سياسة الردع والدول المراِجِعة من منظور واقعي: أزمة سد النهضة نموذجًا
الملخّص
This study examines the explanatory power of realism in the context of the Grand Renaissance Dam crisis between Egypt and Ethiopia, drawings on concepts from deterrence theory, and the counter hegemonic challenges posed by revisionist states. It adopts a broader understanding of hegemony incorporating the concept of hydro- hegemony, where Ethiopia's behaviour is seen as a direct challenge to Egypt's established hegemony in the Nile Basin. The study concludes that the dam crisis illustrates both the strength and weaknesses of the realist perspective. On one hand, it affirms realist assumptions regarding the significance of power dynamics, alliance building, conflict of interests, relative gains, and the influence of the international system on state behavior. Conversely, the crisis also reveals the limitations of realism, particularly its to overlook internal factors and the importance of non-material sources of power in advancing states' interests and reinforcing their hegemony. Keywords: Deterrence, Realism, Renaissance Dam, Egypt, Ethiopia.
Deterrence and Revisionist States from a Realist Perspective: The Renaissance Dam Crisis as a Model
تناقش هذه الدراسة القدرة التفسيرية للمدرسة الواقعية لأزمة سد النهضة بين كل من ا من مقولات نظريتي الردع، وتحدي الدول المراجعة للمهيمن مصر وإثيوبيا، انطلاق. وتعتمد على مفهوم الهيمنة بمعناه الواسع الذي يشمل الهيمنة المائية، حيث يكون سلوك إثيوبيا سلوكًا مراجعًا للهيمنة المصرية في حوض النيل. وتخلص الدراسة إلى أن أزمة سد النهضة تبرز نجاحات المنظور الواقعي وإخفاقاته؛ فهي تعكس من ناحية الأفكار الواقعية الخاصة بأهمية عنصر القوة وبناء التحالفات، وفكرة تضارب المصالح والمكاسب النسبية وأثر النظام الدولي في سلوك الدول. ومن ناحية أخرى، تبرز قصور الواقعية في التفسير نتيجة إهمالها العوامل الداخلية وأهمية العوامل غير المادية في تحقيق مصالح الدولة وتفعيل هيمنتها. كلمات مفتاحية: سياسة الردع، النظرية الواقعية، سد النهضة، مصر، إثيوبيا.
مقدمة
"لن ننتظر العطش في مصر، سوف نذهب إلى إثيوبيا ونموت هناك " 1؛ بهذه الكلمات، تحدث الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات)1981-1970(رًّدًا على فكرة إنشاء إثيوبيا سًّدًا على نهر النيل، وهي الفكرة التي طالما راودت إثيوبيا، ولكنها لم تستطع الإقدام عليها؛ بالنظر إلى الحسم الذي تحدثت به القيادة المصرية عن موقف مصر إزاء هذا الموضوع ورد فعلها المتوقع. ويرجع هذا الموقف المصري إلى ما يمثله نهر النيل للبلاد من مصلحة حيوية، بحيث يعتبر أي تهديد لتدفق المياه بمنزلة تهديد وجودي لها. ومن هنا، كان حرص مصر منذ وقت بعيد على منع وقوع منابع النيل أو روافده في أيدي قوى معادية أو إقامة مشاريع تؤثر في التدفق المائي الطبيعي لمصر. وقد أدّت مصر دور المهمين على حوض نهر النيل 2 خلال عدة عقود لتفوقها على بقية دوله من حيث الأبعاد المتعددة للقوة. فمن الناحية الاقتصادية، كان الاقتصاد المصري الأقوى والأكثر تنوعًا مقارنةً باقتصادات دول حوض النيل الأخرى، كما حافظ لها موقعها الجغرافي الاستراتيجي على مكانة دولية مهمة. إضافة إلى ذلك، تمثّل مصر قوة عسكرية إقليمية كبرى، إلى جانب القوة السياسية التي تمتعت بها، خاصة خلال فترة الخمسينيات والستينيات؛ نتيجةً لدعم حركات التحرر في أفريقيا. ولذلك، استطاعت مصر في أثناء عقود طويلة أن تحدد "الخطوط الحمراء" فيما يتعلق بأي مفاوضات حول وضع نهر النيل، وأن تحدد بدرجة كبيرة الأجندة السياسية لأي محاولة متعلقة بتغيير الوضع القائم. إلا أن إثيوبيا أخذت في مراجعة وضع مصر المهيمن على نحو صريح منذ عام 2010، من خلال الإعلان عن بناء سد النهضة العظيم 3، في محاولة لفرض وضع جديد وتحقيق مكانة خاصة بها في حوض النيل. وعلى الرغم من أن الفكرة راودت كثيرًا الحكومات الإثيوبية من قبل، فإن تغير الظروف السياسية – الداخلية والإقليمية والدولية – سمح أخيرًا بوضعها موضع التنفيذ. ولم تتوصل إثيوبيا – وفي بعض الأحيان لم تهتم بالتوصل – إلى اتفاق مع مصر حول سعة السد ومراحل امتلائه. وعلى الرغم من الخطاب المصري المهادن أحيانًا والمهدد أحيانًا أخرى، وعلى الرغم من استمرار تفوق قدرات مصر العسكرية كثيرًا مقارنةً بقدرات إثيوبيا، سواء من حيث عدد القوات العسكرية، أو كفاءة الجيش ونوعية تسليحه، فإنّ ذلك كلّه لم يُحدث تغيرًا ملحوظًا في الموقف الإثيوبي 4. وبدا واضحًا فشل الاستراتيجية المصرية في تحقيق هدفها الأول وهو منع استمرار بناء السد، ثم الهدف الثاني المتعلق بالتوصل إلى اتفاق حول مواعيد امتلائه بالمياه وآلية ذلك، وهو الأمر الذي يثير التساؤل عن أسباب الفشل المصري في ردع إثيوبيا عن مشروع السد، وإذا ما كان هذا الفشل يقوض من القدرة التفسيرية للنظرية الواقعية في هذه الحالة. تختبر هذه الدراسة قدرة النظرية الواقعية على تفسير حالة سد النهضة من خلال التركيز على مقولات نظريَتَي الردع وتحدي الدول المراجعة للمهيمن. وتعتمد على مفهوم الهيمنة بمعناه الواسع ليشمل أيضًا ما استقر على تسم يته ب "الهيمنة المائية" Hydro-hegemony؛ ومن ثمّ يمكن دراسة السلوك الإثيوبي، بوصف إثيوبيا دولة مراِجِعة Revisionist للهيمنة المائية المصرية في حوض النيل. وتنبع أهمية الدراسة من بحثها في شروط نجاح الردع، وإذا ما كان ميزان القوة العسكرية الوحيد هو الفعال في الحالة محل الدراسة أم لا. وتمثل قضايا المياه إحدى القضايا التي تشغل اهتمامًا متزايدًا في أدبيات العلاقات الدولية نظرًا إلى تناقص المتاح من المياه في مختلف أنحاء العالم؛ إما نتيجة للزيادة السكانية، وإما لأسباب متعلقة بتغير المناخ وتزايد ظاهرة الاحتباس الحراري، الأمر الذي قد يجعل التنافس على المياه سببًا من أسباب الصراعات. ومن ثمّ، تساهم الدراسة في توضيح إذا ما كانت قضايا المياه تخضع للمنطق الواقعي القائم على القوة والمصلحة الوطنية والمكاسب النسبية، ويمكّن من استشراف السياسات المتعلقة بالتعامل مع هذه القضية؛ ما قد يفيد في رسم استراتيجيات جديدة قادرة على تغيير هذا المنطق وتجنب مسار الصراع. تنقسم هذه الدراسة إلى خمسة محاور، نتعرض فيها للمقولات النظرية الخاصة بنظريَتَي الردع وتحدي المهيمن كما قدمتها الواقعية، ونناقش مدى انطباق مقولات الهيمنة وتحدي الهيمنة على حالَتَي مصر وإثيوبيا في قضية مياه النيل، ونستعرض الخبرة التاريخية الخاصة بالعلاقة بين مصر وإثيوبيا بخصوص إدارة مياه
النيل واستغلالها، ثم نبحث في التطورات والتغيرات التي دفعت إثيوبيا إلى اتخاذ قرار المضي اُقُدمًا في تنفيذ مشروع سد النهضة، فضل عن الأسباب المفسرة لفشل السياسة المصرية في ردع إثيوبيا عن هذه الخطوة. وأخيرًا، نختم الدراسة بتقييٍمٍ لمدى مساهمة النظرية الواقعية في تفسير الحالة التي ندرسها.
أولًا: الواقعية: ما بين الردع والهيمنة وتحولات القوة
تتقاسم النظرية الواقعية بشقيها الكلاسيكي والجديد مجموعة من االافتراضات قوامها ما يلي: أول، الدولة هي الفاعل الرئيس في السياسة الدولية. ثانيًا، سلوك الدول يتسم بالعقلانية. ثالثًا، الدول تهدف إلى يُفهم تحقيق القوة وتعرف مصالحها في إطار مفهوم القوة الذي أساسًا من خلال المقومات المادية بشقيها العسكري والاقتصادي. – مؤسس الواقعية Hans Morgenthau وقد اعتبر هانز مورغنثاو التقليدية – أن السياسة الدولية صراع مستمر من أجل القوة؛ فالقوة هي الهدف والسبب (الدافع الرئيس لأي سلوك)، وهي كذلك الوسيلة لتحقيق الغايات المرجوة. وأوضح كينيث والتز Waltz Kenneth أن البنى السياسية تتكون من عناصر ثلاثة: المبدأ المنظم وهو الفوضى، والوحدات وهي متشابهة وظيفيًا في سعي كل منها للأمن وتوزيع القدرات. وبما أن الفوضى والتشابه الوظيفي ثابتان، فإن توزيع القدرات هو المحدد الأساسي لشكل النظام السائد. وبالنظر إلى غياب سلطة أعلى من سلطة الدولة لإدارة العلاقات مع الآخرين وتسويتها، فإن احتمالات اهتمام الدولة بأمن الآخرين غير واردة. ولهذا، تركّز أولوية كل دولة على البحث عن الحماية الذاتية، أو الاعتماد على الذات، في مواجهة العالم الخارجي 5. وفقًا لهذه الافتراضات، يبرز أثر الردع والهيمنة في التخفيف من أثر الفوضى وتجنب حالة "حرب الكل ضد الكل" طوال الوقت. ويشير الردع 6 إلى إقناع الخصم بأن المكاسب التي سيحصل عليها من جرّاء فعٍلٍ ما لن تفوق التكاليف المتكبدة في أعقاب ضربة انتقامية مهددة، أو خلق انطباع في ذهن الخصم مفاده أن المنافس يمكن أن ينكر عليه أهدافه من خلال العمل العسكري المباشر. وتزداد، عمومًا، فاعلية الردع بزيادة وضوح التهديدات، بحيث يتعرف الخصم على "الخط الأحمر" الذي سيؤدي إلى تنفيذ تهديد رادع. وترتبط فاعلية الردع بتوافر مزيج من القدرة والمصداقية؛ إذ يجب أن يكون لدى الفاعل القدرة على التصرف وفقًا للتهديدات الرادعة، وأن يعتقد في حال تجاوز الخط االطرف الآخر أن الرادع سينفذ التهديد فعل الأحمر المحدد 7. يترتب على هذا المفهوم المتعلق بالردع، القائم على استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها لمنع دولة أخرى من القيام بعمل معين، اعتقاد أن قدرة الدول القوية على ردع المنافسين الأضعف أمٌرٌ مفروٌغٌ منه. ولذلك، قد ترى الدول القوية، في كثير من الأحيان، أن الردع هو الاستراتيجية المفضلة لتفوق قدراتها العسكرية؛ ومن ثمّ يمكن منع الصراعات أو الحرب غير الضرورية قبل أن تبدأ 8. وتعمل الدولة لضمان نجاح الردع على تطوير قدرة عسكرية قوية والحفاظ عليها؛ وذلك وفقًا لمنطلقات الفكر الواقعي. ويلاحظ، عمومًا، اهتمامات أدبيات الواقعية بسياسات الردع من منظور الدولة التي تقوم بالردع، وهي عادة الدولة المهيمنة، أو على الأقل الأكثر قوة في النظام؛ وذلك من خلال التركيز على الإجراءات التي تتخذها لرفع تكلفة الهجوم عليها، وزيادة المخاطر المرتبطة بها 9.
وامع ذلك، غالبًا ما نجد دول ضعيفة تتحدى خصومها الأقوى منها عسكريًا، وقد يفشل أيضًا إجبار الطرف الأضعف عسكريًا على التوقف عن فعٍلٍ لا يرغب فيه الطرف الأقوى؛ وكل ذلك من الأمثلة التي تثير التساؤل عن نظرية الردع 10. ولذلك، يوضح جون ميرشايمر وجود عوامل أخرى يمكنها التأثير في الردع. فعلى سبيل المثال، يجب على صانع القرار النظر في المخاطر والتكاليف ذات الطبيعة غير العسكرية مثل رد الفعل المحتمل بالنسبة إلى الحلفاء والخصوم، واعتبارات القانون الدولي، ورد الفعل المحتمل في منتديات دولية مثل الأمم المتحدة، وكذلك التأثير المحتمل في الاقتصاد. وبهذا يصبح الردع دالة في العلاقة بين المكاسب السياسية المتصورة الناتجة عن العمل العسكري وعدد من التكاليف والمخاطر غير العسكرية إلى جانب التكاليف والمخاطر العسكرية 11. ويعتمد نجاح استراتيجيات الردع أو فشلها على تصورات الحالة المستهدفة، وليس على الاحتمالات الفعلية للنصر أو عواقب الهجوم التي يجري قياسها موضوعًّيًا 12. ومن هنا، تأتي أهمية أن تبدأ أي استراتيجية للردع ومنع العدوان بتقييم مصالح المعتدي المحتمل، وتقييم دوافعه وضروراته؛ بما في ذلك نظرية الردع الخاصة به. فميزان القوة ليس العامل الوحيد أو الأكثر أهمية في نجاح الردع، ومن ثم لا ينبغي مساواة الردع بالتوازنات العسكرية فحسب 13، بل ينبغي أيضًا الاهتمام بنطاق الردع؛ ذلك أنه إذا كان التعريف الضيق للردع يضعه في إطار أدوات الإجبار مثل الأدوات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية أو التهديد بكليهما، فإنه يوجد أيضًا ردع من خلال الإقصاء الدبلوماسي أو الحملات الإعلامية 14. وتشير الهيمنة إلى سيطرة دولة ما على دول أخرى؛ إما على مستوى إقليمي، وإما على مستوى عالمي (مهيمن). وتكون هذه الدولة قادرة على ممارسة تأثير كبير في السياسة الخارجية وقرارات الدول الأخرى الأمنية؛ أي إنها في وضع عدم مساواة بينها وبين الدول الأخرى. وترى االواقعية أن الهيمنة تعتمد على توافر عدد من السمات: أول، التفوق في عناصر القوة المادية بشقيها العسكري والاقتصادي، فتوافر القوة الصلبة ضرورة للسيطرة في حالة نشوب حرب. ثانيًا، توافر الرغبة في القيادة لدى القوة المهيمنة وسعيها لإنشاء نظام مستقر يحمي أمنها ومصالحها الاقتصادية. ثالثًا، توزيع القدرات تراتبًّيًا (هيراركًّيًا)، بما يجعل النظام أحادي القطبية. رابعًا، توافر الإرادة لدى المهيمن لممارسة القوة وفرض رؤيته في النظام 15. وتشير هذه المعاني إلى العلاقة المتداخلة بين الردع والهيمنة. فالردع هو أحد تجليات الهيمنة، والهيمنة هي أيضًا إحدى آليات تحقق الردع. وقد جادل بعض الواقعيين، مثل والتز، بفاعلية توازن القوى والقدرات في تحقيق الردع، وفقًا لهذا الاتجاه، والذي يُعرف أيضًا بالواقعية الدفاعية، ينص قانون الطبيعة في السياسة الدولية على أن وجود دولة قوية يعني أن تحاول الدول الأخرى موازنة قوتها. لذا، فإن عدم توازن القوى لمصلحة دولة بعينها (الطرف المهيمن) دائمًا ما يكون وضعًا مؤقتًا؛ لأن الفاعلين الآخرين سيتجه ون إلى التحالف ضد الطرف المهيمن وإضعاف قوته. ومن ثمّ، لا مُتّ كّن فكرة توازن االقوى أي مهيمن من الحفاظ على سيادته لأنه، عاجلًاأو آجل، سوف يحدث توازن مضاد 16. ومن هنا، يحثّ هذا الفريق من الواقعيين الدول على السعي للقوة بعناية شديدة؛ لأنه إذا جرى اكتساب قدر كبير من القوة، فمن المتوقع حدوث التوازن المضاد ومعاقبة المهيمن في نهاية المطاف. في مقابل ذلك، يجادل فريق آخر من الواقعيين بدور الهيمنة في تحقيق الاستقرار ومنع الحروب، فيما يُعرف بنظرية "الاستقرار المهيمن" التي يعد روبرت غيلبن Gilpin Robert وميرشايمر من أبرز مناقشيها، وإن انصب اهتمامهما على النسق الدولي أساسًا. ففي إطار وضع الهيمنة، تحصل دولة واحدة على القوة وتمارس القيادة أو السيطرة على النسق الدولي. وتضمن القوة المهيمنة تفوقها من خلال عدة عوامل تتعلق بإمكاناتها المادية أبرزها القدرات العسكرية، وموقعها الجغرافي، ومواردها الطبيعية، والتطور التكنولوجي، وعدد السكان. وُتُعِظِم أدبيات الواقعية – تحديدًا تلك المعروفة بالواقعية الهجومية – من شأن القوة، وتؤكد ضرورة امتلاك الدول قدرات هجومية تجعلها تتفوق على باقي الدول الأخرى من أجل الدفاع عن وجودها ومصالحها. ومن ثمّ، فهي تميل إلى تصور الهيمنة كنسق إكراهي من خلال تأكيد دور القوة والسيطرة، وتجاُهُل المهيمن أفكار الخير العام والمصلحة العامة والمسؤولية تجاه دول النسق، خاصة إذا ما كانت تلك المهمات تكلّفه كثيرًا وتستنزف موارده؛ فلا يختلف سلوك المهيمن في النهاية عن سلوك الدول الأخرى في سعيها
لتعظيم مصالحها وإكراه الآخرين الأضعف على اتباع إرادته 17. ولا يقدم المهيمن الخير العام إلا في حالة أن يكون ذلك زائدًا على منافعه، ويمنع المهيمن أي اختلاف مع سياساته، لا سيما في النسق الاقتصادي. وعند الضرورة، يهدد المهيمن باستخدام القوة، أو قد يعاقب الدول الأخرى في سبيل تحقيق استقرار النسق بما يناسب مصالحه. وبذلك، يثبت غيلبن أن المهيمن إكراهٌّيٌ وليس رضائًّيًا 18، ويوضح أن الفواعل السياسية القوية تتجه إلى حماية مصالحها في النسق السياسي الدولي من خلال تأسيس مؤسسات وعلاقات منَّظَمة، بحيث يخدم التنظيم السياسي الناتج مصالح الفاعل الأقوى أو "المهيمن" في ذلك النظام. وفقًا لهذه النظرة، يتمتع النظام الذي يفرضه المهيمن بالاستقرار إلى أن يظهر متحٍّدٍ لا يرضى بالأوضاع القائمة ويعمل على تغييرها. ولكي يتمكن المتحدي من ذلك، يجب أن يتمتع بفرصة جيدة لانتزاع التنازلات من الدولة المهيمنة، وذلك عندما تقترب قوته من قوة الدولة المهيمنة، أو عندما يختلف المهيمن والمتحدي في تقدير قوتهما النسبية. ومع ذلك، يُنظر إلى التكافؤ على أنه شرط ضروري، ولكنه ليس شرطًا كافيًا لقيام الحرب (أي إخفاق الردع). عمومًا، تزداد احتمالات الحرب كلما اقتربت قوة المتحدي الصاعد في النظام الدولي من قوة الدولة المهيمنة 19. فبمرور الوقت، يجادل غيلبن بأنه يتغير توزيع القوة والثروة بسبب تطور الإنتاج والتكنولوجيا؛ ومن ثمّ تتراجع الإمكانات المادية التي تدعم هذا النظام. وُتبُرز النظرية كيف أن المهيمن يضع بذور نهايته من خلال خلق فرص لصعود قاوى متحدية منافسة؛ فعندما أوجد المهيمن نظم مستقرة دولًّيًا، سمحت هذه النظم للآخرين بالاستفادة، وهو الأمر الذي قد يسمح بصعود قوى تتمتع بمزايا هذا النظام قد تصل إلى درجة من القوى تتحدى المهيمن. وعند الوصول إلى هذه المرحلة من عدم التوازن بين النظام الدولي وتوزيع القوة والإمكانات، فعلى المهيمن إما أن يزيد من مصادر قوته التي تدعم من التزاماته وموقعه في النسق الدولي، وإما أن يقلل من التزاماته الحالية والتكلفة المصاحبة لها، وإما أن يتمتع بكفاءة أكثر في استخدام الموارد 20. وإن لم يتمكن من ذلك، فقد تقع حروب هيمنة تأخذ فيها الدولة المتحدية بالإكراه زمام النظام العالمي، ويقلب النظام القديم وينشئ نظامًا جديدًا يعكس توازنًا جديدًا للقوة والمصالح 21. وتعبر عن هذه الفكرة أيضًا نظرية تحول القوة التي طورها أبرامو فيمو كينيث أورغانسكي Abramo Fimo Kenneth Organski في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين؛ فقد أوضح أن احتمالات الصراع بين دولتين – بمعنى فشل الردع – تزداد حينما يبدأ ميزان القوة بينهما في التغير، بحيث يصبح لإحدى الدولتين ميزة نسبية على الدولة الأخرى، وتكون تلك الدولة ذات الميزة الجديدة غير راضية عن النظام الدولي القائم. ومن هنا، يبدأ المتحدي الصاعد في انتهاج سياسة تصادمية مع المهيمن من أجل الوصول إلى موقع الصدارة في النسق القائم، ويكون ذلك سببًا أساسيًا في اندلاع الحرب بينهما 22. ويميز أنصار هذه النظرية بين خمس مراحل في تطور العلاقة بين الدولة المهيمنة والدولة الصاعدة. تسمى المرحلة الأولى مرحلة التفوق Preponderance، وهي تتسم بالاستقرار واللاحرب؛ إذ تظل فجوة في القوة كبيرة بين الطرفين. أما المرحلة الثانية، فهي
مرحلة ما قبل التكافؤ Pre-Parity التي تتطور فيها قدرات المتحدي. وأما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة التكافؤ Parity التي تتسم بتوازن القوى بين المهيمن والمتحدي الصاعد، وُتُعد أكثر المراحل التي ترتفع فيها احتمالات المواجهة العسكرية بين الطرفين؛ بسبب رغبة الدولة المهيمنة في منع التحول في هيكل توزيع القوة من خلال ضربة استباقية ضد القوة الصاعدة، أو اقتناع النخبة الحاكمة داخل القوة الصاعدة بأن اللحظة مناسبة للمبادرة بالحرب ضد الدولة المهيمنة. وأما المرحلة الرابعة، فهي مرحلة ما بعد التكافؤ Post-Parity التي تتراجع فيها قدرات المهيمن مقارنة بالمتحدي الصاعد، ثم تأتي المرحلة الخامسة التي يصبح فيها المتحدي الصاعد هو المهيمن 23. ويفرق بأن الأولى مايرشايمر بين الهيمنة العالمية والهيمنة الإقليمية مجادل تكاد تكون مستحيلة إلا في حالة التفوق النووي. ويقترح التركيز على الهيمنة الإقليمية؛ فمن وجهة نظره، يُعدّ أفضل حل للبقاء دولةً فعالةً في النظام الدولي متمّثااالّ في أن تصبح الدولة أقوى دولة؛ أي أن تصبح المهيمن. وبما أن الهيمنة العالمية صعبة التحقق، فعلى الدول العظمى السعي لتحقيق الهيمنة على إقليمها، وإن أدى ذلك إلى منافسة أمنية شرسة بين الدول المهيمنة في المنطقة 24. وكما تعد التصورات متغيرًا أساسًّيًا في نجاح الردع أو فشله، فكذلك الحال بالنسبة إلى الهيمنة. إن الفكرة الواقعية عن الهيمنة أقرب إلى معاني السيطرة والتحكم ووجود نظام تراتبي "هيراركية" من دون أن يتمتع بالضرورة بالقبول والشرعية من الأطراف الأخرى. ينتج عن عدم تقبّل الأطراف الفرعية لسيطرة المهيمن تحدي النظام الذي أسسه الأخير والذي يضطر، في هذه الحالة، إلى التهديد باستخدام القوة وتأسيس شرعيته بالقوة المادية. ولذلك، تعرضت الفكرة الواقعية في موضوع الهيمنة للكثير من المراجعات والانتقادات داخل حقل العلاقات الدولية على اعتبار أن استقرار الهيمنة ونجاح الردع يعتمدان على القدرة على خلق تصورات ذهنية معيّنة لدى الدولة المستهدفة، وهو الأمر الذي قد يفسر فشل الردع حتى في حالة تمتع دولة ما بقوة عسكرية كافية 25، ويكون كذلك سببًا في تحدي الهيمنة. وترجع فكرة قبول الهيمنة بجذورها إلى الفيلسوف والمفكر الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci الذي أكد أن الهيمنة تسود عندما "يكون جانب القوة التوافقي أبرز ويكون الإكراه كامنًا باستمرار، ولكنه لا يستعمل إلا في حالات هامشية"، مبرزًا بذ لك القيادة الأخلاقية والثقافية التي رأى أنها شرط ضروري لأي طبقة تتطلع إلى السيطرة الاجتماعية. وهي الفكرة التي نقلها روبرت كوكس إلى حقل العلاقات الدولية من خلال المجادلة بأن الهيمنة ضرورية للحفاظ على الاستقرار والاستمرارية على قدر أهميتها نفسه في المستوي الداخلي. وفقًا لكوكس، تمكّنت قوى مسيطرة متعاقبة على النظام الدولي من تشكيل نظام عالمي يتوافق مع مصالحها الخاصة بسبب تطويرها لنوع من الرضا بين كل المنتمين إلى هذا النظام، ولم تعتمد على القوة المادية فحسب؛ ومن ثمّ فهي هيمنة من نوع جديد تختلف عن الفهم الواقعي التقليدي للهيمنة على أنها سيطرة الدولة، ولكنها هيمنة نظام قادر على تبرير ذاته من خلال استخدام العديد من المفاهيم والقيم المعيارية المقبولة من ناحية المسيطر عليهم، وتوظيف المؤسسات والأطر القانونية للترويج لهذه المفاهيم 26. وبهذا، تظهر العلاقة المتشابكة بين الهيمنة والردع، وتتضح الأبعاد المتعددة التي تتضمنها ظاهرة الهيمنة. وهي الفكرة التي انتقلت إلى مجال العلاقات المائية الدولية، بحيث تشير الهيمنة المائية إلى الطريقة التي تتحكم بها الدولة ذات السيادة في سياسات الماء المشتركة استنادًا إلى مجموعة من الأسس المادية وغير المادية للقوة، وهو الأمر الذي ينطبق على حالة مصر في حوض النيل. وكما أن الموقع الجغرافي لإثيوبيا في حوض النيل، وتحكمها في أكبر مصادر نهر النيل، يجعلان منها دولة قوية من هذا المنطلق، فإنها لم تعد راضية عن الهيكل الراهن للنظام الإقليمي في حوض النهر وتسعى لتغييره. ونتناول في المحاور التالية هذه المسائل بقدر أكبر من التفصيل.
ثانيًا: الهيمنة المصرية المائية في حوض نهر النيل
تشير الهيمنة المائية إلى الوضع في الأحواض الدولية التي تشهد حالة من التوزيع غير العادل للموارد نظرًا إلى وجود دولة أو أكثر تسيطر على الموارد المائية وتتحكم فيها. وقد قامت نظرية الهيمنة المائية
التقليدية على فكرة قدرة الطرف المهيمن في حوض النهر على الحفاظ على سيطرته وإقناع الآخرين بذلك أو إرغامهم عليه، إضافة إلى تحكمه في تحديد قواعد اللعبة والقضايا المشتركة؛ ومن ثمّ تحديد نمط التعامل بينها 27. وطوّر مارك زيتون وجيرون وارنر إطارًا نظرًّيًا للهيمنة المائية عام 2006 يتناول العلاقة بين امتلاك الدولة ركائز القوة والهيمنة على المياه العابرة للحدود، متسائلين إذا ما كان وجود المهيمن يعكس حالةً من حالات الاستقرار المهيمن في حوض النهر أم أنه قد يدفع الدول غير المهيمنة إلى مقاومة الهيمنة وتحديها من أجل تغيير ترتيبات النظام القائم؛ إما بإصلاحه وإما بتغييره كّلًّيً ا. ويمتاز هذا الإطار النظري بالاعتماد على تعريف غرامشي للهيمنة، الذي يؤكد دور القيادة الفكرية والأخلاقية المتصورة أو السلطة المقبولة في السلطة السياسية للمهيمن. وقد حدد زيتون ووارنر ثلاث ركائز أساسية لقوة الهيمنة المائية للمهيمن، هي: القوة المادية (العسكرية والاقتصادية)، والقوة التفاوضية الناعمة (قوة المساومة) 28، والقوة الفكرية أو قوة الخطاب والأيديولوجيا، إضافة إلى المقومات الأساسية مثل القوة الجغرافية، والسياق الخارجي، ومواقف المؤسسات الدولية 29. ووفقًا لإطار زيتون ووارنر، يحقق المهيمن سيطرته استنادًا إلى ااستراتيجيات ثلاث أساسية: أول، السيطرة من خلال الاستيلاء على الموارد – المائية في هذه الحالة – وذلك بالقيام بأعمال من شأنها التحكم في الوصول إلى الموارد مثل بناء السدود. ثانيًا، الاحتواء؛ بحيث يوجد طرف مهيمن يعمل على تحقيق أهدافه من خلال اتباع أساليب تعاونية أساسًا، وُتُعد المعاهدات الأسلوب المفضل في هذه الحالة. ثالثًا، التكامل؛ من خلال التشجيع على الامتثال للاتفاقيات بتقديم الحوافز والآليات النفعية الأخرى، مثل الاعترافات الدبلوماسية والحماية العسكرية 30. وترتبط هذه الاستراتيجيات بآليات معيّنة، كالإذعان القسري الذي يشمل القوة العسكرية، والأعمال السرية غير المعلنة التي تستهدف إضعاف سلطة الخصم السياسية أو العسكرية، والضغوط الإكراهية مثل التهديد بعمل عسكري، أو التهديد بفرض عقوبات اقتصادية، أو من خلال التفاعل بمرور الوقت. وثمة آلية ثانية تتمثل في الامتثال من خلال المنفعة؛ بحيث يُستخدم أسلوب الحوافز المختلفة. وتوجد آلية ثالثة تلخص في الإخضاع القانوني للمعاهدات ومحاولة إضفاء طابع مؤسسي قانوني على وضع الهيمنة القائم. وثمة ذعان للهيمنة التي تتضمن عدة تكتيكات إآلية رابعة تتلخص في الإإ والترويج لأفكار بعينها تخفي فنرعية أهمها هيمنة خطاب معّي بعض الجوانب وتركز في المقابل على جوانب أخرى. يضاف إلى ذلك آليات مرتبطة بالسياق الدولي والمؤسسات الدولية والموقع الجغرافي؛ فتمتع المهيمن بمكانة سياسية مفضلة عالمًّيًا يمكن أن يؤدي على نحو مباشر إلى وضع أفضل في المنافسة. وعادة ما تكون القوة المهيمنة في أحواض الأنهار العابرة للحدود هي الأقوى من حيث الخبرة والقدرة على التفاوض. ويستخدم المهيمن هذه القوة في تعزيز سيطرته على موارد المياه. وُيُعدّ المكون الخطابي جزءًا حيوًّيًا من "لعبة الهيمنة" في عملية إضفاء الشرعية على علاقات القوةواجانبًا مهًّم 31. شكّلت حالة حوض نهر النيل (الخريطة)1 إحدى الحالات التطبيقية للإطار الذي طوره زيتون ووارنر، فقد احتلت مصر دور المهيمن خلال عقود طويلة نتيجةً للتفاوت الكبير في القوة المادية بينها وبين الدول المشاطئة، وبسبب تمكنها أيضًا من عوامل القوة غير المادية المتعلقة بالأفكار والمعرفة وصياغة الخطاب المهيمن. فمن الناحية الاقتصادية، كان الاقتصاد المصري الأقوى والأكثر تنوعًا واندماجًا في الاقتصاد العالمي من اقتصادات الدول المشاطئة الأخرى، وقد حافظت مصر على مكانة دولية مهمة لموقعها الاستراتيجي وعلاقاتها القوية بالمؤسسات والمنظمات الدولية والمانحين الدوليين. وكان للعلاقات
الخريطة)1(دول حوض نهر النيل
الشكل)1(تو زيع حصص المياه وفقًا لاتفاقية 1959
السياسية والاقتصادية الوثيقة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية مانذ سبعينيات القرن العشرين أثرها في تلقيها دعم كبيرًا؛ ماليًا ومعنويًا دوليًا 32. يضاف إلى ذلك، بطبيعة الحال، قوتها العسكرية الإقليمية وقدرتها على استعراضها والحفاظ عليها. ولأن غالبية دول حوض النيل حصلت على استقلالها بعد مصر، فقد كان لها فرصة أفضل في استغلال موارد المياه وإحكام هيمنتها على حوض النهر، بالنظر إلى عدم قدرة الدول الأخرى على تحدي الوضع القائم. وتمتعت مصر أيضًا بقدر كبير من القوة "التفاوضية" من حيث يُدرج فيها أو السيطرة على أجندة السياسة المائية في حوض النيل وما لا اُيُدرج، فضل عن تحديد "الخطوط الحمراء" في أي عملية تفاوضية، وفرض اتفاقيات معينة مثل اتفاقية اقتسام مياه النيل عام 1959 33 (الشكل)1، واعتماد منظور "الحقوق التاريخية المكتسبة" نقطَةَ انطلاٍقٍ لأي مفاوضات في الحوض، التي تراها دول المنبع اتفاقات غير منصفة. وفي المقابل، لم تتمتع أي دولة من الدول المشاطئة الأخرى بقوة تفاوضية موازنة، أو حتى قريبة من القوة التفاوضية التي تمتعت بها مصر. ومن هنا، عجزت عن التأثير في جداول الأعمال والمفاوضات 34. واستحوذت مصر أيضًا على أبعاد القوة غير المادية، خاصة المتعلقة بالجوانب الفكرية وتشكيل الخطاب. استطاعت مصر، على امتداد عقود، أن تفرض خطابًا معينًا في حوض النيل يؤكد اعتمادها المطلق على مياه النيل و"حقوقها التاريخية" في مياهه، ويشدد على أمننة مسألة المياه من خلال تكرار الرسالة الآتية: "المسألة المائية هي مسألة أمن قومي" 35 (ينظر الشكلان 2 و)3. فعلى الرغم من موقع مصر الجغرافي المتميز، فإنها تقع في منطقة يمكن وصفها بأنها جافة، أو شبه جافة. ومن هنا، فإن مواردها المائية محدودة؛ حيث تأتي نسبة 95 في المئة منها من الخارج، وتمثل المياه القادمة من إثيوبيا وحدها 85 في المئة من هذه النسبة 36.
الشكل)2(مقارنة بين مصر وباقي دول حوض النيل في درجة الاعتماد على مياه النيل
الشكل)3(مقار نة بين مصر وباقي دول حوض النيل من حيث نصيب الفرد من الموارد المائية العذبة
يُعد الموقع إحدى ركائز القوة الظاهرة، وهو يمنح دولة المنبع- من الناحية النظرية - ميزة في مواجهة دول الممر والمصب؛ إذ يمنحها سلطة أفضل في إدارة نوعية المياه وكميتها من الدول المشاطئة الأخرى، خاصة دول المصب. وغالبًا ما تتميز مجاري الأنهار في دول المنبع بتضاريس جبلية تسهم في إقامة المزيد من مناطق تجمع المياه وتعزز كفاءتها. إلا أن تفعيل هذه الركيزة يتطلب ركائز أخرى للقوة؛ أهمها القوتان العسكرية والاقتصادية. ويعني هذا الأمر أن دولة المنبع، ستكتسب في حالة توافر القوة المادية تفوقًا وهيمنة كبرى في مواجهة دول المصب. أما إذا كانت دولة المنبع لا تمتلك هذه القوى مقابل دولة المصب، فإن هذا قد يؤدي إلى حالة من حالات الصراع والتصعيد والتوتر بدرجات مختلفة 37، وهو الوضع الذي يمكن تفسيره أيضًا ببعض الآراء داخل الواقعية القائلة إن الهيمنة تؤدي، عااجلًاأو آجل، إلى تحدي هذه الهيمنة ومقاومتها من جانب متحٍّدٍ صاعد. ويرجع ذلك إلى أن علاقات القوة ليست ثابتة، ثمّ إنّ التفوق في أحد أبعاد القوة لا يعني بالضرورة التفوق في الأبعاد الأخرى؛ ما يشجع الأطراف غير المهيمنة على المقاومة والطعن في شرعية ترتيبات الهيمنة القائمة وتقديم بدائل عوضًا عنها. وتتفاعل آليات المقاومة والهيمنة المضادة مع استراتيجيات الهيمنة وآلياتها؛ فمن ناحية، توظف الإكراه من خلال توظيف العنف أو القيام بأعمال قد تعتبر عدائية. ومن ناحية أخرى، توجد آلية النفوذ التي تعمل على تشكيل تحالفات استراتيجية لمواجهة المهيمن، وأخيرًا توجد آلية التغيير من خلال التشكيك في الفهم المقبول للواقع وطرح خطابات سياسية بديلة 38، ويتضح التفاعل بين هذه الآليات أكثر عبر مناقشة إدارة مياه النيل تاريخًّيًا، وهو موضوع المحور التالي.
ثالثًا: مصر وإثيوبيا وإدارة مياه النيل: الخلفية التاريخية
تشكّل إثيوبيا منبع نهر النيل الرئيس؛ إذ تسهم الهضبة الإثيوبية بمفردها بنحو 85 في المئة من إيراد نهر النيل. وفي المقابل، تعتمد مصر اعتمادًا أساسًّيًا على النهر بسبب قلة مصادر المياه فيها سواء تلك الناتجة من الأمطار أم تلك الخاصة بالمياه الجوفية (الشكل)4، وهو الأمر الذي تزداد أهميته بالنظر إلى الزيادة السكانية المستمرة (الشكل)5.
الشكل)5(تطور ن صيب الفرد من المياه في مصر واتجاهاته المستقبلية
شغل تأمين إمدادات مياه النيل – خاصة من إثيوبيا – القادة المصريين على مدار التاريخ. وعلى الرغم من أنه لا توجد حدود مباشرة بين مصر وإثيوبيا، فإن العامل الأمني ظل محددًا أساسًّيًا في العلاقة بين الطرفين بالنظر إلى محاولة كل طرف السيطرة على الشكل)4(مصادر المياه في مصر
منابع النيل. ويبدو أن الميراث التاريخي هو سبب التوجس المصري من سيطرة إثيوبيا تحديدًا على النيل وتهديدها لمصر عن طريق ورقة المياه، والعكس صحيح بالنسبة إلى إثيوبيا أيضًا. ويعود التخوف المصري إلى القرن الرابع عشر عندما هدد الإمبراطور الإثيوبي أمدا سيون بتحويل المياه ما لم يتوقف السلطان المصري عن اضطهاد الأقباط 39. ولدى الجانب الإثيوبي أيضًا تخوفاته تجاه دول المصب عمومًا، وتجاه مصر خصوصًا؛ إذ تسود تاريخًّيًا نظرة سلبية مرتبطة بسعي مصر للهيمنة على إثيوبيا بأدوات ووسائل مختلفة حتى أ الدينية منها. فقد كانت الكنيسة الإثيوبية التي قيمت في القرن الرابع الميلادي إحدى المطرانيات التابعة للبطريركية القبطية المصرية وينُيُعِّ مطراَنَها بطريرك الكرازة المرقسية من بين الرهبان المصريين. وكان يحق لهذا المطران تعيين الملوك والأمراء في إثيوبيا وكذلك عزلهم. ومن هنا، شكّل ذلك الأمر هاجسًا لدى حكام إثيوبيا، وتخوفوا من إثارة قضية المياه خشية العزل أو تحريض الكنيسة ضدهم. وقد يكون هذا الهاجس السبب الأساسي في فصل الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي الكنيسة الإثيوبية عن الكنيسة المصرية في خمسينيات القرن العشرين 40. وانعكست هذه الأفكار على سياسة كل طرف تجاه
الخريطة)2(خريطة ا لنيل في إثيوبيا
الآخر، وعلى العلاقات السياسية بين البلدين بدرجة كبيرة. إلا أن في تعبئة موارد النيل لمصلحتها خلال عقود ماصر قد نجحت فعل طويلة ومنعت دول المنبع من استغلال المياه اعتمادًا على ركائز قوتها العسكرية والاقتصادية 41. ويمكن تحديد مراحل ثلاث رئيسة دشنت للهيمنة المصرية على النيل، بدأت المرحلة الأولى في عهد محمد علي باشا 1805()1848- الذي عمل على توسيع نطاق البنية التحتية للري، وإدخال نُظم ريّ جديدة بوصفها جزءًا من استراتيجيته في بناء مصر الحديثة. لذلك، سعى للسيطرة على موارد المياه من خلال التخطيط للاستيلاء على بحيرة تانا في المرتفعات الإثيوبية التي تشكّل المصدر الرئيس لمياه النيل الأزرق (ينظر الخريطة)2 42. اتسمت الفترة 1867-1832 بصراع عسكري مع إثيوبيا، إلا أن المحاولات المصرية للسيطرة المباشرة على المنابع لم تنجح 43. جاءت المرحلة الثانية خلال فترة الاستعمار البريطاني؛ إذ عملت بريطانيا على تكريس الهيمنة المصرية خدمةً لمصالحها. ولكي تضمن استقرار الأوضاع بالنسبة إليها في حوض النيل، شجعت إيطاليا على استعمار مناطق مرتفعات إثيوبيا لتكون بمنزلة خط دفاع أول ضد النفوذ الفرنسي في المنطقة. دشنت بريطانيا خلال هذه المرحلة للهيمنة المصرية على النيل من خلال استراتيجية قانونية تتمثل في توقيع المعاهدات ونشر خطاب الأمننة على اعتبار أن قضية النيل بالنسبة إلى مصر هي قضية أمن قومي؛ ومن ثمّ اشتراط الإخطار المسبق لها قبل القيام بأيّ مشروع في دول المنبع 44. وتمتد المرحلة الثالثة من الاستقلال إلى نهاية الحرب الباردة، وفيها سخّرت مصر مختلف موارد قوتها والاستراتيجيات المتاحة في الحفاظ على وضع الهيمنة، وُتُعد اتفاقية 1959 مع السودان أولى الخطوات التي اتخذتها مصر في هذا المسار. ووفقًا لهذه الاتفاقية، توزع الحصص المائية على مصر والسودان باعتبارهما دولَتَي المصب، ويقر الاتفاق بالحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل. وقد أعادت مصر تأكيد الخطاب الذي رسخته بريطانيا، الخاص بالحقوق المصرية التاريخية والحقوق المكتسبة في إطار فكرة الأمننة وعدم الاقتراب من حصة مصر أو تعديلها إلا من خلال التوافق بين الطرفين. وُك ل ت الهيمنة المصرية ببناء السد العالي بأسوان لحجز المياه في أثناء الفيضان ومنع فقدان المياه في البحر الأبيض المتوسط 45. وفي هذه المرحلة، قدمت مصر إلى السودان حوافز مثل السماح له ببناء سد الروصيرص، وتخصيص حصة مياه له أكثر من احتياجاته الفعلية وضعف حصة مصر من المياه التي سيوفرها السد العالي. وتبنت مصر أيضًا فكرة تعويض السودان عن الضرر المترتب على إنشاء السد العالي. وهدفت مصر من هذه الترتيبات إلى تشكيل جبهة موحدة مع السودان لمواجهة أي محاولة من محاولات دول المنبع لتعديل الحصص المائية أو التنصل من الحقوق التاريخية والمكتسبة لدولَتَي المصب. وعلى الرغم من محاولة مصر توظيف بعض آليات الاحتواء لدول حوض النيل في هذه المرحلة من خلال العمل على إنشاء آليات تعاونية لتقديم مساعدات فنية لها في بحثها عن موارد مائية بديلة مان نهر النيل، فإن دول كثيرة من دول المنبع، وخاصة إثيوبيا، كان لديها تحفظات على الاستراتيجية المصرية، خاصة ما يتعلق بالاتفاقية مع السودان 46 التي نصت على ضرورة الحصول مسبقًا على موافقة البلدين على أي مشروع هيدروليكي لدول المنبع وخضوعها لإشراف لجنة فنية مصرية - سودانية مشتركة. وتطالب إثيوبيا، في المقابل، بمبدأ "الحقوق الجغرافية" و"الاستخدام العادل للمياه" على اعتبار أن 80 في المئة من مياه النيل تنبع من أراضيها. وقد واجهت مصر هذا التوجه من خلال توظيف بعض الأدوات غير المعلنة التي تستهدف إضعاف إثيوبيا سياسًّيًا وعسكرًّيًا واقتصادًّيًا من خلال التأثير في جبهتيها الداخلية والخارجية 47. فعلى سبيل المثال، دعمت مصر منذ عهد عبد الناصر جبهة التحرير الإرتيرية في مواجهة النظام الإثيوبي، إضافة إلى دعمها المعارضة من الأورومو، وانحيازها إلى كل من السودان والصومال في خلافاتهما مع إثيوبيا، ودعم الصومال عسكرًّيًا لمواجهة إثيوبيا في حرب أوغادين)1978-1977(، وقد اعتبرت إثيوبيا انضمام مصر في عهد السادات إلى تحالف سفاري المضاد للمد الشيوعي)1975(مؤامرة مصرية ضد إثيوبيا 48. وكل هذه الاستراتيجيات كان من شأنها إضعاف القوة الإثيوبية وزيادة
إنفاقها العسكري وعدم التركيز على البعد التنموي؛ ومن ثمّ ضعف قدرتها على مواجهة الهيمنة المصرية. أ أما إثيوبيا، فقد تمسكت بعدم التزامها بأيّ اتفاقات برمت قبل الاستقلال، ومنها اتفاق 1902 الذي وقعته بريطانيا مع الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني الذي تعهد من خلاله لحكومة بريطانيا بعدم إقامة أي مشروع مياه في النيل الأزرق أو بحيرة تانا - أو حتى الموافقة على ذلك - من شأنه تعطيل تدفق المياه إلى السودان أو التأثير فيه إلا بعد موافقة الحكومة البريطانية والسودانية 49. وترفض إثيوبيا اتفاق 1929 بين مصر وبريطانيا (بصفتها الاستعمارية نيابةً عن عدد من دول حوض النيل) 50، واتفاقية 1959 المبرمة بين مصر والسودان 51، التي تعمدت مصر عدم تضمين إثيوبيا فيها على الرغم من محاولات إثيوبيا المتكررة الانضمام إليها. وظلت إثيوبيا فترة طويلة بمنزلة "الشريك الصامت" في سياسة النيل المائية، على الرغم من أنها المصدر الأساسي لموارده 52. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل؛ أهمها الصراعات الداخلية المطولة التي مرت بها، وضعف مؤسساتها، وعدم حاجتها إلى مياه الري بالنظر إلى اعتمادها على الزراعة المطيرة، وإن كانت تفكر في تطوير مواردها المائية لأغراض الطاقة الكهربائية أساسًا. وركزت إثيوبيا خلال مرحلة الحرب الباردة على محاولة تشكيل تحالف مع السودان ليضغط الأخير على مصر حتى تقبل بدخول إثيوبيا طرفًا في التفاوض الخاص باتفاقية 1959، أو للحصول على ضمانات من السودان بعدم الموافقة على الاتفاقية وفقًا للصيغة المصرية. وطالب هيلا سيلاسي الولايات المتحدة برفض تمويل السد العالي على اعتبار أنه يمثل ضررًا للمصالح الإثيوبية وللضغط على مصر لتدخل في مفاوضات مع إثيوبيا بشأن موضوع المياه 53، وقدّمت إثيوبيا الدعم لحركة التمرد في جنوب السودان ودرّبت ضباطًا في الجيش الشعبي ومهندسين وطيارين ودعمتهم بالأسلحة الخفيفة والذخائر، بوصف ذلك نوعًا من التهديد الأمني لمصر في فنائها الخلفي 54. لكنّ موجة الجفاف الشديدة التي ضربت البلاد خلال فترة الثمانينيات، وتسببت في زيادة السخط الشعبي، نبهت السلطة السياسية لخطورة غياب سياسة وطنية مائية شاملة. وكسرت إثيوبيا حاجز الصمت هذا في التسعينيات؛ إذ انتقلت من المنافسة المستترة لمكانة مصر في حوض النيل إلى منافسة أخرى علنية من خلال اتباع دبلوماسية أكثر نشاطًا في حوض النهر ومحاولة بناء تحالفات "مضادة" تدعم نفوذها في المنطقة وتحدّ من الهيمنة المصرية. وُيُعد تجمع الطاقة لدول شرق أفريقيا من الأمثلة الدالة على ذلك، منها محاولة إثيوبيا تعزيز قوتها الاقتصادية وتقديم نفسها لدول الإقليم على أنها "بيت" للطاقة، إضافة إلى أنها ضغطت عن طريق التواصل مع عدة مؤسسات دولية ضد مشاريع استصلاح الأراضي في مصر في التسعينيات في منطقة توشكى والوادي الجديد، التي كان من شأنها تحويل المياه من بحيرة ناصر إلى الصحراء الغربية 55. وُتُعد مشاركة إثيوبيا في مبادرة حوض النيل أكثر خطوة ملموسة في تحديها للهيمنة المصرية ومنعها من السيطرة على التجمع من خلال الترويج لخطاب يدعو إلى إقامة إطار مؤسسي وقانوني جديد لدول الحوض ياكون بديل من الاتفاقيات التاريخية التي لا تعترف بها، وإحلال الأفكار الخاصة بالاستخدام العادل والمنصف، وعدم حدوث ضرر ملموس محل الخطاب المصري المرتكز على فكرة الحقوق التاريخية والمكتسبة. وقد استطاعت إثيوبيا تشكيل جبهة من دول المنبع ضد دولَتَي المصب، وهو ما انعكس على الاتفاقية الإطارية عنتيبي 201056 التي استغرق إعدادها عشر سنوات، ووقّعتها دول حوض النيل، باستثناء مصر والسودان والكونغو الديمقراطية 57، ما من شأنه ترسيخ مبدأ حقوق المياه العادلة والتخلي عن حق النقض لمصر والسودان 58. ولذلك، ليس مستغربًا أن تأتي الخطوة التالية، وهي الإعلان عن بناء سد النهضة، وهو ما سيتناوله المحور الرابع.
رابعًا: إثيوبيا والسد: عوامل اتخاذ القرار وآليات تنفيذه
لم يكن إعلان إثيوبيا عن بناء سد على مجرى النيل خطوةً مفاجئة بالضرورة. فكما أوضحت الدراسة، تبنت إثيوبيا منذ التسعينيات استراتيجية وطنية شاملة للمياه من أجل تطوير الطاقة الكهرومائية والريّ. وقد كان لتحولات مشهد البلاد السياسي أثرها في تمكن إثيوبيا من انتهاج دبلوماسية نشطة واستراتيجية فعالة في مواجهة الهيمنة المصرية التي قد تعوقها عن تنفيذ هذه الأهداف. ودبت التغيرات السياسية والاقتصادية في إثيوبيا مع وصول ميليس زيناوي إلى السلطة في عام 1991، فقد استطاع أن يوسع قاعدة سلطته بتأسيس ائتلاف الجبهة الثورية الديمقراطية للشعب الإثيوبي، ضمّ ست مجموعات عرقية مسلحة إلى جانب التيغراي 59. وعملت حكومة زيناوي بعد انتهاء الحرب الإرتيرية عام 2000 على التركيز على الداخل من خلال وضع خطط متوسطة وطويلة الأمد، وتراجع الإنفاق العسكري خلال السنوات الخمس الأولى من الألفية الثالثة لمصلحة البرامج التنموية 60. وقد ربطت القيادة الإثيوبية في بداية الألفية بين قضية التنمية والبقاء والكبرياء الوطني؛ إذ اعتمدت الوثيقة الرسمية الإثيوبية حول الشؤون الخارجية والأمن الوطني الإثيوبي، الصادرة عام 2002، قضية التنمية - إضافة إلى التحول الديمقراطي – محور اهتمام السياسة الإثيوبية على المستويين الداخلي والخارجي. واعتبرت الوثيقة أن غياب التنمية سيؤدي إالى الفوضى والتفكك، فضل عن حقيقة أن الاعتماد على المعونات الخارجية والعجز عن توفير الغذاء يضر بالكبرياء الوطني الإثيوبي 61؛ وذلك بالنظر إلى النمو السكاني المستمر (ينظر الشكل)6. تبنّى زيناوي خططًا طموحة من أجل التحول الاقتصادي للتغلب على ضعف البلاد الاقتصادي من خلال الاستفادة من مواردها الطبيعية. أ ومن هنا، دخلت قضية النيل في السياسة الإثيوبية، وُنُفذت الخطط الوطنية الرئيسة للمياه لجميع أحواض الأنهار الإثيوبية اعتمادًا على مستشارين دوليين 62. وعمل نظام زيناوي على تحسين العلاقات مع المانحين الدوليين. وظهر في هذا السياق موضوع السدود في خطاب الشكل)6(مقارنة اتجا هات النمو السكاني بين مصر وإثيوبيا
السياسة الإثيوبية على اعتبار أنها أمر محوري في جهود التنمية في إثيوبيا من أجل زيادة إنتاج الطاقة وتطوير الزراعة المروية؛ ومن ثمّ التخفيف من حدة الفقر. ولا يخفى أيضًا البعد السياسي في قضية السدود؛ فقد مثلت حجر الزاوية لرؤية زيناوي لإثيوبيا جديدة تمارس حقها في استخدام مواردها الطبيعية، على نحو يمثّل مشروعًا وطنّيًا ومصدرًا للفخر الوطني في مجتمع منقسم إثنًّيًا (ينظر الخريطة)3 عانى عقودًا حروبًا داخلية 63. الخريطة)3(التشكيلات العرقية في إثيوبيا
الخريطة)4(مشروع سد النه ضة الإثيوبي وتوليد الكهرباء
تمثل السدود ركنًا أساسًّيًا في تصور إثيوبيا لدورها الإقليمي؛ إذ تهدف إلى تصدير فائض الطاقة الكهرومائية وتقديم نفسها بوصفها مركزًا من صورتها الدولية المتعلقة بكونها دولة لالطاقة في أفريقيا بدل مجاعة وفقر وحروب، وتفتقر إلى الطاقة 64 (ينظر الخريطة)4. وقد سار آبي أحمد على النهج نفسه من حيث استخدام سد النهضة لحشد الإثيوبيين للالتفاف حوله، بالنظر إلى صراعه مع زعماء إقليم اّ دموّيتايغراي الذي اتخذ حديثًا أبعادًا عسكرية وقت ل 65. انعكس التحسن في أوضاع إثيوبيا الداخلية، وتبني استراتيجية الدولة التنموية، على معدلات النمو الاقتصادي. فقد بلغ التحسن في معدلات النمو عام 2005 نسبة 12.6 في المئة، متفوقة بذلك على مصر. وتعتبر الفترة 2010-2006 ذروة التقدم في معدل النمو؛ إذ بلغ ضعف نظيره المصري (ينظر الشكل)8. وبذلك، تصبح إثيوبيا واحدة من أسرع الدول نمًّوًا في العالم. تفوقت مصر سابقًا على إثيوبيا في الجانب الاقتصادي، ثم حدثت طفرة اقتصادية إثيوبية مع بداية الألفية الثالثة ولا تزال مستمرة. وانعكس هذا الأمر على زيادة قدرة إثيوبيا على تحدي الهيمنة المصرية 66، وكان للتطورات التي حدثت على الجبهة الداخلية تداعياتها على العلاقات الخارجية لإثيوبيا أيضًا؛ إذ أدى عقد من الاستقرار الداخلي النسبي 67، إلى جانب الخبرة الواسعة في ميدان القتال في محاربة الجماعات المحلية والخارجية، إلى تطور القدرات العسكرية الإثيوبية التي صارت من أقوى القوات القتالية في قارة أفريقيا. ووظفت إثيوبيا هذا الجانب في تعزيز وضعها الدولي، فقد قدمت نفسها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001
والتركيز الأميركي على قضية الإرهاب على أنها وكيلة للولايات المتحدة في القضاء على الحركات الإسلامية المتشددة المنتشرة في دول المنطقة، خاصة في كينيا والصومال. ونجحت في التخلص من المحاكم الإسلامية في الصومال بعد تدخلها في عام 2006، وأصبحت إثيوبيا في نهاية عام 2011 أكبر مساهم أفريقي في بعثات الأمم المتحدة، كما بلغت مساهمتها الدولية أكثر من 7800 جندي ومراقب وضابط شرطة في هذه البعثات متفوقة بذلك على مصر التي شهدت مساهمتها في حفظ السلام انخفاضًا كبيرًا منذ تموز/ يوليو 2011 68. وقد تزامن مثل هذا التطور مع ضعف أصاب معظم منافسيها الإقليميين مثل ليبيا وإرتيريا والصومال وأخيرًا مصر؛ بسبب المرور بفترات من الاضطرابات الداخلية 69. ومع وصول رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الحكم في عام 2018، عمل على الاستثمار في صورة بلاده الخارجية وإنهاء الشكل)7(مقارنة معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي بين إثيوبيا ومصر)1970-2020(
صراعاتها مع دول الجوار. ومن هنا، كانت اتفاقية السلام مع إرتيريا في عام 2018 التي نال على إثرها جائزة نوبل للسلام في عام 2019 70. أدّت الأوضاع الداخلية في مصر دورًا في تمكين التطلعات الإثيوبية. وتمثلت بداية ذلك في الاتفاقية الإطارية 2010. فقد استشعرت إثيوبيا، وغيرها من دول المنبع، درجة الضعف الذي وصل إليه نظام محمد حسني مبارك بسبب تزايد المعارضة الداخلية والرفض الشعبي لقضية التوريث، وهو ما شجع إثيوبيا على رفض التحفظات
المصرية وإعلانها عن فتح المجال أمام التصديق على الاتفاقية من داخل الأراضي المصرية نفسها في شرم الشيخ أيضًا، كما مثلت ثورة 25 يناير في مصر عام 2011، وما ترتب عليها من توترات وعدم استقرار في الداخل المصري، فرصة مهمة لتطوير إثيوبيا خطط الطاقة الكهرومائية المتطلعة إليها وتنفيذ تطلعاتها في أن تصبح قوة مهيمنة في حوض النيل؛ إذ جاء الإعلان عن سد النهضة في أعقاب ثورة يناير، من دون إخطار سابق؛ وذلك بإعلان أحادي الجانب، على نحو منفرد، مرن دون التشاور مع دولتي المصب، وغّيت إثيوبيا اسمه وسعته التخزينية أكثر من مرة، وهو التغير الذي يؤشر إلى استخدام السد في تأكيد الهيمنة الإثيوبية المائية على حساب التضامن المائي والمنافع المتبادلة 71. وتشكلت لجنة ثلاثية من مصر والسودان وإثيوبيا وبعض الخبراء الدوليين، للنظر في التداعيات المحتملة للسد على ماصر والسودان، إلا أن إثيوبيا بدأت فعل في أعمال البنية التحتية من دون انتظار لتقرير تلك اللجنة 72. وقد استغلت إثيوبيا مرة أخرى حالة عدم الاستقرار الداخلي في مصر المتمثلة في الاحتجاجات المتزايدة والمعارضة المتصاعدة ضد الرئيس الراحل محمد مرسي في المضي قُدمًا في بناء السد. وبدأت إثيوبيا فعلًّيًا في تشييد السد بقرار أحادي عام 2013 بعد تصديق البرلمان الإثيوبي اتفاق عنتيبي في إثر أسبوعين فقط من صدور تقرير لجنة الخبراء الدولية بشأن سد النهضة، الذي طالبها بضرورة إجراء المزيد من الدراسات بشأن سلامة السد وآثاره البيئية والاقتصادية والاجتماعية 73. دفعت هذه الخطوة الرئيس المصري في ذلك الوقت – محمد مرسي – إلى إلقاء كلمة دعا فيها إلى الوحدة لمواجهة سد النهضة باعتباره التحدي الأكثر إلحاحًا في السياسة الخارجية المصرية. ورغم تأكيده أن الحوار يُعد أفضل وسيلة لحل الأزمة، فإنه أشار أيضًا إلى أن جميع الخيارات للتعامل مع الأزمة مطروحة على الطاولة، مؤكدًا أنه إذا تناقص نصيب مصر من مياه النيل ف "دماؤنا هي البديل." وهي التصريحات التي ردت عليها الحكومة الإثيوبية في اليوم نفسه واصفة إياها ب "الحرب النفسية" التي لا تخيف إثيوبيا، والتي لن تمنعها من بناء السد 74. وعلى الرغم من أن إطاحة محمد مرسي، في تموز/ يوليو 2013، أدت إلى تخفيف حدة التوترات نسبًّيًا بين البلدين وتبني مصر خطابًا سياسًّيًا مهادنًا يعترف بحقوق الشعب الإثيوبي في التنمية وضرورة تطوير علاقات تعاونية ومنافع متبادلة من النهر عن طريق التفاوض 75، فإن جولات المفاوضات 76 واللقاءات المتعددة التي امتدت نحو عشر سنوات لم تسفر عن أيّ توافق في النقاط الخلافية. ويدور الخلاف أساسًا حول مسألتين أساسيتين: بروتوكولات تخفيف الجفاف من خلال الاتفاق على مراحل امتلاء السد، وآلية تسوية الخلافات. وتتمسك إثيوبيا بأنه لا يوجد اتفاق قانوني ملزم بشأن هذه الأمور، ولا توجد آلية لفض النزاعات التي قد تنشب بين الدول الثلاث، كما ترفض إثيوبيا التفاعل مع النقاط الفنية المثارة من الجانب المصري بشأن إجراءات مواجهة الجفاف خلال سنوات الشح المائي؛ إذ تصر الحكومة المصرية على ملء الخزان بوتيرة بطيئة خلال فترة تراوح بين 12 و 21 سنة لحماية أمنها المائي من المخاطر. وفي المقابل، تصرّ إثيوبيا على إنجاز هذه العملية خلال ست سنوات لزيادة قدرتها على توليد الطاقة الكهربائية، بالنظر إلى حقيقة مفادها أن أكثر من نصف سكان البلاد لا تصل إليهم الكهرباء 77، وقد دعت إثيوبيا إلى اعتماد آالية ثلاثية الأطراف غير ملزمة من الدول الثلاث فحسب، على أّل تتوقف عمليات التشييد أثناء المفاوضات 78. وتطرح هذه التطورات تاساؤل أساسًّيًا: لماذا فشلت مصر في ردع إثيوبيا عن بناء السد؟
ا: عوامل فشل الردع المصري خامسً
وفقًا لمؤسسة غلوبال فاير باور Global Fire Power 79، تتمتع مصر بتفوق كمي ونوعي في القدرات العسكرية (ينظر الجدول)1. ويحتل الجيش المصري المرتبة 15 في العالم في حين يأتي نظيره الإثيوبي في المرتبة 49، ويظهر الفارق الكبير بين الميزانية المخصصة للدفاع في كل من البلدين. وعلى الرغم من أن إثيوبيا تتفوق على مصر في عدد السكان الإجمالي، فإن إجمالي القوات العسكرية في مصر يبلغ مليون و 220 ألف جندي، من بينهم 440 ألف جندي فعال و 480 ألفًا من قوات الاحتياط. وفي المقابل، يبلغ إجمالي القوات العسكرية في إثيوبيا 150 ألف جندي فعال. وإن كان من المهم هنا ملاحظة أن عدد القوات الجاهزة للخدمة يبلغ حوالى 37 ألف جندي في مصر وما يقرب من 34 ألف جندي في إثيوبيا. وتلاحظ هنا الفجوة في كل من القوات الجوية والبرية لمصلحة مصر، إضافة إلى تمتع مصر بقوات بحرية تفتقدها إثيوبيا، نظرًا إلى كونها "دولة حبيسة." وعلى الرغم من رجحان كفة القوة العسكرية المصرية، فإن المحاولات المصرية قُدمًا في مشروع سد النهضة المتعددة لردع إثيوبيا وَثَنيها عن المضي لم تُكلل بالنجاح، وهو الأمر الذي يؤكد وجود عوامل أخرى، غير تلك العوامل العسكرية، تؤثر في نجاح سياسة الردع أو فشلها. الخريطة)5(سد النهضة في منطقة بني شنقول على الحدود مع السودان
فشلت مصر في إقناع الدول المشاطئة الأخرى بالاعتراض على سد النهضة، كما فشلت من قبل في الحصول على اعتراف دول المنبع بحقوقها المائية مثلما نصت على ذلك الاتفاقيات السابقة، وهو الموقف الذي ظهر جلًّيًا من خلال اتفاقية عنتيبي وتحدي دول المنبع فكرة الهيمنة المصرية، والإصرار على رغبتها في وضع نظام قانوني جديد يعيد توزيع الحصص المائية وفقًا لمبادئ أخرى، مثل الاستخدام العادل والمنصف على حساب مبادئ الحقوق المكتسبة والتاريخية التي تتمسك بها مصر. ويرجع ذلك الإخفاق إلى فقدان خطاب الأمننة المصري جاذبيته أمام الخطاب التنموي الإثيوبي. فقد ربطت إثيوبيا موضوع السد بالتنمية وتوفير الطاقة الكهربائية النظيفة والرخيصة التي تحتاج إليها دول حوض النيل، إضافة إلى تقديمها فكرة الاقتصاد الأخضر صديق البيئة، وهي فكرة ترتكز على مشروع السد الذي سيقلل من آثار تغير المناخ نتيجةً للاعتماد على الطاقة الكهرومائية النظيفة المتولدة منه 80، وهو بالتأكيد الخطاب الذي كان أكثر جاذبية من خطاب الأمن المائي والحقوق التاريخية والمكتسبة الذي ارتكزت عليه الدبلوماسية المصرية، كما أفقد إهمال الدبلوماسية المصرية للقارة الأفريقية منذ عهد محمد أنور السادات كثيرًا من نفوذها وقوتها الناعمة التي تمتعت بها سابقًا، وسمح
الجدول)1(مقارنة بين القدرات العسكرية المصرية والإثيوبية وفقًا لموقع "غلوبال فاير باور")2023(
| مصر | إثيوبيا | عناصر القوة العسكرية |
|---|---|---|
| 13 | 60 | ترتيب القوات المسلحة عالمًّيًا |
| 440000 | 150000 | القوات العاملة |
| 480000 | 0 | القوات الاحتياطية |
| 300000 | 0 | القوات شبه العسكرية |
| 1220000 | 150000 | إجمالي القوات العسكرية |
| 4357200000 | 538000000 | الميزانية المخصصة للدفاع (بالدولار) |
| 1069 | 89 | مجموع الطائرات الكلي |
| 245 | 23 | الطائرات المقاتلة |
| 88 | 0 | الطائرات الهجومية الخاصة |
| 11 | 0 | طائرات المهمات الخاصة |
| 92 | 6 | طائرات الهليكوبتر الهجومية |
| 4664 | 468 | الدبابات |
| 77596 | 6240 | العربات المدرعة |
| 1489 | 100 | المدفعية الذاتية الدفع |
| 2189 | 319 | قوات سحب المدفعيات |
| 1575 | 183 | المدفعيات الحاملة للصواريخ |
| 245 | لا يوجد [دولة حبيسة] | الأسطول البحري |
| لا يوجد | لا يوجد | حاملات الطائرات |
| 8 | لا يوجد | الغواصات |
| لا يوجد | لا يوجد | المدمرات البحرية |
| 13 | لا يوجد | الفرقاطات الحربية السريعة |
| 7 | 0 | الطرادات |
| 23 | 0 | السفن المضادة للألغام |
بتغلغل قوى ومصالح أخرى مناوئة ومتحدية للدور المصري عمومًا، وهو ما وضح في موقف الاتحاد الأفريقي من الأزمة 81. أخيرًا، لم تستطع مصر توظيف تفوقها العسكري أمام إثيوبيا لمنع بناء السد لأسباب فنية وسياسية أيضًا. وبما أن مصر وإثيوبيا لا تشتركان في حدود، فإن الخيار العسكري الأمثل بالنسبة إلى مصر لوقف بناء السد يصبح هو الضربة الجوية. إلا أن قوة مصر الجوية لا تملك المدى العملياتي الذي يمكنها من القيام بالمهمة؛ فهي، على سبيل المثال، لا تملك طائرات تزويد الوقود في الهواء؛ ما يحد من قوتها الجوية خارج الحدود الوطنية، كما أن القاذفات التقليدية التي تمتلكها ربما لا تؤثر في الإنشاءات الحالية للسد. فإ لحاق ضرر بالسد يتطلب قاذفات قادرة على حمل كميات ضخمة من القنابل والطيران بها مسافات طويلة. وتفتقد مصر، كذلك، قواعد عسكرية في جوارها الجنوبي يمكنها استخدامها في تنفيذ هذه الهجمات. ويستلزم الأمر أيضًا موافقة السودان لكونها "دولة وسط"، وهو ما قد يكون أمرًا صعبًا، بالنظر إلى التقارب السوداني - الإثيوبي، إضافة إلى أن فشل مصر في حشد التحالفات الخاصة بها في هذه القضية يعني عدم تمتعها بالدعم الدولي في حالة اللجوء إلى الخيار العسكري. ويزداد هذا البعد تعقيدًا بناءً على مشاركة شركات دولية خاصة من إيطاليا والصين في بناء السد، وكذلك الاستثمارات الخليجية في منطقة حوض النيل؛ فكل هذه العوامل ستجعل الحل العسكري ذا تبعات دولية خِطِرة 82، فضلًاعن تأثيره في مصالح حلفاء أساسيين للنظام المصري.
خاتمة: تفسير أزمة سد النهضة من منظور واقعي بين النجاح والإخفاق
تمثل أزمة سد النهضة حالة دراسية تتجلى فيها نجاحات المنظور الواقعي جنبًا إلى جنب مع إخفاقاته. فكما أوضحت الدراسة، أساسًّيًا في تحديد نمط التفاعل السائد بين دول شاكّلت القوة عامل حوض النيل. وعندما تفوقت مصر في عناصر القوة، استطاعت فرض هيمنتها على الإقليم وردع أيّ مشاريع قد تؤثر في أمنها المائي، وعندما تراجعت قوتها، ضعفت قدرتها على الردع وَفْرْ ض أجندتها المائية في حوض النيل. وبالنسبة إلى حالة إثيوبيا، فإن الأمر على عكس ذلك. وهذه النتيجة تعكس الفكر الواقعي في تصوره للعلاقات بين الدول التي تتنافس من أجل القوة، التي تحتل مكانة مركزية في الفكر الواقعي عمومًا، وتصوره المتعلق بالحفاظ على المكانة وتحقيق الأمن. ولهذا، فإن أولوية كل دولة تركز على البحث عن الحماية الذاتية أو الاعتماد على الذات في مواجهة العالم الخارجي.
وتعكس حالة سد النهضة التصور الواقعي الخاص بتضارب المصالح، الذي يؤدي إلى المعضلة الأمنية، ويمكن تسميتها في هذه الحالة ب "المعضلة المائية." فالفشل المستمر لجولات المفاوضات المتكررة بين مصر وإثيوبيا تحديدًا يكشف عن تضارب مصالح الأطراف المعنية، ورؤية كل طرف لمكاسب الطرف الآخر على أنها خسائر له، وهو ما يتفق مع افتراضات الواقعية حول صعوبات التعاون في إطار احتمالات الغش والخداع، وكذلك بسبب التركيز على المكاسب االنسبية بدل من المطلقة. وقد يدل على ذلك أن التوقيع على إعلان النيّات بين الدول الثلاث في عام 2015 – مثلما أشارت الدراسة – لم يترجم إلى إجراءات متبادلة لبناء الثقة بقدر ما عكس مراوغة إثيوبيا وتنصّلها من الالتزام ببنوده المهمة، كما تعكس الأفكار الخاصة بالتوزيع المنصف منطق المكاسب النسبية؛ فإثيوبيا، ومعها الكثير من دول المنبع، لم تسَعَ للتوصل إلى اتفاق جديد ينظم الاستفادة من مياه النيل لمصلحة الجميع، ولكنها كانت تقارن أساسًا ما تحصل عليه من مياه بما هو مخصص لكل من مصر والسودان، على الرغم من التفاوت الكبير في الاحتياج إلى المياه لدى الجانبين. وتعكس حالة المفاوضات التي جرت بين الطرفين المنطق الصراعي للعلاقات بين
الشكل)8(حجم الاستثمارات الصينية في إثيوبيا 2008-2020() (بملايين الدولارات)
الدول الذي تفترضه الواقعية. فالدول في بحثها عن القوة وتعزيز االأمن، تتعارض إرادتها وتدخل حتم في صراع. وهذا ينطبق على حالة الصراع على الهيمنة على حوض النيل الدائر بين مصر وإثيوبيا؛ إذ يتعارض سعي الأخيرة للقوة والأمن الاقتصاديين، الُمُفترض تحققهما من تشييد السد، مع الأمن المائي لمصر؛ ولذلك، فإن الصراع هو السمة السائدة للعلاقة بين الطرفين. وتعكس أيضًا عملية بناء التحالفات في حالة سد النهضة النظرة الواقعية المرتبطة بتوازن التهديد القائمة على أن الدول تخشى من تهديد بعضها أكثر من خشيتها من تفوق قوة بعضها على بعضها الآخر. فقد عملت إثيوبيا على تشكيل تحالف من دول المنبع لمواجهة الهيمنة المصرية من ناحية، ووسعت من دائرة تحالفاتها الدولية من ناحية أخرى. ولا يبدو أن دافع إثيوبيا من هذه التحالفات هو زيادة قوتها بالضرورة، ولم يكن رًّدًا على زيادة القوة المصرية. وإنما جاءت التحالفات الإثيوبية في إطار جهودها لموازنة التهديد المتصور من الهيمنة المصرية. وقد حاولت مصر كذلك تشكيل تحالفات لمواجهة التهديد الإثيوبي وموازنته، وليس لإعادة توزيع القوة معها. وُيُعد الفشل في تحقيق أهداف السياسة المصرية في موضوع سد النهضة بمنزلة هزيمة لسياسة التحالفات المصرية. تتوافق حالة سد النهضة مع افتراضات الواقعية الجديدة الخاصة بأثر النظام الدولي في سلوك الدول. وهنا يمكن النظر إلى التغيرات التي حدثت في النظام الدولي للتمويل بوصفها من أسباب صعود الصين وقيامها بدور أساسي في عملية تمويل البنى التحتية في أفريقيا، وخاصة في منطقة حوض النيل. فقد أوضحت الدراسة خسارة مصر "ورقة حق الاعتراض" على تمويل السد. فبعد أن كانت المؤسسات الدولية المانحة تشترط موافقة أطراف حوض النهر قبل الشروع في تمويل أي مشروع من مشاريع السدود، خلا التمويل الصيني من مثل هذه المشروطية، وهو الأمر الذي أثر سلبّي ا في قدرة مصر التفاوضية في هذه الأزمة. على الجانب الآخر، تكشف حالة سد النهضة عن بعض القصور في النظرية الواقعية. ويأتي في مقدمة هذا الضعف ما يتعلق بإهمال العوامل الداخلية. فقد قامت الواقعية على افتراض أساسي متمثل في الفصل بين المجالين الداخلي والخارجي على اعتبار أنه يوجد هدف واحد تتشابه كل الدول في السعي لتحقيقه؛ هو القوة لدى الواقعية الكلاسيكية، والأمن والبقاء، لدى الواقعية الجديدة، وهما يمثلان المصلحة القومية التي لا تتأثر بالداخل. وتكشف أزمة سد النهضة عن صعوبة الفصل بين المجالين الداخلي والخارجي، فالتطورات الداخلية في إثيوبيا، على سبيل المثال، شجعت على إعادة صياغة أهدافها في المجال الخارجي، وعلى تعريفها لمصادر قوتها، وقد أدّت عوامل عدم الاستقرار في مصر دورها في غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع الأزمة، وازدادت صعوبة التعامل مع الأزمة بالنظر إلى تردي الأوضاع الاقتصادية والانقسام الداخلي؛ إذ انعكست الأوضاع على مكانة مصر وقدرتها على بناء تحالفات فعالة أمام إثيوبيا. تؤكد الواقعية كذلك على الارتباط بين الأمن والقوة العسكرية، فالدول تعتمد على الوسائل العسكرية من أجل تحييد التهديد وتحقيق الأمن، وتعد الأخطار العسكرية أهم تهديد لأمن الدولة. ويتضح من حالة سد النهضة أن مصادر التهديد لم تكمن في الأخطار
العسكرية، ولكنها تتعلق بتأمين موارد الدولة الحيوية (في حالة مصر)، أو التأثير في جهودها الاقتصادية التنموية (حاالة إثيوبيا مثل)، ثم إن التفاوت الواضح في القوة العسكرية لم يرجّح كفة الموقف المصري في مقابل الموقف الإثيوبي. ولئن لم يغب التلويح بالتهديد العسكري كلًّيًا عن المشهد، فإنه لم يؤ إلى انفراجات حقيقية في حل الأزمة، ولم يؤثر في مسار المفاوضات التي جرت بين الطرفين. تُعرّف الواقعية القوة أساسًا بالقوة الصلبة – العسكرية والاقتصادية – التي تعتمد على القدرات المادية القابلة للتوظيف لإجبار الأطراف الأخرى على القيام بما ترغب فيه. إلا أن دراسة حالة سد النهضة توضح أن القوة المادية ليست العامل الوحيد في تحقيق مصالح الدولة وأهدافها أو هيمنتها؛ إذ توجد أيضًا مصادر القوة الناعمة التي تقوم على الإقناع والجاذبية. ومن ثمّ، فإن تعريف القوة كما تتبناه الواقعية يُعد قاصرًا عن فهم الأبعاد المختلفة لظاهرة الهيمنة، ولا يقدم تفسيرات كلّية لحقيقة علاقات القوة بين الدول. وعلى سبيل المثال، لم تعتمد إثيوبيا في تحديها للهيمنة المصرية على عناصر قوتها المادية فحسب، بل عملت أساسًا على صياغة خطاب أكثر جاذبية لدول المنبع، وتصدير خطاب التنمية "النظيفة" للترويج للسد على المستوى الدولي. وفي المقابل، لم ينجح الخطاب المصري في حشد التأييد والدعم بالقدر الذي رغبت فيه مصر. وهكذا، فإن القوة الناعمة هي أحد أهم مكونات القوة والهيمنة التي يستند إليها الفاعلون. وتحدد قدرة الفاعلين على المزج بين عناصر القوة الصلبة والناعمة (يطلق عليها القوة الذكية) درجة نجاحهم في تحقيق أهدافهم بكفاءة وفاعلية. وبناءً على هذا، يتوقف نجاح أي تحرك مصري تجاه أزمة سد النهضة على مدى قدرتها على توظيف عناصر القوة المتاحة وأدواتها، وتعزيزها، والتنسيق بينها. ويبدو من مسار الأحداث، إلى حد الآن، أن إثيوبيا كانت أكثر نجاحًا من مصر في توظيف القوة الذكية. وهكذا، إذا كانت أزمة سد النهضة تلقي الضوء على استمرارية انطباق منطق القوة على العلاقات بين الدول واستخدام القوة لاستدامة الترتيبات غير المنصفة لتقاسم المياه أو لتأسيس هيمنة بديلة، فإنها تكشف أيضًا عن قصور مفاهيم القوة والأمن والهيمنة كما تعرفها النظرية الواقعية، ويظل التساؤل مطروحًا: أتصف أفكار تُنِشِئه؟ النظرية الواقعية الواقع أم
المراجع
العربية
إبراهيم، شيرين محمد شفيق. "السياسة الخارجية المصرية تجاه سد النهضة الإثيوبي." المركز الديمقراطي العربي. 2015/12/29 فh يttps://bit.ly/3Bli2EZ: أبو بكر، إسراء. "دور الاتحاد الأفريقي في تسوية أزمة سد النهضة." المركز الديمقراطي العربي (حزيران/ يونيو.)2022 فh يttps://bit.ly/3M1p0E3: أبو زيد، أحمد محمد. "الضفة الأخرى: الرؤية الإثيوبية للصراع على سياسات عربية. مج مياه النيل." 2، العدد 7.)2014(جمهورية مصر العربية. وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير التنمية البشرية في مصر 2021: التنمية حق للجميع، مصر المسيرة والمسار. مصر 2021: فh يttps://tinyurl.com/mr6u78nc: حبش، لورد. "الهيمنة في العلاقات الدولية: مراجعة للمفهوم في ضوء سياسات عربية. مج الحالة الأميركية." 1، العدد 4.)2021(حسن، مايسة خليل. "محددات السياسة الخارجية المصرية تجاه دول حوض النيل منذ 2014':' إثيوبيا نموذجًا." المركز الديمقراطي العربي 2022/5/27. في https://bit.ly/3MolTaQ:. حمدان، سوسن صبيح. "تأثير سد النهضة الإثيوبي على مستقبل الموارد المائية في مصر والسودان." مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية. العدد.)2015(51 ساتيك، نيروز غانم وأحمد قاسم حسين. "التغيرات في بنية النظام الدولي وانعكاساتها على الثورات العربية." سياسات عربية. مج 1، العدد 3.)2013(شافعي، بدر حسن. "تقييم وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة." مركز الجزيرة للدراسات. 2015/4/6:. في https://bit.ly/3nXDfSq _______. مصر وإثيوبيا وصراع الهيمنة على حوض النيل: سد النهضة نموذجًا. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2021 شروف، عصام. "اتفاقيات حوض النيل في ضوء أحكام القانون الدولي." المستقبل العربي. العدد 478.)2018(فh يttps://bit.ly/3O7APLO:
طايع، محمد سالمان. "تسعير المياه والفكر المائي الجديد." السياسة الدولية. العدد.)2006(163 عبد الرحمن، حمدي. "إثيوبيا والخديعة الكبرى." مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. 2021 فh يttps://bit.ly/42tDUKv: عمار، رضوى سيد. "السياسة الإثيوبية تجاه نهر النيل من منظور القوة الجيواقتصادية المائية." مجلة كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية. جامعة الإسكندرية. مج 7، العدد 14.)2022(قاسم، نور علي وشذى زكي حسن. "أزمة سد الن هضة بين مصر مجلة حمورابي للدراسات. مج وإثيوبيا." 2، العدد 45)2023(مجموعة البن ك الدولي. "نمو إجمالي الناتج المحلي %(سنوًّيًا) - بيانات البنك الدولي ". Egypt, Arab Rep., Ethiopia https://tinyurl.com/32777h7y:. في المفتوحة محي الدين، شريف. "قصة السد الذي أشعل نار الخلاف بين ومصر." مالكوم كير إثيوبيا -كارنيغي. 2021/4/20 فh يttps://bit.ly/42vFJpX: مصطفى، مروة خليل محمد. "مفهوم الهيمنة في نظريات العلاقات الدولية." المجلة العلمية لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية. جامعة الإسكندرية. مج 5، العدد 9.)2020(المفتي، أحمد. "مفاوضات سد النهضة من الألف إلى الياء." المعهد المصررري للدراسات. 2020/7/24:. في http://bit.ly/41CxPKe الهلالي، هالة السيد. "الأمن المائي المصري: دراسة في التهديدات والمخاطر وآليات المواجهة 'سد النهضة نموذجًا."' مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. مج 20، العدد 2.)2019(
الأجنبية
Cascao, Ana Elisa. "Ethiopia- Challenges to Egyptian Hegemony in the Nile Basin." Water Policy. vol. 10, no. S2 (2008). _______. "Changing Power Relations in the Nile River Basin: Unilaterlaism vs. Cooperation." Water Alternatives. vol. 2, no. 2 (2009). Cox, Robert. "Gramsci, Hegemony and International Relations: An Essay in Method." Millennium: Journal of International Studies. vol. 12, no. 2 (1983). Gebreluel, Goiton. "Ethiopia's Grand Renaissance Dam: Ending Africa's Oldest Geopolitical Rivalry?" The Washington Quarterly. vol. 37, no. 2 (2014). Gilpin, Robert. The Nature of International Change. London: Routledge, 2014. "Comparison of Egypt and Ethiopia Military Strengths." Global Firepower. 2023. at: https://bit.ly/3I7J2vr Held, David & Anthony McGrew (eds.). Governing Globalization: Power, Authority and Global Governance. London: Polit y Press, 2002. Mazarr, Michael. "Understanding Deterrence." RAND Corporation. 2018. at: https://bit.ly/3I5T8Ng Mearsheimer, John. Conventional Deterrence. New York: Cornell University Press, 1983. _______. The Tragedy of Great Power Politics. New York: W.W. Norton & Company, 2001. Millarsky, M. I. (ed.). Handbook of War Studies. Boston: Unwin Hyman, 1989. Ministry of Information (Ethiopia). Foreign Affairs and National Security: Policy and Strategy. Addis Ababa: Ministry of Information, Press & Audiovisual Department, 2002. Nasr, Hala & Abdreas Reef. "Ethiopia's Challenge to Egyptian Hegemony in the Nile River Basin: The Case of the Grand Ethiopian Renaissance Dam." Geopolitics. vol. 21, no. 4 (2016). Qing, Kam Kai. "The Viability of Deterrence Strategies for Non-Nuclear States." Journal of the Singapore Armed Forces. vol. 44, no. 1 (2018). Quackenbush, Stephen L. & Frank C. Zagare. "Modern Deterrence Theory: Research Trends, Policy Debates, and Methodological Controversies."
Oxford Handbooks Online (May 2016). at: https://bit.ly/3I5Ttj0 Roll, Stephan. "The Nile Conflict and Egypt's Failed Power Projection." ISPI. 15/9/2020. at: https://bit.ly/3pFmpIk Schelling, Thomas C. Arms and Influence. New Haven: Yale University Press, 1972. Snyder, Glenn. "Deterrence and Power." Journal of Conflict Resolution. vol. 4, no. 2 (1961). Tawfik, Rawia. "Revisiting Hydro-hegemony from Benefit-Sharing Perspective: The Case of the Grand Ethiopian Renaissance Dam." Discussion Paper. German Development Institute. May 2015. Walt, Stephen. "Testing Theories of Alliance Formation: The Case of Southeast Asia." International Organization. vol. 42, no. 2 (1988). Waltz, Kenneth. Theory of International Politics. California: Addison-Wesley, 1979. _______. "Structural Realism after the Cold War." International Security. vol. 25, no. 1 (2000). Waterbury, J. The Nile Basin: National Determinants of Collective Action. New Haven: Yale University Press, 2002. Wirtz, James J. "Deterring the Weak: Problems and Prospects." Security Studies Center (IFRI). 2012. Zeitoun, Mark & Jeroen Warner. "Hydro-Hegemony- a Framework for Analysis for Transboundary Water Conflicts." Water Policy. no. 8 (2008).