نحو إعادة النظر في الثقافة السياسية من خلال نظرية بيير بورديو السوسيولوجية: حالة فسلطين بعد الانقسام عام 2007

Hasan Obaid حسن عبيد |

الملخّص

This study discusses several hypotheses proposed by political culture literature, especially those that adopt a structural approach to understanding the relationship of social structures and institutions to actors, and the values generated by the nature of this relationship that inspire political action. The paper posits that research into the pattern of political culture arising from the relationship between social structures and actors is not limited to studying this direct relationship, but rather requires an examination of intermediary factors. Hence, the study outlines a supportive conceptual interpretive framework, through Pierre Bourdieu's Social Theory. It begins by reviewing the concepts discussed by Bourdieu to explain the relationship between social structures and actors. The second section presents a comparative analysis of concepts taken from political culture and those of Bourdieu that explain the emergence of political culture through the reciprocal relationship between social structures and actors. The third examines the outcomes of this comparison in light of the 2007 Palestinian political division. Keywords: Political Culture, Pierre Bourdieu, Palestine.

Reconsidering Political Culture through Pierre Bourdieu's Sociological Theory: Palestine after the 2007 Political Division

تناقش هذه الدراسة بعض الأطروحات التي قدّمتها أدبيات الثقافة السياسية، وخاصة تلك ت مقاربة بنيوية لفهم العلاقة بين البنى والمؤسسات الاجتماعية من جهة التي تبّن، والفاعلين من جهة أخرى، وما ينجم عن طبيعة هذه العلاقة من قيم ت نتج الفعل السياسي. وتفترض أن البحث في نمط الثقافة السياسية الناشئة عن العلاقة بين البنى الاجتماعية والفاعلين لا يقتصر على البحث في علاقتهما المباشرة، بل يتطلب البحث في عامل وسيط بينهما. من هنا، تسعى الدراسة إلى تقديم إطار مفهومي تفسيري مساند، من خلال النظرية الاجتماعية لبيير بورديو، في ثلاثة مباحث: يستعرض الأول المفاهيم التي ناقشها بورديو في تفسير العلاقة بين البنى الاجتماعية والفاعلين، ويقارن الثاني بين مفاهيم الثقافة السياسية ومفاهيم بورديو التي تفسر نشوء الثقافة السياسية من خلال العلاقة التبادلية بين البنى الاجتماعية والفاعلين، ويفحص الثالث ناتج هذه المقارنة على الحالة الفلسطينية بعد الانقسام عام 2007. كلمات مفتاحية: الثقافة السياسية، بيير بورديو، فلسطين.

مقدمة

درس العديد من الفلاسفة والمفكرين معتقدات الفرد وقيمه وعواطفه ومواقفه السياسية، وفهمه للنظام والقضايا السياسية 1، ومنهم نيكولو مكيافيلي  2 الذي اهتم بدور القيم والمشاعر والهوية والالتزام، وجوردون ألبورت 3 الذي اهتم بقياس المواقف، وتقييم تأثيرها أو عدم تأثيرها في السلوك السياسي. وُعُرّفت الثقافة السياسية بتعريفات عديدة، وناقش الباحثون دورها في العلاقة بين الأفراد والدولة وبناها ونظامها السياسي. على الرغم من أهمية النتائج التي قدّمتها الأدبيات التي درست ثقافة الأفراد السياسية وتوجهاتهم تجاه النظام السياسي الذي يحكمهم، من خلال الأبعاد المتعلقة بالعواطف والمعتقدات والإدراكات، أو النواحي الأقرب إلى التفسير السلوكي أو النفسي للمواطن  4، فإن هذا النوع من الدراسات واجه إشكاليات منهجية من شّقيّن: الأول هو قصورها في الإجابة عن الأسئلة البحثية الأكثر تحديًا، والتي تتعلق بنشوء النظام السياسي ومؤسساته، والعمليات التبادلية بين الفرد والنظام السياسي على المستوى الكلي؛ والثاني هو صعوبة تحديد العوامل/ المتغيرات المستقلة والتابعة التي يمكن استخراج مؤشرات منها، ومن ثمّ الاستفادة منها في الدراسات المقارنة. وهذا ما اعتبره أندريس بيكيل نتيجة وسببًا في الوقت نفسه، وهو ناتج من "الافتقار إلى الأنطولوجيات والمنهجيات العميقة من الناحية الفلسفية التي يمكن الدفاع عنها علميًا" 5. تبحث هذه الدراسة في الثقافة السياسية، ليس باعتبارها نظمًامن المعتقدات النمطية أو التوجهات تجاه النظام السياسي، بل بما هي ناشئة ضمن أطر أو هياكل بنيوية، لها آليات تشغيل للقيم والأفكار التي تؤثّر في الأفراد والجماعات، ومن ثم تنعكس على توجهاتهم وسلوكهم. ومن هذا المنطلق، تهدف إلى المقارنة بين مفاهيم الأطر التحليلية للثقافة السياسية المتعلقة بالجانب البنيوي مع مقابلها من المفاهيم التي اعتمد عليها بيير بورديو 2002-1930()، نتيجة تأثره بالبنائية البنيوية  Structuralist Constructivism 6، وأبرزها مفهوما الحقل ورأس المال اللذان يساهمان في تفسير العلاقة التبادلية بين الفاعلين وبنى المجتمع، وتأثير ذلك في تفعيل القيم والتوجهات لدى الأفراد والجماعات. بتعبير آخر: كيف ناقش بورديو الثقافة السياسية من دون أن يسميها كذلك؟  7 ولذلك، فإن انشغال الدراسة الرئيس نظري، لكن سُتُفرد مساحة استكشافية يمكن من خلالها الوصول إلى استنتاجات، نتيجة المقارنة بين الإطارين التحليليين (أي الثقافة السياسية والنظرية الاجتماعية لبورديو.) وتنافح في هذا السياق عن ترجيح قدرة إطار بورديو التحليلي على تفسير نشوء الثقافة السياسية للأفراد والجماعات، نتيجة العلاقة التفاعلية بين البنى الاجتماعية والفاعلين. وفي إثر ذلك، تسعى لفحص قدرة نموذج بورديو التحليلي على تقديم تفسيرات لتشكّل قيم الأفراد وتوجهاتهم في الحالة الفلسطينية بعد الانقسام بين حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في عام 2007. انطلاقًا من أهداف الدراسة، هناك مستويان من الأسئلة. الأول على المستوى النظري: ما الفروق في الأطر التفسيرية بين نظرية بورديو (رأس المال بأشكاله المختلفة، والحقل، والهابيتوس) ومفاهيم الثقافة السياسية، خاصةً تلك التي درست التبادلية بين البنى والأفراد والجماعات (الفاعلون)، إضافةً إلى ما تطرق إليه بورديو بشأن تحويل الموارد المختلفة، أو أشكال رأس المال النوعي (الاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي) إلى رأس مال رمزي، أو العكس، وكيفية تَشكّل العلاقة بين رأس المال والحقل. أما الثاني فعلى المستوى الإجرائي المرتبط بدراسة الحالة: ما أشكال رأس المال والحقول التي تشكّلت بعد الانقسام في عام 2007؟ وكيف ساهمت في تشكيل المنافسة على الشرعية بين حركَتَي فتح في الضفة الغربية وحماس في قطاع غزة؟ وكيف انعكس ذلك على بعض القيم الدارجة، مثل الوحدة الوطنية والنضال والمقاومة من ناحية، وعلى "استعدادات" الأفراد والجماعات المتعلقة بتلك القيم، من ناحية أخرى؟ تنطلق الدراسة من فرضية وجود علاقة تبادلية بين الثقافة السياسية والبنى الاجتماعية والسياسية، حتى لو بدا من الصعب إعطاء الأولوية السببية لأحدهما. ويقود هذا إلى أن الاختلاف في رأس المال (في السياق السياسي نفسه) يؤدي إلى فروق في الأداء السياسي

  1. Gabriel A. Almond & Sidney Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (London: Little, Brown and Company, 1980).
  2. Niccolo Machiavelli, The Prince , Tim Parks (trans.) (London: Penguin Classics, 2015), pp. 83-92.
  3. Gordon W. Allport, "The Composition of Political Attitudes," American Journal of Sociology , vol. 35, no. 2 (1929), pp. 220-238.
  4. يمكن الاطلاع على: Eric Rowe, Modern Politics: An Introduction to Behaviour and Institutions (London: Routledge & Kegan Paul, 1969).
  5. Andreas Pickel, "Rethinking Systems Theory: A Programmatic Introduction," Philosophy of the Social Sciences , vol. 37, no. 4 (2007), p. 391.
  6. Nonna Mayer & Vincent Tiberj, "How to Study Political Culture without Naming it," in: Robert Elgie, Emiliano Grossman & Amy G. Mazur (eds.), The Oxford Handbook of French Politics (New York: Oxford University Press, 2017). p. 336.
  7. Ramón Flecha, Jésus Gómez & Lídia Puigvert, "Chapter 5: Constructivist Structuralism; Habitus," Counterpoints , vol. 250 (2001), pp. 36-39.

للمؤسسات والأفراد. وفي دراسة الحالة، يُخَلَص إلى أن الاختلافات في رأس المال لدى الحقول الناشئة بعد الانقسام أدت إلى فروق في الأداء السياسي، ومن ثم فروق في الاستعدادات السياسية للأفراد والجماعات وتوجهاتهم تجاه بعض القيم.

أولًا: مدخل إلى نظرية بورديو في النقد الاجتماعي ونموذج رأس المال والحقل والهابيتوس

لا تزال أعمال عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، المصنفة ضمن ما بات يعرف بعلم اجتماع الثقافة، ذات تأثير في العديد من علماء الاجتماع، وخاصة نظرياته في التقسيم الَطَبقي الاجتماعي التي تتعامل مع المكانة والسلطة  8. فاهتم بطبيعة الثقافة، وكيفية إعادة إنتاجها وتحويلها، وكيفية ارتباطها بالتقسيم الاجتماعي وممارسات السلطة. وتأثر بنظرية رأس المال لدى ماركس التي مؤداها أن رأس المال الاقتصادي (المال والأصول) يكرس موقع الفرد في النظام الاجتماعي؛ فكلما زاد رأس المال، زادت قوة المركز الذي يحتله المرء في الحياة الاجتماعية. لكن بورديو وسّع هذه النظرية إلى ما هو أبعد من الاقتصاد، لتشمل رأس المال الثقافي والرمزي والاجتماعي. وجادل بأن رأس المال، بأشكاله كافّة، يحدد مكانة الفرد ضمن النظام الاجتماعي  9. وفيما يلي نناقش مفاهيم بورديو الرئيسة التي اعتمدت عليها الدراسة.

1. رأس المال الثقافي

يجادل بورديو بأن مصدر رأس المال الثقافي، وغيره من أنواع رأس المال، ينبع من البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تخلق قوة ومكانة تفاضلية لأفراد وجماعات معينة  10، وبأن الأفراد يختلفون في مواقعهم الاجتماعية بناءً على أشكال من رأس المال المختلفة التي يحوزونها: رأس المال الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والرمزي 11. ومن أهم أشكال التحولات في رأس المال التي ناقشها بورديو هي التحولات من رأس المال الثقافي إلى الاقتصادي، والعكس صحيح، وذلك ضمن بنى المجتمع، مثل الطبقات، ودور الموقع الطبقي في الحصول على الموارد الثقافية والرمزية. ومن الأمثلة التي يعرضها أن أولياء الأمور من الطبقة الوسطى قادرون على منح أطفالهم الكفاءات اللغوية والثقافية التي تعزز فرصهم في النجاح في مستقبلهم المهني، الذي سيتجسد في امتلاكهم واحدًا أو أكثر من أنواع رأس المال؛ أما أبناء الطبقة العاملة، الذين لا يمكنهم الوصول إلى مثل هذه الموارد الثقافية، فهم يحظون بفرص أقل لامتلاك أشكال أخرى من رأس المال  12. ويصنف بورديو رأس المال الثقافي ثلاثة أشكال: الأول هو المجَّسَد Embodied، ويتألف من المعرفة المكتسبة عن وعي، والموروثة عن طريق التنشئة الاجتماعية والتقاليد وغيرها؛ والثاني هو الُمُشَّيَأ Objectified، وهو رأس المال الثقافي الذي يتمظهر في الأشياء المادية والوسائط، مثل الكتابات، واللوحات، والآثار، والآلات، وما إلى ذلك، والتي من الممكن أن تتحول إلى رأس مال اقتصادي أو تبقى رأس ماٍلٍ ثقافيًا، ولكنها تتغير من حيث صفتها القانونية وملكيتها 13؛ والثالث هو الُمَُم أسس Institutionalized، الذي يتعلّق بالمؤهلات العلمية، أو الألقاب العلمية المكتسبة التي تمنحها المؤسسات ذات الصلة  14.

2. رأس المال الاجتماعي

لا يمكن اختزال رأس المال الاجتماعي   15 في نوع محدد من رأس المال، مثل رأس المال الاقتصادي أو الرمزي، وإنما هو مجموع الموارد، الفعلية أو الافتراضية، وأشكال متنوعة من الموارد، التي تعود إلى الفرد أو الجماعة، بحكم امتلاك شبكة دائمة من العلاقات المؤسسية التي تؤدي إلى حٍدٍ من التعارف والاعتراف المتبادَليَن  16. يرى بورديو أنّ رأس المال الاجتماعي ليس متاحًا على نحو موحد للأفراد، وهو أيضًا ليس معطى طبيعيًا، وإنما يتحقق للجماعة أو

  1. Pierre Bourdieu, "Social Space and Symbolic Power," Sociological Theory , vol. 7, no. 1 (1989), p. 14.
  2. Ibid.
  3. Pierre Bourdieu, "The Forms of Capital," in: John Richardson (ed.), Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education (New York: Greenwood Press, 1986), pp. 241-258.
  4. Pierre Bourdieu , Distinction: A Social Critique of the Judgement of
  5. Bourdieu, "The Forms of Capital," p. 242.
  6. Ibid., pp. 249-252.
  7. Ibid.
  8. يعد روبرت بوتنام وجيمس كولمان من أبرز من ناقشوا مفهوم رأس المال الاجتماعي، ينظر: Robert D. Putnam, Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community (New York: Touchstone, 2001); James S. Coleman, "Social Capital in the Creation of Human Capital," American Journal of Sociology , vol. 94 (1988), pp. 95-120. 16  Pierre Bourdieu & Loic Wacquant, An Invitation to Reflexive Sociology (Chicago: University of Chicago Press, 1992), p. 119.
  9. Taste , Richard Nice (trans.) (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996). p. 114, 142.

الأفراد الذين يبذلون جهودًا لاكتسابه من خلال حيازة السلطة والمكانة  17. ويتحقق أيضًا للأفراد من خلال الجماعة أو الفئة التي ينتمون إليها (الحزب، العائلة، المؤسسة، الطبقة) وما تمتلكه من أشكال رأس المال  18. إضافةً إلى شبكة العلاقات وما ينشأ عنها من مراكمة أكبر لأشكال رأس المال وقدرة على استثمارها وتعزيز المكانة في المجتمع على المدى الطويل، وهو ما ينعكس في ممارسة التأثير من خلال المشاركة في نظام الحكم والمؤسسات. وبناء عليه، فرأس المال الاجتماعي هو تعبير آخر عن الملكية الجماعية لرأس المال  19.

3. رأس المال الرمزي

عَرَف بورديو رأس المال الرمزي بأنه أيّ نوع آخر من رأس المال عندما يتعلق الأمر "بالاعتراف به" أو "إدراكه" 20. بمعنى أن الطبقات الاجتماعية أو الهياكل الاجتماعية المقسّمة من خلال توزيع رأس المال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي هي تقسيمات متخيّلة ما لم يجِرِ تحويلها إلى اختلافات ذات مغزى بوساطة رأس المال الرمزي  21. فالأخير هو "الشكل الذي تتخذه الأنواع المختلفة لرأس المال عندما "ُيُنظر إليها على أنها شرعية 22. وبحسب بورديو، فإنه هو الذي يحدد استخدامات أشكال رأس المال الأخرى بالتفاعل مع المواقف والرؤى الاجتماعية، ومن ثم يساعد على إضفاء الشرعية على الأشكال الأخرى من رأس المال؛ وهذه الأشكال محكومة بمنطق الاعتراف 23. ومن هنا، يشرعن رأس المال الرمزي علاقات القوى في المجتمع 24، ولا يمكن مأسسته أو تجسيده كما تجري مأسسة أنواع رأس المال؛ فرأس المال الاقتصادي والثقافي لهما تجسيدات خاصة (المال، والأسهم، والشهادات التعليمية، وغير ذلك.)

4. الحقل

الحقل Field عبارة عن شبكة أو بنية أو مجموعة من العلاقات قد تكون قائمة على أسس فكرية أو دينية أو تعليمية أو ثقافية أو غير ذلك، ويمكن التداخل بينها 25. وقد يُنظر إلى الحقول على أنها مساحات تنظم أنواعًا معيّنة من رأس المال  26. يشكّل مفهوم الحقل أداة تحليلية بديلة من الأدوات التحليلية التي تركز على الوحدات كالمؤسسات والمنظمات والأسواق والأفراد والجماعات، على الرغم من أن كل هذه المكونات يمكن أن تكون مكونات رئيسة للحقل  27. ويهدف التحليل المعتمد على الحقل إلى دراسة العلاقة بين الوحدات المنفصلة ضمن إطار أشمل يفسرر العلائقية بينها، بدلًامن الاكتفاء بخصائصها  28. وبالنسبة إلى بورديو، فإن كل حقل له سجل تعريف خاص به، يتم فيه تنظيم الحقول بناء على أشكال معينة من رأس المال أو مجموعات من رؤوس الأموال. ويعتبر الحقل أيضًا بنية توازن القوى بين أشكال القوى المختلفة، وهو ميدان الصراع على السلطة بين القوى والفاعلين المتنافسين  29، ويمثّل أيضًا مساحة لتمايز الثقافات.

5. الهابيتوس

يقصد بورديو بالهابيتوس Habitus مجموعة من الاستعدادات المكتسبة التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه ومجتمعه، ويمكن تغييرها في ضوء مواقف غير متوقعة أو في خلال فترة تاريخية طويلة  30. وقد استفاد بورديو من مفهوم الهابيتوس بوصفه إطارًا لفهم العلاقة التبادلية بين هياكل المجتمع وأدوار الفاعلين. فوفقًا له، يشير الهابيتوس إلى نظام من البنى الداخلية، وخطط الإدراك والتصورات والفعل المشتركة بين جميع أعضاء المجموعة أو الطبقة نفسها  31. وتشكّل هذه "الهياكل الداخلية" و"خطط الإدراك" تصورات الفرد وإدراكه للعالم والمجتمع  32. وتتشكّل هذه التصورات من خلال منح قيمة ثقافية للأشياء، سواء أكانت مادية أم غير مادية، حينها تصبح التصورات التي تقَّدَر داخل الهابيتوس بمنزلة رأس مال ثقافي، ويؤثر امتلاكها في كيفية صنع العلاقات الاجتماعية والثقافية. ويؤدي امتلاك الأفراد داخل الهابيتوس أفكارًا اجتماعية وثقافية متشابهة إلى تشكيل بنى اجتماعية أكبر، سواء أكانت عرقية، أم قومية، أم عائلية. وتساهم هذه البنى في إنتاج الظروف الاجتماعية

  1. Bourdieu, "The Forms of Capital," pp. 249-252.
  2. 26  Ibid.
  3. 27  Pierre Bourdieu, The Field of Cultural Production , Randal Johnson (ed.) (New York: Columbia University Press, 1993), pp. 2-25.
  4. Bourdieu, "Social Space and Symbolic Power," p. 23.
  5. Ibid., pp. 14-25.
  6. Ibid., p. 17.
  7. Bourdieu, "The Forms of Capital," p. 257.
  8. Pierre Bourdieu, The Logic of Practice , Richard Nice (trans.) (Stanford,
  9. Patricia Thomson, "Field," in: Michael Grenfell (ed.), Pierre Bourdieu: Key Concepts (London: Acumen Publishing, 2012), pp. 69-70.
  10. 18  Ibid., pp. 21-24.
  11. 19  Ibid.
  12. Ibid.
  13. Bourdieu & Wacquant, pp. 94-114.
  14. Bourdieu, Distinction , pp. 52-74.
  15. Bourdieu, "The Forms of Capital," p. 27. 32  Ibid.
  16. CA: Stanford University Press, 1990), p. 118.

والثقافية التي من خلالها يتواصل الأفراد فيما بينهم، حيث يعيدون إنتاج الهابيتوس في تشكيلاتهم الخاصة، أو من خلال التعبير عنها مع الفئات الأخرى. ويمكن أن تتحول هذه التصورات إلى سردية 33. وهكذا، فإن القدرة التفسيرية للهابيتوس تنبع من أنه ليس نتيجة للإرادة الحرة للأفراد أو الفئات، وليس أيضًا نتيجة لما تفرضه البنى الاجتماعية على الأفراد، بل من التفاعل بين الأمرين على مر الزمن. وبهذا المعنى، يجري إنتاج السلوك وإعادة إنتاجه من دون قصدية 34.

ثانيًا: الثقافة السياسية ونظرية بورديو الاجتماعية: مقاربة تحليلية

1. حدود العلاقة بين الثقافة والثقافة السياسية

خضع موضوع الثقافة لنقاشات واسعة ضمن المدارس النظرية الرئيسة في السياسة المقارنة وبينها، مثل البنيوية والعقلانية والواقعية وغيرها. وكان أحد محاور النقاش الرئيسة ماهية الحدود الفاصلة بين الثقافة والعوامل الأخرى المتعلقة بالدولة، مثل المؤسسات أو الحدود الفاصلة مع المجتمع ومكوناته، أو الحدود الفاصلة بين الثقافة والأفراد والسلوك. وفي خمسينيات القرن العشرين، كان مبرر الاهتمام في الربط بين الثقافة والسياسة هو المساعدة في تصنيف النظم السياسية، سواء أكانت ديمقراطية أم اشتراكية أم غير ذلك، والوصول إلى علاقة هذه الأنواع بالثقافة المدنية. ناقش فلاسفة مفكرون، من أبرزهم كارل ماركس 35وجيورجي لوكاتش  36 ولويس آلتوسير37 وأنطونيو غرامشي38، دور المنتج الثقافي في السياقات الاجتماعية والسياسية، وفي إعادة إنتاج علاقات القوة في المجتمع الرأسمالي. ومن ضمن الأطروحات التي ناقشها هؤلاء أنّ العلاقة بين المنتجات الثقافية ومؤسسات الدولة ليست في اتجاه واحد، ولا تتناقض مع نقاشات الاقتصاد ورأس المال، ولكن الثقافة، في المقابل، لها دور في الحفاظ على النظام القائم المهيمن، تمارسه من خلال آليات الإنتاج وعملياته على حساب دور الفاعلين والمستهلكين، ومشّكلّات البنى التفاعلية الأخرى مثل الدين والمجتمع وغيرهما. في حين يرى بورديو أن تفسيرًا أعمق للبنى الاجتماعية يتطلب تجاوز التفسير الأحادي القائم مثلًاعلى رأس المال، أو الاقتصاد، أو غيرهما  39، وتجاوز ما يفرضه النظام الرأسمالي من تقليص عالم التبادلات إلى التبادل التجاري أو المالي من أجل تعظيم الربح. اعتبر رودريك كامب أن المقاربات الثقافية غامضة بشأن موضوع الدراسة ووحدات التحليل، وأنها طمست الخطوط الفاصلة بين الثقافة والمجالات الأخرى مثل السلوك والمؤسسات، ولم تعِطِ تفسيرات لأسباب التحولات السياسية. ولذلك، دعا إلى اعتماد مقاربات الثقافة السياسية لتحليل السلوك السياسي للأفراد والجماعات  40. وفي محاولة لتوضيح الفرق بين الثقافة والثقافة السياسية، يرى كامب أن الثقافة تتشكّل من المواقف والقيم والمعتقدات والخبرات السائدة في مجتمع معّين، أما الثقافة السياسية، وإن كانت تتشكل من المكونات نفسها، فإنها تركّز على كيفية ترجمة هذه القيم إلى آراء الناس في السياسة وتقييمهم للأنظمة السياسية، ودورهم في النظام السياسي 41 الذي يحكمهم. من حيث التعريف، تكون الثقافة السياسية مجموعة من الآراء المشتركة، والأحكام المعيارية التي يتبنّاها السكان فيما يتعلق بنظامهم السياسي. ولا يشير مفهوم الثقافة السياسية إلى المواقف تجاه فاعلين محددين، مثل الرئيس أو رئيس الوزراء، بل إلى الكيفية التي ينظر فيها الناس إلى النظام السياسي برمّته وإيمانهم بشرعيته  42. وقد عرّف لوسيان باي وسيدني فيربا الثقافة السياسية بأنها مزيج من القيم الأساسية والمشاعر والمعرفة التي تكمن وراء العملية السياسية. ومن ثم، فإنّ اللبنات الأساسية للثقافة السياسية هي معتقدات المواطنين وآراؤهم وعواطفهم تجاه شكل حكومتهم  43. ويرى رونالد إنغلهارت أن "القيم الجماهيرية تؤدي دورًا حاسمًافي ظهور المؤسسات الديمقراطية وازدهارها" 44.

  1. Bourdieu, Distinction , pp. 169-208.
  2. Ibid., p. 170.
  3. Gabriel A. Almond, "Communism and Political Culture Theory," Comparative Politics , vol. 15, no. 2 (1983), pp. 127-138.
  4. Bela Kiralyfalvi, The Aesthetics of Gyorgy Lukacs (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2016).
  5. Louis Althusser, On the Reproduction of Capitalism: Ideology and Ideological State Apparatuses (London: Verso, 2014).
  6. Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks (London: Lawrence & Wishart, 2003).
  7. Bourdieu, "The Forms of Capital," pp. 241-242.
  8. Roderic Camp, Citizen Views of Democracy in Latin America (Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 2001), p. 229.
  9. Ibid.
  10. Jürgen R. Winkler, "Political Culture," Britannica , 26/8/2022, accessed on 5/1/2024, at: https://acr.ps/1L9zOim; Almond & Verba.
  11. Lucian W. Pye & Sidney Verba, Political Culture and Political Development (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1965), pp. 1-7.
  12. Ronald Inglehart, Modernization, Cultural Change, and Democracy: The Human Development Sequence (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), p. 2.

وفي السياق نفسه، سعى غابرييل ألموند لتطوير الإطار التفسيري للثقافة السياسية، أو ما سماه بعض الباحثين بالإطار التشغيلي Operational Framework45 للثقافة السياسية. فبحسبه، تكون الثقافة السياسية محدد مركزي في قياس مدى تفاعل المجتمع مع السياسة، فإما أن تكون المشاركة نشطة بسبب الوعي بالثقافة المدنية والديمقراطية والحقوق، أو حيادية حين يعتبر المجتمع أن شكل النظام السياسي الذي يدير الدولة طبيعي، أو أن تسيطر عليه قيم الخضوع للأنظمة الاستبدادية  46. واستخدم ألموند وفيربا نظرية الثقافة السياسية لقياس المواقف، وسيلةً لفهم العلاقة بين الفرد بصفته مواطنًا والدولة باعتبارها كيانًا سياسيًا مفتوحًا، ضمن هذا الرابط: ثقافة – سياسة - قيم مدنية 47. ناقشت أدبيات عديدة الثقافة السياسية بوصفها خصائص إجمالية للمجتمع، ومجموعات متماسكة نسبيًا من المواقف، مثل الخصائص التي درسها ماكس فيبر، الذي جادل بأن انتشار ريادة الأعمال عززته البروتستانتية  48. فعلى الرغم من أن هناك قيمًاسياسية واجتماعية يجري تقاسمها على نطاق واسع بين الأفراد، فإن عزمي بشارة يجادل بأنه لا توجد ثقافة سياسية متجانسة لشعٍبٍ بأكمله  49، وهذا يتفق مع ما طرحه بورديو، ويرى أنه من الصعب توصيف وجود ثقافة موحدة تجمع الأفراد، وتوجّه سلوكهم تجاه بعض القيم. فهناك مجموعة من الثقافات السياسية مرتبطة مركزيًا ببنية المجتمع، وكذلك البنى في داخل هذه البنية، من دون إغفال العلاقة التبادلية بين الفاعلين والبنى كان من ضمن أهداف الاشتغال بمفهوم الثقافة السياسية التخلص من الالتباسات الناتجة من التعامل مع مفهوم الأيديولوجيا السياسية. فعلى الرغم من التشابك بين مفهوَمَي الثقافة السياسية والأيديولوجيا السياسية، فإنه من الممكن إيجاد فروق بينهما، وخاصة في الأنظمة الديمقراطية. فالأولى، استنادًا إلى التعريفات السابقة، هي مجموعة من القيم والرموز التقييمية للمجتمع وفئاته تجاه النظام السياسي، في حين أن الأيديولوجيا السياسية تكون أضيق وأكثر تحديدًا من الثقافة السياسية؛ فهي إحدى الطرق الممكنة لتنظيم البشر وتبريرهم للتوجهات من وجهة نظر معرفية، وإذا جرى تطبيقها على السياسة، فإنها تأخذ شكل نظام معتقدات متكامل جدًا  50. ففي الأنظمة الديمقراطية قد يعرّف بعض الأفراد أو المجموعات أو الأحزاب أنفسهم بأيديولوجيا معيّنة، سواء أكانت محافظة، أم ليبرالية، أم اشتراكية؛ لكنّ هذه الأيديولوجيات تتشارك في مضامين الثقافة السياسية بأهمية الحريات الفردية والمساواة والعدالة والديمقراطية آليةً لاختيار الحكام. ومع ذلك، وفي المستوى الأقل من الثقافة السياسية الجامعة، تختلف الأيديولوجيا السياسية في تفاصيل كيفية تطبيق الحرية والعدالة ودور الحكومة في ضمانها  51.

يظهر من خلال ما سبق أنّ الباحثين في موضوع الثقافة السياسية استفادوا من الثقافة السياسية بوصفها قيمة تشغيلية، معتبرين إياها أداةً تحليلية تختلف عن الأيديولوجيا أو الحركات الاجتماعية. ولكن من جانب آخر، تؤاخذ نظرية الثقافة السياسية بأنها لم تدمج الثقافة ودراسات الدولة في إطار مفهومي وتشغيلي موحد  52. وقد دفع ذلك إلى إيجاد أطر تفسيرية أخرى للثقافة السياسية تناقش الدور الوسيط الذي تؤديه الثقافة في العلاقة بين المواطنين وبنية الدولة وتنظيمها وعملها  53. واستنادًا إلى ذلك، فإن البنائية ذهبت إلى مقاربتين في دراسة الثقافة السياسية: الأولى هي المقاربة المؤسسية (البنيوية)، والثانية هي المقاربة المختلطة التي تستدعي عوامل أخرى تكسرر الربط المباشر بين المؤسسة والجمهور. وسنناقش فيما يلي هذين الاتجاهين، ونقارنهما بأطروحات بورديو.

  1. George Steinmetz, "Introduction: Culture and the State," in: George Steinmetz (ed.), State/ Culture: State-Formation after the Cultural Turn (Ithaca/ London: Cornell University Press, 1999).
  2. Almond & Verba.
  3. 51  Ibid.
  4. 52  Steinmetz (ed.), pp. 1-5.
  5. عزمي بشارة، 49 الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.407
  6. Fabio de Nardis, Understanding Politics and Society (London: Palgrave Macmillan, 2020), pp. 389-427.
  7. 47  Ibid., p. 7.
  8. 48  Max Weber, The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism , Talcott Parsons (trans.) (London/ New York: Routledge, 2010).
  9. Camelia Florela Voinea & Martin Neumann, "Political Culture: A Theory in Search for Methodology. An Editorial," Quality & Quantity , vol. 54, no. 2 (2020), pp. 336-338.

2. البنى/ المؤسسات في مقابل الحقول

أضفت المقاربة المؤسسية أولويةً في تفسير دور المؤسسات السياسية في عملية الانتقال على بعض القيم المدنية مثل الديمقراطية، واعتبرت العامل المؤسسي عاملًاحاسمًافي تحويل المجتمع والقيم السائدة الموروثة نحو القيم الجديدة  54. وأثارت هذه المقاربة اهتمام ألموند وفيربا، فهما يعتبران أن المجتمعات هي أحد أسباب استقرار النظم الديمقراطية، وأن ديناميات الاستقرار هذه قابلة للتنبؤ على أساس البيانات التجريبية والتحليل السياسي، باعتبار أن "دراسة السلوك السياسي الجماهيري ستكون بالتأكيد ذات صلة بصنع السياسات" 55، وبناء عليه، فإن الثقافة السياسية للمجتمع هي أحد العوامل الحاسمة لبقاء الديمقراطية واستقرارها. لكن الإشكالية التي انبنت في دراستهما هي "النمذجة"؛ بمعنى إذا ما كان هناك نموذج واحد للديمقراطية، أم نموذج محدد للمجتمع المدني يتم القياس عليه، ومن ثم يجري بناء الأطر التحليلية المناسبة. انُتُِقِدت الثقافة السياسية بوصفها الخصائص المهِّيِئة للأفراد، الذين تتفاعل ميولهم مع محفزات معيّنة بطريقة محددة. وهذا النقد كان لأسباب متعددة، أبرزها، منهجيًا، بناء هذا التفسير على الذاتية وليس الموضوعية. فيرى راينر لبسيوس أن الثقافة السياسية ليست نتاج القيم المنقولة عبر الأجيال، وأن التوجهات القيمية لا تتطور في مساحة فارغة فحسب، بل تعمل الثقافة السياسية ضمن هيكل مؤسسي، وتتطور وفقًا لتجربة هذه المؤسسات. فكما يؤثر هيكل المؤسسات السياسية وأداؤها في الثقافة السياسية، فإن الأخيرة تؤثر في المؤسسات وعملها  56. انتقد بورديو التفسيرات القائمة على دور مؤسسات النظام السياسي في نشوء الثقافة السياسية، فهو يرى أن ثمة قصورًا في التعامل مع مؤسسات الدولة، على الرغم من استناد هذه التفسيرات إلى المقاربة البنيوية. فالبنيوية على النقيض من الاختزالية، ترى أن جميع أشكال التعبير الثقافي لا يمكن فهمها بمعزل عن الفاعلين، ومن دون تحليل البنى والعلاقات بينها وبين بنى المجتمع الأخرى  57. وهذا ما استند إليه بورديو في توسيع نظريته الاجتماعية. فهو يرى أن البنى وعلاقات السلطة القائمة يمكن مقاومتهما على غرار ما تفعله الحركات الاجتماعية  58؛ أي إن الثقافة لا ترتبط ببنى الدولة، بل ببنى المجتمع وطبقاته. وفي سياق بناء العلاقة بين المؤسسات والثقافة، من المهم ترسيم حدود المؤسسات ونطاقها، الحكومية أو غير الحكومية أو التي تقع ضمن تصنيفات أخرى، ومدى تأثيرها في المجتمع. فالاكتفاء بالتعريفات الكلاسيكية للمؤسسات ربما يقوّض قدرتنا على تحليل منصات غير مؤسسية ذات تأثير في الثقافة السياسية للأفراد والجماعات، و في إثر ذلك تبنّى بعض الباحثين مقاربة هجينة أو مختلطة، تعتمد على نفي وجود علاقة مباشرة بين الدولة والثقافة السياسية للمجتمع، والبحث عن عامل وسيط بينهما.

3. نحو مقاربة مختلطة

تتجاوز المقاربة المختلطة العلاقة المباشرة بين البنى والأفراد/ المواطنين/ الفاعلين، والبحث في عوامل وسيطة. وفي إطار مفهومي موسّع، اعتمد روبرت بوتنام  59 استراتيجية منهجية تربط الثقافة السياسية بمفاهيم أخرى. وجادل بأن الاختلافات الجوهرية في الكفاءة المؤسسية يمكن تفسيرها بسبب الاختلافات في رأس المال الاجتماعي؛ فهناك مجموعة من الموارد التي يكتسبها الفرد أو المنظمة من خلال مجموعة من المعايير والقيم والشبكات، يمكن أن تحسّن كفاءة تفاعل المجتمع مع قيمة معيّنة مثل الديمقراطية؛ بمعنى أن رأس المال الاجتماعي هو مؤشر دالّ على ميزات التنظيم الاجتماعي. وفي سياق تفسيره الفروق في التنمية الاقتصادية بين الشمال والجنوب الإيطالَييَن في أوائل القرن التاسع عشر، وجد بوتنام أن مستويات الفقر كانت متماثلة، إلا أنه بعد 70 عامًا، أصبح الشمال الإيطالي يحظى بفارق كبير، مقارنةً بالجنوب، في الثروة والتنمية الاقتصادية  60، ليس بسبب الفروق في الأداء المؤسسي فحسب، بل بسبب الاختلاف في رأس المال الاجتماعي أيضًا 61.

  1. Jean Grugel, "Latin America after the Third Wave," Government and Opposition , vol. 42, no. 2 (2007), pp. 242-244.
  2. Sidney Verba, "On Revisiting the Civic Culture: A Personal Postscript," in: Almond & Verba, p. 409.
  3. M. Rainer Lepsius, "Institutional Structures and Political Culture," in: Herbert Döring & Gordon Smith (eds.), Government and Political Culture in Western Germany (London: Palgrave Macmillan, 1982), pp. 116-129.
  4. Chris Barker, "Structuralism, Poststructuralism and Cultural Studies,"
  5. Hanna-Mari Husu, Social Movements and Bourdieu: Class, Embodiment and the Politics of Identity (Jyväskylä: University of Jyväskylä, 2013), p. 28.
  6. Putnam, pp. 19-27.
  7. لم يعتمد بوتنام على استطلاعات الرأي لمعرفة مؤشرات الثقافة فحسب، بل لجأ أيضًا إلى البيانات المجمّعة من الوثائق الرسمية والمحفوظات التاريخية حول المشاركة في الجمعيات التطوعية وغيرها، وكذلك أعداد الصحف. وعلى الرغم من أنه ناقش بعض مؤشرات القيم "المدنية"، فإن العلاقة بين رأس المال الاجتماعي ومؤسسات الحكم، المفترضة فلسفيًا، لم تُختبر تجريبيًا. في حين أن بورديو فرّس رعلى نحو أكثر عمقًا رأس المال الاجتماعي وتحولاته، وحاول أن يشرح أشكال رأس المال والمؤشرات التي تدل عليه. 61  Robert Putnam, Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993), p. 167.
  8. in: Michael Ryan (ed.), The Encyclopedia of Literary and Cultural Theory (Hoboken, NJ: Wiley Blackwell Publishing, 2011), pp. 1292-1293.

وفي رأي بوتنام، مثّلت إيطاليا دراسة حالة لثقافة سياسية منقسمة تتطابق فيها التقسيمات الثقافية مع التقسيمات الجغرافية. ففي الشمال، يسود المجتمع المدني نتيجة الثقافة المدنية والتشاركية 62. وفي الجنوب، تقل القيم المدنية لصالح الولاءات المحلية والعائلية. وثمة أمر آخر يلفت الانتباه في دراسة بوتنام، فهو لم يعتبر رأس المال الاجتماعي متغرّي ا مستقًّل ايؤثر في الثقافة السياسية فحسب، بل جادل بأن الثقافة السياسية تشمل المعتقدات والمواقف التي ليس لديها محتوى أو توجه سياسي صريح؛ فيمكن التعبير عن الثقافة السياسية من خلال أنماط العلاقة داخل الأسرة والكنيسة والمجتمعات المحلية المصغرة. ويشكّل هذا نقطة تلاٍقٍ مع بورديو في التركيز على عوامل غير سياسية تؤثّر في توجهات الأفراد نحو الدولة ومؤسساتها. يرى بورديو أن رأس المال الاجتماعي ينتج من الشبكات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تخلق قوة ومكانة تفاضلية لأفراد معيّنين. وتخلق المكانة قيمًامفروغًا منها، مثل الأعراف الاجتماعية التي تميز المجتمع أو الفئة من غيرها. لذلك، لا يتعلق رأس المال الاجتماعي بوجود شبكة اجتماعية كبيرة بقدر ما يتعلق بالمكانة الاجتماعية التي تمكّن من استفادة الفرد من الشبكة الاجتماعية  63. ولكن بورديو يختلف مع بوتنام في اعتماد التقسيمات الجغرافية في التحليل؛ فبورديو يميل إلى التقسيم المعتمد على الحقل، وهو عابر للطبقات والجغرافيا، إذ إن التقسيم الجغرافي يفترض التماثل بين الأفراد في أماكن التقسيم من دون اعتبار للطبقات الاقتصادية والأيديولوجيا والحركات الاجتماعية التي يُفترض أنّها لا تنقسم في الُقُطر الواحد. واهتمت بعض أبحاث الثقافة السياسية بالأنماط العامة للتطور التاريخي، ففي دراسة حول دور الثقافة السياسية في تأسيس نظام ديمقراطي ليبرالي بعد سنوات من الحروب والحكم الشيوعي في ألبانيا، ترى جونيدا محمداج أن المؤسسات لا يمكنها وحدها التغلب على القيود الموروثة التي يفرضها التاريخ على نجاح المؤسسات في فرض قيم الديمقراطية. فهناك علاقة سببية وسيطة بين الرأي العام ومؤسسات الدولة وهي سيادة القانون والمساواة في تطبيقه. وبناء عليه، فإن الثقافة السياسية تتأثر، مثلًا، بأداء الجهاز القضائي وفاعليته في المساءلة القانونية  64.

4. الفاعلون: النخب والحركات الاجتماعية

تضيف المقاربة القائمة على أدوار الفاعلين قيمًاتفسيرية إضافية إلى جانب الثقافة السياسية، وُتُضفي أهمية على التمييز بين قيم الجماهير من جهة وقيم النخب أو الحركات الاجتماعية من جهة أخرى؛ فما تتمتع به النخبة أو الحركة الاجتماعية من سلطة يمكّنها من التأثير في تحول مؤسسات الدولة نحو ترسيخ شكل معّي نمن الحكم أو تغييره  65. وقد أدخل بورديو الفاعلية Agency (أي، قدرة الفاعلين على الفعل) في التحليل الثقافي لفتح مساحة للتغيير في المجتمع من خلال تخصيص دور نشط للفاعلين في مواجهة الشروط الاجتماعية الموضوعية والبنى. وهذه نقطة التقاء مع ما تركّز عليه المقاربات المختلطة للثقافة السياسية. وفي دراسة مقارنة حول تأثير الثقافة السياسية في الديمقراطية في كولومبيا وفنزويلا، يجادل خوان بينافيدس بأنّه من الممكن التعامل مع مقاربَتَي الثقافة السياسية والمقاربة المؤسسية بوصفهما إطارين مكمّلين لبعضهما، لا بوصفهما مقاربتين متباينتين. وقدّم عاملًاسببيًا آخر، هو الثقافة السياسية للنخبة السياسية. وافترض أنه يمكن تفسير التحول الديمقراطي في أميركا اللاتينية المعاصرة من خلال التحولات في الثقافة السياسية للنخبة، التي قد تؤثّر في تشكيل بنى المؤسسات السياسية الرئيسة ووظائفها  66، وذلك بدلًامن التركيز على مواقف الجمهور الذي قد يكون أشد اهتمامًا بتلبية الاحتياجات الأساسية أكثر من اهتمامه بشكل النظام السياسي  67، وخاصة بعد الحروب أو بعد حكم شمولي امتد فترة طويلة تجعله أقرب إلى إعطاء الأولوية لقضايا الأمن والمعيشة. لااا تركز نظرية الثقافة السياسية كثيرًا على دور الموارد في تعزيز القيم المراد انتشارها، مثل الديمقراطية وغيرها، سواء الموارد المادية أو غير المادية، في حين أن الموارد والتعبئة من الاستراتيجيات المهمة التي تتبعها الحركات الاجتماعية من أجل تعزيز نفوذها والقيم التي تؤمن

  1. يقدم بوتنام مجموعة أمثلة على سمات رأس المال الاجتماعي، مثل التعاون والإقراض والجمعيات غير الرسمية التعاونية والثقة بين الأفراد.
  2. Bourdieu, "The Forms of Capital," pp. 248-249.
  3. Jonida Mehmetaj, "The Impact of The Political Culture in Political System and Rule of Law: Albania Case," European Scientific Journal , vol. 1
  4. Benjamin G. Bishin, Robert R. Barr & Matthew J. Lebo, "The Impact of Economic Versus Institutional Factors in Elite Evaluations of Presidential Progress toward Democracy in Latin America," Comparative Political Studies , vol. 39, no. 10 (2006), p. 1197.
  5. Juan Benavides, "The Impact of Elite Political Culture and Political Institutions on Democratic Consolidation in Latin America: A Comparative Study of Colombia and Venezuela," Paper Presented at the 7 th Latin American Congress of Political Sciences, Bogotá (October 2013), accessed on 11/1/2024, at: https://acr.ps/1L9zOjQ 67  Ibid.
  6. (2014), pp. 483-490.

بها وتسعى إلى نشرها. وقد اهتمت دراسات الحركات الاجتماعية 68 بهذا الجانب. ولا تأخد نظرية الثقافة السياسية في الحسبان أيضًا آليات عمل الحركات السياسية والاجتماعية، سواء في منافسة النظام السياسي، أو في منافسة بعضها بعضًا في السيطرة على المجالات المتنوعة في المجتمع، كالبنى المؤسسية والأيديولوجيا والأفكار. يتقاطع بورديو مع دراسات الحركات الاجتماعية من الناحية النظرية، وذلك بتعريف الحقل أو المجال الذي تنشط فيه ومن خلاله الحركات الاجتماعية، وديناميات ارتباطها بعضها ببعض أو بفئات معيّنة من المجتمع، فضلًاعن تركيزه على دور الموارد في الاحتجاج، والتي عّب رعنها برأس المال بأنواعه المختلفة. فدراسات الحركات الاجتماعية ركّزت على المعاني والشعارات والرموز التي تتبناها في سياق تحقيق أهدافها في تغيير النظام الرمزي للمجتمع، باعتبارها تعّب رعن طبيعة العلاقة الاجتماعية. ويختلف بورديو مع دراسات النخبة والحركات الاجتماعية في بعض القضايا؛ فعلى الرغم من افتراض أن شرعية النظام الاجتماعي ومواقفه يجري التعرف إليها من خلال أنشطة الفاعلين وممارساتهم الخطابية، فإن احتكارهم للتمثيل ورأس المال الرمزي سيفضى إلى التعسف بحسب ما يرى بورديو. وفي بعض الأنظمة الاجتماعية، تحوّل احتكار رأس المال الرمزي إلى ما سماه العنف الرمزي، لأن الفاعلين الاجتماعيين قد ينظرون إلى الجوانب التعسفية المتعلقة بالسلطة في العالم الاجتماعي على أنها شرعية، لأنهم غير قادرين على التفكير بطريقة أخرى  69. وهذا يفسرر دور الهابيتوس ورأس المال في تحديد شكل الاحتجاج لدى الحركات الاجتماعية. وقد طوّر بورديو مفهوم الهابيتوس لدمج الهياكل الموضوعية للمجتمع والدور الذاتي للفاعلين فيه. وهذه نقطة اختلاف مع نظرية الثقافة السياسية التي افترضت الدور الاحتكاري للمؤسسات في تغيير قيم المجتمع. إضافة إلى أن ممارسات المؤسسات في هذه اللحظة تكون أقرب إلى الهيمنة الرمزية، في حين اعتبر بورديو أن الهابيتوس قد يكون عاملًامقاومًا لهذه الهيمنة، حتى لو كانت القيم التي تسعى لتطبيقها هي القيم المدنية  70. و من المحاور المركزية التي تشكّل علامة فارقة في المقارنة بين نظرية بورديو الاجتماعية ونظرية الثقافة السياسية الطبقُةُ. فقصور نظرية الثقافة السياسية في تفسير السلوك السياسي للطبقات دفعها نحو دراسة الثقافة السياسية للنخب؛ فالطبقة بالنسبة إلى بورديو ليست اقتصادية فحسب، بل هي متعددة الأبعاد 71، وتساعد في تحديد الوصول إلى أشكال معيّنة من الاحتجاجات والتعبيرات السياسية  72. فهو يرى أن الحركات الاجتماعية تتشارك مع الطبقة في بناء المعنى وأشكال رأس المال المختلفة، وفي التعبيرات السياسية والقيم والمعتقدات والأنشطة الاحتجاجية  73، إضافة إلى الموارد التي تُعدّ أمرًا أساسيًا للحركات الاجتماعية لتنظيم الاحتجاجات السياسية والاجتماعية، وتميل الطبقة أيضًا إلى تحديد الوصول إلى أشكال معيّنة من الاحتجاجات  74. ويتقاطع أيضًا مفهوم الحقل لدى بورديو مع الطبقة في العديد من الجوانب، فهو يرى أن الطبقة يمكن أن تمتلك أنواعًا مختلفة من رأس المال، مثل الاقتصادي والثقافي؛ فتفاوت امتلاك رأس المال بين الطبقات وقدرة تحويل رأس المال من شكل إلى آخر، يؤديان إلى تفاوت في الأدوار الاجتماعية والمكانة والهيمنة. وسيحدد هذا التفاوت الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، الفعليين أو المحتملين 75. فمثلًا، ما يزيد مكانة الطبقة الوسطى هو مدى قدرتها على تحويل أشكال رأس المال (الاقتصادي مثلًا) إلى أشكال أخرى من رأس المال (مثل تعليم الأبناء بوصفه أحد تمثلات رأس المال الثقافي) 76.

ثالثًا: جدلية الثقافة السياسية والنظرية الاجتماعية لبورديو في السياق الفلسطيني

1. الثقافة السياسية الفلسطينية: مدخل نقدي

هناك مجموعة من الأدبيات التي تطرقت إلى دراسة الثقافة السياسية في السياق الفلسطيني، أبرزها دراسة "الثقافة السياسية في فلسطين" 77 لمحمود ميعاري، الذي سعى من خلال استطلاعات

  1. ينظر مثل:ا Charles Tilly, From Mobilization to Revolution (Reading, MA: Addison- Wesley,1978); David S. Meyer, Nancy Whittier & Belinda Robnett, Social
  2. Bourdieu, Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste ,
  3. 77 محمود ميعاري، الثقافة السياسية في فلسطين (رام الله: جامعة بيرزيت،.)2003
  4. Movements: Identity, Culture, and the State (Oxford: Oxford University Press, 2002); Doug McAdam, "Conceptual Origins, Current Problems,
  5. Future Directions," in: Doug McAdam, John D. McCarthy & Mayer N. Zald (eds.), Comparative Perspectives on Social Movements: Political Opportunities, Mobilizing Structures, and Cultural Framings (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), pp. 23-40.
  6. Ibid., p. 19.
  7. Ibid., p. 49.
  8. Ibid.
  9. Ibid., p. 12. p. 454.
  10. 70  Karl Maton, "Habitus," in: Grenfell (ed.), p. 48. 71  Pierre Bourdieu, "The Social Space and the Genesis of the Group," Theory and Society , vol. 14, no. 6 (1985), p. 724. 72  Hanna-Mari Husu, Social movements and Bourdieu , p. 13.

الرأي لقياس توجهات الجمهور الفلسطيني نحو المشاركة السياسية وتقييمهم الأداء السياسي. في حين اعتبر باسم الزبيدي أن هناك مجموعة من الأنساق والعوامل المتراكمة التي دفعت بتطور الثقافة الفلسطينية في اتجاه مشوش وبعيد عن القيم الديمقراطية  78، وهذا ما توافقه فيه نادية أبو زاهر حيث اعتبرت أن هناك تأثيرًا لرأس المال الاجتماعي الخاص بالنخبة الفلسطينية والمجتمع المدني في الامتيازات التي تحصلت عليها تلك النخبة، وتجادل بأنه من المهم فهم هذه الامتيازات لتفسير التحولات السياسية أو الاجتماعية  79. اعتمد العديد من أبحاث الثقافة السياسية في السياق الفلسطيني تعريفات محددة للثقافة السياسية، وتحديدًا تعريفات فيربا وألموند، التي على أساسها جرى تصميم الأبحاث وتحديد متغيراتها المستقلة والتابعة. لكن هذه الأدبيات، في عمومها، تطرح عدة إشكاليات؛ الأولى اختزال الثقافة السياسية في التعريفات المتعلقة بالقيم الديمقراطية والمدنية وتوجهات الجمهور أو النخب تجاه النظام السياسي، واعتبار أن هذه القيم قابلة للتطبيق على المجتمع الفلسطيني وهو تحت الاحتلال، الذي لم تَُتَح له فرصة لبناء مؤسساته على نحو ناجز. والثانية أن طريقة جمع البيانات التي تعتمدها أغلب الدراسات تسمح بإجراء تحليل بسيط نسبيًا للمواقف الفردية، ولا تسمح بتحليل ما نتج من قيم بسبب التحولات في البنى الهيكلية للمؤسسات والمجتمع الفلسطيني، والتوجهات المكتسبة نتيجة علاقات الهيمنة والسيطرة والموروث التاريخي. والثالثة أنه لم يجر النقاش بشأن سؤال: إلى أيّ مدى قد يكون للحالة الفلسطينية خصوصيتها؟ ما يعيد الاعتبار المناسب لقيم الديمقراطية، وفي الوقت نفسه لا يعزلها عن القيم الأهم بالنسبة إلى المجتمع الفلسطيني، وهي التحرر الوطني، وما يتبع ذلك من قيم كالكفاح والنضال. الرابعة هي تشكّل الطبقة علامةً فارقةً في المقارنة بين نظرية بورديو الاجتماعية ونظرية الثقافة السياسية. وهناك قصور في أدبيات الثقافة السياسية الفلسطينية في تفسير دور الطبقات الاجتماعية في التنشئة السياسية. استقر النظام الفصائلي والحزبي في فلسطين منذ 30 عامًا على وجود فصيلين متنافسين بنهجين سياسيين مختلفين، هما حركتا فتح وحماس، ولم تستطع أحزاب أخرى أن توازي حضورهما وتأثيرهما، سواء في المعارضة أو من خلال تشكيل الائتلافات أو الدفع بمسارات أخرى. ومن أبرز المؤسسات التي استقرت لدى الفلسطينيين: منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية بهيئاتهما المختلفة. وفي ظل شلل هاتين المؤسستين اللتين من خلالهما يمكن التعبير عن البرامج السياسية أو تشكيل الائتلافات، والسعي للحصول على أصوات الناخبين لزيادة التمثيل، بات الحشد والتعبئة يجريان من خارج المؤسستين المذكورتين اللتين من المفترض أن تخضعا لقوانين وأنظمة  80.

يصعب، في الحالة الفلسطينية، استخدام الأطر النظرية التي اعتمدت البنى المؤسسية (مثل الثقافة السياسية لدى ألموند وفيربا)، وذلك لافتقار المؤسسات الفلسطينية إلى العديد من المعايير، وأبرزها عدم إدارتها نطاقًا جغرافيًا وديموغرافيًا محددًا. وقد شهدت الحالة الفلسطينية، خاصة بعد الانقسام الفلسطيني عام 2007، إعادة تشكيل للمؤسسات الفلسطينية، ضمن الخصائص التالية: تنشأ الثقافة السياسية ضمن أطر بنيوية، لها آليات تشغيل للقيم والأفكار التي يتأثر بها الأفراد والجماعات، ومن ثم تنعكس على توجهاتهم وأفكارهم وسلوكهم. أما في الحالة الفلسطينية، فلا توجد بنى راسخة تنشأ من خلالها الأفكار والقيم، فهناك سيولة في العلاقة بين الفصائل والمؤسسات، وهذه السيولة انسحبت على مستويات مختلفة تتماهى فيها الحدود بين الحزب والمؤسسة، والعشيرة والقضاء، والأيديولوجيا والإعلام، وغير ذلك. وهذا ما يبرر استخدام "الحقل" آليةً للتحليل. على افتراض أن الثقافة السياسية للنخبة قد تؤثّر في تشكيل بنى المؤسسات السياسية الرئيسة ووظائفها، فإنّ مفهوم النخبة

  1. باسم الزبيدي، الثقافة السياسية الفلسطينية (رام الله: معهد مواطن للديمقراطية، وحقوق الإنسان، 2003 ص.88-85)
  2. نادية أبو زاهر، دور النخبة السياسية الفلسطينية في كتوين رأس المال الاجتماعي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2013
  3. حسن عبيد، "تمهيد: الفواعل السياسية والمؤسسات الفلسطينية، نماذج من التحولات في المجتمع الفلسطيني بعد أوسلو"، في: دراسات في تحّولّات المجتمع الفلسطيني ما بعد أوسلو: الفواعل والمؤسسات الفلسطينية، أحمد عطاونة وحسن عبيد (محرران) (إسطنبول: مركز الشرق للأبحاث الاستراتيجية؛ مركز رؤية للتنمية السياسية،.)2023

الفلسطينية ظل جدليًا غير قابل للتحديد، إذ توجد قطاعات نخبوية كبيرة، مثل النخب المرتبطة بالفصائل، أو السلطة، أو المجتمع المدني أو المثقفين أو العشائر، أو غير ذلك. للموارد دور مهم في تعزيز القيم المراد انتشارها مثل الديمقراطية وغيرها، سواء الموارد المادية أو غير المادية، وهي من الأدوات المهمة التي تعتمد عليها الفصائل الفلسطينية من أجل استمراريتها وتعزيز نفوذها ونشر القيم التي تؤمن بها. وللموارد أيضًا تأثير مهم في التعبئة لدى الحركات الاحتجاجية والمطلبية والآليات التي يعتمدها الفاعلون والناشطون في صياغة المشاكل الاجتماعية والسياسية وتحليلها وحلّها، أو كيفيّة خلق الفاعلين شعورًا جماعيًا بخصائصهم المشتركة ومكانتهم. وهذا يتقاطع إلى حد بعيد مع ما ناقشه بورديو بشأن أشكال رأس المال الذي تمتلكه كل مجموعة أو فئة، وتأثير ذلك في مكانتها ودورها في المجتمع والحكم. هناك تحولات مهمة في البنى الاجتماعية الفلسطينية، وأبرزها الطبقات، وخاصة بعد نشوء السلطة الفلسطينية عام 1994؛ فقد جرت إعادة توزيع رأس المال بأشكاله المختلفة بين هذه الطبقات، وهذا أثّر في الهابيتوس أو الاستعدادات المعرفية المكتسبة للطبقات والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني والفاعلين.

2. الحقل ورأس المال في السياق الفلسطيني

بناءً على ما تطرق إليه البحث من تعريف بورديو للحقل  81، يرتكز التعريف على العلاقة بين الفاعلين؛ فالحقل يمثل مساحات تنظّم أنواعًا معيّنة من رأس المال  82، ويمثل مساحات مستقلة لأدوار الفاعلين وللتفاعل الاجتماعي، وهو ميدان التنافس على التمثيل والمكانة من خلال التنافس على تحصيل أكبر قدر ممكن من أنواع رأس المال  83. واعتمادًا على نظرية رأس المال الاجتماعي لدى بورديو، فإن فهم ديناميات التنافس بين الفاعلين يتطلب فهم عمل رأس المال وتحولاته إلى أشكال مختلفة. ومن الأنواع المركزية التي يتطلب فحصها في هذا الإطار رأس المال الرمزي، الذي يتضمن الشرعية والاعتراف والسلطة التي يمكن منحها للفاعلين. تتنافس حركتا فتح وحماس في الحصول على أشكال رأس المال في إطار سعي كل منهما لزيادة مصادر قوتها في المجتمع الفلسطيني. فعلى صعيد حركة فتح، هناك تحولات على أشكال استحواذها على رأس المال بعد الانقسام (بوصفها مرحلة تمثّل امتدادًا لما بعد توقيع إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي أو اتفاق أوسلو.) وتبنّت قبله الكفاح المسلح، وكانت متحررة من قيود الأيديولوجيا الصلبة وتصوراتها، كما عند الإسلاميين واليساريين 84، واعتمدت الهوية الفلسطينية هويةً تمثيليةً لها. وقد شكّل هذا كله رأس مالها الرمزي، فاستطاعت الاستفادة منه في تعزيز شرعيتها وتمثيلها للمجتمع الفلسطيني. لكن بعد اتفاق أوسلو وتراجعها عن الكفاح المسلح، وانخراطها في التنسيق الأمني، وتشوش رؤيتها للقدس واللاجئين، فقدت رأس المال الرمزي الذي كانت تتكئ عليه، وانعكس ذلك على تحوله إلى أشكال أخرى من رأس المال، وكذلك أثّر في اعتراف الجمهور أو إدراكه له  85؛ الأمر الذي انعكس على نحو ملموس على النتائج الانتخابية التي حصلت عليها في العديد من المواقع  86، وأبرزها الانتخابات التشريعية عام 2006. لكنها ظلت مستحوذة على أشكال أخرى من رأس المال التي صبّت في استمرار هيمنتها على مصادر قوى متنوعة في المجتمع الفلسطيني، أبرزها رأس المال الاقتصادي أو المالي، وما ينطوي تحته من مؤسسات وشبكات وعلاقات ومنح ومساعدات خارجية. وهذا ما عزز هيمنتها على السلطة الفلسطينية ومؤسساتها المتنوعة، وظلت محافظة على قدرتها التمثيلية للفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

  1. تطرق جميل هلال إلى مفهوم الحقل، ولكن ليس ضمن تأطير بورديو، بل بتعريف خاص للحالة الفلسطينية، حيث اعتبر الحقل السياسي هو ذلك الحيز الذي تُنشئه حركة التحرر الوطني في إطار سعيها لنيل دولة، ويشمل كل ما يحقق ذلك من مؤسسات وأحزاب
  2. Bourdieu, The Field of Cultural Production.
  3. Bourdieu & Wacquant, pp. 12-15.
  4. خالد الحروب، "تحولات فتح بعد أوسلو: استنزاف الرمزية التاريخية واهتراء العصا دراسات في تحّولّات المجتمع الفلسطيني ما بعد أوسلو، ص من الوسط"، في:.23-22 85 تطرق البحث إلى تحولات رأس المال وعلاقتها بالشرعية، للمزيد ينظر المبحث الأول من هذه الدراسة.
  5. ومرجعيات سياسية وقانونية. وميز بين الحقل السياسي والحقل الثقافي؛ فقد جادل بأنه في ضوء تفكك الحقل السياسي، ظلّ الحقل الثقافي يوفر للفلسطينيين مساحات أوسع من الحقل السياسي، للتعبير عن الذات والتضامن والتواصل بين أبناء المجتمع الفلسطيني في أماكن وجوده. ينظر: جميل هلال، تفكك الحقل الفلسطيني (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2016)؛ وقد استخدم أباهر السقا أيضًا مفهومي الحقل السياسي والأكاديمي. ينظر المفاهيم المستخدمة في كلا الحقلين، والتأثير المتبادل بينهما، في: أباهر السقا، "نحو عمران، مج إعادة التفكير في الأطر المفاهيمية لتحليل السياق الفلسطيني الاستعماري"، 10، العدد 10 2022()، ص.68-39
  6. خسررت حركة فتح بعد توقيع اتفاق أوسلو العديد من الجولات الانتخابية المحلية، فعلى سبيل المثال خسررت العديد من المجالس البلدية في الانتخابات التي جرت بين عامي 2005-2004 وفازت فيها حماس، وخسررت أيضًا انتخابات جامعة بيرزيت، وفازت فيها حماس، في الأعوام 1996، 1998، 1999، 2000، 2004، 2006، 2007، 2015، 2016، 2017، 2018، 2022، وخسررت كذلك انتخابات نقابة المهندسين عام 2021 وفاز فيها تحالف حماس والجبهة الشعبية، وخسررت أيضًا في انتخابات مجلس الطلبة في جامعة بيت لحم في آذار/ مارس 2022 وفازت فيها الجبهة الشعبية.

استنزف الانقسام الفلسطيني رأس المال الرمزي لحركة فتح؛ فحكم حماس لقطاع غزة، والأجهزة العسكرية والأمنية والبيروقراطية التي أنشأتها، وخلقها مسارًا برامجيًا مختلفًا عن مسار فتح، كل ذلك أسفر عن مزاحمتها إياها في تمثيل المجتمع الفلسطيني. وفوق ذلك ثمة تناقض في الثقافة السياسية لحركة فتح، فهي تتعامل مع مستويين في الخطاب: خطاب الدولة والشرعية الدولية، والسلام والتنسيق الأمني، وفي مستويات خطابية أخرى (وخاصة المتعلقة بالقيادات التنظيمية) يدرج الخطاب الذي يعيد الصراع إلى نقطته المركزية، ويذكّر بأمجاد كفاحها المسلح  87. وأصبح هذا التناقض حجر عثرة في التحولات بين أشكال رأس المال، ولم تستطع المؤسسات الثقافية التي تتحكم فيها فتح التأطير لبرامجها السياسية على نحو واضح. وفي إثر ذلك، اتبعت فتح استراتيجية لمنع أيّ تأثير في تركيبة المؤسسات الفلسطينية تخلّ بقدرتها التمثيلية ورأس مالها الرمزي، وخاصة بعد انتخابات 2006 التشريعية، وانقسام عام 2007، لحماية استفرادها بالقرار السياسي، والوقوف أمام أيّ تشكيلات تمثيلية أخرى؛ فحولت كل أشكال رأس المال إلى رأس مال عنفي. وبحسب بورديو، يعمل العنف الرمزي في الخفاء  88، وهو غير مرئي، ويعتبر أن فرض واقع معّين، وإعادة إنتاج الطبقات وعلاقات القوة من جيل إلى جيل، هما في حد ذاتهما ممارسة للسلطة والهيمنة  89. وهذا ما سينتج منه ما أطلق عليه  90 الإسكات المؤسسي الذي يجري من خلال التواطؤ البنيوي في إسكات قطاعات معيّنة من المجتمع، ويجري من خلاله تأطير الخطابات التي تعمل على بناء الواقع الاجتماعي، وتفرض عليه إقراره، والتعامل معه كأنه هو المتعارف عليه، والسائد، والمعتقد الراسخ أو ما سماه الدوكسا  Doxa 91. من الممكن اعتبار الانقسام الفلسطيني نموذجًا لعدم نجاح تحويل رأس المال الرمزي المتحصل من النجاح في انتخابات عام 2006 إلى السلطة بشكلها الكلاسيكي وبالطريقة الناعمة، حيث إنّه يُفترض أن يدير الفائز في الانتخابات دفة المؤسسات الفلسطينية، إلا أن استعصاء تحول رأس المال الرمزي إلى سلطة، على نحو سلمي وسلس، دفع إلى تحويله على نحو قسرري وعنيف. وهذا ما ينطبق عليه وصف بورديو حين يقول: "يضع الفاعلون رأس المال الرمزي الذي حصلوا عليه في النضالات السابقة موضع التنفيذ" 92. بعد الانقسام، شكّلت حماس رأس مال رمزيًا لها من خلال خطوتين: الأولى هي الاستفادة من فشل برنامج فتح السياسي، وما أسفرت عنه سياساتها من فساد وتفرّد بالسلطة، والاستمرار في نهج التنسيق الأمني؛ والثانية هي تبنّي الكفاح المسلح على نحو يماهي بين الخطاب والممارسة. ويكون رأس المال الرمزي في هذا الصدد هو الذي يجلب الشرعية للفاعلين الذين يسعون من خلاله للحصول على الاعتراف من المجتمع. ومن الأمثلة الدالّة على ذلك الاشتباك العسكري الذي أطلقت عليه حماس "معركة سيف القدس" في أيار/ مايو 2021، ولقيت مبادرتها العسكرية حينها تأييدًا واسعًا وعريضًا في أماكن وجود المجتمع الفلسطيني  93. وهذا الترصيد لرأس المال الرمزي لصالحها، قابله استنزاف لرأس المال الرمزي لفتح؛ نتيجة ضعفها أمام تغوّل الاحتلال في تلك الفترة.

تتشكل حدود الحقول في السياق الفلسطيني بناءً على امتلاك رأس المال بأشكاله المختلفة. وهذا ينفي تفسير الحقل بأنه متمثل في المؤسسات التي يستحوذ عليها الفاعلون، أو الحيز الجغرافي أو الديموغرافي الذي تسيطر عليه حركتا حماس وفتح، بل إنّ حدوده قبس ال مةرباع. دشحلل ةصرف يركسعلا اهءادأ سمحا بترعت، لاثًاامف

  1. ينظر: الموقع الإلكتروني ل: إعلام فتح، شوهد في 2024/1/11، في: https://acr.ps/1L9zOWZ
  2. Pierre Bourdieu, Masculine Domination , Richard Nice (trans.) (Cambridge: Polity Press, 2001), pp. 54-57.
  3. Lois McNay, "Gender, Habitus and the Field: Pierre Bourdieu and the Limits of Reflexivity," Theory, Culture and Society , vol. 16 (1999), p. 99.
  4. Gurminder K. Bhambra & Robbie Shilliam, Silencing Human Rights: Critical Engagements with a Contested Project (London: Palgrave MacMillan, 2009), p. 6.
  5. Cécile Deer, "Doxa," in: Grenfell (ed.), pp. 119-120.
  6. Bourdieu, "Social Space and Symbolic Power," p. 21.
  7. ينظر استطلاع الرأي الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في 4 تموز/ يوليو 2021، والذي أظهر ارتفاع شعبية حركة حماس ارتفاعًا ملحوظًا بعد معركة "سيف القدس" في أيار/ مايو 2021. ينظر: "نتائج استطلاع الرأي العام رقم 80(")، وحدة البحوث المسحية، المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2021/7/4، شوهد في 2024/1/5، في https://bit.ly/4dsbANu:

والتعبئة داخل قطاع غزة وخارجه. وُيُعتبر الحقل مجال التنافس بين الفاعلين للحصول على رأس المال من أجل الحصول على التمثيل والقوة. ويصُعُب تحديد حدود الحقل بين الفاعلين، ولكن من الممكن تحديد أشكال رأس المال والمكونات المشكّلة للحقل لكلتا الحركتين؛ ففتح تسيطر على المؤسسات البيروقراطية والمالية والأمنية، وعلى كل المؤسسات التي تعزز قدرتها التمثيلية للمجتمع الفلسطيني مثل منظمة التحرير والسفارات والوزارات وغيرها، وتأثيرها في الفلسطينيين في أماكن وجودهم، إضافة إلى الاعتراف الدولي بها، وهذا كله يؤهلها للحصول على شرعية الأمر الواقع. فمثلًا، تمثّل السفارات الفلسطينيين كافّة في الشتات، وتستفيد قطاعات واسعة من الفلسطينيين من الدعم المالي الدولي للسلطة، حتى داخل قطاع غزة  94. في مقابل ذلك، أبرز مكونات الحقل الذي سيطرت عليه حماس بعد الانقسام هو الجهاز البيروقراطي والعسكري والأمني في قطاع غزة؛ فأمام إغلاق فتح الباب أمامها لمشاركتها في منظمة التحرير والسلطة، سعت حماس للحصول على التأثير من خلال إخراج قطاع غزة من هيمنة فتح وسلطتها قدر المستطاع، فضلًاعن منافستها إياها في التمثيل من خلال المشاركة في الانتخابات المحلية في الجامعات والبلديات في الضفة الغربية. وفي الوقت نفسه، منعت حماس انعقاد الانتخابات المحلية في قطاع غزة، لمنع هيمنة فتح على أيّ مجال محلي فيه. واتجهت إلى تشكيل ودعم أجسام تنافس منظمة التحرير في التمثيل  95. في المقابل، تعثرت حماس في تحويل رأس المال بأشكاله المختلفة إلى رأس مال اقتصادي، يساعدها في توفير الموارد الكافية لقدرتها التنافسية مع فتح، وانعكس هذا أيضًا على الأوضاع المعيشية لسكان القطاع، كزيادة نسبة الفقر والبطالة، ومثّلت الأوضاع الاقتصادية تحديًا إداريًا لحماس. 3. الاستعدادات الفردية وممارسات الفاعلين بعد الانقسام، نُظمت في الضفة الغربية وقطاع غزة العديد من الاحتجاجات، وهي احتجاجات ذات مطالب سياسية، وأخرى تتعلق بتحسين المعيشة والخدمات؛ فقد نظمت حماس احتجاجات ضد فتح في الضفة الغربية  96، ونظمت فتح في المقابل احتجاجات ضد حماس في قطاع غزة  97. إلا أنّ احتجاجاتهما لم تحقق الزخم والأهداف المرجوّة، ولم تحَظَ بتأييد قطاعات أوسع من المجتمع الفلسطيني مقارنةً بالاحتجاجات التي نظمتها حركات اجتماعية أخرى لا تشكّل جزءًا من الانقسام؛ ما يجعل حركات الاحتجاج التي نظمتها حماس في الضفة أو التي نظمتها فتح في غزة تفتقر إلى الإجماع مجتمعيًا، ولو نسبيًا؛ وذلك لأن فئات المجتمع الأخرى لديها وعي باللعبة 98، باعتبار أن احتجاجات الفصيلين ضد بعضهما مُصرّح بها وبهدفها، ولا تقع في نطاق المألوف لدى المجتمع الفلسطيني. فأشكال التعسف الاجتماعي، واحتكار رأس المال بعد الانقسام لدى الفصيلين، جعلا تقييم أنشطتهما الموجهة ضد بعضهما سلبيًا. وفي سياق الاحتجاجات المطلبية، نجحت حركات اجتماعية عديدة من خارج طرَف ي الانقسام في تحديد معايير الأشكال المشروعة للاحتجاج السياسي والاجتماعي؛ فالمواقف الاجتماعية القائمة على مقدار رأس المال الثقافي، وتكوينه، والكفاءة، تؤثّر في كيفية تنفيذ الاحتجاج الاجتماعي. وفي الحالة الفلسطينية، يمكن أن يكون للطبقة تأثيٌرٌ في الحركات الاحتجاجية إذا كان أعضاء الحركات الاحتجاجية غير خاضعين للهيمنة من جميع النواحي. ففي الاحتجاجات المطلبية في الضفة الغربية، كانت حماس بعيدة وذات تأثير محدود فيها، في حين أن التيار اليساري والنقابي هو الذي انخرط فيها، ليس لأن حماس لا تمتلك الموارد الكافية، أو بسبب التقييدات الأمنية، ولا لأن اليسار والنقابيين يمتلكون هذه الموارد، بل لأن لدى عناصر اليسار والتنظيمات النقابية رأس المال الثقافي الذي يمكّنهم من ذلك؛ بما في ذلك الهابيتوس الذي يؤثّر في قدرتهم على تقديم الإشكاليات الاجتماعية والمعيشية في الحياة اليومية بصورة واضحة ومؤثرة. بتعبير آخر، لدى عناصر اليسار والتنظيمات النقابية خلفيات اجتماعية مميزة نسبيًا، ومقدار كبير من رأس المال الثقافي، يجعلهم

  1. خصصت قرارات عديدة لمجلس الوزراء الفلسطيني جزءًا من الموازنة العامة لقطاع غزة، للاطلاع على آخرها، ينظر: "موازنة المواطن للعام 2023"، وزارة المالية، شوهد في 2024/1/5، في https://bit.ly/3AJA1bj:
  2. جبهة عريضة للإنقاذ الوطني.. ضرورة التشكيل وقابلية التحقيق"، رأي الخبرراء، مركز
  3. هناك العديد من الاحتجاجات التي دعت إليها حركت حماس لأسباب مختلفة، وقوبلت في كثير من الأحيان بالقمع. للمزيد ينظر: "الأجهزة الأمنية تقمع مسيرة تضامن وكالة الصحافة الوطنية مع الأقصى وجنين ل 'حماس' في الخليل"،، 2022/10/14، شوهد في 2024/1/15، في: https://acr.ps/1L9zOXi؛ "بالفيديو والصور.. الأجهزة الأمنية تقمع وكالة وطن للأنباء وتعتدي على مسيرة لحركة حماس في الخليل"،، 2018/12/14، شوهد في 2023/4/20، في https://acr.ps/1L9zON3:
  4. من أبرز الاحتجاجات التي حصلت على دعم حركة فتح وتأييدها، الاحتجاج الذي اُطلق عليه "بدنا نعيش" الرافض "للغلاء والتدهور الاقتصادي في قطاع غزة." وقد رأت حماس أنه "فلتان منظم ترعاه الأجهزة الأمنية في رام الله"، للمزيد ينظر: عماد أبو الروس، "تصاعد للتوتر بعد قمع شرطة غزة لمظاهرات 'بدنا نعيش"'، عربي 21، 2019/3/16، شوهد في 2024/1/15، في: https://acr.ps/1L9zOBp؛ '"حماس' تصدر بيانًا تفصيليًا حول تظاهرات 'بدنا نعيش' بغزة"، عربي 21، 2019/3/19، شوهد في 2024/1/15، فh يttps://acr.ps/1L9zOlO:.Bourdieu, The Logic of Practice , p. 66: للمزيد حول هذا المفهوم ينظر 98
  5. رؤية للتنمية السياسية، 2022/4/24، شوهد في 2024/1/15، في: https://bit.ly/3YwVJco

منتجين للمعاني ذات الصلة. إضافةً إلى ذلك، فإن مواقف اليسار لديها تكوين مستمد من الموقف الطبقي، الذي يؤثّر في كيفية فهم المشاكل الاجتماعية والتعبير عنها. وقد نجحت العديد من الاحتجاجات المطلبية في الضفة الغربية في تحقيق أهدافها  99. لكن في سياق ممارسات الفاعلين الفلسطينيين تجاه الاحتلال، فإن المألوف لدى فئات المجتمع هو ممارسات حماس الكفاحية، وهذا متعارف عليه، ويقع في إطار المألوف، ويحظى بالتأييد المجتمعي. في سياقات أخرى، تراجعت الاحتجاجات الشعبية تجاه بعض ممارسات الاحتلال، على خلاف ما كان قبل الانقسام؛ فقبله أشعل الفلسطينيون على نحو جمعي مجموعة من الاحتجاجات والانتفاضات، مثل الانتفاضة الأولى عام 1987، وهبّة النفق 1996، والانتفاضة الثانية عام 2000، إلا أن هذا الفعل الاحتجاجي تراجع بعد الانقسام. فمثلًالم ينتفض الفلسطينيون ضد ما سمي "صفقة القرن" التي أعلن عنها الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب عام 2020، وهذا ربما يفَّس رمن خلال تأثير الحقل ورأس المال في الاستعدادات الفردية للاحتجاج. فاحتكار بعض الفاعلين رأس المال بأشكاله المختلفة فترةً من الزمن، يفقد الأفراد تجربة شرعية النظام الاجتماعي وشعورهم بالمكان فيه. وعندما يحدث هذا، قد يكون للعواطف والمشاعر القدرة على تقويض عمل الترتيبات السابقة القائمة وتعطيلها، بدلًامن تعزيزها؛ فالترتيبات السابقة في الحالة الفلسطينية تتعلق بوجود هبّة جماعية أو انتفاضة أمام كل حدث جسيم، إلا أنه بعد الانقسام اختلف هذا الأمر، وهذه الحالة سماها بورديو "التباطؤ" 100. في حالة التباطؤ  101، قد يفقد الأفراد انتماءهم إلى النظام الاجتماعي وشعورهم بالمكان فيه، أي هو عملية تنفصل فيها مشاعر الأفراد عما هو سائد Doxa. فتساعد الدوكسا على تحديد الحدود الاجتماعية من خلال التعرف إلى إحساس الفرد بالانتماء إلى النظام الاجتماعي  102. ويدفع تشتت البرنامج الوطني وعدم وضوحه أفراد المجتمع إلى إعادة التموقع ليس في النظام الاجتماعي فحسب، ولكن أيضًا تجاه ممارسات الفاعلين، حتى النضالية منها. وفي سياق آخر، يمارس المجتمع الفلسطيني ممارسات نضالية نابعة من رغبته الخاصة بعيدًا عن دعوات الفصائل، ومن أمثلة هذه الممارسات النضالية ضمن النطاق الضيّق ما يجري في كل من القدس وكفر قدوم وبيتا، وغيرها من نقاط الاشتباك.

رابعًا: دروس من حرب 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023103

بعد العملية التي نفذها الجناح العسكري لحركة حماس في، التي أ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 طلق عليها اسم "طوفان الأقصى"، شنّ الاحتلال الإسرائيلي حرب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة  104، وصعّد من ممارسات العنف والإغلاق والتضييق على الفلسطينيين في الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948، فقتل واعتقل مئات الفلسطينيين في الضفة، وصادر مئات الدونمات فيها، وسرّع من عمليات الاستيطان، وأطلق العنان للمستوطنين لممارسة الإرهاب ضد الفلسطينيين، وأخضع الأسرى الفلسطينيين لممارسات تعذيب وقمع لم تشهدها السجون الإسرائيلية سابقًا، قُتل تحت وطأتها عشرات منهم، وأيضًا أرهب الفلسطينيين في مناطق ال 48 ومنعهم من التعبير عن رأيهم أو تضامنهم مع الفلسطينيين في قطاع غزة. ما سبق يجعل مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر مرحلة تاريخية مفصلية فيما يتعلق بحرية الفلسطينيين ونيل استقلالهم وتقرير مصيرهم، وهي مرحلة تتعلق بمستقبل وجودهم. وعلى الرغم من كل ذلك، فإن هذا لم يؤِّدِ إلى تقارٍبٍ بين حركتي حماس وفتح فحسب، بل لم تتقاطع مساحات رأس المال لكل منهما، كما كان في الانتفاضة الثانية. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإنّ ما قام به الاحتلال الإسرائيلي من تدمير للمؤسسات في قطاع غزة من جهة، وافتقاد السلطة الفلسطينية لسيادتها على الأرض من جهة أخرى،

  1. من أبرز هذه الاحتجاجات: الحراك الرافض لقانون الضمان الاجتماعي في عام 2019، وحراك نقابة المحامين في عام 2022، وحراك المعلمين في عام 2022، والحراك الطلابي في جامعة النجاح في عام.2022
  2. Cheryl Hardy, "Hysteresis," in: Grenfell (ed.), pp. 131-148.
  3. ويرى بورديو أن التباطؤ يحدد الاستعدادات الفردية والجماعية في التفاعل مع الحقل والانسجام معه.
  4. Pierre Bourdieu, Outline of a Theory of Practice , Richard Nice (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1977), pp. 159-161.
  5. 103ُأ عدت هذه الدراسة قبل أشهر من عملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، التي نفذتها المقاومة الفلسطينية وأتبعتها حرب عدوان وإبادة غاشمة شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة. وقد أضَفَت هذه الحرب المزيد من الصدقية على هذا النوع من الأطروحات، ولذلك ارتأينا إضافة هذا المبحث.
  6. أخذ مفهوم حرب الإبادة الجماعية زخمًاكبيرًا في خطابات المناهضين للاحتلال الإسرائيلي بعد القضية التي رفعتها دولة جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدولية، واتهمت فيها الاحتلال الإسرائيلي بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وتبنت المحكمة "تدابير مؤقتة"، أي أوامر ملِزِمة، تشمل مطالبة الاحتلال الإسرائيلي بمنع الإبادة الجماعية في حق الفلسطينيين في قطاع غزة، وضمان توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية، ومنع التحريض على ارتكاب الإبادة الجماعية والمعاقبة عليه. للمزيد حول هذه التدابير ينظر: " Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip (South Africa v. Israel)," International Court of Justice, 29/12/2023, p. 72, accessed on 30/12/2023, at: https://bit.ly/4d19R1T

يسبغ أهمية على مفهوم "الحقل" لتفسير سلوك الحركتين، بديلًامن مفهوم المؤسسات في أدبيات الثقافة السياسية، وذلك بسبب الانهيار أو التراجع في أدوار المؤسسات في الضفة وغزة نتيجة الحرب. والحقل بحسب بورديو  105 يشكّل أيضا الشبكات الاجتماعية التي يعمل فيها الهابيتوس؛ أي التي يعمل فيها الفاعلون المتقاربون موضوعيًا في الأفكار والتوجهات (أو في الثقافة السياسية.) فالحرب الطاحنة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر لم تغّي رمن خصائص الهابيتوس لدى حركة فتح  106، على غرار ما حدث في الانتفاضة الثانية، في ظّل تبنّي قيادتها خيار المفاوضات وعملية السلام، إلا أن قطاعات كبيرة فيها غيرت من أفكارها وتوجهاتها نحو آلية التعامل مع الاحتلال، من المفاوضات إلى الكفاح المسلح، ودخلت في مواجهات مباشرة معه  107، وأسست جناحًا عسكريًا سمته كتائب شهداء الأقصى، في حين لم نشهد هذا التوجه لديها أو قطاعات منها بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، فظلت ملتزمة بخيار التنسيق الأمني 108. سعت فتح أيضًا لجلب أكبر قدر من أشكال رأس المال الذي يعطي الأولوية لممارسة دور السلطة على حساب دور حركة التحرر. وبما أن السلطة الفلسطينية منقوصة الحكم الذاتي على الأراضي الفلسطينية، فقد مارست سلطتها من خلال حقل السلطة  Field of Power 109؛ بمعنى أن السلطة هنا غير متجسدة في أشخاص أو مؤسسات، بل متجسدة في أشكال محددة من رأس المال الاقتصادي والرمزي والثقافي والاجتماعي، تسعى للهيمنة على حقول أخرى وأحزاب وطبقات اقتصادية ووسائل إعلام. وهذا ما يجعل الأفعال والأنشطة الناتجة من حقل السلطة لا تتوافق مع المبادئ العامة للمجتمع، ومنفصلة عنه، ولكن هذا الحقل في اللحظة نفسها يسعى لترسيخ نفسه من خلال الفرض. جعل هذا النوع من الفرض القسرري علاقة حقل السلطة بالحقول الأخرى علاقةً هرمية قائمة على الهيمنة، وذلك من خلال مجموعة من الإجراءات، مثل التهميش أو الإسكات المؤسسي، أو القمع 110، أو الإجراءات الإدارية  111، أو احتكار أشكال رأس مال أخرى مثل الاقتصاد والإعلام. ومن ضمن ممارسات حقل السلطة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر القبضة الأمنية، والافتقار إلى معايير حقوق الإنسان، وتصعيد الأزمة الاقتصادية، وتصدير خطاب الخصومة والمنافسة مع المخالفين لها على حساب خطاب الوحدة الوطنية. وهذا يعطي مؤشرًا إلى أن حقل السلطة لدى فتح استقل عن المجتمع الفلسطيني، ومارس سلطة هرمية عليه. وفي السياق نفسه، تستمر السلطة الفلسطينية في الاعتماد إلى حد بعيد على مساعدات المانحين وتحويلات الإيرادات الضريبية والرسوم والجمارك من إسرائيل لتلبية احتياجاتها المالية. وبناءً عليه، فإن افتقار السلطة الفلسطينية إلى رأس المال الاقتصادي في الحقل السياسي يضمن القوة والهيمنة والتدخل السياسي من جانب إسرائيل والمانحين. يمكن الاستئناس هنا ببعض استطلاعات الرأي التي أ جريت بعد عملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر. فمثلًا، من خلال استطلاعين للرأي أجراهما المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 112، تُظهر النتائج أن قرابة 70 في المئة من المستطلعة آراؤهم يعتبرون أن قرار حماس شنّ العملية كان صائبًا، واعتبر نحو 68 في المئة أن حماس ستنتصر في المعركة ضد الاحتلال في قطاع غزة، وازدادت نسبة الرضا عن أدائها، فبلغ 70 في المئة 75(في المئة في الضفة، و 62 في المئة في القطاع)، أما نسبة الرضا عن أداء يحيى السنوار فكانت 61 في المئة 68(في المئة في الضفة، و 52 في المئة في القطاع)، ثم حركة فتح بنسبة 27 في المئة 24(في المئة في الضفة، و 32 في المئة في القطاع)، ونسبة الرضا عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس كانت 14 في المئة 8(في المئة في الضفة، و 22 في المئة في القطاع.) وحول موقف رأي الجمهور حيال الطريقة التي يراها

  1. Bourdieu & Wacquant.
  2. يقترب هذا من مفاهيم الثقافة السياسية، حيث يرى لوسيان باي وسيدني فيربا أن الثقافة السياسية مزيج من القيم الأساسية والمشاعر والمعرفة التي تكمن وراء العملية السياسية. ينظر: 1 pp. Verba, &.7-Pye
  3. الحروب، ص.44-20
  4. لوموند: التنسيق الأمني بات عبئًا على السلطة الفلسطينية منذ 7 أكتوبر"، الجزيرة، 2023/12/11، شوهد في 2024/2/21، في https://shorturl.at/DTLIr: نت
  5. أشار بورديو إلى مفهوم حقل السلطة، للمزيد ينظر: Pierre Bourdieu, The State Nobility: Elite Schools in the Field of Power (Stanford, CA: Stanford University Press, 1996).
  6. مارست السلطة الفلسطينية سياسات القمع والاعتقال والتعذيب في حق العديد من الناشطين بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وحتى تاريخ 29 شباط/ فبراير 2024، قتلت الأجهزة الأمنية ما يقرب من خمسة فلسطينيين في الضفة الغربية، للمزيد ينظر: "التقارير الشهرية"، الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان: ديوان المظالم، شوهد في 2024/3/14، فh يttps://bit.ly/4dz26QJ:
  7. بعد السابع من أكتوبر، حوّلت السلطة الفلسطينية التعليم من النظام الوجاهي إلى النظام الإلكتروني، وبررت السلطة ذلك بالخشية على الطلبة من ممارسات الاحتلال، والبعض قرأ هذه التدابير على أنها تهدف إلى تحييد مجتمع الطلبة من المشاركة في المظاهرات والمسيرات المنددة بممارسات الاحتلال.
  8. تم إجراء استطلاَعَي الرأي في كانون الأول/ ديسمبر 2023، وفي آذار/ مارس 2024، للاطلاع على تفاصيل أكثر حول نتائج هذين الاستطلاعين يمكن زيارة موقع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، شوهد في 2024/3/27، في: https://bit.ly/4ccPHkc

الأنسب لإنهاء الاحتلال، اختار 54 في المئة الكفاح المسلح؛ و 25 في المئة المفاوضات، و 16 في المئة المقاومة الشعبية السلمية. وفي استطلاع آخر نفّذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات  113، وأعلن عنه في كانون الثاني/ يناير 2024، اعتبر 79 في المئة من المستطلعة آراؤهم من الجمهور الفلسطيني أن العملية التي قامت بها حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر مشروعة، وعارض 92 في المئة الاعتراف بإسرائيل، في حين رأى 5 في المئة فقط أنه ما زالت هناك إمكانية لتحقيق السلام مع الاحتلال. وعلى مستوى توجهات الجمهور الفلسطيني حول اختيار من يمثلهم لو جرى تنظيم انتخابات رئاسية، تُظهر النتائج أن فرص الشخصيات الفلسطينية التي على علاقة أو منخرطة في النضال أو الكفاح المسلح هي الأوفر حظًا، بغضّ النظر عن الفصيل الفلسطيني، فمثلًايتقدم مروان البرغوثي الأسير الفلسطيني وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح على العديد من قيادات الحركة بفارق كبير، وذلك لرمزيته النضالية، وأيضًا تقدّم رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في الاستطلاعات نفسها، في حين تتراجع شخصيات كثيرة من التي تتبنى أوسلو وتتخذ موقفًا رافضًا للكفاح المسلح أو الاشتباك مع الاحتلال  114. يشير ما سبق إلى توافق الرأي العام الفلسطيني مع خيارات حماس السياسية، وهذا يسهم إلى حد بعيد في مراكمة رأس مالها الرمزي، ويمكّنها من التأثير في السياق السياسي بفاعلية، واكتساب القدرة على إنتاج الاعتراف بالشرعية والتمثيل، وحشد التأييد في مقابل الأطراف المتنافسة الأخرى، وتفاعل المجتمع معها ومع أفكارها. وهذا الشكل من تراكم رأس المال الرمزي عّب رعنه عدد من المسؤولين الأميركيين  115 والإسرائيليين  116 الذين اعتبروا حماس " فكرة"، وأن الحرب عليها هو تدمير لأشكال أخرى من رأس المال، متمثلة في الحكم والقدرات الحكومية والعسكرية. وبما أن السلطة الفلسطينية بإدارة حركة فتح منقوصة الحكم الذاتي، فإن هذا يسمح باستخدام "حقل السلطة" مفهومًا تحليليًا. ويمكن الاستنتاج منه أن حماس، تحديدًا بعد الحرب المدمرة على مؤسساتها ومقارّ الحكم والإدارة في غزة، لم تُعُد تمتلك مؤسسات حكم كما كانت قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وهذا يدفع أيضًا إلى استخدام الحقل إطارًا تحليليًا، ويمكن تسميته "حقل الكفاح المسلح"، الذي يشكّل الشبكات الاجتماعية التي يعمل فيها الهابيتوس المرتكز على مفاهيم المقاومة والكفاح المسلح والتحرير، حيث نظّرت حماس لهذه المفاهيم من خلال الممارسة والخطاب، فثمة العديد من التصريحات والخطب والبيانات والوثائق، وأبرزها الوثيقة المؤِّرطِة التي أصدرتها في كانون الثاني/ يناير 2024، باسم "هذه روايتنا: لماذا طوفان الأقصى؟" 117. ويشير مفهوم حقل الكفاح المسلح هنا إلى أن العديد من الفلسطينيين قد يتفقون مع أفكار حماس وتوجهاتها، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يصبحوا أعضاء فيها. ليست علاقة هذا الحقل بالحقول الأخرى هرمية؛ فحركة حماس لا تحتاج إلى ذلك، ما دام هناك تأييد كبير لمنهجها في الكفاح المسلح، فهي لديها شعبية واسعة في الضفة الغربية على الرغم من غياب تنظيماتها ومؤسساتها هناك  118. وفي غزة فشلت كل محاولات الاحتلال لفرض العائلات والعشائر سلطةً محلية بديلةً عنها، على الرغم من الفراغ المؤسسي لمعظم مناطق القطاع. وهذا مشابه لفشل تجربة روابط القرى التي فرضها الاحتلال في أواخر سبعينيات القرن العشرين في الضفة والقطاع  119. فعلى الرغم من غياب مؤسسات منظمة التحرير، فإن الجمهور الفلسطيني حينها أفشل تجربة الاحتلال وأعاد انتخاب ممّثلّي المنظمة لتمثيلهم في مؤسسات الحكم المحلي عام 1976 120؛ فمراكمة رأس المال الرمزي لمنظمة التحرير من خلال الكفاح المسلح، عوّضها عن الخسارة التي تكبّدتها بسبب حملات الاحتلال الأمنية ضدها وضد مؤسساتها. ولم تكن المنظمة في حاجة إلى "سلطة الحقل" لإجبار الجمهور الفلسطيني على خيارات المنظمة السياسية.

خاتمة

لا نستطيع الادعاء أن دراسات الثقافة السياسية أغفلت قضايا تطرّق إليها بورديو، ولكن الفرق بينهما يكمن في أن نظرية الثقافة السياسية

  1. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، "اتجاهات الرأي العام العربي نحو الحرب الإسرائيلية على غزة"، برنامج قياس الرأي العام العربي (الدوحة: 2024/1/10)، شوهد في 2024/1/15، في https://bit.ly/3LTQcFe:
  2. بيان صحفي: نتائج استطلاع الرأي العام رقم 91(")، وحدة البحوث المسحية، الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية المركز،، شوهد 2024/3/5 في 2024/3/5، فh يttps://bit.ly/3Wwejyx:
  3. واشنطن: حماس فكرة قد لا نستطيع القضاء عليها – فيديو"، رؤيا الإخباري،
  4. باراك: حماس حركة أيديولوجية لا يمكن القضاء عليها"، 116 الجزيرة نت، 2023/10/16،
  5. وثيقة حماس حول 'طوفان الأقصى..' النص الكامل"، 117 العربي الجديد، 2024/2/9، شوهد في 2024/2/10، في https://shorturl.at/94TLv:
  6. بيان صحفي: نتائج استطلاع الرأي العام رقم)".91(119 فارس جقمان، "الحكم الذاتي الفلسطيني في زمن انتفاضاتنا المنسيّة ")1982-1967(، باب الواد، 2021/1/11،، شوهد في 2024/2/10، في: https://shorturl.at/Vp3pO 120 المرجع نفسه.
  7. 2024/1/3، شوهد في 2024/1/15، في https://bit.ly/3WqDimY
  8. شوهد في 2024/1/2، في https://bit.ly/4dvxcbL:

اهتمت بدراسة بنية الدولة وتأثيرها في توجهات الجمهور، في حين أن إطار بورديو التحليلي يراعي هيكلية المجتمع والمؤسسات في منهج تحليلي واحد. وأبرز التحولات في أدبيات الثقافة السياسية هو الانتقال من دراسة العلاقة المباشرة بين مؤسسات الدولة وثقافة المجتمع السياسية نحو البحث عن عوامل وسيطة، تعمّق التحليل، وتدفع بمنهجيات قادرة على استيعاب أكبر قدر ممكن من العوامل. إلا أن الإشكالية المركزية في دراسات الثقافة السياسية تتمثّل في القيم والمعايير التي تحاول القياس عليها، والتي لا تراعي خصوصية المجتمعات. في حين أن النظرية الاجتماعية لبورديو تتشكّل من أطر تحليلية تستنطق حالات الدراسة كًّل امنها وفق خصوصيتها، بعيدًا عن فرض قيم ومعايير مسبقة. ومن هنا يمكن الاستنتاج أن مناهج الثقافة السياسية تحتاج إلى أطر منهجية أخرى تسندها، وتشكّل معها إطارًا منهجيًا أكثر مرونة. ومع ذلك، يمكن إعادة النظر في الثقافة السياسية من خلال نظرية بورديو الاجتماعية، إذ تستوعب الأخيرة مفاهيم الثقافة السياسية وتجعلها جزءًا من أدواتها التحليلية؛ فمثلًاتعالج الثقافة السياسية المعتقدات والقيم وتأثيرها في السلوك السياسي، ويدعم مفهوم الهابيتوس لدى بورديو ذلك. فالهابيتوس هو مجموعة من الاستعدادات المكتسبة التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه ومجتمعه، وهو يتفق مع مفهوم الثقافة السياسية في أن هذه القيم ليست حتمية، ولكن الأخيرة تعتبر المؤسسات مسؤولة عن تغيير تلك الأفكار والقيم، في حين يرى الهابيتوس أنها تتغير وفق العلاقة التبادلية بين الحقول والشبكات الاجتماعية الأخرى، إذ تساهم الشبكات الاجتماعية في إنتاج الظروف الاجتماعية الثقافية التي من خلالها يتواصل الأفراد مع بعضهم، ويعيدون إنتاج الهابيتوس في تشكيلاتهم الخاصة. لا تنكر نظرية بورديو الاجتماعية دور المؤسسات في تغيير القيم والتوجهات لدى الأفراد والمجتمع كما هو لدى مفهوم الثقافة السياسية، ولكنها دمجت دور المؤسسات في مفهوم أوسع هو الحقل، حيث يفترض بورديو أن المجتمع مبنيّ على حقول اجتماعية متشابكة ومتعددة يتفاعل داخلها الفاعلون والحركات، ومن ضمنها المؤسسات. ويمكن النظر إلى الحقول باعتبارها مساحات للتنافس للحصول على أشكال رأس المال. فالحقول ليست بنى صلبة أو جامدة، بل إن الحدود بينها قابلة للاختراق وذات صلات علائقية ببعضها. أسندت نظرية الثقافة السياسية دورًا للثقافة في تفسير سلوك الأفراد، ودورًا في فرض أشكال محددة من الأنظمة، لكن النظرية الاجتماعية لبورديو دمجت هذا المفهوم في إطاره التحليلي تحت مسمى رأس المال الثقافي، الذي يمكن أن يتحول إلى أشكال أخرى من رأس المال، الذي يحدد دور الفاعلين في الحقول والشبكات الاجتماعية، كما أن تفاوت رأس المال الثقافي يؤثّر في تفاوت الإدراك نحو بعض القيم، مثل الديمقراطية. ويمكن أن نلحظ ذلك في دراسة الحالة الفلسطينية، إذ إن الاختلاف في الاستعدادات المعرفية (الهابيتوس)، التي جزء منها الثقافة السياسية، يؤثّر في كيفية تفاعل الحقول والشبكات الاجتماعية الأخرى مع حركَتَي حماس وفتح، في المنعطفات والأحداث التاريخية المفصلية. توفر نظرية بورديو الاجتماعية إطارًا تفسيريًا أكثر مرونة في السياق الفلسطيني، إذ تتيح فرصة لتحليل البنى والفاعلين داخل البنى المركزية، وعلاقات الهيمنة والسيطرة والكيفية التي تنشأ من خلالها مواقف الأفراد والجماعات تجاه بعض القيم، فضلًاعن كيفية أداء الجماعات المهيمنة دورًا أكبر في تكريس بعض القيم. وفي سياق دراسة الحالة، تسعى حركتا حماس وفتح لخلق فضاءات عامة جديدة تناقش فيها القضايا الفلسطينية المتنوعة وخاصة السياسية. وإضافة إلى أن كل واحدة تعتبر منافسة سياسية للأخرى، تمثل كل واحدة تحديًا أيضًا للأخرى في قضايا التمثيل، حيث يضطلع رأس المال الرمزي بدور مهم في إعادة إنتاج العلاقات والهيمنة على الفضاء الاجتماعي. فحماس تعتمد على خطاب الكفاح المسلح وممارساته، وهو ما يمثّل مصدرًا متجددًا لرأس مالها الرمزي، الذي تسعى لتحويله إلى شرعية من جهة، وتعوض من خلاله حدود رأس المال الاقتصادي من جهة أخرى. وفي حين تفتقر فتح إلى رأس المال الرمزي الذي تتمتع به حماس، نجدها تعتمد على استعارات ورمزيات وتعبيرات خطابية متناقضة، فهي تعتمد على خطاب الشرعية النابع من الاعتراف الدولي، وليس الاعتراف الشعبي، وذلك من خلال إقرارها بمباحثات السلام والاعتراف بإسرائيل، وفي الوقت نفسه تعتمد على رمزيات كفاحية من الماضي. وهذا التناقض من شأنه أن يصعّب عليها ترجمته إلى شرعية شعبية. ولتجاوز ذلك، تفرض فتح شرعية الأمر الواقع من خلال تحويل كل ما تملكه من رأس مال إلى رأس مال إكراهي.

المراجع

العربية

أبو زاهر، نادية. دور النخبة السياسية الفلسطينية في كتوين رأس المال الاجتماعي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 السقا، أباهر. "نحو إعادة التفكير في الأطر المفاهيمية لتحليل السياق عمران. مج الفلسطيني الاستعماري." 10، العدد 10)2022(بشارة، عزمي. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020. دراسات في تحّولّات المجتمع الفلسطيني ما بعد أوسلو: الفواعل والمؤسسات الفلسطينية. أحمد عطاونة وحسن عبيد (محرران.) إسطنبول: مركز الشرق للأبحاث الاستراتيجية؛ مركز رؤية للتنمية السياسية،.2023 "جبهة عريضة للإنقاذ الوطني: ضرورة التشكيل وقابلية التحقيق." رأي الخبرراء. مركز رؤية للتنمية السياسية. 2022/4/24. في: https://bit.ly/3YwVJco جقمان، فارس. "الحكم الذاتي الفلسطيني في زمن انتفاضاتنا المنسيّة 1982-1967(باب الواد.)".. 11/1/2021 في: https://shorturl.at/Vp3pO الزبيدي، باسم. الثقافة السياسية الفلسطينية. رام الله: معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان، 2003. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. "اتجاهات الرأي العام العربي نحو الحرب الإسرائيلية على غزة." برنامج قياس الرأي العام 2024/1/10: في https://bit.ly/3LTQcFe:.. الدوحة العربي ميعاري، محمود. الثقافة السياسية في فلسطين. رام الله: جامعة بيرزيت، 2003. هلال، جميل. تفكك الحقل الفلسطيني. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2016

الأجنبية

Almond, Gabriel A. & Sidney Verba. The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. London: Little, Brown and Company, 1980. Almond, A. Gabriel. "Communism and Political Culture Theory." Comparative Politics. vol. 15, no. 2 (1983). Allport, Gordon. "The Composition of Political Attitudes." American Journal of Sociology. vol. 35, no. 2. (1929). Althusser, Louis. On the Reproduction of Capitalism: Ideology and Ideological State Apparatuses. London: Verso, 2014. "Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip (South Africa v. Israel)." International Court of Justice. 29/12/2023. at: https://bit.ly/4d19R1T Benavides, Juan. "The Impact of Elite Political Culture and Political Institutions on Democratic Consolidation in Latin America: A Comparative Study of Colombia and Venezuela." Paper presented at the 7 th Latin American Congress of Political Sciences. Bogotá, October 2013. at: https://bit.ly/4fAQTB1 Bhambra, Gurminder K. & Robbie Shilliam. Silencing Human Rights: Critical Engagements with a Contested Project. London: Palgrave MacMillan, 2009. Bishin, Benjamin, Robert R. Barr & Matthew J. Lebo. "The Impact of Economic Versus Institutional Factors in Elite Evaluations of Presidential Progress toward Democracy in Latin America." Comparative Political Studies. vol. 39, no. 10. (2006). Bourdieu, Pierre. Outline of a Theory of Practice. Richard Nice (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 1977. _________. "The Social Space and the Genesis of the Group." Theory and Society. vol. 14, no. 6 (1985). _________. "Social Space and Symbolic Power." Sociological Theory. vol. 7, no. 1 (1989). _________. The Logic of Practice. Richard Nice (trans.). Stanford, CA: Stanford University Press, 1990.

_________. The Field of Cultural Production. Randal Johnson (ed.). New York: Columbia University Press, 1993. _________. Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Richard Nice (trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996. _________. The State Nobility: Elite Schools in the Field of Power. Stanford, CA: Stanford University Press, 1996. _________. Masculine Domination. Richard Nice (trans.). Cambridge: Polity Press: 2001. Bourdieu, Pierre & Loic Wacquant. An Invitation to Reflexive Sociology. Chicago: University of Chicago Press, 1992. Camp, Roderic. Citizen Views of Democracy in Latin America. Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 2001. Coleman, James. "Social Capital in the Creation of Human Capital." American Journal of Sociology. vol. 94 (1988). De Nardis, Fabio. Understanding Politics and Society. London: Palgrave Macmillan, 2020. Döring, Herbert & Gordon Smith (eds.). Government and Political Culture in Western Germany. London: Palgrave Macmillan, 1982. Elgie, Robert, Emiliano Grossman & Amy G. Mazur (eds.). The Oxford Handbook of French Politics. New York: Oxford University Press, 2017. Flecha, Ramón. Jésus Gómez & Lídia Puigvert. "Chapter Habitus." Structuralism; Constructivist Counterpoints. vol. 250 (2001). Gramsci, Antonio. Selections from the Prison Notebooks. London: Lawrence & Wishart, 2003. Grenfell, Michael (ed.). Pierre Bourdieu: Key Concepts. London: Acumen Publishing, 2012. Grugel, Jean. "Latin America after the Third Wave." Government and Opposition. vol. 42, no. 2 (2007). Husu, Hanna-Mari. Social Movements and Bourdieu: Class, Embodiment and the Politics of Identity. Jyväskylä: University of Jyväskylä, 2013. Inglehart, Ronald. Modernization, Cultural Change, and Democracy: The Human Development Sequence. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Kiralyfalvi, Bela. The Aesthetics of Gyorgy Lukacs. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2016. McAdam, Doug, John D. McCarthy & Mayer N. Zald (eds.). Comparative Perspectives on Social Movements: Political Opportunities, Mobilizing Structures, and Cultural Framings. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. McNay, Lois. "Gender, Habitus and the Field: Pierre Bourdieu and the Limits of Reflexivity." Theory, Culture and Society. vol. 16 (1999). Mehmetaj, Jonida. "The Impact of The Political Culture in Political System and Rule of Law: Albania Case." European Scientific Journal. vol. 1 (2014). Meyer, David S., Nancy Whittier & Belinda Robnett. Social Movements: Identity, Culture, and the State. Oxford: Oxford University Press, 2002. Machiavelli, Niccolo. The Prince. Tim Parks (trans.). London: Penguin Classics, 2015. Pye, Lucian W. & Sidney Verba. Political Culture and Political Development. Princeton, N J: Princeton University Press, 1965. Putnam, Robert. Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy. Princeton, N J: Princeton University Press, 1993. _________. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Touchstone, 2001.

Pickel, Andreas, "Rethinking Systems Theory: A Programmatic Introduction." Philosophy of the Social Sciences. vol. 37, no. 4 (2007). Richardson, John (ed.). Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education. New York: Greenwood Press, 1986 Rowe, Eric. Modern Politics: An Introduction to Behaviour and Institutions. London: Routledge & Kegan Paul, 1969. Ryan, Michael (ed.). The Encyclopedia of Literary and Cultural Theory. Hoboken, NJ: Wiley Blackwell Publishing, 2011. Steinmetz, George (ed.). State/ Culture: State-Formation after the Cultural Turn. Ithaca/ London: Cornell University Press, 1999. Tilly, Charles. From Mobilization to Revolution. Reading, MA: Addison-Wesley, 1978. Voinea, Camelia Florela & Martin Neumann. "Political Culture: A Theory in Search for Methodology. An Editorial." Quality & Quantity. vol. 54, no. 2

Weber, Max. The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism. Talcott Parsons (trans.). London/ New York: Routledge, 2010.