الجمهورية الجديدة: رؤية قديمة ووعود لم تتحقق

Emad El-Din Shahin عماد الدين شاهين | ** Abdelrahman Mohamed عبد الرحمن محمد |

الملخّص

This study provides an analysis of Egypt's political system since 2013 , with a particular focus on President Sisi's efforts to establish and manage a "new republic." It explores the internal factors that influence the structure and nature of the regime and examines the regional and international contexts that shape this endeavor and contribute to its support, despite concerns over authoritarian practices and significant human rights violations. the study aims to elucidate the foundational principles, defining characteristics, and key dimensions of the "new republic." It also evaluates its strengths, prospects for success, functional role, and the reasons for substantial international endorsement of the regime. Furthermore, it assesses the extent to which the regime's rhetoric regarding the new republic aligns with practical realities and appraises President Sisi's efficacy in implementing this vision. Keywords: Egyptian Political System, Middle East Project, New Liberalism, Abdel Fattah El-Sisi.

The New Republic: Old Visions, Unfulfilled Promises

ت حّل ل هذه الدراسة الملامح الأساسية للنظام السياسي في مصر منذ عام 2013، وجهود السيسي في بناء "جمهورية جديدة" وإدارتها، وذلك من خلال البحث في العوامل الداخلية التي تساعد في تحديد شكل هذا النظام وطبيعته، فضلًا عن السياق الإقليمي والدولي لهذا المشروع والدعم الذي يحظى به النظام ويساعد في توطيد أركانه، على الرغم من طابعه الاستبدادي وانتهاكاته الواضحة لحقوق الإنسان الرئيسة. وتحاول الدراسة أيضًا تحديد أسس الجمهورية الجديدة وملامحها وأبعادها الأساسية، ونقاط قوّتها وفرص نجاحها ودورها الوظيفي وأسباب دعم كثير من الأطراف الدولية للنظام. وقتيّم مدى توافق شعارات النظام حول الجمهورية الجديدة مع الواقع العملي، ومدى نجاح السيسي الفعلي في إقامة جمهورية جديدة. كلمات مفتاحية: النظام السياسي المصري، مشروع الشرق الأوسط، الليبرالية الجديدة، عبد الفتاح السيسي.

مقدمة

يسعى عبد الفتاح السيسي لأن يرسم صورة لنظام يسعى لبناء "جمهورية جديدة" أو دولة جديدة، محاولًاإثارة مشاعر الأمل في الاستقرار والمستقبل الأفضل. تحلّل هذه الدراسة الملامح الأساسية لنظام السيسي، وجهوده في بناء هذه الجمهورية الجديدة وإدارتها، فضلًاعن السياق الإقليمي والدولي لهذا المشروع والدعم الذي يحظى به النظام، على الرغم من طابعه الاستبدادي وانتهاكاته الواضحة لحقوق الإنسان الرئيسة. وتراعي الدراسة عوامل معقّدة كثيرة عند إنجاز مثل هذا التحليل، مثل الاستبداد الداخلي والدعم الدولي، فتبحث في العوامل الداخلية التي تساعد في تحديد شكل النظام وطبيعته، فضلًاعن السياق الخارجي بوصفه عاملًامهمًافي توطيد أركانه. وتحاول أيضًا تحديد أسس الجمهورية الجديدة وملامحها وأبعادها الأساسية، ونقاط قوّتها وفرص نجاحها ودورها الوظيفي، وأسباب دعم كثير من الأطراف الدولية للنظام. وتقيّم مدى توافق شعارات النظام حول الجمهورية الجديدة مع الواقع العملي، ومدى نجاح السيسي الفعلي في إقامة جمهورية جديدة. في البدء، ينبغي لنا أن نشير إلى أن هذا البحث لا يُسلّم بمقترح الجمهورية الجديدة على عواهنه، بل يتناوله تحليليًا بوصفه ادّعاءً يسوّقه نظام السيسي لأسباب متنوّعة، مثل ترسيخ شرعية جديدة، أو بثّ الأمل في التغيير والتنمية المستقبلية، أو حشد الدعم من الأطراف الخارجية. تتعامل هذه الدراسة مع تعبير الجمهورية الجديدة، بوصفه شعارًا يشير النظام به إلى نوع من القطيعة بين جمهورية يوليو 1952 القديمة مع أصولها الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، والواقع الجديد 1 الذي جسّده السيسي في أكثر من مناسبة، باستخدام عبارة "أنا أبني دولة جديدة." وكما سنرى، فإن تعبير "الجمهورية الجديدة" لا يستند في الواقع إلى رؤية واضحة أو جديدة، بل يمثّل سياسات تسعى في المقام الأول للحفاظ على استمرارية النظام واستقراره؛ وهي سياسات تجد جذورها في مشاريع قديمة. ويخلص البحث إلى عدد من الاستنتاجات الأولية المتعلّقة بالدعوة إلى جمهورية جديدة: هناك علاقة مهمة بين السياق الداخلي والخارجي، وكلاهما يؤثّر في تحولّات النظام وصنع القرار فيه. ويُعدّ إدراك هذه العلاقة ضروريًا في فهم الأحداث الراهنة وتفسيرها. إن منطقة الشرق الأوسط تشهد تغييرًا واسعًا، تتبنّاه وتدعمه أطراف إقليمية ودولية متعدّدة، وما يحدث في مصر الآن يمثّل جزءًا من هذا المشروع. يؤدّي النظام المصري دور الوسيط في تنظيم المجتمع وتأهيله للاندماج في نظام إقليمي ودولي يعمل وفق قواعد جديدة. ويعني هذا، على المستوى الاقتصادي، مركَزَة السلطة والموارد في يد الدولة التي تديرها استنادًا إلى متطلّبات التكامل الإقليمي والدولي. أمّا في المجالين السياسي والأيديولوجي، فإنّ ذلك ينطوي على إزاحة التيارات السياسية التقليدية التي تسعى جاهدة لتوسيع مساحة المشاركة السياسية واحترام حقوق الإنسان، سواء أكانت دينية أم قومية أم اشتراكية أم ليبرالية. ويروّج النظام خطابًا سياسيًا مختلفًا وفهمً مغايرًا للقضايا الأساسية، مثل الاستقلال والسيادة الوطنية والأمن القومي، والمسائل المتعلّقة بالتنمية والتحديث والدين والهوية. تتجلّ عملية التغيير الشامل في التطلّع إلى إعادة بناء أبعاد الدولة الثلاثة: الأرض والإدارة والمجتمع. وثمّة توجّه إلى توسيع سلطة الدولة وسيطرتها، من أجل تنظيم قدراتها ومواردها، وتطويرها على نحو أكثر صرامة، وضمان استقلاليتها عن الشعب، ويصب ذلك كله في مصلحة التحوّل الإقليمي والدولي. ليس مشروع التغيير الشامل في مصر جديدًا أو حديثًا، فهو جزء من الجهود ومشاريع التغيير التي تستهدف الشرق الأوسط، وتتبنّاها وتدعمها أطراف إقليمية ودولية متعدّدة. فشلت الجمهورية الجديدة في أن تتحقّق على الأرض؛ لأن السيسي لم يرغب في بناء مؤسسات سياسية حقيقية. فضلً عن ذلك، كان لاستراتيجياته التنموية آثارٌ كارثية في الاقتصاد المصري ومستويات معيشة المواطنين، وقد لجأ إلى قمع المعارضة عوض السعي لبناء توافق في السياسات. من هنا، أدّت الجمهورية الجديدة حتى الآن إلى جمود سياسي وفشل اقتصادي وتغييرات عميقة، قد يتعذّر معالجة آثارها البنيوية والمؤسساتية والقانونية؛ ما سيؤثّر سلبيًا في مستقبل الأجيال المصرية المقبلة (ومثال ذلك المقاربة المتّبعة في سدّ النهضة، والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وتوزيع حصص الغاز في البحر الأبيض المتوسط، وبيع الأصول المصرية.)

  1. 1  قال السيسي، في كلمة له لمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو 1952: "إنني على يقين، من قوة عزيمتنا معًا، في الاستمرار بخطى ثابتة وواثقة، في الطريق الذي اخترناه جميعًا، من أجل الانطلاق إلى الجمهورية الجديدة، جمهورية التنمية والبناء والتطوير، وتغيير الواقع، جمهورية تؤسس نسقًا فكريًا واجتماعيًا وإنسانيًا شاملًا، وبناء إنسان ومجتمع متطور، تسوده قيم إنسانية رفيعة ورغم تعاظم الظروف المعاكسة." ينظر: "كلمة الرئيس السيسي بمناسبة الاحتفال بذكرى ثورة 23 يوليو"، الهيئة العامة للاستعلامات: بوابتك إلى مصر، 2022/7/23،؛ ينظر أيضًا:https://tinyurl.com/47merxnk:، في 2023/7/23 شوهد في Robert Springborg, "Egypt's Economic Transition: Challenges and Prospects," International Development Policy , no. 7 (2017).

أولًا: أسس الجمهورية الجديدة

1. التبعية الإقليمية والدولية شهد العالم والمنطقة، خلال العقدين السابقين للثورات العربية، اهتمامًا دوليًا متزايدًا ونشاطًا موجّهًا إلى تنسيق السياسات العالمية  2، ولا سيما تلك التي تتعلّق بالشرق الأوسط. وتذهب كريستي لاغارد، الرئيسة السابقة لصندوق النقد الدولي، إلى أن المنطقة تكتسي أهميتها من "مواردها الطبيعية الهائلة، وموقعها الجغرافي المميّز الذي يسهّل بلوغ الأسواق الرئيسة، وقوّتها العاملة الدينامية والشابة" 3، فضلًاعن أنها ساحة تتقاطع فيها مشاريع شتى الأطراف، مثل الصين وروسيا والهند، في ظلّ اقتصاد عالمي يبحث عن آفاق جديدة للنمو  4. وقد ركّزت الهيئات الدولية عملها آنذاك، على قضايا أساسية متعدّدة، أهمها دعم نظام السوق في المنطقة، ووضع خطط لتنسيق السياسات المحلية والإقليمية  5، وخطط التنمية المرتبطة بالجهود الدولية، فضلًاعن العمل على حلّ الصراع العربي - الإسرائيلي، بغية إرساء نظام إقليمي شامل يدمج إسرائيل مع الأطراف المختلفة الأخرى  6. مارس المجتمع الدولي ضغطه على أنظمة المنطقة، كي تُولي التنميَةَ الأولويَةَ وُتُنهي التدخّل الحكومي في الأسواق، فضلًاعن الحسابات السياسية القديمة التي كانت تحكم الإنفاق العام، وتخصيص الموارد وسياسات الحماية والتمييز في الأسواق المحلية؛ الأمر الذي استنزف الموارد، من دون أن ينعكس إيجابيًا على العدالة الاجتماعية أو النمو. تسهم هذه التدابير في تمهيد الطريق أمام نظام السوق الحرة التي يمكنها فتح المنطقة على الخارج، وجذب الاستثمارات وتنمية الموارد وتسهيل عملية التبادل العالمي. وشجّعت الهيئات الدولية تنسيق السياسات العالمية، عبر دعم الجهود المحلية في التخطيط وتقييم المشاريع وصنع السياسات، من أجل تنسيق عمل التنمية المحلية والإقليمية مع الجهود الدولية، ومن ثم التعامل الأفضل مع الفرص والتحدّيات العالمية والمحلية. من ثم، قطعت المؤسسات الدولية وشركاء التنمية، في تعاونها مع دول المنطقة، أشواطًا طويلة صوب تنسيق السياسات والتخطيط. ووضعت غالبية بلدان المنطقة الكثير من الرؤى والخطوط العريضة للتنمية المحلية، مصحوبة بخطط التعاون والتكامل الإقليمي، ولا سيما في مجال البنية التحتية  7. وطوّرت مصر عددًا من خطط التنمية الجزئية والشاملة على المدَييَن المتوسط والطويل، بالتعاون مع المؤسسات الدولية وشركاء التنمية في العقدين اللذين سبقا ثورة عام 2011 8، بدءًا من خطة تنمية مصر التي رأت النور في عام 19989، إلى الخطة الاستراتيجية القومية للتنمية العمرانية لعام 2052، التي كُشف النقاب عنها في عام 2011، فضلًاعن الكثير من الخطط القطاعية الخاصة بالطاقة والمياه والطرق والسياحة والتنمية العمرانية، وغير ذلك. في الوقت نفسه، لجأت بلدان المنطقة، بما فيها مصر، إلى تصميم مخطّطات مختلفة من أجل تحقيق التكامل المشترك، وربط مصر بجيرانها الأفارقة والأوروبيين. تضمّنت خطط التكامل شبكات الطرق البرية والممرّات البحرية وخطوط النقل، والسكك الحديدية، فضلًا عن شبكات الطاقة وإدارة المياه والغذاء وتنسيق النظم التجارية. كان الهدف من ذلك كله تهيئة الأرض لأسواق حرة مشتركة بين مصر والشرق الأوسط  10، ومصر وأوروبا، ومصر وأفريقيا. كما انطوت هذه

  1. Christine Lagarde, "Saudi Arabia: A Key Regional and Global Player," International Monetary Fund (IMF) Blog, 8/2/2012, accessed on 31/7/2023, at: https://tinyurl.com/49hwhruz
  2. 4  ينظر مثلًارؤية الولايات المتحدة الموضّ حة في: " Economic Development and Integration as a Catalyst for Peace: A 'Marshall
  3. 5  ثريا منفوخ، "التنمية من منظور الإقليمية: التجارة الإقليمية كمقاربة لتحقيق التنمية "،
  4. 6  تضمّنت الدراسات وأوراق العمل الخاصة بالقمة الاقتصادية العربية التي استضافتها شرم الشيخ في 16 كانون الثاني/ يناير 2011، مناقشات تتعلّق بربط الطاقة في المنطقة
  5. Cilja Harders, "Analyzing Regional Cooperation after September 11, 2001: The Emergence of a New Regional Order in the Arab World," in: Cilja Harder & Matteo Legrenzi (eds.), Beyond Regionalism (London: Routledge, 2008); Raphael Bar-El & Miki Malul, "The Role of External Partners in Regional Cooperation Projects in the Middle East," The Economics of Peace and Security , vol. 3, no. 1 (2008), accessed on 31/7/2023, at: http://doha-institute.org/XrtJ 8  Heba Handoussa et al., "International Cooperation behind National Borders: Country Case Study on Egypt," Office of Development Studies, UNDP, 2005, accessed on 31/7/2023, at: http://doha-institute.org/crrK 9  الهيئة العامة للتخطيط العمراني، وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، "خريطة التنمية والتعمير لجمهورية مصر العربية عام 2017: التقرير العام"، حزيران/ يونيو 1998، شوهد في 2023/7/23، في http://doha-institute.org/RryV: 10  Bernard Hoekman & Khalid Sekkat, "Deeper Integration of Goods, Services, Capital and Labor Markets: A Policy Research Agenda for the MENA Region," ERF Policy Research Report , no. 32, Economic Research Forum (July 2009), accessed on 23/7/2023, at: http://doha-institute.org/Wruy
  6. Plan' for the Middle East," Committee on International Relations, House of Representatives, 2002.
  7. المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، مج 10، العدد 3 (تموز/ يوليو.)2021
  8. (الكهرباء والغاز)، وخطة الربط البري (الطرق والسكك الحديدية)، وخطة الربط البحري، ومشروع الاتحاد الجمركي العربي ومنطقة التجارة الحرّة، ومشروع الأمن الغذائي الإقليمي. ينظر: "نص إعلان قمة شرم الشيخ الاقتصادية"، وكالة أنباء الإمارات - وام، 2011/1/20، شوهد في 2023/7/31، في https://tinyurl.com/myrcsdk7:

الجهود الدولية على خطط متعدّدة لإدارة الموارد المائية بين الدول المتشاطئة في حوض النيل  11. إضافة إلى ما سبق، أثارت أطراف دولية كثيرة الحاجة إلى التحديث بوصفه أساسًا للتقدّم والانفتاح على العالم، وتعزيز قدرات المجتمعات على التطوّر ومواجهة الأفكار المتطرّفة التي تهدّد الاستقرار المحلي والإقليمي والعالمي. وقد طُرحت مبادرات لا حصر لها من أجل تحديث التعليم والدين والقيم الاجتماعية والتوجّهات الشابة في مصر والشرق الأوسط، بغية تكريس السلام وقبول الآخر والاعتدال والانفتاح والحوار  12. بيد أن التعّث ركان مصير معظم تلك المشاريع، بفعل التحدّيات التي واجهتها عند التنفيذ، ولا سيما قدرة الحكومات على العمل والتغيير وتوفير الدعم الشعبي. لقد وجدت أطراف إقليمية ودولية كثيرة أن الثورات العربية، وانهيار الدولة في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، وصعود التيارات الدينية العنيفة في المنطقة، كانت لحظة فاصلة، لم تترك لأنظمة الحكم خيارًا سوى التفكير في التغيير. أيمكنه أن يخلق فرصًا جديدة للاستقرار والازدهار العالمي، أم سيؤجّج الأزمات؟ لقد ركّزت لاغارد على هذه المعضلة في المنطقة ومصر في قولها: " إننا في منتصف مرحلة انتقال دقيقة بين 'رفض الماضي' و'رسم ملامح المستقبل'[...]إنها فترة يتعّي نفيها الاختيار بين بدائل صعبة." ويستوجب هذا الأمر "تحوّلًا تامًا عن المسار السابق الذي كان يستخدم الدعم المعمم لاسترضاء المواطنين، بينما يُسمح لأصحاب الامتيازات الخاصة بالاستفادة من الممارسات الجائرة." من هنا، دعت لاغارد إلى بذل الجهود لإرساء "دعائم اقتصاد حديث وتنافسي عن طريق القضاء على المصالح المكتسبة وكسر شبكات التمييز التي تتيح أفضليات لأقلية مقرّبة، فتحول دون استثمار المنطقة إمكاناتها الاقتصادية الفعلية" 13. اغتنم السيسي هذه اللحظة لتكون فرصته للشروع في بداية مختلفة. فبعد انقلابه على الرئيس المنتخب شرعيًا (محمد مرسي)، استغلّ ضيق الوقت لاكتساب الشرعية الدولية وتوطيد أركان نظامه، والحصول على قروض المانحين الإقليميين والدوليين، عبر ترويج شعار "الجمهورية الجديدة" 14. لقد أتاحت هذه اللحظة فرصة لبداية جديدة، يتحرّك فيها النظام نحو إحداث تغيير شامل. كان الوقت قد حان لإعادة خطط التنمية القديمة إلى الواجهة ووضعها موضع التنفيذ، في عملية قد تستغرق 40 عامًا، وفق الخطة الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية لعام 2052 15. ذهب السيسي إلى أن أسس هذا التغيير وبنيته التحتية وخطوطه العامة، ستوضع على الأرض من خلال "تدخّل واسع للجيش، في غضون مدّة تتراوح بين 10 و 15 سنة" 16. ويمكن أن يفرض هذا التدخّل التغيير ويقوّيه، ويواجه القوى "الُمُعرِقِلة" ويسرّع العملية ويساعد في إنجازها. عرض السيسي، في مقابلته الصحافية الأولى خلال حملته الرئاسية، خطة عمل واستراتيجية تنموية، مشيرًا بوجه خاص إلى الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية لعام 2052 18، تلك الخطة التي صِ يغت أول مرة في عام 1997، واستندت إلى"خطة مصر 2000"، وهي الخطة العشرينية التي طُوّرت في عهد محمد أنور السادات 1981-1970(.) لقد طُِرِحت نسخ كثيرة من هذه الخطط الشاملة في الماضي؛ إذ ظهرت

  1. 11  ينظر في جهود الأمم المتحدة والجهود العالمية الرامية إلى وضع استراتيجية لإدارة الموارد في القارة، بمشاركة الأمم المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي ودول أخرى: UN Environment Program, Nile River Basin: Stock Taking of Adaptation Activities in the Nile River Basin (2004); Waltina Scheumann & Susanne Neubert, "Transboundary Water Management in Africa: Challenges for Development Cooperation," German Institute of Development and Sustainability, 2006. للاطلاع على مبادرة البنك الدولي والأطراف المتعاونة معه بشأن حوض النيل، ينظر: World Bank, "Stronger Together: 20 Years of Cooperation around the Nile,"
  2. 12  مصطفى الفقي، محنة أمة: خطايا النظم ومعاناة الشعوب (القاهرة: دار الشروق، 2003)، ص 351؛ Robert D. Lee, Religion and Politics in the Middle East , 2 nd ed. (New York: Routledge, 2019); UNESCO, "Global Citizenship Education: Actively Engaged Citizenship Through Political Education with a Global Perspective in Non-Formal and Informal Fields," 2019; Sara O. Ahmed, "Between Local and Global Citizenship in Egypt," in: Jason Dorio, Ehab Abdou & Nashwa Moheyeldine (eds.), The Struggle for Citizenship Education in Egypt (New York: Routledge, 2018).
  3. Christine Lagarde, "The Arab Spring, One Year On," International Monetary Fund, 6/12/2011.
  4. 14  قال السيسي، حين التقى المثقفين، في 12 أيار/ مايو 2014، إن "الدولة تحتاج للعمل وفقًا لاستراتيجية تعتمد على محاور متوازية، نظرًا لأن الأوضاع في مصر وصلت إلى طريق لا يمكن خلاله أن نحل كل مشكلة على حدة، خاصة مع تراكم مشكلات لأكثر من 40 عامًا." ينظر: '"السيسي' خلال لقائه بالأدباء والكتّاب: المفكرون يشكلون الضمير والوجدان فى مصر ولهم دور كبير في تشكيل وقيادة الرأي العام... والتحديات التي تواجه الوطن تحتاج لمنظومة وعي حقيقية لدى كل مواطن"، اليوم السابع، 2014/5/12، شوهد في 2023/7/23، فh يttp://doha-institute.org/vriY:
  5. 15  للاطلاع على نسخة عربية من التقرير، ينظر: الهيئة العامة للتخطيط العمراني، وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، المخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية ومناطق التنمية ذات الأولوية (القاهرة).2014:
  6. 16  ينظر: حوار السيسي مع رئيس تحرير صحيفة المصري اليوم، ياسر رزق، الذي تسربت قناة الجزيرة مباشر مصر، في منه مقاطع صوتية أذاعته 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، حيث طالب فيه صراحة بتحصين وضع المؤسسة العسكرية في الدستور، مشيرًا إلى توقعاته باستمرار الدور السياسي للجيش مدة قد تصل إلى 15 عامًا. وأشار السيسي إلى دور المؤسسة العسكرية في خطته للعمل على خطة مصر لعام 2054. وفي لقاء السيسي مع إبراهيم عيسى ولميس الحديدي، ينظر: #"مصر_تنتخب_الرئيس| الجزء الأول من حوار المشير #عبد الفتاح_ السيسي مع لميس_الحديدي و#إبراهيم_عيسى"، CBC Egypt، يوتيوب، 2014/5/5، شوهد في 2023/7/23، في https://tinyurl.com/mu9fdd3p: 17  المرجع نفسه.

نسخة منها في عام 2005، أعقبتها نسخة مُحَّدَثة في عام 2007، وثالثة في عام 2009، ونسخة نهائية في عام 2010 19. من هنا، ذهب السيسي إلى أن خطة عام 2052 جاءت "نتيجة تنسيق مُكثّف بين خبراء مصريين ودوليين" 20. إن الهدف من جهود التعاون بين المجتمع الدولي ومؤسسات التخطيط المحلية، يكمن في إنتاج خطة عمل واسعة، لصوغ مبادرات التنمية المحلية وتنسيقها، بغية ضمان مواكبتها جهود التنمية الإقليمية والعالمية واتجاهاتها. هكذا يغدو واضحًا أن السيسي لم تكن لديه رؤية خاصة للجمهورية الجديدة، بل استند ببساطة إلى رؤى قديمة لم تنفّذها الأنظمة السابقة، فضلًاعن الخطط الإقليمية والدولية التي ركّزت على إعادة إعمار البنية التحتية لمصر، وإدماج البلاد في النظام الإقليمي والدولي، من أجل تأمين الدعم الُمُقدّم لنظامه واستمراره. لقد انبثقت من هذه الخطط مشاريع محدّدة، أشار السيسي إلى بعضها في مقابلته دِرِجت تلك المشاريع لاحقًا في رؤية مصر الأولى. وُأ 2030، وناقشتها باستفاضة لجان وفرق عمل كبيرة، تضمّ المسؤولين وخبراء من الجامعات ورجال الأعمال والمثقّفين. يُعدّ التكامل الإقليمي والدولي ركيزة أساسية للجمهورية الجديدة. لقد قامت استراتيجية التنمية في جمهورية يوليو على الجهود الداخلية، وحشد الموارد المحلية لمصر، ومحاولاتها بناء علاقات مع جيرانها العرب والأفارقة، وفق فكرة مفادها أن الهيمنة والقيادة تبقى مصرية؛ الأمر الذي خلق توتّرًا مستمرًا في علاقة مصر ببعض دول المنطقة. بيد أن الظروف اليوم باتت تشكّل تحديًا؛ إْذْ لم تُعُد المنطقة كما كانت إبّان عهد جمال عبد الناصر 1970-1954()، فضلًا عن أن مصر ومواردها تعوق دخولها في سياسة من هذا النوع. تنخرط الرؤية الحالية في عملية إعادة تشكيل الدور المصري، من دولة محورية أو مركزية وفاعل إقليمي رئيس، إلى دولة هامشية وفاعل مساند يؤدّي أدوارًا وظيفية تخدم مصالح الدول الإقليمية الأخرى والفاعلين الدوليين. ولا تتضمّن هذه الاستراتيجية بطبيعة الحال أنموذجًا جديدًا لإدارة الموارد والأراضي فحسب، بل لصنع القرار أيضًا 21. لقد أشار السيسي، في الورقة البحثية التي اختتم بها دراساته التدريبية في الكلية الحربية للجيش الأميركي في عام 2006، إلى الواقع الجديد في مصر والمنطقة، قائلًا: "يجب على الشرق الأوسط أن يمعن النظر في نفسه بالطريقة التي تنظر بها دول الاتحاد الأوروبي إلى نفسها. إنها تمثّل دولًامتنوّعة[...]ولكنها ترى الحاجة إلى التنظيم من أجل تحسين أوروبا في الاقتصاد والأمن والنفوذ الدولي. وللأسباب نفسها، ينبغي للشرق الأوسط أن ينظّم نفسه ليكون منطقة موحّدة. سيساعد ذلك في تقوية الشرق الأوسط بوصفه منطقة واحدة، وقد يعزّز التفاعل في السوق الحرة" 22. وتابع السيسي القول إن على دول المنطقة اتخاذ إجراءات داخلية لتعزيز اقتصاداتها، مرجّحًا حاجتها إلى الدعم الذي تقدّمه الديمقراطيات الغربية. وسواء أكان الدعم الخارجي آتيًا من الاستثمار أم من الأعمال التجارية، فإنه يجب أن يضمن تشكيل "بيئة مرحّبة" به. ولتحييد أخطار الفساد "ينبغي إنشاء جهاز حكومي خاص أو نظام لتبليغ المعلومات"، يراقب الأعمال التجارية في الشرق الأوسط، حتى لا "يتلاشى" هذا الدعم الاقتصادي 23.

وركّز السيسي كذلك على خلق أشكال من التنظيم الإقليمي وهوية إقليمية مشتركة، بالقول: "هناك حاجة إلى نوع من الرؤية الموحّدة التي يمكنها توحيد دول الشرق الأوسط على نحٍوٍ أفضل، بصرف النظر عن شكل حكوماتها." وهذا من شأنه أن يمكّنها من رؤية نفسها

  1. 18  اتفق عثمان محمد عثمان، وزير التخطيط بين عامي 2001 و 2006، ووزير التنمية الاقتصادية بين عامي 2006 و 2011، مع كمال الجنزوري، وزير التخطيط رئيس الوزراء الأسبق، على أن رؤية مصر 2030 تختلف قليلًا في إطارها العام وتفصيلاتها المنوعة عن الخطة الاستراتيجية التي صدرت في عام. 1975 ينظر: عثمان محمد عثمان، "مئة عام من التخطيط هل تحققت التنمية؟"، المجلة المصرية للتنمية والتخطيط، مج 27 2019()، ص 40. أشار السيسي إلى أن هذا المسار يمثل مسار دولة: "الفكرة مش مين هنا أنا أو غيري، ده مسار دولة ولازم يبقى الشعب عارف ده ومتمسك بيه عشان يبقى مسار الدولة والمجتمع." كما أشار في خطابات أخرى إلى أن الخطط الحالية هي نتاج عمل من الأنظمة السابقة وقبل مبارك. ينظر: "كلمة الرئيس السيسي في ختام فعاليات المؤتمر الاقتصادي مصر 2022"، يوتيوب، 2022/10/25، شوهد في 2023/7/23، فh يttps://tinyurl.com/y6a4yez8:
  2. #" 19  عبد الفتاح_السيسي مع # مصر_تنتخب_الرئيس | الجزء الأول من حوار المشير
  3. Abdelfattah Said ElSisi, "Democracy in the Middle East," USAWC Strategy Research Project, 2006.
  4. Ibid., p. 9. 22  Ibid., p. 7.
  5. لميس_الحديدي و#إبراهيم_عيسى."

كما ترى أوروبا نفسها، فهي تمثّل أيضًا "دولًاوثقافات متنوّعة ذات مستويات معيشية متفاوتة." لذلك، يتعّي ن على حكومات الشرق الأوسط "إيجاد موضوع موحّد يجعل الشرق الأوسط منطقة موحّدة." ويذهب السيسي إلى أن هذا الأمر ينطوي على مخاطرة؛ إذ "تحتدم المعركة بين المتطرّفين والمعتدلين والغرب" 24. يحتّم هذا المقترح طرح مفاهيم جديدة للأرض والموارد والتنظيم والهوية  26. سيتعّي نعلى مصر مثلًاتحويل مناطقها الحدودية في سيناء وجزر البحر الأحمر والبحر المتوسط إلى مناطق للتنمية والتعاون، بدلًا من أن تكون مناطق نزاع قاحلة (ينظر خريطة الخطة الاستراتيجية لجنوب سيناء.) وعوضًا عن إدارتها وفق مفاهيم الأمن القومي التقليدية، بوصفها منشآت أمنية حيوية في المقام الأول، ستحتاج إلى أن تصبح مناطق تعاون مكتظّة بالسكان، يقوم أمنها على بناء منطقة مشتركة بين أطراف متعدّدة، استنادًا إلى التصوّر المطروح في خطة تنمية سيناء 2030 مثلًا. ومن المؤمّل أن يشارك معظم دول المنطقة في م شاريع منوّعة في سيناء التي تمثّل نقطة اتصال بين مصر والسعودية والأردن وفلسطين وإسرائيل  28. يرى النموذج التنموي لمحافظة سيناء أن شبه الجزيرة ملتقى للأديان والثقافات، وجسر لمستقبل جديد ونقطة لجذب السكان، وهي شقيقة لتطوّرات إقليمية أخرى، مثل مشروع نيوم في المملكة العربية السعودية ومناطق الموانئ في إيلات وطابا. من هنا، تعمل العاصمة الإدارية الجديدة على دفع العاصمة نحو الساحل في اتجاه السويس والبحر الأحمر، وبعيدًا عن ا لنيل؛ الأمر الذي يُعدّ مؤرّشًا على الاتجاه المستقبلي لحركة السكان والتنمية والتوسّع. على الرغم مما سبق، فإن المصالح الوطنية والمنافسة التاريخية بين الفاعلين الرئيسين في هذا التكامل تتحدّى تلك الرؤية. ففي ظل قيادات جديدة تدير زمام الأمور في السعودية والإمارات العربية المتحدة، تتفاقم حدّة المنافسة بين الدولتين على الرؤى الاقتصادية والمصالح الاستراتيجية والنفوذ الإقليمي والدولي. فالمشاريع السعودية الكبرى في مجال البنى التحتية والخطط الاستثمارية المتنافسة (السياحة وشركة الطيران الجديدة والأنشطة الرياضية) وسياسات إنتاج النفط، تثير قلق الإمارات على آفاقها الاقتصادية. ثمّ إن الخلاف بينهما تَعمّق بفعل الصراع في اليمن، ووجهات نظرهما المتعارضة بشأنه. وقد أبدت الدولتان أيضًا امتعاضهما من إفراط مصر في الاتّكال على مساعداتهما المالية، وعدم مساندتها لهما في صراعاتهما الإقليمية، ولا سيما في اليمن وليبيا والسودان. وطفت الخلافات بين الدول الثلاث على السطح أحيانًا، وتسبّبت في ممارسة ضغط حقيقي على الحلّ المطروح في مجال التكامل الإقليمي الذي عوّل عليه السيسي في إنقاذ اقتصاده. كشفت الحرب على غزّة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 عن قيود التكامل الإقليمي مع إسرائيل، ووضعت نظام السيسي في موقف متناقض. كانت مصر على مدار التاريخ الحديث، عنصرًا أساسيًا في دعم الحقوق الفلسطينية والتوصّل إلى حلّ عادل للصراع. أمّا في ظل حكم السيسي، فمنذ تولّيه السلطة، دأب على التعبير عن التزام نظامه بأمن إسرائيل ومواطنيها، وقد حرص على الاحتفاظ بعلاقات قوية معها والولايات المتحدة الأميركية، معتبرًا نفسه فاعلًا أساسيًا في تعزيز خططهما المستقبلية الخاصة بالمنطقة (فقد أكّد لدونالد ترامب دعمه الثابت لصفقة القرن، حتى قبل الكشف عن تفصيلاتها) 30. وحافظ نظام السيسي في بداية الحرب على استجابة منضبطة ومتحفّظة، وحذّر من فقدان الاستقرار الإقليمي، داعيًا إلى ضبط النفس وإنهاء الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، من خلال اللجوء إلى الحلّ السياسي لا العسكري. مع اشتداد أوار الحرب، بدأ التلويح بخطط توطين سكان غزة في سيناء، فأعرب السيسي عن رفضه التام لمثل هذه الخطط، ودعا إلى إمكانية توطين سكان غزة في صحراء النقب ريثما تنتهي إسرائيل من القضاء على المقاومة. وقد اقترح في مرحلة ما نزع السلاح في غزة ووضعها تحت الإدارة الدولية؛ ما يعني القضاء على حماس عمليًا. رضخ نظام السيسي طوال فترة الحرب إلى شروط إسرائيل في ما يتعلّق بتدفّق المساعدات الإنسانية من مصر عبر معبر رفح؛ إذ بقي المعبر مغلقًا معظم الوقت، الأمر الذي جعل النظام مشاركًا في تجويع أهالي غزة. وعلى الرغم من أن مصر كانت تمتلك عددًا من أوراق الضغط

  1. Ibid., p. 9.
  2. UN Economic and Social Commission for Western Asia, "The Water, Energy and Food Security Nexus in the Arab Region," 2016; David Malpass (13 th President of the World Bank Group), "Regional Integration in the Middle East and North Africa: A Call to Action," 29/10/2021; World Bank, "Convergence: Five Critical Steps Toward Integrating Lagging and Leading Areas in the Middle East and North Africa," 9/2/2020.
  3. الوزراء آنذاك حازم الببلاوي بشأن السد، ينظر: "الببلاوي: سد 'النهضة' يمكن أن يكون المصري اليوم سبب رخاء لمصر ودول حوض النيل"،، 2013/10/30، شوهد في 2023/7/23، فh يttp://doha-institute.org/nrdd: 26  Peter Baker & Declan Walsh, "Trump Shifts Course on Egypt, Praising Its Authoritarian Leader," The New York Times , 3/4/2017, accessed on 23/7/2023, at: http://doha-institute.org/Erff المصدر: الهيئة العامة للتخطيط العمراني، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

على إسرائيل (كالانسحاب من مفاوضات تبادل الأسرى، أو فتح معبر رفح، أو استدعاء السفير المصري في إسرائيل، أو تعليق اتفاقيات كامب ديفيد)، فإن السيسي لم يسمح للحرب المروّعة على غزة أن تعكّر صفو علاقاته بإسرائيل والولايات المتحدة، أو تعوق دور مصر في أي ترتيب إقليمي مستقبلي.

2. التحديث في خدمة السيطرة

تدور طبيعة التحديث المنشود - سواء جاء من المؤسسات الاقتصادية الدولية أم من المشاريع السياسية المختلفة التي تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة - حول ضرورة إعادة صوغ العلاقة التي تربط بين النظام المصري والعالم الخارجي. ويشمل هذا التحديث صنع السياسات وإدارة الموارد وطريقة معالجة التحدّيات والحفاظ على التوازنات الإقليمية والأمن الداخلي، فضلًاعن وجوب الحدّ من خريطة الخطة الاستراتيجية لجنوب سيناء

نفوذ الدوائر البيروقراطية والاقتصادية الذي تمارسه في قلب النظام والدولة والموارد المصرية  31. ويتّسم ضمان استقلالية النظام عن جماعات الضغط المحلية بأهمية كبرى؛ لأنه مُيّ كّن النظام من تبنّي سياسات تنموية تسمح له بتلبية المتطلّبات والشروط الدولية، من دون قيود داخلية. لقد طرحت لاغارد ملاحظات بشأن المنطقة، وهي تتّفق تمامًا مع ما ذُِكِر سابقًا. قدّمت هذه الدعوة خدمة ممتازة للسيسي؛ إذ منحته فرصة التخلّص من التحالفات القديمة وإعادة صوغ دور الدولة المصرية. وتتمثّل رؤية نظام السيسي للتحديث في بناء دولة الجباية بدلًامن دولة الرفاه؛ أي إن الدولة ستكفّ عن تلبية الاحتياجات

الاجتماعية، مثل التوظيف والتعليم والصحة والدعم، وتركّز على زيادة الموارد والتنظيم وتحصيل الواردات. ومن شأن ذلك أن يُنهي الامتيازات الممنوحة للدوائر التقليدية غير العسكرية، ويفتح الباب أمام القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب  32. يعتقد السيسي أن مصلحة النظام والدولة تكمن في الانفتاح على العالم الخارجي وتغيير تحالفاته الداخلية، وتوجيه دعم الدولة وامتيازاتها صوب الاستثمار الأجنبي.

أ. تحديث الدولة

عانت جمهورية يوليو والدولة المصرية أزمات مزمنة، تمثّلت في بنية الجهاز الإداري وأدائه، والبنية التحتية المتهالكة والتخطيط العشوائي (فبعد الخطة الخمسية الأولى، لم تُنَجَز خطة خمسية واحدة في عهد عبد الناصر) 33. وُيُعاني الجهاز البيروقراطي الحكومي المصري تضخمًا مفرطًا؛ إذ يضّم 35 وزارة، ونحو 6 ملايين موظف حكومي، فضلًا عن نظام إداري محلي يعاني المركزية والفساد وهيمنة البيروقراطية التقليدية العاجزة. كما ابُتُِل يهذا الجهاز الإداري المترهّل بازدواجية في الأدوار والصلاحيات؛ ما أثّر سلبيًا في أدائه وحجم الموارد التي يستهلكها، وقدرته على خدمة المصلحة العامة. تطمح خطة تحديث الدولة إلى إحكام السيطرة على الموارد، وتشديد الرّقابة على المجتمع والتحكّم فيه. وهذا كلّه يقتضي إصلاح الجهاز الإداري، من خلال تدابير تهدف إلى استخدام التكنولوجيا وتقليل الاتّكال على العنصر البشري وتطوير الحكومة الذكية وإنشاء بنية تحتية تكنولوجية متطوّرة لهذا الجهاز، فضلًاعن تقليص عدد القوى العاملة في الخدمة المدنية. إن من شأن هذه التدابير أن مُتّ كّن الدولة من الوصول إلى المعلومات والبيانات وتحليلها وتوظيفها ورصد الرأي العام وممارسة الرّقابة والإشراف ومكافحة الفساد  34. يقتضي التحديث أيضًا تطوير نظام الهندسة الاجتماعية، لتوزيع المناطق الحضرية والمدن والمواقع الإدارية الحساسة على نحو أكثر عقلانية، إذا ما قُورنت بحالة التخطيط العشوائي السابقة التي فرضت على الخدمات والأمن تحدّيات متعدّدة. ويقتضي الأمر كذلك تطوير البنية التحتية الإدارية وأنظمة الرقابة والتحكّم والتنظيم (قواعد البيانات الخاصة بالأفراد والموارد والأراضي والممتلكات)، وتطوير الكادر الإداري التابع للدولة والُمُوالي لها، وتطوير أساليب العمل والتنسيق مع الهيئات الاستشارية الدولية والخاصة، ومعالجة مشكلة التضخّم الإداري (سواء من حيث عدد الموظفين المدنيين، أم من حيث تداخل الأجهزة الإدارية وازدواجيّتها)، والسيطرة على الجهاز الإداري والتكاليف (الخاصة بالمحسوبية والأعمال والخدمات) من خلال المدن الإدارية، حتى تُنَّظَم الكوادر الإدارية الأساسية ومعظم العمليات الإدارية الأساسية، في أماكن مركزية محدّدة (المدن الإدارية مثل العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة الَعَلَمين والمدن في سيناء.) ومن شأن ذلك أن يسمح بممارسة مزيد من السيطرة على حركة الأفراد ومراقبتهم، وتكثيف التحكّم في إيرادات المؤسسات ونفقاتها. يُعدّ تحديث البنية التحتية وتخطيط الدولة أمَرَين محورَّييَن  35 في إعادة رسم خريطة البلاد السكانية والاقتصادية والإدارية. ولتحقيق ذلك، هناك حاجة إلى اتخاذ عدد من التدابير، مثل إنشاء مدن ومحاور جديدة وإعادة توزيع الأنشطة الاقتصادية والتخطيط الرسمي بدلًامن التخطيط العشوائي (منح تراخيص البناء وإزالة العشوائيات والاقتصاد غير الرسمي، ورأس المال غير الُمُستثَمَر خارج النظام المالي)، فضلًاعن الرّبط بين مختلف مناطق البلاد من جهة، وبينها وبين جيرانها العرب والأفارقة من جهة أخرى، وضمان تكاملها كلها (مشاريع ربط شبكات الطاقة والكهرباء والغاز والنفط، والربط الُطُرُقي، وتنظيم الموارد المائية.) لقد تطلّعت مصر منذ أمد بعيد إلى إنجاز بعض هذه المشاريع، لكنّها أرادت أن تضمن أولًاالسلام مع إسرائيل وتقوية علاقاتها بأفريقيا (مشاريع ربط الطرق وشبكات الكهرباء والمشاريع الزراعية المشتركة وتنظيم المياه) 36.

ب. صورة جديدة لمصر

خلال العقود السابقة، عكست مصر لنفسها صورة بلد رثّ ومتهالك وعشوائي، تميّزه البيوت البسيطة والمتواضعة منذ عهد عبد الناصر؛ الأمر الذي كان يتعارض مع صورة البلاد قبل ثورة عام 1952، حتى

  1. ينظر: سامر سليمان،  9 النظام القوي والدولة الضعيفة: إدارة الأزمة المالية والتغيير السياسي في عهد مبارك (القاهرة: دار ميريت،.)2006
  2. Ibid.; Jean-Pierre Chauffour, From Political to Economic Awakening in
  3. 30  تحدّث السيسي كثيرًا في هذا الأمر خلال مقابلاته وخطاباته، كما هي الحال
  4. the Arab World: The Path of Economic Integration (Washington, DC: World Bank, 2013).
  5. في خطابه الافتتاحي خلال مؤتمر رؤية مصر 2030، فضلًاعن تصريحاته في جلسة حول الذكاء الاصطناعي خلال مؤتمر الشباب، في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2019. ينظر: "كلمة الرئيس السيسي خلال جلسة الذكاء الاصطناعي والبشر"، يوتيوب، 2019/12/16، شوهد في 2023/7/23، في https://tinyurl.com/yp89fa9k: 31  في مؤتمر "حكاية وطن" الذي عُِقِد في 30 أيلول/ سبتمبر 2023، أشار مصطفى مدبولي؛ رئيس مجلس الوزراء المصري، إلى تاريخ هذه الأفكار والمشروعات الذي يعود إلى عام.2007 ينظر: "كلمة رئيس الوزراء مصطفي مدبولي خلال مؤتمر 'حكاية وطن' بحضور الرئيس السيسي"،، يوتيوب 2023/9/30، شوهد في 2023/10/30، في https://tinyurl.com/yvsaj9jy:؛ ينظر الأهرام أيضًا: عبد المنعم سعيد، "أربعة وجوه للحداثة المصرية"،، 2020/8/7. 32  في كانون الأول/ ديسمبر 2022، تحدّث السيسي عن الحاجة إلى إعادة تخطيط الدولة. ينظر: "رد منطقي من الرئيس السيسي على سؤال: انتم بتعملوا طرق وكباري ليه؟ طيب ليه ما توقفوش المشروعات القومية؟"، ONtvLIVE، فيسبوك، 2022/12/1، شوهد في 2023/10/30، في https://shortly.at/LIrYt:

إنّ السيسي قال ما معناه إنه تسلّم دولة رثّة. من هنا، كان تحديث مصر يعني تحسين ذلك، وتحويلها إلى صورة جديدة مُصطَنَعة ومبالغ فيها. هكذا باتت الدولة تتبنّى الخطط والعمارة والفعاليات التي تبُرز حضارة مصر المنوّعة (تعتمد عمارة المدن الجديدة ةيرمعالام طانلماأ نع لاضًااف، ةثيدح ةيرمعام لا ااكشأ اهطيطختو الشرقية والفرعونية والرومانية والإسلامية، وموكب الفراعنة الذهبي، ومجمع الأديان، ومتحف الحضارات.) والمقصود من هذا كلّه أن يعّب رعن تراث مصري متعدّد الثقافات والأديان، وهو جزء من الشرق الأوسط والبحر المتوسط وأفريقيا، ويمتدّ عبر حقب تاريخية متنوّعة (الفرعونية والإبراهيمية واليهودية والمسيحية والإسلامية، ومصر محمد علي الحديثة ذات التوجّه الغربي.) هكذا تصبح مصر تجسيدًا حقيقيًا لهوية شرق أوسطية جديدة (التكامل الإقليمي) 37.

ج. تحديث المجتمع

تُعدّ عملية تحديث المجتمع ركيزة أساسية في معظم الأفكار والخطط الرامية إلى إحداث التغيير في مصر والمنطقة. ويركّز مشروع الشرق الأوسط الجديد على أهمية الحداثة في عملية الإصلاح؛ الأمر الذي سيفتح الباب أمام المنطقة في تحقيق الاستقرار والتنمية الُمُستدامة  38. إن عنصر التحديث الأول، كما أشرنا آنفًا، يكمن في إعادة النظام إلى المجتمع والسيطرة عليه، من خلال التخطيط والقضاء على العشوائيات، وفرض اللوائح التنظيمية والرّقابة وتطوير البنية التحتية كي تستوعب حاجات المواطنين وتنظّمها (الإسكان والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والدينية.) وُتُعدّ استراتيجية بناء المواطن المصري جزءًا أساسيًا من تصوّرات نظام السيسي للتحديث. فمنذ لقائه بالمثقّفين خلال حملته الرئاسية في عام 2014، دأب السيسي على الإشارة إلى فكرة بناء "الإنسان المصري الجديد." وقد شهدت هذه الفكرة تطويرًا أكبر، خلال فترته الرئاسية الثانية، ففي خطابه الافتتاحي أمام مجلس النواب، قال إن "بناء الإنسان المصري هو الأولوية القصوى للدولة. ولما كان كنز مصر الحقيقي هو الإنسان، فإن هذه العملية يجب أن تكون شاملة، بحيث يُعاد تعريف الهوية المصرية 'بعد محاولات العبث' بها" 39. لا ريب في أن الواقع يدعونا إلى التشكيك في صدقية تلك الشعارات، إذا ما أخذنا في الحسبان الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان والحريات المدنية والفردية، فضلًاعن اعتقال آلاف الشباب من دون مسوّغ، ولا سيما أولئك الذين شاركوا في ثورة 25 يناير التي يحمّلها السيسي مسؤولية تدهور الأوضاع في مصر.

د. العلاقة بين الدولة والمجتمع

حتى تسعينيات القرن الماضي، اعتاد المصريون الاتّكال على الدولة في نيل الوظائف وتوفير الخدمات وحماية الأسعار. كان ذلك هو أساس الَعَقد الاجتماعي في جمهورية يوليو؛ إذ توفّر الدولة المتطلّبات الأساسية للمواطنين، في مقابل الاحتكار الاستبدادي للقرار السياسي. سادت ثقافة الاتّكال تلك، ما ولّد معارضة شديدة لأي محاولة من الدولة التخّل يعن دورها، وريبة في الاستثمار الخاص والأجنبي. كان هذا الفهم متجذّرًا بعمق في نفوس المواطنين، وموقفهم من رعوية الدولة التي باتت عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها أو تطوير قدراتها. ناقش السيسي ضرورة تغيير نظرة المواطن إلى الدولة، وتوزيع الموارد واستخدامها بشكل أكثر كفاءة. لقد ذهب إلى أن الدولة ينبغي لها أن تكفّ عن أداء دور الُمُِعِيل، لا للمواطنين العاديين فحسب، بل لطبقة رجال الأعمال المقرّبين التي تحظى بفائدة أكبر من مُدَخلَات الإنتاج المدعومة من الدولة والسياسات الحمائية. عوض ذلك، يجب على الدولة أن تركّز على تعظيم مواردها عبر تحصيل الضرائب

  1. 33  حدّد المؤتمر العالمي للشباب الذي عقد في الفترة 6-2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، سبع ركائز تشكّل عناصر أساسية في إعادة بناء الهوية المصرية. ينظر: Samir Sobhi, "The pillars of Egyptian identity," Ahram Online , 28/10/2018, accessed on 30/10/2023, at: http://doha-institute.org/Hrgb
  2. 34  الفقي، ص.351
  3. 35  خطاب الرئيس السيسي أمام البرلمان، خلال أدائه اليمين الدستورية لفترة رئاسية ثانية، 1 حزيران/ يونيو 2018؛ ينظر أيضًا: أحمد حافظ، "استراتيجية الرئيس لبناء الشخصية: الأهرام مصري وطني ذو هوية وعقلية دولية يبحث ويفكر ويبدع"،، 2018/6/2، شوهد "'أسامة http://doha-institute.org/Lrhh ماهر، مصطفى؛،: 2023/10/30 في في الأهرام الأزهري' يناقش ملامح الشخصية المصرية في كتاب جديد"،، 2018/4/2، شوهد في 2023/10/30، في http://doha-institute.org/YrjC:

واللوائح التنظيمية، مع إعادة توجيه الإنفاق صوب البنية التحتية والمصلحة العامة. يعني هذا التوجّه أن تحقيق ذلك غير ممكن من دون إعادة تنظيم تحالفات الدولة، وتحويل دعمها إلى أطراف جديدة (رأس المال الأجنبي والاستثمارات الأجنبية)؛ لأنها ستخدم التوجّه الجديد للدولة، وتنميتها بصفة أفضل من الاتّكال السابق على الحلفاء المحليين التقليديين. ويعني هذا التوجه أيضًا أنه لا يمكن الاعتراض على بيع الأصول للأجانب، أو منح غير المصريين وضعًا تفضيليًا في السوق المحلية، ما دام ذلك يصبّ في خدمة المصلحة العامة، ويؤمّن مصدرًا جديدًا لدعم النظام. ويتطلّب ما سبق تقديم تسهيلات لهذه الأطراف الأجنبية في الإقامة وتملّك العقارات والعمل والاستثمار، والحصول على الجنسية في مقابل الاستثمار، كما هو شائع في الكثير من دول المنطقة التي تمنح الجنسية والإقامة الطويلة الأجل والإعفاءات الضريبية، لجذب الاستثمارات الأجنبية. وهذا يعني التخّل ي عن المعاملة التفضيلية للمصريين، لأنها تقوّض المنافسة العادلة في السوق، وُتُهدر فرص مصر في تنمية مواردها أو الاستفادة الُمُثلى منها. هكذا تصبح البلاد أرض فرص للجميع، كما هي الحال في معظم الدول الغربية. ويظهر أن هناك سعيًا واضحًا نحو تغيير نظرة المجتمع إلى العالم الخارجي والدولة. ففي ما يتعلّق بالعالم الخارجي، كانت النزعة الوطنية السائدة، في ظل جمهورية يوليو، تنظر إلى الأجانب بوصفهم مستعمرين أو سائحين. لكن نظام السيسي يرى أن هذه النظرة تعوق جذب الاستثمارات الأجنبية وتعظيم مكاسب السياحة. من هنا، تغدو الركيزة الأساسية في خطط تغيير المجتمع كامنة في استعادة مصر مكانتها، بوصفها دولة كوسموبوليتانية منفتحة على العالم والغرب، وذلك يناقض الرّيبة والعدائية التي سادت جمهورية يوليو تجاه الغرب. وتنظر الجمهورية الجديدة إلى هذا الأمر بوصفه دعامة ضرورية وجوهرية للانفتاح. لقد أشار السيسي إلى نشأته في وسط القاهرة، بمناخها المنفتح على الأجانب وتعدّديتها الثقافية والإثنية والدينية، وسعيًا منه لإحياء هذه الأجواء في مصر، ركّز على التعايش بين الإثنيات والثقافات والأديان المختلفة، والحاجة إلى الانفتاح على الخارج، وإتاحة الفرص للأجانب كي يشاركوا في عملية التنمية والتمويل وتوفير الموارد، من أجل تحقيق التكامل بين شتى الأطراف في الشرق الأوسط، والعودة بمصر إلى عصر انفتاحها على الأجانب، ومشاركتهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية  40.

ه. إعادة تقييم دور الدين في الدولة والمجتمع والسياسة

يتجّل ىدور الدين في الجمهورية الجديدة عبر ثلاثة أبعاد مختلفة؛ أوّلها استخدام السيسي الدين ومكانته الاجتماعية في تعزيز شعبيته وصورته، في ظلّ صراعه مع الإسلام السياسي، وكي يُظِهِر عدم معاداته للإسلام. يقدّم السيسي نفسه بوصفه نموذجًا للمسلم المتدين والمعتدل وذي العلاقة المميزة بالله، يتمنى منه ويسأله ويتلقّى عنه. ويعمل على منع الجماعات السياسية ذات المرجعية الدينية من تحويل الدين إلى أيديولوجيا سياسية. ويتمثّل البعد الثاني في استخدامه الدين لتقويض الحركات الشعبية التي يمكن اعتبارها انتق لًا إلى مرحلة ما بعد الإسلام السياسي. هكذا قال السيسي إن "المجتمع رفض هذه التيارات، ولا يمكن أن تعود مرة أخرى" 41. وقد كُِّسرِ ذلك في الدستور، سعيًا لحماية الطبيعة المدنية للدولة. أما البعد الثالث، فيكمن في دعوته إلى تحديث الدين ودوره في المجتمع، ويتّضح ذلك في الاتجاه صوب علمنة الدولة والقوانين. لقد أشار السيسي مثلًا إلى ضرورة تحديث بعض الجوانب التشريعية، مثل قوانين الأحوال الشخصية، سواء الإسلامية أم المسيحية، بهدف تحديث المجتمع 42. ويسلّط السيسي الضوء على الاتجاه الذي يميّز بين إسلام الدولة وإسلام الفرد من جهة، والحاجة إلى حيادية الدولة عبر احترام المعتقدات كلها من جهة أخرى. وقد أكّد أن الدولة الدينية غير موجودة في الإسلام؛ لأن الدولة تشمل المسلمين وغير المسلمين. هكذا يعتقد السيسي أن على الدولة أن تحتفظ بحياديتها وتحترم الدين وتتقبّله، وتقف في وجه محاولة القوى الدينية السيطرة عليه، وفرض رؤيتها على المجتمع  43. وقد حاول السيسي تعضيد هذا الموقف في صراعه مع الإسلام السياسي، بل مع شيخ الأزهر، محاولًاإخضاع المؤسسة الدينية التي ينيف عمرها على قرن  44. ثمّة رغبة واضحة في النأي عن السياسة التي تهيمن عليها قضايا الهوية والأيديولوجيا (الصراع المتواصل بين الفصائل السياسية على أساس أيديولوجي لا سياسي، كالصراع على هوية الدولة والموقف من الدين وتطبيق الشريعة مثلًا) والتحوّل إلى ممارسات سياسية مختلفة تقوم على مصالح ملموسة،

  1. #" 36  عبدالفتاح_السيسي مع# مصر_تنتخب_الرئيس | الجزء الأول من حوار المشير لميس_الحديدي و #إبراهيم_عيسى."
  2. 37  المرجع نفسه.
  3. 38  في ما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية، ينظر مثلًا: نوران السيد أحمد، صدى، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي "النظام المصري يتخبط في قانون الأحوال الشخصية"،، 2021/8/2، شوهد في 2023/10/30، في http://doha-institute.org/7rkc:
  4. #" 39  عبدالفتاح_السيسي مع# مصر_تنتخب_الرئيس | الجزء الأول من حوار المشير لميس_الحديدي و#إبراهيم_عيسى."
  5. Nathan Brown & Mariam Ghanem, "The Battle over Al-Azhar," Carnegie Middle East Centre, 31/5/2017, accessed on 30/10/2023, at: http://doha-institute.org/CrlW

لا على شعارات أيديولوجية (شعار "الإسلام هو الحل"، أو شعارات الاستقلال ورفض التبعية التي يروّج لها أنصار الدولة المدنية أو الوطنية أو شعارات الليبرالية التي يرفعها أنصار الدولة المدنية.)

3. التنمية التابعة لأطراف خارجية

على مدى عقود طويلة، عُدّت التنمية إحدى قضايا الأمن القومي؛ إذ ترتبط بشؤون استراتيجية كالاستقلال واحترام السيادة الوطنية والاستقلالية في صنع القرار الوطني، والسيطرة على الموارد المحلية، والانحياز للفئات ذات الدخل المحدود. شكّل هذا الأمر دعامة أساسية لجمهورية يوليو، لكن مقاربة الجمهورية الجديدة استندت إلى أسس مختلفة، هي التكامل الإقليمي والتبعية الدولية؛ ما يعني تحقيق التنمية من خلال التكامل الاقتصادي مع دول الجوار، والاتّكال على الشراكة الدولية  45.

ينصّ مشروع التنمية الُمُقتَرَح في الشرق الأوسط، على التنظيم وتقاسم الأدوار والموارد بين دول المنطقة، على أساس تعاونها المتباَدَل. ولما كانت مصر تؤدّي دورًا وظيفيًا محوريًا في هذا المشروع، فهي تعمل على تطوير جزء كبير من ثرواتها الطبيعية، مثل الأراضي الزراعية والمواقع الأثرية والسياحية ومواردها، بوصفها فرصًا للاستثمار والنشاط الاقتصادي المشترك. كما تسهم مصر بمواردها البشرية وسوقها الاستهلاكية. أما الأطراف الأخرى، فمهمّتها تتلخّص في التمويل (رأس المال) والاستثمار، أو توفير التكنولوجيا اللازمة (وأهمها إسرائيل وتركيا)، أو أداء مهمة إدارية. إن المنطقة تعيش تحوّلًامن "الاقتصاد القديم القائم على النمو المحّل يودور الدولة" 46، إلى اقتصاد قائم على التكامل والتبعية والتعاون وتعدّد الأطراف. وفي إطار هذا التحوّل، تُفَرَض شروط ومحدّدات تقيّد حرية أي طرف من الأطراف في الاتّكال على نفسه، أو يكون مستقلًافي استخدام موارده، حيث يستطيع الاستغناء عن الأطراف الأخرى أو تهديدها، أو الامتناع عن المشاركة في تقاسم الأدوار والموارد الإقليمية. ولعلّ المثال المصري الأبرز على ذلك هو مشكلة المياه في نهر النيل، فلكي توفي مصر التزاماتها في عملية التنظيم الإقليمي وتقاسم الموارد، ينبغي لها أن تقبل بسدّ النهضة في إثيوبيا، وتدعم مشاريع الطاقة ومشروع الحزام الأخضر. يهدف المشروع الأخير إلى تنظيم الموارد الزراعية في أفريقيا والشرق الأوسط، أي الموازنة بين المناطق الزراعية الأساسية في الدول الأفريقية التي ستكون مصدرًا رئيسًا للغذاء في الشرق الأوسط، والمحاصيل التصديرية المتخصّصة المزروعة في عدد من الدول، أهمّها مصر. ولسدّ الحاجة المحلّية، يسعى هذا المشروع لتوجيه الإنتاج الزراعي نحو التصدير، بدلًامن التركيز على المحاصيل الموجهة إلى الاحتياجات المحلية. وستتخّل ىمصر عن جزء لا يُستهان به من استهلاكها لمياه النيل، في مقابل دعم مشاريع تحلية المياه والتنمية، مع شركاء إسرائيليين وعرب ودوليين. تحظى هذه الرؤية بتأييد القيادة السياسية الحالية في مصر  47؛ الأمر الذي يفّس رتردّد نظام السيسي في إحباط مشروع سدّ النهضة من خلال المفاوضات أو الضربة العسكرية، على الرغم من المطالب الشعبية. ووجد هذا الموقف صداه في اتفاقية "إعلان المبادئ حول سد النهضة الإثيوبي" التي وقّعها السيسي مع إثيوبيا والسودان في عام 2015، والتي لم تُعَرَض على أي هيئة تمثيلية في مصر. أقرّ السيسي استراتيجية تنموية تعتمد التوسّع الهائل في البنية التحتية، والمشاريع الكبرى التي مُتّ وّلها غالبًا قروض المنظمات الدولية والدول الإقليمية. وحين طرح السيسي دراسات الجدوى الاقتصادية جانبًا، وابُتُِل يالمقرّبون منه بالخشية من مخالفته، فشل عدد كبير من تلك المشاريع الكبرى، أو أنها لم تحقّق العائد المرجوّ منها، أو

  1. Ahmed Emad Dardir, "al-Mashat: 2014 Shahadat Tahawwul fi 'Alaqat Misr ma' Mu'assasat al-Tamwil," Almasdar , 30/9/2023, accessed on 30/10/2023, at: http://doha-institute.org/3rzo
  2. Ibid.
  3. 43  المثال على ذلك إشارة السيسي، في خطابه أمام مؤتمر رؤية مصر 2030 في عام 2016، إلى المياه والتعاون مع دول حوض النيل، حين قال: بينما تحرص مصر على تلبية حاجتها المائية، تسعى أيضًا للتفاعل مع متطلبات التنمية في دول حوض النيل الأخرى. وأضاف أنه يعمل على مواجهة تحدّي سد النهضة، لتعويض المياه التي ستفقدها مصر عند ملء الخزان، في مراحل مختلفة من البناء.

أنها لم تُعُد بالنفع على المواطن العادي، على الرغم من أن الإنفاق عليها قد كبّد الدولة مليارات الدولارات  . فّس رالسيسي إصراره على المضي في هذه الاستراتيجية على حساب التنمية الصناعية أو الزراعية، بأنها أولى الخطوات الضرورية في سبيل جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية وتحقيق التنمية. كانت باكورة مشاريعه ما يُسمّى قناة السويس الجديدة، التي كلّف حفرها 8 مليارات دولار، وحققّت ما مليون دولار. كما أ بين عاَمَي 2017 و 2020 أرباحًا بلغت 200 نِفِق على العاصمة الإدارية الجديدة نحو 58 مليار دولار، وهي تحاكي نموذج دبي من حيث الحجم والبهرجة. لقد انتشرت المشاريع الكبرى، لكن اتّكال السيسي على الجيش في تنفيذها أدّى إلى تحجيم دور القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية. لقد شهدت الاستثمارات الأجنبية نزوحًا حقيقيًا من مصر؛ إذ غادر البلاد 22 مليار دولار من الاستثمارات غير المباشرة في عام 2022 . هكذا ابُتُِلِيت ميزانية الدولة بالتبديد، بينما كانت البلاد تغرق في الديون. ففي السنة نفسها، بلغ إجمالي الَّدَين العام المحلي 6 تريليونات جنيه مصري، في حين وصل الَّدَين الخارجي إلى 158 مليار دولار  ، بعد أن كان 47 مليار دولار في عام 2014. من جهته، لجأ السيسي إلى صندوق النقد الدولي 4 مرات للحصول على حَُزَم من القروض؛ ما جعل مصر تتربّع على عرش أكبر الَمَِدِينين لصندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين. هذا الإنفاق غير المدروس وغير المسوّغ، ترك 60 في المئة من المصريين تحت خط الفقر، بينما كانت مصر مجَبةر على سداد 255.2 مليار دولار، ما بين آذار/ مارس 2023 وآذار/ مارس 2024 . ومن أجل جمع العملة الأجنبية، عرض السيسي أصولًاسيادية وشركات استراتيجية، على شركات وصناديق مالية وسيادية من الإمارات والسعودية وقطر. بينما أ نِفِقت المليارات على مظاهر البذخ، مثل الطائرة الرئاسية التي كلّفت 500 مليون دولار، فضلًاعن قطار مكهرب وآخر فائق السرعة، بمبلغ 26 مليار دولار، إضافة إلى القصور الرئاسية التي بقيت متوارية عن أعين الناس. لقد وعد السيسي المصريين خلال حملته الرئاسية الأولى بأنهم سينعمون بالّثارء، لكنّه عوض ذلك أفقرهم وأذلّهم. فالتقديرات تشير إلى أن 27 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي والظروف المتدهورة، بفعل انخفاض سعر الجنيه المصري الذي فَقَدَ نصف قيمته منذ عام 2022، فضلًاعن ارتفاع الأسعار وزيادة معّدلّات التضخّم التي بلغت نسبتها 40 في المئة . نخلص من ذلك إلى أن السياسات الاقتصادية والمالية الخاطئة، ونموذج التنمية المرتَهَن إلى العالم الخارجي، أدّى إلى إغراق مصر في الديون والتبعية وبيع الأصول؛ الأمر الذي قاد بعضهم إلى مقارنة مصر السيسي بمصر الخديوي إسماعيل.)1879-1863(

ثانيًا: كيف ت دار الجمهورية الجديدة؟

1. السيسي هو محور النظام

يدير السيسي الجمهورية الجديدة وُيُعدّ عمودها الفقري. هذه السمة ليست جديدة على النظام؛ فكل الأنظمة التي تولّت دفّة الحكم، منذ جمهورية يوليو، لجأت إلى شخصنة النظام واختزاله في شخص رئيس الدولة، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. وفي ظل غياب المؤسسات السياسية الفاعلة وانعدام المستويات المتعدّدة من توزيع السلطة، عَمَد السيسي إلى أن يجعل من نفسه سلطة مركزية، وفرض سيطرته الشاملة على الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية والأمنية، وأخذ على عاتقه مسؤولية توجيه النظام وقراراته وأدائه. هكذا واصل حثّ الشعب على رفض الاستماع إلى أي شخص غيره، ليكون هو نفسه محورًا أساسيًا تدور حوله العلاقات التي تربط بين شتى المجموعات التنفيذية، وهي كلها تابعة له. لقد أشار السيسي في أكثر من مناسبة، إلى رغبته في إنشاء مكتب مرتبط برئاسة الجمهورية، مهمّته تسلّم الشكاوى على نحو مباشر، أو تسهيل الإجراءات لتلافي التعقيدات البيروقراطية. إنه كما يبدو، يميل إلى الاعتقاد أن التواصل المباشر مع الشعب يُغني عن أي مؤسسات وسيطة يمكنها نقل مطالب الجمهور ومصالحه والاستجابة لها، مثل الأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية ووسائل الإعلام الحرة. لكنه من جهة أخرى، يشارك في الكثير من المؤتمرات التي تُنظّم بعناية فائقة.

2. جهاز الدولة

أصبحت مؤسسات الدولة اليوم الأداة الرئيسة للنظام؛ إذ وُضعت السلطة والموارد تحت سيطرته وإدارته، بناء على ما يحتاجه التكامل الإقليمي والدولي (إعادة الهيكلة الاقتصادية وتوزيع المخصّصات والاستثمارات والفرص، وفق المتطلبّات السياسية للمشروع)، مع ترك بعض الأنشطة الحكومية التقليدية للمؤسسات والشركات الخاصة

  1. Yezid Sayigh, "Economic Crisis in Egypt," Qantara , 10/4/2023.
  2. 45   " جشع أم استثمار عادل... ما هي الأموال الساخنة ومن يتحكم بها سبوتنيك عربي ولماذا تشكل فخًا للأمم؟"،، 2023/1/18، شوهد في 2023/10/30 فh يttp://doha-institute.org/qrov:
  3. 46   " وزير المالية المصري: إجمالي الدين العام في موازنة 2022-2021 يساوي 87 % وتغير
  4. سعر الصرف ساهم في زيادة الدين بنحو 4 % سي إن بي سي عربية،"، 2022/8/29، شوهد في 2023/8/30، في https://rb.gy/96s6e6: 47   " الأزمة الاقتصادية... هل مصر مهددة بالتحول إلى لبنان جديد؟ "، Deutsche Welle (DW)، 2023/2/1، شوهد في 2023/10/30، في http://doha-institute.org/Trsz:

(شركة العاصمة الإدارية الجديدة للتنمية العمرانية، وشركة تنمية الرّيف المصري الجديد.) فضلًا عن ذلك، تعمل تلك المؤسسات بوصفها ضامنًا وشريكًا للمستثمرين، وتؤدّي دورًا محوريًا في عمليات التخطيط. ويتطلّع النظام إلى التعامل مع مجموعات الدعم الحالية، عبر تحويلها من قطاعات اعتادت تمثيل المؤسسات الحكومية في الماضي، إلى شركات جديدة يمكنها أن تعقد شراكة مع القطاع الخاص الأجنبي. وهذا يعني أن المجموعات العسكرية ستتحوّل إلى مجموعات رأسمالية محلية، تتحالف مع رأس المال الخاص الخارجي، من خلال بيع الأصول المصرية التي تحتفظ المؤسسة العسكرية بحصّة فيها. في الوقت نفسه، تفتح الكليات المدنية أبوابها للعسكريين، في حين يخضع المدنيون لتدريب خاص في الأكاديميات العسكرية؛ الأمر الذي يؤدّي إلى عسكرة وإدماج المجتمع في النظام، وتعميق سيطرة الجيش عليه.

3. المؤسسة العسكرية

نجح السيسي في احتواء بعض الجبهات المعارضة في المؤسسة العسكرية والسيطرة عليها، بدءًا من كبار القادة، مثل أحمد شفيق وحسين طنطاوي وسامي عنان، وتحييد معظم أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذين كان لهم حضور لافت في ثورة يناير 2011. فضلًاعن ذلك، أضاف السيسي إلى الدستور امتيازات جديدة للجيش، في مقابل تمديد فترة ولايته، وأدخل تعديلات واسعة في المناصب القيادية من خلال الإقالة والترقية. واستمال عددًا كبيرًا من العسكريين عبر فرص الأعمال التجارية والمناصب العليا في القطاع المدني. لقد نجح السيسي في العزف على وتر المظالم التي شعرت بها المؤسسة العسكرية في عهد حسني مبارك، حين كان أفرادها يتذمّرون مما اعتبروه توزيعًا مجحفًا للفرص والعائدات، وتدخَّلَ أطراف أخرى في صنع القرار. كما أنه فاز بولاء الجيش من خلال زيادة المعاشات والرواتب، ونَقَل الجيل القديم إلى مشاريع ومناصب خارج مراكز القوى العسكرية (محافظون وأعضاء في المؤسسات الحكومية)، مع تكوين جبهة قوية من أفراد الجيل الصاعد الذين يرغبون في اغتنام الفرصة والدفاع عن مناصبهم الجديدة. هكذا استطاع السيسي إبعاد الجيش عن السياسة، عبر إشراك العسكر في الشؤون الاقتصادية والمشاريع الهندسية، وتهافتهم على المكاسب المادية. تمثّل المؤسسة العسكرية في جمهورية السيسي الذراع التنفيذية التي يتّكل عليها الرئيس في تحقيق سياساته. لكن المؤسسة العسكرية في ظلّ النظام الحالي لا يمكن اعتبارها مركزًا للقوة، أي مجموعة تستطيع الضغط على السيسي، والمشاركة في صنع القرار وفرض رؤيتها عليه. إن علاقتها بالرئيس عوض ذلك تقوم على التبعية والخضوع إلى حدّ بعيد. فحتى هذه اللحظة، يحدّد السيسي دون سواه الأدوار والمشاريع، ويسند المهّم ات دومًا إلى أشخاص بعينهم، حين يتعلّق الأمر بالقضايا الكبرى، أو القضايا الأقلّ أهمية أحيانًا. ويشرف على الجوانب كافة، ولا سيما المالية منها، فضلًاعن توزيعها وتشغيلها؛ الأمر الذي يُعدّ إبداعًا جديدًا يُضاف إلى سمات نظام يوليو 1952. تؤدّي المؤسسة العسكرية أدوارًا مهمة في إدارة الحياة اليومية وتمكين النظام وإعادة بناء الدولة وإعادة تشكيل المجتمع؛ لذا يعدّها السيسي ونظامه الثقل الرئيس في ميزان القوى، متفوّقة بذلك على الفاعلين الآخرين. تؤدّي المؤسسة العسكرية أدوارًا حاسمة على المستوى الاقتصادي، لعل أهمّها قدرتها على المشاركة في الأفكار والمشاريع وتنفيذها، بصرف النظر عن عوامل التكلفة والعائد. وهي أداة النظام في السيطرة على الفاعلين الاقتصاديين وتنظيمهم، والإشراف على توزيع الموارد أو تنفيذ معظم المشاريع الحكومية الكبرى، ومنافسة الفاعلين الآخرين في شتى المجالات الاقتصادية. فضلًاعن ذلك، يؤدّي الجيش دورًا مهمًافي حشد الموارد للنظام، سواء من خلال العقود الحكومية، أم الإنتاج أم الإدارة أم العمل في مشاريع توفّر على النظام تكاليف الولاء. وتقع على عاتقه مهمة إعادة تنظيم الجهاز الإداري، والإشراف على مشاريع البنية التحتية (البناء والاتصالات وسواهما)، والإشراف على التعيينات ومراجعة الترقيات وتجديد العقود ومراقبة النفقات والعائدات. وفي بعض القضايا، تعمل المؤسسة العسكرية في مسار مواٍزٍ للهيئات الإدارية القائمة. فضلًاعن ذلك، تشارك في إعادة التنظيم الاجتماعي؛ إذ تعقد الكثير من دورات الفكر والتوعية والتدريب، في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية ووسائل الإعلام، وتعمل بوصفها مركزًا للثقل يعيد التوازن إلى النظام، وهو يواجه القوى الاجتماعية الأخرى، سواء كان ذلك متعلّقًا بمجتمع الأعمال أم بالقوى الدينية. وعلى الرغم من نجاح السيسي في السيطرة على المؤسسة العسكرية، فإنه ما زال يحتاج إلى دعمها للاستمرار في الحكم وتلافي الانقلاب عليه، إذا قاد مصر إلى شفا الإخفاق.

4. التكنوقراط

يُعدّ التكنوقراط مجموعة مؤثرة في النظام الحالي الذي يتبنّى، إلى حدّ بعيد، فَِرَقًا من المتخصّصين في شتى المجالات، مثل المجالس الاستشارية الرئاسية الخاصة، أو المراكز البحثية، مثل المركز المصري للدراسات الاقتصادية؛ وهو منتدى عُِرِف بمناقشة الأفكار والسياسات الاقتصادية، ويعمل بالشراكة مع الكثير من الهيئات والمؤسسات الدولية والبنك الدولي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID،

وغرفة التجارة المصرية - الأميركية. وتعمل رئيسته، عبلة عبد اللطيف، مع ثلاثة من مساعديها، مستشارين في المجلس الاستشاري الاقتصادي. ويضمّ المركز أيضًا كثيرًا من الاقتصاديين المعروفين محليًا ودوليًا، مثل محمد العريان وحازم الببلاوي وجلال الزوربا. وإذا استثنينا وزارات الدفاع والطيران المدني والإنتاج الحربي والنقل، لا تشغل أي شخصية عسكرية حقيبة وزارية. أما الوزراء الآخرون، فقد حصلوا على درجة الدكتوراه، أو أنهم موظّفون مدنيون محترفون، ويتمتّع كثيرون منهم بالخبرة في العمل الدولي، وتربطهم علاقات وثيقة بالمنّظمّات الدولية. وقد سبق لمعظم الوزراء أن عملوا في مجال التعاون الدولي عبر وزارات تشرف على التخطيط أو التعاون الدولي أو المالية أو الإسكان أو البنوك أو في شركات مرموقة، وليس فيهم من رجال الأعمال إّل ا القليل، بينما تحظى النساء بحضور لافت في قيادة الوزارات.

5. البيروقراطية

لا يميل النظام إلى الاتّكال على البيروقراطية الحكومية كثيرًا؛ إذ يفتقر الجهاز المدني للدولة إلى الانضباط والفاعلية اللازمة لمعالجة المتطلّبات الحالية وتحقيق الأهداف المنشودة. ثمّ إن السيطرة على البيروقراطية الحكومية وإعادة هيكلتها تُعدّان من أهداف النظام. لذلك، يعمل السيسي على احتواء الجهاز الإداري وتجاوزه وتقليصه، والعمل بدلًامن ذلك في قنوات موازية، أبرزها الجيش (للحفاظ على وحدة الفكر والعمل وسرية المعلومات)، فضلًاعن التكنوقراط.

خاتمة

لا ريب في أن عقدًا من الزمان يكفي لتقييم أداء أي نظام سياسي والحكم على إنجازاته. ونظرًا إلى الواقع، نجد أن دولًاكثيرة مثل تركيا والبرازيل، قد شهدت تنمية حقيقية وقطعت أشواطًا اقتصادية هائلة، في غضون الفترة الزمنية نفسها. لقد وضع السيسي يده على موارد هائلة، وشمل ذلك الدعم الشعبي الذي حصل عليه في بداية حكمه، والدعم المالي الآتي من دول إقليمية ثريّة، كالسعودية والإمارات، فضلًاعن الدعم السياسي الذي قدّمته إسرائيل له في الأوساط الدولية. وحظي انقلاب السيسي ونظامه بدعم لامحدود من أوروبا والولايات المتحدة والمنّظمّات الدولية، في تناقض صارخ مع الدّعم المتواضع الذي منحته للحكومات الديمقراطية التي وصلت إلى سدّة الحكم، بعد الثورات في مصر وتونس. لقد غّي رالسيسي مسار كثير من هذه العناصر لتصبّ في مصلحته. هكذا استخدم الوضع الإقليمي والدولي مثلًا، في شراء الأسلحة من دول كبرى متعدّدة، وأبرم صفقات مهمة وضِمَِنَ الاعتراف بشرعيته وكَسََبَ الدعم الخارجي سياسيًا واقتصاديًا. وبمرور الوقت، تقاطرت عليه أطراف إقليمية ودولية كثيرة، لتقدّم دعمها للمشروع التغييري في مصر، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين واليابان والسعودية والإمارات وقطر. وُتُعدّ قدرة الدولة على التدخّل، ومعالجة معظم العناصر الحيوية، أمرًا مهمًا جدًا لحكم السيسي. كما أن الإفادة القصوى من قدرات النظام الاقتصادية، كالقدرة الاستخراجية وتحصيل الضرائب والاقتصاد غير الرسمي والاقتصاد غير الُمُستَغَل والفساد وشراء الولاءات، تمنح النظام مساحة للمناورة في الأوقات العصيبة. مع هذا، يبدو أن كثيرًا من نقاط القوة الظاهرية، التي تتمتّع بها الجمهورية الجديدة، يمكن أن تُعدّ نقاط ضعف في الآن نفسه، بل ربما تدفع أيضًا إلى إخفاقها. فعلى المستوى السياسي والأمني، نجح السيسي إلى الآن في الاحتفاظ بسيطرته الكاملة على الساحة السياسية عبر إضعاف الحياة السياسية، وإعادة بناء حاجز الخوف بعد المذابح التي ارتكبها، وممارسته القمع المنهجي واعتقال المعارضين، فضلًاعن إضعافه الأحزاب السياسية وشلّ قدرة المجتمع على الفعل. وأخضع الأجهزة الأمنية، وردم الفجوة الفاصلة بين الجيش والشرطة. فالنظام الأمني الحالي يحرص على دمج الجهاَزَين في إدارة واحدة، يشُرف عليها أبناؤه والمقرّبون منه؛ ما يعقّد مهمة الجماهير في مواجهة النظام ثانية، لأن أي محاولة للوقوف في وجه النظام ستعني صدامًا مباشرًا مع الجيش والشرطة والدولة بوجه عام. إن السيسي ليس سياسيًا، كما أكّد هو نفسه ذلك، وهو لا يثق بالسياسيين أو المدنيين بوجه عام، ويواصل الانفراد بإصدار القرارات من دون احترام للقانون. وما أحكامه بالسجن التعسّفي لبعض رجال الأعمال، بغية الضغط عليهم كي يتنازلوا للدولة عن مشاريعهم التجارية أو ممتلكاتهم التي تُقدّر بملايين الدولارات، إّل امثال واحد على الانتهاك الصارخ لسيادة القانون. على المستوى الاقتصادي، تسمح إعادة مرَكَزَة النظام بإدارة أكثر صرامة للموارد، ورقابة أشدّ عليها. لكن تلك المركزية، والانفراد باتخاذ القرارات الاقتصادية الاستراتيجية، قد دفعا النظام إلى تبنّي استراتيجية تنموية غير مستقرة، تعجز عن حلّ المشكلات البنيوية التي ابُتُِل يبها الاقتصاد المصري منذ عقود، كاختلال الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وتباطؤ عجلة التصنيع والتصدير. لقد أسهمت الرؤى غير المدروسة في تراكم ديون هائلة يعجز النظام عن سدادها، كما أدّت إلى تبديد القدرات والأصول الوطنية المملوكة للشعب والدولة. لقد كان اعتماد الاقتراض الخارجي في تمويل نموذج التنمية إجراءً غير مستقرّ ولا مُطْمْنِئن، في ظلّ تقلّبات الأوضاع الاقتصادية العالمية وتغّي رالأولويات، كما اتّضح في التحوّل الذي طرأ على موقف السعودية والإمارات من تمويل النظام. وقد مثّلت التكلفة الاجتماعية والاقتصادية الباهظة لمشروع الجمهورية الجديدة، والشكوك في قدرته

على البقاء حيًا، أحد مواطن الضّ عف الواضحة. لم تشعر غالبية فئات الشعب بالأثر الإيجابي للتغيير، بل إن السياسات الاقتصادية للسيسي أدّت في الواقع إلى رفع حدة الفقر وتدهور الحالة المعيشية بعد رفع الدعم وزيادة الأسعار، وتراجع الدخل القومي للفرد بسبب التضخم، وتهاوي قيمة الجنيه المصري. تبنّى نموذج السيسي الاستبداد والقمع والإكراه، على الرغم من عجزه عن تقديم تعويضات اقتصادية أو اجتماعية، أو فتح أي مجال للمشاركة في السياسة وصنع القرار. إن ما تقدّم كلّه يفّس رعجز النظام عن تسويق رؤيته للجمهور وتشجيعه على تبنّيها، فضلًاعن فشله في استقطاب الكثير من القطاعات التي تضرّرت بفعل تلك السياسات، كرجال الأعمال والمستثمرين المحليين الذين فقدوا الكثير من امتيازاتهم، وقطاع الأعمال بوجه عام الذي ابُتُِل يبأسواق غير مستقرّة، وثقة مفقودة بالممارسات الحكومية. على المستوى الخارجي، يسبّب الاتّكال على الأطراف الأجنبية بعض المشكلات للنظام. فعلى الرغم من التوافق والتحالفات القوية التي يظهرها عدد من دول المنطقة، فإن رؤى تلك الدول ومصالحها تتعارض أحيانًا. فعلى سبيل المثال، ثمة تضارب بين موقفي الإمارات ومصر من الغاز والعقوبات على روسيا، كما تتراجع العلاقات بين مصر والسعودية من جهة، وبين السعودية والإمارات من جهة أخرى. ويستند الكثير مما يمكن إنجازه على مشاركة الجميع في إحراز التقدّم، وقدرة الأطراف الأخرى على تنفيذ المشاريع في الوقت المحدّد. فمشروع التوأمة مع مدينة نيوم السعودية مثلًامتخلّف عن جدوله الزمني، كما أن موقف إسرائيل من غزة يشكّل نقطة مستعصية أيضًا؛ ما يجعلها عاجزة عن عقد التفاهمات التي من شأنها تحقيق الرؤية المسّم اة "صفقة القرن." فضلًاعن ذلك، يمكن أن تؤدّي الأحداث والتطوّرات غير المواتية على المستوى الدولي إلى تقلّبات في الاستثمار والاستقرار الاقتصادي الدولي، وثبات قيمة الجنيه المصري. وتواجه مصر أيضًا منافسة شرسة من أطراف إقليمية متعدّدة، في سعيها لجذب الاستثمارات الصناعية أو سواها من المشاريع. ومثال ذلك هو التنافس الحالي بين السعودية والمغرب والجزائر على التحوّل إلى منطقة جذب لصناعة السيارات والتكنولوجيا. نخلص من ذلك إلى أن نظام السيسي يواجه تحدّيات كبرى، ربما تؤثّر في مستقبل جمهوريته الجديدة. فالجمهورية الجديدة تفتقر إلى مؤسسات سياسية فاعلة، يمكنها المشاركة في صنع القرار السياسي والاقتصادي، وغياب الإجماع الوطني، فضلًاعن الشك في قدرته على حشد الموارد الداخلية والخارجية اللازمة لرؤيته التنموية التي تستند إلى المشاريع القائمة على الإبهار المبالغ فيه، والمشاريع غير المنتجة، وبيع أصول الدولة. يُضاف إلى ذلك كله الشكوك الكبيرة في قدرة الدولة على إنهاء الكثير من المشاريع، وجمع الأموال اللازمة لتنفيذها. من هنا، قد يضطرّ السيسي إلى مواجهة القوى المعارضة لسياساته واختبار قدرته على احتوائها، كما هي الحال مع قوى المؤسسة العسكرية أو الجهات المحلية الفاعلة في الاقتصاد والسياسة، ولا سيما في ظلّ عجز النظام المتنامي عن إدارة تكاليف النظام والولاء. إن التهديد الأكبر الذي تواجهه مصر اليوم، هو احتمال فقدان السيادة والاستقلال وإهدار إمكانات الأمة؛ الأمر الذي يمكن أن يُغرق البلاد في تبعية مقبلة، قد تدوم عشرات السنين.

المراجع

ا لعربية

أحمد، السيد نوران. "النظام المصري يتخبط في قانون الأحوال الشخصية." صدى. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.. 2021/8/2 فh يttp://doha-institute.org/7rkc: سليمان، سامر. النظام القوي والدولة الضعيفة: إدارة الأزمة المالية والتغيير السياسي في عهد مبارك. القاهرة: دار ميريت، 2006 عثمان، عثمان محمد، "مئة عام من التخطيط هل تحققت التنمية؟." المجلة المصرية للتنمية والتخطيط. مج). 2019(27 الفقي، مصطفى. محنة أمة: خطايا النظم ومعاناة الشعوب. القاهرة: دار الشروق،.2003 منفوخ، ثريا. "التنمية من منظور الإقليمية: التجارة الإقليمية كمقاربة لتحقيق التنمية." المجلة الجزائرية للأمن والتنمية مج 10، العدد 3 (تموز/ يوليو 2021.) الهيئة العامة للتخطيط العمراني، وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية. "خريطة التنمية والتعمير لجمهورية مصر العربية عام 2017: التقرير العام." حزيران/ يونيو 1998. فh يttp://doha-institute.org/RryV: ________. المخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية ومناطق التنمية ذات الأولوية. القاهرة.2014:

الأجنبية

Bar-El, Raphael & Miki Malul. "The Role of External Partners in Regional Cooperation Projects in the Middle East." The Economics of Peace and Security. vol. 3, no. 1 (2008). at: http://doha-institute.org/XrtJ Brown, Nathan & Mariam Ghanem. "The Battle over Al-Azhar." Carnegie Middle East Centre. 31/5/2017. at: http://doha-institute.org/CrlW Chauffour, Jean-Pierre. From Political to Economic Awakening in the Arab World: The Path of Economic Integration. Washington, DC: World Bank, 2013. Dorio, Jason, Ehab Abdou & Nashwa Moheyeldine (eds.). The Struggle for Citizenship Education in Egypt. New York: Routledge, 2018. "Economic Development and Integration as a Catalyst for Peace: A 'Marshall Plan' for the Middle East." Committee on International Relations, House of Representatives. 2002. ElSisi, Abdelfattah Said. "Democracy in the Middle East." USAWC Strategy Research Project. 2006. Handoussa, Heba et al. "International Cooperation behind National Borders: Country Case Study on Egypt." Office of Development Studies, UNDP. 2005. at: http://doha-institute.org/crrK Harder, Cilja & Matteo Legrenzi (eds.). Beyond Regionalism. London: Routledge, 2008. Hoekman, Bernard & Khalid Sekkat. "Deeper Integration of Goods, Services, Capital and Labor Markets: A Policy Research Agenda for the MENA Region." ERF Policy Research Report. no. 32. Economic Research Forum (July 2009). at: http://doha-institute.org/Wruy Lagarde, Christine. "The Arab Spring, One Year On." International Monetary Fund. 6/12/2011. Lee, Robert D. Religion and Politics in the Middle East. 2 nd ed. New York: Routledge, 2019. Malpass, David. "Regional Integration in the Middle East and North Africa: A Call to Action." 29/10/2021. Scheumann, Waltina & Susanne Neubert. "Transboundary Water Management in Africa: Challenges for Development Cooperation." German Institute of Development and Sustainability. 2006. Springborg, Robert. "Egypt's Economic Transition: International Prospects." and Challenges Development Policy. no. 7 (2017).

UN Department of Economic and Social Affairs. "National Strategies and SDG Integration." 2018. UN Economic and Social Commission for Western Asia. "The Water, Energy and Food Security Nexus in the Arab Region." 2016. UN Environment Program. Nile River Basin: Stock Taking of Adaptation Activities in the Nile River Basin. 2004. UNESCO. "Global Citizenship Education: Actively Engaged Citizenship Through Political Education with a Global Perspective in Non-Formal and Informal Fields." 2019. World Bank. "Jobs, Growth, and Governance in the Middle East and North Africa: Unlocking the Potential for Prosperity." 2003. _______. "Stronger Together: 20 Years of Cooperation around the Nile." 22/2/2019. _______. "Convergence: Five Critical Steps Toward Integrating Lagging and Leading Areas in the Middle East and North Africa." 9/2/2020.