبية المادة العلمية التي اعتمد عليها بريطانية. ما يميز طرح جويدة في القضية الكردية، في تقديري، هو معرفته وخبرته في اختيار النصوص من المصادر التاريخية ومناقشتها ومقارنة المعلومات بعضها ببعض. وبهذه الطريقة، يحاول، قدر الإمكان، الوصول أو التقرّب من الحقيقة التاريخية، من دون أيّ مؤثّرات أخرى، بل إن طريقة بحثه جعلت العديد من الباحثين المهتمين بالقضية الكردية يقلّدون طريقته في منهجه التاريخي ويسيرون على خطاه. تركز هذه المراجعة على أطروحات الكتاب ومقولاته الأساسية، بغضّ النظر عن مكانها وتسلسلها فيه.

الكرد: تاريخًا وجغرافيا وثقافة

يبحث جويدة، بدايةً، في أصل الكرد وتسميتهم وجغرافيتهم القومية. وُيُشخّص أنهم قومية مستقلة بذاتها، لديها السمات القومية كلها الموجودة لدى القوميات الأخرى، من لغة وعادات وتقاليد. ويستشهد، هنا، بنظرية المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي Minorsky Vladimir 1966-1877() التي يرى فيها أن الكرد هم من سكنة هذه المنطقة القدماء، وأنهم أحفاد الأقوام التي عاشت فيها منذ ما يقارب ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد. وعلى الرغم من أنهم يشكّلون مجموعة إثنية كبيرة في غرب آسيا، فإنهم لا يزالون يفتقرون

إلى الحياة الحضارية، بما لهذه الكلمة من مفهوم عصري، فُيُشبّههم أحيانًا بالعشائر الإسكتلندية خلال القرن السابع عشر (ص. 21-22) ويشخص أن افتقار كردستان إلى الوحدة الطبيعية أوجد فوارق في لهجات اللغة الكردية، إلى الدرجة التي يتصوّر من خلالها العديد من الباحثين والمؤرخين أن تلك اللهجات ربما تكون لغات مستقلة بذاتها، إضافة إلى تأثير ذلك في الحياة السياسية للكرد ووحدتهم القومية. ويرى أن ظهور الكرد بقوة على المسرح التاريخي كان في عصر الفتوحات الإسلامية، فيقول: "يمكن القول إن الكرد خرجوا إلى التاريخ مع الفتوحات العربية؛ إذ أخذ الكتّاب العرب يتحدثون عنهم وعن واقعهم السياسي والاجتماعي بخاصة، وإن مقاومتهم خلال الفترة الأولى للفتوحات العربية، جعلت الكتّاب العرب يهتمون بهم، ويهتمون بالتعرف إليهم عن كثب، كي يتمكّن القادة العرب من التعامل معهم فيما بعد. من هنا، فمعلوماتنا عن الكرد مستمدة إلى حد بعيد من الكتابات العربية التي قدّمت لنا سردًا واقعيًا ودقيقًا عن أدبياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، بالإضافة إلى جغرافية بلادهم" (ص. 7)5 ولذلك، يُسمّي العصر الإسلامي بالنسبة إلى الكرد "عصر القوة الكردية"؛ إذ أسس الكرد في عصر الخلافة العباسية إمارات حكمت أراضَيَ واسعةً من كردستان والعالم الإسلامي، فكان بروز السلالات الكردية المحلية الحاكمة في القرون التاسع والعاشر والحادي عشر بعد الميلاد جزءًا من ظاهرة عامة تجلّت في أرجاء الأراضي الإيرانية كلها في الخلافة الشرقية. ثم يتناول حياة الكرد الدينية التي تتمتّع بتنوّع ديني وطائفي، فإلى جانب الديانات التوحيدية الثلاث، هناك الأيزيدية والصارلية والقزلباش (أبناء طريق الحق)، ويبّي ن اعتناق الكرد للديانة الزرادشتية، قبل الإسلام، إلى جانب الوثنية والمسيحية. ويذكر، بحسب المؤرخين المسلمين، أن المسيحية انتشرت بين الكرد في القرن الثالث الميلادي (ص. 68-75) ثم يتحدّث عن دور شيوخ الدين الكبير في الحياة الاجتماعية والسياسية الكردية، ويذكر أن سلطتهم وظهورهم لم يتعدّيا أكثر من مئة سنة، وتحديدًا بعد انهيار الإمارات الكردية، ويلاحظ أن "معظم العائلات المشيخية، بلا استثناء، هي عائلات وافدة، لا تنتمي إلى أيّ قبيلة، وحتى لم تولد في المكان الذي اكتسبت شهرتها فيه" (ص. 135) أما التنظيم الاجتماعي للكرد فيقوم على أساس القبيلة. وفي هذا الإطار، يقسّم جويدة الكرد فئتين أساسيتين: الفئة الأولى هي رجال القبائل الذين يعيشون حياة البداوة أو ما يشبهها، ويهتمون بتربية الماشية والدفاع عنها، وفي العادة، هم الذين يسيطرون على الحكم. أما الفئة الثانية فهي الفلاحون الذين يشكّلون غالبية الشعب، وهي الفئة المحكومة (ص. 87) ويفّس رحضور القبيلة لدى الكرد تاريخيًا، الذي بدأ مع انهيار الإمارات الكردية في منتصف القرن التاسع عشر، ما سبّب انهيارًا للنظام السياسي الكردي الذي كان يحكم كردستان طوال أكثر من خمسة قرون، ولم تستطع الدولة العثمانية ملء هذا الفراغ الذي شغلته العشائُرُ الكردية التي احتمت غالبية الكرد في ظلّها. يضيف جويدة: "إن النسق السياسي المستقل الجامع للكرد لم يشهد يومًا تطوّرًا في اتجاه تخطّي المرحلة القبلية"؛ فالمجتمع الكردي يتميز بتمسّكه الشديد بالرابط القَبلَي الذي أثبتت الأحداث أنه أقوى كثيرًا من الرابط الديني. وهو ميل، وإن بدا أول وهلة غيَرَ مألوف في منطقة الشرق الأوسط، يعكس واقعًا حقيقيًا قائمًا، بخلاف ما يبدو في الظاهر، فمثلًا، قبل الحرب العالمية الأولى، على الضفة اليسرى لنهر الزاب، كانت تعيش قبيلة الهرتوشي البدوية الكردية الكبرى، جنبًا إلى جنب مع قبيلة التيارية المسيحية، بسبب تحدّرهما من نسل واحد، وكانتا تحاربان معًا المسيحيين النساطرة والكرد المسلمين المقيمين على الضفة اليمنى من النهر نفسه. وهناك أمثلة مهمة أخرى في هذا الصدد (ص. 101-102) حاز موضوع المرأة الكردية ومكانتها في المجتمع الكردي اهتمام جويدة، فيقول: "يكاد جميع الباحثين يُجمعون على أن المرأة الكردية تتمتع بمقدار كبير من الحرية، مقارنة مع المرأة العربية. فالمرأة الكردية، خلافًا عن جميع النساء المسلمات، لا تعاني من العزلة، ولا ترتدي الحجاب أو البرقع، إنها تختلط بالرجال، وتمزح معهم بحرّية وبلا خجل، وليس كغيرها من النساء اللواتي فرضت الُعُزلة عليهن." وبناء عليه، يرى أن الكرد، من هذه الناحية، يشبهون شعوب أوروبا الشرقية، أكثر مما يشبهون شعوب منطقة الشرق الأوسط (ص. 120)

الكرد في العصر الحديث

يخصص جويدة مساحة كبيرة من كتابه للحديث عن الكرد وكردستان في العصر الحديث، بدءًا من القرن السادس عشر، حيث تحوّلت كردستان - طوال ثلاثة قرون تقريبًا - إلى مسرح للنزاع العثماني - الصفوي، وتحوّل الشعب الكردي إلى وقود له. ويرى أن أول عملية تقسيم فعلية لكردستان تعود إلى معاهدة زهاب، بين السلطان العثماني مراد الرابع والشاه الصفوي صفي الدين، في عام 1639، التي قُسّمت بموجبها بلاد الكرد "إلى الأبد"، بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية. ويستعمل جويدة، هنا، تعبير "إلى الأبد"، للإشارة إلى أن كردستان قُسّمت رسميًا في ذلك التاريخ، ولا تزال مقسّمة، ليس بين الأتراك والفرس فحسب، إنما بين أربع دول الآن: تركيا وإيران والعراق وسورية.

وقبل الانتقال إلى الحديث عن ظهور الفكرة القومية بين الكرد، مُيّ هّد جويدة لذلك بالحديث عن الإمارات الكردية في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ومع أن هناك العديد من الإمارات الكردية، فإنه يركّز على إمارتين كرديتين فقط، هما: الإمارة السورانية في عهد الأمير محمد باشا، والإمارة البوتانية في عهد الأمير بدرخان بك، اللتان شهدتا قمة الصعود الكردي في تلك المدة. وعلى الرغم من بعض السلبيات التي رافقت مسيرتهما في طريق صعودهما نحو التوسع وتأسيس إمارة أو دولة كبيرة، فإن هذا لا ينفي أنه كان لهما دور كبير في تاريخ الكرد خلال العصر الإماراتي في كردستان الذي امتد أكثر من خمسة قرون. الحركة القومية الكردية والبحث عن الدولة: البدايات. يُشخّص جويدة أنه، استنادًا إلى المعطيات التاريخية والوثائق الرسمية، ظهرت الفكرة القومية بين الكرد، أول مرة، في انتفاضة الشيخ عبيد الله النهري. وقد كان السبب الأول والرئيس لاندلاعها هو رغبة قائدها في تأسيس دولة تكون حدودها التاريخية أرَضَ الكرد "كردستان" (ص. 204) وقبل ذلك، أدّت عوامل عديدة إلى ظهور عدد من شيوخ الدين، واضطلاعهم بدور سياسي في تاريخ كردستان، بعد سقوط الإمارات الكردية، في منتصف القرن التاسع عشر، منها: ظهور فراغ في السلطة في كُردستان بعد سقوطها وعدم تمكّن الدولة العثمانية من ملئه. وقد أدى هذا الوضع إلى انفلات الوضع الأمني، الذي يرى جويدة أنه نتيجة إخفاق الحكومة العثمانية في ملء الفراغ الذي حدث بسبب تصفية القيادة الُكُردية المحلية القوية. ويبدو أن الحل الوحيد أمام الحكومة العثمانية لمعالجة الوضع تمثّل في إرسال الحملات التأديبية الدورية ضد مثيري الشغب. وقد ضمّت هذه الحملات وحدات قبلية كبيرة، سبّبت مرارًا في انهيار حكم القانون والنظام. وقد فشلت الحملات في غالبية الأحيان في تحقيق أهدافها، لذا لم تخضع معظم المناطق المضطربة للسلطات العثمانية على نحو دائم. وكثيرًا ما أدّت هذه الحملات إلى المزيد من أعمال العنف وسفك الدماء وازدياد الصراع بين القبائل. ولم يكن ممكنًا تحمّل هذا الوضع طويلًا؛ إذ تفّش ىالافتقار إلى الأمن، وتوقفت التجارة تمامًا، وُدُمّرت أجزاٌءٌ واسعةٌ من البلاد، أو شهدت وضع الانحلال (ص. 195-196) وقد كان المسرح مناسبًا لظهور نوع جديد من القادة. وبرز الشكل الجديد غير المألوف للشيخ في كل مكان من مقاعد السلطة، التي كان يشغلها الأمراء الكرد السابقون، لُيُلقي ظلالًاجديدة من السلطة السامية على المناطق المضطربة. وشعر الناس، أول مرة، بقوة أكبر من قوة زعماء القبائل الكرد الصغار المتخاصمين. وُيُفّس رجويدة بهذا السياق صعود شيوخ شمدينان الذين هيمنوا، بإمرة الشيخ عبيد الله، على أجزاء من مناطق خضعت سابقًا لأمراء بوتان وبهدينان وهكاري في تركيا العثمانية، وأردلان في فارس القاجارية. وفي السياق نفسه، طالب شيوخ برزنجة بإرث أمراء بابان، وتمكّن شيوخ بارزان من السيطرة على أرجاء في إمارات هكاري-بهدينان، في حين أفلح شيوخ آخرون، أقل قوةً من هؤلاء، في السيطرة على إمارة بهدينان، وإن كان تبجيل أتباعهم لهم ليس أقل، مثل شيوخ القادرية في بريفكان، وشيوخ النقشبندية في بامرنى (ص. 196-197) يقول جويدة: "ُيُظهر توّل يالشيوخ مركز القيادة الوطنية بين الكرد، ليس التبجيل الكبير الذي كان يُحاط به الشيوخ بسبب شخصيتهم الدينية فحسب، بل يشير كذلك إلى أنه بعد الإطاحة بالأمراء الكرد العظام، لم يكن يوجد زعماء دنيويون للكرد قادرون على امتلاك ما يكفي من القوة والسمعة لملء المقاعد الفارغة للسلطة. ويدل استعداد الكرد لقبول الشيوخ بوصفهم قادة على مدى الحاجة إلى ملء فراغ القوة الذي تركه اختفاء الأمراء، كما أنه يكشف عن الفراغ النفسي الذي أحدثه في العقل القومي الكردي. ومنذ استسلام بدرخان للعثمانيين في عام 1847، كان غياب شخصية بارزة تُجسّد كل الأفكار المتعلقة بصفات الرجولة في مجتمع قَبلَي أمرًا غير طبيعي، وغير مفهوم للكرد. لقد سبّب ذلك عنفًا ضد نظامهم القيمي، وُتُركت بلا تلبية واحدة من حاجاتهم النفسية الأعمق. الُكُرد شأنهم شأن معظم الشعوب البدائية والميّالة إلى القتال، من عباد الأبطال الراسخين. تاق أفراد هذا الشعب الضيّق التفكير الذي كان لا يزال في عصره البطولي عمومًا، إلى واحد من أبناء جلدتهم لممارسة السلطة العليا بينهم" (ص. 197) يُحدّد جويدة هدف النهري من انتفاضته ب "توحيد الكرد وتأسيس دولة كردية مستقلة." أما مبعثه فكان بسبب وحدة الكرد وتشكيلهم قومية مستقلة بذاتها عن الترك والفرس، وسوء الحكم التركي والفارسي الذي عاناه الُكُرد كثيرًا، والخوف من اليقظة القومية الأرمنية. دفعت هذه الأسباب بالشيخ إلى إعلان انتفاضته في عام 1880، إذ تمكّن من السيطرة على أجزاء واسعة من كردستان إيران، حتى اقترب من تبريز نفسها. لكن لأسباب ذاتية وخارجية، فشلت هذه الانتفاضة، ولم تتمكّن من تحقيق أهدافها، لكنها تركت بصمة كبرى في التاريخ الكردي تمثّلت في أنها أول انتفاضة نادت بتأسيس دولة قومية كردية (ص. 205)

ثورة "تركيا الفتاة" والحركة القومية الكردية (1908 - 1914)

يقف جويدة عند ثورة "تركيا الفتاة"، أو جمعية الاتحاد والترقي، في الدولة العثمانية في عام 1908، التي شهدت تطوّرين يخصان القضية الكردية، الأول: ظهور جمعيات سياسية كردية، أول مرة، في

التاريخ الكردي، وهي: جمعية التعاون والترقي الكردية، وجمعية نشر المعارف الكردية، وجمعية "هيوا." وقد كانت هذه الجمعيات بداية نشوء الحياة السياسية الكردية، وأدّت دورًا مهمًافي الدفاع عن القضية الكردية، خاصة مسألة إحياء التدريس والكتابة باللغة الكردية (ص. 259-260) أما التطور الثاني فتمثّل في قيام العديد من الحركات الكردية ضد هذه الثورة، ما يعني عودة الكرد مرةً أخرى إلى الحركات المسلحة من جديد ضد إسطنبول، بعدما كانوا في توافق تاٍمٍ معها في أثناء حكم السلطان عبد الحميد الثاني 1909-1876(.) وهكذا، نشأ صراع بين الكرد والأتراك خلال الفترة 1914-1908، تطوّر إلى حد المواجهة العسكرية المباشرة. وُيُجمل جويدة أسباب الصراع في أن (ص:)267-266 موقف تركيا الفتاة نحو الخليفة، والدين عمومًا، حطّم الأسطورة التي اعتزّ بها الكرد كثيرًا، ودمّر الرابطة الأقوى بينهم وبين الدولة العثمانية. ومع سقوط السلطان عبد الحميد، فقد الكرد راعيًا قويًا ومركزًا متمتعًا بالامتيازات، لأنه استخدم السمعة العريضة والقوة الكبيرة لمنصبه في منح التكريم والمزايا للشيوخ والزعماء القبَليين الذين شكّل أتباعهم الوحدات الحميدية. سياسات حركة تركيا الفتاة في فرض المركزية الإدارية والتتريك القسري كان محتّمً عليها أن تؤدي إلى التنافر وال اررع بين الأتراك والكرد. سلسلة الهزائم الدبلوماسية والعسكرية التي مُني بها نظام حركة تركيا الفتاة قوّضت أساس السلطة العثمانية، وأحدثت الفتنة، وشجّعت الكُرد على الاستقلال. ثورة تركيا الفتاة أخفقت في تحقيق وعودها. تشديد النزعة القومية الكُردية وسعي روسيا القوي لكسب القوميين، وأيضًا زعماء القبائل الساخطين، فاقما أسباب الصراع على نحو واسع. اندلعت ضد سلطة إسطنبول الجديدة أربع حركات كردية، هي على التوالي: انتفاضة الشيخ سعيد البرزنجي 1909-1908()، وانتفاضة إبراهيم باشا المللي 1908()، وحركة الشيخ عبد السلام البارزاني الثاني 1914-1908()، وتمرد البدليسيين بزعامة ملا سليم البدليسي 1914(.) وقد انتهت تلك الحركات كلها بالفشل، وقتل أو إعدام قادتها، لكنها أوصلت، بحسب جويدة، رسالة فحواها أن الكرد لم يكونوا راضين عن السلطة الجديدة في إسطنبول، وأن الوضع في كردستان صار أسوأ (ص 269-267،.)282-272

الكرد بعد الحرب العالمية الأولى

يبحث جويدة أيضًا في الجهود السياسية والعسكرية التي بذلتها النخب الكردية بعد الحرب العالمية الأولى في سبيل الحصول على الحقوق القومية وتأسيس دولة كردية. ففي إسطنبول، أسّست جمعية سياسية كردية تحت اسم "جمعية تعالي كردستان"، قادت المفاوضات مع بريطانيا لانتزاع اعتراف منها بدولة كردية، وهو الأمر الذي وعدت به دول الحلفاء في معاهدة سيفر في عام 1920، لكن أدّت التطورات الداخلية في تركيا وظهور مصطفى كمال أتاتورك إلى وأد هذا الوعد. وبعد ذلك، يتحدّث جويدة عن الحركة التحررية الكردية في الدول الأربع: العراق وتركيا وإيران، وبدرجة أقل في سورية. والأبرز في ذلك حركتا الشيخ محمود الحفيد 1924-1918()، التي نتجت بعد إدماج ولاية الموصل في المملكة العراقية الناشئة. يتحدث جويدة بالتفصيل عن أحداث حركَتَي الشيخ محمود الحفيد الأولى في الفترة 1919-1918، والثانية في الفترة 1924-1922. ويبدو من خلال تتبّع هاتين الحركتين أن الحفيد كان قد وِثِق بوعود الحلفاء بشأن حق تقرير المصير، لذلك بادر إلى إعلان دولته من جانب واحد، من دون موافقة البريطانيين الذين كانت لهم اليد الطولى في جنوب كردستان بعد الحرب العالمية الأولى، حتى وصل الأمر بالحفيد - بعد عودته من منفاه في عام 1922 – إلى أن أعلن عن تأسيس "مملكة كردستان"، ونصّب نفسه ملكًا عليها، وذلك في تشرين الثاني/ نوفمبر 1922، من دون موافقة البريطانيين الذين سرعان ما تمكّنوا من القضاء على هذا الكيان الكردي.

حركات بارزان (1931 - 1932، 1943 - 1945)

لم يهدأ الكرد في جنوب كردستان، فبعد حركَتَي الحفيد، سرعان ما اندلعت حركة بارزان الأولى بقيادة الشيخ أحمد البارزاني، في منطقة بارزان في عاَمَي 1931 و 1932، لكن الحكومة العراقية واجهتها وتمكنت بمساعدة القوات الجوية البريطانية من السيطرة على المنطقة، ونفي البارزاني مع عائلته إلى جنوب العراق، ثم إلى مدينة السليمانية. وهنا، يصل جويدة إلى استنتاج أظنّه مهمًا، مفاده أن هذه الحركات ومواجهتها وضعت قيودًا ثقيلة على العلاقات الكردية - العربية، جعلتها تدخل في منعطف خِطِر، وبات الطرفان في خط المواجهة العسكرية، بعدما كانت العلاقات بينهما طبيعية خلال العهد العثماني.

يعرض جويدة في حديثه عن حركة بارزان الثانية 1945-1943() مطالب ملا مصطفى البارزاني من حكومة بغداد، المتمثلة في احترام خصوصية الكرد في الدولة العراقية، من خلال تشكيل كيان سياسي كردي داخل الدولة العراقية، تضمّ حدوده المناطق الكردية كلها، من خانقين إلى زاخو، فضلًاعن مطالب أخرى تتعلق بالثقافة الكردية وإدارة الدولة العراقية. غير أن هذه الحركة لم تتمكن، كذلك، من الصمود أمام الجيش العراقي المدعوم من القوات الجوية البريطانية، إّل اأن الرسالة التي أوصلتها هذه الحركات المتواصلة ضد بغداد هي رفض الكرد الواقع الذي فرضته عليهم بريطانيا بضرورة العيش ضمن حدود الدولة العراقية التي شُكّلت بعد الحرب العالمية الأولى.

الحركة القومية الكردية في تركيا

يتناول جويدة أيضًا الحركة الكردية في تركيا بين الحربين العالميتين، لكن ليس بالسعة نفسها التي خصّصها للحركة الكردية في العراق، وهو أمر يرجع – في تقديري – إلى قلة المصادر عن الحركة الكردية في تركيا، بخلاف نظيرتها في العراق، التي استند في تأريخها إلى كمّ كبير من الوثائق البريطانية. يُسلّط جويدة الضوء على ثلاث حركات كردية اندلعت ضد الجمهورية التركية الحديثة التي أسسها مصطفى كمال على أنقاض الدولة العثمانية. الأولى هي انتفاضة الشيخ سعيد بيران في عام 1925 في ولاية ديار بكر. وعلى الرغم من الجدل الواسع في شأنها، المتمثل في كونها انتفاضة إسلامية ضد تركيا الكمالية العلمانية، أو كونها انتفاضة قومية تُطالب بالحقوق القومية الُكُردية، فإن جويدة يجادل الرأيين، ويصل إلى نتيجة مفادها أن الطابع القومي واضح فيها، فضلًا عن الدافع الديني، فيقول: "طالما كان الكرد عمومًا متعلقين بقوة بقوميتهم. لقد أدّى انتشار الأفكار والمفاهيم العصرية للقومية العقائدية في أوساطهم، وظهور جيل جديد من القوميين المتشددين، إلى جعلهم أكثر حساسية تجاه أيّ محاولة لإرغامهم على التخّل يعن قوميتهم. لهذا السبب، فقد مقتوا وقاوموا نشاطات قمع القومية الكردية وحظر اللغة الكردية، كما عارضوا محاولات فرض اللغة والثقافة التركية، لأن الكردي، حسبما يوحي المصطلح، سيكون مقدّرًا له أن يتحوّل إلى تركي؛ وهذا كان بالطبع مساويًا لإصدار الأمر للكردي بالكفّ عن كونه كرديًا وبانتحال شخصية جديدة" (ص. 497)، ويضيف: "مما لا شك فيه أن سياسات العلمنة والتغريب التركية، على الرغم من عدم الاعتراض عليها من قبل المثقفين الكرد، كانت سياسات ممقوتة وبغيضة لعموم الشعب الكردي. وكان الزعماء الدينيون والقبليون بخاصة شديدي المعارضة لهذه السياسات التي تخالف أغلى وأقدس معتقداتهم، وتتهدد بالخطر امتيازاتهم الموروثة. لقد شكّل حظر الخلافة والشريعة من قبل زعماء تركيا الجديدة في نظر الكرد الورعين الأتقياء فصمًالُعُرى الإخاء الإسلامي العريقة والغالية بين الكرد أنفسهم، وبينهم وبين الترك، وقد شعروا بأنه لم يعد هنالك أيّ قاسم مشترك يجمعهم مع أصحاب هذه البدع التي لا تمتّ بصلة إلى الورع والتقوى، الذين سلخوا أنفسهم بهذه الأباطيل عن بقية المؤمنين. الأمر غير المفهوم بالنسبة إليهم هو أن هذه الحكومة الغريبة المرتدة تقول لهم الآن بأنهم من الآن فصاعدًا سيكونون تُركًا، وليس كردًا، وكأن الحكومة تطالبهم بالتخّل يعن هويتهم القومية وعقيدتهم والانضمام إلى جوقة المرتدّين الظَلَمَة، لكنهم لم يكونوا ليخضعوا لمثل هذا الإملاء" (ص. 497-498) أما الانتفاضة الثانية فكانت بعد سنتين من تمكّن الدولة التركية من القضاء على الانتفاضة الأولى، في نيسان/ أبريل 1925 وإعدام قادتها، فانتفض الكرد في جبال أرارات على الحدود الشرقية لتركيا. وما يميز هذه الانتفاضة أنها كانت من تخطيط السياسيين والمثقفين الُكُرد في سّست في لبنان، في عام جمعية "خويبون" التي أ 1927، ومن تنفيذ رؤساء العشائر الكردية الذين سخطوا على الحكومة التركية وكيفية معاملتهم الُكُرد بعد القضاء على انتفاضة بيران، غير أن مصير هذه الانتفاضة كان الفشل أيضًا. دخل الُكُرد بعد ذلك في نفق مظلم في الدولة التركية التي حاربت كل ما هو كردي. وأبرز ما صدر في تلك المدة هو قانون أيار/ مايو 1932 الذي حرّم اللغة الكردية واللباس وكل ما يتعلق بالحياة الكردية السابقة، فاندلعت انتفاضة كردية ثالثة في منطقة ديرسم في عام 1937، وكانت هذه المنطقة هي الأخرى بعيدة عن الإدارة التركية حتى عام 1937. وعن أسباب هذه الحركة، يستند جويدة إلى قول العقيد البريطاني ألفنسُتن: "سوف يتبّي نأن سياسة الحكومة التركية كانت، في المقام الأول، قد استْعَْدَت كبار زعماء الإقطاع، وأفَضَ ت في المقام الثاني إلى معارضة الزعماء الدينيين، وأخيرًا، فقد هبّ الشعب الكردي بالذات ثائرًا بدافع الخوف من فقدانه لهويته العرقية المستقلة" (ص. 10)5 وُيُعلّق جويدة على هذا النص، بالقول: "بالنسبة إليه، وعلى الرغم من هذه الأسباب الثلاثة قد تبدو الأكثر وضوحًا والأكثر واقعية، فقد يكون من الخطأ أن نحصر أسباب التمرّد بهذه الأسباب الثلاثة؛ إذ وراء كل الثورات تكمن روح القومية" (ص. 10)5 قمعت الدولة التركية هذه الحركة الُكُردية بقساوة بالغة، اعتمادًا على التقارير، خاصة البريطانية، التي اعتمد عليها جويدة. وبالقضاء على هذه الحركة، تمكّنت الدولة التركية من توجيه ضربة قوية إلى الحركة القومية الكردية في الدولة التركية، لكنها لم تُنِهِها.

الحركة القومية الكردية في إيران

تطرّق جويدة أيضًا إلى الحركة الكردية القومية في إيران، من خلال حدثين رئيسين، الأول: حركة القائد الكردي القبلي سمكو شكاك الذي تمكّن من الاستيلاء على أراٍضٍ واسعة من كردستان إيران بين عامي 1918 و 1922. وعلى الرغم من قوّته ونفوذه في كُردستان، فإنه افتقد إلى الدعم الخارجي، وخاصة من بريطانيا؛ إذ طالب به مرارًا، ولكن من دون جدوى. هذا فضلًاعن إعادة تنظيم الجيش الفارسي آنذاك، ما أدى إلى انهيار قوة سمكو ونفوذه في عام 1922 (ص. 338-347) أما الحدث الثاني الذي تطرّق إليه بالتفصيل، فهو الجمهورية الكردية في إيران في عام 1946، التي سُمّيت "جمهورية مهاباد"، نظرًا إلى قيامها في مدينة مهاباد في وسط كردستان إيران. لكن ما مُيّ يّزها أن قيامها وسقوطها كانا لعبةًاستعمارية بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، والاتحاد السوفياتي من جهة أخرى. وُتُعد هذه الجمهورية مهمة لدى الكرد، لكونها أول جمهورية في تاريخهم الحديث. ومع أن عمرها لم يتعَدَ سنة واحدة، فإنّ لها تأثيرًا قويًا عندهم حتى الآن (ص. 571-618)

الحركة القومية الكردية في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها

أخيرًا، في موضوع الحركة القومية الكردية، يذكر جويدة ثلاث معلومات مهمة عن الحركة القومية الكردية في أثناء الحرب العالمية الثانية: بين عامي 1943 و 1958، قدّم الكرد 24 مذكّرة إلى هيئات دولية وسياسيين بارزين، أمثال: الأمم المتحدة، والدول العظمى، ووزراء الخارجية، وشخصيات سياسية أخرى، مطالبين فيها بحقوقهم القومية المشروعة، لكن لم تجد هذه المذكّرات أي صدى لدى المجتمع الدولي وهيئاته السياسية والإنسانية. أول مرة، يعترف دستور رسمي من دساتير الدول الأربع المقتسمة كردستان بالحقوق القومية الكردية؛ إذ جاء في الدستور المؤقت العراقي الذي كان من نتائج "ثورة تموز 1958" في مادته الثالثة، ما يأتي: "يعتبر العرب والكرد شركاء في هذا الوطن وحقوقهم الوطنية معترف بها ضمن إطار الوحدة العراقية." وهو أول نص دستوري يعترف بالكرد وبحقوقهم القومية في الشرق الأوسط. تحوّل مركز القيادة القومية الكردية في كردستان العراق من السليمانية إلى منطقة بهدينان التي كانت تابعة آنذاك للواء الموصل، وذلك بتأثير ملا مصطفى البارزاني، يقول جويدة: "أكّد الاعتراف باللهجة البهدينانية [من حكومة بغداد واستخدامها في التعليم والإذاعة بعد ثورة تموز 1958]، نفوذ ملا مصطفى وسمعته، وكانت مؤشرًا على التحوّل في الزعامة الكردية في العراق من منطقة السليمانية، مركز شيوخ برزنجة، إلى منطقة الموصل، موطن الشيوخ البارزانيين. ومهما كان تبرير هذا التحوّل، فقد كان بلا شك تعبيرًا عن النزعة الكردية الخاصة، وربما مؤشرًا على رغبة الكرد البهدينانيين للتخلّص من وصاية السليمانية، التي كانت طوال سنوات طويلة المركز الثقافي الكردي المعترف به في العراق" (ص. 664-665)

العامل الذاتي في انهيار الحركات الكردية

عند قراءة فصول كتاب جويدة، يظهر أنه يركّز كثيرًا على العامل الذاتي الكردي وأثره في انهيار الحركات الكردية، فكان للأمور السلبية داخل الحركات الكردية دوٌرٌ لا بأس به في إضعاف تلك الحركات، ومن ثمّ سهولة القضاء عليها، سواء أكانت بسبب سوء التنظيم، أم عامل الخيانة، أم عوامل أخرى اقتصادية ولوجستية. ومثال ذلك حركة الحفيد الأولى، فعند حديث جويدة عن أسباب انهيار الحركة، يستند إلى عدد من المصادر القريبة من الحدث، ويذكر أربعة أسباب، يرى أنها كانت وراء انهيار الحركة وفشلها، هي: ضعف القوة العسكرية للحفيد والإخفاق في دفع رواتب مقاتليه وانخفاض الروح المعنوية لديهم ونقص الذخيرة (ص. 436) ثم يعقّب على عامل الروح المعنوية بالقول: "على الرغم من أن الشيخ محمود وعددًا من أتباعه قد حاربوا ببسالة وتصميم، فمن المشكوك فيه أن القوة برمّتها كانت تتمتع بمعنويات مشابهة. وفي الواقع، فإن المجندين الذين درّبهم البريطانيون، ولم يكونوا يحصلون على رواتب جيدة، عمدوا إلى رفع بنادقهم للتفتيش بعد المعركة، لُيُظهروا لمن أسرهم أنهم لم يطلقوا النار من بنادقهم" (ص. 437)، ثم يضيف: "تمنح متانة قوات الشيخ محمود وتكوينها مؤشرًا معتمدًا عليه على نحو معقول لسلطته وشعبيته في وقت التمرد. وعلاوة على أتباعه في السليمانية وحولها، وأقاربه الكثيرين من البرزنجة والموالين لهم، انضمّت إلى الشيخ محمود عناصر قبلية مختلفة.[...][ومع ذلك] كان الدعم الذي حصل عليه الشيخ محمود خادعًا ومخيّبًا للآمال، لم يكن عدد من انضموا إليه وصمدوا إلى جانبه أكثر من بضع مئات. وفيما عدا استثناءات بارزة قليلة، يبدو أن ولاءهم كان غير مؤكد، ودعمهم كان مؤقتًا وقصير الأمد، وعملت الولاءات الضيّقة المميزة للمجتمعات

المنظمة قَبَليًا ضد أي جهد عسكري مستمر وواسع النطاق. وبسبب العداوة بين القبائل، نادرًا ما تمكّن رجال القبائل الكرد من تشكيل جبهة متّحدة ضد عدو مشترك" (ص. 437-440) ويخلص جويدة إلى "أن مفهوم العدو المشترك بدا لرجل القبيلة العادي متناقضًا، لأن ذلك يعني أن العدو في هذه المسألة هو عدوّه وعدوّ عدوّه، وهذه كانت مسألة متناقضة بكل ما في الكلمة من معنى للحكمة القَبَلية التي تجد تعبيرًا لها في الحكمة المشهورة 'عدو عدوي صديقي"' (ص. 440) ويتابع: "مرت أوقات عندما وضع الكرد في مناطق برمّتها خلافاتهم جانبًا، ونسوا نزاعاتهم من أجل قضية مشتركة ضد خصم خارجي. إّل اأن تلك الحالات كانت الاستثناء، وليست القاعدة. كما أن هذه التحالفات لم تدم طويلًاعلى نحو كاٍفٍ لتحقيق غرضهم ضد الأسلحة الأقوى والتنظيم الأفضل لخصومهم الأقوياء. دعا الشيخ محمود[...]الكرد الجنوبيين إلى مقاتلة البريطانيين، باسم القومية الكردية والإسلام. أراد أن يكون ذلك كفاحًا قوميًا وجهادًا. إّل اأنه بالنسبة إلى أغلبية الكرد كانت النزعة القومية مفهومًا جديدًا وغير مألوف، ولهذا السبب فشل هذا المفهوم في تحقيق النتيجة المرغوب فيها. وعلى النقيض من ذلك، كان الجهاد بحلول ذلك الوقت مألوفًا بوصفه قضية يائسة. كان الكرد قد شهدوا فشل دعوة مشابهة إلى حمل السلاح، وجّهها شخص أعظم وأقوى كثيرًا من الشيخ محمود. كانت دعوة السلطان – الخليفة إلى الجهاد، التي دعمت بالقوة المسلحة والموارد الواسعة للإمبراطورية العثمانية وحلفائها قد فشلت ضد العدو البريطاني نفسه، بعد أربعة أعوام من الحرب. كان فشل الشيخ محمود محتّمًافي تعبئة كردستان الجنوبية، ما لم ينجح في بث روح جديدة في مواطنيه المشاكسين. وكان واضحًا أنه لم يتمكّن من فعل ذلك. لقد فشل في التصالح مع منافسيه ومعارضيه وكسبهم إلى جانبه. بقي جاف ويبشدر[...]، الاتحادان القبليان الأقوى في كردستان الجنوبية، معاديين له وقدّموا دعمًافاعلًاإلى خصومه من البريطانيين" (ص. 440-441)، ثم يستشهد بنص للمس بيل، يؤيد هذه الفكرة (ص. 441-442) لازَمَ هذا السبب درب الحركة الكردية في غالبية مراحلها، فلم يتمكّن القادة الكرد من بثّ الروح المعنوية لدى الكرد، وعند الشدائد يظهر أن الذين يقاتلون إلى جانب قائد الحركة أو الثورة ما هم إّل اقلة قليلة من أقربائه؛ إذ يعاتب في هذا الأمر كذلك الكرد الذين نظروا إلى الحركة أو الثورة على أنها لا تمثّلهم، إنما مُتّ ثّل قائدها فحسب، وكأنه ليست هناك مشكلة قومية كردية في المنطقة.

الكرد ضمن حدود دول الشرق الأوسط: السياسات وردّات الأفعال

يُلقي جويدة الضوء على سياسات الدول التي تقاسمت كردستان، بدءًا من الدولتين العثمانية والإيرانية، مرورًا بالدول الأربع التي قسّمت كردستان في ما بينها بعد الحرب العالمية الأولى: تركيا وإيران والعراق وسورية. ويتابع جويدة سياسة الدولة العثمانية وإيران تجاه كردستان في القرن التاسع عشر، إلى نهاية الحرب العالمية الأولى؛ إذ كانت سياسة الدولتين تتركز - في النصف الأول من القرن التاسع عشر – في إنهاء حكم الإمارات الكردية التي كانت تتمتع بشبه حكم ذاتي منذ قرون عدة، ففرضت كل واحدة سلطتهما المركزية في كردستان، وقضت على هذه الإمارات الكردية. وبعد ذلك، هدفتا إلى محاربة الأفكار القومية التي انتشرت بين الكرد في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وُتُعدّ انتفاضة النهري السابقة الذكر خيَرَ دليٍلٍ على ذلك. واستمرت الحال على هذا المنوال حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ إذ قُسّمت كُردستان على أربع دول، مارست سياسة قاسية تجاه الكرد، ولا سيما تركيا وإيران، كانت – بحسب جويدة - من أبرز أسباب اندلاع الثورات والحركات الكردية؛ فتركيا الكمالية حاربت كل ما هو كردي، ومنعت التحدث باللغة الكردية، بل جرّمت من يتكلم بها، وُفُرض على الُكُرد اللباس والقبعة الأوروبيان. وعدّ الأتراك أن الدولة التركية الحديثة تضم شعبًا واحدًا هو الأتراك، ولغة واحدة، هي التركية، وأن الُكُرد في الجنوب الشرقي من تركيا ما هم إّل اأتراك الجبال. ولم تختلف السياسة الإيرانية في عهد رضا شاه تجاه الكرد عن نظيرتها في تركيا، ولا سيما أنه كان معجبًا بأتاتورك، فمنع اللغة واللباس الُكُردَّييّن في كردستان إيران، ونفى الآغوات ووجهاء الكرد من كردستان، في محاولة لإبعاد الكرد عن قادتهم لضمان عدم حدوث أيّ حركة معارضة ضد تلك الإجراءات. وفي العراق الحديث، كان الوضع مختلفًا نوعًا ما، لأن العرب كانوا حديثي العهد بالحكم، عكس الأتراك والفرس. ومع ذلك، وإذا كانت بغداد لم تحارب الثقافة أو اللغة الكردية، على نحو ما حصل في تركيا وإيران، فإنها حاربت الحركة القومية الكردية التي كانت تطالب بنوع من الحكم الذاتي ضمن دولة العراق.

العامل الكردي في سياسة الدول الكبرى

يتتبع جويدة صراع الدول الاستعمارية للنفوذ والسيطرة على كردستان، ويحدّدها في خمس دول، يأتي في مقدمتها روسيا

القيصرية، ومن بعدها الاتحاد السوفياتي، وبريطانيا، وبدرجة أقل ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، التي دخلت في هذا الصراع بعد الحرب العالمية الأولى، وأثّر صراعها مع الاتحاد السوفياتي في مستقبل جمهورية مهاباد. يبدو أن وصول روسيا إلى حدود كردستان في الربع الأول من القرن التاسع عشر هو الذي استنفر جهود الدول العظمى للوقوف في وجهها، ولا سيما بريطانيا التي عدّت انهيار الدولة العثمانية وانتشار النفوذ الروسي في المنطقة تهديدًا رئيسًا لمصالحها في الهند، ما يستدعي تحرّكًا منها للدفاع عنها. كانت السياسة الروسية تهدف إلى الوصول إلى المياه الدافئة، سواء في الخليج، أم في البحر الأبيض المتوسط. وكلتا الطريقين تمرّ عبر كردستان. لذلك دخلت بريطانيا وروسيا في صراع طويل على أراضي كردستان، ودفع الكرد ضريبة كبيرة في فصول هذا الصراع، فكانت انهيار الإمارات الكردية في منتصف القرن التاسع عشر نتيجةً من نتائج هذا الصراع. وأدّت روسيا تحديدًا دورًا سلبيًا في انتفاضة النهري، وكانت على استعداد للتدخل العسكري إذا ما نجح في بسط سيطرته على شمال غرب الدولة الإيرانية (كردستان إيران)، بحسب جويدة. يتابع الكتاب كيف توصّلت الدول الاستعمارية إلى اتفاق لتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية، ومنها كردستان، في اتفاقية سازانوف – سايكس - بيكو في أيار/ مايو 1916، وقسّمت كردستان العثمانية بين روسيا التي استولت على معظم شمال كردستان، وفرنسا التي كان لها نصيب في غرب كردستان، وبريطانيا التي احتفظت ببعض الأراضي الصغيرة فحسب في جنوب كردستان. لكن روسيا انسحبت من الاتفاقية، وانحسر الدور الروسي في كردستان والمنطقة بعد ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 1917، ولم تعد إلى الساحة الكردية إّل افي الحرب العالمية الثانية. يلخص جويدة السياسة الروسية تجاه الكرد في تلك الفترة على النحو الآتي: "لم يكن لدى روسيا القيصرية سياسة كردية في المعنى ذاته الذي امتلكته سياستها الأرمينية. ولا ريب في أن التعاطف الروسي مع الأرمن ودعمهم من جهة، وعدم القدرة على التوفيق بين المصالح الأرمينية والكردية من جهة أخرى، منعت تلك السياسة. وبالتالي لم يكن لدى الروس سياسة كردية طويلة الأمد ذات أهداف معروفة جيدًا لسنين كثيرة. وكثيرًا ما وجدت نفسها، ولا سيما في أزمنة الحرب، تقتصر على كسب الكرد أو ضمان حيادهم على الأقل، وغالبًا ما نجحت في تحقيق ذلك. كان تعامل روسيا القيصرية مع الكرد مقتصرًا على اتفاقيات مؤقتة مع مختلف شيوخ القبائل، تستهدف إنجاز أهداف محددة. لكن الصراع المستمر مع تركيا حثّ الروس في النهاية على السعي للتفاهم الشامل مع القبائل الكردية المحاربة التي عاشت في تجمعات متراصة على طول الطرق العسكرية الحيوية التي تقود إلى الأراضي التركية. لم تضع روسيا سياسة ذات شكل محدد تجاه الكرد حتى الجزء الأخير من القرن التاسع عشر. وما إن بدأت تبرز سياسة منسّقة وهادفة حتى هزمها، بعنف، تطوّران نجما عن الحرب العالمية الأولى: دعوة تركيا إلى الحرب المقدسة (الجهاد) والثورة الروسية" (ص. 289-290) تعاملت بريطانيا وحدها بوصفها قوة مستعمرة في كردستان بعد الحرب العالمية الأولى، فلم تحارب الحركة الكمالية عند سيطرتها على مناطق نفوذها في شمال كردستان، ويلاحظ من كتاب جويدة أن بريطانيا ركّزت جل جهودها على ولاية الموصل (جنوب كردستان)؛ إذ ألحقتها بالدولة العراقية الناشئة، كما كانت لبريطانيا اليد الطولى في إفشال الحركة الكردية التي اندلعت في العراق، فاستخدمت سلاحها الجوي ضد حركات الحفيد والبارزاني. ولولا القوة الجوية البريطانية، بحسب جويدة، لكان لتلك الحركات مصيٌرٌ آخر. كان آخر فصول الصراع الاستعماري في كردستان، كما يُبيّنه الكتاب، هو الصراع البريطاني - الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي في إيران، الذي كان من نتائجه قيام جمهورية مهاباد وسقوطها في عام 1946؛ فإعلان هذه الجمهورية كان بإيعاز الاتحاد السوفياتي للحصول على بعض المكاسب في إيران، وانهيارها كان بانسحابه من إيران نتيجة الضغط الأميركي والبريطاني. وهكذا، يخلص جويدة في خاتمة كتابه إلى الآتي: "حاولت هذه الدراسة الربط بين المشكلة الكردية وبين السياسات السابقة، ليس للدول التي يقطن فيها الكرد فحسب، بل كذلك سياسات الدول العظمى بهدف إظهار أنه لا يمكن لدولة رئيسة معنية بالشرق الأوسط تجاهل المشكلة الكردية أو تجنّب صوغ سياسة كردية كجزء من سياستها الشرق أوسطية الكلية" (ص. 676)