وطنية بلا مواطنة: بدائل النظام المصري ما بعد تموز/ يوليو 2013 لبناء شرعية غير انتخابية
الملخّص
The struggle for political legitimacy has been central to political polarization in Egypt since the 2013 coup. Given the regime's pronounced authoritarian features, the traditional form of legal electoral legitimacy proved insufficient and ineffective. As a result, the regime adopted alternative strategies to reinforce its political legitimacy. Drawing on theories of political legitimacy and literature on citizenship in authoritarian regimes, this study explores the measures and practices implemented by the July 2013 regime to achieve legitimacy across its three dimensions: the system's effectiveness and competence, citizens' beliefs in its legitimacy, and their behaviours that signal recognition. Keywords: Political Legitimacy, Citizenship, Egyptian Political System, Authoritarian Regimes.
Patriotism Without Citizenship: Non-electoral Legitimacy of the Post-July 2013 Egyptian Regime
كان الصراع على الشرعية السياسية محوَرَ الاستقطاب السياسي في مصر بعد انقلاب عام 2013، ومع السمات السلطوية البارزة للنظام، لم تكن الصيغة الكلاسيكية للشرعية الانتخابية القانونية خيارًا كافيا أو فعالًا؛ لذلك توجّه النظام إلى توظيف استراتيجيات أخرى لتدعيم شرعيته السياسية. باستخدام النظريات الخاصة بالشرعية السياسية، والأدبيات المتعلقة بصيغ المواطنة في النظم السلطوية. تبحث هذه الدراسة في الإجراءات والممارسات التي قام بها نظام تموز/ يوليو 2013 لتحقيق مقتضيات الشرعية في أوجهها الثلاثة: فاعلية النظام وجدارته، وقناعات المواطنين بالاستحقاق، وسلوكهم الدال على الاعتراف.
كلمات مفتاحية: الشرعية السياسية، المواطنة، النظام السياسي المصري، النظم السلطوية، انقلاب 2013.
مقدمة
تكتسب الانقلابات العسكرية شرعيَتَها السياسية مما يُعَرَف بشرعية الأمر الواقع Legitimacy Facto De، التي تتمثّل في قدرتها على تأمين دعم مراكز السلطة واستدعائها بفاعلية، لكن لأن "الشرعية التي تعتمد على محض القوة لا تستحق أن توصف بهذا الاسم" 1، فإن اكتساب شرعية سياسية من مصادر أخرى يُعدّ أحد أهم التحديات التي تواجه أنظمة ما بعد الانقلابات العسكرية. وتهدف هذه الأنظمة إلى تطبيع الأوضاع والإجراءات الاستثنائية التي اتّبعتها، ومن ثم المطالبة بالاعتراف بها محليًا ودوليًا، وإعادة دمج هذه الأنظمة مرة أخرى في المنظومة الدولية. وحيث إن الانقلابات العسكرية تتبعها عملية تأميم للمجال السياسي ونزٌعٌ للسياسة Depoliticization على نحو منهجي، فإنه ينتج من ذلك اتّسام الممارسات والإجراءات الانتخابية التي يتّخذها قادة الانقلابات العسكرية لاكتساب الشرعية السياسية بالشكلانية، فضلًا عن أنه يشوبها الكثير من العوار 2، على نحو يلزمها باستخدام وسائل أخرى لتعزيز شرعيتها المنتقصة. في هذا الإطار، تقدم هذه الدراسة تحليلًالاستراتيجية نظام ما بعد تموز/ يوليو 2013 لبناء شرعيته، وينظر في ذلك من زاوية الأدبيات التي تهتم بدراسة الشرعية في النظم السلطوية ورصد صعود الشعبوية، وكيف تتبنى مثل هذه النظم، في بناء شرعيتها السياسية، بدائل غير انتخابية، سواء بفرض شرعية الأمر الواقع، أم ادعاء امتلاك شرعية الإنجاز، أم استخدام السرديات التي تستهدف قناعات المواطنين، وصولًاإلى تحفيز الأفعال الدالّة على اعترافهم بشرعية السلطة القائمة. وفي الختام، سوف تُعرض خلاصات هذه الاستراتيجيات، مع تقييم السرديات التي تبنّاها النظام في إعادة تعريف الوطنية المصرية، وانعكاساتها على العلاقة بين المجتمع والدولة في مصر.
أولًا: الإطار النظري والمنهجية
إن تعريف الشرعية السياسية والتحقق من توافرها مسألة بالغة التعقيد، خصوصًا في سياق تحوّل النظام السياسي؛ إذ تتداخل في هذا الأمر أبعاد متعددة، بعضها يتعلق بالمرجعيات الدستورية والقانونية للشرعية، وبعضها الآخر يتصل بالمبادئ المعيارية والقيمية التي تؤطّرها، هذا فضلًاعن الأبعاد التي تتصل بالممارسات الواقعية للسلطة القائمة وبالتوجهات المجتمعية تجاه هذه السلطة. استنادًا إلى مراجعة الأدبيات التي تناولت هذه الإشكالية، فإنّ في الإمكان الإشارة إلى ركائز أساسية ثلاث في بناء الشرعية السياسية؛ وهي: فاعلية السلطة، وهي ركيزة يمكن مقاربتها من منظور نظرية القوة في الشرعية السياسية. Power Theory of Legitimacy وهي تركز على السلطة، وفحص مدى جدارة قادتها لتوليها، وكذا قدرتهم على ممارستها وفق معايير معتبرة، تحكم اتخاذ القرارات المتعلقة برسم السياسات وتوزيع الموارد وإنفاذها 3. ما يعتقده المواطنون إزاء السلطة التي تحكمهم، وهي الركيزة التي تقارب من خلال نظرية الاعتقاد في الشرعية السياسية، وتُعنى بتصوّرات المواطنين. Belief Theory of Legitimacy ويشمل هذا المعتقد، وفقًا لبروس جيللي، أمرين: هل يرى المواطنون أن القابضين على السلطة قد اكتسبوا هذا الحق بطريقة شرعية؟ أو ما سمّ ه رؤى القانونية Legality of Views، وهل تنسجم ممارسات السلطة وسياساتها مع المنظومة القيمية للمجتمع؟ أو ما سمّ ه رؤى التبرير Views of Justification 4. في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى النظرية الكلاسيكية لماكس فيبر، التي على الرغم من تجاوز النظم المعاصرة لصيغها النمطية، واتهامها بأنه قد عفا عليها الزمن 5، فإنها ما زالت تحمل فائدة لفهم الآليات والخطابات المتعددة التي قد تُستخدم لتبرير اكتساب السلطة. فوفقًا لفيبر، يرى المواطنون أن السلطة تتمتع بالشرعية حين تُكتسب وفق منظومة العادات والأعراف المستقرة في المجتمع، على نحو ما يحدث في الممالك الوراثية؛ أو أنها تُكتسب نتيجة اعتقادهم أن الحاكم يتمتع بقدرات استثنائية وصفات كارزمية تخوّله للقبض على السلطة وتعديل قواعد اللعبة السياسية، أو لأن المواطنين يؤمنون بأن السلطة جرى اكتسابها وفق تفويض قانوني "انتخابي" على أسس سليمة 6.
سلوك المواطنين إزاء السلطة الحاكمة أو الشرعية في الممارسات المجتمعية، وهو ما يسمّى الأفعال الدالّة على القبول of Acts Consent، أو نظرية القبول في الشرعية السياسية Consent Legitimacy of Theory، وهو ما ينقل البحث في مسألة الشرعية من المنظور المعياري القائم على الأحكام القيمية في خصوص ما هو صواب أو عادل، وما هو خطأ أو غير عادل، إلى المنظور السوسيولوجي الإمبريقي 7 الذي يرى أن الشرعية تتجسّد في تفاعل المواطنين إيجابًا مع السلطة، وإقدامهم على القيام بأفعال تعكس اعترافهم بهذه السلطة، مثل الالتزام بالقوانين ودفع الضرائب والتجنيد الإجباري، ونحو ذلك 8. إيجازًا، وبالاعتماد على ما سبق، تتحقق الشرعية السياسية بما يأتي: أ. عندما يتمتع من هم في مقاعد الحكم بسلطة حقيقية، مُتّ كّنهم من إدارة الموارد وتوزيعها، ورسم السياسات العامة وتنفيذها، والسيطرة على مراكز هذه السلطة بفاعلية؛ ب. أن يكون من هم في مقاعد الحكم قد اكتسبوا سلطتهم ومارسوها بطريقة توافق قناعات المواطنين الذاتية ومنظومتهم القيمية؛ ج. عندما ينعكس هذا الموقف على سلوك المواطنين تجاه السلطة، بإظهار دلائل احترامها والاعتراف بها. اعتمادًا على هذا الإطار النظري، تبحث هذه الدراسة في الآليات التي استخدمها النظام السياسي في مصر بعد عام 2013 لبناء شرعيته السياسية، خصوصًا أن الموقف من شرعيته مثّل المحدد الذي قام عليه الاصطفاف السياسي في مرحلة ما بعد الانقلاب، وكانت مقولة "استعادة الشرعية" بمنزلة التأطير الذي استخدمته المعارضة المناهضة لهذا الانقلاب عمومًا، وجماعة الإخوان المسلمين – المكوّن الأهم في هذا التيار المعارض – خصوصًا. تفحص الدراسة الإجراءات والممارسات التي قام بها هذا النظام من أجل تحقيق مقتضيات شرعيته في أوجهها الثلاثة: فاعلية النظام وجدارته، وقناعات المواطنين بالاستحقاق، وسلوكهم الدال على الاعتراف. وتشمل هذه الإجراءات: استراتيجيات النظام التي استهدفت إحكام سيطرته على السلطة وفرض شرعية الأمر الواقع، والعمليات الانتخابية التي نظمها والتشريعات والقوانين التي سنّها بغرض إضفاء الشرعية القانونية على سلطته، والممارسات الدعائية والحملات ذات الطابع الشعبوي التي نظمها، وما تضمّنته من سرديات للشرعية. وتعتمد الدراسة في جمع البيانات على منهجيات بحثية كيفية، مثل تقنية تحليل المضمون للوثائق القانونية والدستورية والبيانات الانتخابية والتصريحات السياسية الرسمية والعفوية، وكذلك تحليل الخطاب، خصوصًا عند دراسة السرديات التي يحاول النظام إنتاجها وتوظيفها لتعزيز شرعيته السياسية، وهو ما يتضمن الوقوف على الأفكار الرئيسة والمعاني المتضمنة في ما يصدر عن النظام من بيانات أو تصريحات. ترتبط قضية الشرعية بشكل وثيق بمفهوم المواطنة، ففي الدولة الحديثة تقوم الشرعية السياسة على أساس قانوني، يتمثل في تفويض انتخابي لمن يتوّل ىالمناصب العامة. ويرتبط هذا النمط من الشرعية السياسية بصيغة قانونية للمواطنة، تنطلق من أن السيادة تتجسّد في المواطن، وأن المواطنة - في صيغتها الحداثية – باتت تمثل حالة قانونية معرّفة بجملة من الحقوق والواجبات والصلاحيات والمسؤوليات والحريات والقيود، التي يُفترض أن تكون متساوية 9. يجري الالتفاف على هذا المفهوم للمواطنة، بطابعه الديمقراطي، من النظم السلطوية، حين تضع قيودًا على الحريات العامة والمشاركة السياسية، وحين تُحَّوّل الممارسات الانتخابية إلى مجرد إجراءات شكلية فارغة من المضامين الديمقراطية. يرى غييرمو أودنيل وفيليب شميتر أن الُنُظم السلطوية – خصوصًا التي أسّست بعد فترة من الصراعات والاستقطابات المجتمعية – تسعى لعزل المواطنين عن الشأن العام والسياسي، سواء بالعنف المادي أم بالتلاعب الأيديولوجي أم بالتشجيع الانتقائي، لينصرفوا إلى شؤونهم الخاصة والمباشرة فحسب. وفي هذا السياق، يشعر الأفراد بأنهم قد "تحرروا من السياسة"، ويتناسون أي انتماءات عامة أو سياسية، لتصبح المواطنة مسألة تتعلق بجواز السفر، أو طاعة القوانين، أو الاحتفال بالمنتخب الوطني، وأحيانًا التصويت في انتخابات صورية 10. يستهدف هذا التلاعب الأيديولوجي تفريغ المواطنة من مضمونها الحقوقي والقانوني، وهي ممارسة شائعة في النظم السلطوية التي يغلب عليها التوجّه الشعبوي أيضًا. وتدّعي هذه الُنُظم دعَمَ عامة الناس في مواجهة النخبة السياسية التي تصفها ب "الفاسدة"، حتى تُرسّخ عدم الثقة في المؤسسات الوسيطة، مثل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وقد تصل بخطابها إلى حدود التشكيك في مؤسسات الدولة البيروقراطية ذاتها، وفي المقابل تروج للادّعاء أن
شرعيتها تنبع من إدراكها احتياجات المواطنين، وأنها الُمُعّب رعن آمالهم ومخاوفهم، وأن أخص قدراتها هي القيام بما في مصلحتهم. وعلى الرغم من عدم ارتباط هذه السلطويات الشعبوية بأيديولوجيا معينة، فإنها نمط شائع في النظم القومية المحافظة 11. وعلى الرغم من أن للأيديولوجيا القومية أنماطًا عدة، يتّسم بعضها بالديمقراطية، ولا يتناقض مع مفهوم سيادة المواطن والمقاربة الحقوقية للمواطنة، فإن هذه النسخة الشعبوية من القومية تمتاز بأنها مناهضة للتعددية السياسية، وتعتمد كثيرًا على فكرة القيادة الكارزمية، كما يروّج لديها التفكير بنظرية المؤامرة، وخلق العدو/ كبش الفداء لتفسير المشكلات التي تواجه مجتمعاتها، ولحشد الجماهير لدعمها 12. لذلك، عادة ما تسعى الشعبوية القومية لنزع الصدقية عن المعايير العالمية للديمقراطية وحقوق الإنسان، إمّا بذريعة أنها وافدة، وليست أصيلة، ولا تنسجم مع الخصوصية المجتمعية، وإما بغية الطعن فيها باستخدام نظرية المؤامرة، بتصويرها مثل "حصان طروادة" الذي توظفه قوى أجنبية لتهديد المجتمع ووحدته 13. في المحصلة، ما صيغة المواطنة التي تتبنّاها الُنُظم السلطوية الشعبوية؟ باعتبار أن هذه النظم تطعن في شرعية المؤسسات السياسية الوسيطة، مثل الأحزاب السياسية، ولا ترى أن الممارسات الديمقراطية، التمثيل النيابي مثلًا، آلية ملائمة للتعبير عن الإرادة الشعبية؛ فالمواطنة بالنسبة إليها لا تتمثل في منظومة الحقوق والواجبات، ولا ترتبط بالمشاركة السياسية الرسمية عبر الانتخابات والتصويت ونحو ذلك 14. لكن، على خلاف هذه المقاربة، تتبنّى تلك النظم نمطًا من المواطنة، يقوم على فكرة الولاء للنظام السياسي. في هذه الصيغة، لا يُعترف بالمواطن بوصفه تجسيدًا للسيادة أو مانحًا للشرعية السياسية، ولا يرحّب به شريكًا في عملية صنع السياسات، بل تكون الأفعال الدالة على المواطنة هي تلك التي تعكس الولاء للوطن والدولة، مثل الاحتفاء بالانتماء القومي والتمسك بالقيم والثقافة الوطنية. وبما أن هذه النظم تزعم لقيادتها و/ أو لمؤسساتها العسكرية التعبير عن مصلحة المواطنين وإرادتهم، فيكون من أهم الأفعال الدالّة على المواطنة هو الولاء لهذه القيادة، وإظهار الدعم لها ولقراراتها، أو احترام المؤسسة العسكرية وعدم انتقادها، وهو ما يمكن تسميته بالصيغة السلطوية العسكرياتية للمواطنة القومية Authoritarian Militaristic Version of Nationalist.15 Citizenship
ثانيًا: كيف بنى نظام ما بعد عام 2013 شرعية الأمر الواقع؟
تستند نظرية القوة في الشرعية السياسية إلى مدى قدرة من يتولون المناصب السياسية على ممارسة السلطة السياسية فعلًّيًا، وكذا اتخاذ القرارات والسياسات المتعلقة بالتخصيص السلطوي للموارد وإنفاذها 16. وكان فرض سيطرة الأمر الواقع الركيزة الأساسية لشرعية النظام، خصوصًا بعد فترة عدم الاستقرار السياسي الحاد التي شابت المرحلة الانتقالية بين عامي 2011 و 2013، وهو ما تضمن تفعيل استراتيجيتين: السيطرة على مراكز السلطة في الداخل، وتأمين الدعم الإقليمي والدولي عسكريًا وماديًا ودبلوماسيًا.
1. السيطرة على مراكز السلطة
في معرض الحديث عن ضبط مراكز السلطة والقدرة على استدعائها بفاعلية، يمكن تبّي ن مستوَييَن من السيطرة مارسهما نظام عبد الفتاح السيسي؛ وهما: سيطرة الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة على المؤسسات التشريعية والجهاز التنفيذي البيروقراطي للدولة، وسيطرة الرئيس ومعه مجموعة من بطانته المقربة على الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة عبر إجراءات الوقاية من الانقلابات.17 Coup-Proofing Measures نجد في خصوص المستوى الأول أن السيسي لم يعمد بعد انقلاب عام 2013 إلى تأسيس حزب أو تنظيم سياسي، على نسق الاتحاد الاشتراكي في عهد جمال عبد الناصر، أو الحزب الوطني ضمن نظام تعددية حزبية مقيّدة، كما كانت عليه الحال في عهَدَي محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك، واستعاض عن ذلك بالاعتماد المباشر على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في الحكم والإدارة، والسيطرة
على الاقتصاد، ومن ثم أصبحت القيادات العليا في هذه المؤسسات بمنزلة النخبة الحاكمة في مصر 18. وفي مسعى السيسي للسيطرة على البرلمان، تخطّى نموذج هندسة الانتخابات الذي وسم عهد مبارك، وكان مهمةً حصريةً لجهاز أمن الدولة، ووجدنا خلال التحضير للانتخابات البرلمانية في عام 2015، أنه قد استغنى عن هذا الجهاز (الذي تغير اسمه إلى الأمن الوطني بعد ثورة 25 يناير 2011)، وأدخل بديلًاله يضم جهاَزَين: المخابرات العامة والمخابرات الحربية؛ من أجل التحكم التام في المشهد السياسي. تولّت المخابرات العامة مسؤولية تشكيل قائمة "في حب مصر" الانتخابية، تحت إشراف ضابط المخابرات السابق اللواء سامح سيف اليزل، بينما تولّت المخابرات الحربية تأسيس حزب "مستقبل وطن"، وبفضلها نجحت قائمة في حب مصر في السيطرة على البرلمان. وبحسب تقديرات مختلفة، كان لاستبعاد جهاز الأمن الوطني، وهو الجهاز صاحب الخبرة الواسعة في إدارة المشهد البرلماني، أثره السلبي في أداء البرلمان، وفي تماسك الكتلة البرلمانية لائتلاف "دعم مصر" 19. وقد تعلم النظام هذا الدرس، فأسند خلال التحضير لانتخابات برلمان عام 2020 مهمة انتقاء المرشحين إلى جهاز الأمن الوطني، بعدما أظهر نجاحًا في إدارة ملف التعديلات الدستورية في عام 2019، وبسبب انشغال المخابرات العامة بالكثير من الملفات الخارجية 22. وقد نجح حزب مستقبل وطن في تحقيق الغالبية في هذه الانتخابات، بعد فوزه ب 315 مقعدًا، وحصوله على أكثر من 50 في المئة من مقاعد مجلس النواب الجديد 23. كما هيمن الحزب على لجان مجلس الشيوخ، بعد أن فاز بغالبية حاسمة للمقاعد المئتين التي جرى الاقتراع عليها في آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر 2020 27. إضافة إلى السيطرة على البرلمان، سعت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لتعزيز قبضتها على الجهاز التنفيذي للدولة، في تحول مهم، ي ميز نظام تموز/ يوليو 2013، فعوضًا عن استراتيجية السيطرة السياسية، من دون التدخل المباشر في أمور الحكم Governing not Ruling، التي وظّف الجيش خلالها أشك لًاوأدواٍتٍ للهيمنة السياسية، معقدة وغير مباشرة 30، أصبح الحضور المباشر للعسكريين والأمنيين في فاعليات الجهاز البيروقراطي استعراضًا للسيطرة على شؤون الدولة اليومية، وبات مع الوقت أكثر وضوحًا وعلانية. فوفقًا ليزيد صايغ، يعمل عشرات الآلاف من الضباط المتقاعدين أو الُمُعارين في كل مكان تقريبًا في السلطة التنفيذية، وفي هيئات إدارية أو اقتصادية تتّسق مع مجال خدمتهم، كأن يتم تعيين ضباط سلاح الجو في إدارة هيئات الطيران المدني وشركاته، أو ضباط سلاح البحرية في القطاع البحري وقناة السويس، أو تعيين أولئك المتقاعدين من سلاح الإشارة في قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات 31. وحافظ العسكريون على سيطرتهم على إدارة الحكم المحلي، لأنه - في الواقع - آلية سيطرة الحكومة على أنحاء البلاد كلها. فعلى سبيل المثال، غالبية المحافظين – وهم الذين يعيّنهم الرئيس على نحو مباشر – من الضباط السابقين، وبدرجة أقل من ألوية شرطة متقاعدين. كما يحتل العسكريون المتقاعدون النسبة الأكبر في المناصب التنفيذية المساعدة، مثل نائب المحافظ ومدير مكتب المحافظ والأمين العام ومساعد الأمين العام للمجلس المحلي للمحافظة ومستشاري المحافظ. وقياسًا على ذلك، فإنّ رؤساء المدن والمراكز ومجالس القرى – الذين تعيّنهم الحكومة على نحو مباشر – هم من متقاعدي الشرطة والجيش32. كما تمثّل تمركز العسكريين والأمنيين في جهاز الدولة التنفيذي في المؤسسات العامة المشاركة للوزارات الحكومية في الأنشطة الاقتصادية، وتشمل الهيئات العامة الخدمية والهيئات العامة الاقتصادية وشركات القطاع العام، يشير صايغ: "يتوّل ى متقاعدو القوات المسلحة رئاسة أو نيابة أو عضوية مجلس الإدارة في 40 هيئة، من أصل 72 هيئة عامة تمت معاينتها[...](معظمها اقتصادية، ولكن بعضها خدمية)، أي نسبة 56 في المئة منها، في عام 2018. وهذا لا يشمل عشر هيئات تابعة لوزارة الدفاع، يرأسها كلها ويشغل مناصبها ضباط من القوات المسلحة" 33. هذه الهيمنة على المؤسسات التشريعية والتنفيذية، يليها مستوى ثاٍنٍ من الهيمنة، وهي هيمنة السيسي ورجاله المقربين محلّ الثقة على الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية، فقد حرص السيسي على أن يبقى
قريبًا من الجيش أكثر من أسلافه الرؤساء، وعلى استمرار اتصاله مع رفاقه القدامى من القيادات العسكرية. ولكسب دعم الجيش، أطلق يده لزيادة نفوذه السياسي والاقتصادي، ومنحه ميزانية كبيرة للتسليح العسكري، ومنح القيادات العليا للجيش امتيازات غير مسبوقة، سواء امتيازات مالية أم التحصين القضائي لهم وهم في الخدمة، أو بعد أن يغادروها. لكن، على الجانب الآخر، حرص السيسي على التبديل المستمر للقيادات العسكرية العليا بأكثر مما اعتاد الرئيس مبارك، حيث يبقى لدى القيادات العليا للقوات المسلحة دومًا الشعور بالقلق على مستقبلها وعدم الاطمئنان إلى موقعها من الرئيس. كما لم يتورّع السيسي عن عزل القيادات العسكرية التي تخالفه الرأي وتشكل تهديدًا لبقائه في السلطة، أو محاكمتها 34. ولأجل تحييد خطر المنافسة من العسكريين، جرى إقرار قانون يقضي بعدم جواز ترشّح الضباط الموجودين بالخدمة أو من انتهت خدمتهم، لانتخابات رئاسة الجمهورية أو المجالس النيابية أو المحلية إّل ابعد موافقة مسبقة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة 35. وللسيطرة على الأجهزة الأمنية، اعتمد السيسي مبدئيًا على المخابرات العسكرية؛ لأنه ينتمي إلى هذا الفرع من الجيش، فزاد من صلاحياتها وهيمنتها على الأجهزة الاستخبارية الأخرى، وذلك قبل أن يُحدث قدرًا من التوازن بين المخابرات العامة والعسكرية لاحقًا، بعد أن ضمن دعم الأولى بوجود مدير مكتبه عباس كامل على رأسها، وابنه محمود وكيلًاللجهاز، وضمن قياداتها المؤثرة الممسكة بعدد من الملفات المهمة، وابنه حسن في مكتب الاتصال، وكذلك بعد حملات إقالة جماعية عدة لمئات من وكلاء الجهاز والعاملين فيه ممن لا يثق الرئيس بولائهم له 36.
2. تأمين الاعتراف والدعم الدولَيَين
وفق هذين المستوَييَن من السيطرة (المؤسسية والشخصية)، استطاع نظام تموز/ يوليو 2013 فرض شرعية الأمر الواقع داخليًا، وهو ما عزّزه بالاستراتيجية الثانية، التي تتعلق بتوظيف النظام علاقاته الخارجية من أجل تأمين الدعم المالي والدبلوماسي، بخاصة في مجال التسلح. واستفاد النظام المصري من عوامل عدة، أهمها إقرار الدول الكبرى والدول المؤثرة إقليميًا بتأطير السيسي صراعه مع خصومه من الإسلاميين على أنه جزء من الحرب على الإرهاب. ولا ينفصل هذا عن تحّولّات على صعيد النظام الدولي، سببها تراجع جاذبية النموذج الديمقراطي مع صعود اليمين القومي في البلدان الديمقراطية من جهة، وجاذبية النظام الاستبدادي والرئاسة القوية، مثل النظاَميَن الروسي والصيني من جهة أخرى. حاول السيسي تأكيد محورية دوره في العديد من القضايا الساخنة على الساحة العالمية، مثل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي والحرب الأوكرانية - الروسية. فعلى سبيل المثال، بسبب الحروب الأخيرة على غزة، سواء تلك التي اندلعت في أبريل/ نيسان–أيار/ مايو 2021، أم الحرب القائمة التي اندلعت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، استطاع النظام أن يُطوّر علاقاته مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، فعلى الرغم من انتقاد هذا الأخير السيسي خلال حملته الرئاسية، بسبب سجله في مجال حقوق الإنسان، فقد كان على بايدن العمل معه لاحتواء الأزمة في قطاع غزة، والإشادة بجهوده، بعد أن أصبح مقتنعًا بأن مصر حليف إقليمي لا غنى عنه. كما عالج النظام أزمته مع الاتحاد الأوروبي، التي تفاقمت على خلفية انتهاكاته حقوق الإنسان، من خلال إسراع خطواته لتوقيع اتفاقيات للتعاون في مجالات التنمية والحوكمة الرشيدة، وسياسات الهجرة، بين عامي 2018 و 2020، إضافة إلى استعداده للتعاون في الملفات الأمنية ومكافحة الإرهاب. وبناءً على هذا، ارتفعت مساعدات الاتحاد الأوروبي (باستثناء المساعدة المباشرة من الدول الأعضاء) لمصر في عام 2018 إلى 1.3 مليار يورو. وكان لهذا التحرك الفعال أثٌرٌ في تأمين دعم المؤسسات الدولية للنظام؛ إذ حصل النظام على قروض عدة من البنك الدولي، بين عاَمَي 2016 و 2020، ثم جرت الموافقة على قرض جديد في كانون الأول/ ديسمبر 2022 37. وفي أعقاب الحرب على غزة 2023، جرت الموافقة على قرض آخر بقيمة ستة مليارات دولار 38. إقليميًا، دخل النظام المصري في ما يشبه التحالف مع عدد من القوى الإقليمية، أهمها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، وهو "محور" تشكّل لمواجهة تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، وكذلك الحركات والأحزاب الإسلامية، مثل الإخوان
المسلمين وحزب الله وحركة المقاومة الإسلامية "حماس." استفاد النظام من حوافز خليجية لدعم هذا التحالف، تمثّلت في تحويلات مالية سخيّة. وُيُقدّر الدعم المالي الذي قدّمته السعودية والإمارات والكويت بين تموز/ يوليو 2013 وأوائل عام 2016 بنحو 23 مليار دولار، حصّلها النظام في شكل منح وقروض ومساعدات عينية وودائع في البنك المركزي المصري. وتنامى على نحو ملحوظ التعاون العسكري بين النظام المصري وإسرائيل في ظل حكومة بنيامين نتنياهو، حيث قدّمت إسرائيل الدعم الفني والعملياتي في القتال ضد الجماعات المسلحة العاملة في شمال سيناء. في المقابل، استجاب الجيش المصري إلى مطالب إسرائيلية لتشديد الإجراءات الأمنية التي ترجمت في هيئة ضغط مضاعف على قطاع غزة، وكذلك تمديد المنطقة العازلة مع القطاع إلى كيلومتر كامل، وإغراق الأنفاق التي كانت تربط القطاع بمصر وتدميرها، وإن استمر النظام المصري في القيام بدور الوساطة بين الأطراف المتصارعة 39. وعلى الرغم من أن الخطط الإسرائيلية الصريحة لتهجير سكان غزة إلى سيناء إبان الحرب على غزة 2023()، أدّت إلى توتر العلاقات بين البلدين، فإن النظام المصري بقي ملتزمًا بالشروط الإسرائيلية القاسية لمرور المساعدات الإنسانية عبر حدود رفح 40. على الرغم من قدرة النظام على بناء شرعية أمر واقع مستمدة من سيطرته على مراكز القوى داخليًا، وتأمينه الدعم الدولي خارجيًا، فإن الأمر لا يخلو من التحديات؛ فعلى سبيل المثال، هناك بعض الشواهد التي تشير إلى حدوث خلافات بين الرئيس وقادة القوات المسلحة حول تقييد الدور الاقتصادي للجيش، وهو ما يظهر - على سبيل المثال - في الإعلان المتكرر عن طرح بعض شركات القوات المسلحة للبورصة، ثم التراجع عنه 41، كما أن زيادة التوتر مع الحلفاء الإقليميين، مثل الإمارات والسعودية، بسبب الخلاف حول بعض الملفات الإقليمية، وحول بعض الاشتراطات لهذه الدول المتعلقة بخططها الاستثمارية، قد أثر سلبيًا في الدعم الذي يتلقاه النظام من هذه الدول. كذلك، فإن ادّعاء شرعية الإنجاز التي دأب النظام في تأكيد فاعليته من خلالها، وتمثلت في تدشينه عددًا من المشاريع القومية التنموية، مثل مشروع "حياة كريمة"، يشكك في صدقيتها تدهور الأوضاع الاقتصادية في مصر إلى حٍدٍ غير مسبوق، فمصر حاليًا هي ثاني أكبر مستدين من البنك الدولي بعد الأرجنتين، وُتُقَّدَر ديونها الخارجية بنحو 165 مليار دولار في الربع الأول من عام 2023 42؛ ما انعكس على سعر الجنيه المصري الذي تهاوى في مقابل العملات الأجنبية، كما تسبب في ارتفاع معدلات التضخم إلى نسب قياسية، أثرت سلبيًا في مستوى معيشة المصريين 43.
وواجه الرئيس المصري تحديات حقيقية في ادّعائه أنه الوحيد القادر على الدفاع عن الأمن القومي المصري، باعتباره نظامًا ذا صبغة عسكرية؛ إذ يبدو النظام عاجزًا، في درجة كبيرة، وغير قادر على الدفاع عن الحقوق المصرية ضد الإجراءات الأحادية التي اتّخذتها إثيوبيا بشأن سد النهضة. كما أن الدور المصري في العديد من الأزمات الإقليمية شديدة الخطورة، مثل الحرب الأهلية في كل من السودان وليبيا، جرى تحييده إلى حد كبير لمصلحة أطراف إقليمية ودولية أخرى. إضافة إلى ذلك، تشكل الحرب على غزة، والمخططات المعلنة لمرحلة ما بعد الحرب تهديدات سياسية وأمنية لمصر، سواء عبر مخططات التهجير، أم استدعاء قوى دولية أو عربية لإدارة القطاع بعد الحرب 44.
ثالثًا: كيف أضفى النظام الشرعية القانونية على سلطة الأمر الواقع؟
مع إحكام السيطرة على مراكز السلطة وفرض شرعية الأمر الواقع.ه المرتبطة بالقدرة، وادّعاء امتلاك شرعية الإنجاز المرتبطة بالفاعلية، حرص نظام تموز/ يوليو 2013 على استيفاء متطلّبات الشرعية القانونية عبر آليتين: متابعة الإجراءات الانتخابية بانتظام، وتقنين هيكلة النظام وأدواته السلطوية ودسترتهما.
1. الإجراءات الانتخابية
.و من اللافت أن النظام المصري بعد انقلاب عام 2013، بقي حريصًا على انتظام الاستحقاقات الانتخابية، فخلال نحو تسع سنوات، جرت دعوة المصريين إلى ثماني ممارسات انتخابية، بيانها – بحسب التصريحات الرسمية – كالآتي:.أ الاستفتاء على دستور عام 2014، الذي جرى في 14 و 15 كانون الثاني/ يناير.ز من العام نفسه، ووصل عدد المشاركين فيه إلى نحو 20.16 مليونًا، بنسبة مشاركة 38.6 في المئة، وجرت الموافقة عليه بنسبة 98.1 في المئة، في حين كانت نسبة الرافضين 1.9 في المئة 45..ب الانتخابات الرئاسية في أيار/ مايو 2014، وبلغت نسبة المشاركة.ح فيها 47.45 في المئة، وفاز فيها وزير الدفاع آنذاك المشير عبد الفتاح السيسي بنسبة 96.91 في المئة من إجمالي الأصوات، في مقابل 3.09 في المئة لمنافسه حمدين صباحي 46..ج الانتخابات البرلمانية بين تشرين الأول/ أكتوبر وكانون الأول/ ديسمبر 2015، لانتخاب 555 عضوًا في البرلمان، وكان متوسط نسبة المشاركة 28.3 في المئة، وحقق فيها المستقلون 57 في المئة من المقاعد، بينما تراجع التمثيل الحزبي فيها ليفوز 19 حزبًا بنسبة 43 في المئة من المقاعد، أعلاها حزب المصريين الأحرار الذي فاز ب 65 مقعدًا فقط 47..د الانتخابات الرئاسية في عام 2018، التي بلغت فيها نسبة التصويت 41 في المئة، وفاز فيها السيسي، بنسبة 97.08 في المئة، في حين حصل منافسه موسى مصطفى موسى، رئيس حزب الغد، على نسبة 2.9 في المئة، وتجاوزت نسبة الأصوات الباطلة 7 في المئة من إجمالي أصوات الحضور 48. الاستفتاء على التعديل الدستوري في عام 2019، الذي شمل السماح للرئيس الحالي بإعادة انتخابه لمرة تالية وزيادة مدة الفترة الرئاسية، وتوسيع المهمات الدستورية للجيش وإنشاء مجلس الشيوخ وإعطاء الرئيس حق تعيين رؤساء الهيئات القضائية، وقد شارك فيه نحو 27 مليونًا، بنسبة 44.33 في المئة، وبلغ عدد الموافقين نحو 23.4 مليونًا، بنسبة 88.83 في المئة 49. انتخابات مجلس الشيوخ في آب/ أغسطس 2020، التي جرت على 200 من أصل 300 مقعد 100(عضو، يُعيّنهم الرئيس)، وشهدت نسبة حضور ضئيلة (نحو 14.3 في المئة) 50، ونجح فيها حزب مستقبل وطن في الاستحواذ على نسبة 75 في المئة من المقاعد 51. انتخابات مجلس النواب بين تشرين الأول/ أكتوبر وكانون الأول/ ديسمبر 2020، التي جرت عقب انتخابات مجلس الشيوخ، على 568 مقعدًا، فاز منها حزب مستقبل وطن بأكثر من 50 في المئة من المقاعد 315(مقعدًا) 52، وشهدت نسبة إقبال 28 في المئة 53. الانتخابات الرئاسية في عام 2023، التي منحت الرئيس السيسي فترة ولاية ثالثة بموجب التعديل الدستوري لعام 2019، بنسبة تأييد 89.6 في المئة من الناخبين 54. صحيٌحٌ أن انتظام الاستحقاقات الانتخابية يسهم على نحو إيجابي في بناء الشرعية السياسية، إّل اأن هذه الاستحقاقات شابها من العوار ما أضعف حجّيتها بوصفها سندًا للشرعية؛ من ذلك تراجع نسب التصويت في غالبيتها، مقارنة بنظيراتها التي جرت خلال المرحلة
الانتقالية بين عامي 2011 و 2013 55، وغياب التنافسية الحقيقية بعد إغلاق المجال العام أمام الأحزاب والحركات السياسية، وكذلك تدخل الأجهزة الأمنية في الانتخابات، سواء في مراحلها التحضيرية عبر تنسيق قوائم المرشحين وفرضها 56، أم عبر استهداف المعارضين بالاعتقالات التي شملت الداعين إلى التصويت ب "لا" على دستور عام 2014، وخلال التعديلات الدستورية في عام 2019 57، هذا فضلًاعن اعتقال عدد من المرشحين المحتملين للرئاسة، مثل الفريق سامي عنان والعقيد أحمد قنصوة، وانتهى الحال في الانتخابات الرئاسية باستدعاء أحد مؤيدي الرئيس لمنافسته على نحو صوري في انتخابات عام 2018 58. وفي انتخابات عام 2023، اشتكى المرشح أحمد الطنطاوي من مضايقات أمنية منعته من الحصول على التأييد المطلوب، وأجبرته على الانسحاب 59، قبل أن يُسجن لاحقًا بتهمة تتعلق بتزييف توكيلات الترشيح، يضاف إلى هذا اعتقالات "تحالف الأمل" التي استهدفت عددًا من ممثلي الأحزاب السياسية الذين كانوا يعدّون لتحالف انتخابي استعدادًا للانتخابات البرلمانية في عام
2. تقنين الإجراءات السلطوية ودسترة الحكم الاستبدادي
بعد السيطرة على الاستحقاقات الانتخابية، وتفريغها من مضمونها، أصبحت الانتخابات أداةً لتعزيز السلطوية، وليس تحجيمها 60. فعلى سبيل المثال، لا يمكن النظر إلى البرلمان باعتباره مؤسسة تُعّب رعن توازن السلطات في الدولة، بل هو أقرب إلى ما دُرج على تسميته برلمان "حامل أختام"، يقوم على تقنين سلطة الأمر الواقع، ولعل أبلغ دليل على ذلك هو تصديق البرلمان على 342 قانونًا ومرسومًا رئاسيًا، أصدرها الرئيس الانتقالي عدلي منصور 2014-2013() والرئيس السيسي خلال فترة حلّ المجالس التشريعية بعد الانقلاب، وجرت مناقشة هذا العدد الكبير والتصديق عليها في وقت قياسي، لا يتجاوز خمسة عشر يومًا، وبما ينفي أي إمكان لمراجعتها والنظر الحقيقي فيها 62. وقد مثّل تطويع البرلمان خطوة أساسية لتمرير البنية القانونية السلطوية، وما تبعها من إجراءات لإحكام سيطرة النظام على السلطة، وقمع المعارضين. ومن أهم هذه القوانين:.أ القرار بقانون رقم 107 لسنة 2013 الخاص بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والمظاهرات السلمية، وقانون رقم 14 لسنة 2017 بشأن تعديل قانون التظاهر، وهذان القانونان يضعان شروطًا تعجيزية لتنظيم المظاهرات والتجمّعات السلمية، ويمنحان الأجهزة الأمنية الحق في حظر أي مظاهرة أو إلغائها أو تأجيلها بناءً على أي تهديدات أمنية غير محددة،
وكذلك الحق في استخدام القوة، وفرض عقوبات رادعة، مثل الغرامات المالية والسجن على المخالفين 63..ب قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 45 لسنة 2014، وقد صدر.و قبل الانتخابات الرئاسية، وتضمّن حرمان قطاعات من المواطنين من حق الترشيح والتصويت ممن أصدر النظام ضدّهم أحكامًا بتهم مطاطة، وخلال إجراءات تقاضٍ، نزاهتها محل انتقاد، كما قيّد حرية الصحافة بذرائع منع إشاعة أخبار كاذبة، أو انتقاد أعضاء الهيئة العليا للانتخابات 64..ج قانون رقم 128 لسنة 2014 لتعديل نص المادة 78 من قانون العقوبات، الذي يقدم صياغة فضفاضة لعدد من الجرائم، مع توقيع عقوبات قاسية على مرتكبيها، تصل إلى السجن المؤبد أو.ز الإعدام، وتشمل قائمة هذه الجرائم: "كل من طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ ولو بالواسطة من دولة أجنبية أو ممن يعملون لمصلحتها أو من شخص أو أشخاص عادية أو اعتبارية أو منظمة محلية أو أجنبية أو أي جهة أخرى لا تتبع دولة أجنبية ولا تعمل لصالحها أمولً سائلة أو منقولة أو عتادًا أو آلات أو أسلحة أو ذخائر، أو ما في حكمها أو أشياء أخرى، أو وعد بشيء من ذلك بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها، أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر، أو الإخلال بالأمن والسلم العام" 65..د قانون رقم 136 لسنة 2014، بشأن تأمين المنشآت العامة والحيوية وحمايتها، وهو القانون الذي وضع هذه المنشآت المدنية تحت حماية القوات المسلحة، بما يقنن محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية 66..ه قانون رقم 8 لسنة 2015، بشأن تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين، وقانون رقم 94 لسنة 2015 لمكافحة الإرهاب، وقانون رقم 11 لسنة 2017 بشأن تعديل بعض قوانين الإرهاب، وقانون رقم 14 لسنة 2020 بشأن الكيانات الإرهابية، وهي القوانين التي تقدم تعريفات فضفاضة للكيانات الإرهابية، وتسمح بوضع الأفراد والمنظمات في قائمة الإرهاب من دون إجراءات قضائية منضبطة، وتضع منظمات المجتمع المدني تحت الرقابة الأمنية، كما تضع أموال الكيانات الإرهابية المصادرة كلها تحت تصرف النائب العام 67. قانون رقم 92 لسنة 2016 الخاص بالتنظيم المؤسسي للصحافة ماا، وقانون رقم والإع 175 لسنة 2018 بشأن جرائم تقنية المعلومات، وقوانين الصحافة والإعلام 178، 179، 180 لسنة 2018، وأتاحت هذه القوانين رقابة مُشدّدة على الصحف والمحطات الإعلامية، وأتاحت للأجهزة الأمنية مراجعة المحتويات الصحافية والإعلامية، وأعطتها الحق في غلق أي منها أو حظره أو منعه، وحجب المواقع الإلكترونية، وملاحقة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 68. قانون رقم 70 لسنة 2017 المعروف بقانون الجمعيات الأهلية، وقانون رقم 149 لسنة 2019 لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية، ووفق هذين القانونين جرى تقييد إنشاء المنظمات غير الحكومية، وإخضاعها للرقابة البيروقراطية وتقييد التمويل، وجرى منح الأجهزة الأمنية أدوات المراقبة والتدخل وتعطيل أنشطة المجتمع المدني، وأعطى وزارة التضامن الاجتماعي صلاحية رفض تسجيل الجمعيات الأهلية من دون الاحتكام إلى القضاء. وعلى الرغم من محاولة تخفيف هذه القيود في قانون رقم 149 لسنة 2019، فإن الأخير بقي أبعد كثيرًا مما طالبت به منظمات المجتمع المدني 69. إضافة إلى ترسانة القوانين هذه، فقد عمد النظام في عام 2019 إلى إجراء تعديل على دستور عام 2014، وكان الرئيس السيسي أوضح، خلال تصريحه في أيلول/ سبتمبر 2015، عدم رضاه عن الدستور؛ لأنه أعطى مجلس النواب صلاحيات واسعة، وعلّق أن هذا الدستور "ُوُِضِ عَ بحسن نيّة، والدولة لا تُبنى بالنوايا الحسنة" 70. لذلك، فقد استهدفت هذه التعديلات تعزيز سلطة رئيس الدولة والقوات المسلحة؛ إذ جرت إطالة فترات الرئاسة (من أربع سنوات إلى ست)، وسمحت للسيسي بإعادة الانتخاب لولاية ثالثة تنتهي في عام 2030، وعزّزت هذه التعديلات سيطرة الرئيس على السلطة القضائية؛ إذ أعطت رئيس الجمهورية الحق في تعيين رؤساء الهيئات القضائية
وإنشاء مجلس يختص بالنظر في تعيين أعضاء الجهات والهيئات القضائية، يُسمى "المجلس الأعلى للهيئات القضائية"، ويكون برئاسة رئيس الجمهورية، وغّي رت من آلية تعيين النائب العام ورئيس المحكمة الدستورية العليا؛ إذ أعطت الرئيس الحق في تعيينهما، بعد أن كانت موافقة الرئيس على تعيينهما مسألة إجرائية فحسب، علاوة على تقليص صلاحيات مجلس الدولة. أما في خصوص القوات المسلحة، فقد أصبحت تمارس الوصاية على الدستور رسميًا، وأصبح من حقها اختيار وزير الدفاع، كما جرى التوسع في اختصاصات المحاكم العسكرية 71.
رابعًا: السرديات التي تستهدف ترسيخ الشرعية السياسية للنظام
إضافة إلى سيطرة نظام تموز/ يوليو 2013 على مراكز القوة بوصفه سلطة أمر واقع، وإضفائه الصبغة القانونية على سلطته عبر إجراء الانتخابات بصورة منتظمة، ودسترة الممارسات السلطوية وتقنينها، احتاج هذا النظام إلى استهداف قناعات المواطنين بعدد من السرديات لتدعيم شرعيته وفق نظرية الاعتقاد للشرعية السياسية. مزجت هذه السرديات بين مقاربات عدة، كفكرة الشرعية الُمُستقاة من التعبير عن الإرادة والمصلحة الشعبية، أو شرعية القيادة الكارزمية، أو شرعية الإنجاز والاستحقاق، وصولًاإلى الابتزاز بالأمن والتخويف من المؤامرات، وهي مقاربات في مجملها تتفق مع النزعة الشعبوية السلطوية للنظام، ويمكن إيجاز أهم هذه السرديات في ما يلي: السردية الأولى: إن هذا النظام تجسيد للإرادة الشعبية التي تمثلت في ثورة 30 يونيو، والتي قال عنها الرئيس المصري إنها مثّلت "أمرًا لا يُرد"ّ، و"نداءً لم يملك إلّ تلبيته" 72. وقد أكد الرئيس في مناسبات عدة أن الشعب المصري لم يخرج في 30 حزيران/ يونيو رفضًا لسياسات الرئيس السابق محمد مرسي فحسب، أو لفشل جماعة الإخوان المسلمين في الوصول إلى تفاهمات مع القوى السياسية الأخرى، بل ل "رفضهم لأي محاولة لمحو هويتهم الوطنية" 73، وأنها الثورة التي "استعادت بها مصر هويتها الوطنية" 74، وقضت على المحاولات المستميتة لطمسها 75. السردية الثانية: إ ن الوقت لم يحن بعد لإقامة نظام ديمقراطي في مصر لغياب الشروط الموضوعية لذلك، وإن المعايير الغربية للحكم الرشيد لا تلائم الوضع المصري. فقد صرّح الرئيس في أثناء لقائه برؤساء تحرير الصحف المحلية، في أيار/ مايو 2014، أن تطبيق النماذج الديمقراطية الغربية على الواقع المصري "يظلم المصريين، ولا يساهم في عملية بناء الدولة بشكل حقيقي"، وأن ما زال أمام المجتمع المصري وقت حتى ينعم بالديمقراطية الحقيقة، وهو ما قد يستغرق 20 عامًا 76. وكرر هذا الطرح في مواجهة من ينتقدون ملف حقوق الإنسان في مصر، قائلً: "حقوق إيه؟ أنا مش لاقي آكل، روحوا المرج والخصوص، خشوا وشفوا لما بمشي في الشوارع بشوف إيه"! 77. السردية الثالثة: إن الجيش هو المؤسسة المؤتمنة على الدولة في مصر. وفي هذا ركز الكثير من تصريحات الرئيس على كفاءة القوات المسلحة، وأن تدخلها في إدارة الدولة أو اقتصادها بمنزلة ضرورة لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، حيث إن "القوات المسلحة تمثل ذراعًا قوية تدعم جميع مؤسسات الدولة" 78، وأن "الجيش المصري لم يحارب الإرهاب فقط، لكنه حارب التخلف والتردي وعدم قدرة الدولة" 79. أما في خصوص حجم اقتصاد القوات المسلحة، فقد انتقد السيسي المعارضين لتوسع الاقتصاد العسكري، قائلً: "يعني إيه الاقتصاد المصري والقوات المسلحة، القوات المسلحة دي الدولة ومن ضمن أجزائها[...] ويا ريت تمتلك 50 في المئة من اقتصاد مصر" 80.
السردية الرابعة: إن الرئيس هو الأعلم بالتحديات التي تواجه الدولة، والأقدر على التعامل معها، فكما صرّح مرات عدة، أنه "عارف مصر زي ما أنا شايفكو قدّامي كده، وعارف علاجها برضو زي ما أنا شايفكو قدامي كده،[...]لو سمحتوا متسمعوش كلام حد غيري" 81، وإن لديه "خبرة 50 عامًا" في دراسة الدولة المصرية 82. كما دأب الرئيس على امتداح نفسه بصفات تؤهله لأن يكون محل ثقة المصريين، فهو متفانٍ ومخلص، وأمين وصادق ومسؤول، ويقول عن نفسه: "لا أتكلم دون معرفة أو دراسة، وأمضيت طيلة عمري هكذا" 83. السردية الخامسة: وهي السردية الخاصة بشرعية الإنجاز، وهي أن النظام لم ينقذ الدولة من الانهيار فحسب، بل نجح في تحقيق "إنجازات غير مسبوقة" 84، وهو ما تكرر كثيرًا في خطاباته، بتأكيده أن النظام حقق عددًا من "الإنجازات المتلاحقة" في العديد من المجالات، مثل "البنية الأساسية والتجمعات العمرانية الجديدة والطاقة وتوطين الصناعة" 85، وأن ما جرى إنجازه كان في وقت بالغ القصر، على الرغم من التحديات الكثيرة 86، وعلى الرغم من فقر موارد الدولة "إحنا فقرا أوي" 87، وعدم كفاءتها "إحنا مش في دولة حقيقية دي أشباه دولة" 88. الجدير بالذكر أن الحديث عن الإنجازات كان يُرَبَط بالدعم والتوفيق الإلهيين، وأن ذلك دليل على "البركة" التي منحها الله للرئيس 89، كما يرى أنه على الطريق الصحيحة، بزعم أنه "لو كنّا ظالمين ومعتدين ماكنش ربنا وفقنا" 90، وصولًاإلى التلويح للمعارضين بأنه في حماية الله، وأنهم لن يقدروا على النيل منه بسبب ذلك، "أنا ضهري ربنا واللي يقدر على ربنا يتفضل" 91. كما ارتبط الحديث عن إنجازات النظام في بعض الأحيان بتحميل اللوم على المواطنين؛ إذ اتهمهم الرئيس بالتكاسل 92، ووجّه الانتقاد إليهم بسبب الزيادة السكانية، وأثرها السلبي في معدلات التنمية 93. ووصل الانتقاد أحيانًا إلى السلوك الشخصي، مثل الانتقاد الذي وجّهه إلى زيادة أوزان المصريين خلال استعراض نتائج "مبادرة 100 مليون صحة" 94.. السردية السادسة 6: إن السعي لتغيير هذا النظام هو في الحقيقة سعي لإسقاط الدولة، فكما ذكر الرئيس: "مفيش حاجة اسمها نظام، فيه حاجة اسمها مصر، دولة مصرية، الشعب المصري ينتخب، يأتي رئيس يمسك دولة واقفة على حيلها، مش نظام كل شوية يتغير ولمّا يتغير يقولوا لا، هي دولة مصرية، بمؤسساتها، سواء إعلامها وقضائها وجيشها" 95. وقد كرر الرئيس في مناسبات عدة تحذيره من أن أي سعي للتغيير هو استهداف للدولة المصرية، ومن ثم كان حريصًا على ترسيخ فكرة ربط بقاء الدولة باستمراره، والتخويف من أي عمل مناهض له: "بقول للشعب المصري لازم يبقى عندنا فوبيا من إسقاط الدولة" 96. وكرر التهديد بأن تلقى مصر مصير الدول الأخرى التي عصفت بها الحروب الأهلية، سواء في أعقاب الثورات
العربية، مثل ليبيا وسورية، أم بالإشارة أحيانًا إلى دول أخرى، مثل أفغانستان والصومال.. السردية السابعة: 7 بناء على السردية السابقة، تكون القوى المعارضة الساعية لإحداث تغيير قوى مخربة، تسعى لإسقاط الدولة، "إمّا تآمرًا أاو جهل " 97. وفي سياق آخر، اتّهم المعارضة بأنها عاجزة "بتاعة كلام"، وأن البلاد لا تُبنى "بالكلام" 98. بطبيعة الحال، وجّه الرئيس إلى جماعة الإخوان المسلمين القدر الأكبر من عبارات التخوين، فقد دأب في وصمها طوال سبع سنوات بأنها "أهل الشر" 99، وأنها "تنظيم دولي إرهابي غادر، لا يعرف قدسية الأرواح وحرمة الدماء[...]سعت أيادي الشر لترويع الآمنين في ربوع مصر وخلق حالة من الفوضى، من خلال العنف المسلح، في محاولة بائسة للعودة للحكم" 100، وأنها "عنصر ينخر في جسد وعقل مصر منذ 90 عامًا" 101. لذلك حين سُئل عن المستقبل السياسي للجماعة، أجاب بحزم: "طالما أنا موجود في السلطة لن يكون هناك أي دور للإخوان[...]الشعب المصري لن يقبل بعودة الإخوان للسلطة، لأن فكر الإخوان غير قابل للحياة ويتصادم معها" 102. بالمجمل، فقد استهدفت هذه السرديات قناعات المواطنين لترسيخ شرعية سلطة الأمر الواقع، بالطعن في الديمقراطية وجدواها، ولتسويغ الإجراءات الاستثنائية وانتهاكات حقوق الإنسان، والتشكيك في وطنية القوى السياسية المدنية وكفاءتها من جهة، وتعزيز الثقة في المؤسسة العسكرية، والتأكيد على السمات القيادية للرئيس، وعلى شرعية الإنجاز التي يتمتع بها من جهة أخرى، إضافة إلى التفزيع من "المؤامرات ضد الدولة"، والتعريض بالدول التي انهارت في المنطقة بسبب عدم الاستقرار السياسي، وخلق الآخر/ العدو المتمثل في الإسلاميين، وهي الاستراتيجية التي سّم اها عبد الوهاب الأفندي Insecurity Induced أو استحداث المخاوف، التي تتبعها الأنظمة السلطوية لإحداث الانقسامات داخل المجتمعات السياسية، وللإبقاء على دعم المواطنين، خصوصًا الأقليات، لها 103.
خامسًا: الشرعية السياسية المتجسّ دة في السلوك المجتمعي
تبعًا لنظرية القبول في الشرعية السياسية، التي تركز على كيفية تفاعل المواطنين مع السلطة القائمة عوضًا عن التركيز على قناعاتهم، حرص نظام تموز/ يوليو 2013 على استدعاء الأفعال الدالّة على اعتراف المصريين بشرعيته، سواء على نحو حقيقي أم مصطنع، خصوصًا مع عزوفهم عن المشاركة السياسية الرسمية، التي تبدّت في انخفاض نسب التصويت في العديد من الاستحقاقات الانتخابية. ولعل أبرز هذه الممارسات:
استدعاء الجماهير في صيغ غير انتخابية، مثل دعوة الشعب إلى التظاهر بهدف "التفويض السياسي"، وهي الممارسة التي لجأ إليها الرئيس السيسي في أعقاب الانقلاب في 26 تموز/ يوليو 2013، حين طلب – بوصفه وزيرًا للدفاع آنذاك – من الجماهير الخروج إلى الشوارع لمنحه تفويضًا لمواجهة الإرهاب "المحتمل" . وقد
ألمح الرئيس إلى إمكانية طلب التفويض مرة أخرى في مرات لاحقة عدة، أبرزها في أيلول/ سبتمبر 2019، لمواجهة موجة المظاهرات التي دعا إليها المقاول محمد علي، بعد سلسلة من التسريبات التي تحدث فيها عن النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة، واتهم فيها الرئيس وعائلته بالفساد . دعوة الجماهير إلى تمويل المشاريع القومية، كتلك الحملة التي قادها النظام لدعوة المصريين إلى تمويل مشروع توسيع قناة السويس في آب/ أغسطس 2014، وأعلن محافظ البنك المركزي عن أنه نجح في جمع 60 مليار جنيه خلال شهر واحد، واعتبر رئيس هيئة قناة السويس أن الهدف من هذا الإنجاز هو "تعزيز الثقة" بالدولة المصرية . كما يدخل في هذا الإطار الدعوات المتكررة التي وجهها الرئيس إلى المصريين للتبرع لمصلحة الصندوق السيادي "تحيا مصر"، الذي يديره على نحو مباشر لتمويل عدد من المشاريع القومية . في أعقاب الانقلابات العسكرية، مع تأميم المجال السياسي، أو نزع التسييس عن المجتمع، تتراجع عادة حدّة الاستقطابات السياسية، وتتوقف عمليات التعبئة الجماهيرية، والحشد في مقابل الحشد المضاد . وحالة الجمود السياسي هذه التي تسود المشهد المصري منذ سنوات عدة، يُصوّرها النظام باعتبارها استعادةً للسلم الأهلي، وسلوكًا مجتمعيًا يعكس توافقًا ضمنيًا حول سياساته، وقبولً بشرعيته السياسية، إلّ أنه، وفق هذا المعيار كذلك، واجه تحديات عدة، مثل موجة المظاهرات التي اندلعت اعتراضًا على التنازل عن السيادة على جزيرتي تيران وصنافير للسعودية في عام 2017، أو المظاهرات التي خرجت بعد تسريبات المقاول محمد علي في عام 2019، أو المظاهرات التي اندلعت في بداية حرب غزة في عام 2023، وتوجّهت فيها الهتافات ضد النظام ذاته، كذلك، سلسلة المظاهرات التي اندلعت رفضًا لقرارات نزع ملكية الأهالي في مدن عدة، مثل الجيزة والصعيد وبورسعيد، أو المظاهرات الرافضة تهجير بعض قبائل سيناء، إضافة إلى الاحتجاجات الفئوية والمطلبية لعمال بعض المصانع، أو تلك التي نظّمتها نقابتا الأطباء والمحامين لرفض تعديلات في نظام الضرائب.
خاتمة
استنادًا إلى نظريات الشرعية السياسية، تبدو الاستراتيجيات التي اتّبعها نظام تموز/ يوليو 2013 فعالة إلى حٍدٍ بعيد في تحقيق متطلبات الشرعية، ولو ظاهريًا، فبمقياس القدرة على فرض شرعية الأمر الواقع، يبدو النظام – حتى الآن – ممسكًا بزمام الأمور عبر الهيمنة المزدوجة (هيمنة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على جهاز الدولة البيروقراطي، وعلى المؤسسة التشريعية، ثم هيمنة الرئيس ودائرته على أجهزة الاستخبارات، واتّباع سياسات منع الانقلاب لضمان ولاء القوات المسلحة.) وخارجيًا، استطاع النظام أن يدخل في تحالفات إقليمية، وأن يوظف علاقاته الدولية بما مكّنه من تأمين الاعتراف الدولي والدعم المالي والعسكري، وسعى عبر المشاريع القومية الاقتصادية والتنموية الطموحة لاكتساب ما يمكن تسميته شرعية الإنجاز. كذلك حاول النظام اكتساب شرعية قانونية عبر انتظام العمليات الانتخابية، إّل اأن غياب الشروط الموضوعية للانتخابات النزيهة أثّر سلبيًا في صدقيتها. وكان النظام حريصًا على دسترة الممارسات والإجراءات الاستبدادية وتقنينهما بما مُيّ كّنه من إبقاء سيطرته على المجال السياسي، كما سعى لكسب اقتناع المواطنين بشرعيته السياسية عبر الترويج لعدد من السرديات من خلال هيمنته شبه التامة على الصحافة والإعلام، ومن خلال هذه السرديات عمد إلى إنتاج نسخته الخاصة من الوطنية المصرية، هذه النسخة التي لها سمات عدة، أهمها: أولًا، الشعبوية التي تُستخَدَم فيها المشاعر الوطنية أداةً لتحريك الجماهير لمناهضة قواعد الحكم الديمقراطي والمؤسسي لمصلحة الحكم الفردي؛ إذ تدّعي السلطة أنها تحكم باسم الشعب، لكنها في الوقت نفسه تعمل على تحجيم مسارات المشاركة السياسية ، وتروّج لمواطنة قائمة على تعظيم الانتماء إلى المجتمع السياسي/ الدولة، وليس على الحقوق والواجبات، كما تجعل المواطن مُساَءَلًا أمام السلطة، وما قدّمه لرفعة وطنه، وليس العكس، من جعل السلطة هي محل مساءلة من المواطنين. ثانيًا، العسكرة Militarism، باعتبار أن دعم المؤسسة العسكرية هو أحد أهم دلائل الوطنية المصرية، وهو ما يجعل الأدوار الوصائية
للقوات المسلحة على المجال السياسي، وكذلك التوسع المستمر لأنشطتها الاقتصادية في المجالات المدنية أمرًا طبيعيًا، وإيجابيًا في نظر المواطنين . ثالثًا، الإقصائية، وتعني وضع الوطنية المصرية في تناقض مع الأيديولوجيات الأخرى، مثل الإسلاموية، بدعوى أنها أيديولوجيا مناهضة للانتماء الوطني، أو في خصومة مع القوى الليبرالية والديمقراطية، باعتبار أن الأخيرة "طابور خامس" تعمل – بقصد أو من غير قصد – لمصلحة قوى إقليمية ودولية، وتستهدف إضعاف الدولة المصرية. كذلك، فإن النظام – وفق نظرية القبول للشرعية السياسية – حرص على تأطير تعامل المواطنين إيجابيًا مع السلطة، سواء في مظاهرات التفويض، أم في المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، أم في الدعم المادي للمشاريع القومية، على أنه اعتراف جلي بشرعيته، وحتى حالة العزوف السياسي تؤَّطَر بوصفها اعترافًا ضمنيًا بهذه الشرعية. مع ذلك، بعد ما يزيد على العشر سنوات، يبدو أن نظام تموز/ يوليو 2013 ما زال يواجه تحديات حقيقية، حدّت من قدرته على الاستعاضة عن حقوق المواطنة وواجباتها بالتوظيف الكثيف للمشاعر والرموز الوطنية، وفق صيغة "وطنية بلا مواطنة"، وهو ما ظهر مؤخرًا في اتخاذ النظام بعض الخطوات التي تشي بحدوث انفراجة سياسية، كإطلاق مبادرة للحوار الوطني، أو تفعيل لجنة للعفو الرئاسي عن المعتقلين، والسعي لإعادة عدد من المعارضين السياسيين في الخارج، وهي المبادرات التي يمكن اعتبارها – على محدوديتها – خطوات استباقية من النظام لاستيعاب أو وأد حراك سياسي، رآه قادمًا لا محالة.
المراجع
العربية
تونسي، سارة وعلي الرجال. "كيف نجح السيسي في إعادة إنتاج السلطوية في مصر؟." رواق عربي. مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. مج 26، العدد.1 2021/5/20 فh يttps://cutt.ly/OehNHvSw: جمال، محمود. "السيسي وسياسات الهيمنة على قيادات تقارير. المعهد المصري للدراسات الجيش.". 2021/6/16 فh يttps://cutt.ly/zehMtETi: صايغ، يزيد. "أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري المصري." مركز كارنيغي للشرق الأوسط 2019(.)
الأجنبية
Altınay, Ayse Gül. The Myth of the Military-Nation: Militarism, Gender, and Education in Turkey. New York: Palgrave Mac Millan, 2004. Aziz, Sahar F. "Military Electoral Authoritarianism in Egypt." Election Law Journal. vol. 16, no. 2 (2017). Cook, Steven A. Ruling but Not Governing: The Military and Political Development in Egypt, Algeria, and Turkey. Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 2007. Dogan, Mattei. "Political Legitimacy: New Criteria and Anachronistic Theories." International Social Science Journal. vol. 196, no. 60 (2009). Elbadawi, Ibrahim & Samir Makdisi (eds.). Democratic Transitions in the Arab World. Cambridge: Cambridge University Press, 2016. Gilley, Bruce. "The Meaning and Measure of State Legitimacy: Results for 72 Countries." European Journal of Political Research. vol. 45, no. 3 (May 2006). Grewaly, Sharan & Yasser Kureshiz. "How to Sell a Coup: Elections as Coup Legitimation?" The Journal of Conflict Resolution. vol. 63, no. 4 (April 2019).
Authoritarianism: "Legislating Amr. Hamzawy, Egypt's New Era of Repression." Carnegie Endowment for International Peace. 16/3/2017. at: https://cutt.ly/feh1lYNR Heywood, Andrew. Political Ideologies: An Introduction. London: Palgrave, 2017. Kienle, Eberhard. Egypt: A Fragile Power. London/ New York: Routledge, 2021. Martinelli, Alberto (ed.). When Populism Meets Nationalism Reflections on Parties in Power. Milano: Ledizioni LediPublishing, 2018. Merquior, J.G. Rousseau and Weber: Two Studies in the Theory of Legitimacy. London: New York: Routledge, 2006. Netelenbos, Benno. Political Legitimacy Beyond Weber: An Analytical Framework. London: Macmillan Publishers, 2016. O' Donnell, Guillermo & Philippe Schmitter. Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Conclusions about Uncertain Democracies. Maryland: The Johns Hopkins University Press, 1986. Pierson, Christopher. The Modern State. London/ New York: Routledge, 2004. Springborg, Robert. Egypt. Cambridge: Polity press, 2018. Sznajder, Mario, Luis Roniger & Carlos A. Forment (eds.). Shifting Frontiers of Citizenship: The Latin American Experience. Leiden/ Boston: Brill, 2013. Zaslove. Andrej et al. "Power to the People? Populism, Democracy, and Political Participation: A Citizen's Perspective." West European Politics. vol. 44, no. 4