"الاستراتيجية الصينية تجاه الدول العربية: الأهداف والآثار المستقبلية، دراسة استشرافية"
Chinese Strategy towards the Arab Countries: Goals and Outcomes
عنوان الكتاب: الاستراتيجية الصينية تجاه الدول العربية: الأهداف والآثار المستقبلية، دراسة استشرافية المؤلف: أنس خالد نصار سنة النشر:.2020 الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات: 275 صفحة.
مقدمة
تُعد القوّة مفهومًا أساسيًا في العلاقات الدولية، حيث تشكّل التفاعلات بين الدول وتؤثر في السياسة الدولية، وتشير إلى قدرة الأمم على ممارسة النفوذ وتحقيق مصالحها، وفق المقاربة الواقعية في حقل العلاقات الدولية التي تُعلي من شأن القوة باعتبارها غاية الدول التي من خلالها تحافظ على بقائها في النظام الدولي. فقد كان توزيع القوة وتوازنها من العوامل الحاسمة في تحديد هيكل النظام الدولي عبر التاريخ، ويعكسان في الوقت ذاته طبيعة التحالفات والصراعات بين الدول، إضافةً إلى الاستقرار العام في الشؤون الدولية 1. وقد شهد هذا المفهوم توسعًا في حقل العلاقات الدولية، وبات يشمل أنواعًا مختلفة من التعريفات والشروحات النظرية التي مُتّ يّز بين القوة الصلبة والقوة الناعمة والقوة الذكية. والقوة على اختلاف أنواعها وطبيعتها، تسعى الدول لامتلاكها من أجل تحقيق مصالحها الاستراتيجية، وتمنحنا دراستها فهمًاللتغيرات في بنية النظام الدولي وتحّولّاتها، من ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية 2. في إطار فهم ديناميات القوة، يمكننا النظر إلى العلاقات بين الدول الكبرى بوصفها نموذجًا توضيحيًا لها؛ إذ تُعدّ العلاقة بين الدول الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مث لًابارزًا على كيفية تشكيل ديناميات القوة وتأثيرها في طبيعة التحالفات والمنافسة الطويلة الأمد التي انتهت بحربين عالميتين، كان لهما تأثيٌرٌ كبيٌرٌ في طبيعة النظام الدولي. ولعل العلاقة المعقدة بين فرنسا وبريطانيا مثال واضح لفهم ديناميات القوة وتأثيرها، حيث اتّسم تاريخهما بالتعقيد، وشهد فترات من الصراع والتعاون. وقد تجّل ىصراعهما على القوة في التوسعات الاستعمارية والمواجهات العسكرية والمناورات الدبلوماسية 3. ومع ذلك، برزتا في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية 1945-1939() لاعَبيَن أساسَّييَن في مسار التكامل الأوروبي الذي انتهى إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي؛ الفاعل الدولي المؤثر في السياسة الدولية. وقد عزّزت قدراتهما النووية، ومقعداهما الدائمان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ونفوذهما الاقتصادي، مكانتيهما بوصفهما قوتين متوسطتين على الساحة العالمية. وُتُظهر العلاقة الفرنسية - البريطانية الكيفية التي يمكن بها أن تتطور ديناميات القوة التاريخية إلى شراكات استراتيجية في مواجهة التحديات العالمية المتغيرة4. وفي حين تقدم العلاقة الفرنسية - البريطانية نموذجًا للتحوّل من المنافسة التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية، فإن العلاقة بين إيطاليا وروسيا تقدّم منظورًا مختلفًا لديناميات القوّة في العلاقات الدولية. فعلى الرغم من وقوفهما على طرَف ينقيض خلال الحرب الباردة، فإنهما حافظتا على روابط اقتصادية وثقافية مهمة 5. وقد جعل موقع إيطاليا، باعتبارها عضوًا في مجموعة السبع ونفوذها داخل الاتحاد الأوروبي، منها، مُحاورًا مهمًالروسيا في تعاملاتها مع الغرب. وتؤدي سياسات الطاقة دورًا حاسمًافي هذه العلاقة، حيث تُعدّ إيطاليا مستوردًا رئيسًا للغاز الروسي قبل الحرب الروسية على أوكرانيا 6. ومع ذلك، غالبًا ما يجري اختبار هذا الترابط الاقتصادي من خلال التوترات الجيوسياسية، مثل الخلافات حول أوكرانيا أو سورية. وفي حين يقدّم المثالان السابقان نموذجين لفهم ديناميات القوة بين الدول، إّل اأن تعميم ذلك من أجل فهم تاريخ العلاقات الدولية في القرن العشرين يتطلّب دراسة الصراع الأكثر تأثيرًا في النظام الدولي بأكمله. فقد هيمنت علاقة القوة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي على النظام العالمي خلال حقبة الحرب الباردة، مشكّلةً نظامًا دوليًا ثنائي القطبية 7. وقد تميزت هذه المنافسة الحادة بين القوتين العظميين بالصراع الأيديولوجي وسباقات التسلح والحروب بالوكالة في أنحاء العالم كلها. وتنافست الولايات المتحدة التي نادت بالرأسمالية والديمقراطية الليبرالية، والاتحاد السوفياتي الذي روّج للشيوعية والسيطرة الحكومية، على النفوذ العالمي في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية 8. وقد أثّرت هذه البنية الثنائية القطبية في السياسة الدولية بعمق، ما أجبر الدول الأخرى على الانحياز إلى أحد الجانبين، أو محاولة البقاء على الحياد جزءًا من حركة عدم الانحياز. شكلت نهاية الحرب الباردة عام 1991 تحوّلًاكبيرًا من نظام دولي ثنائي القطبية، إلى نظام متعدد الأقطاب. فقد ترك انهيار الاتحاد
السوفياتي الولايات المتحدة قوةً عظمى وحيدة، إّل اأن هذه "اللحظة الأحادية القطبية" لن تستمر طويلًا، خاصة مع صعود قوى اقتصادية وسياسية في النظام الدولي، ولا سيما في قارة آسيا، مثل الصين والهند. وقد كان صعود الصين سمة مميزة لهذا المشهد الدولي؛ فقد جعلها نموّها الاقتصادي السريع وتحديث قواتها العسكرية وتوسيع نفوذها الدبلوماسي، منافسًا مستقبليًا محتملًا للولايات المتحدة. فقوتها الاقتصادية، التي تجسّدت في مبادرات مثل مبادرة الحزام والطريق، تعتبر أداة اقتصادية وسياسية في آن لصعودها قوةً عظمى في النظام الدولي 9. إضافة إلى تطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية، ما وضعها في منافسة اقتصادية، أيضًا، مع الولايات المتحدة. وعملت كذلك على تطوير علاقاتها الدبلوماسية على المستوى الدولي، فعزّزت وجودها في المؤسسات الدولية، وأنشأت منتديات متعددة الأطراف جديدة 10، وأدّى صعودها إلى ترابط اقتصادي معقّد مع الغرب، وتغيير توازنات القوى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ما أثار تساؤلات حول القيادة العالمية المستقبلية واحتمالات دخولها في منافسة شديدة مع الولايات المتحدة على إدارة السياسة الدولية. في سياق هذه التحّولّات في موازين القوى العالمية، ظهرت الحاجة إلى دراسات معمّقة لفهم استراتيجيات الصين تجاه مناطق العالم المختلفة، بما فيها العالم العربي. وفي هذا الإطار، صدر في العالم العربي مجموعة من الدراسات العلمية التي تحاول رصد صعود الصين باعتبارها قطبًا دوليًا منافسًا للولايات المتحدة. فتاريخيًا، لم تكن العلاقات الصينية - االعريية في أحسن حالاتها في مرحلة الحرب الباردة؛ فمثل بقيت دول الخليج العربية محكومة بضوابط النظام الدولي الجديد الثنائي القطبية الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وتحالفها، سواء مع الولايات المتحدة أم مع الاتحاد السوفياتي 11. ومن بين هذه الدراسات، كتاب أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بعنوان الاستراتيجية الصينية تجاه الدول العربية: الأهداف والآثار المستقبلية، دراسة استشرافية، للباحث أنس خالد النصار. قسّم النصار كتابه إلى خمسة فصول، سعى من خلالها لتحليل الرؤى الاستراتيجية للصين تجاه الدول العربية، بغية فهم نطاقها وأهدافها والآليات المستخدمة لتحقيقها وتداعياتها الإيجابية والسلبية على دول المنطقة، من خلال استشراف المآلات المحتملة مستقبلًا.
أولًا: إشكالية البحث وإطاره المنهجي
بُني الكتاب على سؤال إشكالي رئيس، بشأن تحليل معمّق لاستراتيجية الصين تجاه الدول العربية، هو: "ما مآلات الاستراتيجية الصينية تجاه الدول العربية، استنادًا إلى أهدافها وأدواتها؟" (ص. 19-20) ولمعالجة هذا التساؤل الرئيس، فرّع عنه المؤلف مجموعة من الأسئلة، لتقّص ي أهداف الصين الاستراتيجية ورؤيتها تجاه العالم العربي والوسائل الرئيسة المستخدمة لتحقيق استراتيجيتها والنتائج النهائية المترتبة على هذا النهج. يهدف هذا التحليل إلى تقديم فهم شامل للديناميات المعقدة التي تشكّل العلاقات الصينية - العربية في السياق الجيوسياسي الراهن، مع التركيز على التداعيات البعيدة المدى لهذه الاستراتيجية على المنطقة العربية. ومن خلال هذا المنظور التحليلي، يسعى المؤلف لتسليط الضوء على الأبعاد المتعددة للسياسة الخارجية الصينية تجاه العالم العربي، وتقييم آثارها المحتملة على الصعيدين الإقليمي والدولي. وحدّد هدفًا آخر في كتابه، وهو استشراف السيناريوهات والمآلات المستقبلية للاستراتيجية الصينية، حتى يشكّل عمله، إلى جانب أعمال بحثية وأكاديمية أخرى، مرجعًا علميًا لصنّاع القرار العرب في مساعيهم لتحقيق التنمية المستدامة، مع تجنّب الوقوع في دائرة الهيمنة أو الاستغلال. يُرسي الفصل الأول الأسس المنهجية للكتاب، التي حدّد فيها المؤلف نطاقات الدراسة، ضمن حدود زمنية ومكانية، مركّزًا على الأبعاد
الجغرافية للصين والدول العربية، مع الأخذ في الحسبان القوى المؤثرة في هذه العلاقة. وتشتمل الدراسة أيضًا على حدود مفاهيمية وبشرية متمثلة في الخبراء والأكاديميين. ويهدف هذا التحديد الدقيق لنطاق البحث إلى ضمان شمولية التحليل وعمقه، مع التركيز على العناصر الأساسية التي تشكّل العلاقات الصينية - العربية في سياقها الجيوسياسي والاستراتيجي. كما يهدف إدراج الأبعاد المفاهيمية والبشرية إلى تعزيز الدراسة وتمكينها من تقديم رؤية متكاملة، تستند إلى خبرات وتحليلات متخصصة في هذا المجال (ص. 23) يقدّم المؤلف بعد ذلك تعريفات للمفاهيم الأساسية في الدراسة، مثل الاستراتيجيا والأهداف والنتائج ومبادرة الحزام والطريق (ص. 24-28)، ثم يعرض منهجية البحث التي اعتمدها، التي تشمل المنهج الوصفي، التاريخي، إضافة إلى المنهج المقارن والمدخل القانوني. يشير المؤلف إلى استخدامه تقنيات بحثية منوعة، مثل المقابلات وتحليل المحتوى، الظاهر والباطن. ومع ذلك، يجدر التنويه إلى أنه على الرغم من تنوّع الأساليب المنهجية التي اتّبعها المؤلف، فإن غياب الأساليب الكمية قد يحدّ من قدرة الدراسة على تقديم دعم تجريبي قوي لنتائجها؛ إذ إن اعتماد المؤلف على المنهج النوعي على نحو أساسي، قد يفتح الباب لإدخال بعض التحيزات الذاتية المحتملة في التحليل. ويبدو أنه اختار المنهج النوعي للمساعدة في عمق التحليل الذي يوفّره هذا المنهج، إّل اأن هذا الاختيار يثير تساؤلات حول مدى قابلية نتائج الدراسة للتعميم وقدرتها على تقديم صورة شاملة وموضوعية للظاهرة المدروسة. ولعل الجمع بين المنهجين النوعي والكمي كان سُيُعزّز من متانة النتائج، ويقلل من احتمالية التحيّز التحليلي، ما قد يساهم في تقوية منهجية البحث ومتانته العلمية والتحليلية. ولجمع البيانات، أجرى المؤلف مقابلات مع عشرين خبيرًا، جرى اختيارهم بعناية، استنادًا إلى قربهم من موضوعات الدراسة. وقد راعت عملية الاختيار عوامل عدة، مثل الجنسية والدرجة العلمية ومجال التخصص والعمل والمهنة وسنوات الخبرة والعمر (ص. 36)
ثانيًا: تحليل الرؤى الاستراتيجية: مقاربات نظرية
بناءً على الأسئلة البحثية والإطار المنهجي في الفصل الأول، يخوض المؤلف في الفصل الثاني في دراسة شاملة للمنظورات النظرية ذات الصلة، مُرسيًا الأساس لفهم معمّق ودقيق للنهج الاستراتيجي الصيني تجاه العالم العربي، فيبدأ بنظرية المباريات، ثم يُتبعها بنظرية الواقعية البنيوية ونظرية تحوّل القوة ونظرية المجال الحيوي. يقدّم المؤلف نظرية المباريات باعتبارها أداة تحليلية، على الرغم من وضعها المثير للجدل في أدبيات العلاقات الدولية المعاصرة. فيفترض أن نظرية المباريات، خاصة مفهوم الألعاب غير الصفرية، توفّر منظورًا قيّمًالدراسة الديناميات المعقّدة بين الصين والدول العربية. ويشير هذا النهج إلى أن العلاقة ليست تنافسية بحتة، بل تنطوي على إمكانية تحقيق منافع متبادلة ونتائج تعاونية. ومن خلال تطبيق هذا النموذج النظري، يهدف المؤلف إلى توضيح التفاعلات الاستراتيجية وعمليات صنع القرار التي تشكّل العلاقات الصينية - العربية، مع الإقرار بالجدل الأكاديمي المستمر بشأن قابلية تطبيق النظرية في مجال العلاقات الدولية (ص. 64-65) وبعد ذلك، ينتقل إلى نظرية الواقعية البنيوية، مستشهدًا على نحو أساسي بأعمال كينيث والتز Waltz Kenneth 2013-1924()، فيؤكد أهمية القوّة في نظام دولي يتّسم بالفوضى؛ إذ تفترض هذه النظرية أن بنية النظام الدولي تدفع الدول إلى مراكمة القوة. ثم يعرض خمسة افتراضات رئيسة للواقعية البنيوية: النظام الدولي فوضوي ويفتقر إلى سلطة عليا، وكل دولة تمتلك قدرًا من القدرة العسكرية، ونيّات الدول غير مؤكدة بطبيعتها، والبقاء هو الهدف الأسمى لكل دولة، والدول فواعل عقلانية (ص. 65-66) لكن المؤلف يُقرّ بأن هذا المنظور النظري لا يفّس رعلى نحو شامل سلوك الصين. وبدلًامن ذلك، يشرح المؤلف على نحو أكثر ملاءمة، تصرفات الولايات المتحدة، خاصة في تأطيرها بوصفها تهديدًا محتملًا للطموحات الاستراتيجية الصينية. وعند تطبيقها على الصين، تُستخدم النظرية بحذر، لفهم أحد الأهداف الاستراتيجية للصين، تحديدًا طموحها في تحقيق مكانة القوة العظمى. ويسلّط هذا التطبيق الانتقائي الضوء على محدودية الواقعية البنيوية في تفسير دقائق نهج السياسة الخارجية الصينية على نحو شامل (ص. 67) ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى دراسة نظرية تحوّل القوة التي طوّرها أ. ف. ك. أورغانسكي Organski K. F. A. 1998-1923()، والتي تعتبر امتدادًا للنظرية الواقعية. ويكمن الفرق الرئيس بين هاتين النظريتين في تصوّرهما النظام الدولي: ففي حين ترى الواقعية النظام الدولي فوضويًا، تفترض نظرية تحوّل القوة أنه هيكل هرمي. ويفصّل المؤلف تصنيف أورغانسكي الرباعي للدول: الدول القوية والراضية، والدول القوية وغير الراضية، والدول الضعيفة والراضية، والدول الضعيفة وغير الراضية. ووفقًا لهذه النظرية، فإن الدول القوية وغير الراضية هي المسؤولة أساسًا عن عدم الاستقرار الدولي (ص. 67-68) موقع الصين ضمن هذا الإطار معقد، حيث تظهر خصائص الدولة القوية غير الراضية والراضية في آن معًا. ويتجّل ىهذا الازدواج في
الأنشطة الصراعية غير المباشرة للصين مع الولايات المتحدة، وتورّطها في فيتنام، وانخراطها المباشر في قضيَتَي كوريا وتايوان. وفي المقابل، شاركت الصين بنشاط في المنظمات الدولية، وعززت التعاون، وأنشأت مؤسسات دولية جديدة لإصلاح نظام الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، مع ابتعادها عن الخطاب الأيديولوجي. وُيُقرّ المؤلف بأنه على الرغم من أن هذه النظرية قد لا تفسر على نحو كامل العلاقة بين الصين والدول العربية، فإنها تقدم رؤية حول تحالفهما، بوصفها استراتيجية محتملة لموازنة نفوذ الولايات المتحدة (ص. 69) وبعد ذلك، يتناول المؤلف نظرية المجال الحيوي التي طوّرها فريدريش راتزل Ratzel Friedrich 1904-1844()؛ إذ يفترض هذا المفهوم الجيوسياسي أن الدول، مثل الكائنات الحية، تمرّ بمراحل نمو وتوسّع. فوفقًا لهذه النظرية، يمكن أن تمد الدول القوية نفوذها وأراضيها من خلال الاستيطان والاستعمار، وهو مفهوم تبنّته على نحو سيئ الأيديولوجيا النازية. ومع ذلك، يشير المؤلف إلى أن تطبيق هذه النظرية على سلوك الصين وسياستها الخارجية أمر إشكالي؛ إذ لم تُظهر الصين نزعات توسعية أو استعمارية في محيطها القريب أو البعيد. ويقترح المؤلف أنه يمكن تفسير الجيوبوليتيك بطريقتين: أداة للاستغلال والتوسع على حساب الدول الأخرى، أو وسيلة للانخراط الإيجابي وتعزيز العلاقات وتحقيق المصالح المتبادلة مع الدول الأخرى. وفي السياق المعاصر، أصبح المفهوم التقليدي للاستعمار واحتلال الأراضي غير قابل للتطبيق، وغير عملي. لذلك، يقترح المؤلف أنه يمكن فهم تصرفات الصين على نحو أفضل من خلال منظور الانخراط الجيوسياسي الإيجابي، بما يتماشى مع المبادئ والقيم التي تدّعي الصين التزامها بها في سياستها الخارجية تجاه الدول الأخرى. وهذا ما دفعه إلى إدراج هذه النظرية وتحليلها في سياق دراسته (ص. 69-70) يؤكد المؤلف رؤى المفكرين الصينيين الذين يرون أن النظريات الغربية في العلاقات الدولية غير متوافقة مع واقعهم، ولا تنطبق عليهم. ويؤكدون أن هذه النظريات لا يمكن استخدامها لفهم سلوك الصين تجاه الدول الأخرى وتحليله، وأن لديهم نظريتهم الخاصة التي ربما لم تتبلور على نحو كامل بعد (ص. 71) ثم ينتقل المؤلف إلى تفصيل مسار تطوّر الصين خلال تلك الفترة، حيث تتبّع مسار تطور السياسة الخارجية للصين، رابطًا إياه على نحو واضح بتطوّرها الداخلي. ويبدأ هذا المسار باعتبار الصين إمبراطورية منعزلة إلى حٍدٍ بعيد، تتبنى مبادئ كونفوشيوس، ثم شهودها ثورات داخلية في القرن التاسع عشر نتيجة إضعافها بسبب الخسائر التي عانتها على يد القوى الغربية، تبعتها فترة من الحروب والاحتلال الياباني لها. وبعد عام 1949، وتوّل يالحزب الشيوعي، بقيادة ماو تسي تونغ، قيادة البلاد، مرّت الصين بمراحل إعادة الإعمار والعزلة (القفزة الكبرى إلى الأمام)، ثم الانفتاح التدريجي من أجل التحديث (طرح مفهوم "الحلم الصيني.)" فُيُسلط المؤلف الضوء على الكيفية التي حوّل بها التركيز على بناء القوة الداخلية الصيَنَ من موقف دفاعي ومنغلق، إلى مشاركة متزايدة على الساحة العالمية (ص. 72-76) يُركز المؤلف في تحليله على المزايا الداخلية للصين، باعتبارها ركيزة أساسية لسياستها الخارجية. فمن الناحية الجغرافية، تمتلك الصين موقعًا استراتيجيًا مميزًا، وموارد طبيعية وفيرة، ومساحة شاسعة، الأمر الذي يُعزّز تأثيرها إقليميًا. أما اقتصاديًا، فتحتل الصين المرتبة الثانية عالميًا، وتسعى لأن تكون الأولى، وُيُعدّ تأمين مصادر الطاقة أمرًا محوريًا لانفتاحها المتزايد على الشرق الأوسط وأفريقيا. واجتماعيًا، تحرص الصين على تحسين ظروف المعيشة ومواكبة الدول الغربية، مع التركيز على الاستثمار البشري عن طريق التعليم والتطوير. وثقافيًا، تستغل الصين تعاليم كونفوشيوس بوصفها قوة ناعمة، مع التركيز على التبادل الثقافي والمنح الدراسية. وعسكريًا، تواصل الصين تعزيز قدراتها، مع طموحها لتجاوز روسيا والولايات المتحدة. وهنا يُشير المؤلف إلى تأكيد الصين في كتبها البيضاء أنّ تطورها لا يهدف إلى التوسع. وإجمالًا، تعدّ هذه المزايا الداخلية القاعدة الصلبة التي مُتّ كّن الصين من صوغ سياسة خارجية فعالة ونشطة على الساحة الدولية (ص. 76-90) ينتقل التحليل من التركيز على المزايا الداخلية للصين إلى الشق الخارجي لسياستها الخارجية. فالعلاقة المتشابكة بين الصين والولايات المتحدة تتّسم بالتعاون والمنافسة على حد سواء، وتعكس اعتمادًا اقتصاديًا متبادلًا، على الرغم من اختلاف الأيديولوجيا. أما على صعيد العلاقة بروسيا، فيجد الَبَلدان أرضية مشتركة في أهدافهما وتاريخهما، مع تعاون وثيق في مجالات الطاقة والاستراتيجية السياسية. وُيُبِرِز المؤلف هنا اعتماد الصين المتزايد على دول شريكة لمواجهة التوسع الغربي. وعلى نطاق أوسع، تبرز الصين في استقطاب دول العالم، إما بالانحياز إلى محورها، أو إلى المحور الأميركي، مع اهتمام بارز باستراتيجيتها في أفريقيا. وفي هذا، يُؤكد المؤلف مكانة الصين المؤثرة في المنظمات الدولية والإقليمية، مثل عضويتها الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتأسيسها منظمة شنغهاي للتعاون (ص. 90-96) يبّي نالمؤلف أن الصين، من أجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية، تعتمد على مزيج متقن من القوة الناعمة والقوة الصلبة. فالقوة الناعمة، بحسب جوزيف ناي، تستند إلى قدرة الدولة على التأثير في سلوك الدول الأخرى، بالإقناع والجذب، بدلًامن القوة القاهرة. وقد بدأت
الصين تُطبّقها على نحو متزايد مؤخرًا، مستخدمةًاستراتيجيات مثل "الصعود السلمي" الذي يؤكد عدم تهديدها لأيّ دولة أخرى، و"التعايش السلمي" المكَّوَن من خمسة أسس تعاونية، في مقدّمها احترام سيادة الدول. وكذلك تشدد الصين على التنمية المستدامة عالميًا عبر التعاون في مجالات مثل المناخ والطاقة، وتسعى لتوافق سياساتها الداخلية والخارجية لصورة متكاملة. وعلى الرغم من أنها قدّمت ضمانات في كتبها البيضاء بعدم استخدام قوّتها الصلبة هجوميًا، فإنها تطوّر قدراتها العسكرية باطّراد. وتعمل بجدّية على إضفاء صورة أخلاقية وسلمية على سياساتها الخارجية، مؤكدةً أنها لن تفرض نموذجها الفكري أو الأيديولوجي على العالم (ص. 105-111)
ثالثًا: الاستراتيجية الصينية تجاه الدول العربية
تعكس توجّهات الصين نحو العالم العربي، كما ورد في الكتاب، نهجًا استراتيجيًا متعدد الأوجه، شهد تطورًا ملحوظًا في القرن الحادي والعشرين. وتتميز هذه التوجهات بمزيج من الأبعاد الاقتصادية والسياسية والثقافية والأمنية، مستندة إلى سردية تاريخية من العلاقات السلمية الطويلة الأمد. فعلى المستوى الاقتصادي، تتمحور توجهات الصين الرئيسة حول مبادرة الحزام والطريق، التي تهدف إلى إحياء طريق الحرير القديم من خلال ربط آسيا وأوروبا وأفريقيا عبر تطوير البنية التحتية وزيادة التجارة. أما على المستوى السياسي، فتؤكد الصين مبادئ الاحترام المتبادل وعدم التدخل، المتجسّدة في التزامها بمبادئ التعايش السلمي الخمسة. وعلى المستوى الثقافي، تتّجه الصين نحو تعزيز التبادلات الشعبية وتشجيع تعلّم اللغات وتعزيز التعاون الأكاديمي والإعلامي. في حين تركز توجهاتها، على المستوى الأمني، على الاستقرار، مع تأكيد التعاون في مكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات الأمنية. ويهدف هذا النهج المتعدد الأبعاد إلى معالجة التحديات المعقدة التي تواجه الدول العربية، بما في ذلك عدم الاستقرار السياسي واحتياجات التنمية الاقتصادية والمخاوف الأمنية. وتسعى الصين، من خلال تقديم نفسها شريكًا في معالجة هذه القضايا، لتعزيز نفوذها في المنطقة، مع متابعة مصالحها الاستراتيجية الخاصة. وتعكس الطبيعة الشاملة لتوجهات الصين نحو العالم العربي رؤية طويلة الأمد تهدف إلى تعميق الشراكة وتحقيق المنفعة المتبادلة. وتمثل هذه التوجهات محاولة من الصين في التعامل مع التعقيدات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تسعى لتحقيق مصالحها الاستراتيجية مع مراعاة حساسيات المنطقة وتحدياتها المتعددة. وهذا ما يؤكده المؤلف في الفصل الثالث، حيث يسلّط الضوء على التطور الملموس في العلاقات الصينية - العربية خلال العقود الأخيرة. ويقدّم سلسلة من الأحداث البارزة التي تُجسّد هذا التطور وتعكس عمق الالتزام الصيني تجاه المنطقة العربية. ومن أهم هذه الأحداث إطلاق منتدى التعاون الصيني العربي في عام 2004، ومبادرة الحزام والطريق في عام 2013، واستراتيجية 3" + 2 + 1" التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2014، وزيارته إلى جامعة القاهرة في عام 2016، حيث أعلن عن أول وثيقة رسمية لسياسة الصين تجاه الدول العربية (ص. 115-116) وبعد ذلك، ينتقل المؤلف إلى تسليط الضوء على واقع الدول العربية، محلّلًامواطن قوّتها وضعفها والتحديات التي تواجهها من جوانب عدة. فمن مواطن الضعف البارزة، يشير المؤلف إلى انخفاض مستوى الاستدامة في القطاع الزراعي لديها، ما يؤدي إلى شح الصادرات الزراعية وزيادة الاعتماد على الاستيراد، مبرزًا بذلك غياب التخطيط الاستراتيجي الطويل الأمد لضمان الأمن الغذائي. ويشكّل انعدام الاستقرار السياسي في المنطقة وشح المياه تحديًا حقيقيًا لفرص النمو الاقتصادي. وعلى المستوى الصناعي، تعتمد الدول العربية على استيراد السلع الصناعية، واستثمارها في البحث والتطوير. أما على المستوى الاجتماعي، فتبرز إشكاليات هيكلية تتمثل في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، مقترنةً بتأثيرات الصراعات المسلحة والظواهر الإرهابية التي تقوض استقرار الدول العربية. فعلى الصعيد الإقليمي، يشير المؤلف إلى ديناميتين رئيستين؛ الأولى تتجلى في حدة التنافس البيني بين الدول العربية لتعزيز نفوذها وتحقيق مصالحها الوطنية، والثانية تتمثل في الموقف المتحفظ والمتيقظ تجاه المشاريع الجيوسياسية للقوى الإقليمية الفاعلة، وعلى رأسها إيران وتركيا وإسرائيل. ويعكس هذا الموقف الحذر إدراكًا عميقًا للآثار البعيدة المدى لهذه المشاريع في الأمن القومي العربي وموازين القوى الإقليمية. وبناء عليه، تنتهج الدول العربية سياسات خارجية متأنية ومحكمة في تعاملها مع هذه القوى، ساعيةً بذلك إلى صون مصالحها الوطنية وترسيخ دعائم الاستقرار في المنطقة. فهذا النهج الاستراتيجي يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين ضرورات الحفاظ على السيادة الوطنية من جهة، والتعامل الواقعي مع متطلبات السياسة الإقليمية من جهة أخرى. وعلى المستوى الدولي، يشير المؤلف إلى استمرار دعم الدول الغربية القوية للمشروع الإسرائيلي في الشرق الأوسط، باعتباره تهديدًا جوهريًا للدول العربية، ومنوّهًا بالعجز عن حل القضايا العربية المحورية، مثل فلسطين وسورية. أما على المستوى الثقافي، فتركز استراتيجية
الصين في الدول العربية على نحو متزايد على برامج التبادل الثقافي والمنح الدراسية لتعزيز التفاهم المتبادل. وُتبُرز هذه المبادرات نهجًا متعدد المسارات من الصين، حيث تعمل على تعزيز قوّتها الناعمة، إلى جانب تحقيق المكاسب الاقتصادية (ص. 116-122) يؤكد المؤلف أهمية البعد التاريخي في فهم طبيعة العلاقات الصينية - العربية المعاصرة، مشيرًا إلى التحديات والفرص المتاحة حاليًا. ويعرض تقسيمًازمنيًا لهذه العلاقات، مكوّنًا من سبع مراحل أساسية. تمتد المرحلة الأولى من القرن الثاني قبل الميلاد، مع بروز طريق الحرير والطريق البحري، حتى ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي. أما المرحلة الثانية، التي تمتد حتى القرن السادس عشر الميلادي، فاتّسمت بتبادل ثقافي غني ودور فاعل للتجار العرب في نشر الإسلام في شرق آسيا. ومع صعود قوى الاستعمار، شهدت المرحلة الثالثة تركيز الجانبين على مواجهة الاستغلال، مع انعزال نسبي للعرب تحت ظل الإمبراطورية العثمانية. وخلال المرحلة الرابعة، تعود العلاقات الصينية - العربية إلى فترة الحربين العالميتين حتى عام 1949، وتجّل ىانخراط الصين في القضايا العربية في امتناعها عن التصويت على قيام إسرائيل. ومع تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، تدخل العلاقات مرحلتها الخامسة التي تستمر حتى نهاية الحرب الباردة. أما المرحلة السادسة، فتبدأ بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي في عام 1991، حيث تنمو العلاقات المتعددة الُصُعد بين الجانبين، لتصل أخيرًا إلى المرحلة السابعة المعاصرة مع مطلع القرن الحادي والعشرين، حيث تشهد العلاقات الصينية – العربية قفزات نوعية، مع توسّع اقتصادي غير مسبوق. ويؤكد المؤلف أن هذه الخلفية التاريخية ضرورية لفهم التحديات المعاصرة للدول العربية، وللتعاون مع الصين باعتبارها شريكًا قويًا محتملًا، ليطرح بعد ذلك تحليلًالاستراتيجية الصين تجاه الدول العربية، مشيرًا إلى مواطن القوة والضعف، ويختم بتقييمه العلاقات بين الطرفين واحتمالات تطوّرها مستقبلًا(ص. 122-126) يخصص المؤلف الجزء الخامس من الفصل الثالث لمبادرة الحزام والطريق، التي يعتبرها استراتيجية كبرى تفوق المشاريع التقليدية بسبب نطاقها الواسع الذي يهدف إلى إحياء طريق الحرير القديم وتجديده منذ عام 1994. ويؤكد أن هدف هذه المبادرة هو الربط بين الدول الآسيوية والأوروبية والأفريقية لمصلحة الجميع، وليس لفرض السيطرة الثقافية أو التوسع، مبرهنًا بصدور وثيقة من وزارة الخارجية الصينية تركز على مبدأ التعاون المربح. وُيُبين أن الرؤية الاقتصادية للمبادرة تسعى لإنشاء آلية متقدمة لأمن التجارة البرية والبحرية والجوية، وتعزيز الاستثمار والتبادل التجاري مع التركيز على التنمية المشتركة المستدامة. ويضيف أن المبادرة تهدف إلى مساعدة دول الحزام والطريق في حماية البيئة وتطوير الطاقة وتدريب الكفاءات العلمية والتعاون الأمني والحوكمة. ولضمان نجاح المبادرة، أنشأت الصين مؤسسات داعمة في عام 2014، مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وصندوق طريق الحرير؛ لاًخّدت لقأ طوشبر ةيبرغلا تاسسؤلام نم لايًاادب هفصوب مَدَّقُيُ لولاأف ويساعد الدول الآسيوية في تطوير البنية التحتية، في حين يوجّه الثاني التمويل إلى الموارد والمشاريع الصناعية. ويؤكد أخيرًا أهمية الدول العربية الاستراتيجية في مبادرة الصين، بسبب وجود طرق التجارة الرئيسة، مثل الخليج العربي والبحر الأحمر وقناة السويس على أراضيها (ص. 143-154)
رابعًا: أهداف الاستراتيجية الصينية تجاه المنطقة العربية
على الرغم من إصدار الصين العديد من المقالات والوثائق التي تُؤكد رغبتها في التعاون مع العالم العربي، فإن أهداف هذه الاستراتيجية والأدوات المستخدمة لتحقيقها لم يُعَلَن عنها بوضوح. يُحاول المؤلف في الفصل الرابع الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بأهداف استراتيجية الصين والأدوات التي ستستخدمها، وانعكاساتها الإيجابية والسلبية، والنتائج المتوقعة. وللوصول إلى هذه الأهداف، أجرى المؤلف مقابلات شفوية مع عدد من الخبراء في مجال العلاقات الصينية والعلاقات الدولية. أظهرت نتائج البحث أن الخبراء من مختلف الجنسيات اتفقوا على أن الهدف الأول للصين هو تعزيز نفوذها على الساحة الدولية، وأن نظريَتَي الواقعية البنيوية وتحوّل القوة، كما ذُكرت في الفصل الثالث، تنطبقان على الصين. أما الهدف الثاني، فهو تصحيح النظام الدولي وإصلاحه، والهدف الثالث الدعم المتبادل في القضايا الاستراتيجية، مثل فلسطين وتايوان. وكان الهدف الرابع، وهو الأقل تكرارًا، نيّة الصين نشر النظام السياسي الشيوعي حول العالم (ص. 158-160) لاحظ المؤلف، عند مقارنة النتائج التي حصل عليها من الخبراء العرب والصينيين، وجود اختلافات في الآراء فيما يخص الأهداف السياسية. فالخبراء العرب يرون أن الهدف الرئيس للصين هو تعزيز مكانتها على الصعيد الدولي، في حين يرى الخبراء الصينيون أن الدعم المتبادل في القضايا المهمة هو الهدف الأول (الذي اعتبره الخبراء العرب الهدف الثاني.) ويتمثل الاختلاف الثاني في ترتيب الهدف الرابع؛ ففي حين اعتبره الخبراء العرب هدفًا رئيسًا، وهو نشر الصين أيديولوجيتها، لم يأِتِ الخبراء الصينيون على ذكر هذا
الهدف مطلقًا، مؤكدين أن الصين لا نيّة لديها في نشر قيمها أو فرضها على أيّ دولة (ص. 160-162) وبعد عرض هذه الأهداف، يُقدم المؤلف تحليلًالهذه الاختلافات في وجهات النظر، مشيرًا إلى عوامل مثل الخلفية التاريخية والثقافية والسياسية لكل جانب. وُيُؤكد أهمية فهم هذه الاختلافات لتطوير علاقات أكثر فاعلية بين الصين والعالم العربي. وفي ما يتعلق بالنتائج الاقتصادية المستخلصة من المقابلات، رأى الخبراء من جنسيات مختلفة أن الهدف الأول يتمثل في تأمين الوصول إلى مصادر الطاقة من الدول العربية، أما الهدف الثاني فهو ضمان حرية التجارة والاستثمار. وكان الهدف الثالث هو تحقيق الاستدامة المشتركة، حيث لا تسعى الصين لاستدامتها الذاتية فحسب، بل تحاول أيضًا مساعدة الدول العربية من خلال تطوير قدراتها الصناعية وتصدير التكنولوجيا إليها. أما تنفيذ مشروع الحزام والطريق، فقد جاء في الأخير، كونه أداة لتحسين العلاقات الثنائية، وليس هدفًا في حد ذاته (ص. 163-165) لاحظ المؤلف وجود تشابهات واختلافات عند مقارنة نتائج الخبراء العرب بنتائج نظرائهم الصينيين في ما يتعلق بالجانب الاقتصادي من الاستراتيجية. فعلى الرغم من اتفاق الطرفين على الأهداف، فإن ترتيبها مختلف بينهما. فقد توافق الخبراء العرب والصينيون في ذكرهما الهدفين الأول والثاني وترتيبهما، لكنّ الهدفين الثالث والرابع جاءا بترتيب معكوس لديهم. فقد ذكر الخبراء الصينيون هدف الاستدامة المشتركة أولًا، ثم تنفيذ مبادرة الحزام والطريق ثانيًا، ثم تأمين مصادر الطاقة ثالثًا، وتعزيز الاستثمار والتجارة الحرة رابعًا. ويؤكد المؤلف أن الخبراء العرب يرون أن الصين قد يكون لديها أهداف أخرى من شأنها مساعدة الدول العربية على تحقيق الاستدامة، خاصة في ظل التحديات الداخلية والخارجية والإقليمية والدولية التي تهدد أمنها (ص. 166-168) أما في المجال الثقافي، فيمكن تحديد ثلاثة أهداف رئيسة وفق الخبراء من مختلف الجنسيات. أولها التواصل الحضاري مع الدول العربية، وثانيها نشر الثقافة الصينية، وثالثها تعميم القيم الشيوعية باعتبارها أيديولوجيا ومنهج تفكير. ويلاحظ اختلاف طفيف في ترتيب هذه الأهداف بين الخبراء العرب والصينيين. فقد صنّف الخبراء العرب الأهداف من الأهم إلى الأقل أهمية، على النحو التالي: نشر الثقافة الصينية، ثم التواصل الحضاري، وأخيرًا نشر القيم الشيوعية. أما الخبراء الصينيون، فلم يذكروا إلا الهدفين الأولين، مؤكدين أن الصين لا نيّة لديها في نشر القيم الشيوعية، فوضعوا التواصل الحضاري في المرتبة الأولى، ثم نشر الثقافة الصينية في المرتبة الثانية (ص. 168-172) وفي المجال الاجتماعي، أظهرت نتائج المقابلات أن الهدف الرئيس لهذا الجانب هو تنمية الموارد البشرية وتوسيع نطاق مراكز الأبحاث المشتركة، أما الهدف الثاني فهو تحقيق التنمية الاجتماعية المشتركة. في حين كان الهدف الثالث الارتقاء بالعلوم والتكنولوجيا وتبادل الإنجازات العلمية. ويرى المؤلف أن هذه الأهداف تتوافق مع ما تنادي به الصين من تعزيز لمبدأ "المنفعة المشتركة." وقد اتفق الخبراء العرب والصينيون على هذه الأهداف عمومًا، مع اختلافات طفيفة في ترتيبها (ص. 172-176) أما في المجال الأمني والعسكري، فيؤكد المؤلف أنه على الرغم من محاولة الصين سابقًا الابتعاد عن القضايا الأمنية في المنطقة العربية، فإن هذه النظرة قد تغيرت حاليًا، نظرًا إلى التقدم التكنولوجي في قدراتها العسكرية، وكذا التهديدات الأمنية التي تواجهها، فضلًا عما تتعرض له الدول العربية. وقد أظهرت آراء الخبراء من مختلف الجنسيات أن الهدف الاستراتيجي الأول للصين هو تعزيز التعاون الأمني مع الدول العربية، والثاني هو تصدير الأسلحة، أما الهدف الثالث فهو تحقيق التوازن العسكري الاستراتيجي مع الدول الإقليمية في المنطقة، وأخيرًا التوسع الجغرافي السياسي وإقامة قواعد عسكرية في الدول العربية. ويلاحظ اختلاف في الآراء بين الخبراء العرب والصينيين بشأن ترتيب أهمية الأهداف؛ فعلى سبيل المثال، يصنّف الخبراء الصينيون التوسع الجغرافي السياسي على أنه الهدف الأقل أهمية، بينما يضعه الخبراء العرب في المرتبة الثالثة (ص. 176-182) يتناول المبحث الثاني من الفصل الرابع، أدوات تحقيق الاستراتيجية الصينية تجاه الدول العربية. فبعد تحليل إجابات الخبراء الصينيين والعرب، وجد المؤلف توافقًا بينهم على أربعة أنواع من أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الصين ومدى أهميتها. تأتي الدبلوماسية الاقتصادية (الاستثمارات والقروض والمشاريع المستدامة) في المرتبة الأولى، ثم الأدوات الثقافية في المرتبة الثانية، ثم الأدوات السياسية، مثل التدخّل لتسوية القضايا الإقليمية في المرتبة الثالثة، وتأتي الأدوات الإعلامية، مثل دبلجة الأفلام وإنشاء المؤسسات الإعلامية في المرتبة الرابعة. أما بخصوص أدوات القوة الصلبة، فيعتقد 75 في المئة من الخبراء العرب أن الصين لا تميل إلى استخدامها، في حين يؤكد الخبراء الصينيون جميعهم ذلك باعتبار أن هذا النهج يتعارض مع القيم الصينية (ص. 182-186) أما في المبحث الثالث من الفصل الرابع نفسه، فيتناول المؤلف مآلات الاستراتيجية الصينية، حيث استشار عددًا من الخبراء بشأن تداعياتها المستقبلية، وطرح عليهم سؤلًايتعلّق بتصوّرهم لثلاثة سيناريوهات محتملة: السيناريو غير الصفري، والسيناريو الصفري، أو سيناريو
الجمود. أيد 80 في المئة من الخبراء السيناريو الأول (السيناريو المتفائل)، في حين نال السيناريوهان الآخران نسبة 10 في المئة لكل منهما. ومن أبرز العوامل التي تدعم السيناريو المتفائل، العوامل الداخلية، مثل السياسة الخارجية الصينية وقدراتها وإصلاحاتها الداخلية، إضافة إلى تاريخ الصين الحضاري الراسخ المتميز بقيم أصيلة لا علاقة لها بطموحات استعمارية، وحاجتها إلى مصادر الطاقة والأسواق ودعم الدول العربية في قضاياها الاستراتيجية. وتشمل العوامل المؤيدة للسيناريو المتفائل أيضًا عوامل إقليمية مثل مركزية المنطقة العربية في الاستراتيجية الصينية، وثقة الدول العربية بهذه الاستراتيجية وحاجتها إلى دعم الصين للاستقرار والأمن، إضافة إلى التحولات الإقليمية. أما على الصعيد الدولي، فمن العوامل الداعمة، تراجع الدور الغربي في المنطقة العربية، ومبادرة الحزام والطريق، والعلاقات الجيدة بين الصين والقوى الكبرى، ورغبة الصين والدول العربية في إصلاح النظام الدولي. وُيُنوّه المؤلف بأنه سُيُفصّل لاحقًا في العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية والعسكرية التي تدعم السيناريو المتفائل للاستراتيجية الصينية تجاه الدول العربية (ص. 187-202) طرح المؤلف على الخبراء سؤلًاآخر يتعلق بالفترة الزمنية اللازمة لتحقيق السيناريو المتفائل. فرأى 43 في المئة منهم أن هذا المشروع سيتحقق على المدى المتوسط (بين 5 و 10 سنوات)، بينما رأى 38 في المئة أنه سيتحقق على المدى الطويل (أكثر من 10 سنوات.) في حين ذكر 19 في المئة منهم أن ذلك سيتم على المدى القصير 5(سنوات أو أقل.) ويتّفق المؤلف مع خيار المدى المتوسط مع ترجيح إمكانية الامتداد إلى المدى الطويل، ويعزو ذلك إلى سببين: الأول أن مشاريع الاستدامة وتطوير القطاعات تحتاج إلى تخطيط طويل الأمد. أما الثاني فهو أن من شأن التهديدات والتحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها الدول العربية أن تعوّق تحقيق الأهداف المرجوة. السيناريو الثاني (المعادلة الصفرية) تبنّاه 10 في المئة من الخبراء (خبيران.) ويرى هذان الخبيران أن العلاقة بين الصين والدول العربية هي لعبة حصيلتها صفر، سُتُفضي إلى ربح للصين وخسارة للدول العربية. ويعرض المؤلف العوامل والمؤشرات التي يستند إليها الخبراء في توقعهم حدوث هذا السيناريو التشاؤمي. يتمثل العامل الأول في التفاوت الكبير، على المستوى الداخلي، بين الصين والدول العربية في معظم المجالات والقطاعات، ما سيسمح للصين بالاستفادة من العلاقة، في ظل عجز الدول العربية عن تحقيق مكاسب ملموسة. كما أن هذا التفاوت لا يقتصر على الدول العربية في مواجهة الصين، إنما يمتد أيضًا إلى التفاوت بين الدول العربية ذاتها وضعف التوافق حول رؤية موحدة وأهداف استراتيجية مشتركة. أما على مستوى العوامل الإقليمية، فيشير الخبراء إلى أن وجود قوى إقليمية منافسة، مثل إيران وتركيا وإسرائيل يشكّل تهديدًا، حيث يُتوقع أّل اُتُفضّ ل الصين الدول العربية على حساب هذه القوى. وبالنسبة إلى العوامل الدولية، فيؤكد الخبراء أن الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى لم تنسحب تمامًا من منطقة الشرق الأوسط، وأن الصين لن تخوض منافسة قد تعرّض مكانتها الدولية للخطر. ومن المؤشرات التي تدعم السيناريو التشاؤمي، تزايد الصادرات الصينية إلى معظم الدول العربية، وعدم الرغبة في تطوير الصناعات العربية، حيث تبقى الأسواق العربية مفتوحة أمام المنتوجات الصينية. وحتى لو ساعدت الصين الدول العربية في تطوير صناعاتها، فإن المنتجات العربية لن تكون قادرة على منافسة المنتجات الصينية. ويرى المؤلف وجوب أخذ هذه المؤشرات في الحسبان. ويعتقد الخبراء أن هذا السيناريو من المحتمل أن يتحقق على المدى الطويل (أكثر من 10 سنوات)، حيث ستكسب الصين فيه على الُصُعد كلها، ما سينعكس سلبيًا على الدول العربية، خاصة على الصعيد الاقتصادي (ص. 202-204) أما السيناريو الثالث (عدم تحقيق الأهداف)، فيؤيده أيضًا 10 في المئة من الخبراء (خبيران)، ويرتكز على العوامل التالية: على المستوى الداخلي، يرى كلاهما أن الصين تعاني مشكلات متعددة قد تعرقل تقدمها في مختلف المجالات، أبرزها قضية تايوان التي تزداد قوة بدعم من الولايات المتحدة، وصعوبة استعادتها. كذلك فإن علاقات الصين بالدول المعادية للغرب ستعوّق مكانتها الدولية. علاوة على ذلك، يرى هؤلاء الخبيران أن الولايات المتحدة لن تسمح للصين بتحقيق أهدافها في المنطقة العربية، ما سيفضي في نهاية المطاف إلى انسحاب الصين من المنطقة. أما على صعيد المؤشرات، فيريان تراجع معدلات النمو الاقتصادي للصين، وعودة الدور الأميركي إلى المنطقة، وعدم انخراط الصين على نحو نشط على المستويين العسكري والسياسي، وهو ما قد يدفعها إلى عدم تقديم الدعم الكافي للقضية الفلسطينية. ويعتقد الخبيران أن تعذّر تحقيق الأهداف سيظهر في المدى المتوسط (ص. 204-206)
خاتمة
يؤكد المؤلف أهمية النتائج التي توصّل إليها، ويقدم مجموعة من التوصيات والمقترحات الاستراتيجية. ويشدد على ضرورة التخطيط الاستراتيجي الحكومي للدول العربية للاستفادة القصوى من العلاقة مع الصين، مع التأكيد على أهمية دعم الصين في قضاياها الاستراتيجية، مثل تايوان لضمان دعمها للقضايا العربية. ويدعو إلى الاستفادة من موقع القوة لدى الصين وخبرتها العسكرية. ويقدم
مقترحات موجهة إلى ثلاث فئات رئيسة: جامعة الدول العربية، وحكومات الدول العربية، والجامعات ومراكز البحوث العربية. بالنسبة إلى جامعة الدول العربية، فيوصي بإنشاء مركز للدراسات الاستراتيجية الصينية ودمج تحليل العلاقات الصينية - العربية في التقرير الاقتصادي العربي الموحد. أما بالنسبة إلى الحكومات العربية، فيقترح إنشاء مراكز بحثية متخصصة لتحليل العلاقات في المجالات كلها، خاصة الاقتصادية والثقافية. وبالنسبة إلى الجامعات والباحثين، فيشجع على إجراء دراسات معمّقة حول كل جانب من جوانب العلاقة مع الصين، مع التركيز على مبادرة الحزام والطريق وكيفية الاستفادة منها. ويختتم بالتأكيد على ضرورة اعتماد علاقات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى كلها، مشدّدًا على أهمية عدم تطوير العلاقات مع الصين على حساب العلاقات مع القوى الأخرى. ومن خلال هذه المقترحات الشاملة، يهدف المؤلف إلى تقديم إطار عمل استراتيجي لتعزيز العلاقات الصينية - العربية وتطويرها، ما يجعل هذا الكتاب مرجعًا قيّمًاللسياسيين والباحثين المهتمين بهذا المجال (ص. 209-216)
المراجع
العربية
العرب والصينن مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة. مروان قبلان (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019
الأجنبية
B en Jemma, Nada. "China's Expanding Influence on the Middle East: Trade, Energy, Security, and Multipolarity." Paper Presented at the Conference held at the Issam Fares Institute for Public Policy and International Affairs. Beirut, 28 September 2017. Carlsnaes, Walter, Thomas Risse-Kappen & Beth A. Simmons (eds.). Handbook of International Relations. 2 nd ed. Los Angeles: SAGE, 2013. Cheng, Joseph Y. S. "China's Relations with the Gulf Cooperation Council States: Multilevel Diplomacy in a Divided Arab World." China Review. vol. 16, no. 1 (Spring 2016). Daher, Massoud. "China-Arab Relations: Between Official Diplomacy and Civil Diplomacy." Chinese- Arab Perspectives. vol. 1, no. 1 (2023). Fuzhan, Xie (ed.). Exchanges and Mutual Learning Among Asian Civilizations: The Routledge Handbook of the Belt and Road. London: Routledge, 2022. Khalili, Joseph E. "Sino-Arab Relations." Asian Survey. vol. 8, no. 8 (1968). Kim, Young-Chan (ed.). China's Engagement with the Islamic Nations: A Clash or Collaboration of Modern Civilisation? Berlin: Springer, 2023. Lin, Christina. "The Belt and Road and China's Long- Term Visions in The Middle East." Working Paper. no. 47. Issam Fares Institute for Public Policy and International Affairs (2017).
Nye, Joseph S. (ed.). Soft Power and Great-Power Competition: Shifting Sands in the Balance of Power between the United States and China. Singapore: Springer Nature, 2023. Olimat, Muhamad S. China and the Middle East Since World War II: A Bilateral Approach. Lanham, MD: Lexington Books, 2014. Painter, David. The Cold War: An International History. London: Routledge, 1999. Sharp, Alan & Glyn Stone. Anglo-French Relations in the Twentieth Century: Rivalry and Cooperation. London: Routledge, 2002. Zsuzsa, Ludvig (ed.). Eurasian Challenges: Partnerships with Russia and other Issues of the Post-Soviet Area. Budapest: Hungarian Academy of Sciences, 2013.