تقديم
Introduction
مرّ أكثر من عقد على نشأة النظام السياسي المصري الذي حلّ محل التجربة الديمقراطية القصيرة التي شهدتها مصر في أعقاب ثورة 25 يناير 2011. وصار من الممكن البحث في تفسير طبيعة هذا النظام وخصائصه الرئيسة، والتدابير التي استخدمها للبقاء، واستشراف مستقبله. على المستوى السياسي، وسّع رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، خلال هذا العقد مهماته وصلاحياته، متجاوزًا ما كان لأسلافه الذين قَِدُِمُوا من المؤسسة العسكرية. وُأ سِنِدت إلى القوات المسلحة صلاحيات دستورية، أول مرة في تاريخ مصر الحديث، وجرى توسيع أدوارها الاقتصادية والأمنية، وصارت للأجهزة الأمنية والاستخباراتية شركاتها الاقتصادية كذلك. وتنوعت أدوات سياسة الترغيب والترهيب ومساحاتها في التعامل مع القوى السياسية والمجتمعية؛ فقد انتقلت إدارة العلاقات الزبائنية من نظام الحزب الواحد المسيطر إلى وكالات الأمن والاستخبارات والضباط العسكريين المتقاعدين، واتسع مجالها ليشمل الإعلام والفن إلى جانب المساحات الأخرى، من قبيل تقديم الخدمات وإدارة المؤسسات العامة وإدارة المشاريع الاقتصادية. وشهدت مصر سياسة قمع لم يسبق لها مثيل أيضًا في تاريخها الحديث، مع توريط مؤسسات الدولة، من قضاء وجيش وغيرهما، وهي سياسة مستمرة، رغم حالة الاستقرار التي يشهدها النظام. وإلى جانب ما سبق، ساد حرٌصٌ على الجوانب الشكلانية، فثمة منظومة دستورية وقانونية، لم تشرعن السياسات والممارسات الاستثنائية فقط، بل أوجدت واقعًا تشريعيًا ومؤسساتيًا جديدًا. وهناك أحزاب وانتخابات وبرلمان، بالرغم من أن المجال السياسي ظل مغلقًا تتحكم فيه الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وظهرت تداعياته في انخفاض نسب المشاركة في الانتخابات، وزيادة أعداد المهاجرين أو الراغبين في الهجرة، وتعاظم الغضب الشعبي المكتوم. في هذا السياق، تُطرح الأسئلة الحيوية التالية: ما الذي يفسر هذه التحولات التي شهدها النظام السياسي خلال العقد الماضي؟ أهي تحولات جذرية في طبيعة النظام وخصائصه؟ أم أنها مجرد تعديلات على نظام يوليو 1952 وغرضها الأساسي هو ضمان استقرار النظام وبقائه؟ أمّا على المستوى الاقتصادي، فقد أدير الاقتصاد الوطني بإرادة منفردة من الرئيس الذي تركزت أولوياته على المشاريع الكبرى والبنية التحتية على حساب القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد، فضلًاعن الاستمرار في سياسة منح الامتيازات للفئات الداعمة له. وتعددت مصادر التمويل، لعل أهمها سيطرة الرئيس على موارد الدولة وانفراده بالتصرف فيها، والاعتماد على الدعم الإقليمي والدولي، من مساعداٍتٍ ومنٍحٍ وقروض. وساهمت هذه السياسة في بقاء النظام بدلًامن تعظيم الموارد وحل المشكلات الاقتصادية،
وامن ثم ظل الأداء الاقتصادي ضعيفًا، ومعتمدًا على الخارج، فضل عن زيادة الفقر واستمرار الفجوة في الدخل، وزيادة الدين الخارجي أربعة أضعاف 1. وفي مطلع 2024، راهنت قوى إقليمية ودولية رهانًا ضخمًا على مستقبل مصر دولةً مستقرة في منطقة تعاني الاضطراب. فقد التزم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بتقديم أكثر من 50 مليار دولار للنظام في شكل منح وقروض وشراء عقارات. ويمثّل هذا الدعم السخيّ "خطة مارشال" حقيقية، لدولة واحدة هذه المرة، ليست في طور التعافي من حرب، بلا تعاني مشكلات مالية داخلية تفاقمت بسبب العواقب الاقتصادية للجائحة، والحرب في أوكرانيا وغزة، والأداء السيئ في إدارة الاقتصاد الوطني. لخطة الإنقاذ هذه دوافع متنوعة، بعضها غير معلن؛ فالولايات المتحدة الأميركية - وهي صانعة القرار الرئيسة وراء سخاء صندوق النقد الدولي - تعتقد أن النظام قد يرضى في النهاية باستضافة اللاجئين الفلسطينيين من حرب غزة، إضافة إلى مصالحها الأمنية الكبيرة في مصر؛ والأوروبيون يهتمون بمنع الهجرة غير الشرعية، ففي استقرار النظام المصري مصلحة لهم. أمّا الإماراتيون والسعوديون، الذين حسب اتفاق قرض صندوق النقد الدولي في كانون الأول/ ديسمبر 2022 اشتروا أسهمًا في الشركات المملوكة للدولة المصرية، فقد أظهروا بحلول ربيع 2024 عدم استعدادهم للاستمرار في تقديم الدعم المالي لمصر بهذه الطريقة، وهم يسعون إلى الاستحواذ على أصول ملموسة في شكل عقارات ساحلية، توحي أسعارها المرتفعة للغاية بأنها قد لا تكون منتجعات سياحية فقط تدرّ عائدًا يسهم في إنقاذ اقتصاد نظام السيسي، بل ربما تكون جاذبيتها أيضًا باعتبارها مواقع استراتيجية لخدمة المصالح التجارية وحتى العسكرية للبلدين الخليجَييَن. وبما أنّ هذه المصالح لن يكون في الإمكان ضمانها إلا إذا بقي نظام السيسي في السلطة ونفّذها، كما يجري حاليًا، فإن السؤال الحيوي الذي يضاف إلى الأسئلة السابقة هو: ما مدى استقرار هذا النظام؟ يتناول هذا العدد الخاص هذه الأسئلة الرئيسة بالتحليل النظري والتجريبي. والرابط النظري بين الدراسات الستّ معًا يجيب عن سؤالين رئيسين، هما: ما التحولات التي شهدها النظام السياسي ومكّنته من تحقيق السيطرة في الداخل وضمان استمرار الدعم الخارجي؟ وكيف تحقّق له ذلك؟ كيف نجا النظام، رغم أنه أساء إدارة الاقتصاد الوطني، وأهدر مليارات على مشاريع عملاقة ذات عوائد مالية ضئيلة، وأفقر نسبة كبيرة من السكان، وأضعف الخدمات العامة الأساسية، وفرض درجة من القمع لم يشهدها من قبل، وقلّص مكانة مصر في المنطقة والعالم؟ في دراستين عن الشرعية، تمثلت الإجابة في أن النظام تمكّن من توليد شكل ما من الشرعية على الرغم من أدائه السيئ جدًا. فيشير بروس روثرفورد، بعد مراجعة الأدبيات ذات الصلة، إلى أن النظام اتبع استراتيجية السعي للحصول على ما يكفي من الشرعية للبقاء، وليس للحصول على الشرعية الحقيقية. وقد اتخذ ذلك شكل إقناع المواطنين بالنظر في تكلفة انهيار النظام، من خلال إدراكهم أن أوضاعهم قد تكون أسوأ بكثير. ما يعزز رسالة واضحة مفادها أنهم إذا حاولوا تغيير النظام، فسوف يواجهون مصيرًا رهيبًا. ويوضح روثرفورد هذا المخطط من خلال مراجعة فكرة أن النظام قد استند إلى سياسة التعليم لتقويض النقد الموجه له، بينما يحاول شرعنته من خلال الإشارة إلى أن هذه السياسة نالت دعمًادوليًا وهناك أمل في تحسينات أخرى في المستقبل. أما محمد عفان فيعرّف الشرعية من حيث قدرة النظام على الحفاظ على السلطة وترسيخها، ويرى أن هذا هو المعيار الأهمّ. ويقوده هذا إلى تحقيق تجريبي لوسائل سيطرة النظام، التي يصفها بأنها "سيطرة ثنائية" (السيطرة على القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية والجهاز البيروقراطي للدولة والبرلمان، وسيطرة الرئيس وحلقة ضيقة من المقربين على أجهزة الاستخبارات)، مع اعتماده على الدعم الدولي. وشأنه شأن روثرفورد، يتمثل تصور عفان للشرعية في أنّ السكان يقبلون الوضع الراهن من دون أن يكونوا داعمين نشطين له، غير أنه يرى أنّ هذا القبول يعتمد على الخضوع لحقائق القوة، وليس على أداء النظام في توفير السلع والخدمات. ويصف عماد الدين شاهين وعبد الرحمن محمد "الجمهورية الجديدة" للسيسي بوصفها نتيجة لفشل النظام في إنشاء المؤسسات اللازمة لتوسيع قاعدة دعمه أو حتى الإدارة الفعالة للمشاريع العديدة التي توّل ىمسؤوليتها. ويريان أنّ هذه لا تستند إلى رؤية
واضحة أو جديدة، بل هي تعبير عن سياسات تسعى في المقام الأول إلى الحفاظ على استمرارية النظام واستقراره، وتجد جذورها في مشاريع قديمة. ويقوم النظام بدور الوسيط في تنظيم المجتمع وتأهيله للاندماج في نظام إقليمي ودولي يعمل وفق قواعد جديدة. ويتطلب هذا مرَكَزَة السلطة والموارد في يد الدولة وإزاحة التيارات السياسية التقليدية. وُتُخضع دراسَتَا عبد الفتاح ماضي وحسام الحملاوي المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية لتحليل دقيق؛ بهدف إظهار دور هذه المؤسسات في إقامة نظام السيسي وترسيخ دعائمه. فيبحث ماضي في العلاقات المدنية - العسكرية منذ 2013. ويتناول التدابير التي يستخدمها النظام في مواجهة التهديد الوجودي للثورات العربية؛ وذلك بهدف السيطرة على الجيش ومنع انقلابه، وإعاقة أيّ تعبئة سياسية تؤدي إلى ثورة شعبية على غرار ثورة يناير، واستمرار الدعم الخارجي للنظام وتقويض أيّ دعم خارجي لتغييره. ويكشف التحليل أنّ الجيش يؤدي أدوارًا مختلفة في تلك التدابير، وأنّ التنازلات الممنوحة له لضمان ولائه عززت أيضًا استقلاليته، ومن ثم، ربما يختار في مرحلة ما الخيار الذي اتخذه مع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. ويركز الحملاوي على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، التي كانت تعمل مع الرؤساء السابقين بوصفها عوامل موازنة ضد الجيش. ويوضح أنّ السيسي قد غّي رتلك العلاقة غير المستقرة تغييرًا جوهريًا، حيث أخضع المؤسستين لسيطرته؛ وذلك لمواجهة التهديد الوجودي للثورات الشعبية، وقمع المعارضة بشتى أشكالها، مع إفلاٍتٍ شبه كامل من العقاب. أخيرًا، يبحث روبرت سبرنغبورغ في الأداء الاقتصادي للنظام، بما في ذلك أسباب أدائه الضعيف ونتائجه؛ وبسبب خضوع الاقتصاد للاحتياجات السياسية لنظام ذي شرعية محدودة، أصبح نقطة ضعف السيسي، ويفتقر إلى نموذج قابل للحياة لتنمية البلاد كما يتضح من التقسيم الاقتصادي، والاستثمار غير الكافي خاصة في الموارد البشرية، وعدم المساواة العميقة، وسوء الإدارة الجسيم الناجم عن التدخل العسكري. وفي ظل غياب الدعم الخارجي، من المحتمل أن ينهار الاقتصاد وقد تنجم عن ذلك عواقب سياسية عميقة. يقدّم العدد تحليلات شاملة ومحدثة للنظام السياسي لحكم السيسي. وقد توصّل المساهمون فيه إلى استنتاجات مماثلة حول طبيعة شرعيته المحدودة، واعتماده على الدولة العميقة التي تقودها المؤسسات القسرية، وعدم قابليته للاستمرار من دون الدعم الخارجي، وهو ما أفضى إلى تغييرات عميقة في النظام السياسي طالت هياكله وأدواره، وستشكل عقبات مضافة أمام أي اصلاح أو تغيير في المستقبل. كما أنّ خطة مارشال الجديدة، رغم حجمها الكبير، تُعتبر حلًامؤقتًا يحتاج إلى تجديد دوري إذا كان المساهمون فيه لا يزالون يرغبون في إنقاذ نظام السيسي. وللقيام بذلك، سيحتاجون إلى التدخل أكثر في سيادة مصر، على نحٍوٍ سيفرض ضغوطًا إضافية على النظام. ختامًا، لا يفوت المحرران شكر دورية "سياسات عربية" على نشر دراسات هذا الملف، وهي دراسات مختارة من مخرجات مشروع بحثي، نفّذته وحدة دراسات الدولة والنظم السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تحت عنوان "الدولة والحكم في مصر: طبيعة ومحددات النظام السياسي منذ عام 2013"، واستغرق العمل عليه أكثر من عامين. وقد نوقشت دراسات المشروع وأوراقه البحثية في ورشتي عمل عقدتا في 27-25 حزيران/ يونيو 2022، و 5-4 شباط/ فبراير 2023. وسُتُنشر دراسات المشروع كاملة في كتابين، أحدهما بالإنكليزية، والآخر سيصدره المركز العربي بالعربية. وسيصدر كلاهما في عام.2025