سلطة التأريخ وتأريخ السلطة لحركات التمرد العنيف: ملاحظات نقدية عن انتفاضات 1968 و 1977 و 1986 في مصر

Naglaa Mekkawi نجلاء مكاوي |

الملخّص

تسعى هذه الدراسة لإلقاء الضوء على ما ينتجه التأريخ الفوقي لحركات التمرد العنيف من معرفة تاريخية، لا تشوبها العيوب المنهجية والموضوعية فحسب، بل تسفر عن مقاربة فوقية ترسخ تصوراٍتٍ وأحكامًا نخبوية، وتطغى عليها الانحيازات السياسية والأيديولوجية، وتهمش حركة فئات مهمة من الشعب وتجردها من فاعليتها أيض ا. وتحاجّ الدراسة بأن استناد الكتابات التاريخية إلى تأريخ السلطة يمنحها شكلًا من أشكال سلطة التأريخ؛ ومن ثم، تدعو الدراسة إلى مراجعة هذه المقاربة الفوقية من خلال تحري الموضوعية والقراءة المعمقة "من أسفل" وطرح سرديات مختلفة. تركز المقالة على ثلاثة أمثلة بارزة من تاريخ مصر المعاصر، هي: انتفاضة عام 1968 في مواجهة سلطة جمال عبد الناصر؛ وانتفاضة عام 1977 ضد سلطة محمد أنور السادات؛ وتمرد جنود الأمن المركزي ضد نظام محمد حسني مبارك في عام 1986، وتفحص ما كتب عن حركات التمرد الثلاث هذه من منظور نقدي، بما في ذلك العودة إلى أسئلة تهم من يتصدون لكتابة تاريخ مصر ومن يتلقونه، بل إنها تشكل أهمية لاستخدام التاريخ في فهم الواقع. كلمات مفتاحية: التمرد العنيف، انتفاضة عام 1968، انتفاضة عام 1977، تمرد جنود الأمن المركزي، جمال عبد الناصر، محمد أنور السادات، محمد حسني مبارك، مصر.

The Power of Historicization and the Historicization of Power for Violent Rebellions: Critical reflections on Egypt's 1968 , 1977 , and 1986 Uprisings

مقدمة

ثمة ظاهرة في عملية التأريخ لمصر المعاصرة (مجتمعًا ودولة)ً - أرى أنها تستحق الالتفات إليها - هي النموذج التأريخي لحركات التمرد/ الاحتجاجات/ الانتفاضات 1، ولا سيما تلك التي تتوسل العنف. فالتمرد العنيف كثيرًا ما خضع لنوعين من المعالجة؛ إما تهميشية، وإما استسهالية، يُردّ كلاهما إلى قصور معرفي في البحث الدقيق عن صحة الأحداث وسياقاتها، ومن ثم تفسيرها، أو يُعزى إلى رغبة المؤرخ في إثبات صلاحية رؤيته حتى إن اضطر إلى تجاهل وقائع وأحداث بعينها، أو "ِّيَلِ ذراعها." وقد أنتج ذلك معرفة تاريخية يمكن وصفها بالفوقية، رسّخت مفاهيم وتصورات وأحكامًا نخبوية فيما يتعلق بحركة فئات مهمة من الشعب، وبقدرات الدولة وعلاقات القوة ومفاهيم الهيمنة، بينما يمكن، عبر مقاربة جادّة تتحرى الموضوعية والقراءة المعمقة "من أسفل"، تعرية تلك الأحكام والتصورات وتناقضها، وطرح سرديات مختلفة. انطلاقًا من ذلك، أرى أنه من الضروري مناقشة الأزمات المتعلقة بتأريخ أهم ثلاث حركات تمرّد عنيف شهدتها جمهورية يوليو: تمرد عام 1968 في مواجهة سلطة جمال عبد الناصر؛ وانتفاضة كانون الثاني/ يناير 1977 ضد سلطة محمد أنور السادات؛ والتمرد الأكبر الذي واجهه نظام محمد محمد حسني مبارك، والذي جاء من جانب "عصاه الغليظة" لمواجهة الاحتجاجات الشعبية، وهو تمرّد جنود الأمن المركزي في عام 1986. سأحاول فحص ما كُتب عن ذلك في إطار نقدي يتضمن أسئلة أراها تهم من يتصدّون لكتابة تاريخ مصر، ومن يتلقّونه في الوقت نفسه، بل إنها تشكّل أهمية لاستخدام التاريخ في فهم الواقع. تتعلق هذه الأسئلة بصورة الحادثة التي استقرت في الكتابات والسررديات المرتبطة بها، والتي انعكست بالضرورة على النموذج التحليلي الذي اعُتُمد وترسّخ في قراءة حركات التمرد تلك وفهمها. كما تتعلق بموقع الفاعلين الأساسيين (المتمرّدين) في صورة الحادثة التأريخية؛ فغالبًا ما أ زيحوا إلى هامشها بعيدًا عن مركزها، وُأ لحقوا بغيرهم من الفاعلين، سواء كان هذا "الغير" تنظيمًاأو حزبًا أو حتى فكرة أو أيديولوجيا. هناك أيضًا سؤال العنف الجماعي المؤقت الذي يُعدّ من الأسئلة المهمة لفهم سكون المجتمع المصري وحركته. لن أُقدّم عرضًا تاريخيًا لتلك الانتفاضات  2، بل سأحاول الوقوف على كيفية حضورها وتشكّلها في الكتابات التي تناولتها، والموقع الذي حازته في قراءة تاريخ مصر المعاصر، والنموذج التحليلي الذي حُبست في داخله؛ لا في كتب التاريخ ومصادره فحسب (الكتابات التاريخية المتخصصة)، بل أيضًا في الكتابات التي تتبّعت التطور التاريخي لمسألة ذات صلة بذلك، وتناولت تلك الانتفاضات بوصفها أحداثًا تاريخيةً مهمةً أثّرت في ذلك التطور، بصرف النظر عن أن أصحاب تلك الكتابات لم يكونوا مؤرّخين كلاسيكيين. أرى، في البداية، أنه يتعّي نوصف تلك الأحداث باقتضاب، حتى يضع القارئ نفسه في سياق الدراسة وأطروحتها. في عام 1968، وفي اندفاعتين، نشبت حركة تمرد/ رفض، مجالها المكاني عدد من شوارع مصر وميادينها وجامعاتها. وتصدّر العمال والطلاب فاعليها، بينما كانت في قلب الحادثة، وضمن فاعليها الرئيِسيِن، فئات مختلفة، تنتمي إلى طبقات شعبية مختلفة. حدثت الاندفاعة الأولى في 21 شباط/ فبراير، وكانت شرارة انطلاقها، أو ذريعتها، شيوع خبر بين الناس مفاده أن قادة سلاح الطيران وبعض ضباط الجيش الذين قدّمتهم السلطة "كبش فداء" إلى المحاكمة العسكرية لمحاسبتهم عما جرى في هزيمة تاريخية في حرب حزيران/ يونيو 1967 قد نالوا جزاءً مخفّفًا. وتعددت أشكال التعبير عن الرفض خلالها؛ من تظاهٍرٍ وتجمهٍرٍ وإضراٍبٍ عن العمل والدراسة، ومحاصرةٍ لمباني السلطة ومحاولة تخريبها. أما الاندفاعة الثانية، فقد حدثت بعد أشهر (في تشرين الثاني/ نوفمبر)، على الرغم من محاولات السلطة احتواء الغاضبين ومصادر غضبهم. وكانت شرارتها صدور قانون للتعليم قلّل من فرص الطلاب في النجاح، وهذه الذريعة لم تمثّل أهمية في ذاتها، حتى بالنسبة إلى من تذرّعوا بها، أي المحتّجيّن. انطوت هذه الحركة على أعمال عنف أكثر شراسة واتساعًا وأشدّ جرأة من سابقتها، وكان مركز انطلاقها مدينة المنصورة، ثم انتقلت إلى مدينة الإسكندرية التي أضحت بؤرة اشتعالها الأبرز، في حين وصلت شظاياها إلى العاصمة، بيد أنها خمدت وانحسررت، وتوسلت السلطة في مواجهتها العنف وعرض القوة، في تعاون بين جهاز الأمن الداخلي والجيش. بين صباح 18 كانون الثاني/ يناير، وفجر 20 كانون الثاني/ يناير 1977، شهدت مصر أوسع انتفاضة شعبية في تاريخ "دولة يوليو" منذ قيامها

  1. أستخدم في هذه الدراسة هذه التوصيفات على نحو مترادف، فاهتمامي لا ينصبّ على التمييز بينها بوصفها مفاهيم في العلوم الاجتماعية، بقدر ما ينصبّ على فهم التأريخ لها، والسررديات التي ترسّخت عنها.
  2. أوجّه اهتمام القارئ إلى أنني، فيما يتعلق بالتأريخ لهذه الانتفاضات ومصادره، قمت به على نحو مفصل، في عمل آخر، سيصدر قريبًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: دولة الاستثناء: منظومة العقاب الاستثنائية والاحتجاج السياسي والاجتماعي في مصر ().2010-1952

1952() حتى ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011. وقد تذرّع المحتجون حينئذ بإعلان رفع أسعار عدد من السلع الأساسية، ضمن إجراءات تقشفية اتّخذتها الحكومة، استجابةً لتوصيات صندوق النقد والبنك الدوليين. انطلق الناس في معظم مدن مصر، عبر الشوارع والميادين، يُعّب رون من خلال صور عديدة من الاحتجاجات، شكّل التمرد والعنف أبرزها، عن سخطهم على هذه الإجراءات الحكومية ورفضهم إيّاها. وقد حمل هذا التمرد الذي امتد ساعاٍتٍ كثيرًا من الخصائص التي منحته فرادةً، ميّزته من تمثلات الاحتجاج كلها على امتداد ستين عامًا من حكم "دولة يوليو"؛ إذ كان انفجارًا لا يُقاس بما سبقه، أو لحقه، في اتساعه المكاني ومستوى عنفه ودلالاته والتحدي الذي مثّله وطبيعته السياسية والاجتماعية، وما حمله من ممكنات ثورية، والأهم مكوّنه الشعبي الذي يستعصي على التصنيف النخبوي. اهتزت ركائز النظام الحاكم، حتى إنّ رأسه (الرئيس السادات) واجه صعوبة في إيجاد مكان آمن في البلاد يتوارى فيه من الجموع الغاضبة، وتخفّى رجال جهازه الأمني، بعد أن فرّوا من أمام هذه الجموع، فاضطر إلى الاستعانة بالقوة التي يلجأ إليها النظام دائمًا، حين تُهدّد شرعيته؛ القوة التقليدية التي تحمي الحاكم من تمرّد محكوميه، أي الجيش. فانتشرت آلياته وتشكيلاته في الشوارع والميادين، ليستكمل المعركة مع مَن بقي يقاوم بجسده من المتمردين. وخلال ساعات من المقاومة، انتهى التمرد، واستعادت الدولة سلطَتَها، أو استعادت السلطُةُ دولَتَها. أما تمرّد جنود الأمن المركزي في 25 و 26 شباط/ فبراير 1986، فتمثّلت فرادته - وهذا من المفارقة - في أنه كان تمرّدًا ممن اجتهدت السلطة في أن تصنع منهم ذراعًا نظامية تحميها من أي تمرد، بعيدًا عن الجيش، وحتى لا تقع "تحت ضرسه" في اللحظات الحرجة. وأمّا الملمح الآخر للتفرد، فقد تمثّل في أنه التمرّد المسلح الوحيد الذي اتّخذ من الفضاء العام مج لًا له. وقوام تلك القوات قواٌتٌ من المجنّدين إجباريًا في القوات المسلحة، هم الأفقر معيشةً، والأشد أميّةً، والأضعف من حيث اللياقة الجسدية بين المجندين (من بين "الفرز الثالث)"، تتبع وزارة الداخلية التي تدرب عناصرها جيدًا، بدنيًا ونفسيًا، لتستخدمهم في مهمة أساسية هي مواجهة كل ما تعتبره السلطة "أعمال شغب." انفك "لجام" أولئك عقب انتشار خبر يقول إن مدة خدمتهم ستزيد عامًا، وإن القروش المعدودات التي يتقاضونها سُيُقتطع منها "من أجل مصر" لسداد ديونها؛ فما كان من "الوحش" إّل اأن أدار وجهه إلى "مرِّوِضه." كانت في البداية معركة مسلحة مع قوات الشرطة، ثم مع قوات الجيش التي تولّت مهمة القمع بعد فشل القوات الأولى في فرض سيطرتها. انفجر التمرد في معسكرات الأمن المركزي، ثم تجاوز المتمردون (وكانوا عشرات من الآلاف) مجالهم الخاص وخرجوا غاضبين، ومسلّحين بما استولوا عليه من معسكراتهم، نحو قلب المدينة، يُخرّبون كل ما في طريقهم من ممتلكات عامة وخاصة، وانضم إلى "المعمعة" متلقّفة التمرد؛ أعداٌدٌ من المهمشين: صبية فقراء، وعّم ال تراحيل، وعاطلون عن العمل، وغيرهم. كما تمدّد التمرد من محافظة الجيزة، ساحته الأولى، إلى القاهرة والقليوبية وأسيوط وسوهاج والإسماعيلية. وفي المواجهة، كانت على الأرض وحدات من المدرعات والعربات المصفحة، وكتيبة مشاة ميكانيكية، وجحافل من الضباط والجنود وقوات الصاعقة والقوات الخاصة التابعة للقوات المسلحة، في حين غصّت السماء بطائرات الهليكوبتر. وبعد أْنْ فعل الجيش كَّلَ شيء للسيطرة؛ مِن قتٍلٍ للمتمردين عشوائيًا، إلى القبض عليهم، أو على مَن بقي منهم حيّا، وسحٍبٍ لأسلحتهم، انتهى التمرد. هذا موجز عن تلك الأحداث التاريخية، بكثير من الاختزال، فكل منها يستحق أن تُكرّس له دراسة موسّعة ومعمّقة. وسأحاول الآن فحص الكيفية التي حضرت بها في الكتابات ذات الصلة، سواء زمنيًا، أي في الفترة التاريخية التي حدثت فيها، أو موضوعيًا.

أولًا: الحادثة: تأريخ ال "ما حدث"

لعله من ب ديهيات القول إن تناول حادثة تاريخية، سواء كانت في ذاتها هدَفَ التأريخ المباشر والأساسي، أو من أجل توظيفها بنائيًا، بوصفها جزءًا من ظاهرة تاريخية أوسع محل دراسة، يقتضي الإلمام بالتفاصيل التي تشكّل مشهد الحادثة. فلئن كانت مهمة المؤرخ، أو المتصدر للكتابة التاريخية عمومًا، هي أن يوضح للقارئ لماذا حدث الفعل التاريخي، وأن يكشف غموضه بالفحص والتأمل، وأن يضعه في إطار من المفاهيم والتفسيرات والأحداث ذات الصلة، السابقة والمتزامنة واللاحقة، فإن إخبار القارئ بما حدث/ جرى، وقبل ذلك معرفة الكاتب به، هو - بالضرورة - الأساس الذي تقوم عليه عملية الكتابة التاريخية. خارج دائرة الاشتباكات المنهجية والنظرية والخلافات بين مدارس عدة، مثل السررد التاريخي/ التاريخ الحدثي والنقد التحليلي تُعَّرَف الكتابة عن حادثة تاريخية بأنها عملية صناعة، تقوم على استحضار الحادثة وتفكيكها وإعادة تركيبها من حيث زمانها ومكانها وفاعليها وتمّثلّاتها، أي كل ما يُعدّ مكوّنًا للفعل التاريخي. فالكاتب/ المؤرخ منوط بمهمة مسح ذلك كله، متوسلًا أدوات محددة؛ إذ يستجمع جزئيات الحادثة، عبر طرائق ومصادر مختلفة ومتفرقة، حتى تكتمل الصورة لديه، ومن ثم يتعامل مع أسئلة تالية، أوّلها: لماذا حدث ما حدث؟ ثم ينتقل إلى التحليل والتأويل، قبل أن يطلق أحكامًا بشأن ما حدث.

غالبًا ما تكون مهمة الكاتب صعبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأحداث التمرد، لكنها تصير أصعب فأصعب إذا ما تعلّق الأمر بتمرد عنيف. وُيُعزى ذلك إلى عوامل ذاتية تتعلق بالكاتب نفسه (تصوّراته ومواقفه وقدراته التقنية)، بصفته منتج المعرفة، ومنها عوامل تخص الموضوع نفسه، وفي مقدّمها ما تخلّفه الحادثة من آثار تاريخية، أي الأرشيف المكتوب وغير المكتوب الذي يشكّل مادة الكاتب التي يستقي منها كتابته. عند وضع تمّثلّات حركات التمرد الثلاث، التي تتناولها هذه الدراسة، في الميزان، لا بد من أن تُرجّح كفة العنيف/ السائل منها على السلمي/ المنظّم وشبه المنظّم، بفارق هائل. وتحمل هذه التمثلات وحدها منطق التمرّد وِسِمته ودلالاته العملية والرمزية، ومن خلالها تجري القراءة والتأويل. في الموجة الأولى من تمرد عام 1968، كان ثمة توازن بين الأفعال العنيفة التي قامت بها فئات مختلفة، والحراك المنظّم السلمي الطابع الذي قام به الطلاب، وقد تمثّل في مظاهرات واعتصامات ورفع شعارات ومطالب مكتوبة وجّهها هؤلاء الطلاب بأنفسهم إلى بعض أجنحة السلطة، وغير ذلك من تقنيات الحراك المنظمة التي ليس العنف أحَدَها. ثم انقلب الحال في تشرين الثاني/ نوفمبر وخيّم العنف على المشهد، حيث قام المحتجون بأعمال حرق وتخريب واعتداء ونهب، وصدحوا بهتافات عدائية، تجّل ىفيها استعداد أصحابها لاستخدام القوة والتهديد بها وشعورهم بالقدرة عليها، كما شفّت عن دوافعهم وأهدافهم. وفي عام 1977، تضاءل الفعل السلمي أمام الفعل العنيف، إلى حدّ أنه تحوّل إلى هامش، لا إلى متن. أما حادثة الأمن المركزي في عام 1986، فليست تمرّدًا عنيفًا بامتياز فحسب، بل كانت أيضًا تمرّدًا مسلّحًا هائجًا، لا حضور فيه سوى للعنف المباشر. وعلى الرغم من المنزلة المركزية التي حازها فعل العنف في تلك الأحداث، فإن الكتابات عنها همّشت تلك المنزلة، وقد تجّل ىذلك في شكلين رئيسين: إما تناول كّل يمختزل لا يتناسب مع حجم الحادثة وتأثيرها، سواء كان اللحظي أو المستقبلي؛ وإما التركيز الانتقائي على شواهد للعنف بعينها، وإغفال أخرى تختلف نوعيّا عنها، عمدًا أو جهلًابها؛ ما انعكس سلبًّيًا بالضرورة على القراءة والتفسير. إذا حاولنا التعرف إلى أحداث التمردات التي نحن في صددها، فإننا نجد سردية مهيمنة على جلّ الكتابات التي تعرضت لها، والتي توزّع أصحابها بين مَن اجتهد في صنع تلك السرردية، اجتهادًا يبقى متواضعًا، وَمَن نقلها عنهم استسه لًا. ويرجع هذا إلى نوعين من الخلل: الأول منهجي يخص عملية الكتابة وإنتاج المعرفة نفسها، والثاني مفهومي يخص العدة المفهومية التي يستند إليها مُنتج المعرفة (الكاتب/ المؤرخ.) تنحصر المادة الخام للتمرد الجماهيري السائل (غير المنظم)، العنيف منه تحديدًا، على سلطة مثل سلطة الدولة المصرية، في نوعين من المصادر، ومنها يجري تركيب صورة الحادثة التاريخية: الأول هو الأرشيف الرسمي، ويقع معظمه تحت عباءة الجهاز الأمني؛ إذ إنه الجهة المسؤولة عن تسجيل وقائع أحداث كهذه، فهو المنوط بمواجهتها فعليًا في وقت حدوثها، والفاعل الذي يمثل السلطة في ميدان الحدث. ومن ثم، فهو المنوط برصدها؛ لذلك، تخرج لنا أضابير من الأوراق الرسمية التي تضم سردًا للوقائع وتصويرًا دقيقًا لها، من خلال عدسة أمنية بطبيعة الحال، فضلًاعن أوراق أخرى تتضمن التحقيقات في الوقائع، وشهادات وروايات الفاعلين في الطرف الآخر (المتمردون المدانون)، وهي أوراق الجهاز القضائي الذي لا يُعدّ جهازًا مستقًّل اعن الجهاز الأمني في بنية السلطة، فضلًاعن أنه بحكم التعريف أحد مكوّناتها. ولئن كانت هذه الأوراق في ذاتها منتمية إلى المصادر الأصلية التي لم تُحرّر من أجل التأريخ، بل لأسباب بيروقراطية، وقد تُشِّكِل مرآةً تعكس الكثير من أحوال البلاد على الصعد كلها، فإنها في هذا النمط من الوقائع تحوطها شُبَهَُةُ الانحياز ضد الفعل وفاعليه. وبناءً عليه، فإن أهمية تلك الأوراق، بوصفها مصدرًا أوليًا، تتوقف على استخدامها بأكبر قدر ممكن من الفحص والتدقيق، فضلًاعن الحذر الشديد؛ فحال الباحث الذي يستخدمها كحال السائر في حقل ألغام. ثم لدينا في مرتبة تالية أوراق مثل البيانات الحكومية المعلنة، أو كل ما يشكّل الخطاب الرسمي عمومًا. وفي اتصال وثيق بذلك، تأتي المواد الصحافية التي توفر تأريخًا لحظيًا للحادثة، لكنها في مثل هذه الأحداث لا تختلف كثيرًا عن أوراق السلطة الرسمية، فهي تخضع لهذه السلطة، وأحيانًا تنتمي إليها؛ ما يجعل صورة الحادثة المنبثقة منها، والمتشكلة من وقائع إخبارية، رسمية الطابع. ونخص بالإشارة هنا ما يسمى "الصحافة القومية" التي تتصدّر دائمًا قائمة المصادر الصحافية التي تقع في متناول كل باحث أو قارئ. ولنتذكْرْ هنا أن مصر كانت في وقت انتفاضَتَي 1968 و 1977 خالية من أي صحافة معارضة. ومن بين المصادر الأولية، أيضًا، ثانيًا، الشهادات المكتوبة وغير المكتوبة التي أدلى بها من عاصروا الأحداث؛ ومن هؤلاء المعاصرين مَن كانوا في وقت الحادثة ينتمون إلى السلطة، أي في موقع مسؤولية، ومنهم كان ينتمي إلى معسكر الفاعلين، على نحو أو آخر. ومن بدهيات القول أنه ثمة ضوابط تحكم استخدام مثل هذه المادة، منها مراعاة موقع الراوي/ الشاهد الاجتماعي وموقفه السياسي، والأهم موقعه

في الحادثة التي يرويها: أهو فاعل رئيس أم ثانوي؟ أهو صاحب رؤية عيانية؟ ثم في أي مجال مكاني من مجالات الحادثة كان في هذه الحالة؟ أُرُوي له ما حدث أم استقى معلوماته مما نشُر وُأ علن عبر الجهاز الدعائي الرسمي؟ يضاف إلى ذلك ضرورة مراعاة المشكلات المرتبطة اعتمادًا على الذاكرة في استعادة الأحداث وسردها. في الكتابة عن الانتفاضات الثلاث، موضوع هذه الدراسة، اعتمد صانعو صورة المشهد الحدثي، سواء على نحو اختزالي أو باستفاضة، على مصدرين: الصحافة؛ ورواية شهود العيان وشهادات معاصريها. فُتسُررد أحداث انتفاضة 1968 إما اعتمادًا على رواية أشخاص كانوا في قلب دوائر السلطة، وإما اعتمادًا على شهادات طلاب من المشاركين في الأحداث، وبدرجة أقل الصحافة؛ وذلك بخلاف انتفاضة 1977 التي كانت الصحافة، المصرية في الأساس، ثم الأجنبية، المصدرين الأساسَّييَن في سرد أحداثها، تليها البيانات والإعلانات الرسمية. أما انتفاضة الأمن المركزي، فهي حادثةٌ ما مِن أثٍرٍ تاريخي لها سوى ما نشرته الصحافة عنها؛ إذ حرصت السلطة - ولا تزال تحرص حتى الوقت الراهن - على إخفاء ما في جعبتها من أوراق تكشف عما جرى آنذاك، وأهمها الأوراق الأمنية والقضائية الخاصة بعملية معاقبة الجنود على تمرّدهم، حتى إنّ السلطة حظرت حينئذ النشر بشأن القضية وكل ما يتعلق بها، لكونها تضمّنت رواية الجنود بشأن ما جرى منهم وما جرى لهم، وهو ما لم تحتمل السلطة إطلاع الناس عليه. يمكن القول، عمومًا، إن الفاعلين الرئيسين في الانتفاضة، الذين يُشكّلون متن المشهد ومركز الفعل التاريخي، أي جنود الأمن المركزي، ليس لهم سجٌّلٌ أرشيفي بأي معنى – إذا استثنينا شهاداتهم في القضايا - يشرح لنا أفعالهم وأهدافهم ودوافعهم ومنطقهم. كما أن الوصول إليهم لاستنطاقهم، وتسجيل روايتهم عّم احدث، أمٌرٌ شديد الصعوبة. وهذا ما يُفرّس رتجنّب مؤرخين وكتّاب كثُر التعرّض لأحداث الانتفاضة حتى إن كانت في صلب اهتمامهم، واكتفاء بعضهم بالرواية المنشورة في صفحات الصحف. فيَمَ تكمن المشكلة إذًا؟ إنها لا تكمن في فوقية هذه المصادر في الأساس، بل في كيفية استخدامها؛ إذ شََّفَت معظم الكتابات عن إهمال أصحابها أبسط ضوابط استقاء الكاتب مادته منها، ومن ثم رسم صورة الحادثة كاملة. وتتضح النزعة اليقينية لدى الكاتب وثقته المطلقة بالمصدر من غير نقد وتمحيص. إنّ الصحافة الرسمية لا تصلح مصدرًا أساسًّيًا لرواية أحداث انتفاضة الأمن المركزي وانتفاضة 1977، فالمصدر هنا لا يقدّم حقيقة ما جرى، بل يقدّم ما كتبته الصحافة، فضلًاعن أن الصحف التي اعتمدت عليها الكتابات في روايتها، تقف على رصيف السلطة، وفي مقدّمها الأهرام بطبيعة الحال. الصحافة عمومًا هي أحد آثار الحادثة التاريخية، ومن ضمن مهمات عمل مُستحِض رالحادثة أن يُحَّوَل الخبر الصحافي إلى جزء من الحادثة، بعد أن يُعرّضه للتمحيص والغربلة والمقارنة بغيره، لا أن يعتبر الخبر هو ذاته الحادثة، وينقل رواية الإخباري كما هي، متحرّرًا من أي نزعة شك في مصدٍرٍ هو من أكثر المصادر التي يجب الشك فيها. إن ما يسرري على الصحافة، يسرري أيضًا على أوراق الدولة المتضمنة سرد الوقائع من رجال الجهاز الأمني، ومن وجهة نظرهم، وإن كان حجم الاعتماد على هذا المصدر ضئيلًا، تحديدًا، نظرًا إلى أن العمل عليه مُجِهٌِدٌ، ونظرًا إلى عدم إت احة قدر كبير منه لإطلاع العموم. وفي الكتابات عن الانتفاضات الثلاث، لا نجد عملًااستند إلى تلك الأوراق سوى الكتاب "العمدة" عن انتفاضة 1977، وهو كتاب حسين عبد الرازق  3: مصر في 18 و 19 يناير: دراسة سياسية وثائقية، الذي اعتمد أكثر، إلى جانب الصحافة في سرد الأحداث، على رواية الجهاز الأمني؛ فتراه يشرح للقارئ ويصف ما جرى كما وصفه تحديدًا مدير أمن القاهرة في تقاريره إلى النائب العام عن الأحداث، أو كما جاء في بيانات النائب العام ووزارة الداخلية، مَُسَلّمًابأن ما ضمّته هذه الأوراق هو عين الحقيقة، والحقيقة عينها. وكما أشرت آنفًا، هذا هو المرجع الرئيس لمعظم مَن كتبوا عن الانتفاضة، فقد استقى الكثيرون منه ولخّصوا ما ورد فيه، وأحالوا إليه على نحو مكثف. كان ذلك أيضًا حال انتفاضة 1968 التي تناولها بعض المؤرخين/ الكتاب اعتمادًا على الصحف، واعتمد كثيرون منهم على الأوراق الرسمية المتضمنة موقف السلطة، حتى إن الأمر وصل عند بعضهم إلى حد الاكتفاء بأقوال مسؤول أو أكثر في اجتماعات رسمية، بل إن منهم من اعتمد خطب عبد الناصر مصدرًا وحيدًا لرواية ما جرى، فأخذ يشرح للقارئ بلسان الحاكم أو أحد رجال نظامه، الذي كان هدفًا للانتفاضة نفسها. أما رواية شهود العيان، فقد حازت المنزلة الأكبر بين مصادر تأريخ أحداث تلك الانتفاضة، خاصة الطلاب؛ لكن ثمة مشكلة هنا تكمن في قَْص رالشهادات على فئة لم تمثّل الفاعل الوحيد، ولا الرئيس، في مشهد العنف (كانت مشاِرِكة فحسب)، فضلًا عن اعتماد بعض الكتّاب والمؤرخين على رواية طلاب ينتمون إلى اتجاه سياسي واحد. والمعروف أنه لا يمكن نسج سردية متماسكة ومتكاملة، وأقرب إلى الحقائق، من روايات الشهود إّل اإذا تنوّعت انتماءاتهم ومواقفهم، أو كانوا فاعلين رئيسين في الأحداث، وأنّه لا ينبغي للمؤرخ/ الكاتب الاكتفاء بالاقتباس مما أدلوا به من شهادات.

  1. هو صحافي وسياسي ماركسي. قطب يساري كان في زمن الانتفاضة أحد قادة "الحزب الشيوعي المصري" وحزب "التجمع"، وكتّابه عن الانتفاضة، كما أنه يتضمن موقف التنظيمين من الانتفاضة في وقت قيامها، وفيه تتضح أيضًا وجهة نظر وقراءة لجانب كبير من اليسار المصري للانتفاضة. ينظر: حسين عبد الرازق، مصر في 18 و 19 يناير: دراسة سياسية وثائقية، ط 3 (القاهرة: دار شهدي للنشر،.)1985

ويتجّل ىهذا بوضوح في كثير من الكتابات التي تناولت انتفاضة 1968. فالشهود إما أنهم كانوا طلابًا مسَّيَسين، يساريين على وجه الخصوص، وكان هؤلاء قادة الوجه السياسي الإصلاحي للانتفاضة، بل منهم من كانوا ينتمون إلى أجهزة الاحتواء الناصرية الرسمية، مثل منظمة الشباب؛ وإما أنهم كانوا طلابًا يتمثل قصور شهادتهم في وجودهم خارج بؤر التمرد العنيف، خاصة في مدينَتَي المنصورة والإسكندرية، فضلًاعن أن التيار الغالب بين الطلاب كان رافضًا توسّل العنف واستخدامه. باختصار، لن تسمع في هذه الكتابات أصوات "الناس" إّل انادرًا، بل لن تجدهم بوصفهم فاعلين رئيسين في معظم ما كُتب عن تلك الانتفاضة. هذا ما يتعلق بالمشكلات المنهجية فيما كُتب عن الانتفاضات، وهي مشكلات تتعلق بالمادة التي اسُتُخدمت في إنتاج المعرفة التاريخية عنها. لكن ثمة مشكلات أخرى تتعلق بالأثر السلبي لحمولة المؤرخ/ الكاتب الأيديولوجية والسياسية في عملية إنتاج المعرفة نفسها، بدءًا من كيفية السررد، وصولًاإلى الأحكام المنبثقة منها. وأعتقد أن الأهم هنا هو صورة الحادثة الكاملة؛ كما حدثت. أما بشأن التفسير والتحليل، فلا ضَ ير في أن يكون للكاتب موقٌفٌ منها، وموقٌعٌ ينطلق منه – بل إن هذا من طبيعة عملية إنتاج المعرفة ومنطقها – لكن ما أقصده بالأثر السلبي هو أن انحيازات المؤرخ/ الكاتب الفكرية والسياسية غالبًا ما أعمته عن رؤية ما لا يريد رؤيته في خريطة الحادثة، أو أنه تعامى عنها بسبب انحيازاته نفسها، فجاءت الكتابات حبيسة الفكرة التي أراد إثباتها أو نفيها؛ ومن ثمّ ضرب صفحًا عن حقائق، و"لوى عُنق" معطيات أخرى، وانتقى ما أعاد به تركيب الحادثة التاريخية وتقديمها في صورة تنأى أشواطًا عن حقيقة ما جرى. لقد تجلى أثر هذه الانحيازات في التأريخ للانتفاضات على مستويين: المستوى الأول هو الموقف من "العنف"، الذي هو، لفظًا وفعلًا، ذو حمولة سلبية، فالفعل العنيف يرفضه، بل يُجرّمه، العقل السياسي النخبوي، وقد يتردد في الرفض، أو يأتي رفضه مشوّشًا؛ فأحيانًا يشيد بفاعليه، ويعترف بكونه فعلًانضاليًا مشروعًا، وهي حالات نادرة، لكنه في أغلب الأحيان، يستنكره وُيُجرّمه في تماٍهٍ مع موقف السلطة، وإن اختلفت المرجعية. وفي حالة الانتفاضات الثلاث، كان الموقف النخبوي السائد هو رفض العنف؛ ما انعكس على موقعه فيما كُتب. أما المستوى الثاني، فتمثل في انعكاسات المعركة الناصرية – الساداتية على كتابة أحداث انتفاضَتَي 1968 و 1977؛ إذ كان التاريخ أحد أهم أسلحة هذه المعركة، فقد انعكست معاداة السادات تأييدًا لعبد الناصر حتى من غير الناصريين. وبما أن أحد تمّثلّات الانقضاض الساداتي على عبد الناصر وعهده، كان الإضاءة الُمُغرضة على مثالب على الرغم من أن أ حُكمه-سس الحكم واحدة والاختلاف كان في "الطبعات" والتوجهات فحسب - فإن معارضي السادات اعتبروا أن التأريخ لمصر الناصرية يتعّي نأن يخلو من أي إشارة قد تصبّ في مصلحة الساداتية، وإّل ااُّتُهم المؤرخ/ الكاتب بأنه جزٌءٌ من "الانقلاب" الساداتي على "الثورة." لذلك، سنجد كُتّابًا تقدميين وديمقراطيين ويساريين حين كتبوا عن انتفاضة 1968، تجاهلوا، أو همّشوا، كل من مثّل فيها رفضًا صريحًا وتحديًا معلنًا للسلطة الناصرية، وفي مق دمة ذلك العنف، بينما اختلف الحال مع انتفاضة 1977، وإن شاب الكتابَةَ عنها الرفُضُ المبدئي للعنف والذود عن نفيه عن عموم الناس الذين شاركوا في الانتفاضة. عمومًا، خرجت من أتون المعركة، و"مباراة" المساوئ والمميزات الرئاسية تلك، نصوص يتبدّى فيها أن الحادثة التاريخية لم تكن سوى أداة في الصراع على التاريخ (صراع على التاريخ بالتاريخ نفسه)، بينما طُحنت الحادثة (أي التاريخ نفسه) بين "رحى" هذا الصراع. لقد تعرّفنا إلى أحداث الانتفاضات الثلاث في كتب التاريخ وغيرها بكثير من المشكلات المنهجية والفكرية؛ إذ جرى سردها سردًا فوقيًا، سواء في الكتابات التقريرية أو التحليلية، وسواء عند المجتهدين ممن اعتمدوا على المصادر التي ذكرنا آنفًا، أو عند من نقل عنهم وعَّدَ كتاباتهم مراجع للتأريخ. لقد تشكّلت لتلك الحوداث صورة ثابتة موروثة، ليس في الكتابات فحسب، بل أيضًا في المخيال العام الذي تُعدّ الكتابات أحد روافده، حتى إنها باتت من المعروف؛ من التاريخ بالضرورة، إلى الحد الذي قد نجد كُتّابًا يعرضون الحادثة من دون أي مصادر أو إحالات. لكنها تبقى صورةً منقوصةً، غير دقيقة، خرج عن إطارها الكثير، يحتاج كثير مما انحشر داخله، إلى المراجعة النقدية الحصيفة.

ثانيًا: الحادثة: من الحضور الباهت إلى شبه الغياب

إنّ أعمال التمرد أو المقاومة العنيفة من أكثر الأحداث التاريخية التي يُعدّ البحث والتنقيب في تفاصيلها المشهدية على درجة كبيرة من الأهمية، من أجل فهم الحادثة وتأويلها وتعزيز فرضيات وتفنيد أخرى، بل توظيفها في قراءة أحداث أخرى أيضًا، فهي تحمل في طيّاتها دلالات الفعل ومقاصده ومنطقه وموقعه التاريخي؛ إنها ليست مجرد تدقيق غير فارق في المعلومات. لكن جاءت الكتابة عن الانتفاضات الثلاث، عملًّيًا، عاكسة إهمالًالتمثلات العنف وفاعليه، بل تغافلًاعن حضوره في المشهد، ومن ثم اختفت دلالاته من عملية القراءة والتأويل.

بالنسبة إلى انتفاضة 1968، توضح عملية البحث الجادة التي تبدأ من وسط رصيف الناس، أي من أسفل لا من أعلى، أنها كانت مشهَدَ تمرٍّدٍ جماهيري ضمّ فئات شعبية مختلفة، وتعدّدت نطاقاته المكانية بين المصانع والجامعات والشوارع والميادين. ومن خلال مصادر متوفّرة، لكنها أ هملت عمدًا أو جهلًا، ستجد أن سلوك الناس الاحتجاجي لم يخُلُ من مظاهر التمرد العنيفة، بالاقتحام أو التحطيم أو الحرق الذي استهدف مبانَيَ المحافظات والأندية التابعة لها، ومقرّات للاتحاد الاشتراكي، وحافلات المواصلات العامة، وملاهَيَ ليلية، ومحلات تجارية. وفي مدينة المنصورة، حوصرت مديرية الأمن وقسم الشرطة، بل حاول المنتفضون احتلال هذا القسم والاستيلاء على مستودع الأسلحة. ولم يسلم كذلك جهاز الدولة الدعائي من الاستهداف؛ إذ حوصر مبنى صحيفة الأهرام وحاول المحتجون إضرام النار فيه، وكان هذا إبان موجة شباط/ فبراير الأقل عنفًا. في قلب ذلك المشهد، كانت ثمة جثث؛ أرواح أزهقها رصاص قوات القمع التي قاومها المتمردون المسلحون بالحجارة. تخلو معظم الكتابات 4 من تفاصيل كهذه، ومن ثم تفسيرها ودلالاتها. ويمكننا تقسيم هذه الكتابات إلى ثلاثة أنماط: يشمل النمط الأول الكتابات المعنية بدراسة النظام الناصري أو الحقبة الناصرية، أو ثورة يوليو دراسة تفصيلية تقييمية، تقع أحداث 1968 في قلب سياقها، سواء بالمعيار الزمني أو الموضوعي. لكن إما أننا لن نجد لها أي إشارة، وإما أن نجد لها أسطرًا معدودات تخبرنا عن أن "مظاهرات" حدثت في تلك اللحظة الزمنية المهمة - وهي تاريخيًا لحظة الهزيمة – احتجاجًا على أحكام الطيران. ولعل أكثر الكتب التي تجّل ىفيها هذا النموذج، هي الكتب الجماعية التي صُنّعت، بكل ما يحمله لفظ الصناعة من معنى، لتقييم ثورة يوليو أو عهد عبد الناصر، وشارك في تأليفها مؤرخون في الأساس، ومعهم باحثون في مجالات أخرى، وقد تضمّنت بحوثًا ودراسات تتناول كل شيء إّل اأن ثمة جماهير تمردت، فما حظيت بتناول مستقل، ولا جرى تناولها ضمن السياق  5. أما النمط الثاني، فهو الكتابات المعنية بالحركة الطلابية المصرية وتطورها التاريخي، وهي أكثر الكتب التي تجد فيها كلامًا عن انتفاضة 1968، نظرًا إلى رسوخ تصنيفها بأنها حركة طلابية خالصة (نسبة إلى الفاعلين.) وفي هذا النمط، نجد اختزلًالأعمال العنف، خاصة من غير الطلاب، وتهميشًا واضحًا لأحداث تشرين الثاني/ نوفمبر، بل إن ذلك اقترن بالإدانة الصريحة أو الضمنية للعنف الذي كان من الصعب على المؤرخين/ الكتّاب إنكار وجوده في مثل هذه الكتابات، وإن جرى تناوله على نحو سطحي 6. وتمثل النمط الثالث في الكتابات التي كان للانتفاضة دوٌرٌ وظيفي مهٌمٌ فيها، ومع ذلك لم يقترب أصحاب تلك الكتابات من أحداثها، وتعاملوا معها باستخفاف واستسهال، على الرغم من استخدامهم لها في إثبات فرضية أو نفي أخرى، وعلى الرغم من وقوعها في قلب سياق موضوعات تلك الكتابات أيضًا؛ ما يقتضي بالضرورة الاقتراب منها، إّل اأن أصحابها لم يكترثوا بحركة الناس ذاتها، فهي ليست أكثر من موضوع للتوظيف. تمثّل النموذج الأوضح لذلك في الكتابات المناهضة للناصرية، وفي المدافعة عنها أيضًا؛ فمن الفئة الأولى، نجد كتابات المؤرخ عبد العظيم رمضان، وهو من المعنيين بالتأريخ الحدثي والبارعين فيه، وصاحب قلم سيّال، لكنه في مئات الصفحات التي سوّدها لنقد النظام الناصري وثورة يوليو، في كل أبعادها، تجاهل

  1. من أهم الكتابات الاستثنائية التي ركزت على أعمال المقاومة العنيفة، ينظر: محمود حسين، الصراع الطبقي في مصر من 1945 إلى 1970 (بيروت: دار الطليعة،.)1971
  2. من الكتب الجماعية البارزة، ينظر: رءوف عباس [وآخرون]، 5 أربعون عامًا على ثورة يوليو: دراسة تاريخية (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 1992)؛ ثورة 23 يوليو 1952: دراسات في الحقبة الناصرية، محمد السعيد إدريس (محرر) (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2003)؛ لجنة من المؤرخين المصريين، جمال عبد الناصر وعصره، إشراف وتقديم عادل غنيم (القاهرة: دار المعارف، 2013.) ومن الكتب الفردية على سبيل المثال، ينظر: رءوف عباس، ثورة يوليو: إيجابياتها وسلبياتها بعد نصف قرن، كتاب الهلال، العدد 631 (القاهرة: مؤسسة الأهالي،.)2003
  3. ينظر: أحمد عبد الله، الطلبة والسياسة في مصر، ترجمة إكرام يوسف (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007.) وهذا الكتاب هو المرجع الرئيس للباحثين والقراء عن حركة عام 1968، وهو في التقييم العام عمل أكاديمي جادّ في موضوع الحركة الطلابية؛ ومن نماذج الدراسات الأكاديمية الحديثة التي برز فيها الإهمال والتهميش وسطحية التناول، بل الكثير من المشكلات المتعلقة بالمصادر أيضًا، ينظر: محمد ممدوح حسن، الحركة الطلابية في مصر 1979–1967، سلسلة مصر النهضة 112 (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، مركز تاريخ مصر المعاصر، 2017)؛ ومن الكتابات الأجنبية المهمة: Haggai Erlich, Students and University in 20 th Century Egyptian Politics (London: Taylor and Francis, 2005).

أحداث 1968، وحتى عندما استدعاها للتوظيف، لخّصها في بضع كلمات تصفها بأنها حركة تمرد من "الشعب" ضد عبد الناصر ونظامه بعد أن "أفاق" هذا الشعب على حجم هزيمة عام 1967 وعلم حقائق ما حصل فيها وأسبابها. أنجز رمضان ذلك في كتاب سخّره ل "تحطيم الآلهة" 7، آلهة ثورة يوليو ونظام عبد الناصر - بل تحطيم هذا النظام، متوسلًاالتاريخ، كما قال صراحة – من دون أن يقترب من فعل الرفض الجماهيري الوحيد الذي يتجّل ىفيه الموقف العملي من تلك "الآلهة." وفي كتاب آخر، حرب أكتوبر في محكمة التاريخ8، فَّس ررمضان حرب الاستنزاف بأنها كانت نتيجة لحركة عام 1968 التي أشعلت الجبهة الداخلية، وما كان من وسيلة لحفظ استقرارها سوى شنّ حرب الاستنزاف. لكن حادثة بهذه الأهمية الوظيفية لديه لم تستحق منه سوى ذلك التناول الشديد الفوقية  9. كانت للأحداث أيضًا أهمية وظيفية في كتاَب يالمؤرخ شريف يونس، نداء الشعب10 و الزحف المقدس11، وقد ركّز في كليهما على النقد العميق للسلطة والأيديولوجيا الناصرية. لكنه في الكتاب الأول استدعى الحركة فحسب، ليقول "على استحياء" إن ثمة تمردًا حدث؛ وفي الكتاب الثاني الذي ركز على مظاهرات رفض تنحّي عبد الناصر - سبقت انتفاضة 1968 بعدة أشهر، وهي في ارتباط وثيق بها لمن أراد الاقتراب من حركة الناس - بوصفها ذروة تحقق مشروع "الزحف المقدس"، استدعى عام 1968 ليقول إنها كانت من علامات أفول هذا المشروع، أو ليثبت أنه دخل مرحلة الأفول، وقد اقتصر هذا الاستحضار على الاستنتاج. لا تكمن المشكلة هنا في عدم التعرّض للحركة ذاتها في مؤَّلَفيَن، هي في صلب موضوعهما، بل في تلخيصها في استنتاجات وتوظيفها، وهو الذي استخدم فيه المؤرخ "مقًّصًا حاًّدًا" لإبعاد ما يدحض قراءته وفرضيته، فحتى تكون حركة غير مناهضة للناصرية وأسس الحكم، ومحدودة الأهداف والمقاصد، تعّي نالإعراض عن كثير مما فعله هؤلاء "المستحيون" 12. أما بالنسبة إلى كتّاب ناصريي الانتماء أو الهوى، أو الفريق الذي يشوب كتاباِتِه النقُدُ الحذر لعبد لناصر ونظامه، فحدّْثْ ولا حرج. تأثرت هذه الكتابات على نحو واسع بموقف المؤرخ/ الكاتب السياسي والمعركة الناصرية – الساداتية المتوسلة التاريخ، والمنعكسة عليه. وإذا رُمنا نموذجًا، فلا أهم ولا أوضح من كتابات محمد حسنين هيكل، وهي كتابات تاريخية تحوز مكانة خاصة، وإن كانت تفتقر إلى معظم أسس الكتابة التاريخية المنهجية. فهيكل نفسه ليس مؤرخًا، لكن موقعه يتجاوز كونه مجرد صحافي يروي شهادته ويقدّم معلومات؛ إنه في المخيال العام أحد كتاب "التاريخ." عمومًا، لم يُقدم هيكل في كتاباته التي تحتاج إلى جهد لحصرها على الاقتراب من مشهد انتفاضة 1968. وُيُعزى هذا إلى أنه، واقعيًا، كان ينتمي انتماء أصليًا إلى الطرف الُمُنتَفَض ضدّه، نظرًا إلى موقعه في بنية السلطة، فهو لسانها ورمز جهازها الدعائي، لذلك فقد تصدّر من استهدفهم الناس بالهتاف ضدّهم: "هيكل هيكل يا كداب.. بطل كدب يا نصاب." وتجاوز الأمر الهتاف ضده إلى استهدافه وما يمثله عمليًا من جانب الغاضبين، فحاصروا مبنى صحيفة الأهرام وحاولوا إضرام النار فيه. وعلى الرغم من تفاعل هيكل اللحظي مع الانتفاضة بكتابة عدة مقالات عنها  13 آنذاك، وبالطبع من موقعه هذا، فإنه لم يتطرّق إليها في الصفحات الكثيرة التي كرّسها بعد ذلك لعرض تاريخ البلاد إبان الحقبة الناصرية، لكنه اضطر – مثل غيره - إلى الإشارة إليها في الكتاب الذي سخّره لنقد السادات (خريف الغضب14)، فعرضها عرضًا ملخصًا من خلال ما كتبه عنها في مقالاته، وتعرّض لها في أكثر من موضع بوصفها مظاهرات شبابية، دافعها تململ شباب الجامعات وقلقهم، في حين كان غرضه الأساسي في استعادتها أن يعقد مقارنة بينها وبين انتفاضة 1977، خاصة من جهة القمع. فبحسب ما ذهب إليه، تفهّم عبد الناصر الحركة واحتواها بحكمة، لكن السادات الذي كسررت الانتفاضة نظامه، استخدم القمع العنيف، مثل أي نظام ضعيف في لحظة هزيمة. ومن ناحية أخرى، برز تجاهله لعنف عام

  1. عبد العظيم رمضان، 7 تحطيم الآلهة: قصة حرب يونيو 1967   (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)1988
  2. عبد العظيم رمضان، حرب أكتوبر في محكمة التاريخ (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)1995
  3. تبدو مشكلة رمضان مع التمردات العنيفة واضحة في سياقات أخرى، فهو لم يكتب عن انتفاضة 1977 إّل احينما اندلعت انتفاضة جنود الأمن المركزي، فانتهز الفرصة وكتب عن
  4. شريف يونس، نداء الشعب: تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية (القاهرة: دار الشروق،.)2012
  5. شريف يونس، الزحف المقدس: مظاهرات التنحي وتشكل عبادة ناصر (القاهرة: دار التنوير للطباعة والنشر،.)2012 12 من المعروف أن الكتابات المناهضة للناصرية كثيرة جًّدًا، وقد اخترت منها النموذجين المذكورين في المتن للاستدلال على أهميتهما ولكونهما لمؤرخين أكاديميين، لكن القائمة تطول، خاصة التي استخدمت الحادثة للطعن فحسب في النظام الناصري، من دون اقتراب جاٍّدٍ منها ومن فاعليها. على سبيل المثال، ينظر: رمزي ميخائيل، تاريخ السياسة والصحافة المصرية من هزيمة يونيو إلى نصر أكتوبر، سلسلة تاريخ المصريين 81 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)1995
  6. الانتفاضتين في هجوم شديد، معتبرًا هذه وتلك مؤامرَتيَن. وجاء هذا في مقالة من المقالات الكثيرة التي جمعها تحت عنوان الصراع السياسي والاجتماعي في عصر مبارك، وقد كرّسها للدفاع عن مبارك ب "الباع والذراع." وعلى الرغم من أن ما كتبه رمضان في صورة مقالات، فإنه كان يكتب دائمًا بصفته مؤرخًا ويقدّم نفسه هكذا، وهو أكثر المؤرخين تناولًاللتاريخ على صفحات الصحف. ينظر تحديدًا: عبد العظيم رمضان، الصراع السياسي والاجتماعي في عصر مبارك (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)1993
  7. أهمها: محمد حسنين هيكل، "قضية الشباب"، 13 الأهرام، 1968/11/29، ص 1، 3؛ الأهرام محمد حسنين هيكل، "الشباب بين النيران والثلوج"،، 1968/12/6، ص 1،.3
  8. محمد حسنين هيكل، خريف الغضب: قصة بداية ونهاية عصر أنور السادات (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر،.)1988

1968 في تنظيره لنزوع "الشعب المصري" إلى العنف الذي اعتبر أن تمثّله تاريخيًا بدأ مع السادات، في عدة أحداث سبقت انتفاضة 1977، وقد استدل بها ليثبت أن تركيبة الشخصية المصرية ليست استسلامية، وأن الشعب المصري يستطيع أن يُعّب رعن إرادته. وهنا سقطت انتفاضة 1968 تمامًا، فالتعبير عن الإرادة كان في مواجهة السادات فحسب  15. وبخلاف هيكل وأمثاله، يمكننا أن نعتبر غالي شكري (وهو ماركسي) من أبرز الكتّاب غير الناصريين الذين استخدموا انتفاضة 1968 وظيفيًا، بدرجة كبيرة، في حين شاب كتابته عنها (في كتاَب ي: النهضة والسقوط، و الثورة المضادة16) قصور واضح، ولا سيما إهماله العنف وفاعليه واختزاله الُمُخلّ في عرض الحركة، ومن ثم تأويلها، في مقابل الاهتمام بانتفاضة 1977. وتحظى انتفاضة 1968 باهتمام أك بر لكثرة ما كُتب عن فترتها الزمنية، مقارنة بانتفاضة 1977 التي لا نجد إغف لًالتمّثلّات العنف فيها، لأن العنف لم يكن جزءًا من مشهدها، بل صبغ معظمه، وكان خاصية الانتفاضة الرئيسة، لذلك تمثّل وجه القصور في اختزاله. فالذين اختزلوا عنف انتفاضة 1977 أو استفاضوا فيه، مؤرخين للحادثة، إنما حصروه في الأعمال التي تجلى فيها الغضب من السياسات الاقتصادية. ولا نجد هذا الاختزال في الدراسات ذات البعد الاقتصادي فحسب، بل في جل الدراسات التي تناولت الانتفاضة؛ إذ اقتصر تفسيرها على التفسير الاقتصادي، ومن ثم فقد عُرضت بوصفها غضبًا عفويًا خاطفًا تحت تأثير الضغوط الاقتصادية، ولم تُستهدف سوى مظاهر النهب والاستغلال الاقتصاديين  17. وهكذا جرى تجاهل جزء شديد الأهمية في تمّثلّات الرفض (عرضًا أو تفسيرًا)، وكان في قلب الحدث ذاته، فكما استعمل الغاضبون العنف ضد الفنادق الكبرى والمجمعات الاستهلاكية والبنوك ومحطات الوقود والملاهي الليلية والمواصلات العامة وشركات القطاع العام، وغيرها، كانت ثمة أيضًا منشآت أخرى مهمة امتدّ إليها غضبهم، وهي مراكز وأقسام الشرطة، أي المقرّات المعروفة للجهاز الأمني، التي لم يكن استهدافها على هامش الأحداث؛ ومن ثم فقد استحق أكثر من مجرد عبارة قصيرة مختزلة في قائمة الأحداث. هذا ما يكشفه بوضوح أي اقتراب من أحداث الانتفاضة؛ إذ استهدف الغاضبون، على نطاق واسع، مبانَيَ أقسام ونقاط الشرطة، فتجمهروا بأعداد كبيرة أمامها وحاصروها ورموها بالحجارة، وأصرّوا على اقتحامها، وأتلفوا ما استطاعوا من تجهيزات كانت في تلك الأمكاكن التي اقتحموها، وحطموها، وأضرموا في بعضها بكرات اللهب، وأحرقوا معظم سيارات الشرطة أو أتلفوها، في حين نجح بعض المنتفضين في الاستيلاء على أسلحة موجودة في بعض الأقسام والمراكز، فضلًاعن حصار الآلاف لمقر جهاز مباحث أمن الدولة في مبنى وزارة الداخلية ومحاولتهم اقتحامه. وأبعد من ذلك، استهدف الغاضبون الفتك برجال الشرطة أنفسهم، ومن نجا منهم من ذلك، لم ينُجُ إّل ابالفرار والتنكر من خلال خلع الزيّ الميري. وعمومًا، لم يصمد الجهاز الأمني بقوة السلاح أمام المنتفضين، سواء في هذا النطاق (محيط الأقسام) أو في كامل نطاق الانتفاضة التي تُعدّ التمثل التاريخي الأهم لعجز الجهاز الأمني والوحيد لهزيمته أمام تمرد الجموع السائلة طوال حكم دولة يوليو حتى ثورة 25 كانون الثاني/ يناير.2011 لا نجد هذا الجانب بكل تفصيلاته، عرضًا وتحليلًا وتفسيرًا، في الكتابات عن الانتفاضة. وفيما تقدّم ما يُغني عن التذكير بما له من أهمية في كل عناصر الكتابة عن الفعل التاريخي، بداية من دوافعه، مرورًا بتمثلاته وتحديد فاعليه وتأويله، وانتهاءً بتأثيراته. وإنني لا أقصد من التقاطه، بوصفه جزءًا مستبعدًا من الحادثة، أن الجزء الآخر الذي اختزلت فيه غير مهم، لكنني أعني الصورة الكاملة التي مثلما دلّ الكثير من تكوينها الحدثي على رفض السياسات الاقتصادية وتحدي الطبقة المسيطرة؛ تحدي نهبها واستغلالها وتبجحها. فثمة ما حدث وشَّكَل تعبيرًا عن رفض القهر والإذلال والقمع، وتعبيرًا بالضرورة عن إمعان السلطة في ذلك كله. وعمومًا، فإن قمع السلطة خارج إطار النخبة السياسة ومسررح السياسة مجال غير مطروق، ولا يُقترب منه بالبحث والدراسة، بمعنى أنه لا يوجد اهتمام بسياسة السلطة القمعية وآلياتها في مجال الضبط الاجتماعي لعموم الناس، وتطور مقاومة هؤلاء وأشكالها، التي كانت انتفاضة 1977 إحدى لحظاتها التاريخية المميزة، وذروة سبقتها أحداث كثيرة، انقض فيها

  1. كتب هيكل أيضًا عن انتفاضة الأمن المركزي في كتابه مبارك وزمانه، لكنه لم يُعرها أي اهتمام، على الرغم من تشديده على أهميتها التاريخية، حيث استخدمها في الاستفاضة عن علاقة مبارك والمشير أبو غزالة فحسب، وداخل إطار السياسة الخارجية. ويبدو أن هيكل لم يكن معنيًا كثيرًا بالغليان الداخلي و"الغضب" وتفاصيله إّل افي عهد السادات. ينظر: محمد مبارك وزمانه: من المنصة إلى الميدان (القاهرة: دار الشروق حسنين هيكل،،.)2013
  2. غالي شكري، الثورة المضادة في مصر، كتاب الأهالي 15 (القاهرة: مؤسسة الأهالي،)؛ غالي شكري، النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث 1987 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)1992
  3. في المقدمة يأتي كتاب حسين عبد الرازق السابق ذكره، الذي يُعد المرجع الرئيس لقراءة الانتفاضة، واعتمد عليه كثيرون، على نحو ما تقدّم ذكره. ومن المؤَّلَفات المهمة في هذا الصدد أيضًا: نزيه نصيف الأيوبي، الدولة المركزية في مصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989)؛ Raymond William Baker, Egypt's Uncertain Revolution Under Nasser and Sadat (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1978); Nazih N. M. Ayubi , The State and Public Policies in Egypt since Sadat (Reading, UK: Ithaca Press, 1991); Kirk J. Beattie, Egypt During the Sadat Years (New York: Palgrave, 2000); آن ألكسندر وديفيد رينتون، "العولمة والامبريالية والمقاومة الشعبية في مصر "، في: الصراع الطبقي في أفريقيا: دراسات مترجمة، 2000–1880 ترجمة محمد عبد الكريم أحمد، ليو زيليج (محرر) (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع،)2016

الأهالي - في العاصمة والأقاليم خلال عاَمَي 1975 و 1976 - على مقار الجهاز الأمني ورجاله لمقاومة إيغاله في القمع بالعنف. أمّا السلطة بوصفها طرفًا في أحداث الانتفاضات، فيبدو جلًّيًا عدم الاهتمام بما مارسته من عنف؛ إذ غالبًا ما يأتي من دون أي اقتراب من تفاصيله، على الرغم من أنها على درجة كبيرة من الأهمية. فمستوى عنف السلطة وطبيعته كاشفان عن أمور كثيرة تتعلق بقدراتها وأدواتها ووضعها وقت وقوع الحادثة ومدى تأثّرها بها. لا شك في أنه يوجد فارق بين أن تقتل قوات الأمن عشرة أشخاص، وأن تقتل مئة، وبين أن تعتقل خمسمئة شخص، وأن تعتقل خمسة آلاف. لكن يبدو أن التدقيق في مثل هذه الأرقام يزعج الكثيرين، ولا يشكّل لديهم فارقًا، حتى إننا نجد اطمئنانًا لإحصاءات السلطة المعلنة في تحديد ضحايا هذه الأحداث، وهي أرقام أبعد ما تكون عن الحقيقة، ومن ثم تحمل دلالات من حيث البعد ذاته. أما الجيش، بوصفه القوة التي مثّلت السلطة في قمع الانتفاضات الثلاث، الذي شارك في قمع انتفاضة 1968، وتوّل ىوحده قمع انتفاضتي 1977 و 1986، فيبدو واضحًا غياب الحديث عن دوره، على الرغم من أهميته الكبيرة. فمن الملاحظ أن أكثر الدراسات عن تدخّله في الانتفاضات، كانت تلك المعنية بموقع الجيش نفِسِه في النظام السياسي وتحّولّاته، ومسار العلاقات المدنية - العسكرية، ومسألة عسكرة النظام وغيره. ومع ذلك، نجد معظم تلك الدراسات تتناول دور الجيش في قمع الانتفاضات على نحو سطحي ومجمل، ومن دون تدقيق، على الرغم من أهمية ذلك في فهم دور الجيش في حماية النظام وبوصفه أداة القمع الرئيسة في أوقات الخطر العصيبة، وفي قراءة تحّولّات علاقته بمؤسسة الرئاسة، وغيرها من الموضوعات التي تقع في قلب التطور التاريخي لنظام الحكم المصري. ومن الملاحظ، أيضًا، أن تلك الدراسات اعتمدت السررديات السائدة المتعلقة بحدود تدخل الجيش ومستوى العنف الذي استعمله في قمع الانتفاضات، والتي تبتعد كثيرًا عن حقيقة ما جرى  18.

ثالثًا: النزعة الفوقية في قراءة التمرد العنيف وتحديد فاعليه

مَن تمرد/ انتفض متوسلًاالعنف؟ بداهةً، يسبق تحليل أي حركة وتأويلها أن ينشغل المرء بالإجابة عن هذا السؤال وُيُقدّمها إلى القارئ. لكن الكاتب، في أغلب الأحوال، عندما يتعلق الأمر بحركة الحشود التلقائية، يستسهل التعميم، وحين تكون الحركة عنيفة الطابع وتفرض نفسها بوصفها فعلًاتاريخًّيًا مهًّم ا، فإن الأمر هنا يخضع النظر للفاعلين وتحديدهم وتصنيفهم تحت عدة محددات تخص النخبة المحتشدة للفهم والتحليل من موقعها الفوقي. تحكّمت في قراءة حركة الناس في مصر تاريخيًا تصوراٌتٌ مسبقة، وتعرضت لتنظيرات فوقية جرى إخضاع الواقع لها. وفي محاولة إثباتها، اسُتُخدمت استدلالات تشوبها السطحية، إن لم يضربها فساد. لقد حُزمت فكرة ثورة المصريين بسياج نظري، مفاده أن "الشعب المصري" بطبيعته لا يثور، وُجُبل على الإذعان والخضوع. وفي المقابل، وضمن سياق مضاد، ليس تاريخ الشعب المصري سوى سلسلة من التمردات والانتفاضات وحركات الرفض. وقد تفرّعت من هذه الأفكار تهويمات عدة، من بينها أنه لا يثور إّل افي الرخاء لأن الجوعى لا يثورون، أو أنه - على النقيض من ذلك - شعب لا يُحرّكه إّل اجوعه، ولا يستهدف من حركته إّل اوقف تجويعه، وهكذا. أما الفعل الثوري العنيف، فهذا أكثر ما يتعرّض هو وفاعله للتنظير والقولبة في مسافة شاسعة تفصل بين الواقع ومن يُنِّرظِ له. ثمة استهجان واستنكار من جانب النخب المصرية لتوسل عموم المصريين العنف في التعبير عن الرفض أو الغضب. هكذا بشكل عامّ؛ أي إنك ستجد في كثير من الكتابات، على تنويعاتها، حقيقة تاريخية تقول إن الشعب المصري، وإن غضب، فإنه لا يستخدم العنف؛ فهو سلمي بطبعه، أي إن النزوع إلى السلمية جزٌءٌ أصيل من شخصيته، وإن فعل فهو يكون مضطرًا، ثم إنه يستخدم العنف دفاعيًا لا هجوميًا؛ أي مجرد ردّة فعل ناتجة من استفزاز حاكميه وعنفهم ضدّه، عنفهم اللحظي المباشر - لا التاريخي المتراكم - الذي يواجهه بآخر دفاعي عفوي غير واٍعٍ. هذا في حالة الاعتراف الجزئي بالعنف، غير أن ما يحدث في أغلب الأحوال هو إنكاره على عموم الناس، وإلصاقه بفاعلين محددين، يجري تصنيفهم ووصمهم وعزلهم عن بقية "الشعب." فستجدهم مثلًامخربين، أو مجرمين محترفي الإجرام، أو مندّسيّن، أو متآمرين، من الخارج أو الداخل، في حين يأتي ربط العنف بهذا الفاعل الأخير، أي المتآمر الُمُحِّضرِ، بتصور نخبوي آخر، ألا وهو أن تلك الجموع تفتقر إلى الحد الأدنى من الوعي السياسي الذي يجعلها قادرة على التحرك ذاتيًا - سواء كان تحركها إعلانًا منها

  1. يبدو واضحًا أن عددًا كبيرًا من الدراسات التي تعرّضت لدور الجيش عمومًا، واقتربت منه في الفترات التي حدثت فيها التمردات، جاء باللغة الإنكليزية، سواء كان أصحابها أجانب أو مصريين، وشكّل مراجعًا لكتابات باللغة العربية، ومن تلك الدراسات المقصودة في المتن، ينظر على سبيل المثال: Raymond William Baker; Robert Staloff, Army and Politics in Mubarak's Egypt (Washington, DC: Washington Institute for Near East Policy, 1988); Robert Springborg, Mubarak's Egypt: Fragmentation of The Political Order (Boulder: Westview Press, 1989); Zeinab Abul-Magd, Militarizing the Nation: The Army, Business, and Revolution in Egypt (New York: Columbia University Press, 2017); الجيش والديمقراطية في مصر، أحمد عبد الله (محرر ومن الدراسات العربية، ينظر:) (القاهرة: سينا للنشر،.)1990

لوجودها ورفضها واقَعَها فحسب، أو سعيًا واعيًا لتغييره - في شكل عنيف، من دون قوة أخرى تدفعها وتهيّجها. لا تحضر مسألة توسّل العنف في العقل النخبوي في انتفاضاتنا هذه فحسب، بل إنها تحضر كذلك في انتفاضات وأحداث تاريخية مهمة، أبرزها ثورة عام 1919 التي لا تزال أفعال الفلاحين (قوامها الأساسي) محل جدل وخلاف  19؛ وحادثة حريق القاهرة في عام 1952 التي سُوّدت لتأريخها وتفسيرها مئات الصفحات في استبعاد نخبوي متصلب لأْنْ يكون الناس فاعلًارئيسًا فيها. تطبيقيًا، تجّل ىهذا الرفض في قراءة العنف وتحديد الفاعلين التاريخيين في كل انتفاضة؛ إذ كثيرًا ما تجد المؤرخ/ الكاتب يُحدّد مَن الذي تمرّد وفق تصورات تسبق وُلوجه إلى عالم الحدث وفاعليه، فيراهم من داخل شرنقة يقينياته. وإن أردنا أمثلة في هذا السياق، فإنّ انتفاضة 1977 هي المشهد التاريخي الذي تجّل ىفيه ذلك أكثر من غيره؛ إذ ثمة عملية تصنيٍفٍ للفاعلين بدأت من وقت الانتفاضة، وانعكست في كل ما كتب عنها بعد ذلك. وهنا، لا يمكن استبعاد المواقف المتعددة من الحركات الجماهيرية العنيفة وقت حدوثها عند قراءة ما كتب عنها لاحقًا، نظرًا إلى أنها تمثل أرشيفها الذي يستقي منه الكاتب مصادرها، ولأن الكاتب نفسه قد ينتمي سياسيًا أو أيديولوجيًا إلى تيار ما، أو اتجاه له موقٌفٌ من الحركة وقراءةٌ معيّنة لها. لعل القراءة اليسارية للانتفاضة هي الأشد إدهاشًا والأغنى دلالة. فقد جاءت تحمل صراحة وضمنًّيًا رفضًا للعنف، ومن ثم تصنيفًا لفاعليه بعيدًا عن حقائق الأمور؛ إذ سنجد في كتابات يسارية أن متوسلي العنف توزّعوا بين متآمرين (عملاء لإسرائيل)، ومحترفي إجرام، وأحداث "فاقدي الأهلية"، ومع ذلك نجد في الكتابات نفسها أن ثمة "مواطنين عاديين" (يمثلون الشعب المصري وطبيعته السلمية) انجرفوا إلى العنف وشاركوا في النهب والسلب، تعبيرًا عّم ايعانونه من استغلال اقتصادي وقهر طبقي، أو أن اندفاع الناس إلى استخدام العنف كان ردّة فعل على عنف قوات الأمن المفرط، ولم يظهر أساسًا على مسررح الحادثة إّل ابعد القمع الذي تعرّضت له الحركة. وعمومًا، نجد في هذه الكتابات رفضًا للاعتراف بها بوصفها حركة شعبية عنيفة، وتصنيفها على نحو مجمل على أنها تحرٌّكٌ سلمي، تحوّل إلى أعمال عنف وتخريب بفعل فاعلين محددين يمكن عزلهم وإقصاؤهم عن مجموع الشعب واستثناؤهم من طبيعته السلمية  20.

لم يقتصر مثل هذا التصنيف على اليسار الماركسي، بل نجده أيضًا في القراءة اليسارية والتقدمية، عمومًا، في جل النخب. ومن ناحية أخرى، لنا أن نقف أمام التناقض الفج الذي يحويه موقف اليسار، وهو المفترض أن يرتبط وجوده وعمله وأهدافه بحركة الجماهير، وبصفّها، لكن قد يكون التفسير الأقرب إلى هذا الموقف هو عدم قناعة معظم اليسار المصري المنظّم بحركة الناس العنيفة، ما دامت خارج إطارهم وتنظيمهم، وهم فعلًالم ينظموا تلك الانتفاضة أو يقودوها، بل إنها تجاوزت اليسار وأهدافه وقتذاك؛ في قلبها الطاولة فجأة؛ بالعنف والتحدي في حدهما الأقصى، وفيما عّب رت عنه من خلال رفضها كل ما هو قائم، والرغبة في تغييره بغير وجهة سياسية

  1. من الدراسات المهمة التي وقفت على هذا الجدل، ينظر:
  2. Joel Beinin, Workers and Peasants in the Modern Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2001); راينهارد شولتز، تمرّد الفلاحين المصريين 1919: الصراع بين المجتمع الزراعي والاستعمار في مصر 1919-1820، ترجمة هبة شريف (القاهرة: دار المرايا للإنتاج الثقافي،.)2019 20 من أهم الكتابات اليسارية الاستثنائية، والكتابات عن انتفاضة 1977 عمومًا، دراسة الكاتب الماركسي أحمد صادق سعد، التي ركز فيها على العنف وتفاصيله، بل إنه تعرض بالنقد للقراءة اليسارية ومجمل موقف اليسار. ينظر: أحمد صادق سعد، "حاجتنا إلى الحوار المتمدن استراتيجية اشتراكية جديدة قراءة ثانية في أحداث يناير 1977، العدد "، 322، 2002/11/29، شوهد في 2023/12/31، في https://acr.ps/1L9zOZg:

محددة. وقد كانت منفصلة عن اليسار، وعن غيره، في الاندفاع والسيرورة والمآل، لم تضمها أي أ طر أو أنساق فوقية. لقد جانَبَ الصواَبَ ذلك التصنيُفُ، وتعارض مع حقائق الوقائع على الأرض؛ إذ إن ما حدث من أعمال عُنف في كانون الثاني/ يناير 1977 لم ترتكبها قلة احترفت ممارسة العنف، أو "الأعمال الإجرامية"، بل جاءت من عموم الرافضين الذين كانوا مئات من الآلاف من المنتمين إلى الطبقات الفقيرة المستغلة. وثمة عديد الدلائل والشواهد على أن عنفهم لم يكن ردّة فعل على عنف قوات الشرطة، بل إنهم بادروا به وَصَاَحَب الانتفاضة منذ بدايتها، ثم تصاعد منسوبه، وطوّر الغاضبون تكتيكاته مع استخدام قوات الأمن القوة في المواجهة. إلى جانب هذا الإغفال، يكاد يتطابق هذا التحديد والتصنيف مع تصنيف السلطة، فهي أيضًا نسبت أعمال العنف إلى مخربين ومجرمين ولصوص وغوغائيين ورعاع (سفلة الناس)، الفرق أنها عندما جاءت إلى خانة التآمر، دفعت باليسار فيها، فاعتبرت أن التنظيمات اليسارية هي الفاعل المحرض الذي دفع الناس وقادهم إلى منازلة السلطة نزلًا عنيفًا في الشوارع والميادين؛ أي إن اليسار هو الطرف الواعي الذي حرّك أطرافًا غير واعية. أبعد من ذلك أنّ أكثر أجنحة السلطة اعتد لًا، وهو القضاء المصري الذي برّأ أعضاء تلك التنظيمات من تلك التهمة، وقع مثل غيره في التناقض الذي وسم تصنيف الجميع؛ فبالنسبة إليه، كان المصريون محّقيّن في الغضب تحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وقد يكون بعضهم شارك في العنف، لكنه في الأساس فعل فئة مخربة وضالة وإجرامية بطبعها، ما يتنافر مع "طبيعة الشخصية المصرية" 21. بالنسبة إلى انتفاضة 1968، فإن عنفها، كما أوضحنا، كان الأكثر تعرّضًا للتجاهل والإعراض. وبناءً عليه، جاء تصنيف فاعليها على أنهم الطلاب والعمال فحسب، وُعَُّدَت حركة شبه منظمة واعية لها أهداف ومطالب وسياقات لا تخرج عن الفئتين، مع الإغفال التام لمشاركة العمال والطلاب في العنف، أو ردّه إلى استفزاز قوات الأمن، أو جاء التصنيف بحصر فاعلي العنف وإقصائهم، فكانوا "قلة منحرفة"، فعلت ما فعلت تحت قيادة فاعل آخر متآمر ومحرّض، كان حينًا العدو الصهيوني الذي يستهدف ضرب الجبهة الداخلية، أو الرجعية المعادية للثورة، أو كان الفاعلون في أحسن الأحوال بلا قيادة وبلا وعي، ولا يمثلون إّل اأنفسهم، لا عموم الحركة الطلابية. عمومًا، فإن التصنيف، سواء أكان تهميشيًا أم اختزاليًا أم إقصائيًا، قد يُردّ إلى التصوّرات الفوقية العامة عن عنف الناس، وعن عنفهم في تلك الفترة التاريخية تحديدًا، أي حكم عبد الناصر الذي كان خلاله المحكومون، وفق قراءات كثيرة، في أكثر مراحلهم تغييبًا وجبنًا وغباءً، جموعًا استمرأت التلقين والانهزام والاستبعاد، فكانت أضعف من أن تتحدى تلك السلطة على هذا النحو، وأن يكون ذلك بمبادرة واعية منها. هذا طبعًا بخلاف القراءة الناصرية التي تصوّر الناس راضين مرضيين ومؤيدين في المطلق بلا شبهة رفض، وُتُبدي ما حدث على أنه لم يكن أكثر من حماسة شباب عّب رت عن استيائهم من الهزيمة. نقرأ كثيرًا في كتاباٍتٍ عن حركة عام 1968، أصحابها ناصريون، أو وقفوا على رصيف الناصرية، أو كُتّاب اعتمدوا على شهادات هؤلاء، أنها كانت بقيادة عناصر من "الاتحاد الاشتراكي" و"منظمة الشباب"، أي من الشباب المنخرطين في تنظيمات السلطة الذين كانوا يهتفون باسم عبد الناصر، أو لا يهتفون، لكنهم في الأخير أبناء "الثورة" والنظام، ولم يقصدوا الخروج عليه. ولعل أي مدقق لن يجد صعوبة في الكشف عن تضليل هذا التصنيف وزيفه، حتى في أوراق السلطة ذاتها - خاصة وزارة الداخلية - التي اعترفت في ذلك الوقت بأنها وجّهت باحتواء الحركة عبر تلك التنظيمات، لكنها فشلت، وخرجت الأمور عن سيطرتها، لأنها كانت أكبر من مجرد "تململ" وغضب عفوي عابر غير واعٍ  22. هذا فضلًاعن أن شواهد الانتفاضة ودلائلها، تقول بوضوح إنّ فاعليها كانوا من الطلاب وعمال المناطق الصناعية ومعهم، بل في مقدّمة صفوف المنازلة العنيفة، "أهالي" تلك المدن من فئات مختلفة، ولعل من أبرز تلك الشواهد أنّ عدد قتلى الأهالي في الأحداث كان أكبر كثيرًا من ضحايا الطلبة والعمال، على نحو لا يقارن بأعداد هؤلاء  23. أما انتفاضة الأمن المركزي، فالفاعل فيها شديد الخصوصية، جنود الأمن المركزي، عصا النظام في مواجهة الجميع. وهؤلاء في الوقت نفسه أشخاص ينتمون طبقيًا واجتماعًّيًا إلى قاع الهرم الاجتماعي. إنه فاعل واضح لا لبس فيه، ولا خلاف حول هويته، لكْنْ جعلته خصوصيته وانتفاضته التي ترجع إلى كونه جزءًا من جهاز السلطة، ةيقب نع لازًااعنم لاعًاااف هفصوب هيلإ اروظنم، حلسلام فنعلا سرام هنأو "الشعب"؛ بمعنى أن ما حدث كان تمرّد فئة خاصة، وأنه لا حضور لذلك الشعب في محيط الحادثة، ولا في سياقها. صحيح أن ثمة تركيزًا على الأوضاع المادية السيئة التي دفعت هؤلاء إلى الانتفاض، لكن

  1. للمزيد من التفاصيل عن حيثيات الحكم التاريخي ببراءة المتهمين في القضية رقم
  2. ينظر في هذا الصدد على سبيل المثال: عبد الغفار شكر، منظمة الشباب الاشتراكي: تجربة مصرية في إعداد القيادات 1976–1963() (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، وما بعدها؛ إيغور بيليايف وافغيني بريماكوف، مصر في عهد عبد الناصر 2004)، ص 106، أشرف على التعريب عبد الرحمن الخميسي (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،)1975، ثورة يوليو ص 285-283، ص؛ عباس،.201 23 لقراءة مغايرة للسرردية السائدة، ينظر: نجلاء مكاوي، "حركة 1968 في مصر: التمرد مجلة مرايا، العدد الأول دفاعًا عن الوجود"، 6 (صيف.)2018
  3. 100 لسنة 1977، حصر أمن دولة عليا، التي ضمت 176 متهمًا، ينظر: عادل أمين، محاكمة الشيوعيين المصريين، ج 12 (القاهرة: [د. ن].، 2002)، ص.304-177

أغلب الكتابات لم تُصنّفهم بوصفهم جزءًا من الشعب أخذ مبادرة التمرد على أوضاع رزحت تحتها الغالبية إذّاك، أي بوصفهم عيّنة من الطبقات الفقيرة، بل الأشد فقرًا وقهرًا، تلك التي حضرت عيّنة أخرى منها "مدنية" في مشهد الانتفاضة وعقبها مباشرة؛ إذ إنّ ثمة أعدادًا من الأهالي - لا أحد يعلم تعدادها حتى الآن - انضمت فعلًّيًا إلى الانتفاضة، وقد اجتهدت السلطة في إغلاق كل المنافذ أمام غيرهم من المحتقنين الجاهزين لإظهار غضبهم، فأحكمت تطويق الانتفاضة حتى لا تتسع رقعتها. صحيح أن من انضموا إلى جنود الأمن المركزي، أو المشهد، مستغلين إيّاه، ليسوا في نهاية المطاف الفاعل الرئيس، لكنهم حضروا. وأما الحضور الآخر، فتمثّل في النزوع إلى العنف في معظم الاحتجاجات الشعبية التي أعقبت الانتفاضة مباشرة، أي طوال عام 1986 الذي كان أكثر أعوام حكم مبارك 2011-1981() سخونة، والذي افتتحه تمرّد جنود الأمن المركزي. عمومًا، ثمة ملاحظة مهمة يتعّي نذكرها هنا، وقد يكون لها أثر في القليل المكتوب عن تلك الانتفاضة، وهي أن تمرّد الأمن المركزي ربما يكون حركة التمرد الوحيدة التي اتفق الجميع على رفضها وإدانتها، الجميع من دون استثناء؛ السلطة، وإلى جانبها القوى والتيارات السياسية (اليسار واليمين وما بينهما)، والنخبة فرادى وجماعات. فكل من كان له صوت، وأفصح عنه، دَان واستنكر فعل هؤلاء "المغامرين الجهلة" الذين عرّضوا البلاد لخطر عظيم، ورفض فعلهم بشدة، وما أنقذها منه سوى "الشعب" الواعي المسالم الذي لم ينضم إليهم؛ ما يعني أنه كان في خانة، وهم في خانة أخرى. هذا هو مضمون مادة الانتفاضة الأرشيفية المتاحة  24، ونجده في مادتها المعرفية المنتجة إلى الآن. ويبدو فيها جنود الأمن المركزي فاعلًافاقدًا الأهلية، جموعًا من الأميين من أبناء الريف والهوامش، العصا الليّنة المطيعة بيد السلطة الباطشة بأعدائها (بقية الشعب) التي قررت فجأة الانقضاض على أسيادها. ليس معنى كل ما سبق أن تصورات الكاتب ومواقفه هي المحدد الوحيد لتصنيف الفاعل وما اعتراه من قصور واختزال، بل يكمن الخلل أيضًا في عملية استخدام منهجه وأدواته، ومصادره طبعًا، التي يُعدّ جزءًا كبيرًا منها كتابات لكتّاب لهم مواقفهم وتصوّراتهم الخاصة بهم. وعلى سبيل المثال، نجد بعضهم، خاصة من المشتغلين بقراءة الأحداث من مدخل الاقتصاد السياسي، يختزل المنتفضين في عام 1977 في أنهم "بروليتارية حضرية رثة" 25، على أساس أنهم الأشد معاناة من سياسات الانفتاح الاقتصادي. ووفقًا لذلك، علينا أن نتعامل مع مشهد الانتفاضة خاليًا من أشباه البروليتاريا، والطبقة العمالية الصناعية الحديثة والموظفين والطلاب والحرفيين، وكل الفئات التي لا تخطئ عيٌنٌ حضوَرَها في قلب الانتفاضة. ثمة مثال آخر يعكس عدم تدقيق المؤرخ/ الكاتب، أو إسقاطه مواقفه على خريطة الحادثة، بحيث يدخل فيها ويخرج منها من يريد، وذلك في الكتابات التي تحدد جماعة الإخوان المسلمين أو الإسلاميين ضمن الفاعلين الرئيسين في انتفاضَتَي 1968 و 1977. في الحالة الأخيرة، نجد أن القائلين بوجود إسلاميين في الشوارع والمواجهات العنيفة، يستدلّون بما حدث في شارع الأهرام/ الهرم، وهو مجال مكاني شديد الأهمية وعظيم الدلالات في كل الانتفاضات، يمثل محًا للرفض الواعي الذي يأتي دائمًا عنيفًا، وكان من أهم بؤر الاشتعال في انتفاضة الأمن المركزي؛ فهذا الشارع هو مركز القاهرة للأندية والملاهي الليلية التي تمثّل، أكثر من غيرها، أوجه الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي، وتفاقم الثروات السهلة، وانحراف أصحابها ووقاحتهم. ويستدل أولئك الذين يقولون إنّ الإسلاميين شاركوا في الأحداث بما حدث في شارع الهرم من اعتداءات الغاضبين على تلك الملاهي وتخريب محتوياتها؛ فهذا تحديدًا هو الدلالة على مشاركة الإسلاميين ودورهم في الانتفاضة بصفتهم المحرّضين أيضًا على هذه الاعتداءات، لكنه استدلال سطحي وضعيف، لا يصمد أمام كثير من الدلائل، ومنها مثلًاأنّ من اقتحموا تلك الملاهي خرّبوا محتوياتها، ما عدا الآلات الموسيقية وصناديق الخمور، فقد أخذوها ومضوا، مثلما نهبوا المجمعات الاستهلاكية، وليس ثمة منطق في أن يحمل "إسلامي" زجاجات خمر أو آلة موسيقية. كما أن موقف الإسلاميين من الانتفاضة والنظام لا يحتاج إلى استدلال، وليس محل خلاف، فموقفهم ضدّها موقف تاريخي معلن ومعروف. ونجد، على الجانب الآخر، كتاباٍتٍ أصحابها يساريون (ممن يعجبهم كثيرًا ما حدث في هذا المشهد تحديدًا)، ينفون على نحو قطعي وكامل، ليس حضور "الإسلاميين" فحسب؛ بل ينفون أساسًا حضور الدين في المشهد. وبين هذا وذاك، يمكننا القول إن الإسلاميين، وإن لم يحضروا، فقد يكون وراء عنف شارع الهرم بعٌدٌ ديني، كما هو حال كثير من حركات احتجاج ورفٍضٍ لمصريين، لم ينسلخ منها الدين، بل إنه احتفظ بمساحة للحضور في التعبئة والرمزية، تتسع أو تضيق، لكنه حاضر. وكان الحال عكسًّيًا في انتفاضة 1968، فثمة معلومة، مصدرها شخصيات معاصرة رافضة العنف، ونقلها عنهم، واعتمدها كتّاٌبٌ وباحثون،

  1. جمعت هيئة بحثية تابعة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وحللت ما نشر في الصحف المصرية عن الانتفاضة. ينظر: نجوى الفوال ونجوى خليل، اتجاهات
  2. الصحف المصرية نحو أحداث فبرراير 1986: أحداث جنود الأمن المركزي (القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية،.)1987 25 أورد هذا التوصيف صراحة نزيه الأيوبي، وجاء من حيث المعنى في كتابات أخرى. ينظر. Ayubi, pp. 241, 245:

تقول إن الإخوان المسلمين شاركوا في الانتفاضة، وأن المتسبّبين في إشعال العنف في مدينَتَي المنصورة والإسكندرية طلاب من الإخوان المسلمين، أي إن تنظيم الإخوان فاعل قائد، محرض ومتآمر، في حين أنّ الاستدلال على ذلك يعتريه الفساد. أخيرًا، يمثل كل ما سبق أبرز تجليات الخلل وأسبابه في قراءة التمردات العنيفة التي نُعنى بها، لكننا إذا أردنا إجمال المشكلات المؤثرة في طريقة النظر إلى تجارب التمرد العنيف تلك وطريقة تناولها ومعالجتها؛ أي ما يتعلق بالمفاهيم والتقنيات والأدوات، فيمكن القول إنها تبدأ من قلة الاكتراث بصحة الأحداث التاريخية، ثم بأهميتها، واختزال خريطة الحادثة فيما تحويه من وقائع وفاعلين وتمثلات ومجالات مكانية وزمانية، وهو اختزال ناتج من استخفاف الكاتب، أو ضعف أدواته المعرفية، أو من قوّة تحكم تصوّراته ومواقفه فيما يكتب. لقد شمل الانتقاء من جهة، والطمس من جهة أخرى، كًّل امن الفاعلين التاريخيين في الحادثة وأهدافهم المادية والرمزية، وتقنيات تعبيرهم عن الرفض، وحتى شعاراتهم التي تُستنبط منها – على غرار الفعل المادي – أهدافهم ودوافعهم وحدود قدرتهم. وكان الاستدلال هو المتحكم في عملية الانتقاء والطمس، فما انُتُقي وما استبعد كان تعزيزًا لتحليل، أو إثباتًا لفرضية، ونفيًا لأخرى؛ ما أنتج تحليلات فقيرة أو متناقضة أو سطحية، أو ذلك كلّه. لعل من مشكلات الكتابة أيضًا ما يتضح من حصر الحادثة في نطاق تاريخي وتحليلي ضيّق، بمعنى عدم قراءتها بوصفها حلقة في سلسلة تاريخية من الأحداث السابقة واللاحقة، أو كونها محاطة بسلسلة من التناقضات والإشكاليات المثيرة للجدل. لقد بدت الأحداث منقطعة عن أي سيرورة تاريخية ومنفصلة عنها، وبلا أسس عميقة ممتدة زمنيًا إلى أبعد من لحظتها، وُحصُرت التناقضات التي دفعت بها، واختزلت، وُنُزعت عنها تاريخيتها، في حين تفصح تفصيلات تلك الأحداث وأبعادها المهملة عن عمق التناقضات التي حركتها، وعن تنوّعها وتقاطعها، بين ما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني. ثمة مسألة مهمة أخرى تؤثر في المنتج المعرفي الخاص بهذا النوع من الحركات الاحتجاجية السائلة هي مسألة "العفوية" و"التلقائية" التي أعتقد أنها إشكالية تحتاج إلى كثير من العناية؛ إذ ثمة افتراض سائد مفاده أنها غضب "أعمى" "غير عقلاني"، يفتقر إلى الحدود الدنيا من الوعي السياسي، غائم الأهداف، محدود القدرة. وبناءً على هذا المفهوم، قُرئت حركات التمرد الثلاث وغيرها أيضًا، لكن أرى أنها حملت ما ينفي هذا المفهوم نفَسَه. لقد ألقى كل ذلك بظلاله على تفسير حركات التمرد وتأويلها، من التفسير السببي إلى فهم الدلالات والأهداف والمقاصد التي صاحبت الحادثة وحددت طبيعتها وموقعها التاريخي. وانعكس في أن تكون انتفاضة 1968 حركة ذات مطالب وأهداف واضحة ومحددة، دفعتها صدمة الهزيمة القاسية، لم تكن رفضًا لعبد الناصر، أو أسس نظامه، أو الأيديولوجيا الناصرية، بل كانت رفضًا لمن كانوا حول عبد الناصر، ورغبة في شيء من الإصلاح السياسي، تمحورت حول "الديمقراطية"، أو بالأحرى حول شيء من الديمقراطية. لكن ألم تحمل الحركة ما يفسرر دوافعها وأهدافها بشكل آخر؛ ما يجعلها تمردًا على منطق الحكم وأسسه واستبعاد الناس وإقصائهم المنظم من عملية الحكم؟ وأي ديمقراطية استهدفها الناس من فعلهم؟ هل هي تلك التي "طنطن" بها رأس النظام ورجاله حينئذ، والتي حدّدت النخب مضمونها وحدودها وفق تصوّراتها هي، تلك النخب التي فتح لها النظام مج لًاللكلام عن رغبات الشعب ومطالبه نيابةً عنه، ثم انتقل مجال الكلام لاحقًا إلى الكتب؟ ألم يكن ثمة حضور للقهر والاستغلال الطبقي في المشهد؟ ألم تكن الطبقة الحاكمة هدفًا للغاضبين، وتقاطعت تناقضات عدة بين الحكام والمحكومين، أخذت في التفاقم حتى بلغت ذروةً مثّلتها هزيمة تاريخية وضياع الأرض وتحطيم الكرامة الوطنية؟ كلّ ذلك استبطنته الانتفاضة وضمّه أرشيفها، وقد تجلى في الفعل ذاته والفاعلين والتكتيكات والشعارات (المستبعد منها في الكتابات أكثر من المستحضر)، لمن أراد أن يقرأ أو يعيد القراءة، لكن من موقع الناس. من جهتها، بدت انتفاضة 1977 حادثة حركها قرار رفع الأسعار، في أعمق قراءة دفعتها آثار الانفتاح الاقتصادي المباشرة؛ ومن ثم كانت "شغبًا من أجل الغذاء" في الكتابات الأجنبية، و"انتفاضة طعام/ خبز" في الكتابات العربية، وهكذا خُففت قراءة الرفض الاقتصادي، واسُتُبعد تمامًا كل ما يُعّب رعن الرفض السياسي، من دون أي حفر في البيئة المثقلة بالمتناقضات العميقة. هذا على الرغم من أننا نجد في أرشيف الانتفاضة الزاخر، في أعمالها وشعاراتها (المنتقاة دائمًا بالتركيز على ما يخص الطعام) رفضًا – استبطن وعيًا متراكمًا– لأبعاد كل السياسة الداخلية، وفي مقدمتها القمع، ونجد كذلك حضورًا ظاهرًا للسياسة الخارجية، وغيرها من جوانب المشهد التاريخي التي تجعل تأويله في مربع آخر أوسع كثيرًا من الذي حصُر في داخله بطبيعة الحال. أما مآل الانتفاضات وتأثيراتها، فتأثرت الكتابة عنها بداهةً بكل ما اعترى أبعادها التي ناقشُتُها في هذه الدراسة؛ إذ نجد مآلها يرد إلى السلطة فحسب، سواء ما اتخذته من إجراءات لقمع التمرد أو احتوائه، فلا وجود لأصحاب الفعل، ولا اقتراب من تلك الذوات على تنوّعها، لا بوصفها كتلة واحدة جامدة، من أجل الإجابة عن سؤال هو: لماذا خمدت جذوة غضب هؤلاء؟ دائمًا ثمة تصور أن الحسم فوقي فحسب، أي من جانب السلطة، وحتى هذا الأمر كثيرًا ما يأتي

تناوله سطحيًا، كما أن التركيز عليه وحده رسّخ لسرردية تفترض مَيل ميزان القوة دائمًا إلى مصلحة السلطة وقدرتها الدائمة على السيطرة ونجاعة أدواتها وتقنياتها في الإخضاع والقمع.

خاتمة

نأشب، لاًَصَّفم وأ لامًااجم هُرُكِذِ قبس ام للخا نم، لوقلا لإى صلخن التأريخ لحركات التمرد العنيف في مصر وأزماته، وما أثر فيه وتأثر به، إلى أن كثيرًا مما أ نِتِج من معرفة تاريخية تشوبه نقائص منهجية وموضوعية وعوار الأحكام والتفسير، وقبلهما السررد الحدثي. ويمكننا أن نردّ ذلك، في الأساس، إلى الموقع الفوقي السلطوي الذي ينظر منه الكاتب إلى حركة الناس العنيفة ويقرؤها، وإلى مصادره السلطوية أيضًا، فضلًاعن ضعف الأدوات والنزعة إلى الاستسهال، وطغيان الانحيازات السياسية والأيديولوجية. ينعكس ذلك، كما رأينا، في بناء سردية كل تمرد عنيف، بوصفه حادثة تاريخية قائمة في ذاتها، لها روافع ومكونات مشهدية وفاعلون ونقطة انطلاق ولحظة حسٍمٍ، بيد أنه ينعكس أيضًا على قراءة حركة التاريخ المصري عمومًا: بما أننا أصبحنا أمام أحداث بدت في كل مكوّناتها أخف من وزنها الحقيقي، فمن الطبيعي أن تأتي قراءة تأثيراتها وموضعها في السيرورة التاريخية للدولة والسلطة والمجتمع بالخفة ذاتها، على الرغم من كونها من نوع الأحداث التي تولد نتائج مؤثرة وعظيمة ومتعددة الأبعاد. فتلك الأحداث المفاجئة (التمردات الثلاثة) ذات الفترة الزمنية المحدودة، لم تكن عابرة، بل حفرت بصماتها وتركت آثارًا في كل السياسة والسياسات، وهذا لم يكن على المدى القصير، بل على المدَييَن المتوسط والطويل. ولعل السلطة في مصر كانت أكثر إدراكًا لهذا الأمر ووعيًا به من النخب التي أفاضت في الكلام عليها وأجادت من داخل شرنقتها. وهكذا، حاولت هذه الدراسة إلقاء الضوء على الطبيعة المركبة لسلطة التأريخ لحركات التمرد، حيث لا يقتصر الأمر على دور السلطة السياسية في فرض سردية خاصة بها من خلال احتكار مصادر التأريخ الأولية (الأرشيف الرسمي على سبيل المثال)، لكن الأمر يتعداها ليشمل أيضًا النخب المتصدرة لكتابة التاريخ، التي تعيد إنتاج سردية السلطة السياسية ونشرها، عن وعي (من خلال النزعة الفوقية والانحيازات وغيرها)، أو عن غير وعي (من خلال ما سمّيناه نزعة الاستسهال)؛ فينتج من ذلك تأريٌخٌ مصدره ومحوره السلطة، لكنه في الوقت نفسه يكتسب سلطةً معرفيةً ينبغي للمؤرخ النقدي أّل ايركن إليها، بل عليه أن يفكك سرديات السلطة، ويعيد قراءة تاريخ حركة المجتمع، السلمي منها والعنيف، من موقع المجتمع نفسه.

المراجع

العربية

الأيوبي، نزيه نصيف. الدولة المركزية في مصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989. محاكمة الشيوعيين المصريين. القاهرة: [د. ن أمين، عادل.]،.2002 بيليايف، إيغور وافغيني بريماكوف. مصر في عهد عبد الناصر. إشراف على التعريب عبد الرحمن الخميسي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1975 ثورة 23 يوليو 1952: دراسات في الحقبة الناصرية. محمد السعيد إدريس (محرر) القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية،.2003 الجيش والديمقراطية في مصر. أحمد عبد الله (محرر.) القاهرة: سينا للنشر،.1990 حسين، محمود. الصراع الطبقي في مصر من 1945 إلى 1970. بيروت: دار الطليعة،.1971 رمضان، عبد العظيم. تحطيم الآلهة: قصة حرب يونيو 1967. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1988 _________. الصراع السياسي والاجتماعي في عصر مبارك. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1993 _________. حرب أكتوبر في محكمة التاريخ. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995. شكر، عبد الغفار. منظمة الشباب الاشتراكي: تجربة مصرية في إعداد القيادات 1976-1963(). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004 الثورة المضادة في مصر. كتاب الأهالي شكري، غالي. 15. القاهرة: مؤسسة الأهالي، سبتمبر 1987. _________. النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1992 شولتز، راينهارد. تمرد الفلاحين المصريين 1919: الصراع بين المجتمع الزراعي والاستعمار في مصر 1820- 1919. ترجمة هبة شريف. القاهرة: دار المرايا للإنتاج الثقافي،.2019

الصراع الطبقي في أفريقيا: دراسات مترجمة. ترجمة محمد عبد الكريم أحمد. ليو زيليج (محرر.) القاهرة: العربي للنشر والتوزيع،.2016 عباس، رءوف [وآخرون.] أربعون عاما على ثورة يوليو: دراسة تاريخية. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية،.1992 _________. ثورة يوليو إيجابياتها وسلبياتها بعد نصف قرن. كتاب الهلال. العدد 631. القاهرة: مؤسسة الأهالي، 2003. عبد الرازق، حسين. مصر في 18 و 19 يناير: دراسة سياسية وثائقية. ط 3. القاهرة: دار شهدي للنشر،.1985 عبد الله، أحمد. الطلبة والسياسة في مصر. ترجمة إكرام يوسف. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2007 الفوال، نجوى ونجوى خليل. اتجاهات الصحف المصرية نحو أحداث فبرراير 1986: أحداث جنود الأمن المركزي. القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، 1987. لجنة من المؤرخين المصريين. جمال عبد الناصر وعصره. إشراف وتقديم عادل غنيم. القاهرة: دار المعارف،.2013 مكاوي، نجلاء. "حركة 1968 في مصر: التمرد الأول دفاعًا عن الوجود." مجلة مرايا. العدد 6 (صيف 2018.) ممدوح حسن، محمد. الحركة الطلابية في مصر 1979–1967. سلسلة مصر النهضة 112. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، مركز تاريخ مصر المعاصر، 2017. ميخائيل، رمزي. تاريخ السياسة والصحافة المصرية من هزيمة يونيو إلى نصر أكتوبر. سلسلة تاريخ المصريين 81. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1995 هيكل، محمد حسنين. خريف الغضب: قصة بداية ونهاية عصر أنور السادات. القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر،.1988 _________. مبارك وزمانه: من المنصة إلى الميدان. القاهرة: دار الشروق،.2013 يونس، شريف. الزحف المقدس: مظاهرات التنحي وتشكل عبادة ناصر. القاهرة: دار التنوير للطباعة والنشر،.2012 ________._ نداء الشعب: تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية. القاهرة: دار الشروق،.2012

الأجنبية

Abul-Magd, Zeinab. Militarizing the Nation: The Army, Business, and Revolution in Egypt. New York: Columbia University Press, 2017. Ayubi, Nazih N. M. The State and Public Policies in Egypt since Sadat. Reading, UK: Ithaca Press, 1991. Bake, Raymond William. Egypt's Uncertain Revolution under Nasser and Sadat. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1978. Beattie, Kirk J. Egypt During the Sadat Years. New York: Palgrave, 2000. Beinin, Joel. Workers and Peasants in the Modern Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. Erlich, Haggai. Students and University in 20 th Century Egyptian Politics. London: Taylor and Francis,

Springborg, Robert. Mubarak's Egypt: Fragmentation of The Political Order. Boulder: Westview Press, 1989. Staloff, Robert. Army and Politics in Mubarak's Egypt. Washington, DC: Washington Institute for Near East Policy, 1988.