الاستقطاب المجتمعي والحرية الأكاديمية في زمن الليبرالية الرمزية
الملخّص
In this study, the researcher builds on the idea he presented in a previous study on “Symbolic Liberalism”, which he used to describe the responses of social sciences to the ailments of late modernity. This modernity is characterized by a blend, where it is defined as classical liberalism but politically illiberal. The study argues that this modernity is undergoing polarization across various societies, including on university campuses and in the media. This is evident through high levels of intolerance that have surfaced in discussions on political, cultural, and social issues, where bias and taking sides prevail over the use of strong, persuasive arguments. This intolerance comes from both the left and the right, manifesting in what is known as "cancel culture" on both sides. The spread of "over-safety culture" among administrative officials has led to hasty decisions and sanctions against some university professors, merely for using certain references in class or for not providing prior warnings to students, all within an atmosphere of fear. The study provides examples from the United States and France, often driven by symbolic liberals. Following this, provide a case related to the ongoing war in Gaza.
Societal Polarization and Academic Freedom in the Time of Symbolic Liberalism
يواصل الباحث، في هذه الدراسة، فكرَت ه التي عرضها في دراسة سابقة عن "الليبرالية الرمزية"، التي وجد أنها تصف استجابات العلوم الاجتماعية لأمراض الحداثة المتأخرة، التي تقوم على مزيج، إذ ت عَّرَف بأنها ليبرالية كلاسيكية، ولكنها غير ليبرالية سياسيًا. تحاجّ هذه الدراسة بأن هذه الحداثة تشهد استقطابات في مختلف المجتمعات، بما في ذلك الحرم الجامعي ووسائل الإعلام. ويتجّل ى ذلك من خلال درجات عالية من التعصب، ظهرت في الحوار حول المسائل السياسية والثقافية والاجتماعية، الذي ساد خلاله الانحياز إلى طرٍفٍ معيّن وتبّن ي المواقف، بدلًا من استعمال حجج قوية ومقنعة. إن هذا التعصب يصدر من اليسار واليمين، ويتجلى بما يعرف ب "ثقافة الإلغاء" لدى الطرفين. ونتج من انتشار "ثقافة الإفراط بالسلامة" بين المسؤولين الإداريين اتخاذ قرارات متسرعة، وعقوبات ضد بعض الأساتذة الجامعيين لمجرد استخدام بعض المراجع في الصف أو عدم تنبيه مسبق للطلاب عنها في ظل مناخ يسوده الخوف. وتقدّم الدراسة أمثلة من الولايات المتحدة وفرنسا، وغالبًا ما يقودها الليبراليون الرمزيون. وبعد ذلك، تقدم حالة تتعلق بالحرب الحالية على غزة. كلمات مفتاحية: الاستقطاب المجتمعي، الحرية الأكاديمية، الولايات المتحدة، فرنسا، الليبرالية.
Keywords: Societal Polarization, Academic Freedom, War on Gaza, France, USA, Liberalism.
"ليس لدينا مشكلة مع الأشخاص الذين لا يشبهوننا، طالما أنهم يفكرون مثلنا"1. نيكولاس كرستوف ["في زمن الحرب] لا مكان لمفاهيم الصواب والخطأ والعدالة والظلم. حيث لا توجد سلطة مشتركة، لا يوجد قانون: وحيث لا يوجد قانون، لا يوجد عدل. القوة والاحتيال هما الفضيلتان الأساسيتان في الحرب" 2. توماس هوبز
مقدمة
في تشرين الأول/ أكتوبر 1992، ضرب إضراب طلابي جميع أنحاء فرنسا. ونظم الاتحاد الوطني للطلبة الفرنسيين UNEF فعالية مع الهيئات الطلابية كافة لدعم الحركة. وكنت حينها رئيسًا للاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا. وما إن استدعاني الرئيس للحضور إلى المنصة حتى صرخت مجموعة من الطلاب ضدي. وفي نهاية الفعالية، سألت: "لماذا فعلوا ذلك قبل أن أتحدث؟"، قيل لي: "إنهم لا يحبون الفلسطينيين." ليست هذه الحادثة معزولة؛ فالمجتمع يُستقطب على نحٍوٍ متزايد بين مجموعات لا تريد التحدث مع بعضها. في حداثتنا المتأخرة، نشهد استقطابًا هرميًا في المجتمعات المختلفة، يتجلى في اتساع الفجوة بين النخب المختلفة. ويمكن الاستشهاد بأمثلة كثيرة من الولايات المتحدة الأميركية، مثل هزيمة دونالد ترامب في انتخابات 2020، وإسرائيل بعد الانتخابات الأخيرة عام 2022، وفي تركيا في انتخابات حزيران/ يونيو 2023. ويعكس الفشل السياسي للربيع العربي هذا الاستقطاب، حيث رأينا على سبيل المثال انعدام الثقة بين النخب العلمانية والنخب الدينية في دراسة سابقة لي 3 اعتبرت أن الجزء الأكبر من استجابات العلوم الاجتماعية و/ أو علم الاجتماع لأمراض الحداثة المتأخرة تم تعريفه على أنه ليبرالية كلاسيكية ولكنه غير ليبرالي سياسيًا؛ وأنا أسمي هذا المزيج "الليبرالية الرمزية." يسعى هذا النوع من الليبرالية، بدعم من الرأسمالية العاطفية والنيوليبرالية، لتجاهل مركزية التوصل إلى مفهوم موحد للعدالة وفرض مفهوم مهيمن ومنزوع الثقافة Decultured للخير على حساب تعددية مفهوم الخير. وبهذا المعنى، فهي غير ليبرالية سياسيًا؛ لأنها لا تستطيع احترام الطريقة التي يتداول بها الناس تفكيرهم الأخلاقي. نتيجة طبيعة الليبرالية الرمزية، نشهد استقطابًا هرميًا في مجتمعات مختلفة، تعكسها كتابات تحت أسماء مثل حرب الثقافات، ورد الفعل الثقافي، وسياسات الغضب، والذي يتعمق خصوصًا حول قضايا سياسات الهوية. يرى مارك فريمان 4، في مشروعه حول الاستقطاب، أنه على الرغم من أن مشكلة الاستقطاب لا تتساوى في أي مكان مع الحرب الأهلية والاستبداد والإبادة الجماعية وغيرها من الشرور، فإنها يمكن - إذا تم تجاهلها - أن تصبح نذيرًا وتسارعًا لها. ويتنوع الاستقطاب كثيرًا، حيث يربط بصفات عديدة، على سبيل المثال: عاطفي، أيديولوجي، متماثل، غير متماثل، سياسي، اجتماعي، إثني، ديني، عنصري، نخبوي، جماعي، ضار، سام، حميد، وما إلى ذلك. يمكن أن يعتبر المرُءُ الاستقطاَبَ مشكلة متفاقمة Hyper-problem؛ أي القضية التي تجعل حل كل مشكلة أخرى أشد صعوبة 5. ومن ثمّ، فإن الاستقطاب ليس انقسامًا اجتماعيًا بسيطًا، بل هو انقسام أو صراع بارز يؤدي إلى إقصاء المجموعات الرئيسة في المجتمع و/ أو العنف؛ ولهذا السبب غالبًا ما يكون هرميًا لأنه يستلزم السلطة والهيمنة. اليوم، هذه الظاهرة موجودة في كل مكان، بما في ذلك الجامعات ووسائل الإعلام. ويتجّل ىذلك من خلال درجات عالية من التعصب، ظهرت في الحوار حول المسائل السياسية والثقافية والاجتماعية، الذي ساد خلاله الانحياز إلى طرٍفٍ معّي نوتبنّي المواقف، بدلًامن استخدام حجج قوية ومقنعة. يتجلى هذا التعصب في ما يعرف ب "ثقافة الإلغاء" Culture Cancel، التي يمارسها اليسار واليمين على حد سواء، وإن بدرجات متفاوتة. وبلغت هذه الظاهرة درجة غير معهودة؛ ما أثار قلق الكثير من الباحثين، وأدى إلى توقيع عدد منهم رسالة "عن العدالة والحوار المفتوح" 6. ولم يوقعها المحافظون فحسب، بل وقّعها أيضًا كتّاب معروفون من اليسار مثل نعوم تشومسكي، ومارتن أميس، وغلوريا ستاينم، وسلمان رشدي، ومارغريت أتوود. وتعِّفرِ الأطراف الموقّعة ثقافة الإقصاء ب "عدم التسامح مع الآراء المختلفة والتشهير والنبذ الاجتماعي والسعي نحو حسم المسائل السياسية المعقدة من يقين أخلاقي مطلق"، والذي يمكن أن "يكثف مجموعة جديدة من المواقف الأخلاقية والالتزامات السياسية التي تميل إلى إضعاف معاييرنا للنقاش
المفتوح والتسامح مع الاختلافات لصالح توافق أيديولوجي" 7. ويجري اللجوء (السهل والسرريع) إلى تعبيرات لتشويٍهٍ وشيطنة مفرطة، ضد كل من يخالف الرأي (مثل الفيروس والمرض والجائحة و"يسار موصوم بأنه إسلامي Islamo-gauchiste" والمندسين... إلخ.) غالبًا ما تكون النتيجة تجمع وجهات النظر والمعتقدات وتطرفها بين قطبين متباعدين ومتعارضين. وهو ما أثار خوف الأكاديميين والفنانين والصحافيين خشيةً على مصدر رزقهم، إذا حادوا عن الإجماع الظاهري داخل مكان عملهم، أو لم يبدوا حماسًا كافيًا للخطاب المهيمن. لأوضح هذه الإشكاليات مركّزًا أساسًا على الحريات الأكاديمية، لن أقدم أمثلة من العالم العربي، حيث هذه الحرية في وضع صعب للغاية 8، بل سأكتفي بثلاثة أمثلة: أولًامن بلدين ديمقراطيين ليبراليين هما الولايات المتحدة وفرنسا، لأبين مدى انتشار "ثقافة الإقصاء" في بلدان تتفاخر بالحريات الأكاديمية، وغالبًا ما يقودها الليبراليون الرمزيون. وبعد ذلك، أدرس حالة تتعلق بالحرب الحالية على غزة، لأنها كشفت على نحو فاقع إشكاليات الاستقطاب المجتمعي والحريات الأكاديمية. وسأقدم أربعة عوامل يمكن أن تفسرر الموقف الغربي المؤيد للإبادة الجماعية في غزة: استغلال لذكرى المحرقة، والصورة الزائفة لإسرائيل دولةً علمانية، وكراهية الإسلام (صورة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" منظمة متعصبةً وليست حركَةَ تحريٍرٍ وطنية)، والإرث الاستعماري الأوروبي الأميركي. ولكن قبل ذلك، سأوضح بعض ملامح النقاشات حول إشكاليات الحريات الأكاديمية.
أولًا: إشكاليات مفهوم الحريات الأكاديمية
يمكن رصد تفاقم ظاهرة التعصب في الأكاديميا من خلال بيانات كثيرة في العقد الأخير. وهي ليست فقط معلومات سردية كيفية، بل بيانات رقمية. فعلى سبيل المثال، يُظهر الاستطلاع الذي أ جري بين علماء السياسة في جميع أنحاء العالم The World of Political Science Survey في عام 2019 أن الردود على مؤشر إلغاء الثقافة تعكس تجربة القيود المتزايدة على حرية التعبير الأكاديمية، والضغوط من أجل التوافق الأيديولوجي، وفرض اللياقة السياسية Speech Correct Politically. وأكدت نتائج التأثيرات المهمة لأيديولوجيا اليسار واليمين لتفسير هذا المؤشر 9. في الآونة الأخيرة، تشير حوادث كثيرة إلى خنق الحرية الأكاديمية، وقد ةفلتخم لا ااكشأ تذختا. مهبصانم نم يينيدماكلاأ ضعب لصُفُ، لاثًاامف في ألمانيا والمملكة المتحدة وإسرائيل بسبب موقفهم المنتقد للإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، كما هو الحال مع الأنثروبولوجي ذي الشهرة الدولية غسان الحاج 10، كما جَُّرّ الباحثون إلى المحاكم. لقد بّي نكل من ليتيسيا أتلاني ديو وستيفان ديفوا 11 أن زيادة الدعاوى القضائية لمقاضاة الباحثين بتهمة التشهير قد أثّرت في استقلالية الأكاديميين، وجعلت الباحثين الذين يعملون على مواضيع حساسة في موضع خطر؛ ما أثر سلبيًا في حرية التعبير والكلمة، اللتين تعدّان أمرين ضروريين للجامعات لتمكين الطلبة من تكوين متفتح. ولذلك دور مهم في تدليل الطلبة 12؛ حيث تسلط دينا كيوان13 الضوء خصوصًا على الانتشار المفرط للفردنة Individualization، واللجوء للسيكولوجي Psychologization، مما "يطفلن" المجتمع وخاصة الطلاب، ويتعلق كل ذلك بالانعطافة العلاجية Therapeutic Turn في كثير من البلدان كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وتتجلى هذه الانعطافة في حماية المصالح القانونية والموجهة نحو السوق لمؤسسات التعليم العالي. فلقد عززت النيوليبرالية والرأسمالية المشاعرية المنغمسة في كل المجالات، بما في ذلك المجال الأكاديمي، ثقافة الاستقطاب والإلغاء. ونتج من سلعنة التعليم العالي، واعتبار الطلاب زبائن انتشار "ثقافة الإفراط في السلامة" Safetyism of Culture بين المسؤولين الإداريين (وخاصة من النظام التسييري الجديد New Managerial حيث لم يعد الإداري من الحقل الأكاديمي)، اتخاُذُ قرارات متسررعة، وعقوبات غير مناسبة، ضد بعض الأساتذة الجامعيين لاستخدام بعض المراجع في الصف أو عدم تنبيه مسبق للطلاب عنها في ظل مناخ يسوده الخوف. أتناول هنا ثلاث قضايا أساسية لفهم العلاقة بالحرية الأكاديمية: الأولى ما يميزها من حرية
التعبير، والثانية حول أهمية استقلالية الأكاديميا، والثالثة حول التوتر بين هذه الحرية و"التنوع والإنصاف والإدماج" EDI حول القضية الأولى، هناك اختلافات بين حرية التعبير والحرية الأكاديمية. وهذه الأخيرة هي في الواقع أكثر تطلّبًا للمسؤولية الاجتماعية والنزاهة الفكرية. إن ما يمكن أن يكتبه الأستاذ أو يختاره من قراءات للتدريس أو يقوله في الفصل الدراسي يجب أن يتم تأطيره من خلال هذين المبدأين، في حين أنه، عمومًا، يمكن أن ينطق الشخص العادي بحرية أكبر في المجالين الخاص والعام. حول المبدأ الأول، كتب مؤسس الرابطة الأميركية لأساتذة الجامعات AAUP، ألكسندر ميكليجون، ذات مرة: "مسؤوليتنا النهائية، بصفتنا علماء ومدرسين، ليست تجاه الحقيقة، بل للأشخاص الذين يحتاجون هذه الحقيقة" 14. ولمراعاة ذلك، وضع ستانلي فيش15 الاحتراف Professionalism في قلب الحرية الأكاديمية. وغني عن القول إنه غالبًا ما يكون من الصعب جدًا صياغة استثناءات للمبادئ العامة لحرية التعبير. فخطاب الكراهية هو صنف ليس له تعريف قانوني ثابت، وأدعو إلى التعامل معه اجتماعيًا وسياقيًا أكثر من التعامل معه قانونيًا (ينظر خاتمة الدراسة.) لا تتعلق الحرية الأكاديمية بالفصل الدراسي، بل تتعلق بخارج الحرم الجامعي أيضًا. لقد أكد رولاند دوركين 16 أهمية هذه النشاطات، حتى إنه ساوى بين النشاطات المسيّسة والواجب المدني للأكاديمي. في حين أن مبدأ النزاهة الفكرية يرتبط بكيفية تقييم الأقران لقوة البحث، فإن مبدأ المسؤولية الاجتماعية أشد تعقيدًا لأنه يتطلب مداولات أخلاقية من أجل تقييم البيان. وفيما يتعلق بالنقطة الثانية، أرى أن الحرية الأكاديمية مهددة بسبب الافتقار إلى الاستقلالية في مؤسسات التعليم العالي. تاريخيًا، قد نقول إن التهديد الكبير في الشمال العالمي يأتي غالبًا من الجهات المانحة، خاصة في الجامعات الإدارية، بينما يأتي في الجنوب العالمي من الحكومة وبدرجة أقل من المجموعات المحافظة. ومع ذلك، تكون الصورة أشد تعقيدًا عندما تمتزج التقاليد المختلفة (الهمبولتية والنابليونية والتسيرية Managerial) وليس لدينا سوى القليل من الأدلة على أن العامل الرئيس يتعلق بوجود علاقة مباشرة بين نوع الممولين (الخاص مقابل العام) ومدى الاستقلالية 17، ولكن لدينا المزيد من الأدلة على كيفية تأثر الاستقلالية بنوع النخبة (ليبرالية، محافظة، ليبرالية رمزية) ونوع النظام السياسي (استبدادي، ديمقراطي ليبرالي، ديمقراطي شعبي.) تكشف دينا كيوان 18، في كتابها الرائد الحرية الأكاديمية وإنتاج المعرفة عبرر الحدود الوطنية، عن صورة معقدة لخنق الحرية الأكاديمية الذي يتجاوز الانقسام بين الشمال والجنوب تحت تأثير إنتاج المعرفة العابر للحدود الوطنية، بناءً على تحليل أجوبة الأشخاص الذين أجرت معهم مقابلات أساسًا من أربع دول: المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، ولبنان، والإمارات العربية المتحدة. وتدور مناقشات جدلية مستمرة حول تعارض مبادئ الحرية الأكاديمية مع مبادئ التنوع والإدماج Inclusion and Diversity. لقد بينت كيوان كيف اعتبر بعض فلاسفة التعليم، كإيمون كالان وسيجال بن بوراث وكذلك جوديث بتلر، أن الاندماجية هي شرط أساسي للحرية الأكاديمية أو، في الواقع، "شرط مسبق" للحرية الأكاديمية. وهذه الشروط المسبقة هي وسيلة لحل السجالات، ولكنها أصبحت مسيسة بين المواقف اليمينية المحافظة واليسارية الليبرالية (أو الليبرالية الرمزية.) تدافع المحافظة اليمينية عن الحجج المؤيدة للحرية الأكاديمية، في حين ينظر اليسار إلى هذه الحجج على أنها محاولات مخادعة لاستخدام الحرية الأكاديمية سلاحًا ضد المعرفة المدمجة Knowledge Inclusive. وتعتبر كيوان أن عمليات تحريم المعرفة وإضفاء الشرعية عليها تتم من خلال عمليات النشر العابرة للحدود الوطنية وطرائق انتشارها. ويحدث هذا على مستوى الباحثين الفرديين الذين يحاولون نشر أعمالهم و/ أو يتم منعهم من إلقاء محاضرات بصفة ضيوف 19.
ثانيًا: الولايات المتحدة: موضوعات التعصب في الأكاديميا
وفي حالة الولايات المتحدة، بيّنت الإحصائيات التي قدمتها مؤسسة الحقوق الفردية وحرية التعبير FIRE أن 149 من الأساتذة الجامعيين جرى استهدافهم بسبب التعبير عن آرائهم عام 2022 (مقابل 30 في عام 2015)، فقد تعرضوا للتنبيه والتحقيق والإيقاف عن العمل والعزل؛ بسبب قضايا ساخنة مثل التحزب السياسي 25(في المئة من الحوادث)، والجندر 23(في المئة)، والإدلاء بآرائهم في السياسات المؤسساتية 25(في المئة) 20. ووفقًا لمؤسسة الحقوق الفردية وحرية التعبير، فإن ثلَثَي هذه العقوبات يأتي من محتجين أكثر يسارية
نوع المدرسة من يسار المتحدث من يمين المتحدث
| %(من المجموع الكلي) | المجموع | غير متوافر | من يمين المتحدث | من يسار المتحدث | نوع المدرسة |
|---|---|---|---|---|---|
| ل 44 | 253 | 12 | 54 | 187 | عمومية |
| 23 | 132 | 6 | 70 | 56 | دينية |
| 33 | 189 | 10 | 31 | 148 | عيملمانية |
| 100 | 574 | 28 | 155 | 391 | المجموع الكلي |
المجموع الكلي 391
ممن هو مستهدف بالعقوبة 21. ويمكن ملاحظة الاتجاه نفسه في بيانات الرابطة الوطنية للعلماء NAS التي تحتفظ بقاعدة بيانات للأكاديميين الأميركيين الذين شهدوا حملات تطالب بإقالتهم. تسجل هذه القاعدة 4 حوادث في عاَمَي 2015 و 2016، و 9 في عام 2017، و 13 في عام 2018، و 12 في عام 2019، و 65 حادثًا في عام 2020 22. لدينا الكثير من الأدلة على أن مناخ الاستقطاب المخيف هذا يعكس الرأي العام للطلاب وأعضاء هيئة التدريس. وأوضح بانو كانيلوس 23، رئيس جامعة أوستن، في إشارة إلى دراسة استقصائية أجريت في الولايات المتحدة، أن "ما يقرب من ربع الأكاديميين الأميركيين في العلوم الاجتماعية أو الإنسانية يؤيدون طرد زميل له رأي خاطئ حول القضايا الساخنة مثل الهجرة أو الاختلافات بين الجنسين. يقول أكثر من ثلث الأكاديميين وطلاب الدكتوراه الذين يعبرون عن آراء اجتماعية أو سياسية غير مرغوب فيها إنهم تعرضوا للتهديد باتخاذ إجراءات تأديبية بسبب مناصبهم. وهناك 80 في المئة من طلاب الدكتوراه الأميركيين على استعداد للتمييز ضد الباحثين الذين يتبنون وجهة نظر الأقلية[...]الصورة بين الطلاب الجامعيين في المرحلة الأولى أكثر قتامة 24[...]في استطلاع للرأي في الحرم الجامعي لعام 2020 الذي أجرته أكاديمية هيتيرودوكس Heterodox، وافق 62 في المئة من الجدول)1(حوادث إلغاء الدعوات بحسب نوع المدرسة ومصدر الاحتجاج
غير متوافر المجموع %(من المجموع الكلي)
عينة طلاب الجامعات على أن المناخ في الحرم الجامعي يمنع الطلاب من قول قضايا يؤمنون بها. وما يقرب من 70 في المئة من الطلاب يفضلون الإبلاغ عن الأساتذة إذا تناولوا موضوعًا مسيئًا من وجهة نظرهم[...]، وفقًا لاستطلاع أجراه معهد تشالي للابتكار العالمي." لقد أوردت هذا الاقتباس الطويل، لأبين أن التعصب وعدم التسامح في النقاش ليس بالضرورة مفروضًا من أعلى، ولكنه أيضًا "شعبي." ولإظهار شعبويته بصفة أوضح، سأتحدث عن حوادث إلغاء الدعوة.
حوادث إلغاء الدعوة
تُعرّف مؤسسة الحقوق الفردية وحرية التعبير مصطلح "حادثة إلغاء الدعوة" بأنها "الخلافات في الحرم الجامعي التي تنشأ على مدار العام عندما تطالب شرائح من مجتمع الحرم الجامعي بعدم السماح للمتحدث المدعو بالتحدث، بدلًامن مجرد التعبير عن عدم الاتفاق مع المتحدث المدعو أو حتى الاحتجاج على وجهات نظره أو مواقفه (داخل المحاضرة.") وتفرق هذه المؤسسة بين محاولة فرض رقابة على المتحدث والنتيجة النهائية الفعلية المتمثلة في عدم التحدث. يمكن أن تشمل حوادث إلغاء الدعوة هذه "محاولات غير ناجحة لإلغاء الدعوة" (مثل الصراخ على المتحدثين وتخويفهم ولكن لن ينتج ذلك منعهم من التحدث) 25. في أواخر عام 2023، أبلغت هذ المؤسسة في قاعدة بياناتها عما لا يقل عن 574 حملة إلغاء دعوة منذ عام 2000 في جميع أنواع مؤسسات التعليم العالي (الحكومية 44(في المئة)، العلمانية 23(في المئة) أو الدينية 22(في المئة.)) ما يقرب من 60 في المئة من هذه الحوادث كانت ناجحة وينتمي أكثر من ثلثي المحتجين إلى اتجاهات أكثر يسارية من المتحدثين المستهدفين (ينظر الجدولان 1 و 2.) ونلاحظ في الفترة 2022-2001 أن عدد حملات إلغاء الدعوة كان مضروبًا بعشرة (من 4 إلى 42) (ينظر الشكل.) وبطبيعة الحال،
شكل يوضح حوادث إلغاء الدعوات سنويًا
نتوقع أن يكون الرقم أعلى من ذلك كثيرًا، فقد ذكر بعض من أجريت معهم المقابلات أنهم يمتنعون عن دعوة الضيوف بشأن القضايا المثيرة للجدل خوفًا من حظر الإدارة لمثل هذه الحملات. ومثال: الجدول)2(حوادث إلغاء الدعوات بحسب مصدره الاحتجاج
| % | العدد | |
|---|---|---|
| 68 | 391 | من يسار المتحدث |
| 27 | 153 | من يمين المتحدث |
| 28 | غير متوافر | |
| 100 | 572 | المجموع الكلي |
ومن بين موضوعات حوادث إلغاء الدعوات في الجامعات الأميركية نذكر الصراع العربي- الإسرائيلي، بحجة حماية "حساسيات" بعض الطلبة عند تناول بعض المسائل من دون ذكر هوية المحتجين؛ ومن ثمّ فهم يتجاهلون آخرين كثرًا لم تتأذّ مشاعرهم. وبتعميم أكثر، فإن مشكلة عدم التسامح مع النقاش لا تهم الولايات المتحدة فحسب، بل تهم أيضًا دولًامثل كندا وبدرجة أقل المملكة المتحدة، كما نرى في الدراسات الاستقصائية في هذه البلدان 26، بما في ذلك التقارير الحكومية الرسمية 27، وحتى في جميع أنحاء العالم. في هذه المرحلة، أحدد كيفية قراءتي لهذه الأرقام باستخدام نقطتين
أولًا، أنا أدرك أن مؤسسة الحقوق الفردية وحرية التعبير، ومركز دراسة الحزبية والأيديولوجية CSPI الذي كتب إريك كوفمان تقريره له، قريبان من المحافظين، وقد ينتجان هذه التقارير في إطار نهجهما الليبريتاري تجاه الحرية الأكاديمية. لكن ليس لدينا قواعد بيانات وأرقام شاملة من مراكز غير حزبية. ومع ذلك، فإن الاتجاه الذي يصفونه يتوافق مع دراسات أخرى أجرتها مجموعات بحثية جادة مثل كتاب سكوت باومان وآخرين الإسلام في الحرم الجامعي: الهويات المتنازع عليها وثقافات التعليم العالي في بريطانيا 28، أو انتقادات ويندي براون 29 لمؤسسة الحقوق الفردية وحرية التعبير ومركز دراسة الحزبية والأيديولوجية حصريًا، لإظهار اتجاه واضح
في الأوساط الأكاديمية لتقييد الحرية الأكاديمية. لكنني أدرك أن حوادث إلغاء المحاضرات يجب تقييم مضمونها دائمًا، باعتبارها جزءًا من التعصب المجتمعي الذي ينفذه كل من الليبراليين الرمزيين أو اليمين الشعبوي (اختزال المناقشات حول تعددية مفهوم الخير في مفهوم واحد مهيمن للخير) أو مجرد إجراء ضروري لمنع العنصرية والتمييز. وغني عن القول إنني لا أعتبر منهجيًا أن حوادث إلغاء المحاضرات غير أخلاقية بالضرورة. إن إدانة السياسيين الذين لديهم مسيرة مهنية طويلة في دعم الحروب يمكن أن يكون لها ما يبررها. وينبغي للجامعات أن تظل موقعًا للاحتجاجات والمناقشات المفتوحة والخلافات حول سياسات السلطات المهيمنة، كما كانت الحال منذ حرب فيتنام إلى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والحرب على العراق. ومع ذلك، فإن العديد من الأمثلة الأخرى التي رأيتها تتناسب، إلى حد ما، مع تعريف إلغاء الثقافة والتعصب المجتمعي. ولتوضيح ذلك يمكن تقديم العديد من الأمثلة، ولكن اسمحوا لي هنا أن أعطي مث لًامن جامعتي، الجامعة الأمريكية في بيروت، لتسليط الضوء على صعوبة مناقشة القضايا المثيرة للجدل في الأوساط الأكاديمية. ففي السابع من شباط/ فبراير 2023، قام بشار حيدر أستاذ الفلسفة الجامعة الأمريكية في بيروت بدعوة هولي لوفورد في -سميث Lawford-Smith Holly الناشطة النسائية وأستاذة الفلسفة بجامعة ملبورن لتقديم كتابها النسوية الناقدة للجندر30. وقد استعمل نادي الجندر والجنسانية الباب التاسع من قوانين الجامعة (أي مكافحة التمييز ووفقًا لسياسة التنوع والإنصاف والإدماج DEI) للدعوة لإلغاء الندوة؛ وقد أثار مسؤول في الجامعة بصفة غير رسمية الخشية من أنّ مثل هذه الندوة ستعرّض تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية للجامعة الأمريكية للخطر. وفي الأسبوع التالي، بعد فشل إيقاف هذه الدعوة، أصدر النادي ومنظمات طلابية شريكة له بيانًا أستعرُضُ منه بعض المقتطفات: "وفقًا لقيم ومبادئ النادي والباب التاسع[...]ندين هذه الندوة والمحاضرة كما نستنكر أي رأي أو تصريح يسيء إلى مجتمع الميم وخاصة جماعة المتحولين جنسيًا[...]حقوق المتحولين جنسيًا هي بمنزلة حقوق الإنسان ليس لأي كان الحق في مناقشة شرعية وجودهم" 31. أريد تسليط الضوء على الجملة الأخيرة حيث إن كتاب لوفورد- سميث لا يشكك في شرعية وجود الأشخاص المتحولين جنسيًا، ولكنه يشير إلى تضارب حقوقهم مع مجموعات ذات ميول جنسية أخرى. إن عدم التسامح مع سماع تلونات مختلفة من الحركة النسوية أمر شائع في جامعات أخرى. ففي جامعة أكسفورد، احتاجت البروفيسورة الفيلسوفة كاثلين ستوك Kathleen Stock، وهي نسوية ناقدة للجندر والتي طردها من وظيفتها في جامعة ساسيكس نشطاء المتحولين جنسيًا، إلى الأمن من أجل أن تتمكن من التحدث في اتحاد أكسفورد Union Oxford ورغم ذلك جرى تعطيل مشاركتها. وأيضًا، حينما تمت دعوة الدكتورة هيلين جويس، الأكاديمية والصحافية الإيرلندية، للتحدث في كلية غونفيل آند كايوس (كامبريدج-المملكة المتحدة) في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2022، انتقد الإداريون هناك دعوتها، واصفين آراءها بأنها "كارهة لمجتمعنا" 32. ومن ثمّ، لا يمكن أن يدعي المرء أّن منع هؤلاء المتحدثين مهم لموازنة بنية السلطة بين مجموعة قوية (مثل المحافظين في بعض البلدان) ومجموعة مهمشة (اليسار)؛ لأن هؤلاء المتحدثين غالبًا ما يأتون من اليسار ولكن لديهم فهم محدد للنسوية. ولهذا السبب أدعو إلى ما أسميه علم الاجتماع الحواري 33 لمناقشة هذه المسائل المثيرة للجدل مثل الهوية الجندرية مقابل الهوية الجنسية، والمساهمة استراتيجيًا في دفع تبني التصور المجرّد لمفهوم العدالة في مجتمع معّي ن(مثلًاعدم التمييز في حق مجتمع الميم) وتسهيل النقاش حول تدافع منظورات الخير (مثلًاشكل المرئية في الفضاء العام، وكيف يحلّ مجتمع ما اختلافات بين فئات تتعامل مع مفهوم حرية الجسد بطرائق مختلفة.)
ثالثًا: فرنسا: التعصب بين الديكولونيالية والكولونيالية
بالنسبة إلى فرنسا، أودّ التركيز على نوع معّي نمن التعصب، وأظهر بعض تناقضات فيما يتعلق بالحرية الأكاديمية. لقد انتشر في فرنسا، كما في دول غربية أخرى، تعصب في اتجاه مسار التحرر من الاستعمار 34 (الديكولونيالية) في العلوم الاجتماعية. نحن نعرف أن أدبيّات كثيرة قد
تناولت استمرارية الإرث الاستعماري في التعليم والأبحاث 35، ولكنها قوبلت باتخاذ مواقف متعصبة، من قبيل نعت هذه الدراسات بالعلوم الزائفة بدلًامن تناولها بطريقة نقدية وموضوعية 36. لم يحصل الكثير من الجدل، بل كان هناك اتخاذ للمواقف فحسب. وقد جرى توقيع عريضة ضمت 76 أكاديميًا وكاتبًا وصحافيًا ضد الديكولونيالية، وكذلك تأسيس مرصد الديكولونيالية عام 2023 وأصبح اسمه فيما بعد مرصد أيديولوجيات الهوية 37. ففي 8-7 كانون الثاني/ يناير 2022، انعقدت ورشة عمل بعنوان "ما بعد التفكيك: إعادة بناء العلوم والثقافة"، نظّمها معهد الفلسفة بالسوربون ومرصد الديكولونيالية ولجنة العلمانية الجمهورية، وافتتحها وزير التربية الفرنسي جان-ميشال بلانكيه، أي إنها تحظى بدعم سياسي. ويظهر التناقض في أن المشاركين أنفسهم في هذه الورشة قد وصفوا، قبل بضعة أشهر من عقد الندوة، تقرير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وبعض الباحثين الفرنسيين بأنهم معادون للسامية؛ لأنهم اعتبروا الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية تمييزًا عنصريًا 38. وفي وقت لاحق، جرى نعتهم بأنهم "يسار موصوم بأنه إسلامي"، وتعرضوا لحملات عنيفة شنّتها الحكومة ووسائل الإعلام الرئيسة، مستخدمة في ذلك أكاديميين، مثل جيل كيبيل Kepel Gilles،. وقد 39وفلورنس برجو بلاكلير Florence Bergeaud-Blackler حاولت ألمانيا وبلجيكا، ودول أوروبية أخرى، تقليد فرنسا بطريقة أقل فظاظة، ولكن بلا فاعلية. وضمن هذه الحملة نلاحظ تنامي نشاط الليبراليين الرمزيين، ليبلغ ذروته أخيرًا في الجدل حول الحرب على غزة. ومع ذلك، في المملكة المتحدة، لقد كانت إجراءات مكافحة التطرف الحالية المعروفة باسم "المنع" Prevent، فعالة؛ حيث تم تنفيذها في جامعات خنقت فيها الحرية الأكاديمية، كما ناقشوها بالتفصيل 40. فمثلًا، أثر تسييس الجهات الحكومية للهوية الدينية (وخاصة في الخلط الخاطئ بين المحافظة الاجتماعية المتصورة والتطرف) في حرية التعبير بالجامعة، وقد اعتبروا أن في الطلاب هشاشة مثل رقاقات ثلج تذوب عند أي اتصال بقضية جدلية، أو إرهابيين ينشرون التطرف في الجامعة.
رابعًا: غزة والحرية الأكاديمية تحت النار
خلال الحرب على غزة، شهدنا صمتًا مَُمَِّكِنًا للإبادة الجماعية لغزة 41، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا بين القطاعين الإعلامي والأكاديمي. يمكننا أن نتحدث تقريبًا عن انقسام داخل المجتمع الدولي: فالشمال العالمي، الذي يهيمن عليه اللوبي الإسرائيلي هيمنة كبيرة، انحاز في الغالب إلى التطهير العرقي والإبادة اللذين يمارسهما النظام الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني (ربما باستثناء إسبانيا وإسكتلندا وإيرلندا وبلجيكا)، في حين يؤيد الجنوب العالمي، بما في ذلك القوى ذات الوزن الثقيل مثل روسيا والصين وإيران، وقف إطلاق النار الدائم وعملية السلام. وكانت المظاهرات المؤيدة لفلسطين هائلة في جميع المدن الكبرى تقريبًا في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في الغرب 42. هناك بعض
الدول الغربية، خاصة ألمانيا وفرنسا، لا تدعم المشروع الاستعماري الإسرائيلي فحسب، بل تحظر أيضًا أي مظاهرات ضد الإبادة الجماعية، وتحظر الأعلام الفلسطينية والكوفيات، معتبرين أنه من معاداة السامية إلزام إسرائيل بالمسؤولية الإنسانية الدولية. وهذا لا يهم فقط الساسة الذين يهتمون بمجموعات المصالح الضرورية لتمويلهم وإعادة انتخابهم، بل يهم أيضًا وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية. اليوم، يمكننا أن نقرأ في صحيفة هآرتس انتقادات أكثر للإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة مقارنة بالصحف الأميركية أو الكندية أو الأوروبية، حتى إن بعض علماء الاجتماع الإسرائيليين ينتقدون الانتهاك الإسرائيلي للقوانين الدولية أكثر من الجمعيات الأكاديمية الأخرى في أوروبا 43. وفي المفارقات التاريخية، نتذكر كيف أصدر القاضي الشهير روبرت بادينتر بحق إلغاء عقوبة الإعدام في فرنسا عام 1981، بينما اليوم هو 44 وزوجته، إليزابيث بادينتر، الفيلسوفة والناشطة نسوية، يؤيدان عقوبة الإعدام الجماعية ضد الشعب في غزة. وغني عن القول إن هناك في الغرب العديد من العلماء الشرفاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، مثل كريج مخيبر، مدير مكتب نيويورك لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الذي استقال في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بخطاب استقالة لاذع، انتقد فيه تواطؤ الأمم المتحدة والغرب في الانتهاكات الإسرائيلية. ونحن نشهد أيضًا كيف يتظاهر طلاب الجامعات دعمًاقويًا لنضال الشعب الفلسطيني. وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، رأينا الآلاف من العلماء والكتاب الغربيين يدينون الحرب على غزة ويدعون إلى إنهاء الاحتلال، على الرغم من مطاردة الساحرات التي قام بها اللوبي الإسرائيلي وحلفاؤه منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر. في هذه الديمقراطيات الليبرالية، مثل المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وألمانيا، يمكن اعتبار الباحث الذي ينشر ضد الإبادة الجماعية على فيسبوك وتويتر مدافعًا عن الإرهاب. فعلى سبيل المثال، وقّع حوالى 1557 من القانونيين والعلماء الفرنسيين بيان "الدفاع عن حرية التعبير في فلسطين: قضية أكاديمية" 45. ويوضح عبد الوهاب الأفندي أن الانقسام أشد تعقيدًا من الشمال/ الجنوب، عندما يدرس كيف تأثر مجال دراسات الإبادة الجماعية بزيادة الاستقطاب والحزبية، بينما تتولى العديد من الدول الديمقراطية في الوقت نفسه دور المشارك والمنكر. وهو يرى أن هذا يشكل ضربة خطيرة للغاية لمسعى منع الإبادة الجماعية 46. فيما يلي، أقدم أربعة عوامل يمكن أن تفسرر الموقف الإسرائيلي الغربي المؤيد للإبادة الجماعية، وهي: الاستغلال المفرط لذكرى المحرقة أو غسل الذنب، وفكرة أن إسرائيل بصفتها دولةً علمانية لا يمكنها أن ترتكب أي خطأ، والإسلاموفوبيا بما في ذلك صورة حماس بصفتها منظمةً متعصبة وليست حركة تحرير وطنية، وأخيرًا الإرث الاستعماري الأوروبي - الأميركي. وبطبيعة الحال، هناك أيضًا عوامل أخرى، من وجهة نظري تؤدي أدوارًا أقل أهمية، مثل مدى أهمية إسرائيل بالنسبة إلى المركب الصناعي العسكري الغربي. في الولايات المتحدة، الغالبية العظمى من المساعدات العسكرية لا تغادر واشنطن أبدًا، بل تذهب مباشرة إلى خزائن شركات الأسلحة، ويرتبط حجم كل هذه المبيعات والمشتريات جميعها مباشرةً بالمساعدات العسكرية لإسرائيل. إن إسرائيل هي حرفيًا أساس الاقتصاد العسكري الواسع النطاق الذي يعزز القوة الساحقة لما أطلق عليه الاقتصاديان الإسرائيليان جوناثان نيتسان وشمشون بيشلر تحالف دولار الأسلحة والبترودولار Weapondollar–Petrodollar 47. يمكننا أيضًا أن نذكر عاملًادينيًا يتمثّل في كيفية تطبيق أهداف الكتاب المقدس، خاصة بين بعض الإنجيليين.
1. الاستغلال المفرط لذكرى المحرقة أو غسل الذنب
نظرًا إلى العواقب التاريخية لإبادة ملايين اليهود في الحرب العالمية الثانية، فإن معاداة السامية المروعة تشكل ظاهرة اجتماعية خطيرة تتطلب مكافحتها بكل الوسائل. وتشير معاداة السامية إلى "نظريات المؤامرة البغيضة حول سيطرة اليهود على وسائل الإعلام والتمويل والحكومات، واتهامات تشهير الدم، وخطاب إنكار الهولوكوست، والرسوم الكاريكاتورية المهينة لليهود" 48. ومع ذلك، فإن التعريف العملي للتحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة
IHRA وأمثلته التوضيحية 49 أصبح أداة أساسية لعمل اللجنة في معالجة معاداة السامية في العديد من الدول الغربية. يخلط هذا التعريف بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، فضلًاعن انتقاد الإجراءات والسياسات الإسرائيلية، بما في ذلك الحملات التي تحمّل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية أمام القانون الدولي، مثل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS أو جعلها معادية للسامية من أجل إجراء مقارنات بين السياسة الإسرائيلية المعاصرة وسياسة النازيين. ورغم أن هذا التعريف غير ملزم قانونًا، فإنه اسُتُخدم بصفة قانونية، وهو بالتأكيد وسيلة لاستخدام معاداة السامية سلاحًا. وقد حذر مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب، تينداي أشيومي، من استخدام تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة "بسبب قابليته للاستغلال سياسيًا والضرر الذي يلحق بحقوق الإنسان نتيجة لهذا الاستخدام." وفي السياق نفسه، أظهر مركز الدعم القانوني الأوروبي والجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط BRISMES في تقرير صدر عام 2023 أن "هناك اتفاقًا واسع النطاق بين الباحثين في مجال الإبادة الجماعية والخبراء القانونيين (بما في ذلك أحد الصائغين الرئيسين لتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة، كينيث ستيرن)"، وأنه تعريف غير مناسب للأوساط الأكاديمية، حيث يكون للفكر النقدي والنقاش الحر أهمية قصوى. ويعرض التقرير أدلة مستندة إلى حالات تتعلق بانتهاكات الحقوق الأساسية للموظفين والطلاب الناجمة عن تنفيذ تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة. ويتم دعم الأدلة ب 40 حالة موثقة في 14 جامعة بريطانية، تتضمن مزاعم بمعاداة السامية استندت إلى تعريف التحالف الدولي. لمواجهة تعريف التحالف الدولي على وجه التحديد، تمّت صياغة "إعلان القدس لمعاداة السامية" لعام 2020 50، من جانب غالبية علماء الإبادة الجماعية يعتقدون أنه غير مناسب للغرض 51. وحتى في الآونة الأخيرة، وقّع مئات من العلماء والكتّاب والفنانين اليهود رسالة مفتوحة يجادلون فيها بأن كل الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل ليست معادية للسامية بطبيعتها 52. يتتبع عالم السياسة الإسرائيلي، نيف جوردون، تحول معاداة السامية من معناها التقليدي إلى "معاداة السامية الجديدة." ويمكن صياغة المنطق الأخير على أنه قياس منطقي: 1. معاداة السامية هي كراهية اليهود، 2. أن تكون يهوديًا يعني أن تكون صهيونيًا، 3. ومن ثمّ فإن معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية. ويتعلق الخطأ بالنسبة إليه بالطرح الثاني الذي سيفتح الباب أمام منع أي انتقاد للممارسات الاستعمارية الإسرائيلية 53. وهذا مثال على استخدام التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة؛ فقد نشرت وزيرة الدولة البريطانية للعلوم والابتكار والتكنولوجيا، ميشيل دونيلان، في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2023، رسالة مفتوحة إلى هيئة البحث والابتكار في المملكة المتحدة UKRI، وهي مؤسسة مستقلة وهيئة التمويل العام التي توجه البحث الأكاديمي. وهاجمت دونيلان في تقريرها العديد من الأكاديميين الذين عينتهم الهيئة، مشيرة إلى "آرائهم المتطرفة على وسائل التواصل الاجتماعي"، والتي قالت إنها تتضمن إشارات إلى الإبادة الجماعية والفصل العنصري. فأطلقت هيئة البحث على الفور تحقيقًا، ووعدت "بإجراء سريع وقوي." وردّ أكثر من 3000 أكاديمي بتوقيع رسالة مفتوحة إلى الهيئة تشير إلى "الموجة الحالية من القمع ومحاولات الرقابة التي تقودها الحكومة ضد التعبير القانوني عن التضامن مع الفلسطينيين وانتقادات القصف العنيف الذي يشنه الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر" 54. أما فيما يتعلق بألمانيا، فقد بدأت عمليات مطاردة العلماء الذين ينتقدون إسرائيل في أواخر التسعينيات، بما في ذلك حوادث وحملات إلغاء الدعوة. عارضت وسائل الإعلام مشاركة الفيلسوف الكمروني، أشيل مبيمبي، في المهرجان الدولي للفنون في مدينة الرور
Ruhrtriennale55. لقد قدمت آنا يونس وإسراء أوزيوريك56 أفضل تفسير، أشارت الأولى إلى ما سمته "الحرب على معاداة السامية" (كالحرب على الإرهاب) وأشارت الثانية إلى أن السياسيين والصحافيين والأكاديميين الألمان "يتعاقدون من الباطن" (أو عمل مناولة) Subcontract ذنب الهولوكوست إلى الوافدين الجدد من الأقليات من المهاجرين، وخاصة العرب المسلمين. يجري إسقاط "المشكلة الاجتماعية الألمانية العامة المتمثلة في معاداة السامية" على هذه الأقلية، التي توصم بعد ذلك بأنها "أكثر المعادين للسامية غير التائبين"، وتحتاج إلى تعليم إضافي وانضباط. أظهرت هذا التعاقد من الباطن أيضًا هنا الطاهر وآنا-إيستر يونس، بعد العمل المعادي للسامية في مدينة هاله ضد كنيس يهودي في عام 2019 الذي ارتكبه رجل ألماني متعصب، ونشر مؤتمر رؤساء الجامعات الألمانية بيانًا فيما يتعلق بهذه الأحداث. ومن المفارقات أنه بدلًامن استهداف التفوق الأبيض وإدانته، ينصح البيان بحظر نشاط حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS في حرم الجامعات الألمانية 57. وهذا يتجاوز ألمانيا؛ فتقرير مركز الأمن والعرق والحقوق بعنوان "معاداة السامية المفترضة في خطاب فلسطين - إسرائيل: مجازات إسلاموفوبية" 58 مقنع للغاية، حيث يرى أنه "عندما يدافع المسلمون والعرب في الولايات المتحدة عن حقوق الفلسطينيين أو ينتقدون سياسة الدولة الإسرائيلية، كثيرًا ما يُفترض بلا أساس أن الدافع وراءهم هو كراهية اليهود بدلًامن دعم حقوق الإنسان والحرية والتطبيق المستمر للقانون الدولي." يشير بانكاج ميشرا 59 إلى كتاب أندرو بورت لن يحدث مرة أخرى أبدًا: الألمان والإبادة الجماعية بعد المحرقة 60، لفهم أفضل لعدم المبالاة المنتشرة على نطاق واسع في ألمانيا تجاه مصير الفلسطينيين في غزة. من خلال دراسة الرد الألماني على عمليات القتل الجماعي في كمبوديا ورواندا والبلقان، يشير بورت إلى أن المحرقة "ربما تكون قد أضعفت حساسية الألمان عن غير قصد." إن الاقتناع بأنهم تركوا العنصرية المسعورة لأسلافهم وراءهم ربما سمح لهم، على نحو متناقض، بالتعبير بلا خجل عن أشكال مختلفة من العنصرية. وفي السياق نفسه، كان حميد دباشي على حق حينما عّب رعن ذلك بفصاحة: "يجب أن يُْغَْفَر لنا إذا اعتقدنا أن ما تعانيه ألمانيا اليوم لم يكن ذنب المحرقة، بل الحنين إلى الإبادة الجماعية، لقد انغمست ألمانيا بصفة غير مباشرة في المذبحة التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين على مدى القرن الماضي (وليس فقط ال 100 يوم الماضية") 61. وفي هذا البلد، أ لغيت مؤخرًا بعض الجوائز (الروائية الفلسطينية عدنية شبلي، والصحافية والكاتبة اليهودية الروسية الأميركية ماشا جيسن.) لقد حصلت جيسن على جائزة حنة أرندت المرموقة للفكر السياسي، ولكنها ألغيت بسبب تشبيهها غزة قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر بالأحياء اليهودية في أوروبا التي احتلها النازيون. وعلقت سامانثا هيل 62 بسخرية أن أرندت التي انتقدت دولة إسرائيل القومية منذ تأسيسها لن تكون مؤهلة للحصول على جائزة حنة أرندت في ألمانيا اليوم. وفي 14 كانون الأول/ ديسمبر 2023، احتلت مجموعة من طلاب جامعة برلين الحرة قاعة المحاضرات تضامنًا مع الشعب الفلسطيني. وتلقوا رسائل من الشرطة تخطرهم فيها بأن إدارة الجامعة وجهت إليهم اتهامات جنائية بتهمة "التعدي على ممتلكات الغير." يشير عمر صبور إلى هذه الحادثة بأن "غسل الذنب Guiltwashing يميل في اتجاه معاداة السامية – وكذلك العنصرية المعادية للعرب والإسلاموفوبيا – لأنه يعمل على مستوى سطحي ولا يستوعب حقيقةً دروس الماضي[...]وقد تبنت ألمانيا موقفًا تفاعليًا روبوتيًا، طائشًا، أحادي البعد. يجري الترويج لعبارة لن يحدث مرة أخرى أبدًا Never again بالمعنى الضيق - وهو أمر ليس مفاجئًا تمامًا، نظرًا إلى إهمال التعليم داخل ألمانيا لتدريس ماضيها الاستعماري والجماعات الأخرى التي كانت ضحية للنظام النازي. إنها ترفض قبول فكرة عدم تكرار الإبادة الجماعية مطلقًا مرة أخرى ضد أي شعب وليس فقط لليهود" 63.
يستمر الانتهاك الألماني للحرية الأكاديمية؛ ففي 5 شباط/ فبراير 2024، فُِصِ ل الأنثروبولوجي اللبناني الأسترالي البارز، غسان الحاج، من معهد ماكس بلانك الألماني MPI 64. وبدأت القصة، حينما نشرت صحيفة Welt am Sonntag اليمينية مق لًاتشهيريًا ضده، سلطت الضوء فيه على أن الحاج استخدم في وسائل التواصل الاجتماعي مواد عنصرية أو معادية للسامية 65. ومن المثير للاهتمام أن بعض الهيئات الأكاديمية أصدرت بيانات واضحة ضد قرار هذا المعهد، بما في ذلك الجمعية الألمانية للأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية 66 والرابطة الأوروبية للأنثروبولوجيا الاجتماعية 67، وحتى بدعم من علماء الأنثروبولوجيا الإسرائيليين 68. وأوضح بيان الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط الداعم للحاج أن قرار إقالته "يستند إلى تعريف خاطئ لمعاداة السامية أ ضفي عليه الطابع المؤسسي في ألمانيا، ولكنه غير ملزم قانونيًا وفقًا للحكومة الألمانية" 69.
لقد أصبحت موضوعة معاداة السامية موضوعًا للوصم يغلق به النقاش والمناظرة. ففي الولايات المتحدة، أثناء المطالبة بوقف إطلاق النار في منطقة حرب حيث يُذبح عشرات الآلاف من المدنيين، هتف طلاب الجامعات "من النهر إلى البحر، فلسطين ستتحرر." وتناثرت لافتات كثيرة من مظاهراتهم واضحة، مفادها أن هذه دعوة إلى دولة ديمقراطية وعلمانية لجميع سكانها. ومع ذلك، تم تفسير هذا الشعار في شبح بلاغي Phantom Rhetorical على أنه "دعوات للإبادة الجماعية للشعب اليهودي" من عضو الكونغرس الجمهورية، إليز ستيفانيك، خلال جلسة استماع لثلاثة رؤساء لجامعات النخبة (هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة بنسلفانيا) الذين استدعاهم الكونغرس في 5 كانون الأول/ ديسمبر 2023 للإدلاء بشهادتهم حول "معاداة السامية في الحرم الجامعي." وغني عن القول إن معظم هذه المظاهرات نظمتها منظمة أصوات يهودية من أجل السلام وطلاب من أجل العدالة في فلسطين، لذا فإن الكثير منهم هم من اليهود أنفسهم! لا يسعني إلا أن أعتقد أن التركيز على هذه الجامعات لأن هؤلاء الرؤساء الثلاثة من النساء وإحداهن سوداء. وكانت نتيجة عدم النقاش حظر الحديث في كثير من الجامعات الأميركية، حيث طالب المتحدثون بوقف إطلاق النار، بينما تُظهر استطلاعات الرأي أن 80 في المئة بين الناخبين الديمقراطيين و 56 في المئة بين الناخبين الجمهوريين يؤيدون وقف إطلاق النار الفوري وغير المشروط في غزة 70. وفي ظل تسليع التعليم العالي، فإن القضية المطروحة على المحكّ تبعاتها كبيرة. فعلى سبيل المثال، أشار بعض المانحين لجامعة هارفارد إلى أن تمويلهم معرض للسحب. في عام 2023، تعرضت كلية بارد College Bard للهجوم، بسبب مادة دراسية حول الفصل العنصري في إسرائيل - فلسطين يدرّسها الباحث الأميركي اليهودي ناثان ثرال. وأثار قرار بارد بالدفاع عنه حملة منظمة وتهديدات بسحب التمويل من الجهات المانحة، بما في ذلك رجل أعمال العقارات روبرت إبستاين، الذي استقال من مجلس أمناء بارد 71.
2. إسرائيل دولة "علمانية"
ساد ضرب من الاعتقاد أنّ إسرائيل دولة علمانية لا يمكنها أن ترتكب أي خطأ. وإذا نظرنا إلى أحد مؤشرات توسّع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وجدنا أنّ القادة الإسرائيليين اليساريين قد توسّعوا أكثر من اليمينيين 72. أتذكّر كلمة ألقاها آلان تورين في كلّية الدراسات المتقدّمة في العلوم الاجتماعية EHESS في باريس في عام 1993، حيث
استذكر "المعجزة" الإسرائيلية المتمثلة في استيعاب 150 ألف يهودي روسي في غضون عام واحد. وحين اعترضُتُ على هذه المعجزة بأنّ بعض هؤلاء المهاجرين قد أقاموا بطريقة غير قانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أجاب: "هؤلاء المهاجرون سيغيرون المعادلة، فقد نشؤوا في الاتحاد السوفياتي، وهم علمانيون، لذا سيدعمون عملية السلام." وهو لا يعلم أنّهم أسّسوا الحزب السياسي اليميني المتطرف "إسرائيل بيتنا"، وتحالفوا مع حركة المستوطنين المتدينين في الضفة الغربية. منذ هذه الحكاية التقينا عدة مرات وبين الحين والآخر أذكّره بما قاله، وفي كل مرة أتلقى منه إما ضحكة وإما ابتسامة عريضة. ويستمر هذا الاتجاه العلماني في الازدهار من خلال كتابات باحثين، مثل إيلي بارنافي وجيل كيبيل، حيث تمت مقابلتهم في صحيفة Express وقالوا إن هناك صراعًا اليوم بين حركتين قوميتين دينيتين: حماس/ الجهاد الإسلامي من الجانب الفلسطيني وأحزاب الحركة الدينية في إسرائيل، على هذا النحو، لا يمكنها انتقاد إسرائيل بصفتها دولةً علمانية، بل انتقاد بعض الأطراف السياسية في هذا البلد. وذهب كيبيل إلى حد تشبيه حماس بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" ومقارنة أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر ب 11 سبتمبر. وهذا الاتجاه غير قادر على رؤية حماس بوصفها تعبيرًا عن حركة تحرر وطني (وهو ما كرره فرانسوا بورغا مرات عديدة) في وقت يوجد فيه مشروع استعماري واستيطاني وأبارتهايد استيطاني على الأقل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفقًا للقوانين الدولية. وسأوجه انتقاداتي هنا أيضًا إلى الليبراليين الرمزيين في العالم العربي، مثل الباحث التونسي حمادي الرديسي الذي لا يستطيع أن يرى كيف أن حماس هي تعبير عن مشروع قومي فلسطيني ويغتنم مناسبة 7 تشرين الأول/ أكتوبر للتنديد بجميع الأعمال العسكرية التي تقوم بها هذه المنظمة في فلسطين.
3. الإسلاموفوبيا وحماس
العامل الثالث الذي أبينه هنا هو أن موقف الغرب من حماس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بزحف الإسلاموفوبيا في العديد من الدول الغربية وبدرجات متفاوتة. لقد أصر فرانسوا بورغا وناصرة غنيف على حقيقة مفادها أن التوترات والانقسامات بين أوروبا والعالم الإسلامي، محلية أو إقليمية، يمكن تحليلها على أنها ناتجة من ديناميكيات تاريخية مختلفة. وأهم هذه التوترات لا علاقة لها بالشؤون الدينية بين الدول، بل هي داخلية وسياسية، وإلى حد بعيد ذات طبيعة بنيوية. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، لم يعد هذا الموقف حكرًا على القوى السياسية اليمينية المتطرفة. فمن إيطاليا إلى الدنمارك والسويد والنمسا، أصبح هذا هو موقف أغلبية المشهد السياسي في تلك البلدان 73.
لا تزال علمانية معادية للإسلام تهيمن على قراءة الصراع العربي - الإسرائيلي، لا يسعها إّل اأن تكون ضد حماس. ومن خلال مساواتها بداعش، تصبح حماس إنسانًا حرامًا 74، يمكن أن يُقتل سكّان غزة من دون محاسبة قاتليهم على قتلهم. ولتحقيق ذلك نُظر إلى حماس على أنها ميليشيا لا تمثل الشعب الفلسطيني 75. وهذا تجهيل ممنهج؛ إذا نظرنا إلى وسائل الإعلام الفرنسية والألمانية أثناء الحرب على غزة، فنادرًا ما نجد أيّ أصوات فلسطينية أو مسلمة. تنضم الأكاديميا إلى وسائل الإعلام، باستثناء من يستطيع المشاركة في إنتاج المعرفة ومن لا يستطيع (وهذا له علاقة بالمنظور الاستعماري.) وقد عّبتر هنا الطاهر وآنا يونس 76 عن ذلك بما يلي: "يمكن فهم الصمت باعتباره سمة بنيوية لأشكال التواصل التي تم تشكيلها استعماريًا. قامت سبيفاك بتحليل احتمالات واستحالة 'الاستماع' في البنية الاستعمارية. وفقًا لسبيفاك، فإن
الجنس والوضع الاستعماري والطبقة تنتج معًا ذوات تتحدث، ولكن لا يتم الاستماع إليها." وفي السياق نفسه، ترى دينا كيوان 77 أن إنتاج المعرفة حول فلسطين في سياقات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يشهد على تجارب بيئة عمل معادية وقيود على الحرية الأكاديمية في العديد من روايات الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات. وغني عن القول إن الاستماع إلى الكثير من السجالات في وسائل الإعلام الفرنسية حول غزة يظهر أنها تنزلق سريعًا إلى الحديث عن الإسلام، لكن "ما يتم الجدل فيه ليس الإسلام ظاهرةً وموضوعًا للبحث، بل الإسلام باعتباره معيارًا فاصلًايحدد العضوية في المجتمع السياسي" 78.
4. الإرث الاستعماري الأوروبي - الأميركي
بما أن "عدو عدوي هو صديقي"، فأنا لا أتفاجأ بأولئك اليمينيين المتطرفين الذين أصبحوا، في ظل الإسلاموفوبيا، مؤيدين بشدة للممارسات الاستعمارية الإسرائيلية، لكن من أولئك الذين يزعمون أنهم أصحاب النظرية النقدية من الليبراليين الرمزيين. وأزعم هنا أن ذلك استمرار للإرث الاستعماري الأوروبي - الأميركي، والأسلوب الاستعماري كما وصفه أفرين فاريدي: "انتظر حتى يموت الشعب، واصنع متحفًا لإبادته الجماعية، ثم أنشئ أقسامًا في الجامعة للديكولونيالية على مقابرهم الجماعية" 79. هناك نقطتان يجب تطويرهما هنا: أولًا، ما الذي يهم لبناء قيم إنسانية ومفاهيم أو تصنيفات كونية Categories Universal؟ ثانيًا، الفجوة بين القيم الليبرالية وتطبيقها خاصة خارج حدود الدولة الوطنية. فيما يتعلق بالنقطة الأولى، وجّه حميد دباشي انتقادًا لاذعًا إلى الفلسفة الأوروبية. بالنسبة إليه، "أولئك من خارج المجال الأوروبي للخيال الأخلاقي لا وجود لهم في عالمهم الفلسفي. العرب والإيرانيون والمسلمون أو الناس في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية - ليس لدينا أي حقيقة وجودية للفلاسفة الأوروبيين، باستثناء التهديد الميتافيزيقي الذي يجب التغلب عليه وإسكاته" 80. بالنسبة إليّ، الأمر أشد تعقيدًا، ولكل فكر نقاطه العمياء (الأيديولوجية.) فلا تؤثر العلوم الاجتماعية والإنسانية فقط في الثقافة، بل تؤثر الثقافة أيضًا في إنتاج المعرفة. تعكس هذه النقاط كيفية النظر إلى المفاهيم العالمية مع انحيازات ناتجة من موضعة هذا الفكر أو هذا الباحث. ومع ذلك، فإن هذه المفاهيم مهمة للغاية لمقارنة الظواهر الاجتماعية والسياسية ولحشد التضامن الإنساني. في دعوة أستاذة القانون في جامعة بنسلفانيا كلير أو. فينكلستين لتقييد حرية التعبير في فلسطين 81، فهي لا ترى سوى "العنف" و"الأمان" 82Safe المحتمَليَن في حرم الجامعات الأميركية ويبقى العنف، تحت شكل الإبادة الجماعية أو على الأقل جرائم حرب في غزة غير مرئي لها. إن النقاش وحده هو الذي يمكن أن يعزز فهمنا للكونية. وهنا سأدلي بالتعليق نفسه على من هم من العرب الذين لديهم حساسية تجاه القضية الفلسطينية، ولكنهم يؤيدون القتل الجماعي الذي يمارسه النظام السوري أمام شعبه. وهذا يعني أنهم غير قادرين على استخدام المعايير الكونية نفسها لتقييم العدالة والظلم. وبالعودة إلى الموقف الغربي من حرب الإبادة على غزة فإن المشكلة لا تكمن في القيم الكونية لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية 83 و"لا تكمن المهمة في إنكارها وفضح زيفها، بل في فضح التشدق بها، والتنكر لها، وعدم الالتزام بها أو بالقانون الدولي، وتفريغه من مضمونه في منظومة دولية تخضع فيها القيم المصوغة في معاهدات وتفسيراتها للمصالح وعلاقات القوة"84. ويتابع عزمي بشارة أنه ينبغي أن لا يؤدي نقدنا للكيل بمكيالين إلى التحدث عن وجود صراع ديني أو حضاري مع الغرب. وحتى لو كان الغرب مدفوعًا في دعمه لإسرائيل بإسلاموفوبيا فهي ظاهرة سياسية أكثر منها دينية. فجزء مهم من الإسلاموفوبيين لا يؤمنون بدين معّين. إن كان هناك صراع فهو مع أخلاقيات نيوليبرالية لتوجهات اليمين الشعبوي والعنصري والليبرالية الرمزية العنصرية.
لتوضيح النقطة الثانية التي تتعلق بإمكانية تطبيق القيم الليبرالية، خاصة خارج الدولة الوطنية أو الفضاء الأوروبي، فقد كتب الكثير من الباحثين منتقدين النسخة الرولزية لليبرالية بأنها لا تكترث بالعدالة الاجتماعية الكونية بل فقط داخل الدولة الوطنية. وتعتبر حالة يورغن هابرماس نموذجية، لأنه يتمتع بجاذبية قوية للنظريات الليبرالية في السياسة والأخلاق إضافة إلى الأسس الفلسفية الصلبة لكل من الديمقراطية التواصلية وأخلاقيات الاختلاف، ومع ذلك فقد تعّث رحينما تعلق الأمر بحق الفلسطيني في التحرر الوطني. لقد شارك هابرماس في توقيع بيان "مبادئ التضامن" 85 لمركز أبحاث "الأوامر المعيارية" بجامعة جوته في فرانكفورت. يصعقك هذا البيان بالانحياز الفاضح ومن دون أي شعور بالحرج على ما تفعله إسرائيل في غزة. لم يكن هابرماس حساسًا على الإطلاق إزاء ما تفعله إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، وشعرت بذلك منذ التقيت به في أوائل الانتفاضة الثانية في القدس على عشاء. فلقد فوجئت بموقفه في ذلك الوقت. لذا فإن إنكاره للحقوق الوطنية الفلسطينية ليس مجرد هفوة سياسية. فالمسألة ليست إذا ما كان المرء مهتمًابهابرماس إنسانًا أم لا، بل تتمثل في كيفية التعامل مع أفكاره ونظريته التواصلية الحوارية. وهنا أود أن أميز بين الأفكار المرتبطة بالموقف المتخذ وتلك غير المرتبطة بصفة مباشرة. لذلك لن أرمي نظرية التواصل الحواري بسبب موقفه من فلسطين. للتعامل مع هذا الموضوع سأتبع عملية تبرير مايكل جيل المكونة من جزأين وأطورهما إلى ثلاثة. أولًا: "العزل المفاهيمي" لبعض أفكار الباحث الإشكالي فيما يتعلق بآرائه العنصرية/ المعيبة. ثانيًا، "تقسيم العمل الفكري"، أي إن البعض منا سيركز على المساهمة الإيجابية للباحث الإشكالي في معرفتنا، والبعض الآخر سيفعل ذلك بسبب آرائه العنصرية/ المعيبة 86. ثالثًا، "التطور التاريخي لوجهات النظر العلمية/ الأخلاقية"، أي إن البشرية طورت مفهومًا للآخر يختلف عما كان عليه في الماضي، وما نعتقده اليوم بأنه أخلاقي قد يعتبر عنصريًا/ معيبًا في المستقبل. ولذلك سأتعامل مع نظرية التواصل الحواري عند هابرماس حتى لو كنت أختلف مع موقفه السياسي بشأن فلسطين. ولا يعني هذا تمييع التفكر في بعض الأنماط. فيما يتعلق بمدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، فباستثناء هاربرت ماركيوز جزئيًا، كان جميع المفكرين المرتبطين بمشروع هذه المدرسة عميانًا وصامتين تمامًا عن الحركات الآتية مما نسميه اليوم الجنوب العالمي. وبهذا المعنى، فإن هابرماس هو مجرد مُنِّظّر جيّد لمدرسة فرانكفورت 87. سأستخدم المنطق نفسه عند التعامل مع مارتن هايدغر، وميشيل فوكو، وإيمانويل ليفيناس، وجون لوك، وإيمانويل كانط، وديفيد هيوم، وكارل ماركس، ومن إليهم. ويجب أن يمتد هذا أيضًا إلى السياسيين (الحاليين والتاريخيين)، والمشاهير والشخصيات العامة الرائدة، حتى نتمكن من الاحتفال بما يمكن اعتباره أعمالًاصالحة، بينما ننتقد أعمالهم الظالمة في مجتمعهم وخصوصًا إرثهم الاستعماري. أحد الأمثلة الجيدة يمكن أن نجده في المتحف الوطني للفنون الجميلة في أمستردام، حيث يضيف إلى كل لوحة حول شخصية هولندية تاريخية لافتة إضافية تشرح دورها في تجارة العبودية. أفضل هذه الطريقة مقارنة بمحاولات إزالة اللوحة أو التمثال أو الصرح. فمثلًا، كانت هناك محاولة لإزالة اسم ديفيد هيوم من "برج ديفيد هيوم" في جامعة إدنبرة. وكان الاقتراح الأولي هو استبداله بخريج آخر ليصبح "برج يوليوس نيريري"، تكريمًا للزعيم التنزاني المناهض للاستعمار الذي تخرج في هذه الجامعة في عام 1952. ثم أشير إلى أن قيادة نيريري اتسمت بالاستبداد ورهاب المثلية 88. وعلى المنوال نفسه يقترح أحد أساتذة الاجتماع العرب تدريس دي بويز Bois Du W.E.B. بدلًامن إميل دوركهايم، بسبب صمت الأخير التام عن الاستعمار الفرنسي في الجزائر. هل يمكننا أن نتخيل أن طلاب المرحلة الجامعية في علم الاجتماع لا يتعاملون مع مؤسس علم الاجتماع؟ وما العمل، إن كان دي بويز قد تجاهل ما حدث للشعب الفلسطيني وأشاد بإقامة دولة إسرائيل؟ لن نتمكن من وضع حد لهذه الدوامة من الاستبعاد من خلال التفكير الثنائي: ملاك أو شيطان، مذنب أو بريء، إلى آخر ذلك. والتبرير المكون من ثلاثة أجزاء فقط هو الذي يهزم مثل هذا التوجه. باختصار، ينبغي التعامل مع إنتاج المعرفة الأوروبية - الأميركية مثلما فعل ديبيش تشاكرابارتي 89، معتبرًا إياه معرفة ضرورية ولكنها ليست كافية؛ وهذا هو المعنى العميق لإضفاء الطابع الإقليمي على أوروبا Europe Provincializing. ويمكننا أن نتساءل عن موقف بعض الباحثين بعد غزة، وهؤلاء هم أنفسهم الذين فكروا في المعرفة
بعد الحرب العالمية الثانية وأظهروا غياب الاتساق. لكني أخشى من أي توجه "شعبوي" يريد أن يرمي بالحداثة وعالمية حقوق الإنسان باسم مثل هذه الاستفسارات والتناقضات. وغنيّ عن القول إنني أودّ اليوم أن أذكّر أيّ باحث غربي يأتي لمناصرة العنف المنزلي ضد المرأة في الشرق الأوسط بأنه كان ينبغي له أن يدافع عن القتل الجماعي الإسرائيلي للنساء المدنيات في غزة (في حال لم يفعل ذلك بعد.) وعلى المنوال نفسه، بما أن السياسة الأوروبية ومثقفيها العضويين (أفكر خاصة في السياسات الألمانية/ البريطانية/ الفرنسية التي غالبًا ما ساهمت في تمويل منظمات حقوق الإنسان في الجنوب العالمي) قد فقدوا سلطتهم المعرفية أو مرجعيتهم وحتى صدقيتهم، فإنني سأتعامل اليوم أكثر مع الباحثين والناشطين في مجال حقوق الإنسان من أفريقيا واللاتينيين الذين يتعاملون مع المعاناة الإنسانية على نحٍوٍ أفضل من نظرائهم الأوروبيين. وهكذا، يظل موضوع العنف المنزلي مهمًا، بقدر ما يُنظر إليه على أنه بارز في أجندة حقوق الإنسان في أفريقيا أو أميركا اللاتينية أو المحلية. ولن نتمكن من إنقاذ العالمية، إلا من خلال فصل عالمية حقوق الإنسان (المجسدة على سبيل المثال في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) عن التيار الرئيس للسياسة الأوروبية - الأميركية.
خاتمة: التعصب والحوار النقدي
أثناء وضع اللمسات الأخيرة لهذه الدراسة، علمت أن عالم السياسة الفرنسي الشهير، فرانسوا بورغا، الباحث الفخري في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي CNRS، قد اعتقلته الشرطة الفرنسية بتهمة "تمجيد الإرهاب" واحُتُجز عدة ساعات. فجأة، تبادر إلى ذهني محادثة أجريتها مع غسان الحاج حول عمله الميداني في لبنان خلال الحرب الأهلية عام 1978. تحدث أحد الأشخاص الذين أجرى معهم مقابلة (من حزب الكتائب) عن أن الفلسطينيين في لبنان كانوا يهدفون إلى السيطرة على البلاد، وخلق وطن بديل لهم. وحينما سأله الحاج إن كان لديه أي دليل على ذلك، أجاب بغضب بعد صمت شديد لائمًا السائل والسؤال على أنهما شنيعان سياسيًا: "سأذهب لإحضار مسدسي من السيارة." أشعر اليوم أن مستوى الحديث عن الحرب الإسرائيلية على غزة هو عند هذا المستوى من "الأدلة." وفي السياق نفسه، حينما ألقيت محاضرة في أوسلو حول الحرب على غزة، كان هناك أحد الحضور يكرر مدى تزايد معاداة السامية اليوم في أوروبا ويعزو ذلك إلى المتظاهرين الذين يطالبون بوقف إطلاق النار في غزة وحل سياسي للاحتلال الإسرائيلي، لم أتمكن من إيقافه قبل أن أسأله إن كان من الطبيعي، خلال معركة الجزائر في نهاية الخمسينيات أو الإبادة الجماعية الألمانية في ناميبيا في بداية القرن العشرين، الادعاء بأن الجزائريين كانوا على التوالي مناهضين للفرنسيين والناميبيين مناهضين للألمان، والأسوأ من ذلك أن الجزائريين والناميبيين كانوا مناهضين للمسيحية. وعلى الرغم من هذا الكابوس، فقد أصبح من الملحّ أكثر من أي وقت مضى خلق منظور مشترك من دون تنفير مجموعة أخرى. كيف نتعامل بين طرفين في غياب حد أدنى من التوازن في السلطة؟ من خلال تحوّلها إلى مجتمع أخلاقي، هل تضع الأوساط الأكاديمية معايير تقيد الأسئلة التي قد يطرحها الباحثون؟ في هذه الدراسة، أوضح أن عدم التسامح في النقاش له علاقة بالاستقطاب في مجتمع يؤدي فيه كل من الليبراليين الرمزيين والمحافظين دورًا في هذا المناخ المخيف. وتصبح كل مجموعة دوغمائية ومتشددة، وهو ما يذكرنا بحالة الوطنية التقدمية Progressive Patriotism في عهد وودرو ويلسون أو المكارثية (الحملة ضد الشيوعية في الأربعينيات والخمسينيات) في الولايات المتحدة. ومع ذلك، أصر، في أعقاب النتائج التي توصلت إليها، على انتقال الجامعات، وهي مركز للفنون الحرة Arts Liberal، إلى مواقف غير ليبرالية تحت تأثير تآكل استقلاليتها والاستقطاب الشديد بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب، تحت تأثير الليبرالية الرمزية والشعبوية اليمينية. اللغز الكبير للحرية الأكاديمية هو أن غياب الحرية الأكاديمية والحرية الأكاديمية المطلقة كلتيهما يؤديان إلى نتائج سلبية دوغمائية سياسية. كيف يمكن المشي على هذا الحبل الرفيع؟ سأطرح هنا أربع أفكار: 1. غالبًا ما يبدأ التعصب بوصم الآخر. على سبيل المثال، أصبح مصطلح "الوكية" woke'' مثيرًا للخلاف إلى درجة أنه يضر بدعم القضايا التي من المفترض أن يسلط الضوء عليها. وُيُنظر إليه على أنه انغلاق على النفس لنزع الشرعية عن أي انتقادات للأشكال السائدة لإنتاج المعرفة، لكن "مناهضة الوكية" Anti-wokism أيضًا طريقة لإغلاق النقاش. ولهذا أمتنع عن استخدام هذه المصطلحات، وحتى عندما أستخدم مصطلح إلغاء الثقافة، فإنني أظهر أنها ليست وصمًا لمجموعة معينة أي نتاجًا خالصًا لليسار أو الوكية، بل هو مفهوم تحليلي لوضٍعٍ نجد فيه أيضًا اليمين والمحافظين. كم مرة سمعت زملائي في الأوساط الأكاديمية والناشطين يقولون خلال الربيع العربي "لا ديمقراطية/ لا حوار لأعداء الديمقراطية"، ملمحين بصفة خاصة إلى الإسلاميين؟ 2. يؤدي خنق الحرية الأكاديمية إلى عواقب وخيمة. إن أكاديميي العلوم الاجتماعية والإنسانية في الدول التي ينتشر فيها اتجاه
الليبرالية الرمزية يوازنون عادة بين حرية التعبير والسلامة العاطفية، ولكن بترجيح الكفة أكثر للأخيرة. لقد طورت إليزابيث نويل نيومان مفهوم "دوامة الصمت"، منذ ما يقرب من أربعة عقود، بالاعتماد على دراسات في علم النفس الاجتماعي وعلم الاتصال بين الأشخاص. ويصف هذا المفهوم المواقف التي يتردد فيها الناس في التعبير عن آراء حقيقية تتعارض مع الأعراف الاجتماعية السائدة، خوفًا من العزلة الاجتماعية أو فقدان المكانة 90. ومع ذلك فإن الرأي العام ليس ثابتًا على الإطلاق، بل إنه يتطور بمرور الوقت بما يتماشى مع تطور المجتمع وعلاقته بالعولمة. وهذا ما تم توثيقه توثيقًا جيدًا للغاية، انظر على سبيل المثال كتاب رد الفعل الثقافي (العنيف بين الأجيال المختلفة) لبيبا نوريس ورونالد إنجلهارت 91. 3. سيظل الاستقطاب المخيف قائمًا ما دامت السياسة ووسائل الإعلام خاضعة لحيتان المال واللوبيات القوية. اسمحوا لي أن أطور هذا فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. عندما يتعلق الأمر بالموقف من الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، فإن النخبة القديمة تعاني زعزعة استقرارها تمامًا من جيل الشباب الأميركي والأوروبي الجديد، وخاصة بين اليهود، الذين يكبحون المد السياسي ضد مكانة إسرائيل المميزة في الغرب ولا يستطيعون دعم الممارسات الاستعمارية الإسرائيلية الحالية والفصل العنصري هناك. بالنسبة إلى النخبة القديمة، لا ينبغي أن يكون هناك أي جدال أو نقاش حول حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية. ليس الهدف قمع الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل، بل حظرها قانونيًا. كتبت ربى صالح في مقالة رائعة "هل يستطيع الفلسطيني أن يتكلم؟:" "إن إسناد مكان للفلسطينيين خارج التاريخ والإنسانية يعود إلى زمن بعيد، وكان جوهريًا في إنشاء إسرائيل." "لقد تم فضح الحيلة الدارفية and Attacking Denying (إنكار، هجوم، Reversing Victim and Offender DARVO عكس اتجاه الضحية والجاني.) نحن الآن في حاجة ماسة إلى إعادة توجيه البوصلة الأخلاقية للعالم، من خلال الكشف عن العمليات المتشابكة لإضفاء الطابع الإنساني وتجريد اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين من إنسانيتهم"92. تمثل الحرب على غزة تغييرًا بردايميًا ليس فقط في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ولكن بأن تطفح على السطح أزمة الديمقراطية الليبرالية الغربية والعلاقة بين الشمال والجنوب، والمزيد من الشعبوية والإسلاموفوبيا. فهي تكشف التوترات والاستقطاب ليس فقط بين الأجيال المختلفة فيما يتعلق بإنهاء الاستعمار في فلسطين، بل أيضًا العلاقة بين وسائل الإعلام الرئيسة ومراكز القوى النيوليبرالية المختلفة بما في ذلك اللوبي الإسرائيلي. إنه يوضح مدى عدم ثقة الجيل الجديد بوسائل الإعلام الرئيسة واعتماده على وسائل التواصل الاجتماعي (بما في ذلك الصيني تيك توك.) إن نتيجة هذا التغير البردايمي ليست سلبية ولا إيجابية كلّيةً؛ فبينما يتمتع الطلاب بحريات نسبية معقولة لم تعد جامعة كولومبيا، مثلًا، تعطي حرية لجوزيف مسعد، تلميذ إدوارد سعيد كما كانت تعطيه لأستاذه. وستعمل عوامل كثيرة على تغيير بعض جوانب هذا التحول نحو السلبية أو الإيجابية. ولكن أهم عامل هو الحركة الاجتماعية المنظمة. وما يثلج الصدر أن هذه المجموعات التي خرجت إلى الشوارع دعمًالوقف إطلاق النار هي نفسها التي تدافع عن حقوق الأقليات المضطهدة وهي نفسها التي تدافع عن البيئة. وبلغة رنا سكرية 93 (بالتحديد حول حركة المقاطعة)، هناك "تواصل بين الخيال الأممي العالمي المناهض للاستعمار والخيال العملي القائم على الحقوق باعتباره محوريًا في مسار حركة BDS[."] فهي من ثمّ تستحق وصفها بأنها أخلاقية، ولكن يجب أن نعترف أن وزنها في الفعل السياسي محدود ما لم تنظم في أطر مؤثرة، كالأحزاب السياسية أو تنتظم سياسيًا على الأقل. 4. لقد اهتم كل من دينا كيوان وطارق مودود 94 بحل التوتر بين الحرية الأكاديمية من جهة و"التنوع والإنصاف والإدماج" EDI. وفي حين تعتبر كيوان الأخيرة شرطًا أساسيًا للحرية الأكاديمية، يعاملهما مودود على قدم المساواة من خلال اعتبار أنه "لا يمكن أي التزام أن يكون مطلقًا، لأن كلًامنهما يجب أن يكون منفتحًا على أن يكون مؤهلًا من الآخر، وسوف تتعارض مجموعتا الالتزامات في بعض الأحيان." بالنسبة إليّ، نحن في حاجة إلى مواصلة إعادة التفاوض على جزء من الحدود بين هاتين المنطقتين، من خلال الحوار وليس الإجراءات القانونية واللجوء إلى إلغاء الدعوة أو إثارة الفوضى، بينما يتكلم المتحدث على المنصة إلا في الحالة القصوى، من أجل الاستماع إلى جميع وجهات النظر (بما في ذلك جميع أشكال الانشقاقات الفكرية) وعدم ارتكاب ما تسميه ميراندا فريكر 95 الظلم الإبستيمي
Injustice Epistemic. الأمر الأشد تعقيدًا عندما يتعلق بمحتوى الكلام (النقد مقابل التحيز:) هل يمكن مثلًاالنطق أو كتابة جملة وصفية أو معيارية بما هو حق ضمن القانون، ولكن التزامنا تجاه التنوع والإنصاف والإدماج يدعونا إلى الامتناع عن ذلك؟ وبعبارة أخرى، كيف يمكن التمييز بين الإسلاموفوبيا/ معاداة السامية وعملية النقد؟ اقترح مودود أن الإجابة لا يمكن تحديدها فقط من خلال فحص التعبير اللفظي نفسه. بل إنه يتطلب النظر في سياق أوسع طارحًا مثل هذه الأسئلة: هل هذا التعبير اللفظي يصور الآخر تصويرًا نمطيًا بافتراض أنهم جميعًا يفكرون بالطريقة نفسها؟ هل يدعو الآخر إلى حوار؟ هل اللغة متحضرة ومناسبة للسياق؟ هل هناك انتقادات غير صادقة لدوافع خفية؟ يعتمد الأمر على كيفية ردّنا لتحديد إن كنا نتعامل بالفعل مع عنصرية/ كراهية للإسلام/ معاداة السامية أم لا 96. وهكذا، فإن التفكير النقدي له طرقه في الخطابة والكتابة. وبينما ننتقد سلطة ما، نحتاج أيضًا إلى أن نكون قادرين على فتح حوار مع السلطة نفسها التي ننتقدها. هكذا بالضبط أستطيع أن أنتقد كل الممارسات الاستعمارية في الأراضي الفلسطينية، ولكن في الوقت نفسه أفتح المجال للحوار، وللحديث مع بعض الإسرائيليين 97. حتى في وقت العنف الشديد، تذكرنا كل من أماني جمال وكيرين يارهي- ميلو، وهما عميدتان فلسطينية وإسرائيلية في الجامعات الأميركية، في مقال مشترك 98، أنه عندما يكون الخطاب سامًا، يمكن أن تساعد الجامعات على جعل النقاش معقولًا، وأن حرية التعبير لا تعمل إلا عندما يكون هناك خطاب مضاد قويّ. ولكوني سوسيولوجيًا، أرى - على نحو عام - أن دوري يتمثل في إظهار أنه لا يوجد شر محض أو خير محض. يذكرنا علم الاجتماع المسلح بالخيال السوسيولوجي بالطبيعة المعقدة للظواهر الاجتماعية، وأهمية مشيئة الفاعلين ومنطق الهدية والحب. لا يمكن أن تأتي القوة دائمًا من السلطة والتسلسل الهرمي (من خلال آليات الهيمنة والمنافسة) ولكن من خلال التعاون والوفرة والرعاية. لم يكن علم الاجتماع هذا حساسًا فقط لكيفية تبرير الناس لأفعالهم أخلاقيًا، ولكن كيف يمكن علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا أن يأخذوا هذه المعاناة على محمل الجد ويتعاملوا معها باعتبارها هرمينوطيقا.99للحضور Hermeneutics of presence باختصار، إن التعامل مع التعصب والتوفيق بين الحرية الأكاديمية والتنوع والإنصاف والإدماج، هو عملية طويلة، تحتاج إلى إشراك الأطراف في حوار نقدي. الحوار الذي أدعو إليه 100 من خلال العمل في مواجهة الاتجاه غير الليبرالي المتمثل في الليبرالية الرمزية وشعبوية المحافظين.
المراجع
العربية
الأمين، عدنان. "الجامعات العربية وتحديات التغير الاجتماعي." عمران. مج 7، العدد 26 (خريف.)2018 الشرقاوي، محمد. "بين خطابي الَّصَْهَْيََنَة والَفَلَْسَْطَنَة: تحول نسقي في تمثلات الرأي العام الغربي." دراسة إعلامية. مركز الجزيرة للدراسات 2014/1/8. في https://bit.ly/3zZpjwT:. بشارة، عزمي. "قضايا أخلاقية في أزمنة صعبة (صيغة معدّلة.") تبين. مج 12، العدد.47 حنفي، ساري. "القلم والسيف: الهامش الَّضّّ قيّ في الحريات إضافات. العدد الأكاديمية." 30-29 (ربيع.)2015 ________._ "السوسيولوجيا الكونية: نحو اتجاهات جديدة." إضافات. العدد).2018(45 عمران. مج ________._ "نحو علم اجتماع حواري." 12، العدد 46 (خريف.)2023
الأجنبية
Adekoya, Remi, Eric Kaufmann & Thomas Simpson. "Academic Freedom in the UK." policy Exchange (2020). at: https://bit.ly/3y8rC04 Agamben, Giorgio. Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life. Stanford, CA: Stanford University Press, 1998. Al-Taher, Hanna & Anna-Esther Younes. "Lebensraum, Geopolitics and Race—Palestine as a Feminist Issue in German-Speaking Academia." Ethnography. vol. 25, no. 2 (2023). Atlani-Duault, Laëtitia & Stéphane Dufoix. "Chercheurs à la barre. Les sciences sociales saisies par la justice." Socio. La nouvelle revue des sciences sociales. no. 3
Bhambra, Gurminder K. & John Holmwood. Theory. Social Modern Colonialism Cambridge/ Medford, MA: Polity press, 2021. Bouzid, Ahmed. "Nine Reactions to Professor Claire O. Finkelstein's Call for Restricting Free Speech on Palestine." Social Epistemology Review and Reply Collective. vol. 13, no. 1 (2024). Castronovo, Russ & Dana D. Nelson (eds.). Materializing Democracy: Toward a Revitalized Cultural Politics. Durham/ London: Duke University Press Books,
Cataldi, Silvia & Gennaro Iorio (ed.). Social Love and the Critical Potential of People. London: Routledge, 2022. Cataldi, Silvia. "Un Concept Karstique de la Sociologie: L'amour Comme Socialité." Societes. vol. 149, no. 3 (August 2020). Chakrabarty, Dipesh. Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference. Princeton, New Jersey/ Oxford: Princeton University Press, 2007. Dufoix, Stéphane. Décolonial. Paris: Anamosa, 2023. Dupret, Baudouin & Jean-Noël Ferrié. "Islam, frérisme et autres chimères: Réflexion à partir de débats Français oiseux et pernicieux." Mouvements. 13/1/2024. at: https://bit.ly/3YgK41e Fish, Stanley. Versions of Academic Freedom: From Professionalism to Revolution. Chicago, IL: The University of Chicago Press, 2014. Freeman, Mark. "First Principles: The Need for Greater Consensus on the Fundamentals of Polarisation." IFIT Discussion Paper. Institute for Integrated Transitions (May 2023). at: https://bit.ly/3SnZtZU Fricker, Miranda. Epistemic Injustice: Power and the Ethics of Knowing. Oxford: Oxford University Press, 2009. Gill, Michael B. "Of Racist Philosophers and Ravens." Journal of Controversial Ideas. vol. 3, no. 1 (April 2023). at: https://bit.ly/4bZGaNt
Global Dialogue. vol. 13, no. 3 (December 2023). at: https://bit.ly/3LBIYW9 Gordon, Neve. "On Antisemitism and Human Rights." The International Journal of Human Rights. vol. 28, no. 4 (2024). Hanafi, Sari. "Explaining Spacio-Cide in the Palestinian Territory: Colonization, Separation, and State of Exception." Current Sociology. vol. 61, no. 2 (2013). Hobbes, Thomas. Leviathan. G. A. J. Rogers & Karl Schuhmann (eds.). vol. 1. Bristol: Thoemmes Continuum, 2003. Kaufmann, Eric. "Academic Freedom in Crisis: and Discrimination, Political Punishment, Self-Censorship." CSPI Report. Center for the Study of Partisanship and Ideology (2021). at: https://bit.ly/3zWT0yH Kirk, Russell. Academic Freedom: An Essay in Definition. Chicago: Henry Regnery Company, 1955. Kiwan, Dina. Academic Freedom and The Transnational Production of Knowledge. Cambridge: Cambridge University Press, 2023. Lawford-Smith, Holly. Gender-Critical Feminism. Oxford: Oxford University Press, 2022. Lukianoff, Greg & Jonathan Haidt. The Coddling of the American Mind: How Good Intentions and Bad Ideas Are Setting Up a Generation for Failure. New York: Penguin Press, 2018. Menand, Louis (ed.). The Future of Academic Freedom. Chicago, IL: University of Chicago Press, 1998. Mishra, Pankaj. "Memory Failure." London Review of Books. vol. 46, no. 1 (January 2024). Nitzan, Jonathan & Shimshon Bichler. The Global Political Economy of Israel. London: Pluto Press, 2002. Noelle-Neumann, Elisabeth. The Spiral of Silence. Chicago: University of Chicago Press, 1974. Norris, Pippa & Ronald Inglehart. Cultural Backlash: Trump, Brexit, and Authoritarian Populism. New York: Cambridge University Press, 2019. Norris, Pippa. "Closed Minds? Is a 'Cancel Culture' Stifling Academic Freedom and Intellectual Debate in Political Science?" Working Paper Series. no. RWP20-025. Harvard Faculty Research (August 2020). Özyürek, Esra. Subcontractors of Guilt: Holocaust Memory and Muslim Belonging in Postwar Germany. Stanford, CA: Stanford University Press, 2023. Pollet, Thomas V. & Tamsin K. Saxton. "How Diverse are the Samples Used in the Journals 'Evolution & Human Behavior' and 'Evolutionary Psychology'?" Evolutionary Psychological Science. vol. 5, no. 3 (2019). Port, Andrew I. Never Again: Germans and Genocide after the Holocaust. Cambridge, MA/ London: The Belknap Press of Harvard University Press, 2023. Quijano, Anibal. "Paradoxes of Modernity in Latin America." International Journal of Politics, Culture, and Society. vol. 3, no. 2 (1989). Scott-Baumann, Alison et al. Islam on Campus: Contested Identities and the Cultures of Higher Education in Britain. Oxford: Oxford University Press, 2020. Sukarieh, Rana. "Political Imaginaries of Solidarity: The Boycott, Divestment, and Sanctions (BDS) in Toronto." Social Movement Studies (2024).