تقديم
Introduction
أذكت المدرسة الواقعية النقاش بين عدد كبير من الباحثين في حقل العلاقات الدولية في مختلف أنحاء العالم، ولا نبالغ حين نقول إن هذه المدرسة التي تضم طيفًا واسعًا من المقاربات النظرية باتت أشبه بأيديولوجيا غير قابلة للدحض، لا سيما عند بعض الباحثين الذين تشهد بلادهم حروبًا ونزاعاٍتٍ وتنافسًا بين القوى الكبرى في النظام الدولي؛ إذ إن تحليلاتهم للأزمات الإقليمية والدولية يغلب عليها، في العادة، التفسير الواقعي. في هذا السياق، مثلت المنطقة العربية مختبرًا حقيقيًا لبحث افتراضات النظرية الواقعية واختبارها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ونيل الدول العربية استقلالها تباعًا عن القوى الأوروبية الفاعلة في النظام الدولي (فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا)، وتزامن ذلك مع صعود الحركات القومية العربية التي تدعو إلى الوحدة العربية وتعمل من أجلها. وقد شهدت الدول العربية نشأة نظام إقليمي يتمثل في جامعة الدول العربية، لكنّ مشروع التكامل بينها ظل معّطااالّ بنيويًا؛ بسبب هيمنة المصالح الُقُطرية على المصالح المشتركة، على الرغم من التهديد الذي جسّده المشروع الصهيوني وقيام إسرائيل، بدعٍمٍ وتمويٍلٍ من دول أوروبية؛ فهذا المشروع يُعدّ تحديًا استعماريًا للدول العربية على نحو عامّ، والدول المحيطة بفلسطين على نحو خاص. كانت المنطقة العربية ساحة من ساحات الصراع على النفوذ والسيطرة من جانب القوتين العظميين خلال الحرب الباردة، حيث ساد التنظير في حقل العلاقات الدولية للواقعية. ودخلت الدول العربية في سلسلة حروب مع دولة الاحتلال الإسرائيلي (في الأعوام 1948، و 1967، و)1973، ا فضل عن المواجهات العسكرية في الأردن، ولبنان حيث ظهرت القوى السياسية والعسكرية الفاعلة من غير الدول (قوى المقاومة الفلسطينية، والقوى العسكرية المسلحة للأحزاب اللبنانية). ولم تقتصر تجليات استخدام القوة العسكرية في المنطقة على دول الطوق المحيطة بإسرائيل؛ فقد دخلت دوٌلٌ عربية في حروب ونزاعات مع القوى الإقليمية في المنطقة؛ مثل الحرب العراقية – الإيرانية)1988-1980(، والحرب الليبية – التشادية)1987-1978(. وظهرت سلسلة من النزاعات والخلافات مع دول إقليمية وأخرى بينية عربية؛ مثل الخلافات الحدودية التي شهدتها منطقة شبه الجزيرة العربية، والخلاف بين مصر والسودان على إقليم حلايب، وقضية الصحراء الغربية التي ظلّت عنوانًا للتنافس على الدور والنفوذ بين الجزائر والمغرب، في حين مثّل الغزو الأميركي للعراق، عام 2003، "الحدث الزلزال" الذي تعيش المنطقة العربية تداعياته سياسًّيًا واقتصادّيًا واجتماعًّيًا حتى اليوم، وكان التجسيد العملي لاستخدام القوة الغاشمة في تغيير توازن القوى في النظام الإقليمي العربي. أضف إلى ذلك أنّ الثورات العربية التي اندلعت شرارتها عام 2011 فجّرت تساؤلات عديدة عن شكل النظم السياسية الجديدة، وطبيعتها، وتفسير دورها في الإقليم. وتمثّل بعدها الجيوستراتيجي المهم في تأثيرها في الخريطة الجيوسياسية في المنطقة، وما يرتبط بها على مستوى القوى الدولية والإقليمية الفاعلة والمؤثرة في الإقليم؛ لذا جرى بحثها من من ظور التاريخ، أو علم الاجتماع والأنثروبولوجيا. وقد نال التنظير في علم السياسة والعلاقات الدولية نصيبًا كبيرًا في بحث هذه الثورات ودراستها وما عقبها من ثورات مضادة؛ لمِا لها من تأثير في السياسة الخارجية لدول المنطقة والتنافس المحموم على النفوذ وهيمنة القوى الإقليمية (إيران وتركيا)، والدولية (روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.)
بناءً على ما تقدّم، يسعى هذا العدد من "سياسات عربية"1 ليشتبك مع المفاهيم التي شكّلت الفروض الأساسية للنظرية الواقعية عبر دراسات حالة من المنطقة العربية، بناءً على خبرات باحثين في حقل العلاقات الدولية عايشوا تلك الأحداث والأزمات في منطقةٍ شكّلت القدرات العسكرية والتحالفات وتوازن القوى والصراع بين الفاعلين الدوليين ملامحها، وما زالت تمرّ بتحولاٍتٍ كبرى. يتضمن العدد مجموعة من دراسات الحالة في المنطقة العربية وفق المقاربة الواقعية، حيث تناول عبد النور بن عنتر، في دراسته "التسلح ومعضلة الأمن في المنطقة المغاربية: التنافس الجزائري – المغربي"، مسألة التسلح ومعضلة الأمن في المنطقة المغاربية، مع التركيز على التنافس بين الجزائر والمغرب. ويجادل بأن مستوى تسلّح البلدين ارتفع على نحو ملحوظ في السنوات الأخيرة، مع وجود التنافس بينهما منذ سنوات الاستقلال؛ ما جعل المنطقة المغاربية واحدة من أكثر المناطق تسلحًا في العالم، على الرغم من غياب التهديدات البينية الوجودية. ومن ثمّ، يحاول فحص مسألة التسلح في المنطقة المغاربية وفهم محدداتها وتطوراتها، ويركز على العوامل التي تؤثر فيها وتداعياتها المحتملة. ويتناول عدة محاور، منها مقاربة الواقعية، وتحليل بيانات معهد ستوكهولم للسلام، وتحليل التسلح مغاربيًا ومحدداته. وتناقش مروة فكري، في دراستها "سياسة الردع والدول المراِجِعة من منظور واقعي: أزمة سد النهضة نموذجًا"، دور سياسة الردع والمراجعة الواقعية لدى الدول في حل الأزمات الدولية، مستعرضةً نموذج أزمة سد النهضة حالةً دراسية. وتكشف عن نجاحات منظور الواقعية وإخفاقاته في تفسير الديناميات الدولية المرتبطة بالأمن المائي. وُتُظهر أنّ القوة تضطلع بدور حاسم في تحديد سلوك الدول؛ إذ إن مصر تمكنت من فرض هيمنتها على حوض النيل وردع أيّ مشروع ربما يهدد أمنها المائي. وفي حال تراجع قوتها، فإن قدرتها على الردع تضعف، ولا تحقق أهدافها في المنطقة؛ ما يعكس مبادئ الواقعية حول السعي لتحقيق القوة والأمن. وتشير الباحثة إلى تضارب المصالح بين الدول المعنية؛ ما ينتج منه "المعضلة المائية." فكل طرف يعتبر مكاسب الآخر خسائر له، وهو ما يجعل التعاون صعبًا، ويدفع الدول إلى تفضيل الاعتماد على الحماية الذاتية. أما محمد خميس، في دراسته "حدود الواقعية في تفسير مأسسة جامعة الدول العربية وصندوق النقد العربي: من معضلة السجين إلى الألعاب التعاونية"، فيحاول أن يفسر تطور المؤسسات الدولية في النظام العربي، متخذا جامعة الدول العربية وصندوق النقد العربي دراسَتَي حالة، مستخدمًا المقاربة الواقعية. ويختبر الافتراضات الواقعية المتعلقة بالدول بوصفها فواعل رئيسة في النظام الدولي، ويبحث في كيفية تأثير مبدأ الفوضى وغياب السلطة المركزية في سلوكها. وفي هذا السياق، يستخدم معضلة السجين مرآةً للتفاعلات الأمنية والبنية الفوضوية في النظاَميَن العربي والدولي. وُتُظهر الدراسة أن الافتراضات الواقعية لا تكفي بخصوص شرح تطور المؤسسات العربية؛ إذ يتضح أنها في حاجة إلى تعديل لتفسير تنوع السلوك الدولي في المنطقة. وتستند في ذلك إلى تحليل بيئة المكافأة التي تتفاعل فيها الدول العربية، وتقسيمها إلى مجال أمني - عسكري ومجال اقتصادي - سياسي. ويبحث مدوخ بن عجمي العتيبي، في دراسته "التنافس السعودي - الإيراني والمعضلة الأمنية في منطقة الخليج العربي"، التنافس السعودي - الإيراني في منطقة الخليج العربي، مع التركيز على الجوانب السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والتاريخية والدينية. ويشير إلى تصاعد مؤشرات التوتر بين السعودية وإيران خلال المدة 2019-1979، ويسلط الضوء على اتفاق عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في آذار/ مارس 2023. وقد توصل الباحث إلى خلاصات أساسية، أهمها أن الدول في النظام الدولي تمي ل إلى تعظيم قدراتها وتعزيز قوّتها؛ ما يؤدي، في بعض الأحيان، إلى تصاعد التوتر وسباق التسلح، كما أن الاستراتيجية الأمنية الإيرانية تتضمن تعزيز قوّتها ومضاعفة قدراتها لتحقيق الهيمنة في المنطقة، وإيران تشكّل التهديد الرئيس للسعودية، التي تواجه تحديات أمنية متعددة من الن واحي الجوية والبحرية والسيبرانية. وُيُختم العدد بدراسة علي باكير، "التحوّل في السياسة الخارجية التركية تجاه المنطقة العربية من منظور المدرسة الواقعية: مقاربة نقدية"، وفيها يبين تحّولاّاا فعليًا في سياسة تركيا الخارجية عمومًا، وتجاه المنطقة العربية خصوصًا، منذ مُُح كْم حزب العدالة والتنمية في عا 2002. ويؤكد أنّ هذا التحول ليس نوعًا واحدًا، أو نمطًا واحدًا، بل له عدة أشكال ومراحل زمنية مختلفة؛ ما يعني أن قراءة هذه التحّولّات قد تختلف باختلاف العوامل المؤثرة والنظريات المستخدمة. ويجادل بأنّ المدرسة الواقعية، بما تتمتع به من أدوات وإمكانات، هي الأكثر قدرةً على تفسير هذا التحول، خاصة منذ عام 2016؛ فالواقعية الجديدة تأخذ في الحسبان العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر في صياغة السياسة الخارجية، وهي قادرة على تحليل القرارات السياسية بمنطق عقلاني. ومع ذلك، يجب النظر إلى مدى تأثر السياسة الخارجية التركية بالعديد من العوامل، بما في ذلك التطورات الداخلية في تركيا، والتحديات الأمنية والسياسية في المنطقة، والضغوط الدولية.